هو في المعنى متابعة مالك، وفي ذلك عتبة، والله أعلم، قال أبو عمر: صدق
ابن معين ليس في الصحابة أحد يقال له: عبد الله الصنابحي وإنما فيهم
الصنابحي بن الأعسر الأحمسي، كوفي روى عنه قيس بن أبي حازم أحاديث،
وفي الباب أيضَا أحد يقال له عبد الله الصنابحي، مشهور في التابعين، كبير
من كبرائهم واسمه عبد الرحمن بن غسيلهَ، وهو جليل، كان عبادة بن
الصامت يقول: من سره أن ينظر إلى رجل كأنه رفع فوق السموات ثم ردّ
يعمل على ما رأى فلينظر إلى عبد الله الصنابحي، قال ابن إسحاق: عن
يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الرحمن بن غسيلة
قال: لم يكن بيني وبين وفَاة النبي ﷺ إلا خمس ليال، توفى وأنا بالجحفة،
كذا زعم ابن عمر أن الذي يروى عنه مرثد هو الذي يروى عن عطاء، وأبو
حاتم يخالف ذلك، ذكر ابنه في كتاب المراسيل سمعت أبي يقول: الصنابحي
هم ثلاثة: الذي يروى عنه عطاء بن يسار وهو عبد الله الصنابحي، لم تصح
صحبته، والذي يروى أبو الخير فهو عبد الرحمن بن غسيلة الصنابحي روى
عن أبي بكر، والصنابحي بن الأعسر له صحبة، وفي هذا أيضَا يوهم من ادّعى
أن مالكا وهم في تسميته عبد الله، وقد قيل ذلك له فلم يرجع؛ بل أصر
عليه، وزعم أن لذلك حفظ فوجده كذلك في كتابه، ففي هذا دلالة انه لم
يرجع إلى ما قيل له لعلّة أنّه غير صواب إذ لو كان صوابَا لكان أسرع الناس
رجوعَا إليه مع تسليمه أنّ الخطأ لا يسلم أحد منه بذكر لم البلل رأسه.
فهؤلاء كلهم اختاروا الوضوء بالماء المستعمل، وأما مالك والشّافعي وأبو
حنيفة ومن قال بقولهم، فلا يجوز ذلك عندهم، ولو فعل لم يجزه، وكان
عليه الإعادة لكلّ ما صلى بذلك الوضوء لأنه قد أدّى به فرض فلا يؤدي به
فرض أخَر كالحمار وشبهها قال أبو عمر: الحمار مختلف فيه، وقال بعض
المفتين من آل العلم من أهل عصرنا: إنَّ الكبائر والصغائر يكفرها الطهارة
والصلاة، واحتج بطاهر حديث الصنابحي وبمثله من الآثار وبقوله:"فما ترون
ذلك يبقى من دونه، وهذا جهل بيّن وموافقة للمرجئة، وكيف يجوز لذي
لب أن يحمل هذه الآثار على عمومها وهو يسمع قوله تعالى: ﴿يا أيها
стр. 37
الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ (١) وقوله ﵎: ﴿وتوبوا
إلى الله جميعا أيّهَ المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ (٢) في آيات كثيرة، ولو كانت
الطهارة والصلاة وأعمال البرّ مكفرة للكبائر، والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه
ولا قَاصد إليه ولا حضره في حينه ذلك الندم عليه لما كان لأمر الله عليه
بالتوبة معنى، ولكان كلّ من يتوضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من
صلاته، وإن ارتكب مثلها ما شاء من المرتكبات الكبائر، وهذا لا يقوله أحد
ممن له فهم صحيح، وقد أجمع المسلمون أنَّ التوبة على المذنب فرض،
والفروض لا يصح أداء شيء منها إّلا بقصد ونية، وقال ﵇:"الندم
توبة (٣) وقال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى
رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر" (٤) وهذا يبيّن لك ما ذكرنا
стр. 38
ويوضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات لمن اجتنب الكبائر، فيكون على هذا
المعنى قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم﴾ (١)
الصغائر بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض وإن لم تجتنبوا الكبائر ولم تتوبوا
منها، لم تنتفعوا بتكفير الصغائر إذا واقعتم الموبقات المهلكات، وهذا كله قتل
الموت، وبهذا قال جماعة المسلمين، وجاعت بها الآثار الصحاح ولو تدبر هذا
القائل الحديث الذي فيه ذكر خروج الخطايا من فيه ويديه ورأسه ورجليه؛ لعلم
أنّها الصغائر في الأغلب، ولعلم ألها معفو عنها بترك الكبائر، دليله قوله عليه
السلام:"العينان يزنيان،/- والفم يزني، ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه" (٢)
يريد- والله أعلم- أن الفرج بعمله يوجب الهلكة وما لم يكن كذلك
وأعمال البر تغسل ذلك كلّه والله أعلم. حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة
ومحمد بن يسار قالا: نا عن محمد بن جعفر عن شعبة عن يعلي عن عطاء
عن يزيد بن طلق عن عبد الرحمن بن السلماني عن عمرو بن عنبسة قال
رسول الله ﷺ :"إن العبد إذا توضأ فغسل يديه خرت خطاياه من يديه،
فإذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه، فإذا غسل ذراعيه ومسح برأسه
خرت خطاياه من ذراعيه ورأسه، فإذا غسل رجليه خرت خطاياه من
رجليه" (٣) هذا الحديث أخرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث عبد
العزيز بن أبي حازم عن الضحاك بن عثمان عن أيوب بن موسى عن أبي عبيد
مولى سلمان بن عبد المالك عن ابن عنبسة وقال فيه: صحيح الإِسناد على
شرطهما ولم يخرجاه، وأبو عبيد تابعي، إذ لا شك في سماعه من عمرو،
وفي الحديث صحة سماعه، وله شاهد على شرط مسلم عن عمرو بن عنبسة،
стр. 39
وأما حديث ابن ماجة ففي إسناده ضعف، وقد تقدَّم معناه من كتاب مسلم،
وسبب ضعفه عبد الرحمن (١) بن البيلماني الأنهاري- والبيلمان هي خرق
تعمل منها القلوع- وقال الرشاطي: بيلمان من بلاد السند، قال فيه أبو حيان
الرازي والدارقطني: ضعيف لا يقوم به حجة، وإذا وصل الحديث فكيف ما
يرسله، قال أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث روى عن ابن عمر بواطيل، ولما
ذكره أبو حبان في كتاب الثقات قال: لا يجب أن نعمر بشيء من حديثه،
وإذا كان من رواية ابنه؛ لأن ابنه يضع على أبيه العجائب، وممن ضعفه أيضا:
يعقوب بن طاهر.
وذكر الحاكم في كتاب المدخل: أن الشيخين اتفقا على تخريج حديث
عمرو بن عنبسة، ولم يرد ذلك، وعبد الغني بن سعيد فيما ردّه فكأنه قرّره
وتتبع ذلك عليهما الحافظ ابن محمد بن يربوع الشنتمدي، فزعم أن مسلما
يرد لحديثه دون البخاري والله أعلم. حدثنا محمد بن يحيى بن هشام بن عبد
الملك، نا حماد بن عاصم عن رزين بن حبيش أنّ عبد الله بن مسعود قال:
قيل: يا رسول الله كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال:"غر محجلون
بلق من آثار الطهور" خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه (٢) .
/عن أبي يعلي، نا كامل بن طلحة، نا حماد به، ولفظ أحمد في
مسنده (٣) :"من آثار الوضوء"وفي الأوسط عن أبي إسرائيل الملائي عن
عطية عن أبي سعيد قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟
فقال ح: لم يروه عن أبي إسرائيل إلا حسن بن حسين العرفي، وفيه حديث
جابر بن عبد الله أيضا، أو قال: لم يروه عن الأعمش- يعني عن أبي
مسلم- عن جابر إّلا يحيى بن يمان.
