عبد الرحمن ثقة، وفد صح سماعه من جابر، ومسكين بن بكير أبو عبد
الرحمن الحذاء لا باًس به. قاله ابن معين، وكذا أيضا قال فيه أبو حاتم،
والحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم: صدوق لا بأس به، وسائر من في
الإِسناد لا يسأل عنه، وعن يحيى في هذا المعنى غير هذا مما ذكره الدارقطني
في علله، إلَّا أنه لم يوصل به إليه الأسانيد. انتهى ما ذكره، وفيه نظر من
وجوه، الأول: كونه عصب الجنابة برأس الراوي عن أبي سعيد، وحكم عليه
بالجهالة؛ ولذلك صح له تضعيف حديثه، وليس كذلك، فإنه ممن وثقة
الحافظان أبو بكر بن خزيمة وأبو حاتم البستي، قال أبو حاتم: عياض بن هلال
الأنصاري، ومن زعم أنّه هلال بن عياض فقد وهم، قال ابن أبي حاتم:
وعياض بن هلال أشبه، ورجّحه البخاري ومسلم بن الحجاج في الوجدان،
والدارقطني، وذكر البخاري في شواهد صحّ فيه الحديث، وفي مسلم معناه:
" لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل " (١) ولما ذكر الترمذي في جامعه حديث:
" إذا لم يدرك أحدكم كم صلى " (٢) من رواته عياض هذا عن أبيِ سعيد،
قال فيه: حسن، ولما خرج ابن خزيمة في صحيحه عن أبي موسى، نا ابن
مهدي، نا عكرمة عن يحيى عن هلال بن عياض، حدثني أبو سعيد …
فذكره، اتبعه قول: نا محمد بن يحيى، نا مسلم بن إبراهيم- يعني الوراق-
نا عكرمة بن عمار عن يحيى عن عياض بهذا الإِسناد نحوه قال: وهذا هو
الصحيح، هذا الشيخ هو عياض بن هلال، روى عنه يحيى بن أبيِ كثير غير
حديث، وأحسب الوهم من عكرمة حين قال: عن هلال، ورواه ابن حبان
في صحيحه/عن أبي يعلي، نا محمد بن أبي بكر المقدسي، نا إسماعيل بن
стр. 142
سنان، نا عكرمة يحيى بن عياض بن هلال … فذكره، ولفظه: " لا يقعد
الرجلان على الغائط يتحدثان يرى كل واحد منهما عورة صاحبه، فإن الله
يمقت على ذلك ".
الثاني: قوله في الحسن بن أحمد: صدوق لا بأس به، ففيه أيضا نظر؛
وذلك أنه ممن شرح مسلم حديثه في صحيحه وقال فيه: علي بن الحسن ثقة
مأمون، وقال الخطيب نحوه، فعلى هذا لا يقال فيه صدوق لا بأس به مكتفيا
بذلك عرفا.
الثالث: في تصحيحه هذا الحديث نظر، وذلك أن الذي نقل أبو الحسن
كلامه ذكر طريق مسكين هذه ولم يصححها، وزعم أن أشبه الأقوال
بالصواب حديث عياض بن هلال، فعلى هذا لا يكتفي بجودة الطرائق إذ ثبت
عند الدارقطني تقليله، اللهم إلَّا لو لم تكن مذكورة عنده كأن يقال أنه لم
يروها فأما عند الرواية فلا، والله أعلم.
الرابع: قد وجدنا لهذا الحديث طريقا جيّدة لا مطعن فيها، ذكرها أبو
القاسم الطبراني في الأوسط، فقال: حدّثنا أحمد بن محمد بن صدقة، نا
محمد بن عبد الله محمد بن عبيد بن عقيل المصري، نا جدي عبيد بن
عقيل، نا عكرمة بن عمار عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال عليه
السلام: " لا يخرج الرجلان … " الحديث. قال عكرمة: يعني هكذا إلا
عبيد بن عقيل. انتهى. هذا عبيد روى عنه جماعة، وقال فيه أبو حاتم
الرازي: صدوق، وقال يعقوب: لا أعلم إلَا خيرا، وابن ابنه روى عنه جماعة
أيضا، منهم النسائي، وقال: لا بأس به، ولم أر أحدا من الأئمة تفرض
لتقليلها، والله أعلم.
الخامس: ضبطه اضطراب- بضم الهمزة- فغير صواب؛ لأنّ عكرمة
يضعفه اضطراب فيه كيحيى، لما تقدّم من كلام أبي داود عن ابن خزيمة وأبي
القاسم- رحمهم الله تعالى-.
السادس: عيبه على أبي محمد قوله: لم يسنده إلا عكرمة، فليس بشيء؛
стр. 143
لأنّ عبد الحق خرّج الحديث/من عند أبي داود وهو قائل ذاك كما تقدّم فهو
في ذلك متقلّد لأبي داود، فإن كان عيب فلأبي داود، لا له.
السابع: هو دائمًا يعيب على الإشبيلي أبعاده النجعة، وهنا استعملها لأنّ
الحديث عند أبي الحسن في كتاب العلل كما قدمناه، فذكره من عند ابن
السكن أبعاد للنجعة، ولو كان سبقًا، ولعل قائلًا يقول: إنما ذكره من عنده
لتصحيحه إياه، وليس كذلك؛ لأن أبا علي لم يصححه، إذ لو صححه لكان
مصححًا حديث أبي سعيد، وابن القطّان أبي ذلك؛ ولهذا ذكر حال رجال
إسناده، ويشبه أن يكون عذره في ذلك كون الدارقطني ذكره منقطعًا بلا
إسناد موصل إليه، ومع ذلك فلا عذر له في تركه كلام الدارقطني مع رؤيته
له، والله أعلم، وقد ذكره أيضًا الإِسماعيلي من حديث يحيى بن أبي كثير،
ذكرنا ذلك استظهارًا، ولا يطالبه به، وفي قول أبي داود: هو مرسل إشعار بأن
وصله غير صواب عنده، وإلَّا فالطريق المذكور عنده لا خلاف في رفعها
ووصلها، وأمّا قوله أنّ عكرمة في يحيى ليس بذاك، فقد خالفه في ذلك
الإمام أبو الحسين حيث خرج له عنه في صحيحه- حدّثنا بذلك- واستشهد
البَخاري بحديثه عنه أيضًا في صحيحه، وأما فول من قال: عياض بن عبد
الله، وفي تاريخ البخاري عياض بن أبي زهير، فيشبه أن يكون شيبان؛ لما رواه
عن يحيى نسى اسم أبيه فسمّاه عبد الله، والخلق كلهم عبيد الله، وقول
الأوزاعي: ابن أبي زهير يحتمل أن يكون كنية أبيه، وبهذا وبما أسلفناه تجتمع
الأقوال، ويصير مذهب التهاون والاختلال.
стр. 144
النهي عن البول في الماء الراكد
حدثنا محمد بن رمح، نا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر عن
رسول الله ﷺ أنه: " نهى أن يبال في الماء الراكد " هذا حديث خرجه
مسلم (١) في صحيحه من حديث الليث/، وكان لا يقبل من حديث أبي
الزبير إلَّا ما كان مسموعا له، فيما ذكره ابن القطان عنه، وذكره الحاكم في
تاريخ نيسابور من حديث سفيان عنه، أنا جابر به، ورواه أبو نعيم من حديث
عباد بن كثير عن أبي الزبير بلفظ: " لا يبولن أحدكم في الماء الراكد الدائم
ثم يتوضأ منه " أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو خالد الأحمر عن ابن
عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : " لا يبولن أحدكم في
الماء الراكد " وهذا اجتمع على تخرج أصله الأئمة الستة من حديث أبي
هريرة، وحديث الباب أخرجه ابن حبان في صحيحه، ورواه أبو داود عن
مسدد ثنا يحيى عن محمد بن عجلان، فخالف أبا خالد في لفظه، وصرح
بسماعه من أبيه، وسماع أبيه من أبي هريرة، ولفظه: " لا يبولن أحدكم في
الماء الدائم، ولا يغتسل به من الجنابة " (٢) . وفي لفظ البخاري: " ثم يتوضأ
منه " وفي لفظ: " نهى أو نهي أن يبول الرجل في الماء الدائم أو الراكد، ثم
يتوضأ فيه أو يغتسل منه " (٣) وفي رواية: " أو يشرب منه " وأعاد ابن
стр. 145
ماجة (١) ذكره في باب: الجنب ينغمس في الماء الدائم: حدثنا بلفظ: " لا
يغتسل أحدكم في الماء الدائم " حدثنا محمد بن يحيى، نا محمد بن المبارك،
نا يحيى بن حمزة، نا ابن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول
الله ﷺ : " لا يبولن أحدكم في الماء الناقع " (٢) هذا حديث ضعيف
الإِسناد برواية إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عبد الرحمن بن الأسود بن
سوارة، ويقال: الأسود بن عمرو بن رياش، ويقال: كيسان أبو سليمان
القرشي البلوى، ضعيف، ذاهب الحديث، وسيأتي ذكره بعد في باب الوضوء
من سنن البزار- إن شاء الله تعالى- الماء الراكد. هو الدائم الذي لا يجري،
يقال: ركد الماء ركودًا، وركدت الريح سكنت، وركد الميزان إذا استوى،
والناقع المجتمع في فزارة. ذكره الهروي.
