الحديث ثم قال: رواه ابن أبي فديك عن محمد بن موسى المخزومي، أخبرناه
أبو الحسن أحمد ابن محمد بن عبدوس، نا عثمان بن سعيد نا أحمد بن
صالح،/نا ابن أبي فديك قال: وهذا حديث صحيح الإسناد، وقد احتج
مسلم بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سَلمة: دينار، ولم
يخرجاه. انتهى كلامه، وعليه فيه مآخذ الأول: حكمه عليه بالصحة، وهو
عدمها لأمرين:
الأوّل: ما ذكره البخاري، الثاني: جهالة حال يعقوب وأبيه سلمة، فإني
لم أر أحدا لعرّض لذكر جالهما، وأما ذكره ابن سرور في باب سلمة من
قوله: روى عنه ابنه يعقوب، نا محمد بن موسى الفطري وأبو عقيل يحيى بن
المتوكل توهم منه ذكره في باب يعقوب على الصواب، ولو كان ما قاله
صحيحا لخرج سلمة، وجهالة العين برواية جماعة عنه، وليس كذلك، وإنّما تبع
عبد الغني في ذلك ابن أبي حاتم حيث قال: سلمة الليثي روى عن أبي هريرة
روى عنه أبيه يعقوب روى عنه محمد بن موسى وأبو عقيل، فاعتقد أنّ
الضمير في محمد بن موسى عائد على سلمة، وإنما هو يرجع إلى يعقوب.
يفهم ذلك من قوله روى مرتين على أنّ هذا لابد فيه من أضيف إذ الاصطلاح
غيره، وأما البخاري فذكره في الكبير على الصواب، وتبعه على ذلك غير
واحد من المتأخرين.
الثالث: قوله: يعقوب بن أبي سلمة، وليس صحيحا إذ لو كان ابن أبي
سلمة لكان صحيحا كما زعم، ولكنه ليس به، والترمذي لم يقل أحد ما قاله
غيره بغير متابع له عليه، وممن رواه كرواية ابن ماجة والترمذي في العلل، وأبو
داود والدارقطني والإِمام أحمد بن حنبل والطبراني في المعجم الكبير وفي
الأوسط وقال: لم يروه عن يعقوب إلا الفطري، وغيرهم، ويشبه أن يكون
وقع ذلك منه لاعتماده على حفظه، إن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون أجود
على الذهن مق يعقوب بن سلمة، فانتقل عنه مق هذا إلى هذا وأكّده بذكر
أخيه، والله تعالى أعلم.
الرابع: لو سلم له قوله أنّه ابن سلمة لكان يحتاج إلى معرفة حال أبيه
стр. 247
دينار (١) ، وهي غير معروفة، بل لم يذكره في الرواة أحد من أصحاب التاريخ
فيما أعلم، ورواه أيوب بن النجار عن يحيى بن أبيِ كثير بن أبي سلمة عن
أبي هريرة/مرفوعًا بلفظ: " ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه " ذكره
الدارقطني (٢) في الأول من فوائده رواية ابن معروف عنه، ولما ذكره الحافظ أبو
بكر في سننه قال: وهذا الحديث لا يعرف من حديث يحيى عن أبي سلمة
إلا من هذا الوجه، وكان ابن النجار يقول: لم أسمع من يحيى إلَّا حديثًا
واحدًا التقى آدم وموسى. ذكره ابن معين فحديثه على هذا لا يكون منقطعًا،
وروى من حديث إبراهيم بن المنذر، نا عبد الله بن محمد بن هشام بن عروة
عن أبيِ الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة نحوها قال أبو نصر الوابلى: هذا
حديث غريب من حديث هشام عن أبي الزناد وهو من المذبح، وفي كتاب
أبي الحسن من حديث مجاهد عن أبي هريرة نحوه، وفيه جماعة مجاهيل،
ورواه أبو القاسم في الأصغر من حديث علي بن ثابت عن محمد عنه يرفعه.
" إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله، فإن حفظتك لا تستريح تكتب لك
حسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء " (٣) وقال: لم يروه عن علي بن ثابت
أخي عروة ابن ثابت إلَّا إبراهيم بن محمد البصري. تفرد به عمرو بن أبي
سلمة، وفي كتاب الشيرازي من حديث الحسين بن علوان: " من سمى على
وضوئه لم يزل كاتباه يكتبان له الحسنات حتى يحدث من ذلك الوضوء.
حدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا ابن أبي فديك عن عبد الرحمن بن عباس بن
سهل بن سعد الساعدي عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ قال: " لا صلاة
стр. 248
لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم
يصل على النبي ﷺ ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار " (١) هدْا حديث
أخرجه الحاكم في مستدركه وقال: لم يخرج على شرطهما، وإسناده ضعيف
لضعف رواية عبد المهيمن، فإنه ممن قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقاك
ابن الجنيد وابن معين: ضعيف الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال
ابن حبان: لما فحش الوهم في روايته: بطل الاحتجاج به، وقال الدارقطني:
ليس بالقوي، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال الحربي في كتاب العلل:
غيره أوثق منه،/وأما حديث عائشة مرفوعًا: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم
الله " فإن الحربي ذكر في كتاب العلل أنَّ إسحاق بن راهويه عمل مختصر
سنن، فجاء به علي بن الجهم إلى أحمد بن حنبل، فأول حديث فيه حديث
حارثة عن عمرة عن عائشة أن النبي ﷺ قال … الحديث، قال: فرمى أحمد
بالكتاب من يده وقال: هذا يزعم أنّه اختار أصح شيء في هذا أضعف
حديث في الباب، حديث ربيح وحديث سعيد بن زيد أصح من هذا؛ ولهذا
إنّ البزار لما ذكره في مسنده ضعفه بحارثة وقال: قد حدّث عنه جماعة
وعنده أحاديث لم يتابع عليها، وكلما روى في ذلك فليس بالقوي الإِسناد،
وإن ما يثبت هذه الأسانيد، ولفظ الدارقطني: " إذا مس طهورًا يسمى الله
تعالى " (٢) وفي لفظ: " إذا قام إلى الوضوء يسمى الله تعالى " ولما قال
الترمذي: وفي الباب عن أنس، فيشبه أن يريد بذلك الحديث الذي أخرجه
الإمام أبو الحق بن الخيمي بقراءتي عليه، أخبركم الحافظ البكري إجازة إن لم
يكَن سماعًا- نا أبو روح الهروي قراءة عليه، نا أبو القاسم زاهر السحامي
قراءة عليه، نا أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن الخبرروذي، نا أبو طاهر
стр. 249
محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة، نا جدي الإِمام أبو بكر
محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه الصحيح، نا محمد بن يحيى وعبد
الرحمن بن بشر بن الحكم قالا: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن ثابت وقتادة
عن أنس قال: " نظر بعض أصحاب رسول الله ﷺ وضوءَا فلم يجدوا،
فقال رسول الله ﷺ : هاهنا ماء، فرأيت النبي ﷺ وضع يده في الإِناء
الذي فيه الماء ثم قال: توضئوا بسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه
والقوم يتوضؤون حتى توضئوا عن آخرهم " (١) قال ثابت: قلت لأنس: كم
تراهم كانوا؟ قال: نحوا من سبعين، وأخرجه النسائي أيضًا وأصله متفق
عليه، وفي الباب مما لم يدر الترمذي حديث جابر، وفيه طول، وفي آخره:
" فقلت/إلا وضوء وفيه قال: حدثنا جابر: " فصب علي وقل بسم الله،
فصببت عليه وقلت بسم الله " (٢) رواه مسلم في صحيحه، وهو أصرح من
حديث أنس؛ إذ لقائل أن يقول: أراد بسم الله الإذن لا التسمية، وفيه رد
لقول من زعم ليس في الباب حديثًا له إسناد جيد كَما قدمناه، وفي حديث
ندع العنزي عن جابر عند أحمد: " فوضع النبي كفه في الماء والقدح ثم
قال: بسم الله ثم قال: أسبغوا الوضوء " (٣) وفي حديث سالم عن أبي الجعد
عنه عنده أيضًا: " فوضع يده في تور من ماءٍ بين يديه فجعل يفور من خلال
стр. 250
أصابعه كأنها عيون ثم قال: خذوا بسم الله، حتى وسعنا وكفانا " وروى
البخاري (١) ومسلم هذا الحديث من رواية سالم عن جابر بغير ذكر التسمية،
وإسناد أحمد فيه على رسم الصحيح، وحديث أبي سبرة ذكره ابن بنت منيع
في معجمه عن صلت ابن مسعود الخدري، نا يحيى بن عبد الله بن يزيد بن
عبد الله بن أنيس، حدثني عيسى بن سبرة عن أبيه عن جدّه أبي سبرة
مرفوعا … الحديث، ولما رواه الطبراني في الأوسط قال: لم يرو هذا الحديث
عن أبي سبرة إلَّا بهذا الإِسناد، ويشبه أن يكون لما رواه ابن أبي عاصم في
كتاب الآحاد، والثاني عن الصلت نا يحيى بن أنس بن سبرة عن مولى لقريش
عن أبيه عن جده زاد الموَلى، وليس عبده، والله أعلم، وفي حديث عبد
الله بن مسعود مرفوعا، وحديث خصيف عن النبي ﷺ مقطوع ومعضل.
ذكره أبو بكر البيهقي في كتاب السنن وضعفه، وحديث علي بن أبي طالب.
ذكره أبو أحمد بن عدي وضعفه، وحديث عبد الله بن عمر. ذكره الدارقطني
وضعفه بالداهري، وحديث ابن سبرة: " لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا
وضوء لمن لم يذكر الله، ولا يؤمن به من لا يحب الأنصار " ذكره أبو موسى
وقال: قال جعفر: في إسناده نظر، وحديث ذكره ابن أبي شيبة، فوقفه به
عبد المحسن المصري قراءة عليه، نا جدي القاضي أبو القاسم عبد الصمد، نا
ابن أبي الفتح السلمي، نا الشريف/الحسين بن محمد الخطيب، نا أبو الحسن
العلمي، نا طلحة بن عبد الله بن موسى ابن إسحاق، نا جدّي، نا يحيى بن
هشام، نا الأعمق عن سفيان عنه، ونا أعلى من هذا بدرجة قاضي القضاة
كمال الدين بن محمد بن سليمان- رحمه الله تعالى- قرأة عليه وأنا أسمع،
نا أبو حفص البغدادي، نا أبو القاسم بن الحصين، نا أبو طالب محمد بن
إبراهيم، نا أبو بكر الشافعي، نا محمد بن غالب، نا يحيى بن هاشم الأعمش
عن أبي وائل عن عبد الله به، واختلف في وجوب التسمية عند الوضوء؛
فاستحب كثير منهم أن يسمى، وقال قوم: إن تركه عامدًا فلا شيء عليه،
كذلك قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد، وقال إسحاق: إذا تركه ساهيًا فلا
стр. 251
شيء عليه، وإذا تعمد ذلك أعاد، قال ابن المنذر: وعندي لا شيء عليه، قال
ربيعة بن أبي عبد الرحمن في تفسير: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "
أنه الذي يتوضأ ويغتسل، ولا ينوي وضوءً للصلاة ولا غسلا للجنابة، وقال
أبو عبيد بن سلام: وأنا لا أرى لبشر أن يدع ذكر الله تعالى عند طهوره وإني
ما تركته ساهيا حتى يمضي بعض وضوئي، فأعيده من أوّله بالتسمية، وهذا
اختيار مني لنفسي آخذها به وأراه لمن قبل رأبي من غير أن أوجبه، ولا أفسد
بتركه صلاة من صلى ولا طهوره.