стр. 40
وفي صحيح مسلم حديث أدي هريرة يرفعه:"أرأيت لو أنَّ رجلا له خيل
محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله،
قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض" (١)
الحديث، وفي كتاب الترمذي بيان الغرّة م هي، إذ هي في الأحاديث
السابقة مجملة، عن عبد الله بن بشر مرفوعا:"أمتي يوم القيامة غر من
السجود، محجلون من الوضوء" (٢) وقال: هذا حديث صحيح غريب من هذا
الوجه. حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي،
حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم، حدثني شفيق بن
سلمة، حدثني حمران مولى عثمان فْال:"رأيت عثمان بن عفان قاعدا في
القاعد، فدعا بوضوءٍ فتوضأ، ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا غفر له ما
تقدم من ذنبه" (٣) وقال رسول اللَه ﷺ :"ولا تغتروا"حدّثنا هشام بن
عمار، نا عبد الحميد بن حبيب، نا الأوزاعي، نا يحيى، حدّثني محمد بن
إبراهيم، حدثني عِيسى بن طلحة، حدثني حمران عن عثمان عن النبي ﷺ
نحوه. هذا حديث إسناده صحيح؟ لأن الوليد إنما يحذر منه التدليس أو
التشويه وهنا أمِنا ذلك لسرعته بسماعه، وسماع شيخه ومتابعة عبد الحميد له
стр. 41
وإن كان قد أتى بعيسى مكان شقيق وهما ببيان، فلا يضر ذلك الحديث،
ويكون محمد سمع منهما، أو يكون القول في ذلك قول الوليد ليفسد به
على عبد الحميد، فإن بعضهم- وهو ابن أبي حاتم- يزعم أنَّه ليس بصاحب
حديث، وقال النسائي: ليس بالقوي ويكون أراد ذكر شقيق فوهم إلى
عيسى، والله تعالى أعلم، وتبع ذلك فله أصل في الصحيحين من حديث
الزهري عن عفان بن زيد عن حمران من غير زيادة"ولا تفتروا"وهي في/
صحيح أبي حاتم البستي وقال: نا ابن مسلم، نا عبد الرحمن بعد ولفظه:
قال رسول الله ﷺ :"من توضأ مثل وضوئي هذا غفر له ما تقدم من
ذنبه" (١) ثم قال ﵇:"ولا تغتروا"وفي حديث مسلم:"وكانت
صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة" (٢) فوله: واستنشق يعني حر الماء يزيح
الأنف قال الفراء: النشق مصدر نشقت الشيء النشقة بشيقاء إذا أشممته
واسم ما يستنشقه النشوق، والشيء يستنشق وتقول: نشق الرجل بمعنى
استنشق؛ ولذلك قال الملتمس: ولو أن محموما بخيبر مدنفا تنشق رياها لأقلع
صالبه أي: وجد ريحها، وتقول للرجل: استنشق يا فلان هذه الريح، وهذه
ريح مكروهة النشق أي الرائحة ومنه فول رؤبة:
كأنها مستنشق من العزقِ … حرا من الخردل مكروه النشق
وفي الغريبين أي ببلغ الماء خياشيمه، وذكر ابن قتيبة أنّ الاستنشاق
والاستنثار سواء، مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف، ويشبه أن يكون وهم؛
لأنّ أهل اللغة فرّقوا بينهما، وفي نفس الحديث:"فليجعل في أنفه ثم لينثر"
فدلَّ على أنَّ النثر طرح الماء بريح الأنف متبددا وقد أنكر ذلك عليه غير واحد
من الأمة. قوله: إشفار عينيه يعني حروف أشفاره واحدها شفر بضم الشين من
لذا ذكره ثعلب، وذكر ابن قتيبة فتح الشين في أدب الكاتب، وفي الجامع مع
شفير كلّ شيء حدّه، وفي المحكم وشافره أيضا فحكى فيه الضم وأنكره
стр. 42
بعضهم قوله: خرت خطاياه، قال في الجمهرة: خر يخز خرَا إذا هوى من علو
إلى أسفل، وكل واقع من حائط وغيره فقد خرّ يخر خرّا، وكذلك الرجل إذا
سقط وهو قائم على وجهه، وقال الهروي: سقط مخرور خرورَا بضم الخاء،
وبنحوه قال الجوهري: قوله خرب البياض في الوجه: والغرَّة بياض في جبهة
الفرس تفوق الدرهم، يقال فرس أغر، والأغر الأبيض، وقوم غران قال امرؤ
القيس: ثياب بني عوف طهادي نقبه ووجوههم عند المشاهد غرّان، ورجل
أغر أي شريف وفلان غُرةُ قومه أي سيدهم وغُرَّةُ كل شيء أوّله/وأكرمه
ذكره صاحب الصحاح، وفي الجمهرة وكلِّ شيء بذاك من ضوءٍ أو صباح
فقد بدت لك غزَته، وقال القزاز: الأغر والغراء الأبيض والبيضاء ومنه قول
الأعشى:
غراء فرعاء مصقول عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل
وقيل: الغراء الواسعة الجبهة، وقمِل: هي البيضاء النقية العرض، وقالت
العرب: هي التي تتسع جبهتها وسلاح ما بين عينها وتباعد قضبتها من جبينها،
وقيل: هي البيضاء العينين، وهذا أمير أغز محجّل أي رامج، ولذلك قال
الشاعر:
ألا حبّبا ليلى وقولا لها هلا لقد ركبت أمرا أغر محجلا
وفي كتاب النبات لأبي حنيفة:"الغراء من نبات البدو لها زهرة بيضاء
شديدة البياض ناصعة، وقال أبو نصر: الغراء تمرة بيضاء يعنى بالتمرة الزهرة،
قال أبو حنيفة: ونباتها مثل نبات الجذر وحبّها كحبّه" (١) ، وهي طيبة الريح
أنشد أبو العباس للفلاح بقوله لإِبراهيم بن النعمان بن بشير لما زوج أخته من
يحصي بن أبي حفصة مولى عثمان:
لله درّ جياد أنت قائدها برد منها وبها التحجيل والغرار
وفي الكتابة وإذا كان بوجه الفرس بياض يسير بقدر الدرهم فما دون ذلك
فذلك الفرس أفرج، فإذا جاور ذلك فهو الغزة، فإن كانت قوائمه الأربع بيضَا
стр. 43
لا يبلغ البياض منها الركبتين فهو المحجل، فإن كان البياض بيديه دون رجليه
فهو أعظم، وذكر الأصمعي: أنه الذي يرتفع البياض إلى موضع القيد، قال:
ومنه الحجل، وفي الصحاح: التحجيل بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث بها
أو في رجليه، قلّ أو كثر بعد أن تجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين
والعرقوبين فإذا كان في قوائمه الأربع فهو محجل أربع، وإن كان قْي الرجلين
جميعا فهو محجل الرجلين، فإن كان بأحد رجليه وجاوز الأرساغ فهو محجّل
الرجل اليمنى أو اليسرى، فإن كان البياض في ثلاث قوائم دون رجل أو دون
يد فهو محجل ثلاث مطلق يد أو رجل، فلا يكون/التحجيل واقعا بيد أو
جدين ما لم يكن معها أو معهما رجل أو رجلان، فإن كان محجلا يد ورجل
من شق فهو ممسك الأيامن مطلق الأياسر، أو ممسك الأياسر مطلق الأيامن من
ولعا المقاعد فذكر القاضي، والمشارق أنَّها موضع عند باب المسجد، وقيل
مصاطب حوله، وقيل: هي دكاكين عند دار عثمان، وقال الداوودي: هي
الدرج، وفي سن الدارقطني، هي حيث مصلّى الجنائز عند المسجد.
стр. 44
٤- باب السواك
نا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبو معاوية وأبي عن الأعمش ح، ثنا
علي بن محمد، نا وكيع عن سفيان عن منصور بن حصن عن أبي وائل عن
حذيفة قال:"كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يتهجد يشوص فاه
بالسواك"أخرجاه في صحيحيهما (١) ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو
أسامة وعبد الله بن نمير عن عبد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقري
عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ :"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم
بالسواك عند كلّ صلاة"أخرجاه في الصحيح (٢) . حدثنا سفيان بن وكيع، نا
عثمان بن علي عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس:"كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ركعتين ركعتين ثم
ينصرف فيستاك"رواه النسائي (٣) في الصلاة عن قتيبة عن عثام، وبذلك صح
إسناده؛ لأن سفيان ضعيف، ومنهم من اتهمه بالكذب، وهو أبو زرعة الرازي،
وقال البخاري: يتكلمون فيه لأشياء لفتوه إيها، وقال النسائي ليس بشيء
وقال ابن حبان: قيل له في أشياء لفتها فلم يرجع عنها فاستحق الترك
لإِصراره، وقال ابن عدي: كان إذا لقن وبنحوه قال أبو حاتم الرازي وعثام
стр. 45
ممن احتج به في الصحيح، ووصف مع ذلك بالثقة والصدق، وزعم أبو
القاسم ابن عساكر- ﵀ في كتاب الأطراف أنّ ابن ماجة خرّج
هذا الحديث بهذا الإِسناد في كتاب السنة، وتبعه على ذلك الحافظ المزني، وما
قدّمناه يقضي على قولهما وقد استظهرت/بنسخ من السن فوجدته كذلك،
وقال الحاكم عندما أخرجه من حديث محمد بن حسان نا عثام هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وليس كما زعم لكونه على شرط
البخاري وحده لمفرّده بعثمان فيما ذكره ابن سرور وغيره عندما رواه عن
محمد بن عبد الله بن بزيع، نا عثام فذكره مختصرَا، وهذا الحديث لا نعلم
أحدَا رواه عن الأعمش إلَّا عثمان بن علي، وهو ثقة. حدّثنا هشام بن عمار، نا
محمد بن شعيب نا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن
أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال:"تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم،
مرضاة للربِّ، ما جاءني جبريل إّلا وصاني بالسّواك حتى خشيت أن يفرض
علي وعلى أمتي ولولا أن أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وأني لأستاك
حتى أني لقد خشيت أن أخفي مقادم فمي" (١) هذا حديث إسناده معلل
بأشياء منها: عثمان بن أبي العاتكة سليمان بن حفص الأزدي الدمشقي
القاضي قال فيه ابن معن ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو احمد
الحاكم، هو مع ضعفه نكتب حديثه مع أن دحيمَا كان يثني عليه وينسبه إلى
الصدق ولم ينكر حديثه عن غير علي بن يزيد إلا من قبل علي، وقال أبو
حاتم: لا بأس به، فكتبه من كثرة روايته عن علي، وأما ما روى عن عليّ
فمقارب" (٢) ، ومنها علي بن زيد أبو عبد الملك الألهاني الدمشقي قال فيه
البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حاتم الرازي: ضعيف الحديث، أحاديثه
стр. 46
منكرة، وقال النسائي والأزدي والدارقطني: متروك، وقال يعقوب بن شيبة:
واهي الحديث، وقال أحمد: هو ضعيف، ولما ذكره أبو مسهر قال: ما أعلم إلا
خيرا وذكر أبو عبد الله في مستدركه حديثا من رواية يحيى بن أيوب عن
عبيد الله بن خير عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا:"إن
أغبط الناس عندي المؤمن خفيف الحاد" (١) ثم قال إسناده للشامين صحيح
عندهم ولم يخرجاه- يعني الشيخين- وليس كما/ترجمه لما أسلفناه، ولما
قاله ابن حسان وغبره من أنّ هؤلاء إذا اجتمعوا في إسناد كان ذلك الحديث
من عمل أيديهم، وإنه اعتمد على قول أبي مسهر في علي والبخاري في ابن
زحر والله أعلم، ومنها القاسم بن عبد الرحمن مولى خالد بن يزيد بن
معاوية، وهو- وإن قال فيه الكوفي- شامي تابعي نكتب حديثه وليس
بالقويّ، وقال إبراهيم بن الحسين عن ابن معين: هو ثقة إذا روى عن الثقات،
وقال الحربي في كتاب العلل من ثقات المسلمين: توفى سنة ثنتي عشرة ومائة،
وقال الجوزجاني في تاريخه: كان خيارا فاضلا، وقال المزي: ثقة، وسئل عنه
أبو حاتم فقال: حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به، وإنما ينكر عليه من قبل
الضعفاء، فقد قال فيه الإِمام أحمد بن حنبل: منكر الحديث، حدث عنه
علي بن يزيد بأعاجيب وما أراها إلا من قبله، وقال أبو حاتم البستي: كان
يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ المعضلات، وفي سؤالات الآجري عن
стр. 47
أحمد بن صالح تضعيفه، وفي الأوسط للبخاري روى عنه المعلى وغيره
أحاديث متقاربة، وأما من يتكلم فيه مثل علي بن يزيد ونحوه؛ ففي حديثه
مناكير واضطراب، ومع ذلك ففي سننه أشياء لها أصول صحيحة وشواهد
حسنة: أما قوله:"السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" (١) فهو في حديث
عائشة عند ابن خزيمة والحاكم وابن حبان، وذكره البخاري تعليقا، وقال
البغوي في شرح السنة: هذا حديث حسن، وعند ابن حبان أيضا من حديث
أبي هريرة، قال ﷺ :"عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم، مرضاة للرث" (٢)
وعند القاضي أبي بكر أحمد بن علي المروزي في مسند أبي بكر الصديق من
حديثه عن أبي حنيفة، نا يونس بن عمر، نا حماد عن أبي عتيق عن أبيه عن
أبي بكر سمعت النبي لم ﷺ يقول:"السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" (٣)
وسنده صحيح، وحدثنا ابن عمر أن النبي ﷺ قال:"عليكم بالسواك فإنه
مطهرة للفم، مرضاة للرب" (٤) ، طبقات الموصلي من حديث ابن لهيعة عن
عبد الله بن أبي جعفر عن نافع عنه، وقوله:"ما جاءني جبريل- عليه
السلام- إلا أوصاني بالسواك، السواك واجب، السواك واجب " شاهده
عند ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن حنظلة:"كان ﵇ أمر
بالوضوء لكل صلاة طاهرَا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على النبي ﷺ
أمر بالسواك عند كل صلاة " (٦) وقوله:"ولقد خشيت أن يفرض علي " (٧)
стр. 48
شاهده ما رواه أحمد في مسنده من حديث ابن عباس، قال ﵇:
"ولقد أمرت بالسواك حتى ظننت أنه سينزل علي قرآن أو وحي" (١) وعنده
أيضا عن واثلة، قال ﵇:"أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب
علي"وذكر أبو نعيم من جهة محمد بن مسلمة أن عبد العزيز بن عبد
الرحمن بن صهيب قال: سمعت عبد الله بن عمر بن خلخلة، ورافع بن
خديج قالا: قال رسول الله ﷺ :"السواك واجب، السواك واجب" (٢)
وقوله:"لفرضته" شاهده حديث تمام بن عباس- رضى الله عنهما- قال عليه
السلام:"مالي أراكم تأتون قلحا استاكوا، لولا أن أشقَّ على أمتي لفرضت
عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء" (٣) . رواه أحمد. وعلّله ابن
القطان، وفيما أعلَّه به نظر، ولما رواه في الأفراد من حديث جعفر تمام بن
عباس عن أبيه عن العباس قال: هذا حديث غريب من حديث الثوري عن
منصور تفرد أبو خالد عبد العزيز بن أبان عنه، ولا نعلم حدّث به عنه غير
الحسن بن ملزم، وحديث أبي هريرة:"لولا أن أشق على أمتي لفرضت
عليهم السواك مع الوضوء" (٤) قال الحاكم: هذا حديث صحيح على
شرطهما، وفي الدلائل لابن عدي قال/﵇:"لولا أن أشق على
أمتي لجعلت السواك عليهم عزيمة"، وفي الصحيح:"لولا أن أشق على أمتي
لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"وقوله:"حتى لقد خشيت أن أخفي
مقاديم فمي"شاهده حديث عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس، قال ﵇:"لقد أمرت بالسواك حتى خفت على أسناني" (٥)
стр. 49
قال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن عطاء إلا الحسين بن واقد، وحديث
جرير تطهر مرفوعا:"لقد أمرت بالسواك، حتى لقد خشيت أن يدردنى" (١)
فقد طهر لك بمجموع ما ذكر صحة المتن، وعرفان مخرجه، وضعف الإِسناد،
وفي صحيح الإِسناد، وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان والمستدرك لأبي
عبد الله:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء عند كل
صلاة". حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شريك عن المقدام بن شريج بن
هانئ عن أليه عن عائشة قالت: قلت: أخبرني بأي شيء كان النبي ﷺ يبدأ
إذا دخل عليك؟ قالت:"كان إذا دخل يبدأ السواك"رواه مسلم (٢) في
صحيحه، وذكر ابن عبد الله بن منده الإِجماع على صحته، وفيما قاله نظر
لأمرين، الأول: إن أراد إجماع أهل العلم قاطبة فمتعدد، وإن أراد إجماع
الأئمة المتعاصرين أصحاب الليث- وهو الأشبه بمصطلحه؛ لا بين في غير
موضع أنه يريد ذلك- فغير صواب أيضا؛ لأنه لم يخرجه أحد منهم زيادة
على ما ذكرناه غير النسائي والسجستاني في رواية ابن داست فقط، فأي
إجماع مع مخالفة البخاري والترمذي!، وعند ابن خزيمة وأبي عوانة، وسيأتي
له تتمة عند أحمد- رحمه الله تعالى- إذا دخل بيته، حدثنا محمد بن عبد
العزيز، نا مسلم بن إبراهيم، نا بحر بن كثير عن عثمان بن ساج عن
سعيد بن جبير عن علي بن أبي طالب- رضى الله عنه- قال:"إن
أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك" (٣) هذا أبر إسناده ضعيف لضعف بحر
стр. 50
رواية مولى بأهله السقا، قال فيه يزيد بن زريع: لا شيء، وقال يحيى: ليس
بشيء، ولا كتب حديثه/كل الناس أحب إلي منه، وقال النسائي وابن الجنيد
والدارقطني: ليس ثقة، ولا نكتب حديثه، وقال الحربي في العلل: ضعيف،
وفي كتاب الآجري: سمل أبو داود عنه فقال: ضعيف، وسئل عنه مرة أخرى
وعن عمران فقال عمر: فوق مجر متروك، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال أبو
أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن سعد: مات سنة ستين ومائة،
وكان ضعيفا، وقال البخاري في التاريخ: ليس عندهم بالقوى، الثاني: الجهالة
بحال عثمان وإن كان ابن أبي حاتم قد وصفه بالرواية عن خصيف وبرواية
المعتمر بن سليمان، نا محمد بن يزيد بن سنان عنه وضعفه البخاري بأنه من
الجزيرة فلم أر أحدا تعرّض للمعرفة بحاله، وهو وبحر مما يستدرك ذكرهما علي
بن سرور، الثالث: وكذلك يستدرك الحديث وزعم بعض المتأخرين أنّ
عثمان بن ساج هذا هو عثمان بن عمرو بن ساج، نسب إلى جدّه أخذا من
طبقات الجزر لأبي عروبة، وبها علم أن أبا محمد بن أبي حاتم فرّق بينهما ولا
يعدل عن كلامه، إّلا بيان واضح.
