ومسلم والنسائي والبيهقي وأحمد (٣/ ٢٦٦) من حديث أنس، وابن ماجه (١/ ٤٥٣) من حديث أبي هريرة باللفظ الآخر، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وقد يغفر للميت ولو كان العدد أقل من مائة إذا كانوا مسلمين لم يخالط توحيدهم شئ من الشرك لقوله: " مامن رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا، لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه ".
أخرجه مسلم وأبو داود (٢/ ٦٤) وابن ماجه والبيهقي وأحمد (٢٥٠٩) من حديث ابن عباس.
ررواه النسائي وأحمد (٦/ ٣٣١، ٣٣٤) من حديث ميمونة زوج النبي مختصرا وسنده حسن.
٦٥ - ويستحب أن يصفوا وراء الامام ثلاثة صفوف (١) فصاعدا لحديثين رويا في ذلك:
الأول: عن أبي أمامة قال:
" صلى رسول الله ﷺ على جنازة ومعه سبعة نفر فجعل ثلاثة صفا، واثنين صفا واثنين صفا ".
رواه الطبراني في (١) " الكبير "، قال الهيثمي في " المجمع " (٣/ ٤٣٢) " وفيه ابن لهيعة " وفيه كلام ".
قلت: وذلك من قبل حفظه لاتهمة له في نفسه، فحديثه في الشواهد لا بأس به، ولذلك أوردته مستشهدا به على الحديث الاتي، وهو:
الثاني: عن مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 107
" ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسامير إلا أوجب (وفي لفظ: إلا غفر له) ".
قال: (يعني مرثد بن عبد الله اليزني): " فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف للحديث ".
أخرجه أبو داود (٢/ ٦٣) والسياق له " والترمذي (٢/ ١٤٣) وابن ماجه (١/ ٤٥٤) والحاكم (١/ ٣٦٢، ٣٦٣) والبيهقي (٤/ ٣٠) وأحمد (٤/ ٧٩) واللفظ الاخر له وكذا في رواية للبيهقي والحاكم وقال: " صحيح على شرط مسلم " ووافقه الذهبي! وقال الترمذي وتبعه النووي في " المجموع " (٥/ ٢١٢): " حديث حسن " وأقره إلحافظ في " الفتح " (٣/ ١٤٥)، وفيه عندهم جميعا محمد بن اسحاق وهو حسن الحديث إذا صرح بالتحديث ولكنه هنا قد عنعن.
فلا أدري وجه تحسينهم للحديث فكيف التصحيح!؟
٦٥ - وإذا لم يوجد مع الامام غير رجل واحد، فإنه لا يقف حذاءه كما هو النسة في سائر الصلوات بل يقف خلف الامام، للحديث المتقدم في المسأله (٣٣)، وفيه: " فتقدم رسول الله ﷺ وكان أبو طلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة ولم يكن معهم غيرهم ".
٦٦ - والوالي أو نائبة احق بالامامة فيها من الولي لحديث أبي حازم قال: " إني الشاهد يوم مات الحسن بن علي.
فرأيت الحسين بن علي يقول إني لسعيد بن العاص - يطعن في عنقه ويقول: - تقدم فلولا أنها سنة ما قدمتك " (وسعيد أمير على المدينة يومئذ) (١) وكان بينهم شئ ".
стр. 108
أخرجه الحاكم (٣/ ١٧١) والبيهقي (٤/ ٢٨) وزاد في آخره: " فقال أبو هريرة أتنفسون على ابن نبيكم بتربة تدفنونه فيها وقد سمعت رسول الله يقول: من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني،.
وأخرجه أحمد أيضا (٢/ ٥٣١) بهذه الزيادة، ولكنه لم يسق قصة تقديم سعيد للصلاة، وإنما أشار إليها بقوله: " فذكر القصة ".
ثم قال الحاكم: " صحيح الاسناد "، ووافقه الذهبي.
والحديث أورده الهيثمي في " المجمع " (٣/ ٣١) بتمامه مع الزيادة ثم قال: " رواه الطبراني في (الكبير) والبزار ورجاله موثقون ".
وعزاه الحافظ في " التلخيص " (٥/ ٢٧٥) إليهما مقرونا مع البيهقي وقال:
" فيه سالم بن أبي حفصة ضعيف، لكن رواه النسائي وابي ماجه من وجه آخر عن أبي حازم بنحوه، وقال ابن المنذر في " الأوسط ".
ليس في الباب أعلى منه، لأن جنازة الحسن حضرها جماعة كثيرة من الصحابة وغيرهم ".
قلت: هذا كلام الحافظ وفي بعضه نظر تراه في الحاشية. (١)
стр. 109
٦٧ - فإن لم يحضر الوالي أو نائبه، فالأحوط بالامامة أقررهم لكتاب الله، ثم على الترتيب الذي ورد ذكره في قوله ﷺ :
" يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة: فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم سلما فإن كانوا في الهجرة سواء سواء فأقدمهم سلما لا يؤمن الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه ".
أخرجه مسلم (٢/ ١٣٣) وغيره من أصحاب السنن والمسانيد من حديث أبي مسعود البدري الانصاري، وقد خرجه في " صحيح أبي داود " (رقم ٥٩٤، ٥٩٨).
ويؤمهم الأقرأ ولو كان غلاما لم يبلغ الحلم لحديث عمرو بن سلمة:
" أنهم (يعني قومه) وفدوا على النبي ﷺ ، فلما أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يارسول الله من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعا للقرآن أو أخذا للقرآن، فلم يكن أحد من القوم
стр. 110
جمع ما جمعت، فقدموني وأنا غلام، وعلى شملة لي.
قال: فما شهدت مجمعا من جرم إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومنا هذا ".
أخرجه أبو داود والبيهقي بإسناد صحيح، وأصله في البخاري ولكن ليس فيه موضع الشاهد، وهو رواية لأبي داود، وقد خرجته في " صحيح أبي داود " رقم (٥٩٩ و ٦٠٢)
٦٨ - وإذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء، صلي عليها صلاة واحدة، وجعلت الذكور - ولو كانوا صغارا - مما يلي الامام، وجنائز الاناث مما يلي القبلة، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن نافع عن ابن عمر: " أنه صلى (١) على تسع جنائز جميعا، فجعل الرجال يلون الامام والنساء يلين القبلة، فصفهن صفا واحدا ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له: زيد، وضعا جميعا، والامام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة، فوضع الغلام مما يلي الامام " فقال رجل: فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة، فقلت: ما هذا قالوا: هي السنة ".
أخرجه النسائي (١/ ٢٨٠) وابن الجارود في " المنتقى " (٢٦٧، ٢٦٨) والدارقطني (١٩٤) والبيهقي (٤/ ٣٣).
قلت: وإسناد النسائي وابن الجارود صحيح على شرط الشيخين، واقتصر الحافظ في " التلخيص " (٥/ ٢٧٦) عاى عزوه لابن الجارود وحده وقال:
стр. 111
(وإسناده صحيح). وأما النووي فقال (٥/ ٢٢٤):
" رواه البيهقي بإسناد حسن "!
