التاسعة عشرة: من خصالهم: الاعتياض عن كتاب الله تعالى بكتب السحر:
كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ١ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
والكلام على هذه الآية في التفاسير المشهورة.
وهذه الخصلة الجاهلية موجودة اليوم في كثير من الناس, لا سيما من انتسب إلى الصالحين وهم عنهم بمراحل, فيتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات وضرب السلاح والدخول في النيران, وغير ذلك
стр. 72
مما وردت الشريعة بإبطاله, فأعرضوا ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم, واتبعوا ما ألقاه إليهم شيطاينهم, وادعوا أن ذلك من الكرامات, مع أن الكرامة لا تصدر من فاسق, ومن يتعاطى تلك الأعمال فسقهم ظاهر للعيان, ولذا اتخذوا دينهم لعبا ولهوا, وفي مثلهم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ .
стр. 73
العشرون: تناقضهم في الانتساب, فينتسبون إلى إبراهيم ﵇ وإلى الإسلام, مع إظهارهم ترك ذلك, والانتساب إلى غيره.
стр. 74
الحادية والعشرون: تحريف كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.
ولكم في هذا العصر من هو على شاكلتهم, تراه يصرف النصوص ويؤولها إلى ما يشتهيه من الأهواء.
стр. 75
الثانية والعشرون: تحريف العلماء لكتب الدين.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ .
ومن نظر إلى قضاة هذا الزمان وما تلاعبوا به من الأحكام, وصرف النصوص إلى ما تهواه أنفسهم, وتبديل الحق وإبطاله, بما ينالونه من الرشا وغير ذلك مما هم عليه اليوم, تبين له من ذلك بحر لا ساحل له.
وهكذا بعض المبتدعة وغلاة القبور, وقد بُيّن خالهم في غير هذا الموضع.
стр. 76
الثالثة والعشرون: وهي من أعجب المسائل والخصال: معاداة الذي انتسبوا إليه أشد العداوة, وموالاتهم لمذهب الكفار الذين فارقوهم أكمل الموالاة.
كما فعلوا مع النبي ﷺ لما أتاهم بدين موسى, واتبعوا كتب السحر, وهو من دين آل فرعون.
ومثل هؤلاء في الأمة الإسلامية كثير, هجروا السنة, وعادوها, ونصروا أقوال الفلاسفة وأحكامهم.
стр. 77
الرابعة والعشرون: أنهم لما افترقوا- وكل طائفة لا تقبل من الحق إلا ما قالته طائفتهم, وكفروا بما مع غيرهم من الحق-.
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ِ [يَوْمَ الْقِيَامَة] فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
ولا شك أن هذا من خصال الجاهلية, وعليه اليوم كثير من الناس, لا يعتقد الحق إلا معه, لا سيما أرباب المذاهب, يرى كل أهل مذهب أن الدين معه لا يعدوه إلى غيره, وكل حزب بما لديهم فرحون.
وكل يدعي وصلا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
والحزم أن ينظر إلى الدليل, فما قام عليه الدليل فهو الحق الحري أن يتلقى بالقبول, وما ليس عليه برهان ولا حجة ينبذ وراء الظهور, وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا من اصطفاه الله لرسالته.
стр. 78
الخامسة والعشرون: أنهم لما سمعوا قوله ﷺ في حديث الافتراق: "وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة, كلها في النار إلا واحدة", ادعى كل فرقة أنها هي الناجية.
كما حكي عن اليهود والنصارى في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ١.
مع أن النبي ﷺ بين في آخر الحديث المراد من الفرقة الناجية, فقال: "وهم ما كنت عليه أنا وأصحابي"٢ أو كما قال.
стр. 79
وردّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
والمقصود أنهم ليس لهم برهان على هذه الدعوى, بل الدليل على خلاف ذلك.
وأبو العباس تقي الدين تكلم على حديث الفرق في كتابه منهاج السنة بما لا مزيد عليه, حيث استدل به الرافضي على حقيقة مذهبه وبطلان مذهب أهل السنة, فراجعه إن أردته.