стр. 146
التشديد في البول
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب لم
عن عبد الرحمن بن حسنة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده الدرقة
فوضعها، ثم جلس فبال إليها، فقال بعضهم: انظروا إليه يبول كما تبول
المرأة، فسمعه النبي ﷺ فقال: " ويحك أما علمت ما أصاب صاحب بني
إسرائيل؛ كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض فنهاهم، فعذب في
قبره " (١) ، هذا حديث قال فيه الحاكم لما خرجه من حديث سفيان وعبيد
الله بن موسى وزائدة وعبد الواحد بن زياد قالوا: حدثنا الأعمش بلفظ:
" انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي ﷺ فخرج ومعه درقة … " (٢)
الحديث: هذا حديث صحيح الإِسناد، ومن شرط الشيخين إلى أن يبلغ: تفرد
زيد بن وهب بالرواية عن ابن حسنة، ولم يخرجا هذا اللفظ، وفيما قاله نظر،
بل هو على شرطهما، ولا نظر إلى تفرد زيد؛ لأنهما رويا عن جماعة لم يرو
عن أحدهم إلَّا شخص واحد، وهذا مما وهم عليهما فيه، وقد بيّنا ذلك في
أوهامه في كتاب علوم الحديث، ورواه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلي،
نا أبو حاتم، نا خيثمة، ثنا محمد بن حازم كحديث الباب لا ذكر لعمرو فيه،
وزيد المشار إليه هو ابن وهب الجهني أبو سالم الكوفي، رحل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَا
فَقُبِض وهو في الطريق؛ فلذلك عُد من المخضرمين، وإن كان مسلم لم يذكره
فيهم، وزعم ابن منجويه أنه من همدان، وجمع الكلاباذي بين النسبين، ولا
جمع إلَّا أن يكون بخلف أو شبهة، قال أبو سعد: زيد جهني أحد بني
حسل بن نضر بن مالك بن عدي بن الطول بن عوف بن عطفان بن يثرب بن
جهينة بن قضاعة- وبنحوه ذكره الكلبي في الجامع وغيره، حديثه في
الصحيحين، وعبد الرحمن بن حسنة- وهي أمه- وأبو عبد الله بن المطاع بن
стр. 147
الغطريف بن عبد العزي بن جثامة بن مالك بن ملازم بن مالك بن رُهم بن
سكر بن ميسر، رواه كما رواه منصور، فظهر بذلك ترجيح حديثه على غيره،
ابن العزيز مراجي بن مُرّ/ويقال كان ويقال أنه كان من كندة، وهو أخو
شرحبيل بن حسنة. كذا ذكره البخاري وأبو داود السجستاني في كتاب
الأخوة وأبو زرعة الدمشقي في كتاب الأخوة أيضًا، وأنكر ذلك ابن أبي
خيثمة وبعده اليشكري، وكانت أمه مولاة لعمر بن حبيب بن وهب بن
حذاقة بن جمح، وهاجرت إلى الحبشة؛ فلذلك عدّه ابن شهاب في خلفاء بني
جمح، وقيل: إنّها ليست أمه بل تبنَّته، ونسبه البخاري قرشيًا، ولا منافاة بينه
وبين ما تقدّم؛ لأنه قرشي بالخلف في زهرة، أو بالولاء في جمح، وأمّا من
قال: كندي فبالنسبة إلى نسب أمه، فإنّها منهم، والله أعلم، واختلف في
القائل: " انظروا إليه يبول كما تبول المرأة " فعند أبي داود والعسكري أن
عمرًا وابن حسنة قالا ذلك، وفي كتاب البغوي: فقال بعضنا لبعض، وعند
النسائي: بعض القوم لبعض، وكل ذلك قريب، وفي حديث البغوي والطبراني
زيادة تبيّن معنى الإنكار على أي وجه كان، وهو قوله: " انظروا إليه يبول كما
تبول المرأة " وفيَ لفظة: " إما أن يكون سمع وإما أن يكون أخبر " فإن
الأحاديث المتقدّمة موهمة أنّ ذلك للاستتار أو للجلوس. حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، نا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس
قال: " مر رسول الله ﷺ بقبرين جديدين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان
في كبير؛ أمّا أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي
بالنميمة " (١) وفي صحيح ابن حبان حديث أبي هريرة بمثل حديث ابن عباس
مطولًا. هذا حديث اجتمع على تخريجه الأئمة الستة في كتبهم، وقال
الترمذي: حديث صحيح، وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد عن ابن
стр. 148
عباس، ولم يذكر فيه طاوسا، ورواية الأعمش أصح، وكذا ذكره البخاري
في كتاب العلل، وخالف وأبى ذلك في جامعه الصحيح، فذكر حديث
منصور أثر حديث الأعمش؛ فيحتاج إلى تأويل ذلك بأن يكون ظهر له
ترجيحه بوجه من الوجوه،/وأظن ذلك؛ لأن شعبة روى عن الأعمش كما
رواه منصور. ذكر ذلك أبو موسى المدني في كتاب الترغيب من حديث أبي
داود الطيالسي، نا شعبة به، ولفظه: " أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس،
وأما الآخر فكان صاحب نميمة " (١) وقال أخره: كذا قال عن الأعمش عن
مجاهد عن ابن عباس، والمحفوظ من حديث الأعمش عن مجاهد عن طاوس،
وفي حديث الأعمش الإسماعيلي من طريق شعبة عنه: ثنا مجاهد قال شعبة:
وأخبرني به منصور مثلَ إسناد سليمان وحديثه، فلم أنكره منه، فهذا الأعمش
رواه كما رواه منصور؛ فظهر بذلك ترجيح حديث على غيره، وأما أبو حاتم
البستي فذكر في صحيحه الحديثين جمعيا، وقال: سمع مجاهد هذا الخبر عن
ابن عباس، وسمعه عن طاوس؛ فالطريقان جمعيا محفوظان، ففي هذا شفاء
للنفس وإزالة للبس بتصريحه بسماع مجاهد هذا الحديث من ابن عباس-
رضى الله عنهما- ولولا ذلك لكان لقائل أن يقول أن مجاهدا مدلس، فلو
عدى عنه ذلك أو صرّح بالسماع كنّا نقول: رواه عنهما، وأما ما في هذه
الحالة فنجزم بالانقطاع، وعلى تقدير صحة ذلك لم يكن حديث الأعمش
أصح، إنما يكونا صحيحين، وفي لفظ البخاري: " ثم أخذ جريدة رطبة
فشقّها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟
قال: لعله يخفّف عنهما ما لم ييبسا " (٢) . وفي رواية: " وما يعذبان في
كبير، ثم قال: بلى كان أحدهما " (٣) وفي لفظ مسلم: " لا يستنزه عن
البول- أو من البول- " مع لفظ لأبي داود و" يستتر " مكان يستنزه، وفي
لفظ للبخاري: " يستبرئ " زاد ابن الجوزي في قصة يوسف- ﵇
فأورق كل واحد من الفصين واخضر وأورق من ساعته، ففرح النبي ﷺ
وقال: " رفع عنهما العذاب بشفاعتي " (٤) .
стр. 149
حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عفان، نا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي
هريرة، قال رسول الله ﷺ : " أكثر عذاب/القبر من البول " (١) هذا حديث صحيح
الإسناد، قال الشيخ ضياء الدين المقدسي لما ذكره: إسناده حسن، وما أعلم بأن الحاكم
حَكم بصحته على شرط الشيخين، قال: ولا أعرف له علّة، وله شاهد من حديث أبي
يحيى: " عامة عذاب القبر من البول " (٢) ، وصححه أيضًا البخاري- ﵀،
حدّثنا أبو بكر بن شيبة، نا وكيع، نا الأسود بن شيبان، حدثني ابن مرّار عن جدّه أبي
بكرة قال: " مرّ النبي ﷺ بقبر فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما
فيعذب في البول، وأما الآخر فيعذَّب في الغيبة " هذا حديث معلّل (٣) بأمرين:
الأول: الاختلاف في حال ابن مرّار، واسمه بحر بن مرار بن عبد
الرحمن بن أبي بكرة، يكنى أبا معاذ، ثقفي بصري، روى عنه الأسود
ويحيى بن سعيد القطان وأثنى عليه خيرَا، وكذا قاله ابن بشر، وسيأتي عن
ابن حبان وغيره عكسه، والله أعلم، وروى عنه أيضا شعبة وحماد بن زيد،
وقال فيه ابن معين وابن ماكولا وقال البزار: مصري معروف، وقال النسائي
في التمييز: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: تغير، وقال ابن حبان: اختلط
بآخره حتى كان لا يدري ما يحدث، فاختلط حديثه الأخير بالقديم، ولم
يتميز ذكره يحيى بن سعيد القطان في تاريخ البخاري عن القطان رأيت بحرا
اختلط بآخره حتى كان لا يدري ما يقول يحدّث، فاختلط حديثه الأخير
بالقديم ولم يتميز. ذكره يحيى بن سعيد القطان.
الثاني: انقطاع ما بين بحر وجدِّ أبيه فإنه لم يسمع منه شيئا ولا أدركه
стр. 150
إنّما يروي عن جدّه عبد الرحمن بن أبي بكرة كذا ذكره البزار وغيره، ولو
سكت أبو عبد الله ابن ماجة عن تغير الجدّ لحمل على عبد الرحمن وكان
الحديث مرسلا، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق متصلة وقال ابن معِين
ومن تابعه تكون صحيحة، ذكرها البخاري في تاريخه الكبير فقال: نا مسلم،
نا الأسود بن شيبان، نا بحر عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: حدّث أبو
بكرة/قال: قال لي النبي ﷺ : " صاحبا القبر يُعذّبان بلا كبير: الغيبة
والبول ". نا الجعفي، نا عبد الصمد، نا الأسود، نا بحر عن عبد الرحمن بن
أبي بكرة، ونا إسحاق قال: نا عبد الصمد، نا الأسود، نا بحر بن مرار
يحدّث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: " كنت مع النبي- عليه
السلام … " الحديث. وبنحوه ذكره الطبري في الكبير (١) وابن رافع
والعسكري، فهذا كما ترى مصرح فيه بالسماع عن جدّه عن أبيه، والله تعالى
أعلم، ولماّ ذكره الدارقطني في العلل قال: الصواب قول من قال: عن عبد
الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي بكرة يعني عن أبي بكرة- وقال
الترمذي- (٢) أثر حديث ابن عباس وفي الباب عن زيد بن ثابت وأبي بكرة
وأبي هريرة وأبي موسى وابن حسنة، واغفل حديث عائشة المذكور عند
الدارقطني، وحديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: " أني أظن منه عذاب القبر "
يعني البول. ذكره البزار (٣) ، وحديث يعلي بن شبابة أن النبي ﷺ " مرّ بقبر
يعذّب صاحبه فقال: إنَّ هذا القبر يعذب صاحبه في غير كبير " ذكره
الطبراني (٤) واين أبي شيبة الحديث، وحديث أبي أمامة الباهلي وأبي رافع.
стр. 151
ذكرهما أبو موسى المصري في كتاب الترغيب والترهيب، وحديث ميمونة.
