٢٣- باب ما جاء في مسح الأُذُنين
/حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن إدريس عن ابن عجلان عن
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: " أن رسول الله ﷺ مسح
أذنيه داخلهما بالسبابتين وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما
وباطنهما " (١) . هذا حديث أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن
سعيد الأشج عن ابن إدريس ولفظه: " رأيت رسول الله ﷺ توضأ
:فمضمض واستنشق ثم غَرف فغسل وجهه ثم غَرف غَرفة فغسل يده اليمنى
وغرف غرفة فغسل يده اليسرى وغرف غَرفة فمسح رأسه وباطن أذنيه
ظاهرهما وأدخل أصبعيه فيهما وغرف غرفة فغسل رجله اليمنى وغَرف غَرفة
فغسل رجله اليسرى " (٢) . وأخرجه ابن منده أيضًا وابن حبان عن أبي يعلي،
ثنا أبو بكر بن أبي شيبة. ثنا ابن إدريس مطولًا ولما أخرجه الترمذي قال:
حديث حسن صحيح وصححه الطبري في مسنده تهذيب الآثار، حدّثنا أبو
بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ثنا وكيع عن الحسن بن صالح عن
عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معود بن عفراء: " أن النبي ﷺ
توضأ فأدخل أصبعيه في حجري أذنيه " (٣) . هذا حديث تقدّم الكلام على
سنده وأن ابن القطان رحجه على حديث المقدام وسكت عنه أبو محمد حين
стр. 317
إيراده وذكره بحشل في تاريخه من حديث ليث بن أبي سليمان عن
النعمان بن سالم عنها، ولفظها فغسل أذنيه ظاهرهما وباطنهما حدثنا هشام بن
عمار، ثنا الوليد بن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام بن
معد يكرب: " أن رسول الله ﷺ توضأ فمسح برأسه وأذنيه/ظاهرهما
وباطنهما " (١) .
هذا حديث لما ذكره أبو محمد الإشبيلي من عند أبي داود سكت عنه
وعاب ذلك عليه أبو الحسن بن القطان فقال: رواه الوليد بن مسلم عن جرير
عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام وعبد الرحمن هذا مجهول، كان لا
يعرف روى عنه الآخرون وإلى ذلك فإن جريرًا كان له فيما زعموا رأي سيء
في بعض الصحابة، والوليد بن مسلم كان يدلس ويسوي ولم يقل في هذا
الحديث، ثنا ولا أنبأنا ولا سمعت ولا ذكر أنه قال ذلك فمن حيث هو
مدلس يمكن أن يكون قد أسقط بينه وبن جرير وعبد الرحمن بن ميسرة
واسطة، وقد زعم الدارقطني أنه كان يفعل ذلك قْي حديث الأوزاعي يعمد
إلى أحاديث رواها الأوزاعي عن أشياخ له ضعفاء عن أشياخ له ثقات فأسقط
الضعفاء من الوسط وتركها عن الأوزاعي عن أشياخ له الثقات كانه سمعها
منهم، وهذا هو التسوية (٢) بإسقاط الضعفاء وهو أقبح التسوية فإنها على
قسمين إما بإسقاط الثقات وإما بإسقاط الضعفاء، كما أن التدليس أيضًا إمَّا
بإسقاط الثقات وإما بإسقاط الضعفاء فما كان من التدليس والتسوية بإسقاط
الضعفاء ينقسم قسمين: قسم هو إسقاط قوم ضعفاء عند غيره ثقات عنده
وهو لا يكون به مجرحًا، ومن هذا القبيل هو قول الدارقطني المحكي عن الوليد
أعني: أن يكون يُسقط من بين الأوزاعي وبن أشياخه الثقات قومًا روى عنهم
стр. 318
الأوزاعي وهم عند الوليد ثقات، وكان غيره يضعفهم فلا يكون يعلمه المذكور
مضعفَا والله أعلم.
انتهى كلامه وفيه نظر من وجوه: الأوّل: قوله: الوليد لم يَنْقل في هذا
الحديث ثنا ولا ذكر عن جرير أنّه قال ذلك، وهو ذهول شديد عن الكتاب
الذي نقل منه أعني: كتاب السنن فإنّ لفظه ثنا محمود بن خالد ويعقوب بن
كعب الأنطاكي عن الوليد عن جرير ثم رواه بمدّ عني محمود وهشام بن
خالد قالا: ثنا الوليد بهذا الإِسناد، قال: ومسح بأذنيه./فأحال أبو داود
على الإسناد الأول وقد صَرح محمود فيه يقول الوليد: أخبرني جرير وروى
أبو المغيَرة عن جرير قال: حدّثني عبد الرحمن بن ميسرة قال: سمعت
المقدام يذكره وفيه ثم مسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما فعلى هذا الحديث
إسناده واحد اختلف في بعض ألفاظه، وفي اختصاره وإكماله فإذا كان واحدَا
فبرواته محمود عن الوليد بزول التدليس، ويُروى أنه أتى المغيرة عن جرير تزول
التسوية، ولذلك رواه أبو جعفر الطحاوي عن محمد بن عبد الله بن ميمون
البغدادي قال: ثنا الوليد بن مسلم قال: ثنا جرير بن عثمان وكذا أسلفناه
من عند ابن مليكة.
الثاني: عتبة بن الوليد بالتدليس والتسوية وهو كما قال، ولكن وقع لنا من
غير رواية ذكرها أبو داود، هذا الحديث أيضَا من حديث الإمام أحمد بن
حنبل ثنا أبو المغيرة ثنا جرير قال: حدّثني عبد الرحمن سمعتَ المقدام يذكره
بلفظ: " فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما فهذا أبو المغيرة عبد
القدوس بن الحجاج الخولاني الثقة الثبت المخرج حديثه عند الأئمة الستة تابع
الوليد على روايته، وكأنّ روايته لم تكن فإن اعترض معترض بأنّ حديث الوليد
فيه ذكر الصحاح، وهذا لها ذكر له فيه فالجواب ما أسلفناه من أنّه حديث
واحد اختلف في اختصاره وإكماله، وأنه روى بالمعنى وإدخال أصبعه لمسح
باطن الأذن هو معنى نوله وادخل أصابعه في صماخ أذنيه، ويوضح ذلك قول
الطبراني في الكبير أثر حديث أبي المغيرة ثنا هاشم بن مرثد ثنا صفوان بن
стр. 319
صالح ثنا الوليد عن جرير عن ابن مَيسرة عن المقدام مثله، ويؤيد حديث
الربيع وأدخل أصبعيه في حجري أذنيه.
الثالث: قوله: وعبد الرحمن هذا مجهول الحال، وليس كما زعم؛ لأن
العجلي لما ذكره في كتابه قال: هو شامي تابعي ثقة، ولما ذكره البُستي في
كتاب الثقات عرفه بروايته عن أبي أمامة والمقدام قال: وهو حضرمي وقال/
ابن سرور: عن أبي الحبراني وجبير بن نفير.
الرابع: قوله في جرير كان له رأي سيء في بعض الصحابة لم يزد على
ذلك مزيدًا به والله أعلم. عيبَهُ ولا عيب عليه في أمر كان منه ورجع عنه في
فيما حكاه علي بن عياش حكى ذلك ابن حبان، وفي كتاب الغسل على
علي بن حبان سمعت جَريرًا يقول لرجل: ويحك تزعم أني أشتم عليَا والله ما
شتمته قط، وذكر ابن عدي عنه أنه قال: والله ما شتمت عليَا قط، وقال أبو
حاتم: حسن الحديث ولا يصح عندي في رواية ما، يقال في رأيه ولا أعلم
بالشام أثبت منه وهو ثقة متقن، وفي رواية البخاري عن أبي اليمان يتناول
من رجل ثم نزل ذلك الفعل، وقال أبو بكر الخطيب كان ثقة، وحكى عنه
من سوء المذهب والاعتقاد ما لم يثبت عليه، وقال العقيلي محمد بن
إسماعيل ثنا الحسن بن علي الحلواني ثنا شبابة قال: سمعت جريرًا قال له
رجل: نا أبو عمر وبلغني عنك أنك لا ترخم على علي، فقال له: أسكت
ما أنت وهذا ثم التفت إلي فقال ﵀ مائة مرة، وقال ابن سرور: روى
له الجماعة إلا النسائي وتتبع ذلك عليه الشيخ جمال الدين فزعم أن الجماعة
رووا حديثه إلا مسلم بن الحجاج وأتى ذلك الحافظان اللالكائي والحبال فزعما
أنه خرج حديثه والله أعلم.
الخامس: سكوته عن علة إن صحت كانت فادحة بخلاف ما ذكره من
العلل ذكرها العسكري أبو أحمد عن هشام بن محمد السائب العلي أن
المقدام بن معد يكرب وفد على النبي ﷺ وأقام بالمدينة أربعين يوما ثم هلك،
فعلى هذا يكون حديث عبد الرحمن بن ميسرة عنه منقطعًا؛ لأنه ليس
стр. 320
صحابيًا، وإما وفدت الوفود سنة تسع والله أعلم، ولما ذكر أبو عدي حديث
ابن عباس قال: وفي الباب عن الربيع واغفل حديث الباب وحديثًا ذكره ابن
وهب في مسنده فقال: ثنا أسامة بن زيد الليثي عن عطاء بن أبي رباح: " أنّ
عثمان مسح على ظاهر أذنيه وباطنهما وقال: هكذا رأيت النبي- عليه
السلام- يتوضأ " (١) .
وذكره أيضًا القاضي أبو أحمد في/مسنده، وهو قطعة من حديث تقدم
الكلام عليه قبلَ من هذه الطريق المنقطعة، ومن حديث عامر بن شقيق عن أبي
وائل عنه، وحديثًا عند أبي عوانة من جهة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
" أنّ رجلَا أتى نبي الله ﷺ فقال: كيف الطهور؟ فدعى بماء فتوضأ فأدخل
أصبعيه السبابتين بين أذنيه فمسح بإبهاميه باطن أذنيه وبالسبابتين ظاهر
أذنيه " (٢) . وحديثا في المستدرك ذكره في الشواهد الصحاح، وصححه
الطبراني أيضَا في مسنده من جهة حميد عن أنس: " أن النبي ﷺ توضأ
فمسح ظاهر أذنيه وباطنهما ".