стр. 80
السادسة والعشرون: أنهم أنكروا ما أقروا أنه دينهم, كما فعلوا في حج البيت, فتعبدوا الله بإنكارهم والبراءة منه مع ذلك الإقرار.
كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ ١.
إلى أن قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
يقال: عن سبب نزول قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ ... ﴾ إلخ ما روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه: سلمة ومهاجرا٣ إلى الإسلام, فقال:
قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل
стр. 81
نبيا اسمه أحمد, فمن آمن به فقد اهتدى ورشد, ومن لم يؤمن به فهو ملعون, فأسلم سلمة, وأبى مهاجر, فنزلت. انتهى.
стр. 82
السابعة والعشرون: التعبّد ١ بكشف العورات.
قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ٢.
قال بعض المفسرين: الفاحشة هنا: الفعلة القبيحة المتناهية في القبح, والتاء إما لأنها مجراة على الوصف المؤنث, أي: فعلى فاحشة, وإما للنقل من الوصفية إلى الاسمية, والمراد بها هنا: عبادة الأصنام, وكشف العورة في الطواف, ونجو ذلك.
وعن الفراء تخصيصها بكشف العورة.
وفي الآية حذف, أي: وإذا فعلوا فاحشة, فنهوا عنها قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها, محتجين بأمرين: بتقليد الآباء, والافتراء على الله٣.
стр. 83
وكان من سنة الحُمس١ أنهم لا يخرجون أيام المواسم إلى عرفات, إنما يقفون بمزدلفة, وكانوا لا يسلؤون, ولا يأقطون ولا يرتبطون عنزا ولا بقرة, ولا يغزلون صوفا ولا وبرا, ولا يدخلون بيتا من الشعر والمدر, وإنما يكتنون بالقباب الحمر في الأشهر الحرم, ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحلّ إذا دخلوا الحرم, وأن يتركوا ثياب الحل, ويستبدلونها بثياب الحرم, إما اشتراء وإما عارية وإما هدية, فإن وجدوا وإلا طافوا البيت عرايا.
وفرضوا على نساء العرب مثل ذلك, غير أن المرأة كانت تطوف في مُفرّج القوائم والمواخير.
قالت امرأة٢ وهي تطوف بالبيت:
اليوم يبدوا بعضه أو كله ... وما بذا منه فلا أحله
أختم مثل القِعب باد ظلّه ... كأن حمّى خيبر تمُلّه
وكلّفوا العرب أن يفيضوا من مزدلفة, وقد كانوا يفيضون من عرفة, إلى غير ذلك من الأمور التي ابتدعوها وشرعوها٣, مما لم يأذن به الله.
стр. 84
ومع ذلك كانوا يدّعون أنهم على شريعة أبيه إبراهيم ﵇ وما ذلك إلا لجهالتهم.
وغالب من ينتمي إلى الإسلام اليوم ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله, فمنهم من اتخذ ضرب المعازف وآلات اللهو عبادة يتعبّون بها في بيوت الله ومساجده.
ومنهم من اتخذ الطواف على القبور والسفر إليها والنذور وأخلص عبادته وأفضل قرباته.
ومنهم من ابتدع الرهبانية والحيل الشيطانية, وزعم أنه سلك سبيل الزهاد وطريق العباد, ومقصده الأعلى نيل شهواته الحيوانية والفوز بهذه الدنيا الدنية, إلى غير ذلك مما يطول, ولا يعلم ماذا يقول.
إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
стр. 85
الثامنة والعشرون: التعبّد بتحريم الحلال.
فردّ الله تعالى ذلك عليهم بقوله في سورة الأعراف: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
ومعنى الآيات: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ , أي: ثيابكم لمواراة عوراتكم عند طواف أو صلاة.
وسبب النزول: أنه كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة, حتى إن كانت المرأة لتطوف البيت عريانة, فتعلق على سفلها سيورا مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر والدواب وهي تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ مما طاب لكم٢.