ذكره أبو القاسم في الأوسط، وحديث جابر بن عبد الله. ذكره بحشل في
تاريخه من حديث الأعمش عن أبي سفيان عنه: " دخل النبي ﷺ حائطَا
لأمه ميسرة، وإذا بقبرين، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين، ثم وضع واحدة
على أحد القبرين والأخرى على الآخر، ثم قال: لا يرفعان عنهما العذاب حتى
يجفّا، فقيل: يا رسول الله في أي شيء يعذبان؟ فقال: أما أحدهما فكان
يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول " (١) رواه عن موسى بن
شبيب. نا عبد الله بن موسى، نا أبو إسرائيل عن الأعمش، وحديث أنس بن
مالك: " مرّ النبي- ﵇ بقبرين من بني النجّار يعذبان في النميمة
والبول، فأخذ سعفة رطبة فشقها نصفين، فجعل على ذا القبر نصفَا، وعلى ذا
القبر شقا، وقال: لا يزال يخفف عنهما العذاب/ما داما رطبتين " (٢) ، نا به
المسند المعمر حسن بن عمر بن خليل، قرأة علينا من لفظه، نا ابن الليث، قرأة
عليه وأنا حاضر في الرابعة، نا ابن النحاس، نا السراج، قرأة عليه، نا ابن
شبادان قرأة عليه نا أبو عمر وعثمان بن أحمد الدقاق، قرأة عليه، نا حسين بن
حميد بن الربيع، ثنا عبيد بن عبد الرحمن، نا عيسى بن طهمان عن أنس …
فذكره، وحديث ميمونة راويه ليس بثقة: " أشدّ عذاب القبر في الغيبة
والبول " ذكره ابن المنذر، وحديث عائشة: " مرّ النبي- ﵇
بقبرين يعذّبان، فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، كان أحدهما لا
يستنزه من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة … "
الحديث، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عبيدة بن حميد عن منصور
стр. 152
عن أبي وائل عن مسروق عنها، وقال: لم بروه عن منصور إلا عشرة. تفرّد
به علي بن جعفر الأحمر- يعني شيخ شيخه موسى بن أحمد الكوكبي-
وحديث عبد الله بن عمر: " أن النبي ﷺ مر بقبور ومعه جريدة رطبة
فشقها باثنين، ووضع واحدة على قبر والأخرى على قبر آخر، ثم مضى، قلنا:
يا رسول الله لم فعلت ذلك؟ فقال: أما أحدهما فكان يعذب في النميمة، وأما
الآخر فكان لا يقي البول، ولن يعذبا ما دامت هذه رطبة " (١) ذكره أبو
القاسم في الأوسط من حديث غسان بن الربيع، نا جعفر بن ميسرة عن أبيه
عنه قال: لا يروى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإِسناد، والقبر جمعه
قبور في الكثرة، وفي القلة أقبر، واستعمل مصدرًا، قالوا: قبرته أقبرة قبرًا وفي
الغريبين قبرته ودفنته وأقبرته: جعلت له قبرًا، وقال القزاز: موضع قبر، ومن
أسمائه أيضًا فيما ذكره ابن السكيت في كتاب الألفاظ، وأبو هلال العسكري
في التلخيص: أنجدت والمنهال والجدف والرمس والرَمس والجباب والقريح
واللحد، وفي هذه الأحاديث وغيرها إثبات عذاب القبر على ما هو المعروف
عند أهل السنة، واشتهرت به الأخبار، ولم تخالف في ذلك إلا المعتزلة، كذا
رأيت جماعة من العلماء ذكروا/عند كلامهم على هذا الحديث وشبهه،
ويشبه أن يكون ذلك وهمًا منهم على المعتزلة؛ لما ذكره القاضي عبد الجبار له
عن المعتزلة، ومصنفهم في كتاب الطبقات من تأليفه إن قيل: إنّ مذهبكم
أدَّاكم إلى إنكار عذاب القبر وهو قد أتفّقت (٢) عليه الأمة، وظهر فيه الآثار
والدلائل قيل أن هذا الأمر إنّما أنكره أولًا ضرار بن عمرو، ولما كان من
أصحاب واصل ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك بل
المعتزلة رجلان: أحدهما يجوز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني يقطع
بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك إنّما ينكرون قول طائفة من الجهلة أنّهم
يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك، وبنحوه قاله أبو عبد الله
المرزباني في كتاب الطبقات أيضًا، واختلف في فتنة القبر؛ هل هي للمسلمين
стр. 153
أو للكافرين! فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أن لا تكون إلا لمؤمن أو منافق
من أهل القبلة ممن حقن الإِسلام دمه، وبنحوه قاله الحكيم أبو عبد الله
الترمذي في نوادر الأصول، وخالفهم أبو محمد الإشبيلي فزعم أنها تعم المؤمن
والمنافق والكافر، واختاره القرطبي في التذكرة قال: وقد اختلف في هذين
المعذبين- أعني اللذين في حديث ابن عباس- هل كانا من أهل القبلة أم لا،
فقال: إن كانا منها فالمرجو لهما بذلك تخفيف العذاب عنهما مطلقا، وإن
كانا كافرين فالمرجو تخفيف العذاب المطلق بهذين الديتين المذكورين، أما
قوله: إن كانا كافرين إلى آخره، فهو طريق الشكّ، وهو قول مسنده فيما
أظن، والله أعلم. حديث رواه أبو موسى المدني في كتاب الترغيب والترهيب
من حديث ابن لهيعة عن أسامة بن زيد عن أبي الزبير عن جابر قال: " مر
نبي الله ﷺ على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية،/فسمعها، يعذبان
في البول والنميمة " (١) . كذا قال: هذا حديث حسن وإن كان إسناده ليس
بالقوي؛ لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته لهما إلى أن ييبسا معنى،
ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز من عطفه ولطفه ﷺ حرمهما من ذلك
فشفع لهما إلى المدّة المذكورة، والله أعلم وقد نا بحديث أبي الحسن
البغدادي، أنا شهرة قرأه عليه وأنا أسمع، نا الحسن بن طلحة الثعالبي قرأه عليه
ونحن نسمع، نا أبو القاسم الحسن بن الحسن المسندي، أنا أبو علي البردعي،
نا أبو بكر بن أبي الدنيا محمد بن علي، نا النضر بن شميل، نا أبو الغرام-
واسمه عبد العزيز بن ربيع الباهلي- نا أبو الزبير عن جابر، ولفظه غير اللفظ
الذي ساقه أبو موسى قال: " كنا مع النبي ﷺ في مسيرنا، فأتى على قبرين
يعذب صاحباهما فقال: إنهما لا يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان يغتاب
الناس، وأمّا الآخر فكان لا يتبارى من بوله، ودعا بجريدة … " الحديث.
ولفظ أبي القاسم في الأوسط أخرجه من حديث ابن لهيعة عن أسامة بن زيد
عن أبي الزبير عن جابر: " مر النبي ﷺ على قبور نساء من بني النجار
هلكن في الجاهلية، في. فسمعهن يعذبن في النميمة، فأتى بجريدة " (١) عن
стр. 154
أسامة، إلا أنّ ابن لهيعة ولئن كان كذلك فهو تصريح لا شك فيه، ولكن يعلو
عليه ما جاء في حديث ابن عباس في بعض ألفاظه: " من مر بقبر من قبور
الأنصار، وبنو النجار من الأنصار " فيحتمل أن يكون الراوي قاله بالمعنى
الأول، والأنصار لفظة إسلامية لم يعرف بها مُسمى في الجاهلية؛ ولذلك قال
النعمان بن بشير الأنصاري- رضى الله عنهما- يخاطب عمرو بن العاص./
يا عم ولا تعد الدعاء فما لنا نسب يحدث فيه سوى الأنصار نسب تخيره إلَا
له لصحبنا أثقل به نسبًا على الكفار، وحديث القبرين الجديدين وفي حديث
مسلم: " فأحببت بشفاعتي أن تخفف ذلك عنهما "، والشفاعة لا تكون إلا
لمؤمن وفي الصحيحة، كونهما جديدين، وأما رواية: " من رفيق المدينة أو
مكة وهو البخاري في الصحيح، فيحتمل أن يكون سهوا من أحد الرواة،
وقد استدرك ذلك أبو عبد الله؛ فذكره في كتاب الأدب على الصواب المدينة،
وقوله: وما يعذبان في كبير تحمل معنيين، والذي يجب أن يحمل عليه منهما
أنَّهما لا يعذبان في كبير إزالته أو دفعه أو الاحتراز عنه، وأنه سهل يسير على
من يريد التوفي منه، ولا يراد بذلك أنه صغير من الذنوب؛ لأنه ورد في
الصحيح وإنه لكبير، قال الماوردي: والنميمة قد تكون من الكبائر؛ فيحتمل
على أنه يريد به في كثير علمهم تركه- وإن كان كبيرًا عند الله تعالى- ولا
شك أن النميمة كبيرة، قال: المنهي عنه على ثلاثة أنحاء؛ منه ما يشق تركه
على الطباع، كالبلاد المنهي عنها، ومنه ما ينبو عنه الطبع ولا تدعو إليه،
كالنهي عن قتل نفسه وغيره، ومنه ما لا مشقة فيه على النفس في تركه، فهذا
القسم مما يقال فيه ليس بكثير على الإنسان تركه، وقال عياض: قوله وما
يعذبان في كبير إذا كبير عندكم، كقولهَ تعالى: (وتحسبونه هينًا وهو مند
الله عظيم) (٢) أو سبب ذلك أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان
الصلاة، وتركها كبيرة، وأما النميمة فقد تكون كبيرة، ولا سيما إذا تكررت،
وبذلك أشعر قوله: كان يمشي بالنميمة، وفي كتاب الإحياء للشيخ أبي
حامد- رحمه الله تعالى- إنما تطلق في الأكثر على من يتم قول الغير إلى
стр. 155
المقول فيه، كما يقول: فلان يتكلّم فيك بكذا، وليست النميمة مخصوصة
هذا بل؛ حدّ النميمة/: كشف ما يكره/كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو
المنقول إليه، وسواء أكان ذلك بالكتابة أو الرمز أو الإِيماء، فحقيقة النميمة
إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه؛ فلو رآه يخبئ مالا لنفسه فذكره
فهو نميمة، وكلّ من حملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك أو يفعل
فيك كذا فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمّام فاسق.
الثاني: ينهاه عن ذلك.
الثالث: يبغضه في الله.
الرابع: لا يظن بأخيه الغائب سوغا.
الخامس: لا يحمله ما حكاه له على التجسس والبحث عن ذلك.
السادس: لا يرضى لنفسه ما نهى عنه النّمام، فلا يحكي بنميمة عمه
فيقول: فلان حكى كذا؛ فيصير نمّاما؛ لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك
إذا فعلت عظيم، فإن كانت النميمة في مصلحة، فلا مانع منها وذلك كما
إذا أخبره أن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله أو ماله، أو أخبر الإمام أو من له
ولاية أنّ إنسانًا يسعى بما فيه مفسدة؛ فيجب على صاحب الولايةَ الكشف عن
ذلك وإزالته، فكلّ هذا وشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجبًا وبعضه
مستحبا على حسب المواطن. انتهى. أهل اللغة يفرقون نميت- مخففة-
ونميت- مشدّدة- فالأول إذا بلغته على وجه الإصلاح، والخبر الثاني على
وجه الإِفساد، ولم يبين الشيخ أبو حامد ذلك فيَ كلامه، فليس على من لا
يعرف اشتقاق التمهيد، والله أعلم.
وأما حديث أبي بكرة: " فيعذّب في الغيبة " فالغيبة مخالفة للتمهيد؛ إذ هي
ذكر المرء بسوء فيه من رواية، وفي قول الشيخ أبي حامد: النميمة هتك الستر
معنى من معاني الغيبة؛ لأنك إذا ذكرنه بسوءٍ فقد هتكت ستره بذكرك ذلك،
وإذا كان كذلك كانا بمعنى واحد، ويكون الراوي يمح في هذا المعنى، وقوله:
стр. 156
" من البول " يؤخذ منه نجاسة/الأبوال مطلقَا، قليلها وكثيرها، إلا ما عفا عنه
الشّارع- صلوات الله عليه وسلامه- وأما لعلّ فهو حرف لتوقع مرجو أو
مخوِّف، وفيها لغات: لعلّ وعن ولعنّ وأنّ ولأنّ، وفيه دليل على انتفاع الميت
بتلاوة القرآن العظيم أخذًا من غرز العسيب، فإذا انتفع بتسبيح النبات فقراءة
القرآن من الإِنسان أولى، وفي الصحيح للبخاري (١) : " أوصى بريرة أن
يجعل في قبره جريدتان تبركًا بفعل النبي ﷺ ذلك " واختلف فْي وصول
ثواب القرآن العظيم للميت؛ فمذهبنا ومذهب أحمد وصول ذلك إليه، وأبي
ذلك جماعة من العلماء مستدليّن بقوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلَّا ما
سعى) (٢) وبقوله ﵇: " إذا مات المرء انقطع عمله … " (٣) والكلام
في ذلك يأتي بعد في كتاب الجنائز- إن شاء الله تعالى.