ثم قال ذلك: ابن قدامة ثقة مأمون، وقد أسنده عن الثوري، وخالفه
البيهقي وحديثًا عند البغوي من جهة عمرة قالت: سألت عائشة عن الأذنين
قالت-: هما من الرأس، وكان رسول الله ﷺ يمسح على أذنيه ظاهرهما
وباطنهما إذا توضأ " (٣) . رواه عن طالوت ثنا اليمان أبو حذيفة عنها، ولما
ذكره الدارقطني أعله بقوله اليمان ضعيف، ورواه النسائي في كتاب الكُنى من
حديث سالم بن سلام عنها راوية وضوء النبي ﷺ وفيه ومسحت رأسها
стр. 321
مسحة واحدة الوضوء مرة أو مرتين ثم مرت بيديها بأذنيها ثم مرتين على
الجلد، وعند البزار من جهة أبي الخافش محمد بن حجر وهو ضعيف، عن
سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه عن أمه عن وائل بن حجر قال: " رأيت
النبي- ﵇ وأتى بإناء فيه ماء فذكر وضوءه ثم قال: وغسل باطن
أذنيه وأدخل أصبعيه في باطن أذنيه " (١) .
***
(١) صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٣٢) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "
و" البزار " وفيه سعيد بن عبد الجبار، قال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في
الثقات وفي سند البزار والطبراني محمد بن حجر وهو ضعيف. قلت: وهو حديث ضعيف
بكلام الهيثمي. ولكن للحديث شواهد صحيحة بمعناه فالحديث إذن صحيح.
стр. 322
٢٤- باب الأذنان من الرأس
حدّثنا سويد بن سعيد، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن شعبة، عن
حبيب بن زيد قال رسول الله ﷺ : " الأذنان من الرأس " (١) . هذا حديث
أخرجه أبو حاتم في صحيحه ولم يلتفت إلى ما أعل به؛ وذلك أن سويدًا
خرج له مسلم في صحيحه حديثه محتجًا به ووثقه غير واحد؛/ورمى
بالتدليس وهو هنا مأمون (٢) وبالاختلاط لما عمى والتلقين وهو هنا معدوم؛ لأن
ابن ماجة أخذ عنه قديمًا وقول البيهقي في الخلافيات: إثر حديث خالف
الشّافعي اختلط بعد أن كتب عنه مسلم، ولعلّه لو عرف تغيّره ما روى عنه
في الصحيح، فكلام لا معنى له، ولعل الملجئ له إلى ذلك التعصب؛ لأنه طال
ما صحح أحاديث من روايته غير مُبيّن منها سماعًا ولا تحدَّثنا ولا حال لا بل
يحيل على من وثقة، وخرج مسلم حديثه، وقد بين الدارقطني حاله بيانا شافيًا
حين سأله حمزة عنه فقال: تكلّم فيه ابن معين، وقال: حدث عن أبي
معاوية عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: " الحسن
والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (٣) . قال يحيى: وهذا حديث باطل عن أبي
معاوية لم يروه غير سويد، وجرح سويدًا لروايته هذا الحديث قال أبو الحسن:
стр. 323
فلم نزل نظن ما قاله حتى دخلت مصر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فوجدت
هذا الحديث في مسند أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، وكان ثقة
ودلس عن أبى كريب قال: عن ابن لهيعة معاوية كما قال: سويد سواء
وتخلص سويد.
وصح الحديث عن أبي معاوية، ثنا بذلك المسند المعمر أبو الحسن الصوفي
بقراءتي عليه يوم الأربعاء سابع عشرين جمادي الأولى سنة سبع عشرة وسبع
مائة أخبركم الإمام أبو محمد بن ظافر المصري أجازة إن لم يكن سماعًا عن
الحافظ السلفيَ قال: سمعت المؤتمن الساجي يقول: سمعت إسماعيل بن
مسعدة يقول: فذكره وقد أشبع الكلام فيه في كتاب الواضح المبيّن في ذكر
من مات من المحبين.
وأما قول أبي عيسى الترمذي، قلت: للبخاري فإنهم يذكرون عن
سويد بن سعيد عن ابن أبي زائدة عن شعبة عن حبيب بن زيد فذكر كلامًا
وكان بعده ما صورته وضعف جدًا، وقال: كلما لقّن شيئًا تلفته وضَعَّف أمره
فإنما يريد سويدًا لا الحديث؛ لأنّ مذهبه في سويد معلوم، وحبيب بن زيد بن
خلَّاد حفيد عبد الله بن زيد، وثقة/النسائي وابن حبان، وقال أبو حاتم
الحنظلي: صالح وباقي من في الإِسناد لا يقال عن حالهم، حدّثنا محمد بن
زياد، ثنا حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة
أن رسول الله ﷺ قال:"الأذنان من الرأس، وكان يمسح رأسه مرة وكان
يمسح المأقين" (١) . هذا حديث مختلف في وقفه ورفعه وتحسينه وضعفه.
فأمّا أبو داود فذكر في كتاب التفرد عن سليمان بن حرب بقول أبو أمامة
يعني الأذنين، أمّا الترمذي فإنه لما ذكره قال: الإسناد ليس بذلك القائم وقال
الدارقطني رفعه وهم، والصواب أنه موقوف، ثم ذَكر من تابع شهر على رفعه
стр. 324
وهو راشد بن سعد من طريق أبي صريح وهو ضعيف، والقاسم من طريق
جعفر بن الزبير وهو متروك، ولما ذكر ابن عدي راشد هذه قال: هذا يعرف
من طريق حماد بن زيد عن عبد الله بن أحمد بن عيسى يوسف عن
عيسى بن يونس عن ابن أبي مريم هكذا، وأسجل منه عليه، وقال قتيبة: قال
حماد لا أدري هو من قول النبي ﵇ أو أبي أمامة- يعني قصة
الأذنين- وقال في الخلافيات: ما منها حديث- يعني الأذنان من الرأس- إلا
وله عفة وقال البيهقي في السنن الكبير: روى حديث الأذنان من الرأس
بأسانيد ضعاف أشهرها حديث شهر، وهو معلل من وجهين: الأول: ضعف
بعض رواته والآخر: الشك في رفعه، وبنحوه قال الدارقطني، وفيما قالاه
نظر؛ لأن حديث ابن زيد المذكور أصح من حديث شَهْر وأَشْهر، ولما سئل
موسى بن هارون عن حديث أبي أمامة قال: ليس بشيء فيه شَهْر والحديث
في رفعه شك، وقال سليمان بن حريث الأذنان من الرأس، إنّما هو من قول
أبي أمامة، فمن قال غير هذا فقد بدل أو كله، قالها سليمان أي أخطأ، ولما
ذكره الدارقطني في سننه قال شهر: ليس بالقوي، وقد وقفه ابن حُريث عن
حماد وهو ثقة ثبت، ولما ذكره الإشبيلي / أبرز من إسناده شهرا فقط، قال ابن
القطان: ليم يتقدّم له ذكر شهر قبل هذا فهو إذا لن يعتمد فيه مقدما قدمه،
وشهر قد وثقة قوم وضعفه آخرون وجنح إلى توثيقه كما أسلفناه قبل، ويرويه
عنه أبو ربيعة سنان ابن ربيعة قال فيه أبو حاتم: شيخ مضطرب الحديث، وقال
ابن معين ليس بالقوي وقد أخرج له البخاري، فهذا الذي فسرناه من عفة هذا
الخبر وهو الذي لا يسمح من أجله عنده. والله أعلم، وفي كتاب العلل
للحنظلي: سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن سنان بن ربيعة عن
أنس أنّ النبي ﷺ :"كان إذا توضأ غسل ما في عينيه" (١) قال أبي: يعني
عن حماد بن زيد عن سنان عن شَهْر عن أبي أمامة عن النبي وحماد بن زيد
أحفظ وأثبت من ابن سلمة، وسنان مضطرب الحديث، حدّثنا محمد بن
يحيى، ثنا عمرو بن الحصين، ثنا محمد بن عبد الله بن عُلاثة عن عبد الكريم
стр. 325
الجزري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"الأذنان من الرأس" (١) هذا حديث. قال أبو محمد الأشبيلي: لا يصح ولم
يبيّن ذلك، وهو حديث معلل بأمرين:
الأول: عمرو بن الحصنين البصري العقيلي قال ابن أبي حاتم: سمع منه
أبي وقال: تركت الرواية عنه ولم يُحدّثنا بحديثه وقال: هو ذاهب الحديث
ليس بشيء، أخرج أوّل الشيء أحاديث مشبهة حسانا، ثم أخرج بعد لابن
عُلاثة أحاديث موضوعة فأفسد علينا ما كتبنا عنه فترك حديثه، وسئل أبو
زرعة عنه عندما امتنع عن التحدث عنه فقال: ليس هو في موضع من تحدث
عنه هو واهي الحديث، وقال أبو الفتح: لا أدري ضعيف جدا يتكلّمون فيه،
وفال ابن عدي: حدث عن الثقات بغير حديث منكر وهو متروك الحديث،
وقال الدارقطني: متروك وقال في السنن: لما ذكر الحديث عمرو بن عُلاثة
ضعيفان. ثم ذكره من رواية/جماعة وضعفها كلّها وأغفل ذكره الحافظ
المقدسي في كماله ولا ينبغي ذاك.