قال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتا, ولا يأكلون دسما في أيام حجهم, يعظمون بذلك حجهم, فقال
стр. 86
المسلمون: يا رسول الله, نحن أحق بذلك, فأنزل الله تعالى- الآية١.
وفيه يظهر وجه الأكل والشرب٢ هنا.
﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ بتحريم الحلال, كما هو المناسب لسبب النزول.
﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ بل يبغضهم, ولا يرضى أفعالهم.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ من الثياب وكل ما يتجمل به, وخلقها لنفعهم من الثياب كالقطن والكتان والحيوان والحرير والصوف.
﴿وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ أي: المستلذات, وقيل: المحللات من المآكل والمشارب كلحم الشاة وشحمها ولبنها.
﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ , أي: هي لهم بالأصالة, لمزيد كرمهم على الله تعالى والكفرة, وإن شاركوهم فيها, فبالتبع, فلا إشكال في الاختصاص.
﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ , أي: لا يشاركهم فيها غيرهم.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ , أي: مثل تفصيلنا هذا الحكم, نفصّل سائر الأحكام لمن يعلم ما في تضامينها من المعاني الرائقة.
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ , أي: ما تزايد قبحه من المعاصي, ومنه ما يتعلق بالفروج.
﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ : بدل من الفواحش, أي: جهرها وسرها.
وعن البعض: ﴿مَا ظَهَرَ﴾ الزنى العلانية, ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنى سرا٣,
стр. 87
وكانوا يكرهون الأول, ويفعلون الثاني, فنهوا عن ذلك مطلقا.
وعن مجاهد, ﴿مَا ظَهَرَ﴾ التعري في الطواف, ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنى.
والبعض يقول: الأول: طواف الرجال بالنهار. والثاني: طواف النساء بالليل عاريات.
﴿وَالإِثْمَ﴾ , أي: ما يوجب الإثم, وأصله الذم, ثم أطلق على ما يوجبه من مطلق الذنب, وذكر للتعميم بعد التخصيص بناء على ما تقدم من معنى الفواحش.
ومنهم من قال: إن الإثم هو الخمر, وعليه أهل اللغة , وأنشدوا له قول الشاعر:
نهانا رسول الله أن نقرب الزنى ... وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا
وقول الآخر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول
стр. 88
التاسعة والعشرون: الإلحاد في أسمائه وصفاته.
قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
تفسير الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ : تنبيه للمؤمنين على كيفية ذكره تعالى, وكيفية المعاملة مع المخالين بذلك الغافلين عنه سبحانه, وعما يليق بشأنه, إثر بيان غفلتهم وضلالتهم الطامة.
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ : إما من الدعوة بمعنى التسمية, كقولهم: دعوته زيدا, أو بزيد٢, أي سميته, أو الدعاء بمعنى النداء, كقولهم: دعوت زيدا, أي: ناديته.
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ , أي: يميلون وينحرفون فيها عن الحق على الباطل, يقال: ألحد, إذا مال عن القصد والاستقامة, ومنه: لحد القبر, لكونه في جانبه بخلاف الضريح, فغنه في وسطه.
والإلحاد في أسمائه- سبحانه- أن يسمى بلا توقيف فيه, أو بما يوهم معنى فاسدا, كنا في قول أهل البدو, يا أب المكارم, يا أبيض الوجه,
стр. 89
يا سخي, ونحو ذلك, فالمراد بترك المأمور به: الاجتناب عن ذلك, وبأسمائه ما أطلقوه عليه تعالى وسمّوه به على زعمهم, لا أسماؤه تعالى حقيقة, وعلى ذلك يحمل ترك الإضمار, بأن يقال: يلحدون بها١.
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ٢.
وهذه الآية في سورة الرعد.
عن قتادة وابن جريج ومقاتل أن الآية نزلت في مشركي مكة لما رأوا كتاب الصلح يوم الحديبية وقد كتب فيه علي ﵁: "بسم الله الرحمن الرحيم ", فقال سهل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة٣.
ومنهم من قال: سمع أبو جهل قول رسول الله ﷺ : يا ألله يا رحمن" , فقال: إن محمدا ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعوا إلهين, فنزلت٤.
