الخامسة والثلاثون: جحود١ القدر, والاحتجاج به على الله تعالى ومعارضة شرع الله بقدر الله.
وهذه المسألة من غوامض مسائل الدين, والوقوف على سرها عسر إلا على من وفقه الله تعالى.
ولابن القيم كتاب جليل في هذا الباب سمّاه "شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل".
وقد أبطل الله سبحانه هذه العقيدة الجاهلية بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ٢ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣.
تفسير هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ : حكاية لفن آخر من أباطيلهم.
стр. 107
﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ : لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح, إذ لم اعتقدوا قبح أفعالهم, بل هم –كما نطقت به الآيات- يحسبون أنهم يحسنون صنعا, ,أنهم إنما يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى, وأن التحريم إنما كان من الله , فما مرادهم بذلك إلا الاحتجاج على أن ما ارتكبوه حق مشروع ومرضي عند الله تعالى على أن المشيئة والإرادة تساوي الأمر, وتستلزم الرضى١, كما زعمت المعتزلة٢, فيكون حاصل كلامهم: أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله سبحانه وإرادته, فهو مشروع مرضي عند الله تعالى.
وبعد أن حكى الله ذلك عنهم, رد عليهم بقوله عز من قائل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ , وهم أسلافهم المشركون.
وحاصله أن كلامهم يتضمن تكذيب الرسل ﵈.
وقد دلت المعجزة على صدقهم.
стр. 108
أو نقول: حاصله: أن ما شاء الله يجب, وما لم يشأ يمتنع, وكل ما هذا شأنه فلا تكليف به, لكونه مشروطا بالاستطاعة, فينتج: أن ما ارتكبه من الشرك وغيره, لم يكلف بتركه, ولم يبعث له نبي, فرد الله تعالى عليهم بأن هذه كلمة صدق أريد به باطل, لأنهم أرادوا بها أن الرسل ﵈, في دعواهم البعثة والتكليف كاذبون, وقد ثبت صدقهم بالدلائل القطعية, ولكون١ ذلك صدقا أريد به باطل, ذمهم الله تعالى بالتكذيب.
ووجوب وقوع متعلق المشيئة لا ينافي صدق دعوى البعثة والتكليف, لأنهما لإظهار المحجة وإبلاغ الحجة.
﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ , أي: نالوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم, وفيه إيماء على أن لهم عذابا مدخرا عند الله تعالى, لأن الذوق أول إدراك الشيء.
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ , أي: هل لكم من علم بأن٢, الإشراك وسائر ما أنتم عليه مرضي لله- فتظهروه لنا بالبرهان؟.
وهذا دليل على أن المشركين أمم استوجبوا التوبيخ على قولهم ذلك, لأنهم كانوا يهزؤون بالدين, ويبغون رد دعوة الأنبياء ﵈, حيث قرع مسامعهم من شرائع الرسل ﵈ تفويض الأمور إليه , فحين طالبوهم بالإسلام, والتزام الأحكام, احتجوا عليهم بما أخذوه من كلامهم مستهزئين بهم-عليهم الصلاة والسلام-, ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم, كيف لا والإيمان بصفات
стр. 109
الله تعالى فرع الإيمان به وهو عنهم مناط العيُّوق١.
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ﴾ , أي: تكذبون على الله تعالى.
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ , أي: البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة والإثبات, والمراد بها في المشهور: الكتاب والرسول والبيان.
﴿فَلَوْ٢ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ : بالتوفيق إليها, والحمل عليها, ولكن شاء هداية البعض الصارفين اختيارهم إلى سلوك طريق الحق, وضلال آخرين صرفوه إلى خلاف ذلك.
ومن الناس من ذكر وجها آخر في توجيه ما في الآية, وهو أن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم أنهم مسلمون اختيارهم وقدرتهم, وأن إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار, وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله تعالى قولهم في دعواهم عدم الاختيار لأنفسهم, وشبههم بمن اغتر قلبه بهذا الخيال, فكذب الرسل, وأشرك بالله , واعتمد علة أنه إنما ذلك بمشيئة الله تعالى ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة.