الثاني: أبو اليُسر محمد بن عبد الله بن عُلاثة العقيلي قاض بغداد لمحمد
أبي جعفر، ويُعرف بقاضي الجن وإن كان ابن معين وثقة، وقال ابن أبي شيبة:
كان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال أبو زرعة: صالح فقد قال أبو حاتم الرازي:
نكتب حديثه ولا نحتج به، وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال أبو الفتح
الأزدي: أقنع من البخاري بهذا حديثه يدل على كذبه، وكان أحد العُضل
في التزيد، وفي موضع آخر كان واهي الحديث لا يحل كتب حديثه عن
الأوزاعي وحديثه يدل على كذبه، قال أبو بكر الخطيب: قد أفرط الموصلي
في أصل علي بن علاثة، وأحسبه وقعت إليه روايات لعمرو بن الحصين عن
ابن علاثة فنسبه إلى الكذب لأجلها، والعلة في تلك من جهة عمرو؛ فإنّه
كان كذابا وأمّا ابن عُلاثة فقد وصفه ابن معين بالثقة، ولم أحفظ لأحد من
الأئمة فيه خلاف ما وصفه عنه يحيى. انتهى كلامه، وما ذكرناه من كلام
الأئمة يرد قوله وقال ابن عدي: ابن عُلَاثة حسن، وأرجوا انه لا بأس به،
стр. 326
وقال الدارقطني: عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان متروكان، وقال ابن
حبان: يروى الموضوعات عن الثقات لا يحل ذكره إلا على جهة القدح فيه،
ورّد به ابن القطّان حديثًا وكذلك ابن طاهر وردّ حديثه ما عظمت نعمة الله
على عبد بقوله ليس بحجة، ولما ذكر أبو عيسى حديث شَهْر قال: وفي
الباب عن أنس لم يرد شيئًا، وقد تقدّم حديث عبد الله بن زيد وأبو هريرة،
وفيهما رّد لما ذكروا وكذا حديث عبد الله بن عباس القائل فيه عبد الحق وهو
ضعيف، وأنكر ذلك أبو الحسن فقال: هو عندي ليس كذلك، بل إما
صحيح وإما حسن وبيانه هو ما ذكره الدارقطني، ثنا محمد بن عبد الله بن
زكريا النيسابوري بمصر، ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، ثنا أبو كامل،/ثنا
غندر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:"الأذنان
من الرأس" (١) حدّثني به أبي قال: ثنا الباغندي، ثنا أبو كامل مثله هذا
الإِسناد ثقة رواته، واتصاله، وإنما أعلّه الدارقطني بالاضطراب في إسناده فتبعه
أبو محمد علي ذلك، وهو ليس أصل فيه، والذي قال فيه الدارقطني: هو أن
أبا كامل تفرّد به من عنده ووهم فيه عليه، هذا ما قال ولم يؤيّده بشيء ولا
عضده بحجة، غير أنّه ذكر أنّ ابن جريج الذي دار الحديث عليه يُروى عنه
عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ مرسلًا، وما أدري ما الذي يمنع أن
يكون عنده في ذلك حديثان مسند ومرسل. انتهى كلامه، وفي قول ابن
القطان عن الدارقطني تفرّد به أبو كامل عن غندر فقط، نطر لإِغفاله قوله
وتابعه الربيع بن بدر وهو متروك عن ابن جريج وكذا ذكره أبو أحمد
الجرجاني من رواته الربيع بن بدر عن ابن جريج، ولا يرد به عند عليلة، وعند
صاحب شعبة وهو من حديث عبد، وليس بمحفوظ والربيع بن بدر متروك،
وحديثه عن غندر أبو كامل والمعمري ففي قوله والمعمري رّد لما قاله الدارقطني
من تفرّد أبي كامل به عن غدر، ورواه أيضًا من جهة محمد بن زياد الطحان
عن ميمون بن زيد عن ابن عباس:"سئل ﵇ عن الأذنين"الحديث
وحديث سلمة بن قيس الأشجعي أن النبي ﷺ قال:"إذا توضأت فانشر
стр. 327
وإذا استجمرت فأوتر والأذنان من الرأس" (١) . ذكره أبو بكر الحافظ في
كتاب المدرج من الأحاديث من حديث حيينة بن سليمان عن زرين القاسم
الجبلي عن آدم عن شعبة عن منصور عن هلال بن سنان وعنه قال: قوله في
هذا الحديث:"الأذنان من الرأس"خطأ فظيع ووهم، وذلك أنّ المثنى
المرفوع/آخره فأوله وحسب لا زيادة عليه، والوهم في هذا الحديث مردود به
وهمه على احتراز من جهة وهمه، وروا الحديث في كتاب آدم ممن تبعه آخره
فأوتر، وبعده في أثره روى بإسناد آخر عن عبد الله بن عمر:"الأذنان من
الرأس"فأسقط الناقل بحديث سلمة ما بعده من إسناد حديث ابن عمر
ووصل منه بلفظ حديث سلمة، وقد روى معمر والثوري وزائدة وموسى بن
مطير وقيس بن سلمة هذا الحديث فلم يزيدوا على ما قلت لك، وكذا رواه
أبو الوليد عن شعبة عن منصور، وروى إبراهيم بن القاسم البلدي عن آدم عن
شعبة حديث سلمة هذا، وأتبعه بحديث ابن عمر، وميّز كل واحد منها عن
صاحبه وحديث عبد الله بن عمر ذكره ابن عدي الحافظ من رواية زيد العمي
عن نافع عنه وعن زيد بن محمد بن الفضل بن عقبة قال: ولعلّ البلاء منه،
وأنّه أضعف من زيد، وذكره أيضا في ترجمة إسماعيل بن عياش عن
يحيى بن سعيد عن نافع عنه قال: وهذا الحديث لم يحدث به عن إسماعيل
غير ضمرة ولا عن يحيى غير إسماعيل، وقال الدارقطني: رفعه وهم
والصواب موقوف، وحديث أبي موسى الأشعري ذكره أبو القاسم في الأوسط
من حديث علي بن سعد الرازي، ثنا الأحمر وقال: لم يروه عن الأشعث إلا
علي بن شهر تفرّد به علي بن زياد، ولا يروى عن أبي موسى إلا بهذا
الإِسناد، وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سمعت أبي وذكر حديث
علي بن جعفر الأحمر عن عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن أبي ذاكرت
أبا زرعة بهذا الحديث فقال: حدّثنا إبراهيم بن موسى عن عبد الرحيم فقال
عن أبي موسى موقوف، ولما ذكره ابن عدي قال: لا أعلم أحدا رفعه عن
عبد الرحيم غير علي الأحمر، حديث عائشة قال فيه الدارقطني: إرساله أصح
стр. 328
وحديث علي ذكره الدبوسي في الأسرار،/وحديث جابر بن عبد الله
وسمرة بن خروف ذكرهما البيهقي في كتاب الخلافيات، وأعلهما وعمر أبو
محمد بن حزم بضعف الأحاديث الّتي في الباب ووهاها، وفيه نظر لما أسلفناه
قال أبو عمر في كتاب التمهيد: قال مالك فيما روى عنه ابن وهب وابن
القاسم وأشهب وغيرهم:"الأذنان من الرأس"قال: يستأنف لهما ماءا
جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس، فوافق الشافعي في هذا لأن الشافعي
قال: يمسح الأذنين بماء جديد كما قال مالك، ولكنه قال: هما سنة على
حيالهما لا من الوجه ولا من الرأس أقبح بحديث ابن جدعان، أنّ النبي ﷺ
أخذ لهما ماء جديدا وكذلك روى أنه ﵇:"مسح مسند مسحتيه
لأذنيه"وذكر ذلك أبو زيد وفي حديث عبد الله بن زيد المصحح إسناده عند
البيهقي دلالة واضحة للشّافعي وهو واحد لأذنيه ما خلاف الماء الذي أخذ
لرأسه، وذكره أبو عبد الله بن البيع في النوع الخامس والعشرين من علوم
الحديث بسند صحيح، ثنا بذلك المسند المعمر أبو المزن الدبوسي بقراءتي عليه
عن ابن المقر، ثنا أبو علي الحافظ، ثنا أبو الطاهر المديني بمصر، ثنا جبريل بن
يحيى، ثنا بن وهب، ثنا عمرو بن الحرث عن حيان بن واسع عن أبيه عن
عبد الله بن زيد فذكره، وقال: هذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر، ولم
يشركهم فيها أحد. ورواه الترمذي بهذا الإسناد بلفظ:"مسح رأسه بماء غير
فضل يديه" (١) وقال فيه صحيح كذا قالَ: مسح رأسه ولم يذكر الأذنين،
стр. 329
وكذا حديث مالك عن ابن عمر أنه:"كان إذا توضأ يعيد أصبعيه في الماء
فيمسح بهما أذنيه"وقال عبد الحق: روى هذا بن حارثة عن أبيه عن النبي
ﷺ :"تجريد الماء للأذنين"، وهو ضعيف، وزعم ابن القطان أنه حديث لا
وجود له أصلًا، وقال أبو عمر: وقول أبي ثور في ذلك كقوله سواء، وقال
أحمد بن حنبل كقول/مالك، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه:"الأذنان
من الرأس يمسحان مع الرأس بماء واحد"وروى عن جماعة من السلف من
الصحابة والتابعين مثل هذا القول، وقال ابن شهاب: الأذنان من الوجه،
وقال الشعبي: ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس، وبه قال
الحسن بن يحيى وابن راهويه وحكى ابن راهويه هذا القول عن الشافعي،
والمشهور ما تقدّم ذكره رواه عنه المزني والربيع والبويطي والزعفراني وغيرهم،
وقد روى عن أحمد مثل قول الشعبي وإسحاق، وقال داود: إن مسح أذنيه
فحسن، وإن لم يمسح فلا شيء عليه، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك
مسح أذنيه ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي ﷺ ولا يوجبون عليه إعادة،
إلا إسحاق فإنّه قال: إن ترك مسح أذنيه عمدَا لم يجزه، وقال أحمد: إنّ
تركهما عمدًا أحببت أن يعيد، وقد كان علي بن زياد صاحب مالك يقول:
من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدًا عاد، وهذا عند الفقهاء ضعيف
وليس يقابله نص ولا له حظ من النظر ولو كان كذلك لم يُعرق الغرض
الواجب مرة غيره، واحتج مالك والشافعي في أخذهما للأذنين ماء جديدَا؛
لأنّ ابن عمر كان يفعل ذلك وحجة أبي حنيفة حديث زيد بن أسلم عن
عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك، وحديث الصنابحي حيث
قال ﵇:"فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من أذنيه"كما قال في
الوجه:"من أشفار عينيه"وفي اليدين:"من تحت أظفاره"ومن المعلوم أن
العمل في ذلك واحد بماء واحد، واحتجوا أيضَا بما رواه أبو داود عن ابن
عباس، ومسح برأسه مسحة واحدة وأكثر الآثار على هذا، وحجة من قال:
يغسل ظاهرهما مع الوجه، ويمسح باطنهما مع الرأس أن الله قد أمر
بغسل الوجه، وهو مأخوذ من المواجهة فكل ما وقع عليه اسم وجه وجب
غسله، وأمر بمسح الرأس وما لم يواجهك من الأذنين فمن الرأس؛
стр. 330
لأنهما في الرأس فوجب/المسح على ما لم يوجه منها مع الرأس، وهو قول
ترده الآثار الثابتة عن النبي ﷺ أنه:"كان يمسح ظهور أذنيه وبطونهما" (١)
من حديث علي وابن عباس وغيرهما ومجد بن شهاب أنهما من الوجه؛ لأنه
لم يكن قفا والله تعالى قد أمر بغسل الوجه أمرًا مطلقًا وفي حديث عثمان:
"فأخذ ماء فمسح يرأسه وأذنيه فغسل ظواهرهما وبطنهما" (٢) ومن الحجة له
أيضًا ما صح عنه ﵇ أنّه:"كان يقول في سجوده سجد وجهي
للذي خلقه فشق سمعه وبصره" (٣) فأضاف السمع والبصر إلى الوجه،
وحجة الشافعي في قوله: إن مسحهما سنة على حبالهما، اجتماع العلماء على
أنّ الذي يجب عليه حلق رأسه في الحج ليس عليه أن يأخذ ماء على أذنيه من
الشعر، قال أبو أحمد: ولا يختلف أحد في أنّ البياض الذي بين منابت
الشّعر من الأذنين ليس هو من الرأس في حكم الوضوء، فمن المحال أن يكون
بين أجزاء رأس الحي عضو ليس من الرأس، وأن يكون بعض رأس الحي مباينًا
لسائر رأسه، وأيضًا لو كان من الرأس لأجزأ أن يمسحا عن مسح الرأس، وهذا
لا يقول به أحد، وحكى الخطابي أن قوله ﵇:"الأذنان من الرأس"
له تأويلان أحدهما يمسحان مع الرأس تبعًا، والآخر إنهما يمسحان كما يمسح
الرأس ولا يُغسلان كالوجه وإضافتها إلى الرأس إضافة تشبيه وتقريب لا إضافة
تخفيف، وإنما هو في معنى دون معنى، كقوله: مولى القوم منهم أي في حكم
النصر مولد ولاه دون حك النسب واستحقاق الإرث، ولو أوصى رجل لبني
هاشم لم يعط مواليهم ومولى اليهودي لا يؤخذ بَالجزية، وفائدة الكلام ومعناه
عنهم إبانة الأذن عن الوجه في حكم الغسل وقطع الشبه فيها لما بينهما من
стр. 331
الشبه في الصورة، وذلك إنما وجدا في أصل الخلقة بلا شعر، وجُعلا محلَا
لحاسة من الحواس، ومعظم الحواس محلها الوجه فقيل: الأذنان/من الرأس
ليعلم أنهما ليسا من الوجه.
