دعوتهم إلى الحق والمحافظة عليه ما يسود منه وجه القرطاس, وتشيب منه لمم المداد.
والأنبياء١ ﵈ وأتباعهم المؤمنون وإن كانوا يبتلون في الأول, فالعاقبة لهم:
كما قال تعالى لما قص قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
وفي الحديث المتفق على صحته لما أرسل النبي ﷺ رسولا إلى ملك الروم, فطلب من يخبره بسيرته- وكان المشركون حينئذ أعداءه, لم يكونوا آمنوا به- فقال: "كيف الحرب بينكم وبينه؟ قالوا: الحرب بيننا وبينه سجال, يدال علينا مرة وندال عليه أخرى, فقال: كذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة"٣.
فإنه كان يوم بدر نصر الله المؤمنين ويوم أحد ابتلي المؤمنون, ثم لم ينصر الكفار بعدها, حتى أظهر الله تعالى الإسلام.
فإن قيل: ففي الأنبياء من قد قتل, كما أخبر الله تعالى في الآيات السابقة أن بني إسرائيل يقتلون بغير الحق, وفي أهل الفجور من يؤتيه ملكا وسلطانا يسلطه على المتدينين كما سلط بخت نصر على بني إسرائيل, وكما سلط كفار المشركين وأهل الكتاب أحيانا على المسلمين؟.
стр. 142
قيل: أما من قتل من الأنبياء فهم كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد شهيدا.
قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَآتَاهُمُ١ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.
ومعلوم أن من قتل من المؤمنين شهيدا٣ في القتال, كان حاله أكمل من حال من يموت حتف أنفه.
قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٤.
ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ ٥ , أي: إما النصر والظفر, وإما الشهادة والجنة.
ثم إن الدين الذي قاتل عليه الشهداء ينتصر ويظهر, فيكون لطائفته السعادة في الدنيا والآخرة: من قتل منهم كان شهيدا, ومن عاش منهم كان منصورا سعيدا, وهذا غاية ما يكون من النصر, إذ كان الموت لا بد منه, فالموت على الوجه الذي تحصل به سعادة الدنيا والآخرة أكمل, بخلاف من يهلك هو وطائفته, فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة.
стр. 143
والشهداء من المؤمنين قاتلوا باختيارهم, وفعلوا الأسباب التي بها قتلوا, كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فهم احتاروا هذا الموت, إما أنهم قصدوا الشهادة, وإما أنهم قصدوا ما به يصيرون شهداء عالمين بأن لهم السعادة فب الآخرة, وفي الدنيا بانتصار طائفتهم وببقاء لسان الصدق لهم ثناء ودعاء, بخلاف من هلك من الكفار, فإنهم هلكوا بغير اختيارهم هلاكا لا يرجون معه سعادة الآخرة, ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا, بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين, وقيل فيهم: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ. فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ ١.
وقد أخبر سبحانه أن كثيرا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير, أي: ألوف كثيرة, وأنهم ما ضعفوا ولا استكانوا لذلك, بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت سبب ظهور العدو, وأن الله تعالى آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
فإذا كان هذا قتل المؤمنين, فما الظن بقتل الأنبياء؟ ففيه لهم ولأتباعهم من سعادة الدنيا والآخرة ما هو من أعظم الفلاح.
وظهور الكفار على المؤمنين أحيانا هو بسبب ذنوب المسلمين, كيوم أحد, فإن تابوا انتصروا على الكفار, وكانت العاقبة لهم, كما قد جرى مثل هذا للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار.
وهذا من آيات النبوة وأعلامها ودلائلها, فإن النبي ﷺ إذا قاموا بعهوده ووصاياه, ونصرهم الله, وأظهرهم على
стр. 144
المخالفين له, فإذا ضيعوا عهوده ظهر أولئك عليهم.
فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي ﷺ وجودا وعدما من غير سبب يزاحم ذلك, ودوران الحم مع الوصف وجودا وعدما من غير مزاحمة وصف آخر يوجب العلم بأن مدار علة للدائر, وقولنا: "من غير وصف آخر": يزيل النقوض الواردة.