الثاني: عن عمار مولى الحارث بن نوفل " أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها، فجعل الغلام مما يلى الامام [ووضعت المرأة وراءه، فصلى عليها]، فانكرت ذلك، وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة، [فسألتهم عن ذلك]، فقالوا، هذه السنة ".
أخرجه أبو داود (٢/ ٦٦) والسياق له، ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣٣) (والنسائي (١/ ٢٨٠) والزيادتان له وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقال النووي (٥/ ٢٢٤): " وإسناده صحيح، وعمار هذا تابعي مولى لبني هاشم، واتفقوا على توثيقه ".
وقال البيهقي: " ورواه حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار دون كيفية الوضع بنحوه، وذكر أن الامام كان ابن عمر.
قال: وكان في القوم الحسن والحسين وأبو هريرة، ونحو من ثمانين من أصحاب محمد ﷺ .
ورواه الشعبي فذكر كيفية الوضع بنحوه، وذكر أن الامام كان ابن عمر، ولم يذكر السؤال، قال: وخلفه ابن الحنفية والحسين وابن عباس، وفي رواية: عبد الله بن جعفر).
٦٩ - ويجوز أن يصلى على كل واحدة من الجنائز صلاة، لأنه الأصل، ولأن النبي ﷺ فعل ذلك في شهداء أحد، وفي ذلك حديثان:
الأول: عن عبد الله بن الزبير، وتقدم في المسألة (٥٩)، الحديث (٢) ص ٨٢
الثاني: عن ابن عباس قال: " لما وقف رسول الله ﷺ على حمزة أمر به فهيئ إلى القبلة، ثم كبر عليه تسعا، ثم جمع إليه الشهداء، كلما أتي بشهيد وضع إلى حمزة، فصلى عليه، وعلى الشهداء معه حتى صلى عليه، وعلى الشهداء اثنين وسبعين صلاة ".
стр. 112
أخرجه الطبراني في معجمه الكببر) (٣/ ١٠٧، ١٠٨) من طريق محمد بن اسحاق حدثني.
محمد بن كعب القرظي والحكم بن عتيبة عن مقسم ومجاهد عنه.
قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات،.
وقد صرح فيه محمد بن اسحاق بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه.
ويبدو أن الامام السهيلي والحافظ ابن حجر لم يقفا على هذا الاسناد، فقد قال الحافظ في " التلخيص " (٥/ ١٥٣، ١٥٤): " وفي الباب أيضا حديث ابن عباس، رواه ابن اسحاق قال: حدثني من لا أتهم عن مقسم مولى ابن عباس عن ابن عباس .. (قلت: فذكر الحديث نحوه إلا أنه قال: " سبعا " بدل " تسعا "، ثم قال:) قال السهيلي: إن كان الذي أبهمه ابن اسحاق هو الحسن بن عمارة، فهو ضعيف، وإلا فمجهول لاحجة فيه. انتهى.
قلت: والحامل للسهيلي على ذلك، ما وقع في مقدمة " مسلم " عن شعبة أن الحسن ابن عمارة حدثه عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس " أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد " فسألت الحكم؟ فقال لم يصل عليهم " انتهى.
لكن حديث ابن عباس روي من طرق أخرى .. ".
قلت: ثم ذكر بعضها، وليس منها طريق الطبراني هذه، وهي تدل على أن المبهم في تلك الرواية ليس مجهولا ولا ضعيفا، بل هو ثقة معروف، وهو محمد بن كعب القرظي أو الحكم بن عتيبة، أو كلاهما معا، ولا يخدع على هذا قول الحكم في رواية مسلم " لم يصل عليهم " لجواز أن الحكم نسي " ماكان حدث به كما وقع مثله لغيره في غير ما حديث، ولو سلمنا جدلا أن إنكار الحكم لحديثه يقدح في صحته عنه، فلا نسلم أن ذلك يقدح في صحة الحديث نفسه مادام أنه رواه ثقة آخر هو القرظي، وهذا واضع إن شاء الله تعالى.
(١)
стр. 113
٧١ - وفي الصلاة على الجنازة في المسجد، لحديث عائشة ﵂ قالت: " لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه، أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: هذه بدعة،، ما كانت الجنائز يدخل بها إلى المسجد! فبلغ ذلك عائشة، فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيشوا مالا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد، [والله] ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء [وأخيه] إلا في جوف المسجد " أخرجه مسلم (٣/ ٦٣) من طريقين عنها وأصحاب السنن وغيرهم، وقد خرجته في " أحكام المساجد " من كتابي " الثمر المستطاب " والزيادات لمسلم إلا الأولى فهي للبيهقي (٤/ ٥١).
٧٢ - لكن الأفضل الصلاة عليها خارج المسجد في مكان معد للصلاة على الجنائز كما كان الأمر على عهد النبي ﷺ ، وهو الغالب على هديه فيها " وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن ابن عمر ﵁:
" أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل منهم، وإمرأة زنيا، فأمر بهما فرجما، قريبا من موضع الجنائز عند المسجد " (١) أخرجه البخاري (٣/ ١٥٥) " وترجم له، وللحديث الرابع الآتي ب " باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد ".
الثاني: عن جابر قال: " مات رجل منا، فغسلناه .. ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله بالصلاة عليه فجاء معنا ... فصلى عليه .. "
стр. 114
أخرجه الحاكم وغيره، وتقدم بتمامه في المسألة (١٧) الحديث الثالث من الفقرة (ز)، (ص ١٦) وفي الباب عن بعض أصحاب النبي ﷺ .
وقال حديثه في المسألة (٥٩) الحديث (٤) من (السادس)، (ص ٨٩).
الثالث: عن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: " كنا جلوس بفناء المسجد حيث توضع الجنائز ورسول الله ﷺ جالس بين ظهرانينا فرفع رسول الله ﷺ بصره إلى السماء .. أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٩) والحاكم (٢/ ٢٤) وقال: " صحيح الاسناد ".
ووافقه الذهبي في " تلخيصه " وأقره المنذري في " ترغيبه " (٣/ ٣٤)، وفيه أبو كثير مولى محمد بن جحش، أورده ابن أبي حاتم (٤/ ٢ / ٤٢٩ ٤٣٠) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وكذلك قال الهيثمي في " المجمع " (٤/ ١٢٧): " مستور " ولم يورده ابن حبان في " الثقات " ومع ذلك فقد قال فيه الحافظ في " التقريب " " ثقة "! وذكر في " التهذيب " انه روى عنه جماعة من الثقات وأنه ولد في حياة النبي ﷺ فمثله، " حسن الحديث إن شاء الله تعالى، لاسيما في الشواهد
الرابع: عن أبي هريرة ﵁:.
" أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربعا " .. أخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ وزيادات كثيرة وقد تقدم.
ذكرها مجموعة في سياق وأحد مع زيادات أخرى في أحاديث، جماعة آخرين من الصحابة، وقد بينت ذلك في المسألة (٥٩) الحديث السابع، (ص ٨٩ - ٩٠)
والحديث ترجم له البخاري بما دل عليه من الصلاة في المصلى كما سبق ذكره في الحديث الأول.
стр. 115
٧٢ - ولا تجوز الصلاة عليها بين القبور، لحديث أنس بن مالك ﵁.
" أن النبي ﷺ نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور ".