وأمّا الدرقة، فهي ضرب من الترسة تتخذ من جلود دواب تكون في بلاد
الحبشة، والجمع درق وأدراق. قاله القزاز، وفي الصحاح: هي الجحفة إذا
كانت من جلود ليس فيها خشب ولا عقب، وأما بنو إسرائيل فهم أولاد
يعقوب- ﵇ وهو اسم عبراني، وفيه لغات: إسرائيل بكسر أوله
والمدّ والباء بعد الراء والهمزة، وقيل كذلك إلَّا أنّه بغير همز وبيائين، وقيل:
بفتح أوله مع الوجوه الثلاثة وقيل: إسرائيل بغير مدّ ولا ياء بكسر أوّله وقد
يفتح، وقيل: بكسر الهمزتين بغير ألف بعد الراء، وقيل كذلك إلا أنه بياء من
غير همز، وقيل: بدلا عن إعلام على الوجوه كلها، وقيل غير ذلك. ولا
خلاف أن " إِيْل " هو اسم الله تعالى في اللغة العبرية.
стр. 157
واختلف في " إسراء " فزعم السهيلي أنله عبد، وقيل: صفوة، وقيل: هو
مركب من عجمي وعربي معناه: أسرى إلى الله، وذلك أن يعقوب- عليه
السلام- أسرى ليلة في الهجرة إلى الربّ- سبحانه/وتعالى- فسمى إسرائيل
بذلك، والله أعلم.
***
стр. 158
الرجل يسلم عليه وهو يبول
حدّثنا إسماعيل بن محمد الطلحي، نا روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة
عن الحسن عن حصين بن المنذر بن الحرث بن وعلة عن ساسان الرقاشي عن
المهاجر بن منقذ بن عمير بن جدعان قال: " أتيت النبي ﷺ وهو يتوضأ
فسلّمت عليه، فلم يرد علي، فلما فرغ من وضوئه قال: إنه لم يمنعني من أن
أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء " (١) هذا حديث قال فيه الحاكم لما
أخرجه في مستدركه من حديث عبد الأعلى بن عبد الأعلى وعبد الله بن
خيران قالا: نا سعيد به هذا حديث: صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه بهذا اللفظ وفيه نظر من، وجهين:
الأول: حصين من أفراد مسلم، لم يخرج له البخاري شيئًا.
الثاني: ينظر في سعيد؛ فإنه ممن اختلط اختلاطًا قبيحًا ولا نعلم من سمع
منه أخيرًا، ولم يذكر الحديث من رواية غيره ليكون ضائعًا له، والله أعلم.
وذكره ابن حبان في صحيحه عن ابن خزيمة: نا محمد بن المثنى، نا عبد
الأعلى به، ورواه أبو أحمد العسكري من حديث مكي بن إبراهيم عن
سعيد، وزاد: " ولا تسلم علي وأنا في مثل هذه الحالة، فإنّك إن سلّمت علي
لم أرد عليك " (٢) وذكر البغوي في معجمه أن معاذ بن معاذ رواه عن قتادة
стр. 159
عن حصين من غير ذكر، قال: ورواه الخفاف، فأثبت فيه الحسن. كذا قال
البزار، وذكر رواية معاذ عن ابن مثنى عنه بثبوت الحسن، وكذلك ذكر أبو
القاسم في الكبير من حديث معاذ بن هشام، فالله أعلم، وهذا الحديث
معدود مما جرّده قتادة، ورواه عنه شعبة والدستوائي مما رواه ابن أبي عروبة
وذهب ما كنا نخشاه من اختلاطه فكأنه غير موجود، والله أعلم، وقد روي
عن الحسن عن مهاجر من أسلافهما. ذكره الطبراني، قال ذلك عنه حميد
ويونس وعبيد الله بن المختار وزياد الأعلم وأبو عبيدة بن مجاعة والحسن بن
دينار فيما ذكره ابن قانع ولفظه: " فقمت مهمومًا " /. فدعا بوضوءٍ فتوضَّأ
ورد عليّ وقال: " إني كرهت أن أذكر الله تعالى وأنا على غير وضوء " رواه
أبو عبيدة (١) الناجي وهو ليِّن الحديث عن الحسن عن البراء مخالفا لرواية
الجميع، وحصين هذا بضاد معجمة اسم مفرد فيما قاله البرذكي، وقيل فيه
بضاد مهملة، وهو قليل، كنيته أبو محمد، ولقبه أبو ساسان فيما ذكره الحاكم
وأبو حاتم والسراج قْي مسنده، وكان من أصحاب أمير المؤمنين علي، وفيه
يقول: وكنت رأيته بمكة وعليه راية سوداء يخفق طلها إذا قيل قدمها حضين
تقدّما، وأما المهاجر فاسمه عمرو، قال العسكري: سُمّي بذلك لما قَدم على
النبي ﷺ يوم الفتح، فقال ﵇: " هذا المهاجر حقًا " وبنحوه قاله
ابن سعد بن منقذ، واسمه خلف، قال الطبراني: يقال له: سارب الذهب
أيضًا ابن عمير بن جدعان. حدّثنا هشام بن عمار، نا مسلم بن علي، نا
الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: " مرّ
رجل على النبي ﷺ وهو يبول، فسلّم عليه فلم يرد، فلما فرغ ضرب بكفيه
الأرض فتيمم ثم ردّ ﵇ " (٢) هذا حديث قال فيه أبو القاسم الطبراني
стр. 160
لما ذكره في الأوسط من حديث هشام: لم يروه عن الأوزاعي إلا مسلمة.
تفرّد به هشام، ومسلمة الخشني الدمشقي كان يسكن البلاط، روى عنه
جماعة كثيرة، قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال الدارقطني والنسائي
والأزدي: متروك الحديث، وفي موضع آخر قال النسائي: ليس بثقة، وقال
دحيم وابن معين: ليس بشيء، وقال يعقوب بن سفيان: لا ينبغي لأهل العلم
أن يشغلوا أنفسهم بحديثه، وفي موضع آخر: ضعيف الحديث، وقال
الحاكم: أبو أحمد ذاهب الحديث، وقال ابن يونس قدم مصر وسكنها
وحدّث بها ولم يكن عندهم بذلك في الحديث وتوفى بها سنة تسعين ومائة،
وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا نشتغل به، وقال ابن حبان:
يقلب الأسانيد، وروى/عن الثقات ما ليس من حديثهم توهما، فلما فحش
ذلك مه بطل الاحتجاج به، وقال الآجري عن أبي، داود: غير ثقة ولا مأمون،
والله أعلم. حدّثنا سويد بن سعيد، نا عيسى بن يونس عن هاشم بن البريد
عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن لمجد الله: " أنّ رجلا مرّ على
النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ إذا رأيتني على
مثل هذه الحالة فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لم أردّ عليك " (١) . هذا
حديث إسناده لا بأس به. هاشم وثقة ابن معين وابن حبان، وقال الإِمام
أحمد: لا بأس به، وابن عقيل، تقدّم ذكره، وأن جماعة كانوا يحتجون
بحديثهم منهم: أحمد، وإسحاق، مع ما عضد حديثه من المتابعات في
الشواهد، والله أعلم. حدّثنا عبد الله بن سعيد والحسين بن أبي السري
منكر الحديث، وقال الحاكم: يروي عن الأوزاعيَ وغيره المنكرات والموضوعات.
وقال السدي: لكن الحديث جاء من رواية أبي الجهيم وابن عمر. رواه أبو داود في باب
التيمم. وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٧٦) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط "
و" الكبير " وقال: تفرد به الفضل بن أبي حسان، قلت: ولم أجد من ذكره.
قلت: والحديث صحيح بلفظ: " الجدار " مكان " الأرض'. انظر: صحيح أبي داود للشيخ
الألباني، ٢٥٦: ق.
(١) صحيح، وإسناده ضعيف. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، باب " ٢٧ "، (ح/٣٥٢) .
في الزوائد: إسناده واه- فإن سويدا لم ينفرد به. قلت: وللحديث تابع صحيح ارتقى به
الحديث إلى درجة الصحة. انظر: صحيح ابن ماجة للشيخ الألباني.
стр. 161
العسقلاني قالا: حدّثنا أبو داود عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع بن
عمر: " مرّ رجل على رسول الله ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه "
هذا حديث أخرجه مسلم (١) في صحيحه، وقال فيه الترمذي: (٢) صحيح، وهو
أحسن شيء في الباب، وقال ابن مندة: هذا إسناد صحيح أخرجه الجماعة إلا
البخاري للضحاك بن عثمان، وأخرجه أيضًا أبو عوانة في صحيحه، وقال أبو
داود: فإنّه أخرجه وروى عن ابن عمر وغيره أن النبي ﷺ : " تيمّم ثم ردّ
على الرجل السلام " (٣) وفي الأوسط لأبي القاسم ما يدل على أن الضحاك
رواه عن نافع مختصرًا، وهو ما رواه من حديث محمد بن ثابت عن نافع
قال: " انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر
حاجته من ابن عباس، وكان حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل على النبي ﷺ
وهو في سكة من السكك وقد خرج من بول أو غائط، فسلّم عليه ولم يرد
﵇، حتى إذا كان الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على
الحائط فمسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى/بيده على الحائط فمسح ذراعيه
ثم رد على الرجل السلام، وقال: أنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني لم أكن
على طهر " (٤) ، وقال: لم يروه بهذا التمام عن نافع إلا محمد بن ثابت،
وسيأتي له مزيد بيان في كتاب التيمم، وأن أبا داود أخرجه، ورواه الإِمام
الشافعي- رضى الله عنه- في مسنده (٥) عن إبراهيم عن محمد: أخبرني أبو
بكر بن عمر بن عبد الرحمن عن نافع عن ابن عمر: " أن رجلًا مر على
стр. 162
النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه الرجل، فرد ﵇ فلما جاوزه نادوا
النبي ﵇ فقال: إنما حملني على الردّ عليك خشية أن تقول أني
سلّمت على النبي- ﵇ فلم برد علي، فإذا رأيتني على هذه الحال
فلا تسلم علي، فإنك إن تفعل لا أردّ عليك " وهذا لو صح إسناده وسلم من
إبراهيم لكان مخالفًا للأول، ولَكنّه عديم الصحة، وفد وقع لنا من طريق سالما
به من إبراهيم ذكرها البزار في مسنده، فقال: نا سعيد بن سلمة، نا أبو بكر،
فصح الحديث والمخالفة؛ ولهذا قال عبد الحق أثر هذا أبو بكر هذا فيما أعلم،
وهو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، روى عنه مالك وغيره،
وهو لا بأس به، ولكن حديث مسلم أصح، ولعلّه كان ذلك في موطنين، وإّنما
قال ذلك لأجل المعارضة الظاهرة، واعترض عليه أبو الحسن بن القطان بأن
قال ما قاله عبد الحق تصحيح للخبر مطلقا نطقا لا سكوتا، وإن كان رجح
عليه حديث مسلم، فقد يُرجح في ذلك، والتمس له مخرجًا تجعله إيّاه في
موطن آخر وقصة أخرى، وهذا الذي ذكره في أبي بكر ينبغي أن يتوقف فيه،
فإنه لا يعلم منه أكثر من أنه من ولد عبد الله بن عمر؛ فمن أين له هدْا
النسب؟ وأنّه الذي روى عنه مالك، وقد كان مانعا له من أن يقول ذلك لو
ثبت أنَّ الذي في الإِسناد يروى عن نافع، والذي توهمه أنه معلوم الرواية عن
ابن عمر، روى عنه مالك ابن طهمان وإسحاق بن شارقي وعبد الله بن عمر.