ثم بين سبحانه أنهم لا حجة لهم في ذلك, وأن الحجة البالغة له تعالى لا لهم, ثم أوضح سبحانه أن كل واقع واقع بمشيئته, وأنه
стр. 110
لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم, وأنه تعالى لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمهون.١
والمقصود أن يتمحض وجه الرد عليهم, وتتلخص عقيدة نفوذ المشيئة٢ وعموم تعلقها٣ بكل كائن عن الرد, وينصرف الرد إلى دعواهم سلب الاختيار لأنفسهم, وأن إقامتهم الحجة بذلك خاصة.
وإذا تدبرت الآية وجدت صدرها دافعا لصدور الجبرية, وعجزها معجزا للمعتزلة, إذ الأول مثبت أن للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان, والثاني مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد, وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية, وبذلك تقوم الحجة البالغة٤ لأهل السنة على المعتزلة, والحمد لله رب العالمين.
ومنهم من وجه الآية بأن مرادهم رد دعوة الأنبياء ﵈ على معنى أن الله تعالى شاء شركنا, وأراده منا؟ , وأنتم تخالفون إرادته, حيث تدعونا إلى الإيمان, فوبخهم سبحانه بوجوه عدة٥:
منها: قوله سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ , فإنه بتقدير الشرط, أي: إذا كان الأمر كما زعمتم ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَة﴾
стр. 111
وقوله سبحانه ﴿فَلَوْ١ شَاءَ﴾ بدل٢ منه على سبيل البيان, أي: لو شاء لدلّ كلا منكم ومن مخالفيكم على دينه, لو كان الأمر كما تزعمون, لكان الإسلام أيضا بالمشيئة, فيجب أن لا تمنعوا٣ المسلمين من الإسلام, كما وجب بزعمكم ألا يمنعكم الأنبياء عن الشرك, فيلزمكم أن لا يكون بينكم وبين المسلمين مخالفة ومعاداة, بل موافقة وموالاة.
وحاصله: أن ما خالف مذهبكم من النحل يجب أن يكون عندكم حقا, لأنه مشيئة الله تعالى , فيلزم تصحيح الأديان المتناقضة.
وفي سورة النحل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٤.
الكلام على هذه الآية كالكلام على الآية السابقة, ولا تراهم يتشبتون بالمشيئة إلا عند انخزال الحجة, ألا ترى كيف ختم بنحو آخر مجادلاتهم في سورة الأنعام في الآية السابقة, وكذلك في سورة الزخرف, وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ. وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ. أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ. بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ ٥.
стр. 112
ويكفي في الانقلاب ما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ , والمراد بما حرموه: السوائب والبحائر وغيرها.
وفي تخصيص الاشتراك والتحريم بالنفي, لأنهما أعظم وأشهر ما هم عليه, وغرضهم من ذلك تكذيب الرسول ﵊, والطعن في الرسالة أصلا, فإن حاصله: أي ما شاء الله يجب, وما لم يشأ يمتنع, فلو أنه شاء أن نوحده ولانشرك به شيئا ونحلل ما أحله ولا نحرم شيئا مما حرمنا كما تقول الرسل وينقلونه من جهته تعالى, لكان الأمر كما شاء من التوحيد ونفي الإشراك, وتحليل ما أحله, وعدم تحريم شيء من ذلك, وحيث لم يكن كذلك, ثبت أنه لم يشأ شيئا من ذلك, بل شاء ما نحن عليه, وتحقق أن ما يقوله الرسل ﵈ من تلقاء أنفسهم.
فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم, أي: أشركوا بالله تعالى, وحرموا من دونه ما حرموا, وجادلوا رسلهم بالباطل ليدحضوا به الحق.
﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ , أي: ليست وظيفتهم إلا البلاغ للرسالة, الموضح طريق الحق, والمظهر أحكام الوحي التي منها تحتم تعلق مشيئته تعالى باهتداء من صرف قدرته واختياره إلى تحصيل الحق, لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ١.