فهذا الاستقراء والتتبع يبين أن نصر الله وإظهاره هو بسبب أتباع النبي, وأنه سبحانه يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه على من خالفه, وأن يجعل لهم السعادة ولمن خالفهم الشقاء, وهذا يوجب العلم بنبوته, وأن من اتبعه كان سعيدا, ومن خالفه كان شقيا.
ومن هذا: ظهور بخت نصر على بني إسرائيل, فإنه من دلائل نبوة موسى, إذ كان ظهور بخت نصر إنما كان لما غيروا عهود موسى, وتركوا اتباعه, فعوقبوا بذلك, وكانوا- إذ كانوا متبعين لعهود موسى- منصورين مؤيدين, كما كانوا في زمن داود وسليمان وغيرهما.
قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً. فَإِذَا١ جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ٢ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً٣. إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ
стр. 145
الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً. عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ ١.
فكان ظهور بني إسرائيل على عدوهم تارة, وظهور عدوهم عليهم تارة من دلائل نبوة موسى ﷺ على عدوهم تارة, وظهور عدوهم تارة٢, هو من دلائل رسالة محمد ﷺ وأعلام نبوته.
وكان نصر الله لموسى وقومه على عدوهم في حياته وبعد موته, كما جرى لهم من يوشع وغيره من دلائل نبوة موسى, وكذلك انتصار المؤمنين مع محمد ﷺ في حياته وبعد مماته مع خلفائه من أعلام نبوته ودلائلها.
وهذا بخلاف الكفار الذين ينتصرون على أهل الكتاب أحيانا, فإن أولئك لا يكون مطاعم إلى نبي, ولا يقاتلون أتباع الأنبياء على دين, ولا يطلبون من أولئك أن يتبعوهم على دينهم, بل قد يصرحون بأنا إنما نصرنا عليكم بذنوبكم, وأن لو اتبعتم دينكم لم ننصر عليكم.
وأيضا فلا عاقبة لهم, بل الله يهلك الظالم بالظالم, ثم يهلك الظالمين جميعا, ولا قتيلهم يطلب بقتله سعادة بعد الموت, ولا يختارون القتل ليسعدوا بعد الموت.
فهذا وأمثاله مما يظهر الفرق بين انتصار الأنبياء وأتباعهم, وبين ظهور
стр. 146
بعض الكفار على المؤمنين, أو ظهور بعضهم على بعض, وبيّن١ أن ظهور محمد ﷺ وأمته على أهل الكتاب: اليهود والنصارى, هو من جنس ظهورهم على المشركين: عباد الأوثان, وذلك من أعلام نبوته ودلائل رسالته, ليس هو كظهور بخت نصر على بني إسرائيل وظهور الكفار على المسلمين.
وهذه الآية مما أخبر بها٢ موسى, وبيّن أن الكذاب المدعي للنبوة لا يتم أمره, وإنما يتم أمر الصادق.
فإن من أهل الكتاب من يقول: محمد وأمته سلطوا علينا بذنوبنا مع صحة ديننا الذين نحن عليه, كما سلط بخت نصر وغيره من الملوك.
وهذا قياس فاسد , فإن بخت مصر لم يدع النبوة, ولا قاتل على دين, ولا طلب من بني إسرائيل أن ينتقلوا من شريعة موسى إلى شريعته, فلم يكن في ظهوره إتمام لما ادعاه من النبوة ودعا إليه من الدين, بل كان بمنزلة المحاربين قطاع الطرق الذين ظهروا على القوافل, بخلاف من ادعى نبوة ودينا, ودعا إليه ووعد أهله بسعادة الدنيا والآخرة, وتوعد مخالفيه بشقاوة الدنيا والآخرة, ثم نصره الله وأظهره وأتم دينه وأعلى كلمته وجعل له العاقبة وأذل مخالفيه.
فإن هذا من جنس خرق العادات المقترن بدعوى النبوة, فإنه دليل عليها, وذاك من جنس خرق العادات التي لم تقترن بدعوى النبوة٣ فإنه ليس دليلا عليها.
стр. 147
وقد يغرق ١ في البحر أمم كثيرة, فلا يكون ذلك دليلا على نبوة نبي, بخلاف غرق فرعون وقومه, فإنه كان آية بينة لموسى.
وهذا موافق لما أخبر به موسى ﵊ من أن الكذاب لا يتم أمره, وذلك بأن الله حكيم لا يليق به تأييد الكذاب على كذبه من غير أن يبين كذبه.