الثالث: نا محمد بن عبد العزيز أيضا لا يدري من هو؛ لأنَّ ابن سرور
ذكر فيمن روي عنه ابن ماجة اثنين يقال لكل منهما محمد بن عبد العزيز:
الأول المعروف بابن أبي رزمة، والثاني لم يصفه، قال من رواية ابن ماجة عنه
فالله أعلم أيهما هذا أبي رزمة، وما أخاله فهو مشهور بالثقة، وإن كان الآخر
فهو مجهول وبنحو ما ذكرهما به ذكره الشيخ جمال الدين ولم يذكر أحدا
منهما برواية عن مسلم بن إبراهيم، وكذلك الخطيب في تاريخه على كثرة
تعدادهما للمشايخ، الرابع: انقطاع ما بن سعيد وعلي؛ فإن ابن أبي حاتم
ذكر في كتاب المراسيل: سئل أبو زرعة عن سعيد بن حر عن علي فقال:
مرسل، وفي التاريخ الأوسط عن أبي معشر عن سعيد بن جبير قال: رأيت
عقبة بن عمرو، نا أبو معمر، نا عبد الوارث نحوه، نا يحيى قال: مات
أبو مسعود أيام علي،/ولا أحسبه حفظ؛ لأن سعيد بن حر لم يدرك أيام
علي. انتهى. قول البخاري: ولا أحسبه حفظ؛ يعني وفاة ابن مسعود؛ لأنه
стр. 51
هو صرح في ذلك بسماع سعيد منه، ويكون مولد سعيد على ما ذكره هو
وغيره بعد موت علي- رضى الله عنه- سنة ستين؛ لأنه قيل سنة خمس
وتسعين وهو ابن تسع وأربعين والله أعلم، وقد وقع لنا هذا الحديث مرفوعا
من طريق سالمة من المذكورين نا بها المعتمر أبو التقي صالح بن مختار- رحمه
الله تعالى- قرأه عليه وأنا أسمع، نا المسند أبو العباس بن عبد الدايم بقراءة
والدي عليه، نا أبو الفرج يحيى بن محمود الثقفي قرأه عليه، نا أبو القاسم
الجوزي أبو الحسن، نا الربيع نا عمر بن نعيم وكل المتقى من أصل سماعه نا
حمدون بن الحرث بن ميمون المقري، نا العباس بن الوليد بن عبد الرحمن
الجارودي شعبة عن الحسن بن عبيد الله عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد
الرحمن السلمي عن علي، قال رسول الله ﷺ :"إن العبد إذا قام يصلي
وقد تسوك أتاه الملك فقام خلفه، ولا يخرج منه شيء إّلا دخل جوف الملك،
فطهروا أفواهكم بالسواك" (١) . أخبرنا المسند المعمر أبو زكريا يحيى المقدسي-
﵀ عن العلامة ابن بنت الحميري، نا بشهدة، نا أبو عبد الله
الحسين بن طلحة، نا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله، نا
القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل، نا عبيد الله بن سعد الزهري، نا
عمي، نا أبي عن ابن إسحاق عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن
سالم بن عبد الله عن أبي الجراح مولى أم حبيبة أنها حدثت أن رسول الله
ﷺ قال:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما
يتوضئون"وروى مجالد عن الشعبي عن عبد الله بن جعفر، قال عليه
السلام:"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليغسل يده من الغمر، ما قام عبد إلى
الصلاة قط إلا التقم ملك فاه فلا يخرج من بداية إلا في فم الملك " (٢) ذكره
البيهقي يحيى عن أبي الرضا في كتاب نمرة الصحاح من تأليفه/وفي مجموع
стр. 52
الزغايب لابن عساكر عن أبي هريرة:"كان أصحاب النبي ﷺ أسواكهم
خلف آذانهم يستنون لكل صلاة. السواك"والمسواك ما يدلك به الأسنان من
العيدان. قال القزاز: استعمل منه سكت الشيء أسوكه سوكَا إذا دلكته،
ومنه اشتقاق السواك يقول: ساك فمه يسوكه سوكَا إذا دلكه بالمسواك، فإذا
قلت استاك لم يذكر الفم، والمسواك يذكر ويؤنث، والتذكير أكثر وهو نفس
العود الذي استاك به، وأصله للشيء الضعيف، يقال: جاءت الغنم والإِبل
تستاك هنا لا أدري ما تحرك رؤوسها، وقد تساوكت الإبل وغيرها: أصابها
الهزال، قال عبيد الله بن الحر الجعفي.. إلى الله أشكوا مَا أرى بجياد تساوك
هذا لا مخمن قليل.. والسواك متن الجائع، وفي الصحاح ويجمع على سوك،
مثل كتاب وكتب قال الشاعر:
أغر الثنايا أحمر اللثات تمنحه سوك الأسجل
وشرع السواك لتعظيم شأن العبادة وشأن المناجي؛ ليكون على كمال من
الطهارة والنظافة؛ لأنه مزيل القلح، مضعف للأجر، مطيب للنكهة، مكره
للصداع، مذهب لوجع الأضراس، يزيد صاحبه فصاحة، مذهب البلغم، مجلي
للبصر. جاء ذلك في آثار مرسلة ذكرها أبو نعيم والطبراني، ومذهب الجمهور
عدم وجوبه للصلاة خلافَا لإسحاق بن راهويه وداود إذ أوجباه، وبالغ إسحاق
وأبطل الصلاة بتعمد تركَه، قال أبو عمر: فضل السواك مجمع عليه لا
اختلاف فيه، والصلاة عند الجميع بسواك أفضل منها بغير سواك، حتى قال
الأوزاعي: هو شطر الوضوء وقتادة عند إرادة طلبه الصلاة وعند الوضوء وقراءة
القرآن والاستيقاظ من النوم وعند تغيّر الفم، ويستحب بين كل ركعتين من
صلاة الليل، ويوم الجمعة، وقبل النوم، وبعد الوتر، وعند الأكل، وفي السحر،
والأولى الاستياك من شجر الزيتون في حديث معاذ مرفوعَا:"نعم السواك/
стр. 53
الزيتون، من شجرة مباركة، تطيب الفم، وتذهب الحفر، وهو سواكي وسواك
الأنبياء قبلي"ذكره الطبراني في الأوسط من حديث إبراهيم (١) بن أبي عبلة
عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الرحمن بن غنم عنه، وقال ابن برون عن
إيراهيم إلا إيراهيم بن محصن، ثم بكل ما يجلو الأسنان إذا لم يكن فيه صبغ
ولون خلا الريحان والقصب، واستضعف ابن العربي الأول، وقاسه على
الكحل، وحمل بعض الحنفية السواك للصلاة على صلاة المتيمم، أو من لم
يجد ماءَ ولا ترابَا حتى لا يخلو المصلي من سواك، إن لم يكن عند الوضوء
فعند الصلاة جمعَا بين الأحاديث، أو يحمل على ما في حديث يوسف
السمتي عن الأعمش عن أنس:"أن النبي ﷺ كان يستاك بفضل
وضوئه" (١) وحمل بعض العلماء:"يشوص على ذلك السن بالأصابع " وهو
في حديث ضعفه البيهقي عن أنس مرفوعَا:"يجزئ من السواك الأصابع" (٢)
وفي حديث لم ير عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدَّه، قال عليه
السلام:"الأصابع تجزئ مجزئ السواك إذا لم يكن سواك " (٣) قال ابن
القاسم في كتابه الأوسط: لم يروه عن أبي إلا أبو غزنة محمد بن موسى،
تفرد به هارون بن موسى القروي، وبعضهم يزعم أنّه الدلك عرضَا، وقال
بعضهم: هو الغسل وقيل: التقية. قاله أبو عبيد، وقيل: هو الحك. قاله ابن
عبد البر، ويستحب الاستياك طولا لحديث أبي موسى عند أحمد:"دخلت
على النبي- ﵇ وهو يستاك وهو رافع طرف السواك على لسانه
يستن إلى فوق" (٤) قال حماد ووضعه لنا غيلان كأنه يستن طولا، وحديث
стр. 54
بهز وربيعة بن الشمر وعطاء بن أبي رباح:"كان ﵇ يستاك
عرضا، (١) ضعَّفه البيهقي، وحديث عائشة مرفوعا:"كان يستاك عرضا ولا
يستاك طولا" (٢) ، ذكره وهو ضعيف، وزعم بعضهم أنه من حديث أبي
موسى ومن ذكرناه تعارض، فإن حديث أبي موسى يدل على أن تسوك
اللسان والحلق طولا، وحديث بهز يوضحه ومن تابعه يكون في الأسنان عرضا
وفي قوله ﵇/:"لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، يقتضي جواز
الاستياك للصائم أخذا بعموم اللفظ، يوضحه حديث عامر بن ربيعة:"رأيت
النبي ﷺ ما لا أحصى يتسوك وهو صائم" (٣) قال فيه الترمذي: حسن،
وحديث عائشة ترفعه:"من خير خصال الصائم السواك" (٤) وحديث أنس:
"لا بأس بالسواك للصائم" (٥) ، وحديث ابن عمر:"كان ﵇
يستاك آخر النهار وهو صائم" (٦) ذكره ابن طاهر في التذكرة، وضعفه على
معارضة غيرهم لهم في ذلك، وسيأتي في موضعه- إن شاء الله تعالى-،
стр. 55
وما قدمناه أحسن دلالة ممن قال ذلك يؤخذ من قول عائشة:"بأي شيء
كان ﵇ يبدأ إذا دخل عليك بيتك؟ فالت: بالسواك" (٥) لأن
الحديث إنما جاء في دخوله البيت ليلَا؛ فلا حجة فيه، بيانه رواية شريح قلت
لعائشة:"بأي شيء كان يبدأ ﵇ إذا دخل عليك بيتك؟ قالت:
يبدأ بالسواك، ونختم بركعتي الفجر"ذكره الإِمام أبو حاتم في صحيحه.