стр. 252
١٦- باب اللمس في الوضوء
حدّثنا هناد بن السرى، نا أبو الأحوص عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه
عن مسروق عن عائشة أن رسول الله ﷺ : " كان يحب التيمن في الطهور
إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتقاله إذا انتقل " (١) هذا حديث اتفقا
على تخريجه، حدّثنا محمد بن يحيى، نا أبو جعفر النفيلي، نا زهير بن معاوية
عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال رسول الله لم ﷺ : " إذا
توضأتم فابدؤوا بيمناكم " (٢) هذا حديث إسناده صحيح، وخرج ابن خزيمة
وابن حبان في صحيحيهما قطعة منه على نصر بن علي، نا عبد الصمد، نا
شعبة عن الأعمش به: إذا ألبس قميصًا بدأ يمينًا منه، وفي موضع آخر: " إذا
لبستم أو توضأتم " (٣) ورواه أيضًا الترمذي عن نصر، وقال: قد روى هذا غير
واحد عن شعبة عن الأعمش بهذا الإِسناد، ولما ذكره في الأوسط أشار إلى
تفرد زهير به عن الأعمش عن أبي هريرة موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه عن عبد
الصمد عن شعبة، وفي مسلم (٤) عن أبي هريرة مرفوعًا: " إذا انتقل أحدكم
فليبدأ باليمين " وله شاهد في صحيح ابن حبان من حديث ابن عمر: " نهى
стр. 253
رسول الله ﷺ أن يتعاطى أحدنا شيئًا بشماله " (١) وفي كتاب الأشراف " أن
النبي ﷺ كان يعجبه التيمن ما استطاع " (٢) وقد اجمعوا على أنه لا إعادة
على من بدأ بيساره في الوضوء قبل يمينه، وروينا عن علي وابن مسعود أنهما
قالا: " فلا يبالي بأيهما بدأت " زاد الدارقطني أبا هريرة.
стр. 254
١٧- باب المضمضة: والاستنشاق عن كف واحد
حدّثنا عبد الله بن الجراح وأبو بكر بن خلاد، نا عبد العزيز بن محمد عن
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: " أن رسول الله ﷺ
تمضمض واستنشق من غرفة واحدة " هذا حديث أخرجه ابن ماجة (١) في
موضعين آخرين، وهو قطعة من حديث مطول رواه البخاري (٢) في صحيحه،
والحاكم (٣) في مستدركه وِلفظه: " وجمع بين المضمضة والاستنشاق "
وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ، والحافظ أبو بكر في
صحيحه، وجوده الإِمام أحمد فيما حكاه الخلال، ولما أخرجه أبو عيسى (٤)
قال: حديث/ابن عباس أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وروى رشدين بن
سعد وغيره هذا الحديث عن الضحاك بن شرحبيل عن زيد بن أسلم عن أمه
عن عمر بن الخطاب: " أن النبي ﷺ توضأ مَرةًّ مرة " (٥) وليس هذا بشيء،
والصحيح ما روى هشام بن سعد والثوري وعبد العزيز بن محمد عن زيد عن
عطاء، وبنحوه قاله أبو حاتم الرازي حين سأله ابنه عن حديث رواه ابن لهيعة
عن الضحاك هذا. حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا شريك عن خالد عن علقمة
عن عبد خير عن علي: " أن رسول الله ﷺ توضأ،:فمضمض ثلاثًا
واستنشق ثلاثًا من كف واحد " (٦) هذا حديث أخرجه الحافظان أبو بكر بن
خزيمة وأبو حاتم البستي في صحيحيهما من حديث خالد بن علقمة الهمداني
عن عبد خير مطولًا، وقال فيه الترمذي: حسن صحيح، ولما ذكره البغوي
في شرح السنة قال: حديث عبد خير صحيح حسن. نا بذلك العلامة أبو
стр. 255
الحسن ابن موسى الحجازي بقراءتي عليه في شهور سنة إحدى عشرة وسبع
مائة، جميع كتاب الطهارة منه والزكاة والحج ومناولة لباقي ذلك، وأخبرني
أنه سمع بعضه من لفظ شيخه شيخ الإِسلام شمر الدين زكي بن الحسن
وبقيته قراءة عليه وأنا اسمع بلغة عدن في شهور سنة تسع وستين وستمائة
قال: أخبرني الفقيه رشيد الدين زاهد بن محمد بن أحمد بن وكيع، نا شيخ
الإسلام عماد الدين أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله المروزي قال: نا
البَغوي، فذكره، ورواه النسائي (١) في مسند علي مطولًا: " فملأ فمه فمضمض
واستنشق ونثر بيده اليسرى، يفعل هذا مرارًا " في الحديث ثلاث مرات، وكذا
ذكره أحمد بن سنان القطان في مسنده، ورواه شعبة فقال: عن مالك بن
عرفطة، ووهمه في ذلك أبو داود والنسائي والإمام أحمد ومسلم في كتاب
شرح شعبة من تأليفه والبزار، وقال: قد رواه غيَر واحد عن خالد بن علقمة،
ورواه سفيان موقوفًا، ولا نعلم أحدًا حسن له سياقًا ولا أتم كلامًا من زائدة،
ولما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل عن أبي زرعة قال: وهم فيه شعبة،
إنما أراد خالد بن علقمة، ورواه سفيان موقوفًا، لم يرفعه، وفي ذلك نظر؛ لأن
الدارقطني ذكر رواية الثوري هذا الحديث مرفوعًا ثم قال: وخالف الجماعة
الحجاج بن أرطأة، فجعله عن خالد عن عمرو ذي مر ووهم في ذلك،
والصواب قول من قال: عبد خير عن علي، انتهى، وفي توهم الجماعة شعبة
وعقبهم الجنابة برأس تعسّف لأمرين، الأوّل: لروايته ذلك كرواية الجماعة
سفيان وشريك وأبو عوانة وأبو الأشهب، وغيرهم. نص على ذلك أبو الحسن
البغدادي.
الثاني: متابعة أبي عوانة له على ذلك مطلقًا من عْير تقييد أبو داود في
رواية ابن العبد، والترمذي في جامعه، وأبو حاتم كما أسلفناه، والدارقطني وعن
الإِمام أحمد أنله رجع عن ذلك لما قيل له: إن شعبة وهم، وقَال ما يدرين؟ أنا
سمعته وهو يخالفني في اسمه فقلت: لعله أعلم فاتبعته ويتم أبو عبد الله عند
هذا، وقال خالد بن علقمة: كوفي ثقة، وحكى الدارقطني: روى عن أبي
стр. 256
سفيان عن جابر يروي عنه، وأصل مولى أبي عيينة. ذكره ابن حبان في كتاب
الثقات وفي مسند الدارمي: فبايع له، وهو حسن بن عقبة المرادي المذكور في
كتاب البستي حدّثنا علي بن محمد، نا أبو الحسن العكلي عن خالد بن
عبد الله عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال:
" أتانا رسول الله ﷺ فسألنا وضوءًا، فأتيته بماء فمضمض واستنشق من كف
واحد " (١) وأما ما ذكره خالد بن عبد الله- وهو ثقة- هذا حديث أصله في
الصحيحين، وقال فيه أبو عيسى: حسن غريب، وقد روى مالك وابن عيينة
وغير واحد هذا الحديث عن هجر، ولم يذكروا هنا الكف والغرف من كف
واحد، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وهو معه/حافظ عند أهل الحديث.
انتهى كلامه، وفيه نظر في موضعين، الأول: قوله: عن مالك وغيره، لم
يذكروا من كف واحد، إن أراد اللفظ فكذلك هو، وإن أراد المعنى فليس
كذلك؛ لأن لفظ حديث مالك وغيره: " فمضمض واستنشق ثلاث مرات من
غرفة واحدة "، وفي لفظ: " ثلاث مرات من ثلاث غرفات " وفي رواية:
" من ثلاث حصيات " وفي رواية: " فمضمض واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات
من ماء " فهذا كما ترى مالك وغيره ذكروا معنى ما ذكره خالد، والله أعلم.
الثاني: تحسيه الحديث مع شهادته للمتفرد به بالحفظ، والحافظ إذا تفرد
بحديث عنده كان صحيحًا، لا سيما إذا عضده متابع وشاهد كهذا مع قطع
النظر عمن صححه قبل، وذكر أبو عبيد في كتاب الطهور: وجدنا الآثار عن
النبي ﷺ مثبتة، فبعضها معناه إنهما كانا بغرفة واحدة، وفي بعضها جدد
لكل واحد منها غرفة، ففي هذا شاهد أنّ الأمرين جميعًا واسعان وأنهما من
سنته، وقد علمت العلماء بالرخصة منهما المبالغة.