أخرجه الأعرابي في " معجمه " (ق ٢٣٥/ ١) والطبراني في " المعجم الأوسط " (١/ ٨٠ / ٢) ومن طريقه الضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة " (٧٩/ ٢ - مسند أنس) وقال الهيثمي في " المجمع " (٣/ ٣٦): " وإسناده حسن ".
قلت: وله طريق أخرى عن أنس، عند الضياء يتقوى الحديث بها.
وروى أبو بكر ابن أبي شيبة في " المصنف " (٨١ ٦٥/ ١ - الكواكب) وأبو بكر بن الأثرم كما في " الفتح الباري " للحافظ ابن رجب الحنبلي (٦٥/ ٨١ / ١ - الكواكب) عن أنس: " كان يكره أن يبنى مسجدا بين القبور " .. ورجاله ثقات رجال الشيخين ويشهد للحديث ما تواتر عن النبي ﷺ من النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وقد ذكرت ما ورد في ذلك في أول كتابي " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " وسأذكر بعضها في المسألة (١٢٨ فقرة ٩)
٧٣ - ويقف الامام وراء رأس الرجل، ووسط المرأة، وفيه حديثان:
الأول: عن أبي غالب الخياط قال:
стр. 116
" شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه، (وفي رواية: رأس السرير) فلما رفع، أتى بجنازة امرأة من قريش أو من الأنصار، فقيل له: يا أبا حمزة هذه جنازة فلانة ابنة فلان فصل عليها، فصلى عليها، فقام وسطها، (وفي رواية: عند عجيزتها، وعليها نعش أخضر) وفينا العلاء بن زياد العدوي (١)، فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال: يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله ﷺ يقوم حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت قال: نعم، قال: فالتفت إلينا العلاء فقال: احفظوا) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٦، ٦٧) والترمذي (٢/ ١٤٦) وحسنه.
وابن ماجه والطحاوي (١/ ٢٨٣) والبيهقي (٤/ ٣٢) والطيالسي (رقم ٢١٤٩) وأحمد (٣/ ١١٨، ٢٠٤) والسياق له، أخرجوه كلهم من طريق همام بن يحيى عن أبي غالب، غير أبي داود، فأخرجه من طريق عبد الوارث - وهو ابن سعيد - عنه، وكذا أخرجه الطحاوي في رواية له مختصرا.
وإسناده من الطريقين صحيح، رجالهما رجال الصحيحين غير أبي طالب وهو ثقة كما في " التقريب " للحافظ ابن حجر، فالعجب منه كيف ذكر في شرح الحديث الآتي عن سمرة من " الفتح " (٣/ ١٥٧) أن البخاري أشار إلى تضعيف هذا الحديث، ثم سكت على ذلك ولم يتعقبه بشئ! والرواية الثانية للطيالسي والبيهقي من طريق أحمد.
والرواية الثالثة لأبي داود، وهي عند المذكورين بنحوها دون لفظ " أخضر " (٢)
стр. 117
الثاني: عن سمرة بن جندب قال: " صليت خلف النبي ﷺ ، وصلى على أم كعب ماتت وهي نفساء، فقام رسول الله ﷺ للصلاة عليها وسطها ".
أخرجه البخاري (٦/ ١٥٣ - ١٥٧) ومسلم (٣/ ٦٠) والسياق له وأبو داود (٢/ ٦٧) والنسائي (١/ ٢٨٠) والترمذي (٢/ ١٤٧) وصححه، وابن ماجه (١/ ٤٥٥) وابن الجارود (٢٦٧) والطحاوي (١/ ٢٨٠) والبيهقي (٤/ ٣٤) والطيالسي (٩٠٢) وأحمد (٥/ ١٩١٤) والحديث واضح الدلالة على السنة أن يقف الامام حذاء وسط المرأة وهو بمعنى حديث أنس: " عند عجيزتها ".
بل هذا مما يزيده وضوحا فإنه أصرح في الدلالة على المراد من حديث سمرة.
стр. 118
٧٤ - ويكبر عليها أربعا أو خمسا، إلى تسع تكبيرات، كل ذلك ثبت عن النبي ﷺ فأيها فعل أجزأه، والأولى التنويع، فيفعل هذا تارة، وهذا تارة، كما هو الشأن في أمثاله مثل أدعية الاستفتاح وصيغ التشهد والصلوات الابراهيمية ونحوها، وإن كان لابد من التزام نوع واحد منها فهو الاربع لان الاحاديث فهيا أكثر، وإليك بيان ذلك:
أ - أما الأربع ففيها أحاديث عن جماعة من الصحابة
الأول: عن أبي هريرة، وقد مضى حديثه في المسألة (٥٩) (السابع) في الصلاة على النجاشي وأنه ﷺ كبر عليه أربعاً (ص ٨٩)
الثاني: عن ابن عباس، ومضى في المسألة المشار إليها في حديث الصلاة على الرجل الذي دفن ليلا.
في (السادس)، الحديث (١ - ) (ص ٨٧)
الثالث: عن يزيد بن ثابت في صلاته ﷺ على مولاة لبني فلان في قبرها وهو في المكان المشار إليه بعد حديث ابن عباس بحديث.
الرابع: عن بعض أصحاب النبي ﷺ في صلاته ﷺ على المرأة المسكينة في قبرها، وحديثها مذكور عقب حديث يزيد بن ثابت المشار إليه آنفا.
الخامس: عن أبي أمامة (١) ﵁ قال:
"السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثا، والتسليم عند الاخرة ".
أخرجه النسائي (١/ ٢٨١) وعنه ابن حزم (٥/ ١٢٩) بإسناد صحيح كما قال الحافظ في " الفتح "، وسبقه النووي في " المجموع " (٥/ ٣٣) وزاد: " علي شرط الشيخين ".
وأخرجه الطحاوي (١/ ٢٨٨) بنحوه وزاد في آخر الحديث:
стр. 119
قال الزهري: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من ذلك لمحمد بن سويد الفهري، فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن مسلمة (١) في الصلاة على الجنازة مثل الذي حدثك أبو أمامة ".
وإسنادها صحيح أيضا، وهي عند النسائي، ولكن لم يجاوز بها الضحاك بن قيس، وكذلك رواه الشافعي بزيادة في متنه كما يأتي في المسألة (٧٩) ص (١٢١، ١٢٢).
السادس: عن عبد الله بن أبي أوفى قال " إن رسول الله ﷺ كان يكبر أربعا " أخرجه البيهقي (٤/ ٣٥) بسند صحيح في أثناء حديث يأتي بتمامه في المسألة
ب - وأما الخمس فلحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: " كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا، وإنه كبر على جنازة خمسا، فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها، (فلا أتركها (لاحد بعده) أبدا) " أخرجه مسلم (٣/ ٥٦) وأبو داود (٢/ ٦٧، ٦٨) والنسائي (١/ ٢٨١) والترمذي (٢/ ١٤٠) وابن ماجه (١/ ٤٥٨) والطحاوي (١/ ٢٨٥) والبيهقي (٤/ ٣٦) والطيالسي (٦٧٤) وأحمد (٤/ ٣٦٧، ٣٦٨، ٣٧٢) عنه.