انتهى كلامه، وفيه نظر، وذلك أنَّ عبد الحق- رحمه الله تعالى- احترز
بقوله: فيما أعلم، فعلم من هذا الإِيراد لكونه لم يجزم به، وعلى ذلك فهو
كما قاله./صرّح بذلك الإِمام الشافعي كما سبق، وناهيك به جلالة ونُبلا،
ولعل قائلا يقول: إنّما ساق نسبه إبراهيم، وهو ضعيف لا يحتج به، فلو
استظهرت على ذلك بكلام عنه لثلج بذلك الصدر، فيقال له. قد ذكر ذلك
غير واحد في مصنفه؛ منهم ابن الجارود في كتاب المنتقى، فقال: نا محمد بن
يحيى، نا عبد الله بن رجاء، نا سعيد- يعني ابن سلمة- حدّثني أبو بكر بن
عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب … فذكره، وكذلك أبو
العباس السراج في مسنده، فقال،: نا محمد بن إدريس، نا ابن رجاء نا سعيد
نا أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن
стр. 163
نافع … فذكره فذهب بحمد الله ما توهمه على ابني محمد، وصحَّ بما
ذكرناه الحديث؛ لأن سعيدا وأبا بكر حديثهما في الصحيح، والله أعلم. وأما
المعارضة فيحتمل أن يكون الرد كان بعد التيمم، كما جاء في رواية غير أبي
بكر عن نافع، وزعم الطحاوي في شرح الإمام أن حديث المنع من رد السلام
منسوخ بآية الوضوء، وقيل بحديث عائشة: " كان يذكر الله تعالى على كل
أحيانه " (١) .
وقد جاء ذلك مصرحا به في حديث رواه جابر الجعفي عن عبد الله بن
محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن الغفراء عن أبيه قال:
" كان النبي- ﵇ إذا أراد الماء نكلّمه فلا يكلّمنا، ونسلم عليه فلا
يسلم علينا، حتى نزلت آية الرخصة (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى
الصلاة … " (٢) .
وزعم الحسن أنه ليس منسوخا، وتمسك بمقتضاه فأوجب الطهارة للذكر
ومنعه للحدث، ثم ناقض بإيجابه للتسمية للطهارتين، فإنه مستلزم لإيقاع الذكر
حالة الحديث، وروى عن عمر إيجابه الطهارة للذكر، وقيل: يتأوّل الخبر عني
الاستحباب؛ لأن ابن عمر راويه رأى ذلك، والصحابي الراوي أعلم بالمقصود،
وهو حسن إن لم يثبت حديث جابر الجعفي لتضمنه الجمع بين الأدلة، وفي
حديث جابر بن سمرة ذكر الوضوء لا التيمم. ذكره أبو القاسم في الأوسط
من حديث الفضل بن أبي حسان، نا عمرو بن حماد بن طلحة العناد، نا
стр. 164
أسباط بن نصر عن سماك/بن حرب عن جابر بن سمرة قال: " دخلت على
النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يردّ علي، ثم دخل إلى بيته فتوضأ ثم
خرج فقال: وعليك السلام " (١) قال: لم يرو عن جابر إلا هذا الإِسناد. تفرد
به الفضل.
وذكر الخطابي أن السلام الذي يحيّا به الناس اسم من أسماء الله تعالى.
جاء ذلك في حديث رواه أبو هريرة مرفوعا: " السلام اسم من أسماء الله
تعالى، فأفشوه بينكم " (٢) .
كذا ذكره، والذي رأيت في حديث أبي هريرة: " السلام اسم من أسماء
الله تعالى، وضعه في الأرض تحية لأهل ديننا، وأمانًا لأهل ذمتنا " قال فيه
الطبراني في الأوسط: لم يروه عن يحيى بن سعيد الأنصاري إلا يحيى عن
المسيب عن أبي هريرة إلا عقبة بن محمد الأنصاري، تفرد به محمد بن يحيى
الأنيسي، وذكر الحليمي في المنهاج معنى السلام: السالم من المعايب إذ هي
غير جائزة على القديم، فإن جوازها على المصنوعات لأنّها أحداث، وقد اتبع
فكما جاز أن يوجد وأبعد إن لم يكونوا موجودين جاز أن يعدموا بعدما
وجدوا، القديم لا علّة لوجوده، فلا يجوز التغيّر عليه، ولا يمكن أن يعارضه
نقص أو شيء، أو يكون له صفة تخالف الفضل والكمال، وفي كتاب القزاز:
وقول القائل: السلام عليكم يريد اسم الله عليكم، قال لبيد يخاطب ابنته إلى
الحول ثم اسم السلام عليكم ومن ينكحو لا كاملا فقد اعتذر يريد اسم الله
стр. 165
عليكم، وقيل السلام عليك: أي سلمت مني لا أنالك بيدي ولا لساني،
وقيل: معناه السلامة من الله وقيل: هو الرحمة وقيل: هو الإيمان، وقيل:
الصلح.
قال الخطابي: وفي الحديث من الفقه أنه يتيمم لغير مرض ولا حرج، وإليه
ذهب الأوزاعي في الجنب يخاف أن يغتسل قبل أن تطلع الشمس، قال:
يتيمم ويصلي قبل فوات الوقت، وبه قال مالك في بعض الروايات، ومذهبنا
أن ذلك في الجنائز والعيدين، قال أبو سليمان: وفيه حجة للشّافعي فيمن كان
محبوسًا في حَش أو نحوه فلم يقدر على الطهارة بالماء أنه يتيمم ويصلي على
حسب الإِمكان، إلَّا أنه لا يرى عليه/الإعادة إذا قدر عليها، وكذلك قال في
المصلوب، وفيمن لا يجد ماءً ولا تراباً، إلَّا أنه يعيد، وفيه المنع من ذكر الله
تعالى على الخلا، ولو نسب كالعطاس والموافقة في الأذان، وهو مذهبنا
ومذهب الشّافعي وأحمد، خلافًا لقوم من السلف ومالك في حمد العاطس.
стр. 166
الاستنجاء بالماء
حدثنا هناد بن السرى، نا أبو الأحوص عن منصور عن إِبراهيم عن الأسود عن
عائشة قالت: " ما رأيت رسول الله ﷺ خرج من غائط قطّ إلا مس ماءً " (١)
هذا حديث أخرجه أبو حاتم البستي في صحيحه (٢) كما قدمناه، فقال: نا
الحسن بن سفيان، نا يحيى بن طلحة اليربوعي، نا أبو الأحوص بزيادة: " ما
رأيت رسول الله ﷺ صائما العشر قط، ولا خرج من الخلاء إلا مس ماء "
ولما ذكره البزار (٣) في مسنده حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عنها:
" ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا العشر قط " عن ابن المثنى وعمر بن علي
قالا: نا أبو معاوية عن الأعمش قال: وهذا الحديث لا يعلم له طريقًا عن
عائشة إلا هذا الطريق، وقد تابع الأعمش الحسن بن عبد الله عن إبراهيم.
انتهى، وفيما قاله نظر؛ لما أسلفناه عند ابن حبان، والله أعلم. حدّثنا هشام بن
عمار، نا صدقة بن خالد، نا عتبة بن أبي حاتم، حدثني طلحة بن نافع، أخبرني أبو
أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك، قال لما نزلت: (فيه رجال
يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرّين) (٤) قال رسول الله ﷺ : " يا معشر
الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ قالوا نتوضأ للصلاة
ونغتسل للجنابة ونستنجي بالماء، قال: فهو ذاك فعليكموه هذا " (٥) معلل
بأشياء: الأول: ضعف عتبة (٦) بن أبي حكيم الهمداني أبا العباس الشامي
стр. 167
الطبراني الأزدي، فيما قاله أبو عبد الرحمن النسائي وابن معين، وفي كتاب
الآجري قال أبو داود: سألت ابن معين عنه فقال: والله الذي لا إله إلا هو أنه
لمنكر الحديث، وكان الإِمام أحمد يوهِّنه قليلًا،/وقال ابن عدي: أرجوا أنّه لا
بأس به، وقال السعدي: كان غير محمود في الحديث وقال محمد بن عوض
الحمصي: ضعيف الحديث، ومع ذلك فقد وثقة مروان الظاهري وأبو زرعة
الدمشقي وأبو القاسم الطبراني، وقال أبو حاتم: لا بأس به.
الثاني: يوسف بن طلحة بن نافع- وإن كان مسلم خرج حديثه- فقد
تكلّم فيه غير واحد، منهم ابن معين بقوله: ليس بشيء، ويعقوب بن سفيان
والحربي وأبو محمد بن حزم والأشبيلي وغيرهم.