ولهذا أعظم الفتن: فتنة الدجال الكذاب, لما اقترن بدعواه الألوهية بعض الخوارق, كان معها ما يدل على كذبه من وجوه:
منها: دعواه الألوهية, وهو أعور والله ليس بأعور٢, مكتوب بين عينيه: كافر٣, يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ٤, والله تعالى لا يراه أحد حتى يموت٥, وقد ذكر النبي ﷺ هذه العلامات الثلاث في الأحاديث. الصحيحة.
فأما ٦ تأييد الكذاب ونصره وإظهار دعوته دائما فهذا لم يقع قط, فمن يستدل على ما يفعله الرب سبحانه بالعادة والسنة, فهذا هو
стр. 148
الواقع على ذلك أيضا بالحكمة, فحكمته تناقض أن يفعل ذلك, إذ الحكيم لا يفعل هذا.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً. سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ ١.
فأخبر أن سنة الله التي لا تبديل لها: نصر المؤمنين على الكافرين.
والإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة الله ورسوله, فإذا نقص الإيمان بالمعاصي كان الأمر بحسبه, كما جرى يوم أحد.
وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ٢ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً. اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ ٣.
فأخبر أن الكفار لا ينظرون إلا سنة الأولين, ولا يوجد لسنة الله تبديل, لا تبدل بغيرها ولا تتحول, فكيف النصر للكفار على المؤمنين الذين يستحقون هذا الاسم؟!.
وكذلك قال في المنافقين- وهم الكفار في الباطن دون الظاهر- ومن فيه شعبة من نفاق: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً. مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا
стр. 149
ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً. سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ ١.
والسنة هي العادة, فهذه عادة الله المعلومة, فإذا نصر من ادعى النبوة وأتباعه على من خالفه, إما ظاهرا وإما باطنا نصرا مستقرا, فذلك دليل على أنه نبي صادق, إذ كانت سنة الله وعادته نصر المؤمنين بالأنبياء الصادقين على الكافرين والمنافقين, كما أن سنته تأييدهم بالآيات البينات, وهذه منها.
ومن ادعى النبوة وهو كاذب, فهو من أكفر الكفار وأظلم الظالمين:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ٥ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٦.
ومن كان كذلك, كان الله يمقته ويبغضه ويعاقبه ولا يدوم
стр. 150
أمره, بل هو كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: " إن الله يملي للظالم, فإذا أخذه لم يفلته ", ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ١, وقال أيضا في الحديث الصحيح عن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع, تفيؤها الرياح, تقيمها تارة وتميلها أخرى, ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز, لا تزال ثابتة على أصلها, حتى يكون انجعافها مرة واحدة"٢.
فالكاذب الفجر وإن عظمت دولته, فلا بد من زوالها بالكلية, وبقاء ذمه ولسان السوء له في العالم, وهو يظهر سريعا ويزول سريعا كدولة الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب والحارث الدمشقي٣, وباب الرومي٤ ونحوهم.
стр. 151
وأما الأنبياء فإنهم يبتلون كثيرا ليمحصوا البلاء, فإن الله تعالى إنما يمكن للعبد إذا ابتلاه, ويظهر أمره شيئا فشيئا, كالزرع. قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ , أي: فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ , أي: قوّاه ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ١.
ولهذا كان أول من يتبعهم٢ ضعفاء الناس باعتبار هذه الأمور.
وسنة الله في أنبياء الله وأوليائه الصادقين, وفي أعداء الله والمتنبئين الكذابين مما يوجب الفرق بين النوعين, وبين دلائل النبي الصادق ودلائل المتنبي الكاذب.
وقد ذكر ابتلاء النبي والمؤمنين ثم كون العاقبة لهم في غير موضع:
كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ٤.
стр. 152
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ.حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
والمقصود أن إيذاء القائمين بالحق والناصرين له من سنن أهل الجاهلية, وكثير من أهل عصرنا على ذلك والله المستعان.
стр. 153
الخمسون: الإيمان بالجبت والطاغوت, وتفضيل المشركين على المسلمين.
قال تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١.