стр. 56
٥- باب الفطرة
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ :"الفطرة خمس- أو خمس من
الفطرة- الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، وقص
الشارب " (١) خرجاه في صحيحيهما وأما سعيد بن أبي سعيد، فرواه عنه
مالك في موطئه عن أبي هريرة موقوفا له، ورواه أكثر رواة الموطأ إلا بسر بن
عمر، فإنه رواه عنه موقِوفا وبلفظ ابن حبان قال:"من فطرة الإِسلام:
الغسل يوم الجمعة، والاستنان، وأخذ الشارب، وإعفاء اللحى فإن ألمجوس تحفي
شواربها وتحفي لحاها، فخالفوهم، خذوا شواربكم وأعفوا لحاكم" (٢) حدثنا أبو
بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، نا زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن
طلق بن صا عن ابن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :"عشر
من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص
الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإِبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء " يعني:
الاستنجاء. قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون
المضمضة، رواه مسلم (٣) في صحيحه لم والترمذي، وقال: حسن، وقد
стр. 57
اختلف في رفعه ووقفه؛ فرواه مرفوعا مصعب منفردا به عن طلق ورواه سلمان
التيمي بن جعفر بن إياس عن طلق قال: كان يقال عشر من الفطرة، كذا في
كتاب الفسوي، ورواية الرفع انفرد بها ابن زائدة عن مصعب، واختلف في
تصحيحه؛ فأباه الإِمام أحمد بن حنبل فقال: مصعب بن شيبة أحاديثه
مناكير، منها عشر من الفطرة، والنسائي وقال: حديث التميمي أشبه بالصواب
من حديث مصعب، ومصعب منكر الحديث، وفي موضع آخر: وحديث
التيمي، وأبي بشر، أولى حيث قال التيمي: وابن إياس أثبت منه وأصح حديثا
وأبو عبد الله بن منده الأصبهاني حيث قال: خرجه مسلم وتركه البخاري
وهو حديث معلوم، رواه التيمي عن طلق مرسلا، وقيل: الرفع صحيح اعتبارا
بتوثيق مصعب عن ابن معين والعجلي وأبن خزيمة لذكره، حديثه هذا في
صحيحه من حديث محمد بن بشر، نا زكريا، نا مصعب وحديث محمد بن
رافع، نا ابن نمير عن زكريا لم يذكر العاشرة، لا يتيقن ولا يشك، وفي
حديث عنده العاشرة لا أدري ما هي إلَّا أن تكون المضمضة، ومذهب
مسلم بن حجاج وغيرهما وسيأتي أحاديث متابعة عطاء، وشاهده: حدّثنا
سهل بن أبي سهل، ومحمد بن يحمى قالا: نا أبو الوليد، نا حماد عن علي بن
زيد عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر عن عمار بن ياسر أن رسول الله
ﷺ قال:"من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب،
وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، والاستحداد، وغسل البراجم، والانتضاح،
والاختتان" (١) هذا حديث معلول، ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة قال:
هذا حديث ضعيف، ولم يبيّن سبب ذلك، وهو ما ذكره أبو داود حين خرجه
عن موسى بن إسماعيل، وداود بن شيب قالا: نا حماد عَن علي بن زيد عن
سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر عن عمار بن ياسر أن رسول الله/ ﷺ
قال:"من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب،
وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، والاستحداد، وغسل البراجم، والانتضاح،
والاختتان"هذا حديث معلول، ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة قال: هذا
حديث ضعيف ولم يبين سبب ذلك وهو ما ذكره أبو داود حين خرجه عن
стр. 58
موسى بن إسماعيل، قال موسى: عن أبيه، وقال داود: عن عمار، فعلى قول
موسى يكون الحديث مرسلا (١) ؛ لأن أباه لم يذكر أحد أن له صحبة، وعلى
قول داود يكون منقطعا؛ لأن حديثه عن جدّه قال ابن معين: مرسل، وقال
البخاري: لا يعرف أنّه سمع منه، وقال عنه: لم يره ومع ذلك فحاله مجهولة
لا نعرف أحدا تعرض لذكرها، دان كان أبوه قد ذكره ابن حبان في كتاب
الثقات، وقد تابع داود حجاج بن منهال وابن عمر الضرير وهدية بن خالد
فيما ذكره الطبراني في المعجم الكبير، فهذا كما ترى متابع لحديث طلق،
ومنه ما ذكره أبو داود فيما رواه عنه ابن العَثد قال: روى نحوه عن ابن
عباس قال:"خمس كلها في الرأس، منها العزق". ولم يذكر إعفاء
اللحية، وعن إبراهيم النخعي نحوه ذكر إعفاء اللحية، والختان، ولفظ الطيالسي
عن حماد عن النبي ﷺ قال:"الفطرة … "فذكره وفي حديث يعلي بن
الأشدق عن عبد الله بن حراد- وهو مختلف في صحبته- قال ﵇:
"السواك من الفطرة" (٢) وفي حديث ابن عباس المذكور عن النبي ﷺ :
"أنّ جبريل أبطأ عنه، فذكر ذلك له فقال: كيف لا نبطئ عنكم وأنتم حولي
لا تستنون ولَا تقَلِّمون أظفاركم ولا تحفون من حواجبكم" (٣) حدثنا شمر بن
هلال الصواف، نا جعفر بن سلمان عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك
قال:"وقّت لنا في قصّ الشارب، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم
الأظافر، لا نترك أكثر من أربعن ليلة" (٤) . حدثنا/جعفر بن أحَمد بن عمر،
نا عفان بن مسلم، نا حماد بن سلمة عن علي بن زيد مثله، هذا حديث
صحيح رواه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة كلاهما عن جعفر به، قال ابن
منده عند تخريجه إياه من حديث جعفر: وهذا حديث صحيح أخرجه
مسلم (٥) ، وتركه البخاري من هذا الوجه، ورواه هشيم وغيره عن صدقة
стр. 59
الدقيقي عن أبي عمران عن أنس قال:"وقت لنا رسول الله ﷺ في قص
الشارب … "الحديث، وقال: هذا حديث صحيح على رسم البخاري.
انتهى. وفيِما قاله نظر، وذلك أن صدقة بن موسى أبو المغيرة، ويقال: أبو
محمد السلمي الدقيقي البصري ليس من شرط البخاري في شيء وأتى ذلك
مع قول ابن معين: ليس بشيء وفي موضع آخر: ضعيف، وبنحوه قاله
النسائي، وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مما يتابع عليه وبعضها مما لا يتابع
عليه وهو ضعيف، وقال ابن حبان: كان شيخا صالحَا إلَّا أنّ الحديث لم يكن
صناعته؛ فكان إذا روى قلب الأخبار فخرج عن حد الاحتجاج به، ولما خرّج
الترمذي حديثه هذا، خرج بعده حديث جعفر، وقال: هذا، أصح من الأول،
وهو في ذلك كما قيل حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا خراش، وبعض الشواهد
من بعض؛ لأن جعفر بن سلمان تكلّم فمِه غير واحد وإن كان مسلم قد خرج
حديثه منفردا به، منهم سليمان بن حرب وابن المديني وابن سعد وابن عدي
ويحيى بن سعيد وغيرهم، والله أعلم، ولما ذكره البزار من جهة جعفر قال:
لا نعلم أحدا مشهورا رواه عن أنس إلا الجوني، وصدقة ليس عندهم بالحافظ،
ولا نعلم رواه عن النبي- ﵇ إلَّا أنس بن مالك. الأصل في
الفطرة: الفطر، وهو المصدر مفتوح الفاء وهو الابتداء والاختراع، يقال: فطره
الله تعالى: أي ابدأه واخترعه، وكذلك افتطر فيما ذكره الزمخشري في
أساس البلاغة. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض،
حتى أتاني/إعرابيان مختصمان، فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها، وهي
لفظة يقال بالإِشراك على الفطرة والجبلة التي خلق الله تعالى الخلقَ عليها، وفي
الحديث:"كل مولود يولد على الفطرة" (١) قيل: على نوع من الجبلة
стр. 60
والطبع المنتهي لقبول الدين، فلو تُرك عليها لاستمر على لزومها وعلى معرفة
الله- تعالى- والإقرار به أي: يولد لما كان أقربه لما خرج من ظهر آدم.