الثالث: انقطاع حديثه؛ وذلك أن ابن أبي حاتم ذكر في كتاب المراسيل:
سمعت أبي يقول … وذكر حديثا رواه عنه ابن أبي حكيم عن أبي سفيان،
قال: حدثني أبو أيوب وجابر وأنس عن النبي- ﵇ فقال لي: لم
يسمع أبو سفيان من أبي أيوب، فأما جابر قال شعبة: يقول سمع أبو سفيان
من جابر أربعة أحاديث، قال أبي: وأما أنس فإنه يحتمل أن يقال: إنّ أبا
سفيان أخذ صحيفة جابر وصحيفة سليمان اليشكري، وقال وكيع عن شعبة
حديثه عن جابر صحيفة، وبمثله قاله سفيان بن عيينة، وقول الأعمش عنه:
جاورت جابرًا ستّة أشهر، ليس صريحًا في السماع، فكم من مجاور لا يعرف
حال جاره، وآخر مسافر مطلع على أسراره، وقال البستي في كتاب الثقات:
وحديث الثقات يقضي له بالسماع منهم، لكنه على لسان ضعيف؛ فلهذا لم
يعتبره أبو حاتم، والله أعلم. وقد روى عن أنس ولم يرو المقاطيع، ولما أخرجه
الحاكم من حديث محمد بن شعيب بن شابور، حدّثني عتبة به قال: هذا
حديث صحيح كبير في كتاب الطهارة، فإنّ محمد بن شعيب وعتبة بن أبي
حكيم من أئمة أهل الشام، والشيخان إنّما أخذا مخ الروايات، ومثل هذا لا
يترك، قال إبراهيم بن يعقوب: محمد بن شعيب أعرف الناس بحديث
الشاميين، وله شاهد بإسناد صحيح. أحمد بن سليمان. نا إسماعيل بن إسحاق
القاضي، نا إسماعيل بن أبي أويس، نا أبي عن شرحبيل بن سعد عن عويمر بن
ساعدة الأنصاري ثم العجلاني أن النبي- ﵇ قال لأهل قباء: " إن
стр. 168
الله قد أحسن الثناء عليكم/في الطهور وقال: (فيه رجال يحبون أن
يتطهروا … ) حتى انقضت الآية " (١) فقال لهم: ما هذا الطهور؟ … "
الحديث. قال أبو العباس: نا محمد بن خالد عن مجاهد عن ابن عباس:
(فيه رجال يحبون أن يتطهروا) قال لما في نزلت هذه الآية بعث النبي ﷺ
إلى عويمر فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به، قال: يا نبي الله ما
خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل دبره- أو قال مقعدته- فقال
﵇: ففي هذا قال " (٢) هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وقد
حدث به سلمة بن الفضل هكذا عن ابن إسحاق، ولما ذكره الطبراني في
الأوسط من حديث إسماعيل بن صبيح، نا أبو أويس به، قال: لم يروه عن
عويمر إلا بهذا الإِسناد، فيحتمل أن يكون أراد إسماعيل فمن بعده، فإن كان
كذلك فهذا يرُدّ عليه، وإن أراد أنه لم يقع إلا بهذا الإسناد فقريب، والله
أعلم. قال الحاكم: وحديث أبي أيوب شاهده نا أبوَ بكر بن إسحاق، نا
محمد بن أيوب، وأخبرني عبد الله بن محمد بن موسى، نا إسماعيل بن
قتيبة، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبد الرحيم بن سليمان عن رَجُلَين السائب
الرقاشي عن عطاء بن أبي رباح وابن سَروة عن عمه أبي أيوب قال: قالوا يا
رسول الله: من هؤلاء الذين نزل منهم: " فيه رجال يحبون أن يتطهروا "
الحديث. انتهى ما ذكر، وقد تقدّم في حديث طلحة ما فيه كفاية، وأما
تصحيحه حديث سهيل بن سعد، وكذلك ابن خزيمة لما رواه في صحيحه عن
محمد بن يحيى، نا إسماعيل بن أبي أويس به فيه نظر؛ وذلك أنه ممن وصفه
ابن سعد بالاختلاط وعدم الاحتجاج به، وقال ابن إسحاق بن يسار: نحن لا
نروي عنه شيئا، وكان منهما وقال سفيان: احتاج فكأنهم اتهموه، وكانوا
стр. 169
يخالفون إذا جاء الرجل وطلب منه شيء إذا لم يعضده أن يقول: لم يشهد
أبوك بدينار، وقال ابن أبي ذئب: أما شرحبيل فهو شرحبيل وقد بينّا لكم-
يعني، أمره- وكان متهمًا، وقال أبو زرعة: فيه لين، وقال مالك:/ليس
بثقة، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن معين: ليس هو بشيء، ضعيف،
وقال الدارقطني: يعتبر به، وهو ضعيف، وقال ابن عدي: وفي عامة ما يرويه
إنكار، الثاني: انقطاع حديثه، وذلك أن عويمرًا توفى في حياة النبي- عليه
السلام- يقبل في خلافة عمرو أيامًا كان فمتعذر سماعه منه؛ لأني لم أر له
شيخًا مذكورًا في العلماء أقدم موتًا من زيد بن ثابت- رضى الله عنه-
وكانت وفاته أيام معاوية. حدّثنا علي بن محمد، نا وكيع عن شريك عن
جابر عن زيد العمي عن أبي بكر الصديق الناجي عن عائشة: " أن النبي
ﷺ كان يغسل مقعدته ثلاثًا، قال ابن عمر: فعلناه فوجدناه دواءً وطهورًا " (١)
هذا حديث قال فيه الطبراني في الأوسط: لم بروه عن أبي الصديق الناجي
عن النبي ﷺ إلا العمي، ولا عنه إلَّا جابر. تفرد به وأخرجه في موضع آخر
بلفظ: قال ﵇: " استنجوا بالماء البارد، فإنه مصحة للبواسير " (٢)
رواه عن عبد الوارث بن إبراهيم، نا عمار بن هارون أبو الربيع السمار عن
هشام عن أمه عنها، وقال: لم يروه عن هشام إلَّا أبو الربيع. تفرد به عمار-
يعني المخرج حديثه في صحيح عبد الله- ولما ذكره أبو حاتم في الثقات قال:
رّبما أخطأ، فهذا- والله أعلم- أصح من حديث ابن ماجة معلل مع التفرد
بأشياء:
الأول: جابر بن الحرث بن عبد يغوث بن كعب بن الحرث بن معاوية بن
قائل بن مراي بن جعفر بن سعد العشيرة بن عبد الله، ويقال: أبو يزيد،
стр. 170
ويقال: أبو محمد الكوفي التابعي، وإن وثقة سفيان الثوري وشعبة، فقد قال
فيه أيوب السختياني وابن معين: كان كذابًا، وفي موضع آخر: لا نكتب
حديثه ولا كرامة، وقال إسماعيل بن أبي خالد: قال الشعبي: يا جابر لا
تموت حتى تكذب على النبي- ﵇ قال إسماعيل: ما مضى الأيام
والليالي حتى اتّهم بالكذب، وقال البخاري: تركه ابن مهدي، وابن سعيد
قال تركناه قبل/أن يقدم علينا الثوري، وقال زائدة: كان- والله- كذابًا
يدين بالرجعة، وقال الإِمام أبو حنيفة: ما لقيت فيمن أكذب من جابر، ما أتيته
بشيء من رأي إلا جاءني فيه بأثر، وقال فيه النسائي: متروك الحديث، وقال
ابن عدي: حديثه صالح، روى عنه الثوري الكثير، وشعبة أقل رواية عنه من
الثوري، وقد احتمله الناس ورووا عنه وغاية ما قدموه أنّه كان يرى بالرجعة،
ولم يختلف أحد في الرواية عنه، وهو مع هذا كلّه أقرب إلى الضعف منه إلى
الصدق. انتهى كلامه، وفيه نظر في قوله: لم يختلف أحد في الرواية عنه؛ لما
أسلفناه من كلام جرير وابن مهدي ويحيى بن سعيد وغيرهم، وفي قول
أحمد: لم يتكلم أحد في حديثه أيضَا لما تقدّم عند ابن سعد وغيره.
الثاني: زيد بن الحواري قاضي هراة أيام قتيبة بن مسلم، قال ابن أبي
حاتم: قيل له ذلك لأنه كان كلّما سئل عن شيء قال: حتى أسئل عمي،
قال يحيى: لا شيء، وفي موضع آخر: صالح، وقال أبو حاتم: ضعيف
الحديث، نكتب حديثه ولا نحتج به، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، واهي
الحديث، ضعيف، وقال النسائي: ضعيف، نا الشيخ الإمام نور الدين يوسف بن
عمر الحنفي بقراءتي عليه قال: أنبأنا الإمامان الحافظ زكَي الدين المنذري، نا أبو
محمد العثماني قراءة عليه، نا السلفيَ، وأبو التقا صالح بن شجاع إذنًا- إن
لم يكن سماعًا- عن السلفي ناهية الله بن أحمد الأكفاني، نا أبو محمد عبد
العزيز الكناني، نا أبو الحسين عبد الوهاب بن جعفر الميداني، نا أبو هاشم عبد
الجبار بن عبد الصمد السلمي نا أبو بكر القاسم بن عيسى العصار نا أبو
إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الحافظ المعروف بالسعدي بجمع كتاب
الضعفاء من تأليفه، قال: ويزيد بن الحواري متماسك، وقال الدارقطني:
صالح، وقال أبو أحمد: وعامة ما يرويه ويروى عنه ضعفاء، على أن شعبة قد
стр. 171
روى عنه، ولعلّ شعبة لم/يرو عن أضعف منه، وقال أحمد بن صالح: وقال
ابن أبي شيبة: سألت أبن المديني عنه فقال: كان ضعيفَا عندنا، وقال ابن
حبان: يروى عن أنمى أشياء موضوعة، لا يجوز الاحتجاج بخبره.