стр. 257
في الاستنشاق والاستتار
حدّثنا أحمد بن عبده، نا أحمد بن زيد عن منصور، ح ونا أبو بكر بن
أبي شيبة نا أبو الأحوص عن منصور عن هلال بن يسار عن سلمة بن قيس،
قال: قال لي رسول الله ﷺ : " إذا توضأت فانثر، وإذا استجمرت فأوتر " (١)
هذا حديث قال فيه أبو عيسى: حسن صحيح، وذكره ابن حزم صحيحا به،
وألزم الدارقطني الشيخين إخراجه، ولما ذكره أبو ذر الهروي في مستخرجه زاد:
" إلَّا وإنما هن أربع؛ ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلَّا
بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا " وفي لفظ: " أربع ما أنا بأشح بهن مني يوم
سمعتهن " وفي لفظ كان ذلك في حجة الوداع، وأمّا النسائي والطبراني
وغيرهما فجعلوهما حديثين، ولفظ ابن أبي خيثمة في تاريخه الأوسط وابن
قانع والطبراني: " إذا استنشقت " وقد وقع لنا هذا الحديث يعلو ثلاث
درجات على طريق ابن ماجة./نا المسند المعمر يحيى لن أبي محمد الدمشقي
بقراءتي عليه من مفتي المسلمين علي بن هبة الله، أخبرتنا شهرة، نا الحسن بن
علي، نا عبد الله بن يحيى فروى علي بن إسماعيل بن أحمد، نا أبو عيينة بن
منصور، فذكره، وقال الدارقطني في الأفراد: ورواه من حديث موسى بن
مطهر، هذا غريب من حديث موسى عن منصور، حدّثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، نا يحيى بن سليمان الطائفي عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن
لقيط بن صبرة عن أبهِ قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء قال:
" أسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق، إلَّا أن تكون صائما " (٢) هذا حديث
رواه أبو داود (٣) مطولا بلفظ: " كنت وأفد بني المصطلق أو في وفد بني
стр. 258
المصطلق فلما قدمنا على النبي ﷺ لم نصادفه في منزله، وصادفنا عائشة قال:
فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا قال: وأتينا بقناع، ولم يُقم قتيبة القناع الطبق
فيه تمر ثم جاء رسول الله ﷺ فقال: هل أصبتم شيئا أوامر لكم بشيء؟
قال: قلنا: نعم يا رسول الله قال: فبينما نحن مع رسول الله ﷺ جلوسا
إذ رفع الراعي غنمه إلى المراع ومعه سخلة يطعمها فقال: ما ولدت يا فلان؟
قال: بهمة، قال: فاذبح لنا مكانها شاة ثم قال لا تحسبن ولم يقل ولا
تحسين أنا من أجلك ذبحناها! لنا غنم مائة، لا يزيد إن تزيد فإذا وأد الراعي
بهمة ذبحنا مكانها شاة قلت: يا رسول الله إن لي امرأة، وإن في لسانها
شيئا- يعني البلدا- قال: فطلقها إذا قلت: يا رسول الله إنّ لها صحبة ولي
منها ولد قال: فمرها يقول عظها فإن يك فيها خير فستفعل ولا تضرب
ظعينتك كضربك أُميّتك قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال:
أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما "
نا عقبة عن مكرم، نا يحيى بن سعيد، نا ابن جريج، حدّثني إسماعيل، فذكر
معناه، قال: فلم ننشب أن جاء النبي ﷺ يتكفأ ينقلع وقال عصيدة مكان
جريدة. نا محمد بن يحيى بن فارس، نا أبو عاصم، نا ابن جريج بهذا
الحديث قال فيه: " إذا توضأت فمضمض " والترمذي مختصرا، وقال فيه:
حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه من حديث شريح عن الطائفي/
مطولا، والحافظ أبو بكر بن خزيمة عن الحسن بن محمد الزعفراني، وزياد بن
يحيى الحساني، وإسحاق بن حاتم المدائني وجماعة قالوا: نا يحيى بن سليم
بمثل حديث ابن ماجة وابن الجارود في كتاب المنتقى، وصححه أيضا البغوي
في شرح السنة، وأبو محمد الإشبيلي، وصحح إسناده الطبري وأبو الحسن
ابن القطان وأبو بشر الدولابي في جمعه حديث الثوري، ورجحه أبو القاسم
في الأوسط، وذلك لما رواه من حديث قرة بن خالد عن إسماعيل قال: لم
يروه عن قرّة إلا الحسن بن سعيد. تفرّد به علي بن حسان، فإن كان علي
стр. 259
القطان حفظه فهو غريب من حديث قرة؛ لأن علي رواه عن يحيى بن سعيد
عن ابن جريح عن إسماعيل، ورواه أيضَا من حديث محمد بن طارق عن أبيه
عن لقيط بلفظ: " إذا كنت صائمَا فاستيسر " وقال: لم يرو هذا الحديث
عن محمد بن طارق إلَّا بشر بن رافع. تفرد به حسن بن عيسى وقال الحاكم:
هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، وهو جملة ما قلنا إنّهما اعرضا عن
الصحابي (١) الذي لا يروى عنه غير الواحد، وقد اجتمعا جميعًا ببعض هذا
الحديث بعينه. قاله شاهد من حديث ابن عباس- يعني الأتيِ بعد- وفيما قاله
نظر من وجهين: الأول: قوله أنّهما أعرضا عن الصحابي الذي لا يروى عنه
غير الواحد، وليس كما زعم بعدم اشتراطهما ذلك، ولما في كتابيهما من
أحاديث جماعة بهذه المثابة، منهم: المسيب بن حرث، وأبو قيس بن أبي
حازم، ومرداس الأسلمي، وربيعة بن كعب الأسلمي، وغيرهم.
الثاني: لو سلمنا له قوله كان لفظ هذا خارجًا عن ذلك؛ لرواية جماعة
منهم ابن أخيه وكيع بن حرش وابنه عاصم وعمرو بن أوس. فيما ذكره ابن
سعد وأبو عمر قال: ومنهم من يجعل لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله
ابن المنتفق بن عامر بن عقيل المكني أبا رزين غير لقيط بن صبرة، وليس بشيء
بل هما واحد، نسب إلى جدّه، وكذلك قاله البخاري وأبو حاتم الرازي وأبو
أحمد العسكري والفسوي في تاريخه وابن حبان وعبد الغني بن سعيد،
وغيرهم، وأما ما ذكره الخلال في كتاب العلل عن الإِمام أحمد بن حنبل:
عاصم لم يسمع غير مكي رواية- أي ليس/بمشهور في الرواية عنه-
فمردود، بما أسلفنا ذكره عند من صحح حديثه، وما ذكره العسكري والطبري
في الأوسط: ولفظ فاستروا يداه من جهة بشر بن رافع عن محمد بن طارق
عن أبيه عن لقيط قال: لم يروه عن ابن طارق إلَّا بشر بن رافْع. تفرد به
صفوان بن عيسى من جهة القطان عن قرّة بن خالد عن إسماعيل قال: لم
يروه عن قرّة إلَّا يحيى بن سعيد. تفرد به علي بن حسّان القطان، فإن بان
على حفظه فهو غريب من حديث قرة؛ لأن غير ابن حبان رواه عن محمد بن
стр. 260
سعيد عن ابن جريج عن إسماعيل، ولما ذكره الخطيب في تاريخه من رواية
وكيع عن مسعر قال: تفرد به وكيع عنه، وحبذا بوكيع، وكذا قول عبدان
الذي حكاه العسكري: أتيت سفيان الثوري فلمّا قدمت على شعبة قال لي:
ما سمعت من سفيان؟ فقلت: حدّثني سفيان عن إسماعيل بن كثير عن
عاصم … الحديث فقال: آوه منعتني لو جئت به عن غير سفْيان لقلت فيه؛
لأنه عديم المحاباه، فلو تجد له قول فيه لقال وحمل على أنه قاله مداعبة،
ولفظها السفيان، والله أعلم، وكذا ذكره أبو العباس أحمد بن محمد بن
سعيد، الذي نابه المسند المعمر يوسف الحنفي عن عبد الوهاب المصري، نا
أحمد بن محمد الإسكندري المبارك ابن عبد الجبار، نا أبو يعلي أحمد بن عبد
الواحد، نا أبو الحسنَ أحمد بن الفرج عنه أنه حديث تفرد به أهل الطائف عن
غيرهم من البلاد؛ لأنّ هذا التفرد لا يوجب ضعفًا كما توهمه بعض الناس
فيه. وقد رواه الحاكم في تاريخ بلده من غير طريق إسماعيل قال: نا أبو
بكر البوشنجي، نا إبراهيم الحزامي، نا أبو إسحاق نا عبد الرحمن بن المغيرة بن
عبد الله الحزامي حدّثني عبد الرحمن بن عباس الأنصاري عن دلهم بن
الأسود عن عبد الله بن حاجب بن عاصم بن المنتفق العضلي عن جدّه عبد
الله عن عمه لقيط قال دلهم- وحديثه أيضا إلى الأسود عن عاصم بن لقيط
به مطولا- قال عبد الله: سمعت أبا بكر يقول: سمعت أبا عبد الله يقول:
هذا حديث إبراهيم كتبه عنه ابن معين وابن حبان وحفّاظ الحديث ببغداد،
ولم يرو عبد الرحمن غير هذا الحديث، ولا كتبناه عن أحد إلا عن الحزامى
وهو من قرية لا من مخزوم بن عبد الله/هذا هو الحارثي، حدّثنا أبو بكر بن