حكى ذلك القزاز في تفسير غريب البخاري، وزعم أنّ الأول أولى
الوجوه فيها، وقال الخطابي: فسّره أكثر العلماء بالسنة، وقد جاء في صحيح
البخاري من حديث ابن عمر مرفوعا:"من السنة: قص الشارب، ونتف
الإِبط، وتقليم الأظفار " (١) وفي صحيح ابن حبان من حديث زيد بن أرقم
مرفوعا:"من السنة: قص الشارب؛ من لم يأخذ من شاربه فليس منا" (٢)
وفسرها آخرون بالدين، منهم الماوردي، ويدلّ عليه وروده صريحا في بعض
الروايات، وأما إعفاء اللحية فهو توفيرها، قال الجوهري: عفا الشعر وأنتف
وغيرهما أكثر زاد ابن سيّده في المحكم وطال قال الجوهري، ومنه قوله حتى
إذا عفوا أي كثر، وعفوته وعفيته: لغتان، والعافي: الطويل الشعر، وفي كتاب
الأضداد لابن السكيت: عفا الشعر إذا وفا، وعفا إذا درس، قال الهروي: ومنه
قوله ﵇:"فعلى الدنيا العفا" (٣) أي الدروس، كره لنا أن نعفها
كفعل بعض الأعاجم، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، وأما الأظفار،
فهو جمع ظفر مضموم الظاء والفاء، وبضم الظاء وإسكان الفاء وبكسر الظاء
وسكون الفاء وأظافير جمع أظفور لغة في الظفر، ورجل أظفر: طويل الأظفار
عريضها، وظفر الجديد الظفر. قاله في الأساس، والبراجم واحدها برجمة بضم
الباء وهي عقد الأصابع ومفاصِلها، وبه سميت البراجم من تميم وعبد
القيس،/وقال أبو عبيد: البراجم والرواجب جميعا: مفاصل الأصابع وألى ذلك
غيره؛ فقال: الرواجب هي ما بين العقد من داخل واحدها راجبة، والبراجم:
من ظهور الأصابع، والإِبط، باطن المنكب يذكر ويؤنث، والتذكير أعلا،
стр. 61
والجمع إباط، قال الجواليقي وبعض المتحذلقين يقوله بكسر الباء والصواب
سكونها. انتهى. يشهد لقائل ذلك فول الراجز مما أنشده الهذاز:
كان هوى في خوا إبطه ليس يمهل البروك فرشطه
وأما المبرد فزعم أن ذلك للاتباع كقول عبد مناف بن ربع الهذلي:
إذا تأوب نوح وأساء معه ضربا أليما بسبب بلعج الجلدا
والعانة: النابت من الشعر حول القبل، وقيل: نبت الشعر هناك، وتصغيرها
عوينة، وانتقاص الماء بقاف وصاد مهملة وفُسر بالاستنجاء ويؤيّده ورود ذلك
صريحا في الموقوف عن ابن عباس، والحديثان بيان واحد في تعداد خصال
الفطرة، والمعنى انقطاع البول بالماء عند الغسل. قاله أبو عبيد، وقيل: الماء
يذهب الماء وزعم ابن الأثير أنّ الصواب بفاءٍ وصاد مهملة، فالمراد نضحه
على الذكر من قولهم: ليصح الدّم الغليل نقصه وجمعها نقص والأول أعرف،
والختان: قال الأزهري: أصله انقطع ويطلق على قطع الغُلفَة من العتل تارة،
وعلى موضع القطع أخرى، والمراد: الأول، ويقال: فيه الختانة. قاله الجوهري
يقال: ختن " (١) الغلام والجارية يختنهما ويختنهما ختنا وختانا فيما قال أبو
زيد: وقال: الختن للرجال، والخفض للنساء، والختين المجنون والمجنونة، الذكر
والأنثى في ذلك سواء، وحكم ذلك يذكر في بابه إن شاء الله تعالى، وفي
قوله: إلا أن تكون المضمضة، قال عياض- ﵀ ولقبها اللسان، وهو
أولى لأنه في حديث أبي هريرة مذكور، واستضعف ذلك لوجهن، أحدهما:
أنّ خصال الفطرة لم ترد على جهة الحصر، ولهذا/أختلف تعدادها في
الأحاديث، وجاءت بصيغة التعديد بالنص على شيء منها في حديث الخمس
لا يدل على فرد معنى لسببه رواه من حديث العشر الثاني ما رجّح بعينه
بوروده في حديث أبي هريرة معارض بوروده في حديث أبيِ هريرة معارض
بورود ما تقدّم في حديث عمار وعبد الله بن عباس، ويرجّح ذلك لأمرين:
أحدهما: في حديث عمار وابن عباس مع حديث عائشة كالمتن الواحد من
جهة تعداد العشر، فما قصد في ضبطه بعض رواته بقرب إتمامه من ضبط
стр. 62
الأخر؛ ولهذا أوردهما ابن ماجة في باب واحد، وكذلك غيره، الثاني:
المضمضة والاستنشاق قريبان؛ فورود المضمضة يقرب ورود الآخر، واختلف في
الناس لذلك؛ فعند وكيع عن زكريا أنه مصعب، كما في الكتاب، وقال
يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن أبيه أنه هو، وروى ذلك مسلم في
صحيحه، وقيل غير ذلك كما أسلفناه من صحيح ابن خزيمة.
стр. 63
٦- باب ما يقول إذا دخل الخلاء
حدثنا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي، قالا:
حدثنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم، قال رسول الله
ﷺ :"إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم فليقل اللهم إني أعوذ
بك من الخبث والخبائث" (١) حدثنا جميل بن الحسن العتكي، نا عبد
الأعلى بن عبد الأعلى، نا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ح، ونا هارون بن
إسحاق عبده عن سعيد عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن
أرقم أن رسول الله ﷺ قال … فذكر الحديث، هذا حديث أخرجه ابن
خزيمة في صحيحه (٢) عن محمد بن بشار بن محمد بن عبد الأعلى، نا خالد
يعني ابن الحرث، نا شعبة، ونا يحمى بن حكيم، نا ابن أبي عون، نا شعبة، ونا
يحيى بن حكيم، نا أبو داود، نا شعبة، فذكره، وقال: هذا حديث بندار غير
أنّه/قال عن النّضر بن أنس وكذا قال يحيى بن حكيم في حديث ابن أبي
عدي عن النضر بن أنس، قال أبو عيسى في كتاب الجامع: في إسناده
اضطراب (٣) فذكر ما تقدّم وزاد، وقال معمر عن النضر بن أنس عن أبيه، زاد
стр. 64
البزار: وقال بسام بن مصل عن قتادة عن القاسم بن ربيعة بن زيد، قال:
وهذا الحديث قد اختلفوا في إسناده عن قتادة، وفي كتاب العلل للترمذي،
وسألت محمدَا عنه وقلت له: أي الروايات عندك أصح؟ فقال: لعلّ محمد
اتبع منها جميعَا عن زيد، ولم يقض في هذا الشيء، وفي قوله عن زيد إشارة
إلى عدم صحة حديث النضر عن أبيه، وقدّمنا ذلك مصرحَا به من كلام
الإِمام أحمد فيما ذكره البيهقي، وإنّ تعليل الحديث بالاضطراب على قتادة
ليس فيه، لاحتمال سماعه منهما كما قال البخاري، وهما تقيان فسواء كان
عنهما أو عن أحدهما، وإلى كونه صحيحَا عنهما قال أبو حاتم البستي: فرواه
في صحيحه من جهة عيسى بن يونس عن شعبة عن قتادة عن القاسم، وقال:
هذا الحديث مشهور عن شعبة وسعيد جميعَا مما تفرد به قتادة، نا عمر بن
محمد بن عبد الأعلى، نا خالد بن الحرث عن شعبة عن قتادة، سمعت
النضر بن أنس يحدث عن زيد … فذكره، ورواه الحاكم (١) من جهة عمر بن
روق، نا شعبة عن قتادة عن النضَّر عن زيد بلفظ:"فإذا دخل أحدكم
الغائط فليقل أعوذ بالله من الرجس النجس الشيطان الرجيم" (٢) ثم قال: قد
احتج مسلم بحديث لقتادة عن النضر عن زيد، واحتج البخاري بعمرو بن
مرزوق، وهذا الحديث مختلف فيه عن قتادة، ورواه شعبة عنه عن القاسم عن
زيد وكلا الإسنادين من شرط الصحيح ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وزعم
الأشبل أنه اخَتلف في إسناده، قال: والذي أسنده ثقة؛ وفيما قاله نظر؛ لأن
стр. 65
الحديث لم يرم بالإِرسال حتى يكون الحكم للثقة المسند، إنما رمي ما ذكرناه
آنفا والله أعلم. حدثنا محمد بن حميد، نا الحكم بن بشر بن سليمان خالد
الصَّفَّار عن الحكم البصري/عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة عن النبي ﷺ :
"ستر ما بين الجن وعورات بني آدم: إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم
الله" (١) هذا حديث قال فيه أبو علي الطوسي: غريب ولا نعرفه إلَّا من هذا
الوجه، وقد روى في هذا الباب يعني التسمية عند دخول الخلاء حديث،
وليس إسناده بذاك وقال الترمذي: عندما خرج عن محمد بن (٢) حميد غريب
لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بالقوي، ولا أدري ما الموجب
لذلك؛ لأن جميع من في إسناده غير مطعون عليه بوجه من الوجوه فيما
رأيت، بل لو قال فيه قائل إنّ إسناده صحيح لكان مصيبا، وبيان ذلك أنَّ
محمد بن حميد قال فيه يحيى: ليس به بأس كيس، وقال جعفر بن أبي
عثمان الطيالسي: ثقة، وسئل عنه الذهلي؟ فقال: ألا ترى أني هو ذا أحدث
عنه، وفيل الصنعاني. يحدّث عن ابن حميد فقال: وما لي لا أحدّث عنه،
وفد حدّث عنه الإمام أحمد وابن معين، وأما الحكم فروى عنه إبراهيم بن
موسى، وزرع ومحمد بن بهران الجمال، ويحيى بن أبي المغيرة، وعمرو بن
رافع، وأبنه عبد الرحمن بن الحكم، وقال أبو حاتم الرازي: هو صدوق، وأما
خالد الصَّفّار أبو مسلم الكوفي فروى عنه عمرو بن محمد وحسين الجعفي،
وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، والحكم بن عبد الله البصري حديثه في
صحيح مسلم، ووصف مع ذلك بالثقة. حدثنا عمرو بن نافع، نا إسماعيل بن
علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال:"كان رسول الله
стр. 66
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث "أخرجه
الجماعة (١) في كتبهم، وذكره البزار في مسنده من حديث إسماعيل (٢) ، بن
مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس أن النبي- ﵇ قال:"إذا دخل
أحدكم الخلاء فليفل"الحديث. وإسماعيل ضعيف، وفي كتاب أبي داود
من طريق ابن العبد: أنه حدّث عبد العزيز وقال وهب فيتعوذ بالله تعالى، وقال
فيه الترمذي: هو أصح شيء في هذا الباب/وأحسن، وفي كتاب الذخيرة
لابن طاهر بزيادة عن أنس:"كان ﵇ إذا دخل الكنيف قال بسم
الله، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك"فال: رواه أبو معشر نجيح، وهو ضعيف
عن أبي طلحة عنه، وفيهَ ردّ لما ذكره الإِمام أحمد بن حنبل ما سأله ههنا عن
هذا الحديث تعرفه عن أحد من غير وجه عبد العزيز؟ قال: لا، ويقال بعبد
العزيز بن صهيب فإنه ثقة ثبت بصري قال: نعم هو في كتاب الإِفراد لأبي
الحسن، رواه عدي بن أبي عمارة عن قتادة عن أنس، وهو غريب من حديث
قتادة تفرد به عدي عنه ورواه الطبراني في الأوسط من حديث صالح بن أبي
الأخضر عن الزهري عنه، وقال: لم يروه عن الزهري إلا صالح، تفرد به
إبراهيم بن حميد الطويل، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي مريم، نا يحيى بن
أيوب عن عبيد الله بن زجر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة أن
رسول الله ﷺ قال: " لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللَّهم إني
أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث الشيطان الرجيم " (٣) قال أبو الحسن
стр. 67
القطان: نا أبو حاتم، نا ابن أبي مريم، فذكره ولم يقل في حديثه:"الرجس
النجس"وإنّما قال:"من الخبيث المخنث الشيطان الرجيم"هذا الحديث إسناده
ضعيف لضعف روايته، وقد تقدم ذكره قريبا، وفي الباب حديث رواه أبو
عبد الرحمن عبد الله بن مسعود، نا به المسند شرف الدين المصري، نا الإِمام
بهاء الدين إجازة، الأمر به قراءة عليه، نا ابن خزيمة، نا النبهاني، نا إسماعيل
ابن نصر بن عبد الله بن محمد، وكان صاحب حديث، نا إسماعيل بن عبد
الجبار السكوني، نا أبو يوسف القاضي عن أبي إسحاق الشيباني عن أبي
الأحوص عن عبد الله أن النبي ﷺ كان إذا دخل الغائط قال: " أعوذ بالله
من الخبث والخبائث " (١) وأشار اليزيدي إلى حديث جابر، واعتل حديث أبي
أمامة هذا وحديث اليزيدي من عند ابن عدي في كامله، وضعفه بحسن بن
عمر، قال ابن سليمان الخطابي: الخبث بضم الباء: جماعة الخبث، والخبائث:
جمع الخبيثة يزيد ذكر أن الشياطين وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون:/
الخبث مسكنة والصواب مضمومة الباء، وفيما قاله نظر؛ لأنّ الذي أنكره هو
الذي حكاه أبو عبيد بن سلام والداراني في كتاب ديوان الأدب، فلا إنكار
على المحدثين إذا والله أعلم، وأيضا ففعل- بضم الفاء والعين- تسكن عينه
قياسا، فلعل من سكنها سلك ذلك المسلك، وأمّا معناه فذكر ابن الأعرابي أنَّ
أصله في كلام العرب: المكروه، فإن كان من الكلام فهو ألستم، وإن كان من
الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو
الضار، قال ابن الأنباري: الخبث الكفر، والخبائث الشياطين، وقال غيره:
الخبث الشيطان، والخبائث المعاصي، وزاد بعض المتأخرين على ابن الأعرابي،
وقيل: الخبائث الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة، وليس ذلك بزيادة لدخوله
في معنى كلامه، وقوله إذا دخل الخلاء، يريد به إذا أراد دخول الخلاء، كما
في صحيح البخاري وكقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ ويحتمل أن
стр. 68
يراد به ابتداء الدخول، وينبني عليه من دخل ونسى التعوذ هل يتعوذ أم لا؟
كرهه ابن عباس وغيره، وأجازه جماعة منهم ابن عمر، أخذا بقول عائشة
رضى الله عنها- فالت: كان رسول الله ﷺ : يذكر الله على كل إجابة،
وقد نقل القولان عن مالك. هذا كله في الكنف المتخذة في البيوت لا في
الصحراء، وهو ظاهر في لفظة دخل والحش، والحش البستان والجمع حشان
نصف ونصفان، والحَشِّ والحُشِّ المخرج أيضا؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم
في البساتين، والجمع حشوش، والمحشة- بالفتح- الدبر، ونهى عن إتيان
النساء في محاشهن، وربما جاء بالسين من الصحاح وفي الجمهرة، ويسمى
أيضا الحاتش، قال الشاعر:
ثعلب أتل زل عن جلاجل أو مثمر من حاتش حلاحل
وفي المغيث: واحد الحشوش حش، ويجمع على حشان، كبطن وبطان،
فإذا استعمل في الكنيف فبالفتح لا غير، سمى للجمع فيه، وكل شيء جمعته
فقد حششته، وزعم الخطابي أنه يفتح ويضم كما تقدم من كلام الجوهري،
وكلامه على أبي موسى- والله أعلم- وهو صريح في الردة.
стр. 69
٧- باب ما يقول إذا خرج من المخرج
/حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا يحيى بن أبي بكر، نا إسرائيل، نا يوسف
ابن أبي بردة، سمعت أبي يقول: دخلت على عائشة فسمعتها تقول:"كان
رسول الله ﷺ يقول إذا خرج من الغائط: غفرانك" (١) ، قال أبو الحسن بن
سلمة: نا أبو حاتم، نا أبو غسان النهدي، نا إسرائيل نحوه، أخرجه
الترمذي (٢) وقال: هذا حديث غريب حسن لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل
عن يوسف، ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة عن النبي ﷺ ،
وفيما قاله نظر من وجوه، الأول: قوله: لا يعرف في هذا الباب إلا حديث
عائشة، إن أراد مطلق القول عند الخروج ففي الباب أحاديث عدّة؛ منها
حديث أنس الآتي في هذا الباب عند ابن ماجة، وحديث أبي ذر:"كان
﵇ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب علي الأذى
وعافاني" (٣) من عند النسائي، وذكر فيه خلاه وذكره أبو حاتم في كتاب
العلل وضعفه، وحديث ابن عمر يرفعه:"الحمد لله الذي أذاقني لذّته، وأبقى
فيّ قوته، وأذهب عني أذاه" (٤)
وحديث طاوس من سنن الدارقطني (٥) عن ابن عباس مرفوعا بلفظ:
стр. 70
"فليقل الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني، وأمسك علي ما ينفعني"،
وحديث سهل بن أبي خيثمة بنحوه ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية، وإن
أراد قول غير فيتجه له قوله، الثاني: استقراء به إيَّاه من غير تصحيح، وإن
كانت الغرابة لا تنافي الصحة، ولذلك لم يلتفت ابن خزيمة إلى ذلك، بل
ذكره في صحيحه، وكذلك ابن حبان والحاكم، وخرجه ابن الجارود في
المنتقى، وقال أبو حاتم الرازي: هو أصح شيء في هذا الباب، وإن كانت هذه
اللفظة لا تعطي تصحيحا مطلقا، وتشعر بأن في الباب غيره، بخلاف ما قاله
الترمذي، الثالث: الجمعِ بين قوله: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث
إسرائيل، وبين قوله: لا يعرف في هذا الباب إلَّا حديث عائشة، فإنه أثبت له
غرابة السند بتفرد إسرائيل بمن قرنه وغرابة المتن بكونه لا يعرف غيره، ثم
وصفه بعد ذلك بالحسن/ولو لم تكن إلا الغرابة الراجعة إلى الإسناد لما
عارضت في ذلك، وأما أن لا يعرف في الباب إلَّا هو مع قوله في الَحسن أنه
يروي مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر؛ فهذا الحديث قد يوهم منا
فالأحسن الذي وصفه به على شرطه، فيحتاج الجواب على ذلك فنقول: لا
يشترط في كل حسن أن يكون كذلك، بل الذي نحتاج فيه إلى أن نروي
نحوه من وجه أخر هو من كان راويه في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته
ولا ارتقى إلى أن يدخل في الصحيح مع متابعة روايته، فهناك يحتاج إلى
تقويته بالمتابعات والشواهد ليصل لمجموع ذلك إلى الدرجة، وأما هذا فقد كان
من شأنه أن يكون من الصحيح فإن إسرائيل المنفرد به متفق على إخراج حديثه
عند الشيخين، والثقة إذا انفرد بحديث ولم يتابع عليه الأثر ارتقى إلى درجة
الصحيح، حتى يكون مع الثقة في المرتبة العليا من الحفظ والإتقان، وإن لم
يتجاوز الثقة فحديثه هناك حسن، كما أن المستور مع التفرد لا يرتقي إلى
درجة الحسن؛ بل تفرده مردود، فكذلك هذا الحديث، لو وجد شاهد كما
وصف عند مرتبة الحسن وربما لم يقف عندها لما بينا من تصحيح من
صححه، أو يكون الترمذي لما شرط الحسن وتقويته بالمتابعات عرف بنوع منه
وهو أكثر وقوعا عنده لا بكل أنواعه، وهذا نوع آخر منه مستفاد من كلامه
وكلام الخليل والحاكم وغيرهم من الحفاظ؛ فعلى هذين القولين تسنى كلام
стр. 71
الترمذي أو تكون الغرابة بالنسبة إلى الراوي لا إلى الحديث؛ إذ الغرابة والحسن
في المتن لا يجتمعان، وذكر بعض الحفاظ أن جمهور الروايات على لفظ
الخلاء بدلا من الغائط ولفظ الغائط تفرد بها هاشم بن القاسم عن إسرائيل،
وحديث ابن ماجة المذكور يقضي على قوله؛ لأن يحيى قال ذلك عنه بما
ينفي التفرد، والله أعلم. حدثنا هارون بن إسحاق، نا عبد الرحمن المجاري عن
إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس بن مالك:/"كان النبي ﷺ
إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" (١) هذا
حديث ضعيف؛ لضعف رواية إسماعيل بن مسلم المخزومي المكي أبي ربيعة،
قال فيه سفيان: كان يخطئ في الحديث، وضعفه ابن المبارك، وقال فيه أحمد:
منكر الحديث، وقال يحيى بن سعيد القطان: لم يزل مختلطا، وليس بشيء،
كان يحدّث بالحديث على ثلاثة ضروب، وقال ابن المديني: ضعيف لا نكتب
حديثه، أجمع أصحابنا على ترك حديثه، وقال النسائي وابن الجنيد: متروك
الحديث، وقال الحربي: في حديثه شيء، وقال السعدي: واهي الحديث جدا،
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث مختلط، وقال أبو زرعة: ضعيف، وقال
البخاري: تركه ابن المبارك، وربما روى عنه، وتركه يحيى وابن المهدي، وقال
الفلاس: كان يري القدر وهو ضعيف يحدث عن الحسن وقتادة بأحاديث
بواطيل، وهو متروك الحديث، وقد اجتمع أهل العلم على ترك حديثه، وإنّما
يحدّث عنه من لا يبصر الرجال، وقال يعقوب وابن معين: لا شيء، وقال ابن
عدي: أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز والكوفة والبصرة إلَّا أنه ممن
نكتب حديثه، وقال أبو الفرج ابن الجوزي: وحمله من يحيى في الحديث
إسماعيل بن مسلم خمسة، هذا أحدهم، والثاني أبو محمد العبدي سمع أبا
المتوكل والحسن، والثالث: مولى بنى مخزوم يروى عن ابن جبير، والرابع ابن
أبي الفداك دينار مولى بني الدبل، والخامس: مولى رفاعة الزرقي يروي عن
стр. 72
محمد بن كعب، لم نعلم في أحد منهم طعنا إلَّا في الأول. انتهى كلامه،
وقد اغفل إسماعيل بن مسلم السكوني شامي، قال فيه الدارقطني يضع
الحديث، وإسماعيل بن مسلم اليشكري حدّث عن ابن عوف حديثا منكرا
ذكره العقيلي، وإنما ذكرت ذلك انتصارا لابن عدي؛ لأنه ذكر في كامله أنهم
ثلاثة، فزاد أبو الفرج اثنين، ولو تتبعنا ذلك حق التتبع لألفينا أكثر من ذلك
ولله الحمد، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من إسماعيل هذا،
ذكرها الحاكم في تاريخ بلده فقال: نا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعد أبو
بكر محمد بن ياسين: نا أبي: نا عبد السلام بن نهيك عن أبيه عن قرّة عن
الحسن عن أنس قال:"كان/النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: بسم الله
اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبث الشيطان الرجيم، وإذا خرج
قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني (١) وأما الغفران، فمصدر
كالمغفرة قال الخطابي: نصبه بإضمار الطلب، وقيل في تأويل قوله ذلك
قولان:
الأول: أنه استغفر من تركه ذكر الله تعالى مدّة لبثه في الخلاء.