هذه الآية نزلت في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من يهود, وذلك أنهم خرجوا إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله ﷺ وينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ , فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه, ونزلت اليهود في دور قريش, وقال أهل مكة: أنتم أهل كتاب, ومحمد ﷺ صاحب كتاب, فلا يؤمن هذا أن يكون مكر منكم؟ فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما, ففعل, ثم قال كعب: يا أهل مكة! ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون, فنلزق أكبادنا بالكعبة, فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ذلك.
فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امروء تقرأ الكتاب وتعلم,
стр. 154
ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق: نحن أم محمد؟ قال كعب: أعرضوا علي دينكم, فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء , ونسقيهم اللبن, ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم , ومحمد فارق دين آبائه, وقطع الرحم وديننا القديم ودين محمد الحديث, فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد, فأنزل الله في ذلك الآية.
والجبت في الأصل: اسم صنم, استعمل في كل معبود لغير الله.
والطاغوت: يطلق على كل باطل من معبود أو غيره.
ومعنى الإيمان بهما: إما التصديق بأنهما آلهة, وإشراكهما بالعبادة مع الله تعالى, وإما طاعتهما وموافقتهما على ما هما عليه من الباطل, وإما القدر المشترك بين المعنيين كالتعظيم مثلا.
والمتبادر المعنى الأول, أي: أنهم يصدقون بألوهية هذين الباطلين, ويشركونهما في العبادة مع الإله الحق ويسجدون لهما.
стр. 155
الحادية والخمسون: لبس الحق بالباطل, وكتمانه.
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
وفي المراد أقوال:
أحدهما: أن المراد تحريفهم التوراة والأنجيل٢.
ثانيهما: أن المراد إظهارهما الإسلام, وإبطالهم النفاق٣.
ثالثهما: أن المراد الإيمان بموسى وعيسى والكفر بمحمد٤ ﵇.
стр. 156
رابعها: أن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من حقيقة رسالته ﷺ وما يظهرونه من تكذيبه.
стр. 157
الثانية والخمسون: التعصب للمذهب, والإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه.
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .
وقال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر وقرى عرين, وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد, اكفروا آخر النهار, وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا, فوجدنا محمدا ليس بذاك, وظهر لنا كذبه وبطلان دينه, فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم, وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم به فيرجعون عن دينهم إلى دينكم.
стр. 158
الثالثة والخمسون: تسمية اتباع الإسلام شركا.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ .
أخرج ابن إسحاق بسنده: حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ , ودعاهم إلى الإسلام, قالوا: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس" أو ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : "معاذ الله أن نعبد غير الله, أو نأمر بعبادة غير الله, وما بذلك بعثني, ولا بذاك أمرني" , فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 159
الرابعة والخمسون: تحريف الكلم عن مواضع ولي الألسنة بالكتاب.
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
روي أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا, وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل, وألحقوا بكتاب الله تعالى ما ليس منه٢.
واختلف الناس في أن المحرف هل كان يكتب في التوراة أم! , فذهب جمع إلى أنه ليس في التوراة سوا كلام الله تعالى, وأن تحريف اليهود لم يكن إلا تحريفا وقت القراءة, وتأويلا باطلا للنصوص, وأما أنهم يكتبون ما يرومون في التوراة على تعدد نسخها فلا.
واحتجوا لذلك بما روي أن التوراة والإنجيل كما أنولهما الله تعالى, لم يغير منهما حرف, ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم, ويقولون: إن ذلك من عند الله, وما هو من عند الله, فأما كتب الله تعالى فإنها محفوظة لا تحول.
وبأن النبي ﷺ كان يقول لليهود: إلزاما لهم:" ائتوا بالتوراة فاتلوها إن
стр. 160
كنتم صادقين", وهم يمتنعون عن ذلك, فلو كانت مغيرة إلى ما يوافق مرامهم ما امتنعوا, بل وما كان يقول لهم ذلك رسول الله ﷺ , لأنه يعود على مطلبه الشريف بالإبطال.
وذهب آخرون إلى أنهم بدلوا, وكتبوا ذلك في نفس كتابهم, واحتجوا على ذلك بكثير من الظواهر.
ولا يمنع من ذلك تعدد النسخ, لاحتمال التواطوء, أو فعل ذلك في البعض دون البعض, وكذلك لا يمنع منه قول الرسول لهم ذلك, لاحتمال علمه ببقاء بعض ما يفي بغرضه سالما عن التغيير, إما لجهلهم بوجه دلالته, أو لصرف الله تعالى إياهم عن تغييره.