أبي شيبة، نا إسحاق بن سليمان، ح وثنا علي بن محمد، نا وكيع عن أبي
ذئب عن قارط ابن شيبة عن أبي غطفان المزي عن ابن عباس قال رسول الله
ﷺ : " استعيدوا مرتين بالعين أو ثلاثًا " هذا حديث ذكره أبو عبد الله
مستشهدا به كما وصفنا، والجارود في منتقاة، نا المسند المعمر أبو محمد
عيسى بن عبد الرحمن بن معالي المقدسي فيما أجزناه غير مرة، نا جعفر بن
أبي البركات، نا الحافظ أبو طاهر الأصفهاني، نا الشيخان المبرك بن عبد الجبار
وأبو طالب عبد القادر بن محمد، نا أبو إسحاق إيراهيم بن أحمد البرمكي، نا
стр. 261
أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان بن مطة، حدّثني أبو القاسم
علي بن يعقوب بن أبي العقب، نا أبو زرعة البصري قال: سألت أبا عبد الله
أحمد بن محمد ابن حبان عن أي الحديثين أوكد: حديث ابن عباس أم
حديث أبي هريرة قال: هما جميعا الاستنثار أشد تأكيدا أو ذكر حديث
ابن أبي ذئب عن قامط رأسه (١) بن عم كانه حديث يعمل عليه- وفي
كتاب الخلال- قيل لأحمد- قال ﵇: " ثنتين بالغتين " قال: ذاك
في إسناده شيء. انتهى. ولا معارضة بين القولين، والله أعلم، ولما ذكره
الأسلمي قال: قارط هو ابن شيبة، وهو لا بأس به، والصحيح ما تقدّم من
الأمر بالوتر والاستنثار، قال أبو الحسن بن القطان: لم يعتل على هذا الحديث
بأكثر من هذا وحكمه على قارط بأنه لا بأس به، وعلى الحديث بالضعيف؛
لتضعيفه أبا غطفان لإِبراره إياه، وأبو غطفان- وهو من طريق ابن مالك
المري- يروي عن أبي هريرة وابن عباس، روى عنه داود بن حصين وقارط
وكانت له بالمدينة دار عند دار عمر بن عبد العزيز، أخرج له مسلم، وقال
الأودي عن ابن معين فيه: ثقة، وقارط بن شيبة هو أخو عمر بن شيبة من بني
ليث بن كنانة، خلفاء قريش، قال النسائي: لا بأس به، فإنه في خلافة
سليمان بن عبد الملك بالمدينة. قاله أبو حاتم، ولقيه من في الإِسناد لا يسئل
عنهم وإنّهم أئمة، ووظيفة المحدّث النظر في الأسانيد من حيث الرواة
والاتصال/والانقطاع، فأما معارضة هذا المتن ذاك الآخر وأشباه ذلك فليس من
نظره. انتهى كلامه، ويشبه أن يكون لكلام أبي محمد وجفا، وذلك أن
الدارقطني ذكر عن أبي داود: أبو غطفان رجل مجهول، فيحتمل أن يكون
ذلك هو الذي اعتل به على الحديث، وكلام أبي الحسن يفهم منه أنّ أبا
غطفان الرازي عن ابن عباس وأبي هريرة واحد، وذاك هو المحكي له نقل كلام
من وثقة، وليس هو بأبيِ عذرة ذلك، وقد قاله قبله ابن أبي حاتم وأبو عمرو
عنهما، وأما الحافظ أبو بكر البزار فإنه فرق بينهما، وزعم أن المري روى عن
أبي هريرة وأبا غطفان عن ابن عباس، ويرجح ذلك قول ابن معين أبو غطفان
стр. 262
الذي روى عنه داود بن حصين، فيحتمل أن عبد الحق لما رأى ذلك وما
أسلفناه، ورأى حديثه مخالفا لحديث غيره من الثقات، توهمه المجهول لا
الموثق، والله أعلم، ولما أخرجه أبو نعيم من حديث الربيع بن بدر عن ابن
جريج عن عطاء عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ : " تمضمضوا واستنشقوا،
والأذنان من الرأس " (١) قال: هذا غريب من حديث ابن جريج في
المضمضة والاستنشاق، لا أعلم رواه عنه إلا الربيع. حدّثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، نا زيد بن الحباب وداود بن عبد الله، نا مالك بن أنس عن ابن شهاب
عن أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : " من توضأ
فليستنثر، ومن استجمر فليَوتر " (٢) هذا حديث اتفقا على تخريجه وفي الباب
من الفقه أن الاستنشاق في الوضوء غير واجب، ولو كان فرضًا لكان على
الصائم كما هو على المفطر، وهذه مسألة اختلف فيها؛ فكان عطاء والزهري
وابن أبي ليلى وحماد وإسحاق يقولون: يعيد إذا تركها في الوضوء، وقال
الحسن وعطاء آخر قولته والزهري والحكم وقتادة وربيعة ويحيى الأنصاري
ومالك والأوزاعي والليث بن سعد والشّافعي: لا يعيد، وقال أحمد: يعيد في
стр. 263
الاستنشاق خاصة، ولا يعيد من ترك المضمضة، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور،
وقال أبو حنيفة/والثوري: يعيد إن تركها في الجنابة، ولا يعيد في الوضوء.
وحديث وائل بن حجر من عند البزار مرفوعًا: " فمضمض واستنشق
ثلاثًا " وسيأتي له زيادة (١) في باب الغسل، قال ابن المنذر: يقول أحمد:
أقول وفي المحلي لأبي محمد، وذكر قول أحمد، وهذا هو الحق؛ لأن
المضمضة ليست فرضًا، وإن تركها فوضوءه تام وصلاته تامة عمدًا تركها أو
نسيانًا؛ لأنه لم يصح بها عن النبي ﷺ أمر، وإنما هي فعل فعله ﵇،
وأفعاله ليست فرضًا، وإنما فيها ألا ينشأ به ﵇. انتهى كلامه، وفيه
نظر؛ لأن الأمر بالمضمضة صحيح، لا كما زعمه لما أسلفناه في حديث لقيط
المذكور عند أبي داود (٢) عن ابن فارس، نا أبو عاصم عن ابن جريج بهذا
الحديث قال فيه: " إذا توضأت فمضمض " فهذا أثر ظاهر صحيح الإِسناد
على ما سنشرح آنفًا، نا المسند المعمر أبو الفضل عبد المحسن بن أحمد-
﵀ في المعجم الأوسط من حديث يزيد بن عبد الملك النوفلي عن
أبي موسى الخياط عن ابن المنذر عن أنس عن النبي ﷺ : " إذا توضأ
أحدكم فليمضمض ثلاثا " (٣) الحديث.
قال: لم يروه عن ابن المنكدر إلا أبو موسى. تفرد به النوفلي، وذكر أيضا
من حديث إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن أبي هريرة قال ﷺ : " إذا
توضأ أحدكم فليمضمض " (٤) ثم قال: لم يروه عن عطاء إلا إسماعيل. تفرد
به علي بن هاشم ابن البريد قرأه عليه وأنا أسمع عن جدّي الحافظ أبو حامد
أن القاضي أبو القاسم الأنصاري، ثنا أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد بن
стр. 264
أبي الفتح، ثنا أبو نصر الحسين بن محمد بن أحمد، ثنا أبو الحسين محمد بن
أحمد الغساني، ثنا محمد بن جعفر عن الحافظ، ثنا الحُسين بن محمد بن
أحمد بن المعمر، ثنا هدية بن كنانة، ثنا حماد عن عمار بن أبي عمار عن أبي
هريرة أن رسول الله ﷺ : " أمر بالمضمضة والاستنشاق " (١) .
ولما ذكره البيهقي من طريق هديه صحّح إسناده ثم قال: وقال مرّة أخرى
مرسلا لم يقل عن أبي هريرة، وداود بن مخبر عن حماد في رحله، قال
البيهقي / وغيرهما يرويه مرسلًا.
وخالفه إبراهيم بن سليمان الخلال شيخ يعقوب بن سفيان فقال: عن
حماد عن ابن عباس، كلاهما عن محفوظ- والله أعلم- وقد وردت
أحاديث شاهدة لهما، وفي إسنادها مقال فمنها ما ذكره أبو القاسم في سنن
البيهقي من حديث عصام بن يوسف عن ابن جريج عن سليمان بن موسى
عن الزهري عن عروة عن عائشة ترفعه: " المضمضة والاستنشاق من الوضوء
الذي لابد منه " (٢) .
ورواه إسماعيل بن أسد عن عصام بنحوه، إلَّا أنه قال: " من الوضوء الذي
لا تتم الصلاة إلَّا به " قال الدارقطني: تفرد به عصام ووهم فيه، والصواب:
ابن جريج عن سليمان مرسلا، ورواه محمد بن الأغر، وهو ضعيف عن
الشيباني عن ابن جريج بإسناد عصام، ومتن الجماعة: " فليمضمض " وهو خطأ،
والصواب مرسل زاد في السن من تأليفه، وأحسب عصامًا حدث به من
حفظه فاختلط عليه، واشتبه بإسناد حديث رسمه ابن جريج عن سليمان عن
стр. 265
الزهري: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها " ٣١) وفي الأفراد: هذا غريب من
حديث الزهري عن عروة عنه، وانفرد به سليمان بن موسى الدمشقي عنه،
ولم يروه عنه غير ابن جريج، وهو غريب من حديث ابن المبارك عن ابن
جريج تفرد به عنه عصام، وذكر من حديث الربيع بن بدر- وهو متروك-
عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وضعفها كلها- والله أعلم- فسند
ما تقدم من الأحاديث الصحيحة، وغيرها صحة ما استدللنا عليه، والله الموفق.