وعن بعضهم أنه لما قيل لكفار قريش: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ , قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ , فنزلت٥.
стр. 90
وقيل غير ذلك مما يطول.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ. وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
وهذه الآية إخبار أن أهل الجاهلية كانوا يلحدون في صفاته, كما كانوا يلحدون في أسمائه تعالى.
أخرج أحمد٢ والبخاري٣ ومسلم٤ والترمذي٥ والنسائي٦ وجماعة عن ابن مسعود , قال: " كنت مستترا٧ بأستار الكعبة , فجاء ثلاثة نفر: قرشي وثقفيان, أو ثقفي وقرشيان, كثير لحم بطونهم, قليل فقه٨ قلوبهم, فتكلموا بكلام لم أسمعه, فقال أحدهم: أترون الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمعه, وإذا لم نرفع لم
стр. 91
يسمع , فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله, قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ....﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
فهذا هو الإلحاد في الصفات.
وأنت تعلم أن ما عليه أكثر المتكلمين المسلمين من الإلحاد في الأسماء والصفات فوق ما كان عليه أهل الجاهلية, فسموا الله بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان, ومنهم من قال: ليس لله صفات قامت به, ومنهم من قال: صفاته ليس عين ذاته ولا غيره, ومنهم من قال: إن صفاته غيره, ومنهم من قال: إن الله لم يتكلم بالكتب التي أنزلها, وأثبتوا له الكلام النفسي, وأنه لم يكلم أحدا من رسله, إلى غير ذلكمن الإلحاد الذي حشوا به كتبهم, وملؤوها من الهذيان, وطنوا أن الآية مختصة بأهل الجاهلية, وما دروا أنهم الفرد الكامل لعمومها.
ومن بصره الله تعالى ونوّر قلبه, أعرض عن أخذ عقائده من كتب هؤلاء الطوائف, وتلقى معرفة إلهه من كتب السلف المشتملة على نصوص الكتاب والسنة.
стр. 92
الثلاثون: نسبة النقائص إليه سبحاته كالولد والحاجة, فإن النصارى قالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ١ , وطائفة من العرب قالوا: الملائكة بنات الله, وقوم من الفلاسفة قالوا بتوليد العقول, وقوم من اليهود قالوا: العزيز ابن الله وغير ذلك.
وقد نزّه الله نفسه عن كل ذلك ونفاه:
بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٢
وبقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ. وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤.
وهو يعم جميع الأنواع التي تذكر في هذا الباب عن بعض الأمم, كما أن ما نفاه من اتخاذ الولد يعمّ ايضا جميع أنواع الاتخاذات, لا اصطفاؤه
стр. 93
كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ١.
قال السدي: قالوا: إن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل: إن ولدك بكري من الولد, فأدخلهم النار, فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم, ثم ينادي مناد: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل٢.
وقد قال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ﴾ ٣
وقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ٥.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ٦. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ
الْأُنثَى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى. إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١.
إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً﴾ ٣.
قال بعض المفسرين: ﴿جُزْءاً﴾ , أي: نصيبا وبعضا٤.
وقال بعضهم: جعلوا لله نصيبا من الولد ٥.
وعن قتادة٦ ومقاتل: عِدلا.
وكلا القولين صحيح, فإنهم يجعلون له ولدا والولد يشبه أباه.
ولهذا قال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّ اً﴾ ٧, أي: البنات
كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ ٨.
فقد جعلوها للرحمن مثلا, وجعلوا هـ من عباده جزءا, فإن الولد جزء من الوالد, فقال ﷺ : "إن فاطمة بضعة مني"٩.
стр. 96
وقوله في الأنعام: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١.
قال الكلبي: "نزلت في الزنادقة, قالوا: إن الله وإبليس شريكان, فالله خالق النور والناس والدواب والأنعام٢, وإبليس خالق الظلمة والسباع والحياة والعقارب"٣.
وأما قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ :
فقيل: هو قولهم: الملائكة بنات الله, وسمّي الملائكة جنا, لاختفائهم عن الأبصار, وهو قول مجاهد وقتادة٤.