الثالث: ما يوهم من انقطاع ما بين أبي بكر الصديق وعائشة، فإني لم أر
أحدَا ذكر ذلك حين عددت مشايخه، ولم يأت هنا ما يدلّ على سماعه
منها، فيتوقف فيه إلى أن تظهر ذلك، والله أعلم. حدّثنا أبو كريب: نا
معاوية بن هشام عن يونس بن الحرث عن إبراهيم بن أبي مَصْونة عن أبي
صالح عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : " نزلت في أهل قباء: (فيه
رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) قال: كانوا يستنجون بالماء
فنزلت فيهم هذه الآية " (١) هذا حديث قال فيه الترمذي عند تخريجه غريب
من هذا الوجه، ولما ذكره أبو داود سكت عنه، وكذلك عبد الحق، وتعقب
عليه أبو الحسن ابن القطان بأن قال: احتمل أن يكون من قاسم ما يتسمح فيه
وهو حديث إنّما يرويه إبراهيم بن أبي ميمونة، وهو مجهول الحال … لا يعرف
روى عنه غير يونس بن الحرث الطالقي وهو ضعيف، قال فيه ابن معين: لا
شي وقال فيه أحمد: مضطرب الحديث، وحكى أبو أحمد عن ابن معين
أنه قال: فيه ضعيف، وعنه قول أخر أنّه ليس به بأس، نكتب حديثه، وقال
النسائي: ليس بالقوي، وعندي أنه لم تثبت عدالته وليس له من الحديث إلا
اليسير. قاله ابن عدي: والجهل بحال إبراهيم كاف في تعليل الخبر، والله تعالى
أعلم. انتهى قوله، وفيه نظر لكونه قد عصب الجناية برأس إبراهيم، وليس
كذلك فإنّه ممن ذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات، فذهب ما يوهمه من
جهالة حاله، والله أعلم، فيشبه أن يكون سكوت أبي محمد تابعَا لسكوت
أبي داود والترمذي، فلم نقض عليه بشيء، إذ الغرابة تكون في الحديث
الصحيح، وقول ابن معين: لا بأس به نكتب حديثه، توثيق، وكذا قاله ابن
عدي، لم وقال أبو داود: مشهور، روى عنه غير واحد، ومع ذلك فمنه معروف
стр. 172
في غير ما حدّث، وأما قول الترمذي: وفي الباب عن أبي أيوب وأنس وابن
سلام ففيه نظر؛ لإِغفاله حديث جابر بن عبد الله، وحديث جابر عويمر وابن
عباس المذكورين قبل، وحديث عمر بن الحطاب، قال فيهما: ذكرت لأحمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: رأيت عمر بن الخطاب قال: فمسح ذكره
بالأرض، ثم توضأ، ثم التفت إلي فقال: هكذا علمنا، قال أحمد: ليس
بصحيح، قال شعبة: قال الحاكم: أما كان لعبد الرحمن بن أبي ليلى حين قتل
عمر ست أو سبع سنين شعبة! عن الحكم عن ابن أبي ليلى قال: كان لعمر
مكان يتبول فيه، لم يذكر. رأيت عمر، وحديث محمد بن عبد الله بن سلام
ذكر للفدائي عن مالك بن معول: سمعت سالما أبا الحكم يذكر عن مسهر عن
محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم علينا النبي ﷺ قال: " إن الله
أثنى عليكم في الطهور، قال رجال يحبون أن يتطهروا، ألا تخبروني! قالوا: يا
رسول الله إنا نخبره مكتوبًا علينا في التوراة أن نستنجي بالماء ". ذكره البرقي
في تاريخه، والله تعالى أعلم. وفي كتاب ابن حبان والترمذي من حديث أبي
عوانة عن قتادة عن معاذة عن عائشة، أنها قالت: " مُزن أزواجكن أن يغسلوا
أثر الغائط والبول بالماء؛ فإن النبي- ﵇ كان يفعله " (١) وقال فيه
الترمذي: حسن صحيح، وفي لفظ لأحمد: (٢) وهو " شفاء من الناسور "
كذا هو في المسند، ولما سئل عنه فما ذكره حرب الكرماني، قال: لم يصح
في الاستنجاء بالماء حديث، قال: فحديث عائشة! قال: لا يصح؛ لأنّ غير
قتادة لم برفعه، وفي كلامه نظر؛ لأن الحربيِ ذكر في كتاب العلل من تأليفه:
هذا الحديث واختلف فيه أصحاب معاذة؛ فرفعه قتادة، وليس منتشرا عنه،
وأوقفه يزيد الرشك واتفق على ذلك أصحابه، إلَّا ابن شوذب فإنه رفعه،
стр. 173
والوهم في ذلك منه أو من ضمرة،/والصواب ما أجمع عليه شعبة وابن علية
وحماد بن زيد وعبد الوارث وجعفر بن سليمان ورواه أبو قلابة أيضَا فأوقفه،
ولم أسمعه عنه إلا من حديث أيوب، ولم يختلف أصحاب أيوب إلا ابن
طهمان، فإنه رفعه ورواه عاصم الأحول فأوقفه، إلَّا أن أبا زيد قد رفعه عنه،
وعاصم أحفظ من أبي زيد- إن شاء الله- ورواه إسحاق بن سويد وعائشة
ابنة عزار فأوقفاه، والحديث عندي، والله أعلم- موقوف لكثرة من أجمع على
ذلك ممن تقدّم ذكره، فهذا كما نرى غير قتادة رفعه، ووهم ابن شوذب عن
يزيد وابن طهمان وأبو زيد عن أيوب، وفي كلام أبي إسحاق الحربي نظر،
وذلك في قوله وفي حديث عائشة ابنة عزار وإسحاق بن سويد: موقوف، ولما
ذكره الطبراني في الأوسط، فإنه لما ذكر حديث عائشة مرفوعَا، قال: لم
يروه عنها إلَّا هشام بن حسان. تفرد به عمر بن المغيرة، وقال في حديث
إسحاق حين رواه كذلك: لم يروه عنه إلَّا إبراهيم بن يزيد العدوي تفرد به
جوهرة ابن أشرس، ولئن سلمنا لهم أن غير قتادة لم يرويه، وأنه منفرد بذلك،
فلا يضر ذلك الحديث؛ لاعنه مع علمه وحفظه إذا رفع حديثَا خالفه فيه غيره
قبل قوله وهو الصحيح؛ لكوخها زيادة من حافظ، والله تعالى أعلم، وفي
حديث معاذة المذكور علة أغفلاها، عن الإِمامين أحمد والحربي، وهي انقطاع
ما بين قتادة ومعاذة. ذكر ذلك يحيى بن معين فيما حكاه عنه ابن أبي حاتم،
وفي كتاب البلخي: قال شعبة: كنت إذا قدمت المدينة يسألني الأعمش عن
حديث قتادة، فقلت له يومَا: نا قتادة عن معاذة فقال: عن امرأة أعزب، وفي
قول الإِمام أحمد: لم يصح في الاستنجاء حديث نظرَا لما في الصحيح من
حديث أنس: كنت أحمل أنا وغلام نحوي إداوة ماء فيستنجي بالماء، ولفظ
أبي عوانة/في صحيحه (١) يرد ما قاله فخرج عليها: وقد استنجى بالماء وفي
لفظ له: " إذا تبرز لحاجته آتيته بالماء فتغسل به " لو سلم من كلام قاله
الأصيلي: وهو القائل فيستنجي بالماء هو أبو الوليد هشام بن الوليد، وفي
الصحيح: وانتقاص الماء هو فسد بالاستنجاء، وقد تقدم وجه حديث عائشة
المذكور عند ابن ماجة. وابن حبان، وحديث جرير الآتي بعد: " فأتيته بماء
стр. 174
فاستنجى به " وهو مصحح وغير ذلك، وٍ حديث معاذة مذكور في مسنده،
وهو قد أخبر عن نفسه أنَه لا يقع فيه إلا ما صحَ عنده، أنا بذلك الشيخ
الإِمام كمال الدين عبد الرحيم بن عبد المحسن بن ضرغام- ﵀
تعالى- عليه، نا الإمام نجيب الدين الحراني عن الحافظ- أي محمد عبد
الغني المقدسي- قالَ: قرأت على الإمام الحافظ محيي السنة أبي موسى
المقدسي في كتاب خصائص المسند تألَيفه فذكره، فلا عدول عنه على هذا،
والله أعلم، وطريق الجمع بين هذه الأخبار وحديث عمر: " ما أمرت كلما
بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة " (١) الحمل على النّدب لا الوجوب،
استدامة للطهارة لما تقدّم في استحباب الجمع، وقد يروى في فضل ذلك
حديث رواه بريدة مرفوعا، قولها: " يغسل مقعدته " (٢) يعني دبره، ومن
أسمائها: العجز والعجيزة والسد والمؤخر والإلية والكفل والبوص والمعرض
والسند والوجعاء والصحاري والجهوة والذعرة وَالوباعة وأم سويد وأم خبور وأم
النعمة وأم عزم وأم عزمة وأم عزيمة وأم عرمل وأم سكين وأم تسعين وأم
كيسان، لخصت ذلك من كتاب العرب المصنف، وجامع القرآن، والتلخيص
لأبي هلال العسكري، والآباء والأمهات لعيسى بن إبراهيم العيسى، وكتاب
البنت والبنات لأبي السرى عبد الرحيم بن محمد/بن أحمد، وأعرضت عما
ذكره النباشي في كتاب فصل الخطاب، يكون معظمه لم تتكلم به العرب،
وأما قباء فهو فيما ذكره البكري في كتاب معجم ما استعجم: ممدود على
وزن فعال، من العرب من تذكره وتصرفه، ومنهم من يؤنثه ولا يصرفه، وهما
موضعان موضع في طريق مكة من البصرة وبالمدينة، وقال ابن الأنباري في
стр. 175
كتاب للتذكير وا لتأنيث، وقاسم في الدلائل: وقد جاءت قباء مقصورًا وأنشد
فلا يغنيكم قبا وعوارضًا ولا قبلن الخيل لأنه ضَرعد وهذا وهم منهما؛ لأنّ
الذي في البيت إنّما هو قنا بفتح القاف بعدها نون، وهو جبل في ديار بني
ديبان، وهو الذي يصلح أن يقرن ذكره بعوارض، وكذلك انشده جميع الرواة
الموثوق بروايتهم ونقلهم في هذا البيت، وقال الهمداني: القباء اسم للأرض
للغة حمير. انتهى كلامه، وفيه نظر في موضوعين:
الأول: في قوله: وهما موضعان، يفهم من كلامه أنه ليس غيرهما، وليس
كذلك، فإنّ ياقوت زاد ثالثا قال: وهي قرية في أول أرض اليمن من عمل
الكور، ورابعا بلدة كبيرة هن نواحي فرغانة قرب الشاش، ينسب إليها أبو
المكارم رزق الله بن محمد بن أبي الحسن القباني، سكن بخارى، وكان أديبا
فاضلًا، سمع منه أبو سعد وغيره.
والثاني: قوله: موضع في طريق مكة إلى آخره؛ لأن الحنفي زعم أنه
منهل، وكذا ذكره أبو حاتم السجستاني- رحمهما الله- إن كانت اللغة لا
تمنع من تسمية للنهل موضعا، فإن العرب يقضى عليها، والله أعلم.
من دلك يده بالأرض بعد الاستنجاء
حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: نا وكيع عن شريك
عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة عن عمر بن حزم عن أبي هريرة. " أن
النبي ﷺ قضى حاجته، ثم استنجى من تور ثم دلك يده بالأرض " (١) هذا
حديث أخرجه/أبو حاتم البستي في صحيحه (٢) ، فقال: نا إسحاق بن
إبراهيم وإسماعيل بن مبشر قالا: نا محمد بن آدم بن أبيِ إياس، نا شريك،
نا إبرا هيم، وقال في الأوسط: لم يروه عن أبي زرعة إلَا إبراهيم. تفرد به
стр. 176
شريك، وسكت عنه الإشبيلي، واعترض عليه ابن القطان فقال: لا يصلح
لعلتين:
إحداهما: شريك، فإنه سيء الحفظ، مشهور بالتدليس، وهو في سوء
الحفظ مثل ابن أبي ليلى ونضر بن الربيع، وكلهم اعتراهم سوء الحفظ لما ولوا
أمر القضاء.