стр. 266
١٨- باب ما جاء في الوضوء مرةً مرةً
حدّثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، ثنا شريك عن ثابت بن أبي صفيَّة
الثمالي قال: سألت أبا جعفر- ﵇ قلت له: حدثت عن جابر
ابن عبد الله أن النبي ﷺ " توضأ مرة مرة؟ قال: نعم. ومرتين مرتين؟ قال:
نعم، وثلاثَا ثلاثا؟ قال: نعم " (١) هذا حديث قال فيه البزار: لا نعلمه يُروى
عن جابر إلا هذا الإِسناد، ولا رواه عن محمد بن علي إلا أبو حمزة الثمالي،
وفيما قاله نظر؟ لما ثنا به الإمام المسند المعمر عن أبي الفتح المقدسي، فزاد عليه
وأنا أسمع عن العلامة الخطيب أي: الحسن اللخمي/ثنا شهرة قراءةَ عليها وأنا
أسمع، ثنا أبو منصور محمد بن الحسين قراءة عليه، ثنا الحافظ أحمد بن
غالب، ثنا الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الجرجاني، ثنا محمد بن علي بن
حفص- عُرف بحيدرة-، ثنا عبد الله بن هاشم الطبري، ثنا الحرث بن
عمران الجعفري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، فذكره، ورواه أيضا
ابن البيّع في تاريخ نيسابور من حديث الحرث بن عمران، ورواه الترمذي من
حديث شريك ثم قال: وروى وكيع هذا الحديث عن ثابت، قلت لأبي
جعفر: حدَّثك جابر: " أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة " وهذا أصح من
حديث شريك؛ لأنه رُوى عن غير وجه هذا عن ثابت نحو رواية وكيع،
وشريك كثير الغلط، وذكر في كناب العلل أنه سأل محمدا عن الحديثين فقال:
الصحيح ما رواه وكيع عن أبي حمزة، وحديث شريك ليس بصحيح، ولما
سئل هنا الإمام أحمد عن الوضوء مرة مرة قال: الأحاديث ضعيفة، ثم ذكر
حديث جابَر هذا في الأحاديث الضعاف، وسيأتي الكلام مع أحمد في
موضعه عند ذكر حديث ابن عباس المخرج في صحيح البخاري- إن شاء الله
стр. 267
تعالى- وثابت هذا هو ابن دينار، ويقال: ابن حمزة أبو حمزة، وروي عن
جماعة من التابعين، قال العقيلي: عن مسرور بن هارون كان يؤمن بالرجعة،
وثابت هذا هو ابن دينار، وروى عن جماعة من التابعين قال فيه أبو حاتم:
نكتب حديثه ولا نحتج به، وقال الدارقطني: متروك، وقال أبو زرعة: ليّن،
وقال ابن حنبل: ضعيف الحديث ليس بشيء، وقال الجوزجاني: واهي
الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: وضعفه بيَّن على
رواياته، وهو إلى الضعف أقرب، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا، وقال ابن
الجنُيد: متروك، وقال الآجري عن أبي داود. جاءه ابن المبارك فرفع له صحيفة
فيها حديث سُوْء في عثمان، فردّ الصحيفة على الجارية وقال: قولي له: قبحك
الله وقبح صحيفتك، وذكره الفسوي في جملة من يرغب عن الرواية عنهم،
وقال التاجي: هو ضعيف من أهل الصدق، يقدّم عليًّا على عثمان، فلا/
يحدث عنه يحيى ولا ابن مهدي، وذكره الغساني في كتاب الضعفاء من
تأليفه، وزعم شيخنا العلامة المزي أن ابن ماجة وأبا داود لم يخرجا حديثه،
وحديث البزار كان في الردّ عليه حدّثنا أبو كريب، ثنا رشدين بن سعد، ثنا
الضحاك بن شرحبيل عن زيد بن أسلم عن أبيه عمر قال: " رأيت رسول الله
ﷺ في غزوة توضأ مرة مرة " هذا حديث سبق فيه كلام الترمذي وأبي حاتم
في باب المضمضة والاستنشاق، وقال البزار: هذا حديث- يعني حديث ابن
عباس المتقدّم- وافقهم جماعة وخالفهم الضحاك، فرواه عن عمر وأغفل في
إسناده قصد الصواب، قال: وقد تابعه ابن لهيعة وخالفها من سمينا من
الثقات، وما أتى هذا إلَّا من الضحاك بن شرحبيل. انتهى، وفي عَصْبه الجنابة
برأس الضحاك نظر؛ لأنه ممن قال فيه أبو زرعة: صدوق لا بأس به، وذكره
الحافظ البستي في كتاب الثقات وقال: كان أصله من عكا ثم انتقل إلى
مصر، وروى عن ابن عمر، وفيما قاله نظر؛ لأن البخاري وابن يونس وابن أبي
حاتم لم يذكروا له رواية عن الصحابة، إنّما هي عن التابعين وأتباعهم، وفي
علل أبي الحسن: وخالف الضحاك عبد الله بن سنان، فرواه عن زيد بن أسلم
عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: وكلاهما وهم، ولما ذكره ابن أبي حاتم في
كتاب العلل بيّن الغزوة المبهمة بأنها الحديبيَّة، وفي الباب حديث أبي رافع
стр. 268
مرفوعا قال البخاري: فيه اضطراب، ورواه البزار من جهة الدراوردي عن
عمر بن أبي عمرو عن أبي رافع عن أبيه، وقال: لا نعلم يروي هذا الحديث
عن أبي رافع إلا بهذا الإسناد، ولما ذكره أبو عبيد بن سلام من جهة عمرو
قال: عبد العزيز لست أَسميه عن عُبيد الله بن أبي رافع عن أبيه، قال أبو
عبيدة: ففي غير حديث تسمية هذا الرجل أنله عبيد الله بن عبد الله بن أبي
رافع عن أبيه عن جدّه، ففي هذا كما ترى زيادة رجل لم تكن في إسناد
حديث البزار، وفيه بيان اسم الابن المبهم عنده، ويشبه أن يكون هذا هو
الاضطراب/المشار إليه عند البخاري، ولئِن كان إيَّاه فلا ضرر فيه؛ لأن المبهم
وغير المبهم من رجاله حديثهم في الصحيح، والله أعلم، ورواه أبو عبيد أيضًا
من جهة عمرو عن يعقوب بن خالد عن أبي رافع، وقال أبو الحسن المقبري
في كتاب العلل: ورواه الدراوردي أيضًا عن محمد بن عمارة ويعقوب بن
المسيب، وأشبه بالصواب حديث عمرو بن عبد الله بن عبيد الله عرام عن
حرمة فسر- بما ذكرنا- فساد قول من زعم أنه لا يروى عن أبي رافع إلا
بهذا الإسناد، وقال الساجي عنه: فيه ضعف، وذكره ابن حبان في كتاب
الثقات، َ ولما سُئل عنه أبو داود قَال: قال أبو نعيم: ما بقى أحد كان مختلف
إلى سفيان غيره، وحديث بريدة ذكره البزار فقال: أبو كُريب، ثنا علي بن
آدم، ثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي بريدة عن أبيه وهو سلمان بن
يزيدة، قال: هذا الحديث لا نعلم رواه عن الثوري عن علقمة عن أبي بريدة
عن أبيه- وهو سلمان بن بريدة- إلا أن قادم أنهى ابن قادم- وإن كان أبو
حاتم قال فيه: محلّه الصرف- فقد قَال ابن سعد-: كان متهمًا منكر الحديث
شديد التشَّيع، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن عدي: نقمت عليه
أحاديث رواها عن الثوري غير محفوظة، وقال ابن القطان: مستضعف وذكره
العتكي في الضعفاء حديث عبيد المذكور، ولما ذكر بعض الحفاظ حديث يزيد
هذا، قال: إسناده جيّد، وحكى عن ابن قَادم ما قاله أبو حاتم فقط أخذًا
لذلك من كتاب العمال لابن سرور، وفيما قاله نظر لما أسلفناه، وحديث عبد
الله بن عمر قال فيه البزار لما رواه من طريق مندل بن أبي نجيح، وهذا الحديث
لا نعلمه. رواه عن ابن عمر إلا مجاهد، ولا عن مجاهد إلا ابن أبي نجيح،
стр. 269
وفي الأوسط: لم يروه عن ابن أبي نجيح إلَّا مندل. تفرد به بكير بن يحيى بن
زيات، وحديث ابن المسيّبِ عن زيد بن ثابت: " أن النبي ﷺ توضأ مرة
مرة " رواه الدارقطني في الأفراد وقال: تفرد به علي بن الحسن (١) الشامي
عن مالك عن ربيعة الرأي عنه، وحديث عمرو بن أبي الحسن الأنصاري:
" رأيت النبي ﷺ /توضأ فمضمض واستنشق مرة واحدة " ذكره المديني من
جهة حديث محمد بن هلال المزي، عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن عمه،
وحديث ابن العالة- واسمه سبرة- ثنا ح حديثه المسند المعمر يحيى بن أبي
محمد الناصري عن مفتي المسلمين أبي الحسن المعمري عن أبي الطاهر
العمري، ثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الرازي، ثنا القاضي أبو الفضل
محمد بن أحمد السعدي قرأة عليه، ثنا عبيد الله بن محمد العكبري قرأة عليه
قال: قرأت على أبي القاسم عبد الله: ثنا عبد الله بن محمد البغوي وأنا
أسمع، ثنا علي بن الجعد، ثنا عدي بن الفضل عن أبي جعفر عن عمارة بن
خزيمة بن ثابت عن ابن العالة قال: " رأيت النبي ﷺ توضأ مرة مرة " (٢)
وحديث معاذ وحديث ابن عباس مخرج في الصحيح، وسيأتي ذكره في باب
الانفتاح، ذكره الخلال في علله عن علي بن سعيد أنّه قال: فقلت له: يعني
الإِمام أحمد بن حنبل- فحديث معاذ في الوضوء مرة مرة، فلم يعرفه، وقال:
من رواه؟ قلت: ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن زياد- يعني الإفريقي- عن
عتبة بن حميد الضبّي قال: فجعل يتعجّب وقال: أخاف أن يكَون هذا مثل
стр. 270
حديث قصة محمد بن سعيد؛ الذي يروى فيه المنديل عن النبي ﷺ ونحن
لا نروي عن الإفريقي، وحديث عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن
عمر، قال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب موقوف، وحديث القيس. ذكره
ابن أبي حاتم في كتاب العلل، وحديث عائشة. ذكره ابن عدي، وضعفه
بيحي بن ميمون، وحديث عبد الرحمن بن أبي قراد ذكره البخاري في التاريخ
الكبير، وحديث أبي هريرة ذكره ابن عساكر في التاريخ الكبير.
стр. 271
١٩- باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا
حدثنا محمود بن خالد الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم الدمشقي عن ابن
ثوبان عن عَبدة بن أبي لبابة عن شقيق بن سلمة قال: " رأيت عثمان وعليًّا
يتوضآن ثلاثا، ويقولان: هكذا كان وضوء رسول الله/ ﷺ " (١) .
هذا حديث إسناده صحيح، ومعناه في الصحيح من حديث عثمان أيضا،
ولما ذكر أبو عيسى في علله حديث فليح عن سعيد بن الحرث بن خارجة بن
زيد بن ثابت عن زيد أن عثمان توضأ ثلاثا، وقال: هكذا رأيت النبي يتوضأ،
قال: سألت محمدًا عن هذا الحديث، قال: هو حديث حسن، قال أبو
عيسى: وهو غريب من هذا الوجه، وذكر أبو جعفر بن مُنيع في مسنده من
طريق ابن لهيعة، ثنا أبو النصر عثمان عمن رأى عثمان دعا بوضوء، وعنده
الزبير وسعد بن أبي وقاص، فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون
أن النبي كان يتوضأ كما توضأت؟ قالوا: نعم، وفي كتاب أبي عبيد:
وعنده علي وطلحة والزبير وسعد … الحديث، ولما ذكر حديث ابن ماجة هذا
بعض الحفاظ المبرزين قال: رواه ابن ماجة (٢) عن محمود بن خالد عن الوليد
стр. 272
عن ابن ثوبان عن عبدة عن شقيق، قال: بمعنى أبيِ حاتم، عن أبي نعيم ثنا
عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، فذكر نحوه، ويشبه أن يكون ذلك وهمًا؛
لأن القائل ثنا أبو حاتم إلى آخره، إنما هو أبو الحسن بن سلمة القطان الرازي
عن ابن ماجة ليعني أن الحديث عنده عال من غير طريق ابن ماجة فعل ذلك
في غير حديث، ورأيته مفصولًا في نسخة، ويؤيد ما قلناه إعراض أصحاب
الأطراف عن ذكره، والله أعلم. حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا
الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن ابن
عمر: " أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ورفع ذلك إلى النبي ﷺ " هذا حديث قال:
ذكره ابن حبان في صحيحه (١) عن الحسن بن سفيان، ثنا حبان بن عبد الله،
ثنا المطلب، فذكره، وصححه ابن حزم أيضًا، واحتج به، ومع ذلك فهو معلّل
بأمرين:
الأول: الانقطاع، قال ابن عساكر في كتاب الأطراف، تابعه بشر بن
بُكير، ورواهما وليد بن مزيد، فجعله عن ابن عباس، والمطلب قيل لم يسمع
من ابن عمر،/وقال ابن حاتم: عامة رواته يعني المطلب- مرسلة-، وروي
عن ابن عمر وابن عباس، ولا ندري أنه سمع منهما أم لا، وفي كتابه الجرح
والتعديل: مطلب عن ابن عباس وابن عمر مرسل لم يتردّد.