وأما إلجاؤهم إلى ذلك, وتنفيذ قولهم عليه شاؤوا أو أبوا كما هو مقتضى استدلالهم, فليس ذلك من وظيفتهم, ولا من الحكمة التي يتوقف
стр. 113
عليها التكليف, حتى يستدل بعدم ظهور آثاره على عدم حقية الرسل ﵈ أو على عدم تعليق مشيئته تعالى
بذلك, فإن ما يترتب عليه الثواب والعقاب من الأفعال لا بد في تعلق مشيته تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختيارية, وصرف اختيارهم الجزئي إلى تحصيله, إلا لكان الثواب والعقاب اضطراريين.
والكلام على هذه الآية ونحوها مستوفى في تفسير " روح المعاني" وغيره.
فجحود القدر, والاحتجاج به على الله, ومعارضة شرع الله بقدره, كل ذلك من ضلالات الجاهلية.
والمقصود أنه لا جبر ولا تفويض, ولكن أنر بين أمرين, فمن زلت قدمه عن هذه الجادة كان على ما كان عليه أهل الجاهلية, وهي الطريقة التي رد عليها الله سبحانه ورسوله ﷺ .
стр. 114
السادسة والثلاثون: مسبة الدهر, كقولهم في سورة الجاثية١: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ٢.
وذلك أن الله تعالى أراد بيان أحكام ضلالهم, والختم على سمعهم وقلوبهم, وجعل غشاوة على أبصارهم, فحكى عنهم ما صدر عنهم بقوله :
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ التي نحن فيها.
﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ , أي: تموت طائفة, وتحيا طائفة, ولا حشر أصلا.
ومنهم من قال: إن كثيرا من عباد الأصنام كان يقول بالتناسخ٣, وعليه, فالمراد بالحياة: إعادة الروح لبدن آخر.
﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ , أي: طول الزمان.
وإسنادهم الإهلاك إلى الدهر إنكار منهم لملك الموت وقبضه الأرواح
стр. 115
بأمر الله تعالى, وكانوا يسندون الحوادث مطلقا إليه, لجهلهم أنها مقدّرة من عند الله تعالى وأشعارهم لذلك مملؤة من شكوى الدهر, مثل قولهم:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغاداة ومر العشي١
ومثل قول الآخر:
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي٢
وقول الآخر:
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبالي
وكنت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال٣
والشعر في ذلك قديما وحديثا كثير.
وهؤلاء معترفون بوجود الله تعالى, فهم غير الدهرية, فإنهم- مع إسنادهم الحوادث إلى الدهر- لا يقولون بوجوده –سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.
والكل يقول باستقلال الدهر بالتأثير.
стр. 116
وقد جاء النهي عن سب الدهر.
أخرج مسلم١: " لا يسب أحدكم الدهر, فإن الله هو الدهر".
وفي رواية لأبي داود٢ والحاكم٣: "قال الله : "يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر, فلا يقل أحدكم يا خيبة الدهر, فإني أنا الدهر, أقلب ليلة ونهاره".
وروى الحاكم٤ -أيضا-: " يقول : استقرضت عبدي فلم يقرضني, وشتمني عبدي وهو لا يدري, يقول: وادهراه! وأنا الدهر".
وروى البيهقي ٥: " لا تسبوا الدهر, قال الله عزو جل: أنا الأيام والليالي, أجددها وأبليها, وآتي بملوك بعد ملوك".
ومعنى ذلك أن الله تعالى هو الآتي بالحوادث, فإذا سببتم الدهر على أنه فاعل, وقع السب على الله
стр. 117
﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ , أي: ليس لهم بما ذكر من قصر الحياة على ما في الدنيا ونسبة الهلاك إلى الدهر علم مستند من عقل أو نقل.
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ , أي: ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد من غير أن يكون لهم ما يصح أن يتمسك به في الجنلة.
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما يتعلق بالدهرين.
والمقصود أن كمن يقول بإسناد الحوادث إلى غير الله تعالى كالدهر, فليس له مستند عقلي ولا نقلي, بل هو محض الجهل, وقائله جاهل في أي عصر كان.
ولأهل زماننا حظ وافر من هذا الاعتقاد الباطل, والله المستعان.
стр. 118
السابعة والثلاثون: إضافة نعم الله إلى غيره.
قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ .١
وقد عدّد الله تعالى نعمه على عباده في هذه السورة, إلى أن قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ. يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢.
فقوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ... ﴾ إلخ, استئناف لبيان أن تولي المشركين وإعراضهم عن الإسلام, ليس لعدم معرفتهم نعمة الله –أصلا, فإنهم يعرفون أنها من الله تعالى, ثم ينكرونها بأفعالهم, حيث لم يفردوا منعمها بالعبادة, فكأنهم لم يعبدوه- أصلا, وذلك كفران منزل منزلة الإنكار.
стр. 119
وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: "إنكارهم إياها قولهم: ورثناها من آبائنا"١.
وأخرج هو وغيره أيضا عن عون بن عيد الله أنه قال: "إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلا أصابني كذا وكذا, ولولا فلان لم أصب كذا وكذا"٢.
وفي لفظ " إنكارهم: إضافتها إلى الأسباب".
وبعضهم يقول: إنكارهم: قولهم: هي بشفاعة آلهتهم عند الله تعالى٣.
ومنهم من قال: النعمة هنا محمد صلى الله عليه وسلم٤, أي: يعرفون أنه ﵊ نبي بالمعجزات, ثم ينكرون ذلك, ويجحدونه عنادا.
﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ , أي: منكرون بقلوبهم, غير المعترفين بما ذكر, والتعبير بالأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق, لنقصان عقله, وعدم اهتدائه إليه, أو لعدم نظره في الأدلة نظرا يؤدي إلى
стр. 120
المطلوب, أو لأنه لم تقم عليه الحجة, لكونه لم يصل إلى حد المكلفين, لصغر أو نحوه, وإما لأنه يقام مقام الكل, فإسناد المعرفة والإنكار المتفرع عليها إلى ضمير المشركين على الإطلاق من باب إسناد حال البعض إلى الكل.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ , أي: تقولون مطرنا بنء كذا وكذا.
روى مسلم وغيره عن ابن عباس, قال: "مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ , فقال ﵊: أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر, قالوا هذه رحمة وضعها الله, وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا, فنزلت هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ....﴾ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ".
إلى غير ذلك من الآثار.
وقد ذكرنا مذهب العرب في الأنواء في غير هذا الموضع , وفصلناه تفصيلا, وذكنا شعرهم الدال على مذهبهم هذا, والله الموفق
стр. 121
الثامنة والثلاثون: الكفر بآيات الله.
والنصوص الدالة على ذلك في القرآن كثيرة.
منها قوله تعالى في الكهف: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً. ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ ١, بعد قوله سبحانه: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ٢ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أُولَئِكَ﴾ ٣ إلخ.
فقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ كلام مستأنف منه مسوق لتكميل تعريف الأخسرين, وتبيين خسرانهم وضلال سعيهم وتعيينهم, بحيث ينطبق التعريف على المخاطبين, أي: أولئك المنعوتون٤ بما ذكر من ضلال السعي والحسبان المذكور.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ : بدلائله سبحانه الداعية إلى التوحيد, الشاملة للسمعية والعقلية.
стр. 122
﴿وَلِقَائِهِ﴾ : هو كناية عن البعث والحشر وما يتبع ذلك من أمور الآخرة, أي: لم يؤمنوا بذلك على ما هو عليه.
﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ , أي: فنزدري بهم, ونحتقرهم.
ومن النصوص ما يدل على أن منهم من كان ينكر بعض الآيات, ومنهم من كان معرضا عنها وهاجرا لها.
ولا يخفاك أن من الناس اليوم من هو أدهى وأمر مما كان عليه أهل الجاهلية في هذا الباب.
حظوظ أنفسهم, أي: باعوها أو شروها في زعمهم ذلك الشراء.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ﴾ , أي: بالرسول, أو بما أنل إليه من الآيات, أو بالتوراة.
﴿واتَّقَوْا﴾ , أي: المعاصي التي حكيت عنهم.
﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ , أي: أن ثواب الله تعالى خير لهم.
وبمعنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ. فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ .
وهذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين خافوا أن تذهب رئاستهم بإبقاء صفة النبي ﷺ على حالها, فغيروها.
стр. 125
الأربعون: القدح في حكمته تعالى.