وقيل: قلوا لحي من الملائكة يقال لهم: الجن, ومنهم إبليس: هم٥ بنات الله٦.
وقال الكلبي: قالوا-لعنهم الله- بل بذور يخرج منها الملائكة.
وقوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ :
قال بعض المفسرين: هم كفار العرب, قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله, واليهود قالوا: عزير ابن الله٧.
والذين كانوا يقولون من العرب: إن الملائكة بنات الله, وما نقل عنهم
стр. 97
من أنه صاهر الجن, فولدت الملائكة, فقد نفاه عنه بامتناع الصاحبة, وبامتناع أن يكون منه جزء, فإنه صمد.
وقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ , وهذا لأن الولادة لا تكون إلا من أصلين, سواء في توالد الأعيان- وتسمى الجواهر- وتولّد الأعراض والصفات, بل لا يكون تولد الأعيان إلا بانفصال جزء من الوالد , فإذا امتنع أن تكون له صاحبة, امتنع أن يكون له ولد, وقد علموا كلهم أن لا صاحبة له, ولا من الملائكة, ولا من الجن, ولا من الإنس, فلم يقل أحد منهم: إن له صاحبة, فلهذا احتج بذلك عليهم, وما حكي عن بعض كفار العرب أنه صاهر الجن, فهذا فيه نظر, وذلك إن كان قد قيل, فهو مما يعلم انتفاؤه من وجوه كثيرة, وكذلك ما قالته النصارى من أن المسيح ابن الله, وما قاله طائفة من اليهود أن العزير ابن الله, فإنه قد نفاه سبحانه بهذا وهذا.
وتمام الكلام في هذا المقام في كتاب " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" , و" تفسير سورة الإخلاص" وغيرهما من كتب شيخ الإسلام تقي الدين-قدس الله روحه-.
стр. 98
الحادية والثلاثون: تنزيه المخلوق عما نسبوه للخالق, مثل: تنزيه أحبارهم عن الولد والحاجة, لأنهم يقولون: إن الراغبين في استحصال الكمالات كالرهبان وأضرابهم يترفّعون عن أن يتدنسوا بدناءة التمتع بالنساء, اقتداء بالمسيح عليه السلام٠
فانظر إلى سخافة العقول وما قادهم إليه ضلالهم حتى تعرضوا على سيدنا ومولانا محمد ﷺ في زواجه.
وما أحسن ما قاله الفاروقي ردا على بعض أحبار النصارى:
قل للفرسنل قدوة الرهبان ... الجاثليق١ البترك الرباني
أنت الذي زعم الزواج نقيصة ... ممن حماه الله عن نقصان
ونسيت تزويج الإله بمريم ... في زعم كل مثلث نصراني٢
стр. 99
ومن جعل من العرب الملائكة بنات الله, كان يأنف منهن, وسنّ وأدهنّ وقتلهن, ونسبوا لله ما يكرهون.
والمقصود أن هذه المقالات وأشباهها منشؤها الجهل بما جاءت به الرسل, وعدم تحكيم العقل, وإلا فأهل البصائر لا يتطرق إليهم هذا الخلل, والله الموفق.
стр. 100
الثانية والثلاثون: القول بالتعطيل, كما كان يقوله آل فرعون.
والتعطيل: إنكار أن يكون للعالم صانع , كما قال فرعون لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ , ونحو ذلك.
ولم يخل العلم عن مثل هذه الجهالات في كل عصر من العصور.
وأبناء هذا الزمان –إلا النادر- على هذه العقيدة الباطلة, ولو نظروا بعين الإنصاف والتدبر, لعلموا أن كل موجود في العالم يدل على خالقه وبارئه:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
ومن أين للطليعة إيجاد مثل هذه الدقائق التي نجدها في الآفاق والأنفس, وهي عديمة الشعور لا علم لها ولا فهم؟ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
стр. 101
الثالثة والثلاثون: الشِركة في الملك, كما تقوله المجوس.