الثاني: ضعف المطلب، وإن كان أبو زرعة والفسوي والدارقطني وثقوه،
فقد قال فيه ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس يحتج بحديثه؛ لأنه يرسل
عن النبي كثيرًا، وليس له لقى، وعامة أصحابه يدلّسون، وذكر الخلال حديثه
هذا في علله، وفي المسند زيادة: وأنّ ابن عباس: " كان يتوضأ مرّة مرّة "،
стр. 273
ويسند ذلك إلى النبي- ﵇ " (١) . حدثنا أبو كريب، ثنا خالد بن
حبان عن سالم أبي المهاجر عن ميمون بن مهران عن عائشة وأبي هريرة أن
النبي ﷺ : " توضأ ثلاثا ثلاثا " (٢) هذا حديث معلّل بأمرين: الأول:
انقطاع ما بين ميمون وشيخيه، أما عائشة فذكر الكناني: قلت له- يعني أبا
حاتم الرازي- ميمون، هل سمع من عائشة شيئًا؟ قال: لا، وأما أبو هريرة
فذكر ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل: ثنا رحمونة سمعت أبا طالب قال:
قلت لأحمد بن حنبل: ميمون سمع عن بن حزام؟ قال: لا، من أين لقيه؟ لم
يرو إلا عن ابن عباس وابن عمر، فهذا حكم من أحمد على عدم سماعه من
صحابي غير هذين ولم تركته مخالفا نرجع إلى قوله، الثاني: الاختلاف في
حال خالد بن حبان أبي يزيد الرقي الكندي مولاهم الخراز، فأمّا ابن عمَار
وابن معين وابن سعد فذكروا أنه ثقة، وأمّا الإِمام أحمد فقال: لم يكن به
بأس، كان يروي عن جعفر غرائب وقال عمرو بن علي: ضعيف الحديث،
وقال يعقوب: أنكرت عليه أحاديث تفرد بها، وسئل عنه علي بن ميمون
فقال: كان منكرًا- يعني في الضبط والحفظ- وشكّ التقوى والتحرز. انتهى
كلامه، وفيه نظر، إذ لقائل أن يقول: لو لم يكن فيه إلَّا قول من وثقة لكان
ما ذكرته حسنًا، ولكن لما روى مضعفًا راويًا للغرائب جوز حمله على نكارة
الحديث/لا غيرها اصطلاحًا ولغة، وقد وقع لنا حديث أبي هريرة من طريق
صحيحة، ومسند البزار رواها عن كرشي عن الحجاج بن منهال عن هاشم عن
همام عن عامر الأحول عن عطاء بن أبي رباح عنه أنّ النبي ﷺ : " توضأ
ثلاثًا ثلاثًا " (٣) ، وقال: هذا الحديث لم نعلمه روى عن أبي هريرة بأصح من
هذا الإِسناد، وحديث عائشة من طريق متصلة، وصحح الطْبري إسناده في
تهذيب الآثار. ذكرها أبو عبد الرحمن البزار في كتاب الكنى فقال: حدّثنا
الحسين بن حريث، ثنا الفضل بن موسى عن جُنيد بن عبد الرحمن، أخبرني
стр. 274
عبد الملك بن مروان بن الحرث ابن أبي ذئاب، أخبرني سالم سيلان قال:
" أرتني عائشة كيف كان النبي ﷺ يتوضأ قال: يتمضمض ثلاثَا "
الحديث. حدّثنا سفيان بن وكيع، ثنا عيسى بن موسى عق فائد أبي الورقاء
وعبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى قال: رأيت رسول الله ﷺ :
" يتوضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه مرة " (١) هذا حديث إسناده ضعيف؛
لضعف سفيان بن وكيع المتقدّم الذكر، ونكارة حديث فائد، وإن كان ليس
من نظير ما ذكره لمتابعة أبي يعقوب عبد الرحمن عبيد بن نسطاس الثقة الثبت
له، فكأنه ليس بموجود في هذا الحديث فلم يبق إلَّا تعليله بسفيان، وإن كان
ليس علّة له فقد وقع لنا من طريق سالمة منه، ثناها الشيخ الإِمام المسند المعمر
أبو بكر بن عمر الحميدي، ثنا عبد الهادي عن فاطمة قالت: ثنا فاطمة، ثنا
ابن زيدة، ثنا أبو القاسم، ثنا الحسن بن إسحاق، ثنا عليِ بن يحيى، أخبرني
عيسى بن يونس عن فائد: سمعت ابن أبي حاتم أوفى يقول: " رأيت النبي
ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه مرّة " (٢) وبه إلى أبي القاسم، ثنا عليّ بن
عبد العزيز، ثنا محمد بن يحيى المروزي، ثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا
مروان بن معاوية عن أبي الورقاء عق عبد الله بن أبي أوفى أنه: " توضأ ثلاثا
ثلاثا فخلّل لحيته "، وقال: رأيت النبي ﷺ يفْعل هذا " (٣) فصح إسناده/
على هذا، والله تعالى أعلم. ولما ذكر أبو القاسم بن عساكر هذا الحديث، لم
يذكره من رواية عبد الرحمن عن أبي أوفى، ولما ذكر لمن اسمه برواية عنه
استظهرت على ذلك بعده بنسخ أما ذكره من حديث فائد فقط، وعزاه لابن
ماجة وبايعه على ذلك جماعة من المتأخرين، منهم ابن سرور والحافظ المزّي
في كتابيه، وحديث ابن ماجة يرد قولهم، وممن نبه (٤) على أنّ عبد الرحمن
هذا هو أبو يعقوب الصغير أبو عبد الرحمن بن حبّان، وأبو نعيم الأصفهاني
стр. 275
وأبو أحمد العسكري في كتاب الصحابة من تأليفهما، وقبلهم الحميدي في
مسنده. حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن يوسف عن سفيان عن ليث
عن شهر بن حوشب عن أبي مالك الأشعري قال: " كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَا
يتوضأ ثلاثًا ثلاثَا " (١) هذا حديث إسناده جيّد، ولولا الاختلاف في حال
رواته لقيل فيه صحيحا، لما عضده من الشواهد والمتابعات، ولأنه لم يتكلم
فيها بقادح بُرّد به حديثهما وللعرفان بحال الواسطة ونفيه، أما ليث؛ فهو ابن
أبي سليم أنس. كذا ذكره ابن الجوزي، ويشبه أن يكون وهم؛ لأن العقيلي
فرق بين ابن أبي سليم زياد، وبين ليث بن أنس بن الليثي الراوي عن ابن
إسرائيل- يكنى أبا بكر، ويقال بكير- كوفي، وإن كان ابن سرور ذكر أنّ
الشيخين رووا له، فيشبه أن يكون وهما؛ وذلك أن الكلاباذي والحاكم
اللالكائي والخيال والباجي لم يذكره أحد منهم في كتابه، اللهم إلَّا لو قال
أنّ محمدَا استشهد به، ويروي له في رفع اليدين، وقرنه مسلم بابن إسحاق
الشيباني لكان صوابًا، وكذلك قاله ابن معين، زاد أبو الحسن: سئل وكيع عن
حديث من حديثه فقال: ليث لين وقال: كان سفيان لا يسمى لينَا، وقال
البخاري: كان صدوقًا، وقال ابن عدي: أحاديثه صالحة، وروى عنه شعبة
والثوري وغيرهما من ثقات الناس، ومع الضعفاء الذي/فيه فكتب حديثه، فقد
قال أبو النصر معْمر: كان ابن عيينة لا يحمد حفظه، وفي رواية: ضعيف،
وقال ابن مهدي: ليث وعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد، ليث أحسنهم
عندي، وقال جرير: كان ليث أكثرهم تخليطًا، وقال عيسى بن يونس:
كان قد اختلط كان يصعد المنارة ارتفاع النهار فيؤذن، وقال أحمد بن حنبل:
هو مضطرب الحديث، ولكن: حدث الناس عنه، وفي علل الترمذي عنه: لا
نفرح بحديثه وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا نشتغل به، مضطرب الحديث، زاد
أبو حاتم: هو أحب إلي من يزيد بن أبي زياد، وقال الفلاس: كان يحيى لا
стр. 276
يحدّث عنه، وكان ابن مهدي يحدّث عنه، وقال الدارقطني: صاحب سنة،
وكذلك قاله ابن معين، زاد أبو الحسن: نخرج حديثه، إنّما أنكروا عليه الجمع
بين عطاء وطاوس ومجاهد فحسب، وقال يحيى لأحمد: حديثه ذكره عنه
الحاكم، وقال ابن سعد: كان رجلَا صالحا عابدَا ضعيفَا في الحديث، يقال
كان يساًل عطاء، وقال الساجي: صدوق فيه ضعف، كان سيء الحفظ كثير
الغلط، وكان أبو داود لا يدخل حديثه في كتاب السنن الذي صنفه، وفيما
قاله نظر من حيث إنّ أبا داود إذا أطلق كان في العرف محمولَا على
السجستاني، فإن كان عناه فهو ثقة، خرج حديثه في كتابه، وإن كان غيره
فيلزمه بيانه، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ضعيف، وقال ابن طاهر مثله، زاد
خيرَا فقال: كان يسأل عطاء وطاوسَا ومجاهدَا عن الشيء يختلفون فيه،
فيروى أنّهم اتفقوا من غير تعمّد لذلك، وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: قال ابن
معين: ليس بذاك، وفي كتاب الآجري قال يحيى: ليس به بأس، وفي كتاب
العقيلي عنه: هو أضعف من يزيد بن برقوقة، وفي رواية ضعيف: إلَّا أنله كان
يُكتب حديثه، ليث/أضعف العالمين، وقال السعدي: نضعّف حديثه، ليس
بثبت، وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره فكان يقلب الأسانيد، ويرفع
المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان وابن مهدي
وأحمد وابن معين. انتهى كلامه، وفي إطلاقه ذلك نظر؛ لانا أسلفنا عن
الفلاس بحديث القطان عنه، وثنا أحمد عليه، وكذلك ابن معين، والصواب
في ذلك قول الساجي: كان يحيى القطان بآخره لا يحدّث عنه، ففي هذا
جمع بين قول يحيى والفلاس، وأما ابن معين فلا وجه لما حكاه عنه، وقال ابن
المديني: مجاهد أحبّ إلي منه، وقال العجلي: كوفي جائز الحديث، وفي
كتاب الآجري قال أبو داود أحمد بن يونس. سمعت أبا داود يقول: سمعت
يحيى يقول: عامة شيوخه لا يعرفون، الثاني: شهر بن حوشب أبو سعيد،
ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الجعد الأشعري
الحمصي، ويقال: الدمشقي، وإن كان مسلم قد خرج حديثه، وحسّن
الترمذي والبخاري حديثه، وروى له في كتاب الأدب، وقال أحمد: ما