وتمام الكلام في تفسير الجد عند الكلام على هذه الآية , وكذا في الجواب الصحيح لشيخ الإسلام.
وكثير من الأمة المحمدية سلكوا مسلك الكتابيين في التحريف والتأويل, واتباع شهواتهم.
وقال تعالى في سورة النساء" ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ .
والكلام على هذه الآية أيضا مستوفى في التفسير.
стр. 161
الخامسة والخمسون: تلقيب أهل الهدى بالصائبة والحشوية.
فقد كان لأهل الجاهلية يلقبون من خرج عن دينهم بالصابيء, كما كانوا يسمون النبي ﷺ بذلك, كما ورد في عدة أحاديث من صحيح البخاري١ ومسلم٢ وغيرهما, تنفيرا للناس عن اتباع سبيلهم.
وهكذا تجد كثيرا من هذه الأمة يطلقون على من خالفهم في بدعهم وأهوائهم أسماء مكروهة للناس.
والصابئة أمة قديمة على مذاهب مختلفة, قد تكلم عليها أهل المقالات بما لا مزيد عليه٣.
وأما الحشوية, فهم قوم كانوا يقولون بجواز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة, كالحروف في أوائل السور وكذا قال بعضهم, وهم الذين
стр. 162
قال فيهم الحسن البصري لما وجد قولهم ساقطا, وكانوا يجلسون في حلقته أمامه: "ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة", أي جانبها.
وخصوم السلفيين يرمونهم بهذا الاسم, تنفيرا للناس عن اتباعهم والأخذ بأقوالهم, حيث يقولون في المتشابه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
وقد أخطأت استهم الحفرة١, فالسلف لا يقولون بورود ما لا معنى له لا في الكتاب ولا في السنة, بل يقولون في الاستواء مثلا: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان, والجحود به كفر"٢.
стр. 163
وقد أطال الكلام في هذه المسالة شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه١, ولخص ذلك في كتابه: جواب أهل الإيمان في التفاضل بين آيات القرآن".
ومن الناس من فرق بين مذهب السلف ومذهب الحشوية, بأن مذهب الحشوية ورود ما يتعذر التوصل إلى معناه المراد مطلقا, فالاستواء مثلا عندهم له معنى يتوصل إليه مجرد سماعه كل من يعرف الموضوعات اللغوية, إلا أنه غير مراد, لأنه خلاف ما يقتضيه دليل العقل والنقل, ومعنى آخر يليق به تعالى لا يعلمه إلا هو .
وكيف يكون مذهب السلف هو مذهب الحشوبة, وقد رأى الحسن البصري الذي هو من أكابر السلف سقوط قول الحشوية, ولم يرض لأن يقعد قائله تجاهه؟!.
والمقصود أن أهل الباطل من المبتدعة رموا أهل السنة والحديث بمثل هذا اللقب الخبيث.
قال أبو محمد عبد الله بن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: "إن أصحاب البدع سموا أهل الحديث بالحشوية والنابتة والمتجبرة والجبرية وسموهم الغثاء, وهذه كلها أنباز لم يأت بها خبر عن رسول الله ﷺ كما أتى:
стр. 164
في القدرية ١ أنهم: " مجوس هذه الأمة, فإن مرضوا فلا تعودوهم, وإن ماتوا فا تشهدوا جنائزهم"٢.
وفي الرافضة٣: " يكون قوم في آخر الزمان يسمون الرافضة, يرفضون
стр. 165
الإسلام, ويلفظونه, فقاتلوهم, فإنهم مشركون"١.
وفي المرجئة٢: " صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي, لعنوا على سبعين نبيا: المرجئة والقدرية"٣.
"أصل الشيعة وأصولها" لمحمود حسين آل كاشف الغطا، تاريخ الإماممية وأسلافهم من الشيعة" د. عبد الله فياض، "الشيعة والتصحيح" د. موسى موسوي.
стр. 166
وفي الخوارج١: " يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"٢, و" كلاب النار"٣.
هذه أسماء من رسول الله ﷺ , وتلك أسماء مصنوعة"٤ انتهى.
=قال ابن الجوزي: "وهذا لا يصح عن رسول الله ﷺ ".