والثانية: إبراهيم، فإنه لا يعرف حاله. وهو كوفي يروى عن أبيه مرسلًا،
ومنهم من يقول: حدّثني أبي. انتهى كلامه وعلّهُ فيه مآخذ: منها تدليس
شريك المخوف زال بحديثَ آدم عنه المصرح فيه بحدّثنا إبراهيم من عند ابن
حبان، ومنها تسويته بين شريك وقليس ومحمد في سوء الحفظ، وليس
كذلك؛ لأنه ممن خرج مسلم حديثه في صحيحه، وقال فيه ابن معين: ثقة
وهو أحب إلي من أبي الأحوص وجرير وليس يقاس هؤلاء به وفي رواته ثقة
إلَا أنه لا ينفذ ويغلط ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة، قال فيه الإمام
أحمد نحو ذلك وزاد، وهو في أبي إسحاق أثبت من زهير وإسرائيل، وخالف
في ذلك ابن أبي داود، وسيأتي كلامه، وقال وكيع: لم نر أحدًا من
الكوفيين مثل شريك، وحدث عنه ابن مهدي، وقال العجلي: ثقة حسن
الحديث، وقال ابن عدي: والغالب على حالته الصحة والاستواء، وقال أبو
داود: ثقة يخطئ على الأعمش زهير، وإسرائيل قرنه، وقال الآجري:
وسمعت أبا داود يقول: إسرائيل أصح حديثًا من شريك، وسمعت أبا داود
يقول: أبو بكر بن عياش بعد شريك، قال الآجري: سمعت أحمد بن
عمار بن خالد، سمعت سعدويه يقول لإبراهيم بن محمد بن عرعرة: أدوا
هذا لنا، سمعت عبد الله بن المبارك يقول: شريك أعلم بحديث الكوفة من
سفيان، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، كتب الحديث وكان يغلط، توفى
في ذي القعدة سنة سبع/وسبعين ومائة، ولما ذكره الحربي في كتاب العلل
قال: كان ثقة، وكذلك الفسوي في تاريخه، ثقة صدوق، صحيح الكتاب،
رديء الحفظ مضطربة، وقال النسائي في التمييز: ليس به بأس، فكيف يشبه
من يكون هذه حالته بابن أبي ليلى القائل فيه شعبة بن الحجاج: ما رأيت أسوأ
حفظًا منه، قال أحمد: سيء الحفظ، مضطرب في الحديث، وكذلك قاله
стр. 177
يحيى بن سعيد زاد حدا، وقال أبو حاتم: شغل بالقضاء فساء حفظه، وقال
ابن حبان: كان فاحش الخطأ، رديء الحفظ فكثرت المناكير في حديثه،
فاستحق الترك، تركه أحمد ويحيى وكذلك زائدة، وقال الدارقطني: هو رديء
الحفظ، كثير الوهم، وقال ابن طاهر في كتاب التذكرة: أجمعوا على ضعفه،
وليس كما ذكر؛ لأنّ العجلي ذكره في تاريخه فقال: كان صدوفا جائز
الحديث، صاحب سنة، فلا إجماع إذا- والله تعالى أعلم- وأما قيس بن
الربيع فقال فيه أحمد لما سئل عنه: لم يترك الناس حديثه فقال: كان يتشيع
ويخطئ في الحديث ويروى أحاديث منكرة، وقال الجوزجاني: ساقط، وقال
أبو داود: إنما أتى من قبل ابن له، كان يدخل أحاديث الناس في شرح كتابه،
ولا يعرف الشيخ ذلك، وقال الأزدي: كان يعلّق النساء بثديهن ويرسل
عليهن الزنا بيد فتكلم فيه غير هؤلاء، ومنها قوله: إبراهيم لا يعرف حاله،
وليس كما قال: فإنه ممن روى عنه أبان بن عبد الله العجلي، وحميد بن مالك
اللخمي، وداود بن عبد الجبار، وزياد بن أبي سفيان، وقيس بن مسلم،
وشريك، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات، وقال ابن عدي: لم يضعفه في
نفسه، وإنما قيل: لم يسمع من أبيه شيئا، وأحاديثه. مستقيمة تكتب، ومنها
قوله: ومنهم من يقول: حدثني أبي وذلك لا يستقيم، وأني له بالسّماع من
أبيه مع قول ابن سعيد فيه: مولده بعد موت أبيه، وكذلك قال الحربي في
كتاب العلل، وبنحوه ذكره الآجري، ومنها إغفاله علّة هي في الحقيقة لم إن
صحت علة الخبر لا ما ذكر أبو عبد الله أحمد بن حنبل حسن سؤال حنبل
له عنه، هذا حديث قيل: وأشد من هذا ما ذكر أبو داود من رواية ابن العبد
عنه: نا محمد بن عبد الله المخزومي، نا وكيع عن شريك عن إبراهيم بن جرير
عن المغيرة عن أبي زرعة عن أبي هريرة، فهذا كما ترى إبراهيم صرح بأنه لم
стр. 178
يسمعه من أبي زرعة، أما سمعه من المغيرة عنه، ولو كان أتى بلفظ يشعر
بسماعه منه لكنا نقول: سمعه منه وعنه، فلما لم يأت بذلك، إنما قاله معنعنا؛
دلنا ذلك عن انقطاع حديثه له لروايتنا واسطة بينهما، ولا أدري من هو في
جماعة مسمين بهذا الاسم، وفي هذه الطبقة، ولفظ أبي داود: " كان عليه
السلام إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة، فاستنجى ثم مسح يده على
الأرض، ثم أتيته بإناء آخر يتوضأ " (١) ولما ذكر الحافظان أبو محمد المنذري
وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد في كتابيهما، فالا: أخرجه أبو داود وابن
ماجة تبعا في ذلك الحافظ أبا القاسم ابن عساكر، وهو وهم منه؛ لأنّه ثابت
في كتاب السنن للنسائي المجتبي والكبير، ولفظه: " فتوضأ، فلما استنجى
دلك يده بالأرض " (٢) رواه عن محمد بن عبد الله بن المبارك، نا وكيع عن
شريك وأشار الطبراني في الأوسط إلى إبراهيم تفرّد به وعنه شريك، وأما قول
من قال من العلماء المتأخرين: إن ابن خزيمة أخرجه في صحيحه فيشبه أن
يكون وهم؛ لأنّي نظرت كتاب ابن خزيمة فلم أجد ذلك فيه، إنّما فيه حديثه-
أعني إبراهيم- عن أبيه الآتي بعد، فلعله اشتبه عليه، والله أعلم، ورواه أبان بن
عبد الله عن مولى لأبي هريرة عن أبي هريرة، قال ﵇: " ائتني
بوضوء، ثم دخل غيضة فأتيته بماء؛ فاستنجى ثم مسح يده بالتراب، ثم غسل
يده " ذكره الدارمي (١) في مسنده عن محمد بن يوسف عنه، وأبو يوسف
اختلف في اسمه، فذكر الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي/في كتاب الأسماء
والكنى من تأليفه أنَّ اسمه عمرو بن عمرو بن محيرز بن عبد الله، نا
محمد بن عيسى، سمعت عباسًا، سمعت يحيى يقول: اسم أبي زرعة بن
عمرو بن جرير: عمرو بن عمرو بن جرير، وفرَق بينه وبين أبي زرعة هَرِم،
وقال عن علي هرم أبو زرعة ليس هو ابن عمرو بن جرير، إنما هو آخر، ثم في
стр. 179
الطبقات لابن سعد: كان لجرير ابن يقال له عمرو، وبه كان يكنى، هلك في
إمارة عثمان، فولد له ابن فسماه جرير بن عبد الله باسم أبيه، وغلبه عليه أبو
زرعة، وأبي ذلك أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات، وأبو عمر بن عبد البر
في كتاب الاستذكار فلم يذكرا غيره، زاد أبو حاتم: وقد قيل اسمه كنيته،
وأما أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة فسمّاه عبد الرحمن، وأما مسلم فاختلف
قوله، فسماه في الطبقات عبد الله وفي الكُنى هرما. حدثنا محمد بن يحيى
أبو نعيم، نا أبان بن عبد الله حدّثني إبراهيم بن جرير عن أبيه: " أن نبي الله
ﷺ دخل الغيضة فقضى حاجته، وأتاه جرير بإداوة من ماءٍ، فاستنجى بها
ومسح يده بالتراب " (٢) هذا حديث رواه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في
صحيحه عن محمد بن يحيى، كما رواه أبو عبد الله، ولما أخرجه أبو عبد
الرحمن النسائي إثر حديث شريك المتقدم قال: هذا أشبه بالصواب من
حديث شريك، ومع ذلك ففيه علّتان لضعف الحديث بواحدة منها.
الأولى: ما أسلفناه من أن جريرًا توفى قبل ولادة ابنه إبراهيم، وقال أبو
حاتم: لم يسمع من أبيه، وكذلك قاله يعقوب، ولما ذكر الدارقطني حديثه
عن أبيه في المسح على الخفين، ومن رواه عنه كذلك قال: خالفهما شريك؛
فرواه عن إبراهيم عن قيس بن أبي حازم عن جرير، وهو أشبه، والله تعالى
أعلم. وذكر بعضهم أنه أحد قوله حدثني أبي إلا داود بن عبد الجبار وهو
متهم بالكذب.
الثانية: أبان بن عبد الله البجلي المعروف بابن أبي حازم- وإن كان قد
وثق- فقد قال فيه ابن حبان: كان ممن فحش خطؤه وانفرد بالمناكير ولم
يحدث عنه يحيى بشيء، وقد روى نحوهما عن عائشة، التور بالتاء: إناء
يشرب فيه. ذكره الجوهري، وفي الجمهرة لابن دريد: التور عربي معروف،
هكذا يقول قوم، وقال آخرون: هو دخل فأمّا التور الرسول فعربي صحيح،
وقال الجواليقي هو إناء معروف يذكره العرب، قال أبو عبيد عن أبي عبيدة:
ومما دخل في كلام العرب. الطست والتور والطاجن، وهي فارسية كلها، وقال
الزمخشري في الأساس: هو إناء صغير مذكر عند أهل اللغة، ومررت بباب
стр. 180
العمرة على امرأة تقول لجارتها: أعيريني تويرتك، وسُمي بذلك لأنه يتعاور،
سمى بالتور وهو الرسول الذي يدور من العساب، ومأخذه من الترة؛ لأنه تارة
عند هذا، وتارة عند هذا، وذكر أبو موسى في المغيث أنّه إناء يشبه الإِجانة من
صفر أو حجارة، يتوضأ فيه ويؤكل، والجمع والغيضة الأجمة، وهي مغيض ماء
يجتمع فينبت فيه الشجر، والجمع غياض وأغياض، وغيض الأسد أي ألف
الغيضة. ذكره في الصحاح، وقال أبو موسى: هو شجر ملتف، وفي الجامع:
يقال لما كثر من الطرفا والإِبل وما أشبهه: غيض، وقال أبو حنيفة: الغيضة ما
كان من العرب خاصة، والِذي جاءت به الأشعار خلاف هذا قال رؤبة:
في غيضه شجراء لم تمعَّر … من خُشْب عاش وغاب مثمر
فجعلها من المثمر وغير المثمر، وجعلها أيَضَا غابة وأي عَرب بنجد بلى
غُرب الأرياف إذا اجتمعت فهي عياض، وكذلك إن كانت من غير العرب
بعد أن تجتمع وتلتف، قال الطرماح: ومخاريج من شعار وغيل وغماليل
مُدجنات الغياض،/والغلول: بطن من الأرض غامض ذو شجر الغال نحو منه
ذكر. ذلك أبو عمرو فجعلها غياضا وهي ألفاف من الشجر، وليست منابت
غرب، وشبيه به الغيل والغيلة والغابة، وفي الغريب المصنف: ونحو منه السرداج
والخبراء والسَّلان والعقرة، وفي كتاب أسماء الشجر لأبي زيد سعيد بن أوس
الأنصاري، ومثله الحرجة والنوطة والفرش والوهط والسليل والرحبلة وقصيمة،
والآبار والعصل والشجر والأجمة والخميلة.
تغطية الإِناء
حدّثنا محمد بن يحيى بن يعلي بن عبيد، نا عبد المالك بن أبي سليمان
عن أبي الزبير عن جابر قال: " أمرنا النبي ﷺ أن نوكي أسقيتنا ونغطي
آنيتنا " هذا حديث لما أخرجه الترمذي (١) قال فيه: حسن صحيح، وأخرجه