أحسن حديثه، ووثّقه، وفي رواية: هو حسن الحديث، وقوى أمره، قال: وإنما
стр. 277
يتكلم فيه ابن عون، يعني بقوله: تركوه، وفي رواية: لا بأس به، وفي رواية:
ثبت وقال العجلي: ثقة، وكذلك قاله ابن معين، وقال أبو أحمد الحاكم:
ليس بالقوي عندهم، وقال موسى بن هارون: ضعيف، وبمثله قاله ابن سَعْد،
وقال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن المديني يقول: وقد قيل له ترضى حديث
شهر فقال: أنا ما أحدّث عنه قال: فأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمع
عليه يحيى وعبد الرحمن- يعني على تركه- قال يعقوب: وهو ثقة على أنّ
بعضهم قد طعن فيه، وقال الفسوي في تاريخه: وإن كان ابن عون تركوه فهو
ثقة لم وفي هذا رّد لما ذكره أبو عبد الله في تاريخ نيسابور: وثقة ابن معين وأبو
زرعة الرازي، وشذّ عنه سائر المشايخ، والله أعلم، وقال أبو حاتم: هو أحبّ (١)
إلي من أبي هارون وبشر بن حرب، وليس يرون أبي الزبير، ولا نحتج به،
وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال محمد بن عبد الله ابن عمّار: روى عنه
النّاس، وما أعلم أحدًا قال فيه غير شعبة قال: يكون حديثه حجة؟ قال: لا،
وقال صالح بن محمد: لم نقف منه على كذب، وكان رجلًا ينسك، إلَّا أنه
روى أحاديث تفرّد بها لم يشركه فيها أحد، فقد تركه شعبة، ولم يحدّث عنه
ابن مهدي، وقال النسائي وابن عدي: ليس بالقوي، زاد ابن عدي. ولا نحتج
بحديثه، وقال ابن حبان: كان يروى عن الثقات المعضلات، قابل عبّاد بن
منصور في الحج فسرق عبيته فهو القائل:
لقد باع شهر دِينَهُ بخريطةٍ … فمن يأمن القراء بعدك يا شهر
كذا شهر، ذكره ويشبه أن يكون وهمًا؛ لأنّ المعروف أنّ الخريطة إنمّا
كانت من بيت المال حين ذكره ليزيد بن المهُلب وقال الهذلي: كان على
خزائن يزيد، فلما سأله عنها أتاه بها، فدعا يزيد الذي وقع فيه فشهد، وقال
لشهر: هي لك فقال: لا حاجة لي فيها، فقال القطامي الكلبي: عن شهر بن
حَوْشَبٍ قال: يقال في الحسن بن سعد حربلة؟ قلت: نعم، فقال: يا
هؤلاء إنّه قد وثقة، ويقال: سنان بن مُكْمل النميري البيت، وبعده أخذت له
شيئًا طفيفًا، وبعته من ابن خزنبيداد هذا هو الغَدْرُ، وصحَّف بعض حفّاظ
стр. 278
عصرنا هذا البيت فقال: من ابن جرير أنّ هذا هو الغَدْرُ، ويقال: الشرفي
المسمّى الوليد بن العطامي وهو الحسين بن جمال النسابة وقال مرة النخعي
لشهر: يا ابن المهلب ما أردت إلى امرءا لولاك كان كصالح القراء؛ فتبيّن مما
ذكرناه فساد قول من عَزَا ذلك لعبّاد- يعني الشعر والخريطة-/اللهم إلا لو.
ذكر خيانته له لكان صوابا من فعله؛ لأن شعبة شهد عليه أنّه رافق رجلا من
أهل الشام فخانه. فيما ذكر؟ الساجي، ثم ذكر قصته في بيت المال بعد،
فجعلهما مرّتين، وهو الأشبه، والله أعلم، وفي كتاب الترمذي عن النضر شهر
تركوه، ويشبه أن يكون وهما وذلك أنّ الساجي والعقيلي والسعدي وغيرهم
إنما ذكروا روايته عن ابن عون، لا عن نفسه، وقال العيني: ضعيف، وفي
تاريخ ابن أبي خيثمة عن ابن معين عن مسلم عن رجل ذهب على يحيى
اسمه قال: كنت مع شهر في طريق مكة فكنّا إذا نزلنا منزلا قال: هاتوا
عبوديا سووا طنبوريا، فإنا إنّما جمل خبزنا- يعني الحديث- وفي كتاب العقل
نحوه وعن قتادة قال: جاء شهر يستأذن على الأمير، قال: فخرج الإِذن
فقال: إن الأمير يقول: لا تأذن له فإنه سيأتي قال: فقلت إنّ خادم البيت
يخبرك بما في أنفسهم قال: ثمّ قال قتادة: لا غفر الله لمن لا يستغفر لهما-
يعني عليا وعثمان- رضى الله عنهما- وقال الساجي: فيه ضعف وليس
الحافظ، وقال السعدي: أحاديثه لا تشبه أحاديث النّاس، وذكره مسلم في
مقدمته بالضعف، وكذلك الرازي فسير مجموع ما ذكر أنّ لا قادح فيها،
وذلك إن يشأ غالب ما رمى به الجمع والاختلاط، أمّا الأول فهذا الحديث
عارضه، وأمّا الثاني فقد رمى جماعة من المجمع على عدالتهم، وهذا إنما كان
اختلاط في أمر غيره، وسفيان ممن أخذ عنه قديما، وأما ذمية الاختلاط وسُوْء
الحفظ فقد أسلفنا له متابعان وشواهد من ذاك معها، وأمّا شهر؛ فمعظم ما
رمى به إّنما أتى على لسان شاعر مرمى بالكذب متعرّض، لا يدري أمحقِّ أم
مبطل ولئن كان محقا قول علي أنّ له حقًا في بيت المال أخذ بعضه، وهذا
لاقدح فيه وأمّا خيانته لعباد إن بعثت فيحتمل أن يكون من جاء أو ظفرا أو
стр. 279
لأنه يرى اختلاف الآراء يوجب إباحة الأموال، وذلك أن عبادًا رماه ابن حبان
بالدعاء/إلى القدر، فإن كان هذه المثابة كان عند بعضهم كافرًا، وأما تسويته
الطنبور فهو قول مردود بما ذكره عثمان بن بريدة عنه قال: " دُعى شَهْر إلى
وليمة وأنا معه، فدخلنا فأصبنا من الطعام، فلما سمع شهر المزمار وضع أصبعيه
في أذنيه وخرج حتى لا يسمعه " وعلى تقدير صحته، فهو مذهب لأهل
المدينة مشهور لا عيب فيه على من تعاطاه ممن يراه، وأمّا رميه بأنه سيأتي فإنما
جاء على لسان من لا يعرف اسمه ولا حاله ولا غبنه، ومثل هذا لا يقبل
خبره فكيف تفرده بما لم يأت به غيره من الأئمة؟ ولئن كان ما قاله صحيحًا
فلا عيب فيه على من لا يدعو إليه، وأما ترك شعبة له فإنّما هو بسبب خيانته
لعباد كما تقدّم مبينًا، وأما قول ابن عون فيه: تركوه فقد قيل فيه بالنون
والزاي بمعنى طعنوه وهو الصحيح؛ لانا أسلفنا كلام الأئمة، وليس فيهم أحد
تركه ولا صَرحَّ بذلك فبقى محمولًا على الطعن الذي بيّناه الذي لم يسلم
غالبًا منه أحد، وأمّا قول السعدي فحمل على بغضه للشيعة وتعصّبه عليهم
لفرط نَصبه، والله أعلم، وبنحو ما قلناه ذكره ابن القطان في كتاب الوهم
والإِيهام فقال: لم أسمع لمضعفه حجة، وما ذكروه من تزينه بزي الجند
وسماعه القنا بالآلات وفرقه بأخذ خريطة، فكذب عليه إما لا يصح وإما
خارج مخرج لا يضره، وشر ما قيل فيه إنه يروي منكرات عن ثقات، وهذا
إذا كثرت منه سقطت الرواية به، والله أعلم، وأما قول ابن دحية في كتابه
العلم المشهور وأعظم جرحه أنه كان شرطيًا للحجاج، وليس كذلك ولئن كان
إنّما كان عاملًا لابن المهلب ولئن عمل للحجاج حمل على جبره له كما جبر
غيره، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق ليس فيها ليث، مشعرة بانقطاع
ما بين شهر وأبي ملك بدخول واسطة بينهما، ولكنه غير ضار لثقته وعدالته
رواها ابن أبي شيبة في مسنده عن محمد بن بشر عن سعيد عن قتادة عن
شهر عن عبد الرحمن/بن عمر أنَّ أبا مالك جمع قومه، فذكره مطولًا. حدثنا
أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: ثنا وكيع عن سفيان عن عبد
стр. 280
الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عفراء " أن رسول الله ﷺ
توضأ ثلاثا ثلاثًا " (١) هذا حديث مختلف في صحته وضعفه للاختلاف في
حال ابن عقيل المذكور قبل، وقال الترمذي فيه: حسن، وفي حديث الزبير
وسعد وطلحة والمطلب بن أبي أوفى وأبي مالك الأشعري المذكورين قبل رد لا
أغفله الترمذي، حين تعداده الصحابة الذين رووا هذا المعنى، وكذا حديث
المقدام بن معد يكرب (٢) وابن عباس المذكورين عند أبي داود، والله أعلم،
وحديث دليل بن حجر المذكور عند البزار- ﵀ وعبد الله بن جعفر
المذكور عند الطبراني في-الأوسط، وقال: لم يروه عن إبراهيم إلا قتادة. تفرّد
به الزبير، وحديث ذكره إبراهيم بن محمد بن عبيد في مسنده عن سهل بن
إسماعيل النصبي، ثنا سهل بن رعلة الرازي، ثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، ثنا
تمام بن نحيح عن الحسن عنه: " توضأ رسول الله ﷺ فغسل يده ثلاثا؛
وتمضمض ثلاثًا " (٣) الحديث. وحديث المغيرة بن شعبة عند الطبري في
التهذيب. رواه عن أحمد بن محمد الطوسي، ثنا يعقوب بن محمد، ثنا أبيِ
стр. 281
عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب، حدثني عباد بن زياد عن عروة بن
المغيرة عن أبيه، وحديث علي من طريق ابن إسحاق عن الحرث عنه، وحديث
أبي أمامة من طريق سنان بن شعبة عن شهر عنه، وروى البغوي في حديث
أبي أمامة أيضًا عن يزيد، ثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن شهر
سمع عنه، وحديث معاوية بن أبي سفيان قال: " رأيت النبي ﷺ توضأ ثلاثًا
ثلاًثا، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي " (١) ثنا به المسند أبو
محمد البصري- ﵀ أنا أحمد بن عبد الله القدوة، ثنا يوسف بن
عبد الدمشقي، ثنا أبو طاهر الخشوعي، ثنا أبو القاسم عامر بن محمد بن
عبد الله الرازي الحافظ قال: حدّثني أبو الحسن لم علي بن الحسن بن غيلان،