ثم أخرجه الطحاوي والدارقطني (١٩١، ١٩٢) وأحمد (٤: ٣٧٠) من طرق أخرى عنه به نحوه، والزيادة لهم والتي فيها للدار قطني، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، رأوا التكبير على الجنازة خمسا، وقال أحمد واسحاق: إذا كبر الامام على الجنازة خمسا فإنه يتبع الامام ".
ج - وأما لست والسبع، ففيها بعض الاثار الموقوفة، ولكنها في حكم الاحاديث المرفوعة، لان بعض كبار الصحابة أتى بها على مشهد من الصحابة دون أن يعترض عليه أحد منهم.
стр. 120
الأول: عن عبد الله بن معقل:
" أن علي بن أبي طالب صلى على سهل بن حنيف، فكبر عليه ستا، ثم التفت إلينا، فقال: إنه بدري "، قال الشعبي: " وقدم علقمة من الشام فقال لابن مسعود: إن اخوانك بالشام يكبرون على جنائز هم خمسا، فلو وقتم لنا وقتا نتابعكم عليه، (١) فأطرق عبد الله ساعة ثم قال: انظروا جنائزكم فكبروا علهيا ماكبر أئمتكم، لا وقت ولا عدد ".
أخرجه ابن حزم في " المحلى " (٥، ١٢٦) بهذا التمام، وقال: " وهذا إسناد غاية في الصحة ".
قلت: وقد أخرج منه قصة علي ﵁ أبو داود في مسائله عن الامام أحمد (ص ١٥٢) والطحاوي (١/ ٢٨٧) والحاكم (٣/ ٤٠٩) والبيهقي (٤/ ٣٦) وسندهم صحيح على شرط الشيخين، وهي عند البخاري في " المغزلي " (٧/ ٢٥٣) دون قوله " ستا .. " وقصة ابن مسعود أخرجها الطحاوي والبيهقي (٤/ ٣٧) نحوه.
الثاني: عن عبد خير قال: " كان علي ﵁ يكبر على أهل بدر ستا، وعلى أصحاب النبي ﷺ خمسا، وعلى سائر الناس أربعا ".
أخرجه الطحاوي والدارقطني (١٩١) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣٧) وسنده صحيح رجاله ثقات كلهم.
الثالث: عن موسى بن عبد الله بن يزيد.
" أن عليا صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعا، وكان بدريا "
стр. 121
أخرجه الطحاوي والبيقهي (٤/ ٣٦) بسند صحيح على شرط مسلم - لكن أعله البيهقي بقوله: " إنه غلط، لان أبا قتادة ﵁ بقي علي ﵁ مدة طويلة ".
ورده الحافظ في " التلخيص " (١٦٦٥) بقوله: " قلت: وهذه علة غير قادحة، لانه قد قيل: إن أبا قتادة مات في خلافه علي، وهذا هو الراجح وسبقه إلى هذا ابن التركماني في " الجوهر النقي " فراجعه (١).
د - وأما التسع، ففيه حديثان:
الأول: عن عبد الله بن الزبير: " أن النبي ﷺ صلى على حمزة فكبر عليه تسع تكبيرات .. " (٢).
وقد مضى بتمامه وتخريجه في (الثاني) من المسألة (٥٩) (ص ٨٢).
الثاني: عن عبد الله بن عباس قال: " لما وقف رسول الله ﷺ على حمزة ... أمر به فهيى إلى القبلة، ثم كبر عليه تسعا ... " وتقدم أيضا في المسألة (٦٩) الحديث الثاني، (ص ١٠٤).
стр. 122
٧٥ - ويشرع له أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى، وفيه حديثان:
الأول: عن أبي هريرة: " أن رسول الله ﷺ كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة، ووضع اليمنى على اليسري ".
стр. 123
أخرجه الترمذي (٢/ ١٦٥) والدارقطني (١٩٢) والبيهقي (٢٨٤).
وأبو الشيخ في " طبقات الاصبهانيين " (ص ٢٦٢) بسند ضعيف، لكن يشهد له الحديث الاتي وهو
الثاني: عن عبد الله بن عباس " أن رسول الله كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة، ثم لا يعود ".
أخرجه الدارقطني بسند رجاله ثقات غير الفضل بن السكن فإنه مجهول، وسكت عنه ابن التركماني في " الجوهر النقي " (٤/ ٤٤)! ثم قال الترمذي عقب الحديث الأول: هذا حديث غريب، واختلف أهل العلم في هذا، فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن يرفع الرجل يديه في كل تكبيرة، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم: لا يرفع يديه إلا في أول مرة، وهو قول الثوري وأهل الكوفة، وذكر عن ابن المبارك أنه قال في الصلاة على الجنازة: لا يقبض بيمينه على شماله، ورأي بعض أهل العلم أن يقبض على شماله كما يفعل في الصلاة ".
وفي المجموع " للنووي (٥/ ٢٣٢): " قال ابن المنذري في كتابه " الاشراف والاجماع ": أجمعوا على أنه يرفع في أول تكبيرة، واختلفوا في سائرها " (١).
стр. 124
٧٦ - ثم يضع يده اليمني على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد، ثم يشد بينهما على صدره، وفي ذلك أحاديث لابد أن أذكر بعضها: الأول: عن أبي هريرة مرفوعا في حديثه المتقدم آنفا: " ... ووضع اليمني على اليسري ".
وهو وإن كان ضعيف الاسناد، فإن معناه صحيح بشهادة الاحاديث الاتية فإنها بإطلاقها تشمل صلاة الجنازة كما تشمل كل ما سوى المكتوبات من الصلوات كالاستسقاء والكسوف وغيرها.
الثاني: عن سهل بن سعد قال: " كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد على ذراعة اليسري في الصلاة " أخرجه مالك في " الموطأ " (١/ ١٧٤) ومن طريقه البخاري (٢/ ١٧٨) والسياق له، وكذا الامام محمد في " الموطأ " (١٥٦) وأحمد (٥/ ٣٣٦) والبيهقي (٢/ ٢٨).
الثالث: عن ابن عباس ﵁ قال: سمعت نبي الله ﷺ يقول: " إنا معشر الانبياء أمرنا بتعجيل فطرنا، وتأخير سحورنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة ".
أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٨٨٥ - موارد) والطبراني في " الكبير " وفي " الاوسط " (١/ ١٠ - ١) ومن طريقهما الضياء المقدسي في " المختارة " (٦٣/ ١٠ / ٢). (١/ ١٧٤).
وله طريق أخرى عن ابن عباس.
стр. 125
أخرجه الطبراني في " الكبير " والضياء المقدسي بسند صحيح، وله شواهد ذكركتها في تخريج كتابنا " صفة صلاة النبي ﷺ ".
الرابع: عن طاووس قال: " كان رسول الله ﷺ يضع اليمني على يده اليسري، ثم يشد بهما على صدره وهو في الصلاة ".
أخرجه أبو داود (١/ ١٢١) بسند جيد عنه.
وهو وإن كان مرسلا فهو حجة عند الجميع، أما من يحتج منهم بالمرسل إطلاقا فظاهر - وهم جمهور العلماء، وأما من لا يحتج به إلا إذا روى موصولا، أو كان له شواهد، فلان لهذا شاهدين:
الأول: عن وائل بن حجر:، أنه رأى النبي ﷺ يضع يمينه على شماله ثم وضعهما على صدره ".