والمجوس أمة تعظم الأنوار والنيران والماء والأرض, ويقرون بنبوة زرادشت, ولهم شرائع يصيرون إليها.
وهم فرق شتى:
منهم المزدكية أصحاب مزدك الموبَذ. والموبذ١-عندهم-: العالم القدوة, وهؤلاء يرون الاشتراك في النساء والمكاسب كما يشترك في الهواء والطرق وغيرها.
ومنهم الخُرّمية: أصحاب بابك الخرمي٢, وهم شر طوائفهم,
стр. 102
لا يقرون بصانع ولا معاد ولا نبوة ولا حلال ولا حرام.
وعلى مذهبهم طوائف القرامطة١ والإسماعيلية٢ والنصيرية٣
стр. 103
والكيسانية والزرارية والحاكمية وسائر العبيدية الذين يسمون أنفسهم "الفاطمية", فكل هؤلاء يجمعهم هذا المذهب, ويتفاوتون في التفصيل.
فالمجوس شيوخ هؤلاء كلهم وأئمتهم وقدوتهم, وإن كان المجوس قد يتقيدون بأصل دينهم ومذهبهم, وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم ولا شريعة من شرائعه.
стр. 104
الرابعة والثلاثون: إنكار النبوات, وكانوا يقولون: ما حكى الله عنهم قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ. وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ١ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ٢.
وتفسير هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ شروع في تقرير أمر النبوة, وبعد ما حكى الله –سبحانه- عن إبراهيم ﵇, أنه ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك, وقرر سبحاه ذلك بأوضح الدليل٣ وبأوضح وجه.
﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ , أي: حق معرفته٤.
وعن بعضهم: ما عظموا الله حق تعظيمه٥, إذ قالوا منكرين لبعثه
стр. 105
الرسل وإنزال الكتب, كافرين بنعمة الله الجليلة فيهما: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ , أي: شيئا من شيء.
واختلف في قائلي ذلك القول الشنيع: فعن مجاهد أنهم مشركو قريش. والجمهور على أنهم اليهود , ومرادهم من ذلك الطعن في رسالته ﷺ على سبيل المبالغة.
فقيل لهم على سبيل الإلزام ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ , فإن المراد أنه تعالى قد أنزل التوراة على موسى ﵇, ولا سبيل لكم لإنكار ذلك, فلم لا تجوزون إنزال القرآن على محمد ﷺ ؟.
والكلام في إثبات النبوة مفصل في غير هذا الموضع.
والمقصود أن إنكارها من سنن الجاهلية ومعارفهم , وفي الناس اليوم كثير ممن هو على شاكلتهم ومعوج طريقتهم.
стр. 106
الخامسة والثلاثون: جحود١ القدر, والاحتجاج به على الله تعالى ومعارضة شرع الله بقدر الله.
وهذه المسألة من غوامض مسائل الدين, والوقوف على سرها عسر إلا على من وفقه الله تعالى.
ولابن القيم كتاب جليل في هذا الباب سمّاه "شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل".
وقد أبطل الله سبحانه هذه العقيدة الجاهلية بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ٢ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣.
تفسير هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ : حكاية لفن آخر من أباطيلهم.
стр. 107
﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ : لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح, إذ لم اعتقدوا قبح أفعالهم, بل هم –كما نطقت به الآيات- يحسبون أنهم يحسنون صنعا, ,أنهم إنما يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى, وأن التحريم إنما كان من الله , فما مرادهم بذلك إلا الاحتجاج على أن ما ارتكبوه حق مشروع ومرضي عند الله تعالى على أن المشيئة والإرادة تساوي الأمر, وتستلزم الرضى١, كما زعمت المعتزلة٢, فيكون حاصل كلامهم: أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله سبحانه وإرادته, فهو مشروع مرضي عند الله تعالى.
وبعد أن حكى الله ذلك عنهم, رد عليهم بقوله عز من قائل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ , وهم أسلافهم المشركون.
وحاصله أن كلامهم يتضمن تكذيب الرسل ﵈.
وقد دلت المعجزة على صدقهم.