أقول: من خصال أهل الجاهلية: القدح في حكته تعالى, وأنه ليس بحكيم في خلقه, بمعنى أنه سبحانه يخلق ما لا حكمة له فيه, ويأمر وينهى بما لا حكمة فيه.
وقد حكى الله ذلك بقوله في سورة ص: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ١.
وقال سبحانه في سورة المؤمنين: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ ٢.
وفي سورة الدخان: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وفي سورة الأنبياء: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٤
стр. 126
وفي سورة الحجر: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ ١.
إلى غير ذلك من الآيات الناصة على أن الله تعالى لم يخلق شيئا من غير حكمة ولا علة, على خلاف ما يعتقده أهل الباطل من الجاهليين, ومن نحى نحوهم من هذه الأمة ممن نفى الحكمة عن أفعاله .
وهذه المسألة طويلة الذيل, قد كثر فيها الخصام بين فرق المسلمين, والحق ما كان عليه السلف من إثبات الحكمة والتعليل.
وقد أطنب الكلام عليها الحافظ ابن القيم في كتابه " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل", وعقد بابا مفصلا في طرق إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره, وإثبات الغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي فعل وأمر لأجلها.
ومن جملة ما قال في هذا الباب: " إنه أنكر٢ على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا بحكمة, كقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ , وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ , وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ , والحق: هو الحكم والغايات المحمودة, التي لأجلها خلق ذلك كله, وهو أنواع كثيرة:
منها: أن يعرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وآياته.
ومنها: أن يحب ويعبد ويشكر ويذكر ويطاع
стр. 127
ومنها أن يأمر وينهى ويشرع الشرائع.
ومنها أن يدبر الأمر, ويبرم القضاء ويتصرف في المملكة بأنواع التصرفات.
ومنها أن يثيب ويعاقب ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته, فيكون١ أثر عدله وفضله موجودا مشاهدا, فيحمد على ذلك ويشكر.
ومنها أن يعلم خلقه أنه لا غله غيره ولا رب سواه.
ومنها أن يصدق الصادق فيكرمه, ويكذب الكاذب فيهينه.
ومنها ظهور آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها في الوجود الذهني والخارجي, فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما يف الواقع.
ومنها شهادة مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ومالكها, وأنه وحده إلهها ومعبودها٠
ومنها ظهور آثار كماله المقدس, فإن الخلق والصنع لازم كماله, فإنه حي قدير, ومن كان كذلك لم يكن إلا فاعلا مختارا.
ومنها أن يظهر أثر حكمته في المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي يليق به, ومجيئه على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بحسنه. فتشهد حكمته الباهرة.
ومنها أنه سبحانه يحب أن يجود وينعم ويعفو ويغفر ويسامح, ولا بد من لوازم ذلك خلقا وشرعا.
ومنها أنه يحب أن يثنى عليه ويمدح ويمجد ويسبح ويعظم.
стр. 128
تعديل
стр. 129
بما لا مصلحة للمكلف فيه البتة وينهى عما في مصلحة, والجميع بالنسبة إليه سواء.
ويجوز عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه, وينهى عن جميع ما أمر به, ولا فرق بين هذه وهذا إلا مجرد الأمر والنهي.
ويجوز عندهم أن يعذب من لم يعصه طرفة عين, [بل أفنى عمره في طاعته وشكره] , ويثيب من عصاه , بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور, فلا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول, وإلا فهو جائز عليه.
وهذا من أقبح الظن وأسوئه بالرب سبحانه, وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور, بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله عنه.
والعجب العجاب أن كثيرا من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال, ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه, ولا ينزهزنه عن هذا الظلم والجور ويزعمون أنه عدل وحق, وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا به, كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه, وعلوه فوق سماواته, وتكلمه وتكليمه, وصفات كماله فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات, والله ولي التوفيق".
انتهى المقصود من نقله, وتمام الكلام في هذا الباب في ذلك الكتاب, وإليه سبحانه المآب.
فقد تبين من هذه الآيات أن بعض الكتابيين كانوا يكفرون بالملائكة والرسل، ويفرقون بينهم، أي: يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وهم طائفة من جاهلية اليهود، ولهذا أمرنا الله تعالى بالإيمان بهم وعدم التفرقه بينهم، فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ .
стр. 132
الثانية والأربعون: الغلو في الأنبياء والرسل ﵈.
قال تعالى في سورة "النساء ": ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ .
والغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة الأصنام والصالحين، كما كان في قوم نوح من عبادة نسر وسواع ويغوث ونحوهم، وكما كان من عبادة النصارى للمسيح ﵇.
ومثل ذلك: القول على الله بغير الحق.
стр. 133
الثالثة والأربعون: الجدال بغير العلم، كما ترى كثيرا من أهل الجهل يجادلون أهل العلم عند نهيهم عما ألفوه من البدع والضلالات، وهي صفة جاهلية، نهانا الله تعالى عن التخلق بها.
قال تعالى في سورة "آل عمران ": ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله فيهم هذه الآية" المنادية على جهلهم وعنادهم، كما لا يخفى على من راجع التفسير.
стр. 134
الرابعة والأربعون: قال الشيخ: الرابعة والأربعون: الكلام في الدين بلا علم.
أقول: أجمل الشيخ رحمه الله تعالى الكلام في هذه المسألة كل الإجمال, كما فعل مثل ذلك في كثير من مسائل, وما أحقها بالتفصيل.
وذلك أن هل الجاهلية من العرب وغيرهم من الكتابيين شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله:
أما العرب فقد كان الكثير منهم على دين إبراهيم وإسماعيل ﵉ إلى أن ظهر فيهم الخزاعي١ -وهو عمرو بن لحي وكان الحجازيون يتخذونه ربا في امتثال أمره وطاعته, والانتهاء عما نهى-, فغيّر وبدل, وابتدع بدعا كثيرة, وأغرى العرب على عبادة الأصنام, وبحر البحيرة, وحمى الحام, واستقسم بالأزلام, إلى غير ذلك مما فصلناه في غير هذا الموضع.
وإن شئت أن تعرف جهل العرب وما ابتدعوه فاقرأ سورة الأنعام, فإن فيها كثيرا من ضلالاتهم ومبتدعاتهم٢.
стр. 135
وأما الجاهليون من اليهود والنصارى, فقد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم, وذلك أن أحبارهم ورهبانهم ابتدعوا لهم في الدين بدعا, وحللوا وحرموا ما اشتهته أنفسهم, فقبلوا ذلك منهم وأطاعوهم عليه, مع أن الدين إنما يكون بتشريع الله ووحيه إلى أنبيائه ورسله, ولا يكون بآراء الرجال وبحسب أهوائهم, فكل ما لا دليل عليه من كتاب ولا سنة مردود على صاحبه.
وقد ذم الله تعالى اليهود على مثل ذلك, فقال عز اسمه- في سورة آل عمران: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
فمن أول نصوص الكتاب والسنة على حسب شهواته وبمقتضى هواه فهو أيضا من قبيل الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب.
وأنت تعلم ما اشتملت عليه اليوم كثير من كتب الشريعة من الآراء التي ليس لها مستند من دلائل الشريعة, فإلى الله المشتكى من صولة الباطل وخمول الحق.
стр. 136
الخامسة والأربعون: الكفر باليوم الآخر والتكذيب بلقاء الله وبعث الروح وببعض ما ذكرته الرسل من صفات الجنة والنار.
قال تعالى في سورة الكهف: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ الآية, وقد مر الكلام عليها قريبا.
وقال تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾
إلى غير ذلك من النصوص الواردة في ذلك كله.
ولقوم عصرنا من هذا الاعتقاد الجاهلي حظ وافر ونصيب كامل, ومن يضلل الله فما له من هاد, ويذرهم في طغيانهم يعمهون, نسأله تعالى التوفيق للهداية.
стр. 137
السادسة والأربعون: التكذيب بقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ , وهو اليوم الذي يدين الله تعالى العباد فيه أعمالهم, فيثيبهم على الخيرات, ويعاقبهم على المعاصي والسيئات.
والتكذيب بهذا اليوم متفرع على إنكار البعث والحساب والجنة والنار.
стр. 138
السابعة والأربعون: التكذيب بقوله تعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ من قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
والخلة: المودة والصداقة.
ومعنى: ﴿وَلا شَفَاعَةٌ﴾ , أي: لا أحد يشفع لأحد إلا من بعد أن يأذن الرحمن لمن يشاء ويرضى.
وأراد بذلك يوم القيامة.
والمراد من وصفه بما ذكر: الإشارة إلى أنه لا قدرة لأحد فيه على تحصيل ما ينتفع به بوجه من الوجوه, لأن من فيه ذمته مثلا إما أن يأخذ بالبيع ما يؤديه به, وإما أن يعينه أصدقاؤه, وإما أن يلتجيء إلى من يشفع له في حظه, والكل منتف ولا مستعان إلا بالله عزوجل.
стр. 139
الثامنة والأربعون: التكذيب بقوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
قوله: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ , أي: ولا يملك آلهتهم الذين يعونهم من دونه الشفاعة, كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله عزو جل.
﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ الذي هو التوحيد.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ , أي: يعلمونه, والمراد بهم: الملائكة وعيسى وعزير وأضرابهم.
وأنت ترى الناس اليوم عاكفين على أصنام لهم يعونهم من دون الله, وعذرهم عند توبيخهم: أن هؤلاء شفعاؤهم تعالى الله عما يشركون.
стр. 140
التاسعة والأربعون: قتل أولياء الله وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس.
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ١ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ٢.
وقال في سورة آل عمران: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣.
إلى آيات أخرى في هذا المعنى صرحت بما لاقاه الأنبياء والرسل ﵈ وأتباعهم المخلصون ودعاة الحق٤, وبما كابدوه من أعداء الله والجهلة الطغاة, مما تنهد له الصياصي وتبيض منه النواصي.
هؤلاء أكابر الأمة المحمدية وعلماؤها الأعلام, قد صادفوا عند
стр. 141
دعوتهم إلى الحق والمحافظة عليه ما يسود منه وجه القرطاس, وتشيب منه لمم المداد.
والأنبياء١ ﵈ وأتباعهم المؤمنون وإن كانوا يبتلون في الأول, فالعاقبة لهم:
كما قال تعالى لما قص قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
وفي الحديث المتفق على صحته لما أرسل النبي ﷺ رسولا إلى ملك الروم, فطلب من يخبره بسيرته- وكان المشركون حينئذ أعداءه, لم يكونوا آمنوا به- فقال: "كيف الحرب بينكم وبينه؟ قالوا: الحرب بيننا وبينه سجال, يدال علينا مرة وندال عليه أخرى, فقال: كذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة"٣.
فإنه كان يوم بدر نصر الله المؤمنين ويوم أحد ابتلي المؤمنون, ثم لم ينصر الكفار بعدها, حتى أظهر الله تعالى الإسلام.
فإن قيل: ففي الأنبياء من قد قتل, كما أخبر الله تعالى في الآيات السابقة أن بني إسرائيل يقتلون بغير الحق, وفي أهل الفجور من يؤتيه ملكا وسلطانا يسلطه على المتدينين كما سلط بخت نصر على بني إسرائيل, وكما سلط كفار المشركين وأهل الكتاب أحيانا على المسلمين؟.
стр. 142
قيل: أما من قتل من الأنبياء فهم كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد شهيدا.
قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَآتَاهُمُ١ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.
ومعلوم أن من قتل من المؤمنين شهيدا٣ في القتال, كان حاله أكمل من حال من يموت حتف أنفه.
قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٤.
ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ ٥ , أي: إما النصر والظفر, وإما الشهادة والجنة.
ثم إن الدين الذي قاتل عليه الشهداء ينتصر ويظهر, فيكون لطائفته السعادة في الدنيا والآخرة: من قتل منهم كان شهيدا, ومن عاش منهم كان منصورا سعيدا, وهذا غاية ما يكون من النصر, إذ كان الموت لا بد منه, فالموت على الوجه الذي تحصل به سعادة الدنيا والآخرة أكمل, بخلاف من يهلك هو وطائفته, فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة.
стр. 143
والشهداء من المؤمنين قاتلوا باختيارهم, وفعلوا الأسباب التي بها قتلوا, كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فهم احتاروا هذا الموت, إما أنهم قصدوا الشهادة, وإما أنهم قصدوا ما به يصيرون شهداء عالمين بأن لهم السعادة فب الآخرة, وفي الدنيا بانتصار طائفتهم وببقاء لسان الصدق لهم ثناء ودعاء, بخلاف من هلك من الكفار, فإنهم هلكوا بغير اختيارهم هلاكا لا يرجون معه سعادة الآخرة, ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا, بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين, وقيل فيهم: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ. فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ ١.
وقد أخبر سبحانه أن كثيرا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير, أي: ألوف كثيرة, وأنهم ما ضعفوا ولا استكانوا لذلك, بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت سبب ظهور العدو, وأن الله تعالى آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
فإذا كان هذا قتل المؤمنين, فما الظن بقتل الأنبياء؟ ففيه لهم ولأتباعهم من سعادة الدنيا والآخرة ما هو من أعظم الفلاح.
وظهور الكفار على المؤمنين أحيانا هو بسبب ذنوب المسلمين, كيوم أحد, فإن تابوا انتصروا على الكفار, وكانت العاقبة لهم, كما قد جرى مثل هذا للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار.
وهذا من آيات النبوة وأعلامها ودلائلها, فإن النبي ﷺ إذا قاموا بعهوده ووصاياه, ونصرهم الله, وأظهرهم على
стр. 144
المخالفين له, فإذا ضيعوا عهوده ظهر أولئك عليهم.
فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي ﷺ وجودا وعدما من غير سبب يزاحم ذلك, ودوران الحم مع الوصف وجودا وعدما من غير مزاحمة وصف آخر يوجب العلم بأن مدار علة للدائر, وقولنا: "من غير وصف آخر": يزيل النقوض الواردة.
فهذا الاستقراء والتتبع يبين أن نصر الله وإظهاره هو بسبب أتباع النبي, وأنه سبحانه يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه على من خالفه, وأن يجعل لهم السعادة ولمن خالفهم الشقاء, وهذا يوجب العلم بنبوته, وأن من اتبعه كان سعيدا, ومن خالفه كان شقيا.
ومن هذا: ظهور بخت نصر على بني إسرائيل, فإنه من دلائل نبوة موسى, إذ كان ظهور بخت نصر إنما كان لما غيروا عهود موسى, وتركوا اتباعه, فعوقبوا بذلك, وكانوا- إذ كانوا متبعين لعهود موسى- منصورين مؤيدين, كما كانوا في زمن داود وسليمان وغيرهما.
قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً. فَإِذَا١ جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ٢ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً٣. إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ
стр. 145
الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً. عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ ١.
فكان ظهور بني إسرائيل على عدوهم تارة, وظهور عدوهم عليهم تارة من دلائل نبوة موسى ﷺ على عدوهم تارة, وظهور عدوهم تارة٢, هو من دلائل رسالة محمد ﷺ وأعلام نبوته.
وكان نصر الله لموسى وقومه على عدوهم في حياته وبعد موته, كما جرى لهم من يوشع وغيره من دلائل نبوة موسى, وكذلك انتصار المؤمنين مع محمد ﷺ في حياته وبعد مماته مع خلفائه من أعلام نبوته ودلائلها.
وهذا بخلاف الكفار الذين ينتصرون على أهل الكتاب أحيانا, فإن أولئك لا يكون مطاعم إلى نبي, ولا يقاتلون أتباع الأنبياء على دين, ولا يطلبون من أولئك أن يتبعوهم على دينهم, بل قد يصرحون بأنا إنما نصرنا عليكم بذنوبكم, وأن لو اتبعتم دينكم لم ننصر عليكم.
وأيضا فلا عاقبة لهم, بل الله يهلك الظالم بالظالم, ثم يهلك الظالمين جميعا, ولا قتيلهم يطلب بقتله سعادة بعد الموت, ولا يختارون القتل ليسعدوا بعد الموت.
فهذا وأمثاله مما يظهر الفرق بين انتصار الأنبياء وأتباعهم, وبين ظهور