***
стр. 332
٢٥- باب تخليل الأصابع
حدثنا محمد بن المصفي الحمصي، ثنا محمد بن حمير عن أبي لهيعة،
حدّثني يزيد بن عمرو المغافري عن أبيِ عبد الرحمن الحنبلي عن المستورد بن
شداد قال:"رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ فخلل أصابع رجليه بخنصره" (١) .
هذا حديث قال فيه أبو عيسى: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة
ولفظه ذلك أصابع رجليه بخنصره، وقال البزار: لا نعلم أحدا يرويه بهذا
اللفظ إلا بهذا الإسناد عن المستورد، وقد روى نحو هذا عن النبي ﷺ من
غير وجه بغير هذَا اللفظ وفيما قالاه نظر لما سنذكره بعد، وذكره العسكري
في معين الصحابة وشرطه أن يذكر حسن ما روى ذلك الصحابي ما عرفه،
ولما ذكره المسندي وعبد الحق وغيرهما ضعفوه بابن لهيعة وتتبع ذلك أبو
الحسن علي بن أبي أحمد فقال: رواه غيره فصح وهو ما ذكره ابن أبي
حاتم، ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي وهب قال: سمعت عمي، سمعت
مالك يسأل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء، قال: ليس ذلك على
الناس، قال: فتركته حتى خف الناس فقلت له: عندنا في ذلك شنة، قال:
ما هي؟ قلت: ثنا الليث وابن لهيعة وعمرو بن الحرث عن يزيد بن عمرو
المغافري عن أبي عبد الرحمن فذكره، فقال: إن هذا الحديث حسن ما
стр. 333
سمعته قط إلا الساعة ثم سمعت بعد ذلك سأل، فأمر بتخليل الأصابع
أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قد وثقة أهل زمانه، قال ابن أبي حاتم:
سألت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عنه، فقال: ثقة ما رأينا إلا افتراء
قلت: سمع من عمه، قال: أي والله، وقال ابن أبي حاتم: سمعت عبد
الملك بن شعيب ابن الليث يقول: ابن أخي ابن وهب ثقة ما رأينا افتراء،
قلت: سمعت من عمه، قال: أي والله، وقال أبو حاتم: وقد أخرج له
مسلم/وأما ما آثار عليه بعض من تأخر من أحاديث رواها بآخره عن عمه،
وهذا لا يغبّره إذ هو ثقة أن ينفرد بأحاديث ما لم يكن ذلك الغالب عليه، وإنما
الذي يجب أن يتفقّد من أمر هذا الحديث قول ابن أبي حاتم، نا أحمد بن
عبد الرحمن فإني أظنّه يعني في الإجازة فإنه لما ذكره في بابه قال: إذْ أَنَّ أبا
زرعة أدركه ولم يكتب عنه وإن إياه قال: لا أدركته، وكتبت عنه فظاهر هذا
انه هو لم يسمع منه فإنّه لم يقل: كتبت عنه مع أبي لعادته أن يقول: فيمن
يشترك مع أبيه، والحديث المذكور وقع له في آخر المقدمة في ذكره مالك بن
أنس انتهى كلامه بنصه، وفيما قاله نظر من وجوه:
الأول: قوله: وقد أخرج له مسلم مقتصرا على ذلك في مَعْرَض مدحه
ولو قال والبخاري لكان أمدح، وممن نقل على أنّ البخاري خرج حديثه في
صحيحه من غير أن ينسبه أبو أحمد الحاكم الحافظ فيما ذكره عنه الكلاباذي
وأبو علي الحبائي في تقييد المهمل، وابن عساكر في النبل وصاحب زهرة
المتعلمين في أسامي مجاهير المحدّثين.
الثاني: قوله: وإنّما أنكر عليه بعض من تأخر موهما أنّ القدماء أثنوا عليه
والمتأخرون وحدهم أساءُوا في الثناء عليه، وليس كذلك؛ لأنا رأينا جماعة من
القدماء تكلموا فيه منهم أبو حاتم الرازي حيث قال: كتبنا عنه وأمره مستقيم
ثم خلط ثم يأتي خبره أنه رجع عن التخليط، ولما بلغ أبو زرعة رجوعه قال:
هذا نحس حاله، ولا نبلغ به المنزلة التي كان من قبل قال: وأدركناه ولم
نكتب عنه، وقال ابن عدي: رأيت شيوخ أهل مصر الذين لحقتهم مجمعين
على ضعفه، وقال أبو سعيد بن يونس: لا تقوم بحديثه حجة، وقال عبد
الرحمن الشيباني: كان كذابا.
стр. 334
الثالث: ما ذكرهَ من تفقد سماع ابن أبي حاتم من أحمد بن عبد الرحمن
مردود بأمرين:
الأول: أنّ ابن أبي حاتم ليس مدلسا وقد صرح بالتحديث المشعر
بالسماع وذلك مقبول إجماعًا من المدلسين فكيف من غيره؛ ولإن سلمنا له
ما/قاله: من أنه روى عنه بالإجازة كان أيضًا متصلًا عند جماهير أهل العلم
من المحدثين وعنهم حتى قالَ أبو الوليد الباجي: لا خلاف في جواز الرواية
بالإجازة من سلف هذه الأمة وخلفها وادّعى الإِجماع من غير تفصيل،
وحَكى الخلاف في العمل ورد عليه ادعاء الإِجماع برواية عن الشافعي رواها
عنه الربيع بن سليمان ثم قال: وأنا أخالفه في ذلك، وتبع الشافعي القاضي
حسين والماوردي والإِمام أبو إسحاق الحربي وأبو الشيخ وأبو نصر إلى مجزي
وعنهم النسائي فجئ هذا الحديث بغية من غير روايته من طريق صحيحة
ذكرها أبو الحسن الدارقطني في كتاب غرائب حديث مالك عن أبي جعفر
الأسواني عن أبي بشر محمد بن أحمد الدولابيِ قال: ثنا أحمد بن عبد
الرحمن بن وهب قال: سمعت عمن يذكره، وذكره أبو عبد الله محمد بن
الربيع بنت سليمان الجيزي في كتاب من دخل مصر من الصحابة مر، جهة
جماعة عن ابن لهيعة منهم عبد الله بن عبد الحكم وابن وهب، وفي روايتها
عنده ذكر سماع يزيد ابن أبي عبد الرحمن وسماع أبي عبد الرحمن من
المستورد وكذا ذكره ابن وهب في مسنده وأبو عبيد في كتاب الطبري،، وأما
أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الجبُلي المعافري فمنسوب إلى جُبل أخي مُقْرًا
بخبر سبيع بن الحرث بن زيد بن غوث بن سعد بن عوف بن عدي بن
مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد
شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن غريب بن رهَيد بن المزبن هميسع بن
حمير بن سبأ كذا ساق نسبه ابن الكلبي في جامعه وجمهرة الجمهرة
والجمهرة وأبو عبيد بن سلام وغيرهما من البساتين، وخالف في ذالك أبو
سعد السمعاني فزعم أنه منسوب إلى بني الحُبلي سالم بن غانم بن عوف بن
الخزرْج بن حارب وكذا قاله أبو زيد السهيلي، وهو وهم منها يثبت ذلك في
كتابي المسمى بالزهر الباسم بشواهده فأعني عن إعادته/هنا والله اعلم،
стр. 335
حدَثنا ابن إبراهيم بن سعيد الجوهري ثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر عن
أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن صالح مَولى التوأمة عن ابن عباس قال
رسول الله ﷺ :"إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء واجعل لما بين أصابع
يديك ورجليك" (١) .
هذا حديث قال فيه الترمذي حين رواه من حديث عبد الرحمن بن أبي
الزياد عن موسى: هذا حديث حسن غريب، وقال في العلل الكبير: سألت
محمدَا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن وموسى بن عقبة سمع من
صالح قديمَا، وكان أحمد يقول: من سمع من صالح قديمَا فسماعه حسن،
ومن سمع منه خبرَا فكأنه يضعف سماعه، فال محمد وابن أبي ذئب: سماعه
منه أخيرَا، وقد روى ذلك عنه مناكير، ولما ذكر أبو عبد الله في مستدركه عن
صالح عن ابن عباس به، قال صالح: هذا أظنّه مولى التوأمة وإن كان أبان
فليس من شرط هذا الكتاب، وإنَما أخرجه شاهدَا، وأمَا قول الترمذي حسن
غريب فيعني ذلك حسن المتن؛ لأنه روى نحوه من غير وجه، والغرابة في
الإسناد وهي تفرد ابن أبي الزياد به وهو ممن ذكر قبل ما للناس فيه من
الكَلام، وأمّا سعيد بن عبد الحميد فذكر في النص الأنصار يدّعى انه سمع
عرض ابن مالك، قال أحمد: والناس ينكرون عليه ذلك هو هنا ببغداد لم
يحج كيف سمع عرض مالك وذكر منها انه سأل أحمد وابن معين وأبا
خيثمة عن كيف هو؟ فقالوا: كان هاهنا، وأمّا صالح بن نبهان فهو ممن قال
فيه مالك بن أنس: ليس بثقة فلا يأخذون عنه شيئَا، وقال أبو زرعة: ضعيف
وفال أبو حاتم: ليس بالقوي، وكان شعبة لا يروي عنه، وينهي عنه، واختلف
قول يحيى عنه فمرة قال: ثقة حجة، ومرة قال: لم يكن ثقة، وقال ابن
حبان: تغيّر سنة خصر وعشرين وما به، وجعل يأتي بالأشياء التي تشبه
стр. 336
الموضوعات من الثقات فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم/ولم يميز فاستحق
الترك، وفال ابن سَعْد: رأيتهم يهابون حديثه، وقال ابن معين: لقيه مالك بعد
ما كبَّر وخرف وكذلك الثوري ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف،
وقال ابن عدي: لا بأس به إذا روى عنه القدماء، ابن أبي ذئب وابن جريج
وزياد بن سَعْد وغيرهم، ومن سمع منه بآخره وهو مختلط مثل مالك
والثوري فغير شيء.