وأخرجه ابن أبي عاصم (٢/٤٦٢) ح٥٩٢ من حديث معاذ مرفوعا بلفظ: "ما بعث الله نبيا قط، إلا جعل في أمته قدرية ومرجئة، وإن الله تعالى لعن على لسان سبعين نبيا القدرية والمرجئة".
وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (٢/٦٤٣) ١١٥٩ من حديث محمد بن كعب القرظي عن عبد الله.
стр. 167
وفي "الغنية" أن الباطنية تسمي أهل الحديث "حشوية" لقولهم بالأخبار وتعلقهم بالآثار١.
وفي كتاب "حجة الله البالغة": "واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل الحديث, وسموهم مجسمة ومشبهة, وقالوا: هم المتسترون بالبلكفة, وقد وضح لدي٢ وضوحا بينا أن استطالتهم هذه ليست بشيء وأنه مخطئون في مقالتهم٣ رواية ودراية وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى"٤ انتهى.
وقد قال العلامة ابن القيم في "كافيته الشافية": "فصل في تلقيبهم أهل السنة بالحشوية وبيان٥ من أولى بالوصف المذموم٦٦ من هذا اللقب من الطائفتين, وذكر أول من لقب به أهل السنة من أهل البدع.
ومن العجائب قولهم لمن اقتدى ... بالوحي من أثر ومن قرآن
حشوية يعنون حشوا في الوجو ... د وفضلة في أمة الإنسان
ويظن جاهلهم بأنهم حشوا ... رب العباد بداخل الأكوان
إذ قولهم فوق العباد وفي السما ... ء الرب ذو الملكوت والسلطان
ظن الحمير بأن في للظرف والر ... حمن محوي بظرف مكان
والله لم يسمع بذا من فرقة ... قالته في زمن من الأزمان
لا تبهتوا أهل الحديث به فما ... ذا قولهم تبا لذي بهتان
стр. 168
بل قولهم: إن السماوات العلى ... في كف خالق هذه الأكوان
حقا كخردلة ترى في كف مم ... سكها تعالى الله ذو السلطان
أترونه المحصور بعد أم السما ... يا قومنا ارتدعوا عن العدوان
كم ذا مشبهة وكم١ حشوية ... فالبهت لا يخفى على الرحمن٢
[يا قوم إن كان كتاب وسنة الـ ... ـمختار حشوا فاشهدوا ببيان
[أنا محمد إلهنا حشوية ... صرف بما لا جحد ولا كتمان] ٣
تدرون من سمّت شيوخكم بهـ ... ـذا الاسم في الماضي من الأزمان
سمى به ابن عبيد عبد الله٤ ذا ... ك ابن الخليفة طارد الشيطان٥
فورثتم عمرا كما ورثوا لعبـ ... ـد الله أنى يستوي الإرثان
تدرون من أولى بهذا الاسم وهـ ... ـو مناسب أحواله بوزان
من قد حشا الأوراق والأذهان من ... بدع تخالف موجب٦ القرآن
هذا هو الحشوي لا أهل الحديـ ... ـث أئمة الإسلام والإيمان
وردوا عذاب مناهل السنن التي ... ليست زبالة هذه الأذهان
ووردتم القلوط٧ مجرى كل ذي الـ ... أوساخ والأقذار والأنتان
стр. 169
وكسلتم أن تصعدوا للورد من رأس الشريعة خيبة الكسلان
وحاصل هذه الأبيات أن أعداء الحق وخصوم السنة وأضداد الكتاب والسنة يلقبون سلف الأمة المتمسكين بالكتاب والسنة بلقب "الحشوية":
فالخواص منهم يقصدون بهذا الاسم أن المسمى به حشو في الوجود وفضلة في الناس, لا يعبأ بهم ولا يقام لهم وزن, إذ لم يتبعوا آراءهم الكاسدة وأفكارهم الفاسدة.
وأما العوام منهم فيظنون أن تسمية السلف بالحشوية لقولهم بالفوقية, وكون الإله في السماء, بمعنى أنهم اعتقدوا وحاشاهم, أن الله تعالى حشو هذا الوجود, وأنه داخل الكون – تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا- وهذا بهتان عظيم على أهل الحديث.
على أن هذا القول لم يقل به أحد.