ثنا أبو علي أحمد بن الحسن بن عبد الله المقري، ثنا عليّ بن محمد بن أبان
المصري، حدّثني أبي عن علي بن حملة عن أبيه عبد الملك بن مروان، حدّثني
أبو خالد حدثنى أمير المؤمنين معاوية به، وحديث أنس بن مالك قال: " رأيت
النبي ﷺ يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وخلّل لحيته مرتين أو ثلاثا ثم قال: هكذا أمرني
ربي " (٢) ثنا به المسند العلامة أبو الفرح المقري- رحمه الله تعالى- ثنا أبو
الفضل الموصلي، ثنا عمر بن طراد، ثنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، ثنا
عمر بن إبراهيم الخفاف، ثنا أبو الحسن محمد بن المظفر الحافظ البزار، ثنا أبو
عبد الله أحمد بن الحسين عن يزيد الرقاشي عنه، ولما ذكره في الأوسط من
حديث الزبير بن محمد، ثنا قتادة بن الفضيل الرهاوي، ثنا إبراهيم بن أبي
عبلة عن أنس بن مالك، قال: لم يروه عن إبراهيم إلا قتادة. تفرد به الزببر،
وبنحوه قاله أبو الحسن في الأفراد، وحديث زيد بن ثابت، ثنا به المشايخ
المسندون له، وعبد الله محمد بن إبراهيم وأبو يوسف يعقوب بن عوض بن
عبد الله بن إبراهيم بن إسماعيل الشطبوقي قراءة عليه، ونحن نستمع، ثنا به
стр. 282
ثابت قراءة عليه، ثنا أبو الحسن المبارك بن الحسين المقري قراءة عليه، ثنا الحافظ
أبو محمد الحسني بن محمد الخلال إملاءً، ثنا أبو يوسف القواس ثنا محمد بن
إبراهيم بن فيروز الأنماطي، ثنا محمد بن عمر بن نافع، ثنا علي بن الحسين،
ثنا مالك عن ربيعة عن ابن المسيب عن زيد وأبي هريرة أن النبي ﷺ : " دعا
بماء فتوضأ مرة مرة فقال: هذا الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين
مرتين وقال: هذا يضاعف الله الأجر مرتين، وثلاثاً ثلاثا وقال: هذا وضوئي
ووضوء الأنبياء من قبلي " (١) إن الشيخ الزاهد ضياء الدين الزرزاري المقري-
﵀ قرأه عليه وأنا أسمع، ثنا الشيخ نجيب الدين قرأه عليه عن اللبان
والجمال، ثنا أبو علي، ثنا إيراهيم، ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن أيوب، ثنا
أحمد بن يحيى الحلواني، ثنا أحمد بن حنبل سنة ثمان وعشرين/في المحرم،
ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا شعبة الحريري عن أبي عائد يوسف السعدي،
وأثنى عليه خيرًا عن يزيد بن البراء بن عازب: " قال وكان أميرًا لعمان وكان
خير الأمراء قال: قال لي اجتمعوا فلأريكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ
وكيف كان يصلي، فإني لا أدري ما قدر صحبة إياكم، فجمع بنيه وأهله،
فدعا بوضوء فمضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل هذه اليد-
يعني اليمنى- ثلاثاً، وغسل هذه- يعني اليسرى- ثلاثا، ثم مسح برأسه
وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل هذه الرجل- يعني اليمنى- ثلاثا وغسل
هذه الرجل ثلاثاً- يعني اليسرى- ثم قال: هكذا أردت أن أريكم كيف كان
رسول الله ﷺ يتوضأ " (٢) ثم دخل بيته فذكر صفة الصلاة، وحديث معاذ بن
جبل قال: " كان رسول الله ﷺ يتوضأ واحدة واحدة، واثنتين اثنتين، وثلاثًا
ثلاثاً، وغسل رجله غسلًا " (٣) ذكره ابن شاهين عن عبد الله بن أحمد بن
стр. 283
إبراهيم المارستاني، ثنا روح بن عبد الرحمن البوشنجي، ثنا الهيثم بن ربيع أبو،
المثنى العقيلي، ثنا الأصبع بن زيد عن سليمان بن الحكم عن موسى بن سعيد
عن عبادة بن نستي عن عبد الرحمن بن غنم عنه، وحديث أبي أمامة أن
رسول الله ﷺ : " توضأ ثلاثَا ثلاًثا، ومسح الساقين " (١) ، ورواه قاسم في
كتاب الدلائل عن موسى بن هارون: نا يحيى الجمل، ثنا حماد بن زيد عن
سنان بن ربيعة عن شهر عنه، وحديث أبي رافع. ذكره في الأوسط بلفظ:
" ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجليه ثلاثًا " (٢) وقال: لا يروى عن أبي رافع
إلا بهذا الإِسناد، تفرد به الدراوردي- يعني عن عمرو- وثنا عمرو عن عبد
الله بن عبد الله بن أبي رافع عنه.
***
(١) حسن أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٣٠) وعزاه إلى الطبراني في' الكبير "
من طريق سمع عنه، وإسناده حسن، وسمع ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لا أدري من
هو، ولا من أين هو، والظاهر أًله اعتمد في توثيقه على غيره.
(٢) صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٣١) وعزاه إلى " البزار " والطبراني
في " الأوسط " وله في " الكبير ": " رأيت رسول الله ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا، ومرتين مرتين،
ومرة مرة " ورجالهما رجال الصحيح. قلت: وللحديث شواهد صحيحة سبق أن ذكرناها،
رواها البخاري في " صحيحه "، وابن عدي في " كامله ".
стр. 284
ما جاء في الوضُوءِ هرةً ومرتين وثلاثًا
ثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، حدّثني مرحوم بن عبد العزيز العطار، حدّثني عبد
الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن معاوية بن قرة عن ابن عمر قال: " توضأ / رسول
الله ﷺ واحدة واحدة، فقال: هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلا به، ثم
توضأ اثنتين ثنتين، فقال: هذا وضوء العدد من الوضوء، وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال:
هذا أسبغ الوضوء، وهو وضُوءئي ووضوء خليل الله إبراهيم، ومن توضأ هكذا ثم
قال عند فراغه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدَا عبده ورسوله، فتح له
أبواب الجنة يدخل من أيها شاء " (١) هذا حديث جمع ضعفَا وانقطاعَا؛ أما
الأولى: فأبو زيد عبد الرحيم بن زيد، قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وقال
مرة أخرى: كذاب، وقال البخاري: يكره، وقال أبو داود والسمعاني:
ضعيف، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال الجوزجاني: هو غير ثقة، وفي
موضع آخر: متروك، وقال ابن عدي: يروى عن أبيه غير حديث منكر، وله
أحاديث لا يتابعه الثقات عليها، وقال أبو حاتم الرازي: ترك حديثه، وفي
العلل: متروك الحديث، وكذا قاله الدارقطني، وقال أبو زرعة: وله وأبوه
زيد بن الحواري أبو الحواري، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، نكتب حديثه
ولا نحتج به، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، واهي الحديث، ضعيف، وقال
النسائي: ضعيف، وقال ابن معين: نكتب حديثه على ضعفه، وفي رواية:
ليس بشيء، وقال الجُوزجاني: متماسك، وقال الدارقطني وأحمد: صالح، وقال
стр. 285
ابن عدي: وعامة ما يرويه ويروى عنه ضعفاء، وهو علي بن شعبة، قد روى عنه،
ولعلّ شعبة لم يرو عن أضعف منه، ولما سأل ابن أبي شيبة عليًّا عنه قال: كان
ضعيفًا عندنا، ولما ذكر الحديث ابن طاهر في ذخيرة الحفاظ ضعفه هما، وذكره
البيهقي في الخلافيات وقال: حديث غير ثابت، وقال أبو حاتم البستي: يروى
عن أنس أشياء موضوعة، لا يجوز الاحتجاج بخبره، وقال الرشاطي: كان واهي
الحديث، وأما الانقطاع فذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل: أنه سأل أباه عن هذا
الحديث فقال: لا يصح هذا عن النبي ﷺ ، وسئل أبو زرعة عنه فقال: هو
عندي/حديث واه ومعاوية بن قرة لم يلحق ابن عمر، قلت لأبي: فاٍن الربيع
بن سليمان ثنا هذا الحديث من أسد بن موسى عن سلَّام بن سليمان عن زيد
عن معاوية بن قرّة عن ابن عمر عن النبي ﷺ فقال: هذا سلام الطويل، وهو
متروك الحديث، وزيد هذا هو القمي، وهو ضعيف الحديث، وفي علل
الدارقطني: رواه سلام، ثنا محمد بن الفضل بن عطية وعبد الرحمن عن زيد
عن معاوية عن ابن عمر، ورواه أبو إسرائيل الملائي عن العمي عن نافع عن ابن
عمر، ووهم فيه، والصواب قول من قال: عن معاوية بن قرّة، وقال فيه ابن
حزم العطار: عن عبد الرحيم بن زيد عن أبيه عن معاوية بين قرّة مرسلًا، كذا
ذكره، وحديث ابن ماجة يرد قوله- والله أعلم- وقد وقع لنا هذا الحديث
من طريق سالمة من هذين الضعيفين. ذكرها عبد الغني بن سعيد في كتاب
إيضاح الإشكال فقال: ثنا أبو يعقوب يوسف الصنعاني بن محمد بن إبراهيم
الديلي حدّثهم، ثنا إبراهيم بن عبد الرحيم، ثنا أبو بكر الكلبي عن مسعد بن
إبراهيم عن معاوية فذكره، ولما ذكر الحاكم حديث أبي هريرة مرفوعًا: " توضأ
مرتين مرتين " (١) قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وشاهده الحديث
المرسل المشهور عن معاوية بن قرة عن ابن عمر أن النبي ﷺ : " توضأ مرة
مرة … " (٢) الحديث بطوله، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق حسنة: ثنا