رواه ابن خزيمة في صحيحه كما في " نصب الراية " (١/ ٣١٤)، وأخرجه البيهقي في سننه (٢/ ٣٠) من طريقين عنه يقوي أحدهما الاخر.
الثاني: عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته - قال - يضع هذه على صدره، وصف يحيى (هو ابن سعيد) اليمني على اليسري فوق المفصل ".
أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٦) بسند رجاله ثقات رجال مسلم غير قبيصة هذا، وقد وثقه العجلي وابن حبان، لكن لم يرو عنه، غير سماك بن حرب وقال ابن المديني والنسائي " مجهول " وفي " التقريب " أنه مقبول قلت: فمثله حديثه حسن في الشواهد، ولذلك قال الترمذي بعد أن خرج له من هذا الحديث أخذ الشمال باليمين: " حديث حسن ".
فهذه ثلاثة أحاديث في أن السنة الوضع على الصدر.
ولا يشك من وقف على مجموعها في أنها صالحة للاستدلال على ذلك.
стр. 126
وأما الوضع تحت السرة فضعيف اتفاقا كما قال النووي والزيلعي وغيرهما، وقد بينت ذلك في التخريج المشار إليه آنفا.
٧٧ - ثم يقرأ عقب التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة (١) لحديث طلحة بن عبد الله بن عوف قال:
صليت خلف ابن عباس ﵁ على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب (وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده، فسألته؟ ف) قال: (إنما جهرت) لتعلموا أنا سنة (وحق) ".
أخرجه البخاري (٣/ ١٥٨) وأبو داود (٢، ٦٨) والنسائي (١/ ٢٨١) والترمذي (٢/ ١٤٢) وابن الجارود في " المنتفى " (٢٦٤) والدارقطني (١٩١) والحاكم (١/ ٣٥٨ - ٣٨٦).
والسياق للبخاري، والزيادة الأولى للنسائي، وسندها صحيح، ولابن الجارود منها ذكر السورة، ولهما الثالثة بالسند الصحيح، وللحاكم الثانية من طريق أخرى عن ابن عباس بسند حسن.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة، يأتي حديث أحدهم في المسألة التي بعد هذه ثم قال الترمذي عقب الحديث: " هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، يختارون أن يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا يقرأ في الصلاة على الجنازة، إنما
стр. 127
هو الثناء على الله: والصلاة على نبيه ﷺ ، والدعاء للميت، وهو قول الثوري وغيره من أهل الكوفة ". (١).
стр. 128
ثم إن الزيادة الأولى في الحديث قد رواها أبو يعلى ايضا في " مسنده " كما في " المجموع " للنووي (٥/ ٢٣٤) وقال: " إسناده صحيح ".
وأقره الحافظ في " التلخيص " (٥/ ١٦٥).
واستدل النووي بهذه الزيادة على استحباب سورة قصيرة، وليس في الحديث ما يدل على كونها قصيرة، فلعل الدليل على ذلك ما تقدم من طلب الاستعجال بالجنازة إلى قبرها، والله أعلم.
٧٨ - ويقرأ سرا، لحديث أبي أمامة بن سهل قال: " السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة.
ثم يكبر ثلاثا، والتسليم عند الاخرة ".
أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح كما تقدم في المسألة (٧٤) الحديث الخامس من الفقرة (أ)، (١١١).
٧٩ - ثم يكبر التكبيرة، ويصلي على النبي ﷺ ، لحديث أبي أمامة المذكور أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ : " أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الامام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات (الثلاث)، لا يقرأ في شئ منهم، ثم يسلم سرا في نفسه (حين ينصرف (عن يمينه)، والسنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل إمامه) ".
стр. 129
أخرجه الشافعي في " الام (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣٩) وابن الجارود (٢٦٥) عن الزهري عن أبي أمامة وقال الزهري في آخره: " حدثني محمد الفهري عن الضحاك بن قيس أنه قال مثل قول أبي أمامة ".
قال الشافعي ﵀: " وأصحاب النبي ﷺ لا يقولن بالسنة والحق إلا لسنة رسول الله ﷺ إن شاء الله تعالى ".
وأخرجه الحاكم (١/ ٣٦٠) وعنه البيهقي إلا أنه قال: " أخبرني رجال من أصحاب النبي ﷺ ".
والباقي نحوه، وفيه الزيادتان.
وزاد في إسناده الثاني " حبيب بن مسلمة " كما تقدم في رواية الطحاوي في المسألة المشار إليه آنفا (٧٤).
ثم زاد الحاكم: " قال الزهري: حدثني بذلك أبو أمامة وابن المسيب يسمع فلم ينكر ذلك عليه " وقال: " صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
وظاهر قوله بعد أن ذكر القراءة " ثم يصلى على النبي ﷺ إنما تكون بعد التكبيرة الثانية لاقبلها، لانه لو كان قبلها لم تقع في التكبيرات بل قبلها، كما هو واضح، وبه قالت الحنفية والشافعية وغيرهم، خلافا لابن حزم (د / ١٢٩) والشوكاني (٣/ ٥٣).
وأما صيغة الصلاة على النبي ﷺ في الجنازة فلم أقف عليها في شئ من الاحاديث الصحيحة، (١) فالظاهر أن الجنازة ليس لها صيغة خاصة، بل يؤتى فيها بصيغة من الصيغ الثابتة في التشهد في المكتوبة (٢).
стр. 130
٨٠ - ثم يأتي ببقية التكبيرات، ويخلص الدعاء فيها للميت، لحديث أبي أمامة المتقدم انفا، وقوله ﷺ : " إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء " (١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٨) وابن ماجه (١/ ٤٥٦) وابن حبان في " صحيحه " و (٧٥٤ - موارد) والبيهقي (٤/ ٤٠) من حديث أبي هريرة وصرح ابن اسحاق بالتحديث عند ابن حبان.
٨١ - ويدعوا فيها بما ثبت عنه ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: " اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت (وفي رواية: كما ينقي الثوب الابيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا (وفي رواية: زوجة) خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار، قال: فتمنيت أن أكون أنا ذلك الميت ".
أخرجه مسلم (٣/ ٥٩ - ٦٠) والنسائي (١/ ٢٧١) وابن ماجه (١/ ٤٢٥٦) وابن الجارود (٢٦٤ - ٢٦٥) والبيهقي (٤/ ٤٠) والطيالسي (٩٩٩) وأحمد (٦/ ٢٣ و ٢٨) والسياق لمسلم، والرواية الثانية له في رواية، وهي لسائرهم إلا أحمد، وله والبيهقي الرواية الثالثة.
стр. 131
وفي رواية ابن ماجه والطيالسي أن الميت كان رجلا من الانصار، لكن في سندها فرج بن فضالة وهو ضعيف عن عصمة بن راشد وهو مجهول.
والحديث أخرجه الترمذي (٢/ ١٤١) مختصرا وقال: " حديث حسن صحيح، وقال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - أصح شئ في هذا الباب هذا الحديث ".
الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ " كان إذا صلى على جنازة يقول:
اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الاسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الايمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده ".
أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٥٦) والبيهقي (٤/ ٤١) من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عنه، وأبو داود (٢/ ٦٨) والترمذي (٢/ ١٤١) وابن حبان في صحيحه (٧٥٧ - موارد) والحاكم (١/ ٣٥٨) والبيهقي أيضا وأحمد (٢/ ٣٦٨) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة به نحوه، دون قوله " اللهم لا تحرمنا ... " فهي عند أبي داود وحده، وصرح يحيى بالتحديث عند الحاكم ثم قال: " صحيح على شرط الشيخين ".
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وأعل بما لا يقدح.
وليحبي فيه إسناد ان آخران، عند أحمد (٤/ ١٧٠، ٣٠٨) والبيهقي.
وللحديث شاهد من حديث ابن عباس نحوه.
رواه الطبراني في " الكبير ".
الثالث: عن واثلة بن الاسقع قال: " صلى رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فأسمعه يقول:
стр. 132
اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، فاغفر له وارحمه، إنك الغفور الرحيم ".
أخرجه أبو داود (٢/ ٦٨) وابن ماجه (١/ ٤٥٦) وابن حبان في صحيحه (٧٥٨) وأحمد (٣/ ٤٧١) بإسناد صحيح إن شاء الله تعالى، وقد أورده ابن القيم فيما حفظ من دعائه ﷺ ، وسكت عليه النووي في " المجموع ".
الرابع: عن يزيد بن ركانة بن المطلب قال:
" كان رسول الله ﷺ إذا قام للجنازة ليصلي عليها قال: " اللهم عبدك وابن أمتك احتاج إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، إن كان محسنا فزد في حسناته، إن كان مسيئا فتجاوز عنه ".
(ثم يدعوا ما شاء الله أن يدعو) ".
أخرجه الحاكم (١/ ٣٥٩) وقال:
" إسناده صحيح، ويزيد بن ركانة وأبو ركانة صحابيان ".
ووافقة الذهبي، ورواه الطبراني في " الكبير " بالزيادة كما في " المجمع " (٤/ ٣٣ / ٣٤) وابن قانع كما في " الاصابة ".
وله شاهد من طريق سعيد المقبري أنه سأل أبا هريرة: كيف تصلي على الجنازة فقال: أنا لعمر الله أخبرك، أتيعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت وحمدت الله، وصليت على نبيه، ثم أقول: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك: كان يشهد أن لا إله ألا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجرة، ولا تفتنا بعده ".
أخرجه مالك (١ - ٢٢٧) وعنه محمد بن الحسن (١٦٤ - ١٦٥) وإسماعيل القاضي في " فضل الصلاة ﷺ " رقم ٥ (٩٣) ٢٧ وسنده موقوف صحيح جدا، وقد ساق الهيثمي منه الدعاء مرفوعا من حديث أبي هريرة وقال:
стр. 133
رواه أبو يعلى ورجاله ورجال الصحيح ".
وقد تقدم بلفظ آخر فيه الجملة الاخيرة منه، وهو النوع (الثاني) (ص ١٢٤).
٨٢ - والدعاء بين التكبيرة الاخيرة والتسليم مشروع، لحديث أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال:
" شهدته وكبر على جنازة أربعا، ثم قام ساعة - يعني - يدعوا، ثم قال: أتروني كنت أكبر خمسا؟ قالوا: لا، قال: إن رسول الله ﷺ كان يكبر أربعا ".
أخرجه البيهقي (٤ - ٣٥) بسند صحيح.
ثم أخرجه هو (٤/ ٤٢، ٤٣) وابن ماجة (١/ ٤٥٧) والحاكم (١/ ٣٦٠) وأحمد (٤ - ٣٨٣) من طريق إبراهيم الهجري عن أبن أبي أوفي به، إلا أنه أنه رفعه إلى النبي ﷺ (، وزاد بعد قوله: إن رسول الله ﷺ كان يكبر أربعا: ثم يمكث ساعة فيقول ما شاء الله أن يقول، ثم سلم " وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح، وابراهيم لم ينقه عليه بحجة ".
قلت: بلي، ولذلك تعقبه الذهبي بقوله: قلت ضعفوا ابراهيم ".
قلت: وذلك لسوء حفظه، وقد أشار إلى ذلك الحافظ بقوله في " التقريب " لين الحديث، رفع موقوفات " (١).
стр. 134
٨٣ - ثم يسلم تسليمتين مثل تسليمه في الصلاة المكتوبة إحداهما عن يمينه، والاخرى عن يساره لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " ثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن تركهن الناس، إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة ".
أخرجه البيقهي (٤/ ٤٣) بإسناد حسن، وقال النووي (٥/ ٢٣٩): " إسناد جيد ز وفي " مجمع الزوائد " (٣/ ٣٤): " رواه الطبراني في " الكبير " ورجاله ثقات ".
وقد ثبت في " صحيح مسلم " وغيره عن ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمتين في الصلاة، فهذا يبين أن المراد بقوله في الحديث الأول: " مثل التسليم في الصلاة " أي التسليمتين المعهودتين.
стр. 135
ويحتمل أنه يعني بالاضافة إلى ذلك أنه كان يسلم تسليمة واحدة أيضا، بالنظر إلى أن ذلك كان من سنته ﷺ في الصلاة أيضا، أي أنه ﷺ كان تارة يسلم تسليمتين وتارة تسليمة واحدة لكن الأول أكثر، غير أن هذا الاحتمال فيه بعد لان التسليمة الواحدة وإن كانت ثابتة عنه، ﷺ لكن لم يروها ابن مسعود فلا يظهر أنها تدخل في قوله المذكور " مثل التسليم في الصلاة ". والله أعلم.
وللحديث شاهد، يرويه شريك عن إبراهيم الهجري قال: " أمنا عبد الله بن أبي أوفى على جنازة ابنته فمكث ساعة، حتى ظننا أنه سيكبر خمسا ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له: ما هذا؟ قال: إني لاأزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، أو هكذا صنع رسول الله ﷺ .
أخرجه البيهقي (٤/ ٤٣) وسنده ضعيف من أجل الهجري كم تقدم في المسألة السابقة وقد صح عنه من طريق أخرى بعضه مرفوعا، وبعضه موقوفا، كما ذكرنا هناك، وروى أحمد في " مسائل أبي داود عنه " (١٥٣) عن عطاء بن السائب قال: " رأيت ابن أبي أوفى صلى على جنازة فسلم تسليمة (واحدة) " لكن إسناده ضعيف فيه أبو وكيع الجراح بن مليح، وهو يضعيف واتهمه بعضهم.
وقد ذهب لى التسليمتين الحنفية كما في " المبسوط " (٢/ ٦٥)، أحمد في رواية عنه كما في " الانصاف " (٢/ ٥٢٥) (١) والشافعية كما في " شرح ابن قاسم الغزي " (١/ ٤٣١ - باجوري) وقال: " لكن يستحب زيادة ورحمه الله وبركاته ".
٨٥ - ويجوز الاقتصار على التسليمة الأولى فقط، لحديث أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه: " أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، فكبر عليها أربعا، وسلم تسليمة واحدة ".
أخرجه الدارقطني (١٩١) والحاكم (١/ ٣٦٠) وعنه البيهقي (٤/ ٤٣) من طريق أبي العنبس عن أبيه عنه.
стр. 136
قلت: واسناده حسن كما بينته في " التعليقات الجياد ".