وفيما قالاه نظر مخالف لما ذكره البخاري من أنّ ابن أبي ذئب سمع منه
بآخره وذكر العقيلي والساجي ويعقوب في الضعفاء وكذا أحمد في مسنده
وخرجه عن سليمان بن داود الهاشمي، ثنا عبد الرحمن بن أبى الزياد عن
موسى بن عقبة عن صالح سأل رجل النبي ﷺ عن شيء من أمر الصلاة
فقال له النبي ﷺ :"خلل أصابع يديك ورجليك" (١) .
يعني: إسباغ الوضوء وإذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك حتى تطمئن
وإذا سجدت فلتمكن جسمك من الأرض حتى تجد حجر الأرض، حدّثنا أبو
بكر بن أبي شيبة ثنا يحيى بن سليم الطائفي عن إسماعيل بن كعب عن
لقيط بن صَبرة عن أبيه قال رسول الله ﷺ :"أسبغ الوضوء وخلل بين
الأصابع" (٢) .
هذا حديث تقدم الكلام عليه في باب المبالغة في المضمضة مستوفيا
هناك. ثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي، ثنا معَمَّر بن محمد عن عبيد الله بن
стр. 337
أبي رافع حدثني أبي عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه أن رسول الله ﷺ :
"كان إذا توضأ حرك خاتمه" (١) .
هذا حديث ذكره أبو أحمد وضعفه وكذلك أبو الحسن البيهقي وتبعهم
على تضعيفه أبو محمد الإشبيلي وأبو الحسن بن القطان ومحمد بن طاهر وأبو
الفرج البغدادي ويحيى بن عبد الواحد المقدسي بقوله: رواه معمر بن محمد بن
عبيد الله بن أبي رافع، قال البخاري: هو منكر الحديث وفيما قاله نظر؛ لأن
القائل فيه البخاري هذا القول هو أبوه لا هو، كذا هو في كتاب الإشبيلي
وابن الجوزي وغيرهما، وقال عنه يحيى: ليس بشيء، وقال الرازي: ذاهب،
وقال الدارقطني: ضعيف/الحديث، منكر الحديث جدًا ذاهب، وقال أبو
أحمد كوفي في عداد شيعة الكوفة ويروى من الفضائل أشياء لا يتابع عليها،
وذكره أبو جعفر في كتاب الضعفاء وكذلك يعقوب ابن سفيان، وقال
الساجي: ضعيف الحديث عنده مناكير وابنه معمر، قال ابن معين: ما كان
ثقة ولا مأمونًا، وقال أبو حاتم: رأيته ولم أكتب عنه في سنة ثلاث عشرة
وما يتبين فخرج علينا وهو مخضوب الرأس واللحية فلم أسأله عن شيء فدخل
فرأى بعض أصحاب الحديث وأنا قاعد فقال: ما يقعد؟ فقلت: انتظر
الشيخ أن يخرج، قال: هذا كذاب. وقال ابن عدي: ومقدار ما يرويه لا
يتابع عليه، وقال صالح بن محمد: ليس بشيء، وقال ابن حبان: ينفرد عن
أبيه بنسخة أكثرها مقلوب لا يجوز الاحتجاج به، وفال العقيلي: لا يتابع
على حديثه ولا يعرف إلا به وعبد المالك بن محمد أبو قلابة الرقاشي الضرير
الرجل الصالح وإن كان أبو داود قال فيه: رجل صدوق أمين، فقد قال
الدارقطني: صدوق كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، وكان يحدث من حفظه
فكثرت الأوهام منه، ولما ذكر البيهقي هذا الحديث قال: والاعتماد في هذا
الباب على الأثر عن علي وغيره ثم روى أثرَا عن علي من جهة سمير (٢) عن
стр. 338
أبيه قال:"وضأت عليا فكان إذا توضأ حرك خاتمه". ومن جهة الأزرق بن
قيس قال:"رأيت ابن عمر إذا توضأ حرك خاتمه". وروى ابن أبي خيثمة
عن يحيى بن عبد الحميد، ثنا عبيد بن هاشم عن عُبَيدة ابنة نائِل قالت:
"رأيت عائشة ابنة سَعْد وفي يدها خاتمان فكانت إذا توضأت حركتهما".
وفي غريب الحديث لابن قتيبة من رواية ابن لهيعة عن عمرو بن الحرث عن
عقبة بن مسلم عن أبي عبد الرحمن الحبُلي عن الصنابحي أن أبا بكر- رضى
الله عه- رأى رجلًا يتوضأ فقال: عليك بالمغْفَلة والمنشلة" (١) . قالوا: المغْفلة
العنقفة سميت بذلك؛ لأن كثيرا من الناس يغفل عنها وعما تحتها، والمنْشَلَة:
موضع/الخاتم من الخنصر ولا أحسبه سمى بذلك إلا أنه إذا أراد غسله نشل
الخاتم من ذلك الموضع أي: اقتلعه منها ثم غسله ورد الخاتم وذكر الحديث في
كتاب الترغيب عن مبرور الشيخي أنه قال: رأيت في المنام إصبعي الصغرى
تكلمني، فقالت: ما لي من بين أصابعك أُعذب؟ قلت: ولم ذاك؟ قالت:
إنك إذا توضأت لا تحرك خاتمك، قال أبو موسى وقد ثبت عن النبي عليه
السلام أنه قال:"ويل للأعقاب من النار ومن ترك شعرة لم يصبها الماء من
الجنابة فعل الله به كذا وكذا في النار" (٢) . قال علي:"فلذلك عادت
رأسي" (٣) وخللوا أصابعكم بالماء قبل أن يخللها نيران جهنم في غير ذلك،
ومن الأحاديث في كتاب تخليل الأصابع غير حديث سوى ما ذكره أبو عبد
الله فمن ذلك حديث أبي هريرة رواه الدارقطني من حديث يحيى بن
стр. 339
ميمون بن عطاء وكان له فيما ذكره ابن أبى حاتم عن ليث عن عقبة عن
مجاهد عنه قال ﵇:"خللوا أصابعكم لا يخللها الله يوم القيامة في
النار" (١) . وحديث عائشة رواه أيضًا من حديث سَنْدل وهو متروك الحديث،
قال ذلك أبو حاتم وغيره عن ابن شهاب عن عروة عنها قالت:"كان النبي
ﷺ يتوضأ ويخلل بين أصابعه ويدلك عقبيه ويقول: خللوا أصابعكم لا يخلل
الله بينهما في النار" (٢) .
وحديث ابن مسعود ذكره ابن أبي حاتم فقال: سألت أبي عن حديث
رواه زيد بن الزرقا عن الثوري عن مسكين عن هزيل بن شرحبيل عن ابن
مسعود قال ﵇:"ليخللن أحدكم أصابعه قبل أن تنهكها النار" (٣) .
فقال أبي رفعة منكر وحديث أبي أيوب أخرجه أبو عبد الله الحسين بن
إسماعيل المحاملي في إملائه سنة ثلثين وثلثمائة من رواية ابن الربيع عنه من
حديث رباح بن عمرو/بن يحيى الرقاشي ابن أخي أبي أيوب عنه قال: خرج
علينا رسول الله ﷺ فقال:"حبذا المتخللون بالوضُوء والطعام" (٤) . وذكره
عبد الحميد في مسنده أنَّ يزيد بن هارون ثنا رباح وحديث عثمان الذي عند
الدارقطني تقدم تصحيحه عن جماعة في باب تخليل اللحية أنه:"توضأ
فخلل أصابع قدميه وقال: رأيت النبي- ﵇ فعل كما فعلت" (٥) .
стр. 340
وحديث أبي الدرداء وذكر وضوئه ﵇ وخلل ما بين أصابع رجليه
سرس (١) إلى الكعبين ذكره أبو إسحاق بن عبيد في مسنده فقال: حدّثني
سهل بن إسماعيل، ثنا سهل بن زنجلة، ثنا مبشر الحلبي، ثنا ثابت بن نجيح عن
الحسن عنه وحديث الربيع ووصفها وضوءه ﵇ قالت: ويغسل رجليه
ثلاثًا فخلل بين أصابعه، ذكره أبو القاسم في الأوسط وقال: لم يروه عن
النعمان بن سالم يعني عنها إلا ابن أبي سليم وعن ابن أبي سليم إلا يزيد ابن
إبراهيم القشيري ولا عن يزيد إلا حجاج بن منهال تفرد به أبيه عبيد الله ابن
حجاج، وحديث أنس مرفوعًا:"حبذا المتخللون من الوضوء"انتهى.
ذكره في تاريخ الموصل من حديثه عن أحمد بن علي ثنا ابن عمار ثنا
عفيف بن سالم عن محمد بن أبي جعفر العطار عن رقية عنه وفي حديث أبي
هريرة وعائشة وابن مسعود وعثمان وأنس وأبي الربط والربيع وحماد ردّه لما
ذكره الترمذي وأغفله حنِن تعداده أصحابه والله أعلم، وكان ابن سيرين
وعمرو بن دينار وعمر بن عبد العزيز والحسن وابن عيينة وأبو ثور يحرّكون
خاتمهم في الوضوء ورخص فيه مالك والأوزاعي ويعني ذلك عن سالم، وقال
عبد العزيز بن أبي سلمة وأحمد بن حنبل: إن كان ضعيفًا يحيله ويدعه إن
كان سليمًا قال أبو بكر: وبذلك أقول.
***
стр. 341
٢٦- باب غسل العراقيب
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، ثنا وكيع عن سفيان عن
منصور عن هلال بن سيار عن أبي يحيى عن عبيد الله بن عمرو قال:"أتى/
رسول الله ﷺ قومًا يتوضئون وأعقابهم تارخ فقال: ويل للأعقاب من النار
وأسبغوا الوضوء" (١) . هذا حديث خرجاه في الصحيحين، ولفظ البخاري:
"تخلف النبي ﷺ في سفر سافرناه فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة صلاة
العصر". وفي لفظ لمسلم:"رجعنا مع النبي عينا من مكة إلى المدينة".