الثاني: قيل معناه التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم الله بها عليه فأطعمه ثمٍ
هضمه، ويحتمل أن يكون فعله ﵇ ذلك للتشريع والتعليم فحق من خرج سالما
معاذا مما استعاذ من الخبث والخبائث أن يؤدي شكر نعمة الله عليه في إعادته وإجابة
سؤاله، وأن يستغفر الله خوفا أن لا يؤدي شكر تلك النعمة، وهو قريب من حمد
العاطس على سلامته، ويحتمل أن يكون حاله التخلي لما كان محظورا فيها الذكر
والتوجه إلى الله- تعالى- حسن أن يكون الذكر والاستغفار أوّل ما يصدر منه عند
الخروج، كما كان أخر ما ختم به عند الدخول، كقول الشاعر:
وآخر شيء أنت أول هجعة وأول شيء أنت عند هبوبي
ونص جماعة من الفقهاء منهم أحمد على أنه ليس قول ذلك إذا خرج
المتخلي، وعند غيرهم من الآداب، والله- تعالى- أعلم.
стр. 73
٨- باب ذكر الله على الخلاء
والخاتم في الخلاء
حدثنا سويد بن سعيد، نا يحيى بن زكريا عن أبي زائدة عن أبيه عن
خالد بن سلمة عن عبد الله البهي عن عروة عن عائشة:"أن رسول الله
ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه" (١) رواه الترمذي عن أبي كريب
ومحمد بن عبيد، نا يحيى عن أبيه، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من
حديث زائدة، وزعم بعض المتأخرين من العلماء أن في كلام الترمذي ما
يقتضي أن يحيى بن زكريا تفرد به عن أبيه، وليس كذلك؛ لأن إسحاق بن
يوسف الأزرق رواه عن زكريا أيضا، قال: ولكنه يتخلى شهر. انتهى كلامه،
وفيه نظر من حيث أن الترمذي لم يتبيّن أي بني زائدة تفرّد به./
ويحيى وأبوه يصدق على كل منهما ابن أبي زائدة؛ فيحتمل أن يكون
المعنى به عنده بالتفرد زكريا لا ابنه، ويحتمل الآخر، وإذا كان كذلك فليس
لنا أن نقول: أراد وأحلّ العينة إذ لم يبيّن هو نفسه ذلك، وإذا تطرق الاحتمال
سقط الاستدلال، وفي قول الترمذي حسن غريب، يريد بذلك تفرد به ابن
أبي زائدة، وكان ينبغي أن يكون على رأيه صحيحا لا حسنا؛ لأن تفرد أبي
زائدة لا نحطه عن درجة الصحيح؛ ولذلك لم يعتمده مسلم؛ بل خرجه في
صحيحه، وأيضا فرجاله عند الترمذي ممن يصح أحاديثهم دائما. حدثنا نصر بن
علي الجهضمي، نا أبو بكر الحنفي، نا همام بن يحيى عن ابن جريج عن
الزهري عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ :"كان إذا دخل الخلاء وضع
стр. 74
خاتمه" (١) هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه، صححه أبو حاتم
البستي في صحيحه، والترمذي وقال: حسن صحيح غريب، والحاكم وقال:
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إنما أخرجا حديث نقش الخاتم فقط،
وزعم أبو عبد الرحمن النسائي أنه غير محفوظ، وقال أبو داود: هذا حديث
منكر وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن
النبي ﷺ : " اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه" (٢) والوهم فيه من همام، ولم
يرق إلا همتكم زاد في التفرد، يخاف أن يكون هذا الحديث ليس بمحفوظ،
وفيه نظر من وجوه:
الأول: قوله هذا حديث منكر، وهو مردود بما أسلفناه.
الثاني: قوله لم يروه إلا همام مردود برواته يحيى بن المتوكل. ذكره
الحاكم عن علي بن حماد (٣) ثنا عبيد بن عبد الواحد، ثنا يعقوب بن كعب
الأنطاكي، ثنا يحمى بن المتوكل البصري عن ابن جريج عن الزهري به، ورواه
أبو نعيم في تاريخ بلده من حديث عثمان بن أبي شيبة عن يحيى به، وقال
الحاكم، صحيح الإسناد وفيما قاله نظر، وذلك أن يحيى قال فيه:/أحمد
واهي الحديث، وقالَ يحيى: ليس بشيء، وقال مرة: ضعيف، وكذلك قال ابن
المديني وعمرو بن علي والرازي والنسائي، وقال ابن حبان: ينفرد بأشياء ليس
لها أصول من حديث رسول الله ﷺ ، لا يرتاب المنمعر في الصناعة أنها
معمولة، وأطن- والله أعلم- أن تضعيف يحيى هو الذي ألجأ البغوي إلى أن
قال فيه حين رواه في شرحه من جهة إسحاق بن الخليل عنه، هذا حديث
غريب، والبيهقي في فوله: هذا شاهد ضعيف.
стр. 75
الثالث: على صحة ما يقوله من تفرد بهمام يوهم ضعفا فيه، وليس
كذلك؛ لاحتجاج الشيخين به في صحيحيهما، ولقول يزيد بن هارون: كان
همام قويا في الحديث، وقول أحمد: همام ثبت في كلّ المشايخ، وقول ابن
معين وأبي حاتم وأبي سعد فيه: ثقة؛ فظهر مجموع ما تقدّم ترجيح قول من
صحّحه على من ضعفه وأن ضعفه، يشبه أنَّ يكون ذلك عنده لتفرّد همام،
وقد بينا ذلك في قول الترمذي: حسن يوضح كذا لا تفرد والله أعلم، أو
يكون ظنا منهما أن الحديثين اللذين أشار إليهما أبو داود أساسهما على همام،
وليس بثقة؛ لأن ذلك إنما يتأتى من سوء الحفظ وليس همام، كذلك لما بين
الحديثين من التباين، وفي مسند أنس بن مالك لأبي علي إسماعيل بن قراط
العذري: قالوا لابن جريج فقال: قال طارئ: إنما لبسَه يوما واحدا، والخاتم
فيه لغات: فتح التاء، وكسرها بالألف بعدها، ومن آخر الحروف قبلها عوضَا
عن الألف مع فتح الخاء، وختام وختم، وعلى هذا قول الأعشى وصهباء طاف
يهوديها وأبرزها وعليها ختم، قال الليلي: فأمّا الذي يختم به فبالكسر لا غير،
وجمعه خياتيم على إبدال الياء من الواو، والحديث أصل في استحباب رفع
ما فيه اسم الله تعالى عند الخلاء؛ لأن:"خاتمه ﵇ كان نقشه؛
محمد رسول اللَّه " (١) وعلى ذلك ففيها الإِمصار، واختلفوا في الاستصحاب؛
فأباحه مالك وأحمد بشرط الستر إن كان خاتما فبإدارته قصد إلى الكف، وإن
كان درهما فبصيرة هذا الحديث/العذري هو نافع عن ابن عمر:"كان عليه
السلام يتختم في خنصره الأيمن فإذا دخل الخلاء جعل الكتاب مما يلي كفه،
وإن كان في اليسرى جعله في اليمنى" (٢) وفد جاء ذلك مصرحا أيضا في