стр. 108
أو نقول: حاصله: أن ما شاء الله يجب, وما لم يشأ يمتنع, وكل ما هذا شأنه فلا تكليف به, لكونه مشروطا بالاستطاعة, فينتج: أن ما ارتكبه من الشرك وغيره, لم يكلف بتركه, ولم يبعث له نبي, فرد الله تعالى عليهم بأن هذه كلمة صدق أريد به باطل, لأنهم أرادوا بها أن الرسل ﵈, في دعواهم البعثة والتكليف كاذبون, وقد ثبت صدقهم بالدلائل القطعية, ولكون١ ذلك صدقا أريد به باطل, ذمهم الله تعالى بالتكذيب.
ووجوب وقوع متعلق المشيئة لا ينافي صدق دعوى البعثة والتكليف, لأنهما لإظهار المحجة وإبلاغ الحجة.
﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ , أي: نالوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم, وفيه إيماء على أن لهم عذابا مدخرا عند الله تعالى, لأن الذوق أول إدراك الشيء.
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ , أي: هل لكم من علم بأن٢, الإشراك وسائر ما أنتم عليه مرضي لله- فتظهروه لنا بالبرهان؟.
وهذا دليل على أن المشركين أمم استوجبوا التوبيخ على قولهم ذلك, لأنهم كانوا يهزؤون بالدين, ويبغون رد دعوة الأنبياء ﵈, حيث قرع مسامعهم من شرائع الرسل ﵈ تفويض الأمور إليه , فحين طالبوهم بالإسلام, والتزام الأحكام, احتجوا عليهم بما أخذوه من كلامهم مستهزئين بهم-عليهم الصلاة والسلام-, ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم, كيف لا والإيمان بصفات
стр. 109
الله تعالى فرع الإيمان به وهو عنهم مناط العيُّوق١.
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ﴾ , أي: تكذبون على الله تعالى.
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ , أي: البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة والإثبات, والمراد بها في المشهور: الكتاب والرسول والبيان.
﴿فَلَوْ٢ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ : بالتوفيق إليها, والحمل عليها, ولكن شاء هداية البعض الصارفين اختيارهم إلى سلوك طريق الحق, وضلال آخرين صرفوه إلى خلاف ذلك.
ومن الناس من ذكر وجها آخر في توجيه ما في الآية, وهو أن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم أنهم مسلمون اختيارهم وقدرتهم, وأن إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار, وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله تعالى قولهم في دعواهم عدم الاختيار لأنفسهم, وشبههم بمن اغتر قلبه بهذا الخيال, فكذب الرسل, وأشرك بالله , واعتمد علة أنه إنما ذلك بمشيئة الله تعالى ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة.
ثم بين سبحانه أنهم لا حجة لهم في ذلك, وأن الحجة البالغة له تعالى لا لهم, ثم أوضح سبحانه أن كل واقع واقع بمشيئته, وأنه
стр. 110
لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم, وأنه تعالى لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمهون.١
والمقصود أن يتمحض وجه الرد عليهم, وتتلخص عقيدة نفوذ المشيئة٢ وعموم تعلقها٣ بكل كائن عن الرد, وينصرف الرد إلى دعواهم سلب الاختيار لأنفسهم, وأن إقامتهم الحجة بذلك خاصة.
وإذا تدبرت الآية وجدت صدرها دافعا لصدور الجبرية, وعجزها معجزا للمعتزلة, إذ الأول مثبت أن للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان, والثاني مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد, وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية, وبذلك تقوم الحجة البالغة٤ لأهل السنة على المعتزلة, والحمد لله رب العالمين.
ومنهم من وجه الآية بأن مرادهم رد دعوة الأنبياء ﵈ على معنى أن الله تعالى شاء شركنا, وأراده منا؟ , وأنتم تخالفون إرادته, حيث تدعونا إلى الإيمان, فوبخهم سبحانه بوجوه عدة٥:
منها: قوله سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ , فإنه بتقدير الشرط, أي: إذا كان الأمر كما زعمتم ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَة﴾