وفي مستخرج أبي نعيم وصحح ابن ماجة وابن خزيمة:"بيض تلوح لم يمسها
الماء". حدثنا أبو جابر ثنا عبد المؤمن بن علي ثنا عبد السلام بن حرب عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :"ويل
للأعقاب من النار" (٢) . وأخرجه أيضَا من حديث سعيد بن عجلان عن
سعيد بن أبي سعيد عن أبيِ سلمة عنها قال:"رَأَيَت عائشة عبد الرحمن
وهو يتوضأ الحديث بلفظ:"العراقيب" (٣) هذا حديث رواه مسلم في
صحيحه من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير، ثنا أبو سلمة
حدّثني سالم مولى شداد قال: دخلت على عائشة يوم توفى سعد بن أبي
وقاص فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فتوضأ عندها فقالت يا عبد الرحمن:
"أسبغ الوُضوء". الحديث. وحديث أبي سلمة عنها، وفي علل أبي عيسى
قال محمد: حديث أبي سلمة عنها يعني عائشة حديث حسن، وحدثنا
سالم عنها حديث حسن، وقال أبو زرعة في كتاب العلل: وهم شيبان
النحوي فأدخل بين سالم وعائشة أبا هريرة، والصحيح حديث الأوزاعي عن
يحيى عن حسين المعلم عن يحيى عن سالم عنها، ولما ذكره الحافظ أبو الفضل
الهروي في علله قال: هذا حديث، قد خالف أصحاب يحيى عكرمة فرواه
стр. 342
علي بن المبارك وحرب بن شداد والأوزاعي عن يحيى قال: حدّثني سالم،
وقد قيل في هذا الحديث: حدّثني أبو سالم وليس بمحفوظ، وذكر أبو سلمة
في حديث يحيى غيره محفوظ وقد روى عن أبي سلمة وعائشة من غير رواية
يحيى ومن غير ذكر سالم انتهى، وفي كلامه استشعار،/فإن عكرمة هو
المخالف لا غيره، وليس كذلك لما ذكره الطبراني في الأوسط من حديث أبي
عبيد بن سلام، ثنا عمر بن يونس البخاري عن عبد الرحمن بن حرب عن أبيه
عنها وقال: لم يروه عن هشام إلا عبد السلام تفرّد به عبد الرحمن بن علي،
ورواه أيضًا من حديث عكرمة عن يحيى حدّثني أبو أسامة حدّثني سالم أو
قال أبو سلام به قال: لم يدخل في إسناد هذا الحديث بين يحيى وسالم أبا
سلمة ولا عكرمة ولا غير عكرمة إلا عمر بن يونس تفّرد به أبو عبيدة، وفي
كتاب الطيالسي:"ويل للأعقاب من النار يوم القيامة" (١) . حدّثنا محمد بن
عبد المالك بن أبي الشوارب ثنا عبد العزيز بن النجار، ثنا سهل عن أبيه عن
أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:"ويل للأعقاب من النار". هذا حديث
أخرجاه في صحيحيهما، ولما رواه البخاري بلفظ:"ويل للعقب من النار".
قال: هذا أعجب إلي من حديث عبد الله بن عمر، وهذا حديث إسناده
صحيح على شرط الشيخين إلا سعيد بن أبي كريب ويقال: كرب، والأول
أصح فيما ذكره الدارقطني والبزار وإن كان لم يرو عنه غير أبي إسحاق، فقد
قال فيه أبو زرعة: كوفي ثقة، وذكره أبو حاتم البُستي في كتاب الثقات،
وأخرجه في الحلية من حديث سليمان ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد ثنا
ابن مهدي ثنا سفيان عن أبي إسحاق، وقال: غريب من حديث الثوري
стр. 343
تفرّد به ابن مهدي وأخرجه أبو القاسم في الأوسط من طريق عمرو بن أبي
زائدة عن أبى إسحاق عن سعيد وقال: لم يروه عن عمرو إلا أبو عبيدة
الحدّاد ذكره البزار أيضًا من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن
النبي- ﵇ رواه عن عمرو بن علي عن أبي معاوية عنه قاله في
معرض سعيد أبي إسحاق المتقدّم عنه، ولا يعتلى لأمرين:
الأول: ما أسلفناه من يوثق سعيد أنه محتاج إلى غيره وفي هذا أيضًا رد
عليه حيث قال: إنما ثبت مثالًا/لحفظه من غيره، وهذا قد حفظه هو عن غيره
فلم أثبته هنا والله أعلم.
الثاني: حديث الأعمش عن أبي سفيان منقطع، والمنقطع ضعيف لا يشهد
حديث صحيح، وممن نصّ على انقطاع ما بيتهما أبو بكر البزار ثقة قال: وقد
روى عنه نحوا من مائة حديث، وإنما من حديث ما لا يحفظه من غيره لهذه
العلة، وقال في موضع آخر: إنما هي صحيفة عُرضت عليه. وفي موضع آخر
وذكر حدثنا عن الناس ثنا يحيى بن سعيد ثنا الأعمش قال: حدّثني أبو
سفيان يعني: طلحة بن نافع فذكر حدّثنا قال في أثره: كان يحيى يذكر
أحاديث الأخبار وربما حدّث بها غيره فيدخل منها رجلًا فعلى هذا لا يتبع
فيه، وقال الطبراني في الأوسط: ورواه من حديث أبي الأسباط ثنا عبد
الرحمن بن أبي حماد المقري عن الحسن بن صالح وعمّار بن زريق عن أبي
إسحاق لم يرو هذا الحديث عن الحسن بن صالح إلا عبد الرحمن تفرد به أبو
الأسباط والله أعلم، وذكر ابن شاهين حديث جابر في كتاب الناسخ
والمنسوخ من جهة العزرمي عن عطاء عنه قال:"أمرنا رسول الله ﷺ إذا
توضأنا أن نغسل أرجلنا". حدّثنا العباس بن عثمان وعثمان بن إسماعيل
الدمشقيان قالا: ثنا الوليد بن مسلم ثنا شيبة بن الأحنف عن أبي سلام
الأسود عن أبي صالح الأشعري قال: ثنا أبو عبد الله الأشعري عن خالد بن
الوليد وابن يزيد أبي عن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص
كل هؤلاء سمعوه من رسول الله ﷺ قال:"أتموا الوضوء ويل للأعقاب من
стр. 344
النار" (١) . هذا حديث قال فيه الترمذي في العلل عن البخاري: هذا حديث
حسن. ولما سأل ابن أبي الغنايم أبا زرعة عنه، قال: أبو صالح وأبو عبد الله
لا يعرف أسماؤهم، ورواه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه عن إسماعيل بن
إسحاق الكوفي قال: ثنا سفيان بن صالح ثنا الوليد بن مسلم ثنا شيبة عن
أبي سلام عن أبي صالح حدّثني أبو عبد الله الأشعري قال ﷺ /ثم جلس
في طائفة منهم فدخل رجل فقام يصلي فجعل لا يركع وينقر في سجوه
والنبي- ﵇ ينظر إليه فقال:"أترون هذا لو مات على هذا لمات
على غير ملة محمد؛ فينقر في صلاته كما ينقر الغراب الدم مثل الذي يصلي
ولا يركع وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين فما يغنيان عنه
فأسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار، وأتموا الركوع والسجود" (٢) . قال أبو
صالح الأشعري: فقلت لأبّي عبد الله الأشعري: من حدثك هذا الحديث؟
قال: أمر الأجناد: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان
وشرحبيل بن حسنة كل هؤلاء سمعوا من رسول الله ﷺ ، وفي الباب غير
حديث من ذلك حديث عبد الله بن جَزْء ذكره الحافظ أبو بكر بن خزيمة وأبو
عبد الله، وذكره ابن أبي حاتم في علله من حديث علي بن يزيد عن
عبيد الله بن زجر عن أبي القاسم عنه وزعم أن أبا زرعة ضعّفه، رواه الحاكم
من حديث الليث بن سعد عن وجوه عن شريح عن عقبة، وحديث أبي أمامة
ذكره الطبراني وحديث أخي أبي أمامة ذكره أيضَا أبو القاسم من حديث جرير
عن ليث عن ابن سابط عن أخي أبي أمامة قال:"رأى النبي- عليه
السلام- قومَا يتوضئون فبقى على أقدامهم قدر الدرهم لم يُصِبه الماءُ فقال:
стр. 345
ويل للأعقاب من النار" (١) ورواه الدارقطني (٢) في سننه من حديث عبد
الواحد بن زياد، ثنا ليث ثنا ابن سابط عن أبي أمامة أو عن أخي أبي أمامة قد
ذكره وفيه فكان أحدهم ينظر فإذا رأى موضعَا لم يصبه الماء أعاد الوضوء،
وفي الأوسط لأبي القاسم من حديث سويد بن سعد ثنا علي بن مُسهر وقال
عن أبي أمامة وأخيه: جمع بينهما من غير شكّ ولا ترّدد في أحدهما، وكذا
ذكره المديني في حديث الصحابة عنهما، ولما سئل أبو زرعة عن هذا الحديث
قال: أخو أبو أمامة لا أعرف اسمه. وحديث أبي ذر خرجه ولم يسمع
الكجي في سننه من حديث ابن عيينة عن عبد الكريم أبي أمية عن مجاهد
عنه ولم يسمع منه قال: أشرف علينا النبي- ﵇ ونحن نتوضأ
فقال:"ويل للأعقاب من النار"./
وحديث مُعَيقِب رواه البزار عن عمرو بن علي عن أبي داود ثنا أترب بن عتبة
عن يحيى بن أبي بكر عن أبي سلمة عنه قال- ﵇:"ويل للأعقاب
من النار" (٣) . وقال: لا نعلمه يروى عن مُعيقب إلا بهذا الإِسناد. وقال الترمذي
في كتاب العلل: قال البخاري: وحديث أني سلمة عن مُعَيقب ليس بشيء كان
أيوب لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه؛ فلا أحدّث عنه، وضعّفه جدَا. ولما سأل
ابن أني حاتم أباه عن هذا الحديث قال: إنّما هو عن يحيى عن سالم وعن عائشة
ومنهم من يقول: يحيى عن أبي سلمة عن سالم عن عائشة وحديث الأعمى ذكره
الشّافعي في مسنده وقال رسول الله ﷺ لأعمى يتوضأ:"بطن القدم فجعل
الأعمى يغسل بطن القدم ولا يسمع النبي ﷺ فَسُمِّى البصير" (٤) وفي تفسير
стр. 346
الثعلبي سمَّى أبا بصير غسِيلُ ورواه أبو موسى في معرفة الصحابة من حديث
محمد بن محمود وله صحبة، وحديث أبي سعيد الخدري ذكر٥ أبو إسحاق
الشيرازي في كتاب غسل الرجلين؛ الذي قرأته على الشيخ المسند المعمر
علي بن الصلاح رحمة الله عليه. أخبركم الحافظ صدر الدين إجازة إن لم
يكن سماعًا عن أبي القاسم عبد المحسن بن عبد الله الحافظ الخطيب الطبري
ثنا والدي أن الإمام أبو إسحاق وثنا به عاليا أبو البدر عن ابن الموعن أبي
الكريم عنه، ويشَبه أن يكون في كلامه نظر؛ لأنّ حديث أبي سعيد ذكره
الدرامي، وليس فيه إلَّا إسباغ الوضوء ولا ذكر للأعقاب فيه والله أعلم. وفي
حديث أبي أمامة وأخيه وأبي ذر وأبي سعيد والأعمى ردّ على أبي عيسى إذا
أعضلهم والله أعلم. العُرقوب موصل القدمين بالساق من الإِنسان قاله البزار،
وقال الجوهري: هو العصب الغليظ الموتر فوق عَقب الإِنسان وعرقوب الدابة
في رجلها بمنزلة الركبة في يدها، قال أبو داود: حديث الطرق والمنكب
والعرقوب والقلب، قال الأصمعي: كل ذي أربع عرقوباه في رجليه وركبتاه
في يديه، قال أبو جعفر: العزب تقول: الكعبان هما العرقوبان، والعقب
بكسر القاف/مؤخر القدم وهي مؤنثة، وحكى بعضهم سكونها قال: أراد
صاحبها فحذف المضاف وقوله: أنهما الصّلاة أي: أخرناها حتى كادت تدنو
من الأخرى، وقال الخليل: أرهقنا أستأخرنا عنها. وقال أبو زيد: أرهقنا عن
الصلاة أخرناها ورهقنا حانت، وقال النَّضر: أرهقت الشيء غشيته ورهقتني
دنا منّي، وقال الأعرابي رهقته وأرهقته بمعنى دنوت منه، وأرهق الحلم دنا مه
قال عياض: ويكون أرهقنا بمعنى أعجلتنا لضيق وقتها ويقال: أرهقته أعجلته،
ومنه المراهق فالحج بالفتح ويقال بالكسر الذي أعجله ضيق الوقت أن يطوف،
وقيل: الوقوف بعرفة.
***
стр. 347
٢٧- باب ما جاء في غسل القدمين
ذكر فيه حديث لأبي حية عن علي الوايلي فيه الجوربان صحيح، وحديث
المقدام بن معد يكرب (١) وحديث الربيع، وقد تقدّم ذكر هؤلاء، وأغفل
حديث عمرو بن عنبسة الطويل من عند مسلم، وفيه كما أمره الله وحديث
جابر عند الدارقطني قال:"أمرنا رسول الله ﷺ إذا توضأنا للصلاة أن
نغسل أرجلنا" (٢) . وحديث أنس المذكور عنده:"أن رجلًا توضأ وترك على
قدميه مثل الظفر فقال له النبي ﷺ : أحسن وضوءك" (٣) .
وحديث خالد بن مَعْدان عن بعض الصحابة عند أبي داود أن رجلا صلى
وفي ظهر قدميه لمعة فقال النبي ﷺ : أعد الوضوء والصلاة" (٤) .
وحديث عثمان بن عيدان أخرجه وفيه فغسل قدميه، وحديث أبي بكير:
"بينا أنا جالس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل قد توضأ وبقى على ظهر قدميه
مثل الظفر" (٥) . ذكره الدارقطني في كتاب الإِفراد والغرائب وقال: غريب
من حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جدّه عن أبي تفرّد به
الوازع بن نافع عنه وتفرّد به الربيعة بن سقلاب عن الوازع، وذكر أنّ ابن
شاهين من جهة الوازع بن نافع عن سالم عن ابن عمر عن أبي بكر وعمر/
بنحوه وحديث محمد بن محمود:"رأى النبي ﷺ أعمى يتوضأ فقال:
اغسل باطن قدميك فجعل يغسل باطن قدميه" (٦) .
***
(١) قوله:"يكرب"وردت"بالأصل" "كرب"، والصحيح ما أثبتناه.
(٢) صحيح. رواه الدارقطني: (١/١٠٧) . وابن أبي شيبة في"المصنف" (١/٤١) .
(٣) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة، ح/٣١) وأبو داود (١٧٣) وأحمد (١/٢١، ٢٣،
٣/١٤٦) .
(٤) حسن. الكشاف: (٥٢) وأبو داود في (الطهارة، باب"٦٦"، (ح/١٧٥) .
(٥) ضعيف. أورده الهيثمي في"مجمع الزوائد" (١/٢٤١) وعزاه إلى الطبراني في
"الأوسط"و"الصغير"وفيه الوازع بن نافع وهو مجمع على ضعفه.
(٦) تقدّم في أحاديث الباب ص ٣٥٢.
стр. 348
ذكره المديني في كتاب العلل من حديث عبدان عن الأشج، ثنا أبو خالد
ثنا يحيى بن سعد عنه وحديث أبي الهيثم:"رآني رسول الله ﷺ أتوضأ
فقال اغسل بطن القدم يا أبا الهيثم". ذكره الطبراني وحديث ابن هيثم عن
بكر بن سوادة عنه، قال أبو إسحاق الفرضي: في الرجلين في الوضوء الغسل
إلى الكعبين: وهما العظمان النابتان في مفصل الساق والقدم. هذا مذهب
الشافعي، وبه قال من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود
وابن عباس وابن عمر وحذيفة وأنس بن مالك وأبو هريرة وتميم الداري
وسلمة بن الأكوع وعائشة، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحابه
على غسل القدمين وقد لقى عبد الرحمن مائة وعشرين صحابيَا، وقال
عطاء بن أبي رباح لم أدرك أحدَا منهم يمسح على القدمين، وقد لقى عطاء
عشرة من الصحابة، وهو مذهب الشعبي والحسن وابن سيرين والزهري
وعكرمة ومحمد بن علي بن الحسين وجعفر بن محمد وعطاء الخراساني، وهو
قول مالك والليث والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق
وأبي ثور وأبي عُبيد والحسن بن صالح وداود بن علي، وذهب الإِمامية من
الشيعة إلى أنّ الواجب هو السح على ظهر القدم من الأصابع إلى الكعبين،
والكعب عندهم في ظهر القدم ووافقهم على الكعب محمد بن الحسن ولكن
لم يوافقهم في المسح، وقال بعض أهل الطاهر: يجب الجمع بين المسح
والغسل، وقال ابن حزم: هو بالخيار بين المسح والغسل، والدليل على فساد ما
ذهبوا إليه أنّ الأخبار تواترت عن رسول الله ﷺ فحكى قوم وضوءه، وروى
قوم أمره، وروى قوم الوعيد في ترك غسل الأعقاب، وأمّا ما ذهبوا إليه من
أنّ هذه الأحبار آحاد فلا نقبلها ولا نعمل بها فيجاب بأنّ هذا ليس بآحاد؛
لأنّ مجموعها تواتر معناها، وأما قراءة من قرءوا رجلكم بالخفض فمعارضة بمن
نصبها، وهو نافع وابن عباس وعلي بن حمزة وهو أحد/الروايتين عن عاصم
فلا حجة إذا الوجود المعارضة فإن قيل: نحن نحمل قرأه النصب على أنّها
محمولة على المخل؛ لأن محل الرأس النصب وإنّما انخفض بدخول الباء فيكون
стр. 349
نصب الأرجل على العطف على المحل، وإذا حملناه على ذلك لم يكن منهما
تعارض بل يكون معناهما المسح وإن اختلف اللفظ فيها، ومتى أمكن الجمع
لم يجز الحمل على التعارض والأحكام والدليل على جواز العطف على المحل
قوله ﵎:) واتقوا الله الذي تساءلون * به والأرحام ((١) …
وقول الشاعر:
الاخى ندماني عُمَير بن عامرٍ … إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدًا
فنصب غدا على المحل وقول الشاعر:
مَعَاوِي إننا بَشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فنصب الحديد على المحل، وقال جندح: كبير أناس في بحادٍ مُزَمَّلُ، وقال
ضعيف سواءٍ! قَدير مُعَجَّل وقال زهير:
لعب الزمان بها وغمَّرها … بعدي سَوَاء في المودِ والفطر
وقال النابغة:
لم يبق إلَّا يسير غير منقلب أو … موثق في حبال القدّ مَسلُوبُ
وقال جرير:
فما أتت إن ماتت إن تك داخل … إلى أنّ بسطام بن قيسٍ تحاطب
وقال آخر:
حي دارًا أعلامها بالجناب … مثل ما لاح في الأديم الكتاب
وقال دوَيْد:
فجئت إليه والرماحُ تتوشُه … كوقع الصباحي في النسيج الممدَّد
فدافعت عنه الخيل حتى تبدّدت … وحتَّى علا ذلك من اللّون أسود
وقال آخر:
كأنما مددت قدام أعينهما قطنًا … بمستحصل الأوتاد محلوج
стр. 350
ويجاب بأنّ العطف على المحلّ خلاف يشبه، وإجماع الصحابة فإنّما الشبه
فحديث عمرو بن عَنْبَسَة يعني المتقدم الذكر، وأما الإِجماع فهو ما روى
عاصم عن أبي عبد الرحمن السلّمي قال:"بينما (١) أنا يوم والحسن نقرأ وإن
رجلكم على علي، وجليس قاعد إلى علي/رضى الله عنه محادثه فسمع نفرَا،
وأرجلكم ففتح عليه الجليس الخفض فقال: علي وزجره إنّما هو فاغسلوا
وجوهكم واغسلوا أرجلكم من تقديم القرآن وتأخيره، وروى عن ابن مسعود
أنه قرأ وأرجلكم وقال: رجع الأمر إلى الغسل، وعن ابن عباس نحوه عن عروة
ومجاهد وعكرمة والحسن ومحمد بن علي بن الحسين وعبد الرحمن الأعرج
والضحاك وعبد الله بن عمرو بن غيلان، زاد البيهقي وعطاء ويعقوب
الحضرمي وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبي بكر بن عياش، وأمّا قول أبي إسحاق
هو مذهب الشعبي وعكرمة والحسن ففيه نظر لما ذكره ابن أبي شيبة في
مصنفه بأسانيد صحيحة عنهم بالمسح، وأمّا ما قاله علي وابن عباس فقد ردّه
أبو محمد بن خزيمة، وذكر ألهما قالا به، وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن
بأنّ الكعب عنده في طهر القدم فكذلك، ولكن بزيادة في كلّ رجل كعبان
في القدم كعب، وفي السارق كعب حكى ذلك أبو جعفر هو الرائد مغرز،
الساق وهو مجمع العروق من ظهر القدم إلى العراقيب، وأمّا ما ذكره من
الإجماع فلا دليل عليه قوله، ولم يذكر هو سببَا من ذلك، ولا يكفي في
الإَجماع أنَّ عليا وابن مسعود وابن عمر قالوا به: لأنّ عليًا لم يقل شيئًا
مخالفا فيه ابن مسعود فكيف يتجّه قوله على هذا فانظر فيه والله أعلم، وأمّا
قوله أنّ عطاء لقى عشرة من الصحابة في معرض مدحه وذلك مشعر بالَّا
زيادة على ذلك، وليس كذلك لما ذكره الحافظ ابن سرور من أنّه رأى عقيل بن
أبي طالب وأبا الدرداء، وسمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وجابر وأبا
هريرة ورافع بن حديج ومعاوية بن أبي سفيان وزيد بن خالد وجابر بن عُمر
الأنصاري وأبا سعيد الخدري وعائشة انتهى كلامه. وفيه نظر لما ذكره، هو
أنّ عطاء وكذا في آخر خلافة عثمان وأبو الدرداء توفى سنة إحدى أو ست
стр. 351
فلأتبين، فكيف نتصوّر روايته لأبيِ الدرداء وهذا لا يمكن أصلًا، وقد وردت