وأعداء الحق في عصرنا هذا على هذا المسلك الجاهلي, فتراهم يرمون كل من تمسك بالكتاب والسنة بكل لقب مذموم بين المسلمين, والله المستعان على ما تصفون.
стр. 170
السادسة والخمسون: افتراء الكذب على الله, والتكذيب بالحق.
وشواهد هذه المسألة من الكتاب والسنة كثير, وهذا دأب المخالفين للدين المبين, كاليهود والنصارى يدعون أن ما هم عليه هو الحق, وأن الله أمرهم بالتمسك به, وأن الدين المبين ليس بحق, وأن الله تعالى أمرهم بتكذيبه, كل ذلك لاتباع أسلافهم, لا ينظرون إلى الدليل, وهكذا أهل البدع والضلالات يعتقدون بدعهم الحق, وأن الله أمرهم بها, وأن ما عليه أهل الحق مفترى, ولا يصدقون به.
وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
стр. 171
السابعة والخمسون: رمي المؤمنين بطلب العلو في الأرض.
قال تعالى في سورة يونس: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا١ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
هذا كلام مسوق لبيان أن موسى ﵇ ألقهم الحجر, فانقطعوا عن الإتيان بكلام له متعلق بكلامه ﵇, فضلا عن الجواب الصحيح, واضطروا إلى التشبث بذيل التقليد الذي هو دأب كل عاجز محجوج, وديدن كل معالج لجوج.
على أنه استئناف وقع جوابا عما قبله من كلام موسى ﵇ على طريقة: قال موسى, كأنه قيل: فماذا قالوا لموسى ﵇ حين قال لهم ما قال؟ فقيل قالوا عاجزين عن المحاجة: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ , أي: الملك, كما روي عن مجاهد٣, وعن الزجاج أنه إنما سمى المُلك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا٤.
стр. 172
فكل من دعا إلى الحق رماه من كان على المسلك الجاهلي أن قصده من الدعوة طلب الرئاسة والجاه, من غير أن ينظروا إلى ما دعا إليه, وما قام عليه من البراهين.
стр. 173
الثامنة والخمسون: رمي المؤمنين بالفساد في الأرض.
شاهد هذه المسالة آيات كثيرة, حاصلها أن المخالفين لهم من المؤمنين مفسدون في الأرض.
انظر إلى قولهم في أوائل سورة البقرة, كيف ادعوا أنهم هم مصلحون, فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١.
وهكذا من هو على شاكلة أولئك, من الذين استحلوا غيهم, وتمكنت بدعهم من قلوبهم.
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا٢
نسأله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه القويم, وأقدامنا على الصراط المستقيم.
стр. 174
التاسعة والخمسون: رمي المؤمنين بتبديل الدين.
قال تعالى في سورة مؤمن١: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ٢.
اعتقدوا ما هم٣ عليه من الضلال هو الدين الحق, ومن أراد تحويلهم من معتقدهم الكاسد, وصرفهم عما هم عليه من الغي, فقد أراد٤ إخراجهم من الدين وإفسادا في الأرض.
وهكذا ديدن أعداء الدين في كل عصر.
стр. 175
الستون: كونهم إذا غُلبوا بالحجة, فزعوا إلى السيف والشكوى إلى الملوك, و [دعوى] احتقار السلطان, [وتحويل] الرعية عن دينه.
قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ .
فانظر إلى شكوى آل فرعون وقومه إليه, وتحريشهم إياه على مقاتلة موسى ﵇ وتهييجه, وما ذكر في آخر الآية من احتقار ما كانوا عليه. ما بين حاصرتين ليس من المخطوط, وقد وضع في المطبوع بين حاصرتين, وهما علامة الإضافة إلى النص.
стр. 176
الحادية والستون: تناقض مذهبهم لما تركوا الحق.
قال تعالى في سورة ق: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ ١.
فقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ ... ﴾ إلخ, إضراب أتبع الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم, وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوة الثابتة بالمعجزات, في أول وهلة, من غير تفكر ولا تدبر.
﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ مضطرب, وذلك بسبب نفيهم النبوة عن البشر بالكلية تارة, وزعمهم أن اللائق بها أهل الجاه والمال كما ينبئ عنه قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٢ تارة أخرى, وزعمهم أن النبوة سحر مرة أخرى, وأنها كهانة أخرى, حيث قالوا في النبي ﷺ مرة: ساحر, ومرة: كاهن, أو هو اختلاف حالهم ما بين تعجب من البعث واستبعاد له وتكذيب وتردد فيه, أو قولهم في القرآن: هو شعر تارة, وهو سحر أخرى.