ويشهد له مرسل عطاء بن السائب أن رسول الله ﷺ سلم على الجنا " تسليمة واحدة.
أخرجه البيهقي معلقا.
ويقويه عمل جماعة من الصحابة به، فقد قال الحاكم عقبه: " قد صحت الرواية فيه عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة أنهم كانوا يسلمون على الجنازة تسليمه واحدة ".
قلت: وقد وافقه الذهبي، وأسند البيهقي غالب هذه الاثار، وزاد فيهم " واثلة ابن الاسقع وأبي إمامة وغيرهم ".
وفي اطلاق الصحة على رواية ابن أبي إوفى نظر عندي، لان في سندها الجراح بن مليح وهو ضعيف كما سبق قريبا، إلا أن يكون وقع للحاكم من طريق أخرى، وذلك مما لا أظنه، وإلى هذه الاثار ذهب الامام أحمد في المشهور عنه، وقال أبو داود (١٥٣): " سمعت أحمد سئل عن التسليم على الجنازة؟ قال: هكذا، ولوى عنقه عن يمينه (وقال: السلام عليكم ورحمة الله) ".
قلت وزيادة " وبركاته " في هذه التسليمة مشروعة خلافا لبعضهم، لثبوتها في بعض طرق حديث ابن مسعود المتقدم في التسليمتين في الفريضة، ومثلها في هذه المسألة صلاة الجنازة كما سبق، وذكر ابن قاسم الغزي في شرحه استحبابها هنا في التسليمتين، ورد ذلك عليه الباجوري في حاشيته (١/ ٤٣١) فذهب إلى عدم مشروعيتها هنا ولا في الفريضة والصواب ما ذكرنا.
٨٥ - (١) والسنة أن يسلم في الجنازة سرا، الامام ومن وراءه في ذلك سواء، لحديث أبي أمامة المتقدم في المسألة بلفظ:
стр. 137
" ثم يسلم سرا في نفسه حين ينصرف، والسنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل إمامة ".
وله شاهد موقوف، أخرج البيهقي (٤/ ٤٣) عن ابن عباس أنه:
" كان يسلم في الجنازة تسليمة خفية ".
وإسناده حسن.
ثم روى عن عبد الله بن عمر أنه:
" كان إذا صلى على الجنائز يسلم حتى يسمع من يليه ".
وإسناده صحيح. (١)
٨٦ - ولا تجوز الصلاة على الجنازة في الاوقات الثلاثة التي تحرم الصلاة فيها إلا لضرورة، لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال:
" ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب ".
أخرجه مسلم (٢/ ٢٠٨) وأبو عوانة في صحيحه (١/ ٣٦٨) وأبو داود (٢/ ٦٦)
والنسائي (١/ ٢٨٣) والترمذي (٢/ ١٤٤) وصححه، وابن ماجه (١/ ٤٦٣) والبيهقي (٤/ ٣٢) والطيالسي (رقم ١٠٠١) وأحمد (٥/ ١٥٢) من طريق علي بن رباح عنه.
وزاد البيهقي:
стр. 138
" قال: قلت لعقبة: أيدفن بالليل؟ قال: نعم، قد دفن أبو بكر بالليل ".
وإسنادها صحيح. (١)
стр. 139
(١٤) الدفن وتوابعه
٨٧ - ويجب دفن الميت ولو كان كافرا، وفي حديثان:
الأول: عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو طلحة الانصاري، والسياق له: " أن رسول الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، (فجروا بأرجلهم) فقذفوا في طوى (١) من أطواء بدر خبيث مخبث (بعضهم على بعض)، (إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملاها، فذهبوا يحركوه فتزايل (٢) فأقروه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة)، وكان ﷺ إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة (٣) ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي (٤) فجعل ينادي بأسمائهم وأسماء آبائهم (وقد جيفوا): (يا أبا جهل بن هشام ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا وليد بن عتبة)، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ قال: (فسمع عمر قول النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، (وهل يسمعون؟ يقول الله : ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠])، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، (والله) (إنهم الآن ليعلمون أن
стр. 140
الذي كنت أقول لهم لهو الحق)، وفي رواية، إنهم الآن ليسمعون) (غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا، قال قتادة: أحياهم الله (له) حتى أسمعهم قوله، توبيخا وتصغيرا، ونقمة، وحسرة وندما ".
قلت رواه جماعة من الصحابة، وهذه رواية بعضهم، وهم:
الأول: أبو طلحة الانصاري، يرويه قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة به.
أخرجه البخاري (٧/ ٢٤٠ - ٢٤١) واللفظ له ومسلم (٨/ ١٦٤) وأحمد (٤/ ١٢٩) والزيادة الخامسة له، وهي على شرط مسلم، وأخرجه النسائي أيضا (١/ ٢٩٣)، لكنه لم يذكر في سنده أبا طلحة، وهو رواية لمسلم (٨/ ١٦٣) وأحمد (٣/ ١٠٤)، ١٤٥، ١٨٢: ٢١٩ - ٢٨٧) وعنده الزيادة الأولى والسابعة، وإسنادهما صحيح على شرط مسلم، وعندهم - أعني الثلاثة - الزيادة الرابعة والخامسة، إلا أنهم قالوا: " أمية بن خلف " بدل " وليد بن عتبة " وهو خطأ من بعض الرواة، لان أمية لم يكن في البئر كما تدل عليه الزيادة الثانية، وهي في حديث عائشة كما يأتي بسند حسن، وعندهم أيضا الزيادة السادسة والعاشرة، ولأحمد الحادية عشر.
الثاني: عمر بن الخطاب، رواه عنه أنس أيضا بنحوه، وفيه الزيادة الثانية.
أخرجه مسلم والنسائي وأحمد (رقم ١٨٢).
الثالث: عبد الله بن عمر، وله الرواية الثانية، وفيه الزيادة التاسعة.
أخرجه البخاري (٧/ ٢٤٢ - ٢٤٢ - ٢٤٣) وأحمد (رقم ٤٨٦٤، ٤٩٥٨، ٦١٤٥) وفي رواية له: " فذكر ذلك لعائشة، فقالت: وهل - يعني ابن عمر -، انما قال رسول الله ﷺ ،
إنهم الآن ... " وإسنادها حسن، وفيها الزيادة الثانية أيضا كما تقدم.
واعلم أن العلماء صوبوا رواية ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إنهم الآن ليسمعون "، وردوا قولها فيه " وهل "، لانه مثبت وهي نافية، ولانه لم يتفرد بذلك بل تابعة أبوه عمر وأبو طلحة كما تقدم، وغيرهما كما في " الفتح " فراجعه إن شئت
стр. 141
التفصيل.
والحق أن ما رواه الجماعة صواب، وما روته عائشة كذلك، وكل ثقة ولا تناقض بين الروايتن، فتضم إحداهما إلى الاخرى كما فعلنا في سياق الحديث.
ثم أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٦) وابن هشام في " السيرة " (٢/ ٧٤) بسند حسن، وفيه الزيادة الثالثة.