أحاديث/لابد من تأويلها أو ردَّها وهو رفاعة بن رافع سمع النبي عليه الصلاة
والسلام يقول: فدّل حديثَا فيه ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، وسيأتي
ذكره في الباب الذي تعدّها، وحديث على كنت أرى أنَّ باطن القدم أدقّ
بالمسح حتى رأيت النبي يمسح رأيت النبي يمسح ظاهرهما، وقد تقدّم طرق
منه، وهذان الحديثان إلى من قال: من أهل الطاهر بالجمع وإن كان ابن
شاهين ذكر أن هشيمًا قال: كان هذا في مبدأ الإِسلام، وكذا حديث
أوس بن أبي أوس والله أعلم وحديث عبد الله بن زيد:"رأيت النبي ﷺ
يتوضأ فمسح بالماء على رجليه"ذكره ابن أبي شيبة في مسنده (١) عن أبي
عبد الرحمن المولى عن سعيد بن أبي أيوب حدّثني أبو الأسود عن عبّاد بن
تميم، به وأبو الأسود هذا لا أدري من هو، وقال الجوزجاني: هذا حديث
منكر، وحديث ابن عباس عند أبي داود (٢) مرفوعًا:"فقبض قبضة من الماء
ورشَّ على رجليه اليمني". وفيها النعل قد مسحها بيده فوق القدم، ويد تحت
النعل ثم صنع باليسرى مثل ذلك، وفي إسناده هشام بن سعد وهو ضعيف
عند ابن معين وابن سعيد وغيرهما، وحديث علي بن أبيِ طالب كذلك
ذكره أيضًا وإسناده لا بأس به ولفظه قال: قلت وفي النعلين قلنا: وحديث
عثمان:"مسح رأسه وظهر قدميه، وفيه أن النبي توضأ نحو وضوءه" (٣) هذا
ذكره أحمد بن علي القاضي في مسند عثمان عن القواريري ثنا يزيد بن زريع
ثنا سعيد عن قتادة عن مسلم بن يسير عن حمران فذكره وسنده صحيح،
وحديث عباد بن تميم عن أبيه:"رأيت النبي يمسح ثلاثًا على رجليه" (٤)
стр. 352
رواه البخاري في تاريخه عن رجاء وإبراهيم بن شهاب عن أبيه عن سعيد بن
أيوب بن إسحاق حدّثني أبو الأسود عنه قال: عبد الحق أبو الأسود لا أدري
من هو وقال ابن الحضان أهو تميم بن عروة؟ وحديث عمر:"أنّ النبي ﷺ
توضأ ومسح على القدم مرة" (١) ذكره ابن شاهين من حديث ابن لهيعة عن
أبي الأسود عن عباد بن تميم عنه، وحديث جابر:"خرج ﵇ إلى
نقيع الغَرقد فتوضأ وغسل وجهه ويديه/ومسح رأسه، وتناول الماء بيده اليمنى
فرش على قدميه فغسلهما"رواه أبو القاسم في الأوسط (٢) وقال: لم يروه
عن سلمة بن عبد الله بن الحضر إلا ابن لهيعة قالا ابن جرير: بعد ذكر
حديث عبد الله بن عمر، وما أشبهه فأمر ﵇ بإسباغ الوضوء في
الرجلين وتوعد بالنار على ترك الأعقاب، وكان هذا الخبر زائد على ما في
الآية وعلى الأخبار التي رويناها يعني حديث رفاعة وعلي وناسخًا لما فيها ولما
في الآية والأخذ بالزائد واجب، ولقد كان يلزم من يقول بترك الأخبار للقرآن
أن يترك هذا الخبر للآية؛ لانا وجدنا الرجلين يسقط حكمهما في التيمم كما
يسقط حكم الرأس فكان حملهما على ما يسقطان بسقوطه ويثنان بثنائه أولى
من حملهما على ما لا يثبتان بثباته، وأيضًا فالرجلان مذكوران مع الرأس
فكان حملهما على ما ذكر معه أولى من حملهما على ما لا يذكر من
مسحُهما بيده معه، وأيضًا فالرأس طرف والرجلان طرف والرجلان تعرف،
وكان قياس الطرق على الطرق أولى من قياس الطرق على الوسط، وأيضًا
فإنهم يقولون: بالمسح على الخفين فكان تعويض المسح أولى من يغوص المسح
стр. 353
من الغسل، وأيضًا فإنّه لما جاز المسح على سائر الرجلين، ولم يجز على سائر
دون الوجه والذراعين حل على أصول أصحاب القياس أنّ أمر الرجلين أخف
وأقيس من أمر الوجه والذراعين كان ذلك كذلك فليس إلا المسح، ولابدّ فهذا
أصح قياس في الأرض لو كان القياس حقًا والله أعلم، وأمّا قوله وذهبت
الإِمامية من الشيعة فكلام مجمل يحتاج إلى بيان، وذلك أنّ الإِمامية أصلهم
على ما ذكر السمعاني من قال بإمامة علي بعد النبي ﵇ أيضًا ظاهرًا،
وهذا قول يعم جميع الشيعة، ولهذا أطلق الفقهاء من غير تقييد بأنه مذهب
الشيعة، قال المسعودي وفراق الإِمامية يعني الشيعة كانوا على ما ذكر من
السلف من أصحاب الكتب ثلاثًا وثلاثين فرقة ثم يتنازعوا ويتباينوا حتى بلغوا
ثلاثًا وسبعين فرقة، وفي كتاب الشهرستاني ثم أن الإِمامية لم يثبتوا في تعيين
الأئمة/بعد الحسن والحسين على رأي واحد، بل اختلافاتهم أكثر من
اختلافات الفرق كلها حتى قال بعضهم: إنَّ نيفًا وسبعين فرقة من الفرق
المذكورين في الخبر هو من الإِمامية خاصة، ومن عداهم فخارجون عن الملّة،
والإِمامة بعضها معتزلة أما وعيدية وإما تفصيلية وبَعْضها إجبارية إمّا مشبهة داما
من أنّ الكعب في ظهر القدم فكان ينبغي له ردّه بما لا طاقة لهم به، وهو
قول إمام اللغة عبد الملك بن حرث فإنه أنكر ذلك القول على قائله، وأبو
عبيدة وغيرهما، دان كان قد ذكر أبو إسحاق ذلك أخيرًا فذكره هنا أولى،
قال أبو موسى المديني: ذهب عامة الصحابة والتابعين إلى أن الملتصق بالساق
المحادي للعقب وليس بالظاهر في ظهر القدم، وقال أبو بكر بن خزيمة في
مسنده الصحيح أنه حديث عثمان الذي فيه، وغسل رجليه إلى الكعبين ثلاث
هرات واليسرى مثل ذلك الكعبان هما العظمان النائيان في جانبي القدم، إذ لو
كان العظم الثَّاني على ظهر القدم لكان للرجل لليمنى كعب لا كعبان ثم
ذكر حديث طارق الذي فيه ورجل خلفه الذي يرميه بالحجارة، وقد أرمى
كعبه وعرقوبيه فقال: وهذا دلالة على أن الكعب هو العظم النائي في جانبي
القدم إذا الرمية إذا جاءت من وراء الماشي لا تكاد تصيب القدم، إذ الساق
مانع أن تصيب الرمية طهر القدم ذكر حديث النعمان فرأيت الرجل يلزق
كعبه بكعب صاحبه وركبته صاحبه، أما قوله أنّ عبد الرحمن أدرك عشرين
стр. 354
ومائة فيحتاج إلى زيادة بيان، وذلك أنّ عطاء بن السائب روى عنه أدركت
عشرين ومائة من الصحابة كلّهم من الأنصار فهذا هو أخبر عن نفسه إدراكه
هؤلاء الأنصار فكيف بمن تعدّيتم من بقية الصحابة غيرهم والله أعلم، وزعم
ابن حزم أنّ القرآن نزل بالمسح، وسواء ترى بفتح اللام وتخفيفها هي على كلِّ
حال عطف على الرأس أمّا على اللفظ/وأمّا على الموضع لا يجوز غير ذلك؛
لأنه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه ببعضه مبتدأه، وهكذا
جاء عن ابن عباس، وفي أمالي ابن الحاجب الصواب انه نصب على
الاستئناف والله أعلم.
***
стр. 355
٢٨- باب ما جاء في الوضوء على أمر الله تعالى
حدّثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن جامع بن شداد
أبي صخرة قال: سمعت حمران يحدث أبا بردة في المسجد انه سمع عثمان
يحدث عن النبي ﷺ قال:"من أتمّ الوضوء كما أمره الله فالصلوات
المكتوبة كفارات لما بينهن" (١) . هذا حديث رواه مسلم في صحيحه عن
عبيد الله بن معاذ ثنا أبي وثنا محمد بن مثنى وابن يسار قالا: ثنا محمد بن
جعفر وقالا جميعًا ثنا شعبة عن جامع كما ذكره ابن ماجة، ومثل هذا حديث
ابن معاذ، وليس في حديث غندر في أبيك سمعت عثمان يحدّث أبا بردة في
إمارة بشر أن عثمان فذكره، ولا ذكر المكتوبات، وفي لفظ النسائي
فالصلوات الخمس، حدّثنا محمد بن محي ثنا حجاج ثنا همام ثنا إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة حدّثني علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه
رفاعة ابن رافع: أنه كان جالسًا عند النبي ﷺ فقال:"إنها لا تتم صلاة
لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى بغسل وجهه ويديه إلى المرفقين،
ويمسح يرأسه ورجليه إلى الكعبين" (٢) . هذا حديث لما رواه الترمذي (٣) عن
علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن يحيى بن علي بن محيى بن خلاد بن
رافع الزرقي عن جدّه عن رفاعة بن رافع بأن رسول الله ﷺ :"بينما هو
جالس في المسجد يومًا قال رفاعة ونحن معه: إذا جاءه رجل كالبدوي فصلى
فأخذ صلاته ثم انحرف فسلّم على النبي ﷺ وقال النبي: وعليك فارجع