وقال تعالى في الذاريات: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ. إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ
стр. 177
مُّخْتَلِفٍ. يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ. قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ ١.
﴿الْحُبُكِ﴾ : جمع حبيكة, كطريقة أو حباك, كمثال ومثُل, والمراد بها إما الطرق المحسوسة التي تسير فيها الكواكب, أو المعقولة التي تدرك بالبصيرة, وهي ما يدل على وحدة الصانع وقدرته وعلمه وحكمته إذا تأملها الناظر.
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ , أي: متخالف متناقض في أمر الله , حيث تقولون: إنه جل شأنه خلق السماوات والأرض, وتقولون بصحة عبادة الأصنام معه, وفي أمر الرسول فتقولون تارة: إنه مجنون وأخرى إنه ساحر, ولا يكون الساحر إلا عاقلا, وفي أمر الحشر, فتقولون تارة: لا حشر ولا حياة بعد الموت أصلا, وتزعمون أخرى أن أصنامكم شفعاؤكم عند الله تعالى يوم القيامة, إلى غير ذلك من الأقوال المتخالفة فيما كلفوا بالإيمان به٢.
وقوله: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: يصرف عن الإيمان بما كلفوا الإيمان به.
﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ أي: الكذابون من أصحاب القول المختلف.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ الغمرة: الجهل العظيم يغمرهم ويشملهم شمول الماء الغامر لما فيه, والسهو: الغفلة.
قال تعالى في أواخر سورة الأنعام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٣.
стр. 178
هذه الآية استئناف لبيان أحوال أهل الكتابين إثر بيان حال المشركين, بناء على ما روي عن ابن عباس١ وقتادة٢: أن الآية نزلت في اليهود والنصارى.
أي: بددوا دينهم, وبعضوه فتمسك بكل بعض منه فرقة منهم.
﴿وَكَانُوا شِيَعاً﴾ أي: فرقا تشايع كل فرقة إماما, وتتبعه أي تقويه وتظهر أمره.
أخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة, كلهم في الهاوية إلا واحدة, وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة, كلهم في الهاوية إلا واحدة, وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة"٣.
واستثناء الواحدة من فرق كل من أهل الكتابين إنما هو بالنظر إلى العصر الماضي قبل النسخ, وأما بعده, فالكل في الهاوية, وإن اختلفت أسباب دخولهم.
﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ , من السؤال عنهم والبحث عن تفرقهم أو من عقابهم, أو أنت بريء منهم.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ : تعليل للنفي المذكور, أي: هو يتولى وحده أمرهم: أولاهم وأخراهم ويدبره حسب ما تقتضيه الحكمة.
стр. 179
ومن الناس من قال: المفرقون أهل البدع من هذه الأمة:
وقد أخرج الحكيم الترمذي١ وابن جرير٢ والطبراني٣ وغيرهم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا ... ﴾ إلخ: "هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة".
فيكون الكلام حينئذ استئنافا لبيان حال المبتدعين إثر بيان حال المشركين إشارة على أنهم ليس منهم ببعيد٤.
والمقصود أن أهل الجاهلية سواء كانوا أميين أو كتابيين قد فرقوا دينهم, وتغايروا في الاعتقاد, فكان عباد الأصنام كل قوم لهم صنم يدينون له, ولهم شرائع مختلفة في عبادتها, ومنهم من كان يعبد كوكبا, ومنهم من كان يعبد الشمس, ومنهم , ومنهم, وكذلك الكتابيون على ما بينا.
فالافتراق ناشئ عن الجهل وإلا فالشريعة الحقة في كل زمان لا تعدد فيها ولا اختلاف, ولذلك ترى القرآن يوحد الحق ويعدد الباطل:
قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ٥.
стр. 180
فانظر كيف أفرد النور الذي هو الحق, وجمع الظلمات التي عي الباطل والزيغ, فتفرقة الآراء والاختلاف في الاعتقاد من خصال الجاهلية وما كان عليه أهل الباطل, والاتفاق على العقيدة الحقة هو من دأب أتباع الرسل والمتمسكين يما شرعه الله تعالى.