الثاني: عن علي ﵁ قال: " لما توفي أبو طالب، أتيت النبي ﷺ فقلت: إن عمك الشيخ (الضال) قد مات (فمن يواريه؟)، فقال: اذهب فواره، ثم لا تحدث شيئا حتي تأتيني: (فقال: إنه مات مشركا (١)، فقال: إذهب فواره) قال: فواريته ثم أتيته، قال: إذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني، قال: فاغتسلت، ثم أتيته، قال: فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها.
قال: وكان علي إذا غسل الميت اغتسل ".
أخرجه أحمد (رقم ٨٠٧) وابنه في زوائد " المسند " (رقم ١٠٧٤) من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عنه.
قلت: وسنده صحيح.
وأخرجه أبو داود (٢/ ٧٠) والنسائي (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣) والبيهقي (٣/ ٣٩٨) وأحمد أيضا (رقم ٧٥٩) من طريق أبي إسحاق: سمعت ناجية بن كعب يحدث عن علي به نحوه.
والزيادات لاحمد إلا الثانية فللنسائي.
وإسناده صحيح أيضا، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيحين غير ناجية بن كعب،
قال العجلي في " الثقات ": (٢)
стр. 142
" كوفي تابعي ثقة ".
وقال الحافظ في " التقريب ": ثقة ".
وأما قول النووي في " المجموع " (٥/ ١٨١): " رواه أبو داود وغيره، وإسناده ضعيف ".
فهو مردود، ولا ندري وجهه إلا أن يريد أنه من رواية أبي إسحاق وهو السبيعي، فإنه كان تغير لما كبر.
فإن كان هذا، فالجواب من وجهين: الأول: أنه من رواية سفيان الثوري عنه، وهو من أثبت الناس فيه، كما في " التهذيب".
الثاني: أنه لم يتفرد به، بل جاء من الطريق الأولى كما سبق، وكأن النووي ﵀ لم يقف عليها أو لم يستحضرها حين تكلم على الحديث، ولعله اعتمد في تضعيفه على البيهقي، فقد قال الحافظ في " التلخيص " (٥/ ١٤٩ - ١٥٠) بعد أن عزاه لاحمد وأبي داود والنسائي وابن أبي شيبة وأبي يعلى والبزار والبيهقي من طريق أبي إسحاق .. " ومدار كلام البيهقي على أنه ضعيف، ولا يتبين وجه ضعفه، وقد قال الرافعي انه حديث ثابت مشهور، قال ذلك في أماليه".
وعزاه في " الفتح " (٧/ ١٥٤) لابن خزيمة أيضا وابن الجارود. (١)
стр. 143
٨٨ - ولا يدفن مسلم مع كافر، ولا كافر مع مسلم، بل يدفن المسلم في مقابر المسلمين، الكافر في مقابر المشركين، كذلك كان الامر على عهد النبي ﷺ ، واستمر إلى عصرنا هذا، ومن الادلة على ذلك حديث بشير بن الخصاصية قال: " بنا أماشي رسول الله ﷺ (آخذا بيده).
فقال: يا ابن الخصاصية ما (أصبحت) تنقم على الله؟ (١) أصبحت تماشي رسول الله (قال: أحسبه قال: آخذا بيده)، فقلت: (يا رسول الله بأبي وأمي) ما (أصبحت) أنقم على الله شيئا، كل خير فعل بي الله.
فأتي على قبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء بخير كثير، وفي رواية: خيرا كثيرا) ثلاث مرات.
ثم أتى على قبور المسلمين، فقال: لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا، ثلاث مرات فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة، فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا حاصب السبتيتين ويحك ألق سبتيتك، فنظر فلا عرف الرجل رسول الله
стр. 144
صلى الله عليه وسلم خلع نعليه فرمي بهما ".
أخرجه أبو داود (٢/ ٧٢) والنسائي (١/ ٢٨٨) وابن ماجة (١/ ٤٧٤) وابن أبي شيبة (٤/ ١٧٠) والحاكم (١/ ٣٧٣) والسياق له ومن طريقه البيهقي (٤/ ٨٠) والطيالسي (١١٢٣) وأحمد (٥/ ٨٣، ٨٣، ٢٢٤) والزيادات له، والثانية للبيهقي وليست في المستدرك، وروي الطحاوي (١/ ٢٩٣) منه قصة الرجل صاحب السبتيتين وقال الحاكم: " صحيح الاسناد ".
ووافقه الذهبي، وأقره الحافظ في " الفتح " (٣/ ١٦٠) وروى ابن ماجه عن عبد الله عثمان وهو البصري شعبة أنه قال: حديث جيد ونقل ابن القيم في " تهذيب السنن " (٤/ ٣٤٣) عن الامام أحمد أنه قال: اسناده جيد.
وقال النووي في " المجموع ": (٥/ ٣١٢): " اسناده حسن ".
واحتج به ابن حزم (٥/ ١٤٢، ١٤٣) على أنه لا يدفن مسلم مع مشرك. وفي مكان آخر، احتج به على تحريم المشي بالنعال بين القبور كما سيأتي في التعليق على المسألة (١٢٦).
٨٩ - والسنة الدفن في المقبرة، لان النبي ﷺ كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الاخبار بذلك، وتقدم بعضها في مناسبات شتى، أقربها حديث ابن الخصاصية الذي سقته في المسألة السابقة، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة، إلا ما تواتر أيضا أن النبي ﷺ دفن في حجرته، وذلك من خصوصياته عليه السلاة والسلام، كما دل عليه حديث عائشة ﵂: قالت: " لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته قال: " ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه "، فدفنوه في موضع فراشه ".
أخرجه الترمذي (٢/ ١٢٩) وقال: " حديث غريب، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يضعف من قبل حفظه ".
قلت: لكنه حديث ثابت بما له من الطرق والشواهد:
أ - أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٩٨، ٤٩٩) وابن سعد (٢/ ٧١) وابن عدي في الكامل " (ق ٩٤/ ٢) من طريق ابن عباس عن أبي بكر.
стр. 145
ب - وابن سعد وأحمد (رقم ٢٧) من طريقين منقطعين عن أبي بكر.
ج - ورواه مالك (١/ ٢٣٠) وعنه ابن سعد بلاغا.
د - ورواه ابن سعد بسند صحيح عن أبي بكر مختصرا موقوفا، وهو في حكم المرفوع، وكذلك رواه الترمذي في " الشمائل " (٢/ ٢٧٢) في قصة وفاته ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر (١/ ٤٢٠): " واسناده صحيح، لكنه موقوف، والذي قبله أصرح في المقصود، وإذا حمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك، بل هو متجه، لان استمرار الدفن في البيوت ربما صيرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة " وقد استنبط البخاري الكراهة من قوله ﷺ : " اجعلو في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا ".
أورده في " باب كراهية الصلاة في المقابر " من حديث ابن عمر، فقال الحافظ: " ولفظ حديث أبي هريرة عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله: " لا تجعلو بيوتكم مقابر "، فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقا ".
٩٠ - ويسثني مما سبق الشهداء في المعركة، فإنهم يدفنون في مواطن استشهادهم ولا ينقلون إلى المقابر لحديث جابر ﵁ قال: " خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، وقال أبي عبد الله: يا جابر ابن عبد الله لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لاحببت أن تقتل بين يدي، قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا - إذ لحق رجل ينادي: ألا إن رسول الله ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلي فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا ".