بالتفاضل وذهب شيخ الإسلام كأبي حنيفة إلى الجواز فوزع الأفراد على الأفراد فصار الدرهم يقابل درهما من غير زيادة والمد يقابل الدرهم الآخر فجعلت المماثلة والتساوي في الجنس وهو مشكل والله أعلم
стр. 212
الرسالة الثالثة والعشرون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٢٣"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ جمعان منحه الله من العلوم أنفعها ومن الفضائل أرفعها آمين:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فقد وصل إلينا كتابك فاستبان به مرامك وخطابك وسررنا به غاية السرور جعله الله تعالى من مكاسب إلا جور وقد سألت فيه أمدك الله عن اثنتي عشرة مسئلة٠
" أولها " قول العلماء ﵃ فيمن حرم زوجته الخ
" فالجواب" وبالله التوفيق ومنه استمد العون والتحقيق تحريم الزوجة ظهار ولو نوى به طلاق أو يمينا نص عليه إما منا ﵀: في رواية الجماعة وهو المذهب ونقل عنه ما يدل على أنه يمين وفاقا للثلاثة رحمهم الله تعالى وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات والفتاوى المصرية في باب الظهار بالأول لكن قال ابن القيم ﵀: في الإعلام إنه إن وقع التحريم كان ظهارا ولو نوى به الطلاق وإن حلف به كان يمينا مكفرة وهذا اختيار شيخ الإسلام وعليه يدل النص والقياس فإنه إذا أوقعه كان قد أتى منكرا من القول وزورا وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرم وإذا حلف به كان يمينا من الأيمان كما لو التزم الإعتاق والحج وهذا محض القياس والفقه انتهى.
قلت: قوله: وإذا حلف كان يمينا إلى آخره بناء على ما ذهب إليه من أن المعلق للطلاق على شرط يقصد بذلك الحض أو المنع أو الالتزام فإن يجزئه فيه كفارة يمين إن حنث وإن أراد الإيقاع عند وجوب المعلق عليه طلقت وصرح به الشيخ رحمه الله تعالى: في باب تعليق الطلاق بالشروط قال: كذا
стр. 213
الحلف بعتق وظهار وتحريم.
"المسئلة الثانية" إذا أحال إنسان على آخر ولم يعلم بذلك حتى قضاء دينه أو قضاء من أحاله عليه ثانيا الخ.
"فالجواب" قد برئت ذمه المدين من الدين إذا دفعه إلى صاحبه أو إلى من أذن له أن يدفعه إليه لوجوب القضاء بعد الطلب فورا ولا تلزم المدين غرم ما قضاه من الدين لان الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم فلا تبعة عليه فيما لم يعلم وقد أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقدس روحه هذه القاعدة وقرر أدلتها فعلى هذا يرجع من أحيل أولا بدينه على المحيل كما قبل الحوالة والله أعلم.
"المسئلة الثالثة" إذا رهن إنسان زرعه أو نخله ونحوه فاحتاج الراهن لما يصلح الرهن فطلب من المرتهن أن يداينه لذلك أو يطلق الرهن لمن يداينه لا صلاحه فامتنع وعلى الراهن ضرر.
"فالجواب" أن الصحيح من أقوال العلماء أن القبض والاستدامة شرط للزوم الرهن قال في الشرح ولا يلزم الرهن إلا بالقبض ويكون قبل قبضه رهنا جائزا يجوز للرهن فسخه وبهذا قال: أبو حنيفة والشافعي وقال بعض أصحابنا في غير المكيل والموزون رواية أنه يلزم بمجرد العقد ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى: وفي رواية الميموني وهو مذهب مالك ﵀: ووجه الأول قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فعلى هذا إن تصرف الراهن فيه قبل القبض بهبة أو بيع أو عتق أو جعله صداقا أو رهنه ثانيا بطل الرهن الأول سواء قبض الهبة أو المبيع أو الرهن الثاني أو لم يقبضه فإن أخرجه المرتهن إلى الراهن باختياره زال لزومه وبقي العقد كأنه لم يوجد فيه قبض انتهى.
قال في الأنصاف هذا المذهب وعليه الأصحاب وعنه أن استدامته في المعين ليس بشرط واختاره في الفائق انتهى ملخصا فقد عرفت إلا صح من الأقوال الذي عليه أكثر العلماء رحمهم الله تعالى فعليه لا ضرر على الراهن:
стр. 214
لبطلان الرهن بالتصرف إذا لم يكن في قبضة المرتهن وقد ذكر العلماء أيضا أن المرتهن لا يختص بثمن الرهن إلا إذا كان لازما عدا هذا القول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ويترتب على الفتوى به من المفاسد مالا يتسع لذكره هذا الجواب وليس مع من أفتى إلا محض التقلد وأن العامة تعار فوه فيما بينهم ورأوه لازما وأنت خبير بأن هذا بحجة شرعية وإنما الحجة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع وهو اتفاق مجتهدي العصر على حكم ولا بد للإجماع من مستند والدليل الرابع القياس الصحيح وكذا الاستصحاب على خلاف فيه. فلا إله إلا الله كم غلب على أحكام الشرع في هذه الأزمنة من التساهل في الترجيح وعدم التعويل على ما اعتمد المحققون من القول الصحيح وقد ادعى بعضهم أن شيخنا الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: كان يفتي بلزوم الرهن وإن لم يقبض فاستعبدت ذلك على شيخنا رحمه الله تعالى: ولو فرضنا وقوع ذلك فنحن بحمد الله متمسكون بأصل عظيم وهو أنه لا يجوز لنا العدول عن قول موافق لظاهر الكتاب والسنة القول أحد كائنا من كان. وأهل العلم معذورون وهم أهل الاجتهاد كما قال الإمام مالك ﵀: تعالى: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر يعني رسول الله ﷺ ثم بعد زعم هذا الزاعم من الله علي بالوقف على جواب شيخنا الإمام رحمه الله تعالى: فإذا هو جار على إلا صح الذي عليه أكثر العلماء.
وصورة جوابه أن الراجح الذي عليه كثير من العلماء ﵏ أو أكثرهم أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض وقبض كل شيء هو المتعارف فقبض الدار والعقار هو تسلم المرتهن له ورفع يد الراهن عنه هذا هو القبض بالإجماع ومن زعم أن قوله: مقبوض يصيره مقبوضا فقد خرق الإجماع مع كونه زورا مخالفا للحس.
إذا ثبت هذا فنحن إنما أفتينا بلزوم هذا الرهن لضرورة وحاجة فإذا أراد صاحبه أن يأكل أموال الناس ويخون في أمانته لمسألة مختلف فيها فالرجوع إلى الفتوى بقول الجمهور في هذه المسألة فإن رجعنا إلى كتاب الله وسنة
стр. 215
رسول الله ﷺ في إيجاب العدل وتحريم الخيانة فهذا هو الأقرب قطعا وإن رجعنا إلى كلام غالب العلماء رحمهم الله تعالى فهم لا يلزمون ذلك إلا برفع يد الراهن وكونه في يد المرتهن انتهى المقصود.
فذكر رحمه الله تعالى: في هذه الفتيا أن الراجع الذي عليه أكثر العلماء أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض وأنه إنما أفتى بخلاف لضرورة وحاجة وأنه رجع إلى قول الجمهور لما قد ترتب على خلافه من الخروج من العدل ومن الخيانة وهذا الذي أشار إليه ﵀: من الخروج عن العدل وأكل أموال الناس بالباطل والخيانة في الأمانة قد رأيناه عيانا وسببه الإفتاء بخلاف قول الجمهور في هذه المسألة وقد قرر رحمه الله تعالى: في هذه الفتيا أن قول الجمهور أقرب إلى العدل فلا يجوز أن ينسب إليه غير هذه القول المقرر هنا والله أعلم.
"المسألة الرابع" إذا ستأجر إنسان أرضا للزرع ونحوها ثم رهنه فقصرت الثمرة عن الدين والأجرة وعن الحداد والخراز إلى آخره.
فالجواب إذا انتفى لزوم الرهن لعدم القبض أو الاستدامة تحاصوا في الثمرة وغيرها على قدر الذي لهم لان محل ذلك ذمة المدين وتقديم أحدهم على غيره ترجيح من غير مرحح وما اشتهر بين الناس من تقديم العامل في الزرع ونحوه بأجرته فلم نقف له على أصل يوجب المصير إليه والله أعلم.
"المسألة الخامسة" إذا دفع إنسان إلى آخر عروض مضاربة وجعل قيمتها رأس مال المضاربة هل يجوز هذا أم لا؟
"الجواب" يشترط في المضاربة وشركة العنان أن يكون رأس المال من النقدين أو أحدهما وهو المذهب وعنه رواية أخرى أنها تصح بالعروض اختاره أبو بكر وأبو الخطاب وصاحب الفائق وغيرهم قال في الأنصاف قلت وهو الصواب فعلى هذه الرواية يرجع عند المفارقة العروض عند العقد كما جعلنا نصابها قيمتها وسواء كانت مثلية أو غير مثلية والله أعلم:
"المسألة السادس" إذا إنسان مالا مضاربة وعمل فيه المضارب ثم.
стр. 216
تلف من المال شيء بخسارة أو نحوها ثم فسخ المضارب هل عليه أن يعمل فيه حتى يكمل رأس المال أم لا "الجواب" ذكر في القواعد الفقهية عن ابن عقيل ما حاصله انه لا يجوز للمضارب الفسخ حتى ينض رأس المال ويعلم به ربه لئلا يتضرر بتعطيل ماله عن الربح وأما المالك لا يملك الفسخ إذا توجه المال الربح ولا يسقط به حق العامل قال: وهو حسن جار على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسد الذرائع ولهذا قلنا إن ضارب الآخر من علم الأول وكان عليه في ذلك ضرر رد حقه من الربح في شركة الأول انتهى أقول مراده بقوله: حتى ينض رأس المال يعني به إذا لم ينقص أما إذا نقص فليس على المضارب إلا تنضيض ما بقي في يده من رأس المال لان المضاربة عقد جائز ولا ضمان على المضارب فيما تلف من غير تعد منه ولا تفريط والله أعلم.
"المسألة السابعة" هل يلزم صاحب الأصل إذا أكرى أرضه أو شجرة عند من يجوز ذلك ما يلزمه في عقد المساقاة من سد حائط أو أجراء نهر ونحوه أم لا.
"فالجواب" لم أقف في هذه المسئلة للعلماء رحمهم الله تعالى على نص والله أعلم.
"المسألة الثامنة" ما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار ثم اشتراه بعض التجار من آخذة ثم باعه على آخر الخ.
"فالجواب" ما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار الأصليون فذكر القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى: إنهم يملكونه بالقهر وهو المذهب عنده.
وقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد أنهم لا يملكون يعنى ولو حازوه إلى دراهم قال في الإنصاف وهي رواية عن أحمد اختارها الآجري وأبو الخطاب في تعليقه وابن شهاب وأبو محمد الجوزي وجزم به ابن عبدوس في تذكر ته قال في النظم لا يملكونها في الأظهر وذكر ابن عقيل في فنونه ومفرداته روايتين:
стр. 217
وصحح فيها عدم الملك وصححه في نهاية ابن رزين ونظمها انتهى.
قال في الشرح وهو قول الشافعي وابن المنذر لحديث ناقة رسول الله ﷺ ولأنه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم يملك بها كالغصب ولأن من لا يملك رقبة غيره لا يملك ماله به أي بالقهر كالمسلم مع المسلم ووجه الأول أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فيملك به الكافر مال المسلم كالبيع فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دراهم وهو قول مالك. وذكر القاضي أنهم إنما يملكونها بالحيازة إلى دارهم وهو قول أبي حنيفة وحكي عن أحمد في ذلك روايتان قال ابن رجب ونص أحمد أنهم لا يملكونها إلا بالحيازة إلى دراهم فعليها يمتنع ملكهم لغير المنقول كالعقار ونحوه لأن دار الإسلام ليست لهم دارا وإن دخلوها لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن أحمد لم ينص على الملك ولا على عدمه وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك قال: والصواب أنهم يملكونها ملكا مقيدا لا يساوي أملاك المسلمين من كل وجه انتهى.
قلت قد صرح في كتاب الصارم والفتاوى المصرية وغيرها أن القيد المشار إليه هو إسلام أخذها ونصه: ولو أسلم الحربي وبيده مال مسلم قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه كان له ملكا ولم يرده إلى الذي كان يملكه عند جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الراشدين وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ومنصوص أحمد ﵏ وهو قول جماهير أصحاب أحمد بناء على أن الإسلام والعهد أقرا ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكا له فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحقها قال في الاختيارات: قال أبو العباس: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال قبضا يعتقدون جوازه فإنه يستقر لهم بالإسلام قال ومن العلماء من قال يرده على مالكه المسلم كالغضب ولأنه لو أخذه منهم المسلم أخذا لا يملك به مسلم من مسلم بأن يغنمه أو يسرقه فإنه يرد إلى مالكه المسلم لحديث ناقة النبي ﷺ وهو مما اتفق الناس عليه فيما نعلمه,
стр. 218
ولو كان قد ملكوه لملكه الغاتم منهم ولم يرد إلى ملكه انتهى واختار أن الكافر بملكه بالإسلام عليه.
أقول تأمل ما ذكره شيخ الإسلام من حجة الشافعي وموافقيه على أن الكفار لا يملكون أموال المسلمين فلو كان الكافر يملك مال المسلم بالاستيلاء أو بالحيازة إلى داره لم يرد النبي على ابن عمر عبده وفرسه التي كان أخذها العدو لما ظهر عليهم المسلمون فلو لم يكن باقيا على ملك ابن عمر لم يرد إليه وليس لتخصيصه بذلك دون شائر الغانمين معنى غير ذلك وعمل بذلك أصحاب رسول الله ﷺ بعده والأحاديث في ذلك مشهورة في كتب الأحكام وغيرها قال البخاري ﵀: في صحيحه "باب إذا غنم المسلمون مال مسلم ثم وجده المسلم" قال ابن نمير حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: ذهب فرس له فأخذه بالروم فظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ثم ساقه بسنده متصلا. وما استدل به القائلون بأنهم يملكونها بالقهر من أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فملك به الكافر مال المسلم فهذا قياس مع الفارق لا يصح دليلا لو لم يكن في مقابلة الأحاديث فكيف والأحاديث تمنعه؟ ولو لم يكن مع الشافعي وأبي الخطاب وابن عقيل فيما صححه من الروايتين ومن وافقهم كابن المنذر إلا حديث مسلم: إن قوما أغاروا على سرح النبي ﷺ فأخذوا ناقته وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أياما ثم خرجت في بعض الليل قالت فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثم توجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة فإذا هي ناقة النبي ﷺ فأخذها فقلت يا رسول الله إني نذرت أن أنحرها فقال: "بئس ما جازيتها لا نذر في معصية الله" وفي رواية "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم" هذا هو الحديث المشار إليه فيما تقدم. وقد عرفت من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن من العلماء من قال يرده على مالكه المسلم ولو أسلم عليه وعزاه إلى الشافعي
стр. 219
وأبي الخطاب وذكر ما يدل لهذا القول وأنا اذكر ما يدل لذلك أيضا وإن لم يذكره شيخ الإسلام وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر قال كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرض فقال أحدهما أن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية وهو امرؤ القيس بن عباس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان قال "بينتك؟ " قال ليس لي بينة قال: "يمينه" قال إذا يذهب بها؟ قال: "ليس لك إلا ذلك" الحديث.
وأما حكم ما أخذه المسلمون منهم مما قد أخذوه من مال المسلم فالجمهور من العلماء يقولون إذا علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شيء قال في الشرح في قول عامة أهل العلم منهم عمر وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وحجتهم ما تقدم من قصة ابن عمر قال في الشرح: وكذلك إذا علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه فقسم وجب رده وصاحبه أحق به بغير شيء لأن قسمته كانت باطلة من أصلها فهو كما لو لم يقسم فأما إن أدركه بعد القسم ففيه روايتان "إحداهما" يكون صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على آخذه وكذلك إن بيع ثم قسم بثمنه فهو أحق به بالثمن وهذا قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك لئلا يفضي على حرمان آخذه من الغنيمة أو تضييع الثمن على المشتري يعني من الغنيمة وحقهما ينجبر بالثمن فيرجع صاحب المال في غير ماله بمنزلة مشتري الشقص المشفوع "والرواية الثانية" أنه لا حق له فيه بعد القسمة بحال نص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره وهو قول عمر وعلي وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث وقال الشافعي وابن المنذر يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها ويعطي مشتريه ثمنه من خمس المصالح لأنه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب أن يستحقه بغير شيء كما قبل القسمة ويعطي من حسب عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان آخذه حقه من الغنيمة وجعل من سهم المصالح لأن هذا منها فإن أخذه أحد الرعية بهبة أو سرقة أو بغير شيء فصاحبه أحق به بغير شيء. وقال أبو حنيفة لا يأخذه إلا بالقيمة وهو محجوج بحديث
стр. 220
ناقة النبي ﷺ المتقدم ولأنه لم يحصل في يده بعوض فصار صاحبه أحق به بغير شيء كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة.
فأما إن اشتراه رجل من العدو فليس لصاحبه أخذه إلا بثمنه وهذا كله إنما هو في الكافر الأصلي.
وأما المرتد فلا يملك مال المسلم بحال عند جميع العلماء ولا يعلم أحد قال به وقد تتبعت كتب الخلاف كالمغني والقواعد والإنصاف وغيرها فما رأيت خلافا في أنه لا يملكه وإنما الخلاف فيما أتلفه إذا كان في طائفة ممتنعة أو لحق بدار حرب والمذهب أنه يضمن ما تلف في يده مطلقا فافهم ذلك فالمسلم يأخذ ماله من المرتد أو ممن انتقل إليه بعوض أو غيره بغير شيء.
وما تلف في يد المرتد من مال المسلم أو تلف عند من انتقل إليه من جهة المرتد فهو مضمون كالمغصوب.
ثم أعلم أنه قد يغلط من لا تمييز عنده في معنى التلف وإلا تلاف فيظن أنه إذا استنفق المال أو باعه أو وهبه ونحو ذلك يعد إتلافا وليس كذلك بل هذا تصرف وانتفاع.
وقد فرق العلماء ﵏ بين هذا وبين الإتلاف. ومن صور الإتلاف والتلف أن يضيعه أو يضيع أو يسرق أو يحرق أو يقتل ونحو ذلك فإن كان بفعله فهو إتلاف وإن كان بغير فعله فهو بالنسبة إليه تلف يترتب عليه أحكام ما تلف بيده وبالنسبة إلى الفاعل إتلاف.
وضابطه فوات الشيء على وجه لا يعد من أنواع التصرف.
إذا عرفت أن حكم المرتد يفارق حكم الكافر الأصلي.
فاعلم أنه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فيمن اشترى مال مسلم من التتر لما دخلوا الشام أن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح وأعطى مشتريه ما اشتراه به لأنه لم يصر له إلا بنفقته وإن لم يقصد ذلك انتهى من الإنصاف.
وسئل أيضا عمن اشترى فرسا ثم ولدت عنده حصانا وأخذ السلطان الفرس وأهدى الحصان لرجل فأعطاه عوضه ثم ظهرت الفرس أنها كانت مكسوبة نهبا من قوم فهل يحرم ثمن الحصان.
فأجاب إن كان صاحب الحصان معروفا ردت إليه فرسه ورجع المشتري
стр. 221
بالثمن على بائعه ويرجع عليه بقيمة الحصان أو قيمة نصفه الذي يستحقه صاحبه لكونه غره وإن كانت مكسوبة من التتر أو العرب الذين يغير بعضهم على بعض فيأخذ هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء ولم يعرف صاحبهما لم يحرم على مهدي الحصان عوض هديته والله أعلم.
وقد صرح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بأن هذا المنهوب يرد إلى صاحبه أو قيمته إن تصرف فيه ويرجع المشتري بالثمن على البائع وإنه إن لم يعرف صاحب ما أخذ من التتر والعرب لم يحرم عليه عوضه. فمفهومه أنه إن عرف صاحبه فعوضه حرام على من اعتاص عنه لكونه ظهر مستحقا لمسلم معصوم وهذا أيضا يفيده ما تقدم من قوله: فيمن اشترى مال مسلم من التتر لا يملكون مال المسلم بالاستيلاء والحيازة. ومن المعلوم أن التتر من أعظم الناس كفروا لما جمعوه من المكفرات في الاعتقادات والأعمال ومع ذلك قال شيخ الإسلام ويرد ما أخذوه لصاحبه المسلم من غير أن يدفع إلى مشتريه منهم شيئا كما يفيده الجواب الثاني ولم يقل فيه إنه لا يحرم على من اعتاض عن الحصان شيئا إلا بقيد عدم معرفة صاحبه بناء على أصله في الأموال التي جهلت أربابها ولذلك قال في المكوس إذا اقطعها الإمام الجند هي حلال لهم إذا جهل مستحقها. وبذا يظهر الجواب عن المسألة "التاسعة" وهو أن ما وقع في هذه السنين من النهب والظلم يرد ما وجد منه إلى مالكه من غير أخذ ثمن ولا قيمة. وحكم يد المشتري منهم حكم إلا يدي المترتبة على يد الغاصب لما تقرر من أن الخلاف إنما جرى في الحق الكافر الأصلي وأما المرتد ونحوه فالقول بأنه لا يملك مال المسلم مسألة وفاق. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: في الفتاوى المصرية مايفهم به الفرق بين الكافر الحربي والمرتد فقال: وإذا قدر على كافر حربي فنطق بالشهادتين وجب الكف عنه بخلاف الخارجين عن الشريعة كالمرتدين الذين قاتلهم أبو بكر ﵁ والتتر وامتثال هؤلاء الطوائف ممن نطق بالشهادة ولا يلتزم شعائر الإسلام. وأما الحربي فإذا نطق بها كف عنه
стр. 222
وقال أيضا ويجب جهاد الكفار واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأموالهم باتفاق المسلمين ويجب على المسلمين أن يكونوا يدا واحدة على الكفار وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله انتهى. فيعلم مما تقرر أن الأموال المنهوبة في هذه السنن غصوب يجري فيها حكم الغصب وما يترتب عليه.
وبهذا أفتى شيخنا الشيخ عبد الله ابن شيخنا الإمام محمد ﵏. وافتى به الشيخ محمد بن علي الشوكاني قاضي صنعاء اليمن وما ظننت أن أحدا له أدنى ممارسة في العلم يخالف ذلك والله أعلم.
"المسئلة العاشرة" قال السائل وجدت نقلا عن الاقناع وشرحه إذا ذبح السارق المسلم أو الكتابي المسروق مسميا حل لربه ونحوه أكله ولم يكن ميتة كالمغصوب انتهى قال السائل وهل هذا إلا مغصوب ويعارضه حديث عاصم بن كليب عن أبيه الخ.
"الجواب" لا معارضة إذا ترك رسول الله ﷺ وأصحابه إلا كل منها لا يدل على إنها ميتة من وجوه "منها" إنها ليست ملكا لهم ولا لمن ذبحها فهي وإن حرمت عليهم فلا تحرم على مالكها ولا من أذن له مالكها في إلا كل منها ويتحمل أنه ترك الأكل منها تنزها ويدل على حلها بهذه الذكاة قوله: "أطعميه الأسارى" وهو لا يطعمهم ميتة وقوله: كالمغصوب راجع لقوله: حل لا لقوله: ميتة شبهه بذبح الحيوان المغصوب في الحل لا في الحرمة والله أعلم
"المسئلة الحادية عشرة" إذا كان لإنسان على آخر دين من طعام أو نحوه فأشفق في الوفاء فطلب غريمه أن يعطيه الثمرة عن ماله في ذمته فهل يجوز ذلك أم لا؟.
"فالجواب وبالله التوفيق" قال البخاري ﵀: في صحيحه "باب إذا قاص أو جازفه في الدين فهو جائز" زاد رواية كريمة تمرا بتمر أو غيره وساق حديث جابر ﵁ أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن ينظره فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له إليه فجاء رسول الله ﷺ فكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له فأبى الحديث وبه.
стр. 223
استدل ابن عبد البر وغيره من العلماء ﵏ على جواز أخذ الثمر على الشجر عما في الذمة إذا علم أنه دون حقه إرفاقا بالمدين وإحسانا إليه وسماحة بأخذ الحق ناقصا وترجم البخاري ﵀: بهذا الشرط فقال "إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز" ساق حديث جابر ﵁ أيضا فاما إذا كان يحتمل أنه دون حقه أو مثله أو فوقه فهذا غير جائز أن يأخذ عما في الذمة شيئا مجازفة أو خرصا لا سيما إذا كان دين سلم لما روى البخاري وغيره عن ابن عمرو ﵄ أن رسول ﷺ قال "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم" ومضمون هذا الحديث عام وبه اخذ الجمهور وقد يقال أن قضية جابر قضية عين لا عموم لها ويترجح المنع سدا للذريعة لا سيما في هذه إلا وقات لكثرة الجهل والجراءة بأدنى شبهة والله أعلم.
"المسألة الثانية عشرة" ما حكم الباطل والفاسد عند أهل الأصول الخ.
"الجواب" هما مترادفان عند الأصوليين والفقهاء من الحنابلة والشافعية وقال: أبو حنيفة أنهما متباينان "فالباطل" عنده ما لم يشرع بالكلية كبيع المضامين والملاقيح "الفاسد" ما شرع اصله ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم كالربا وعند الجمهور كل ما كان منهيا عنه إما لعينه أو وصفه ففاسد وباطل لكن ذهب بعض الفقهاء من الحنابلة إلى التفرقة بين ما أجمع على بطلانه وما لم يجمع عليه فعبروا عن الأول بالباطل وعن الثاني بالفاسد ليتميز هذا من هذا لكون الثاني تترتب عليه أحكام الصحيح غالبا أو أنهم قصدوا الخروج من الخلاف في نفس التعبير لأن من عادة الفقهاء من أهل المذاهب رحمهم الله تعالى مراعاة الخروج من الخلاف وبعضهم يعبر بالباطل عن المختلف فيه مراعيا للأصل ولعل من فرق بينهما في التعبير لا يمنع من تسمية المختلف فيه باطلا فلا اختلاف ومثل ذلك خلافهم في الفرض والواجب قال في القواعد الأصوليه إنها مترادفان شرعا في اصح الروايتين عن أحمد اختارها جماعة منهم ابن عقيل وقاله الشافعية وعن أحمد الفرض آكد اختارها جماعة.
стр. 224
وقاله الحنفية فعلى هذه الرواية الفرض ما ثبت مقطوع به وذكره ابن عقيل عن أحمد وقيل مالا يسقط في عمد ولا سهو وحكى ابن عقيل عن أحمد رواية أن الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان بالسنة وفائدة الخلاف أنه يثاب على أحدهما اكثر وان طريق أحدهما مقطوع به والآخر مظنون ذكره القاضي وذكرهما ابن عقيل على الأول قال غير وأحد والنزاع لفظي وعلى هذا الخلاف ذكر الأصحاب مسائل فرقوا فيها بين الفرض والواجب والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم١.
стр. 225
الرسالة الرابعة والعشرون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٢٤"
من عبد الرحمن بن حسن إلى المكرم عثمان بن عيسى سلمه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"وبعد" وصل خطك وصلك الله إلى خير والمحب بخير وعافية ويحمد إليك الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه وخواص إخوانك بخير وعافية جعلنا الله وإياكم ممن عرف النعمة وقدرها وشكر الله تعالى عليها بالاعتراف بها والذل والخضوع والعبودية لمسديها آمين.
وتسال عمن نفر من الحج ولم يطف طواف الزيارة والسعي ثم أراد السفر لقضاء ما تركه فهل له إذا وصل إلى المقيات أن يحرم بعمرة مفردة ثم يأتي بما بقي عليه وهل يجوز أن كان الوقت لم يتسع أن يحرم بالحج فإذا فرغ من أعماله أتى ببقية أعمال حجه الأول هذا ملخص السؤال.
"الجواب" قال في شرح المنتهى: فلو تركه أي طواف الزيارة وأتى بغيره من فرائض الحج وبعد عن مكة مسافة القصر رجع إلى مكة معتمرا فأتى بافعال العمرة ثم يطوف للزيارة انتهى, وهذه مسئلة السائل أحد جزيئياتها فيحرم بالعمرة متمتعا بها إلى الحج فإذا فرغ من أعمالها أتى بما تركه من طواف وسعي أما إذا ضاق الوقت بان لم يمكنه قدوم مكة قبل الوقوف فيحرم قارنا أو مفردا فإذا
стр. 226
رمي جمرة العقبة وأفاض إلى مكة وطاف الزيارة وسعى بعده رجع إلى البيت فأتى بما تركه عام أول من طواف وسعى. فإن قدم الطواف والسعي الذي تركه على طواف حجه الذي هو في اعماله جاز ذلك لان وقت طواف الزيارة والسعي موسع فمتى فعله وقع أداء. هذا ما تقتضيه قواعد مذهبنا وأصوله والله أعلم سلم لنا على حمد بن فارس وحمد بن عبد الجبار وابن ناجم وخواص الإخوان ومن عندنا خواص الأخوان وفيصل وآل الشيخ وإبراهيم وابنه وكاتبه ناصر العريني يسلم وأنت في أمان الله والسلام١
стр. 227
الرسالة الخامسة والعشرون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٢٥"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ عثمان بن باشر سلمه الله تعالى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
"وبعد" وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه وسرنا طيبك وصحة حالك عافانا الله وإياكم من كل سوء وأعاذنا وإياكم من ولاة السوء.
والإمام وأل الشيخ وخواص الاخوان تسرك حالهم كذلك طلبة العلم نبشرك أنهم كثيرون ويا أخي المؤمن مرآة أخيه جعلنا الله وإياكم من المؤمنين وخطك سرني من وجه وسائني من وجه وهو السج والمجازفة في المدح فيا أخي لسنا مستحقين لشيء من ذلك فلا تعاملنا بمثل ذلك دعوة صالحة خير.
كلمة اشتهرت على الآلسنة من غير قصد وهو قول الكثير في المكتبات إذا سأل الله شيئا قال وهو القادر على ما يشاء وهذه الكلمة يقصد بها أهل البدع شرا وكل مافي القرآن ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وليس في الكتاب والسنة ما يخالف ذلك أصلا لأن القدرة شاملة كاملة وهي العلم صفتان شاملتان يتعلقان بالموجودات والمعدومات وإنما قصد أهل البدع بقولهم وهو القادر على ما يشاء أي إن القدرة لا تتعلق إلا بما تعلقت المشيئة به.
стр. 228
وأما الرجل الذي ذكرت لي عنه فالذي ذكرت عنه من طرف الشيخ ﵀: والثناء عليه ودعوته التي أنعش الله بها الخلق الكثير والجم الغفير في آخر هذا الزمان والمشار إليه ما نظن فيه إلا بحسن الرأي في ذلك بقي أن هنا أمورا فالسالم منه قليل نادر نسأل الله التوفيق لحسن المتاب وأما ما يقول الناس من الكذب والافتراء لاجل أغراضهم الدنيوية فهذا طبعهم خصوصا في هذه الأوقات والذي يصدق الناس فيما نقلوه من الأوهام والاكاذيب يتعب ويأتم وبلغ إخوانك السلام ومن لدينا الإمام ومن ذكرنا وكاتبه عبد العزيز بن موسى ينهون السلام وأنت السلام١.
стр. 229
الرسالة السادسة والعشرون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٢٦"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام الاكرم فيصل بن تركي سلمه الله وهداه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته "وبعد" فالواجب علينا وعليكم التناصح في دين الله والتذكير بنعم الله وأيامه فإن ذلك من المصالح الخاصة والعامة ما لا يحيط به إلا الله وفي الحديث "مانزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة" ولله حق وعبودية على خلقه بحسب وسعهم وقدرتهم ولذلك كان على ولاة الامور ورؤساء الناس المطاعين فيهم ما ليس عامتهم وسوقتهم وكل خير في الدنيا والآخرة إنما حصل بمتابعة الرسل وقبول ما جاؤا به وكل خير في الدنيا والآخرة إنما حصل بمتابعة الرسل وقبول ما جاؤا به وكل شر في الدنيا والآخرة إنما حدث ووقع بمعصية الله ورسله والخروج عما جاءوا به من النور والهدى. وهذه الجملة شرحها يطول وتفاصيلها لا يعلمها إلا الله الذي ﴿لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ والسير والاعتبار والاستقراء والقصص والأمثال والشواهد النقلية والعقلية تدل على هذا وترشد إليه وبعض الأذكياء يعرف ذلك في نفسه وأهله وولده ودابته قال بعضهم: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق أهلي
стр. 230
ودابتي واللبيب يدرك من الأمور الجزئية والكليية ما لايدركه الغبي الجاهل ويكفي المؤمن قوله تعالى ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ فهذه الآية يدخل فيها كل نعيم باطنا وظاهرا في الدنيا والآخرة وفي البرزخ وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية. ويدخل في هذا كل شيء من المصائب والجزاء حتى الشوك والهم والحزن لكن المؤمن يثاب على ذلك ويكفر عنه بإيمانه كما دل على ذلك الحديث.
إذا عرف هذا فكثير من الناس يعرف أن المصائب والابتلاء حصل بسبب الذنوب ويقصد الخروج منها والتوبة ولا يوفق- نعوذ بالله من ذلك – وذلك لأسباب منها جهله بالذنوب ومراتبها وحالها عند الله ومنها جهله بالطريق التي تخلصه منها وتنقذه من شؤمها وشرها وتبعتها.
ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك وما يخلص منه إلا من جهة الرسول ﷺ ومعرفة ما جاء به من الهدى ودين الحق إجمالا وتفصيلا فإنه الواسطة بين العباد وبين ربهم في إبلاغ ما يحبه الرب ويرضاه ويريده من عباده ويوجب السعادة والنعيم والفلاح في الدنيا والآخرة وفي إبلاغ ما يضرهم ويسخط ربهم ويوجب الشقاوة والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة فكل طريق غير طريقه مسدود على سالكيه وكل عمل ليس عليه رسمه وتقريره فهو رد على عامليه.
وقد عرفتم أرشدكم الله تعالى أن الله بعث محمدا ﷺ على حين فترة من الرسل وأهل الأرض قد عمتهم الجهالة وغلبت عليهم الضلالة عربيهم وعجميهم إلا من شاء الله من بقايا أهل الكتاب.
فأول دعوته ﷺ ورسالته وقاعدة قوله: رد الخلق إلى الله وأمرهم بعبادته وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة والبراءة منهم وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص وهو أودعوة الرسل وأول الواجبات والفرائض.
ومكث ﵊ مدة من الدهر نحو العشر بعد النبوة يدعو إلى هذا ويأمر به وينهى عن الشرك وينذر عنه وفرض الفرائض وبقية يدعوا إلى هذا ويأمر به وينهى عن الشرك وينذر عنه وفرض الفرائض وبقية
стр. 231
الأركان بعد ذلك منجما.
إن هذا هو أهم الأمور وأوجبها على الخلق كما في الحديث "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد" وكان من هديه ﷺ أن يبعث عماله ويرسل رسائله إلى أهل الأرض ويدعوهم إلى هذا يبدأ به قبل كل شيء ولا يأمر بشيء من الأركان إلا بعد التزامه ومعرفته كما دل عليه حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن وغيره من الأحاديث.
وفي أوقاتنا بعد العهد بآثار النبوة وطال الزمن وكاد يشبه زمن الفترة لغلبة الجهل وشدة الغربة. وقد من الله على هذه الأقطار بشيخ الإسلام ﵀: فقام بتجديد الدين وتمهيد قواعد الملة أتم قيام حتى ظهر بحمد الله منار التوحيد والإسلام ووازره على ذلك من أسلافكم وأعمالكم من وازره رحمة الله عليهم أجمعين وبعدهم حصل من الناس ما لا يخفى من الأعراض والإهمال وعدم الرغبة والتنافس فيما أوجبه الرب من توحيده وفرضه على سائر عبيده وقل الداعي إلى ذلك والمذكر به والمعلم له في القري والبوادي والتساهل في هذه الأمور العظام التي هي آكد مباني الإسلام يوجب للرعية أن يشب صغيرهم ويهرم كبيرهم على حالة جاهلية لا يعرف فيها الأصول الإيمانية والقواعد الإسلامية والله سائلنا وسائلك عن ذلك كل بحسب قدرته وطاقته والجهل والظلم غالب على النفوس ولها وللشيطان حظ كبير في ذلك والنفوس الجاهلية المعرضة عن العلم النبوي يسرع إليها الشرك والتنديد أسرع من السيل إلى منحدره.
والواجب مراعاة هذا الأصل والقيام فيه وبعث الدعاة إليه وجعل أموال الله التي بأيديكم آلة له ووقاية وحماية وإعانه فإن هذا من أفرض الفرائض والزمها ولم تشرع الإمامة والإمارة إلا لأجل ذلك والقيام به.
وبقاء الإسلام والإيمان في استقامة الولاة الأئمة على ذلك وزوال الإسلام والإيمان وانقضاؤه بانحرافهم عن ذلك وجعل الهمة والأموال والقوة مصروفة في غيره مقصودا بها سواه من العلو والرياسة والشهوات ولذلك وقع في آخر بني العباس ما وقع من
стр. 232
الخلل والزلل واشتدت غربة الإسلام وظهرت البدع العظام واظهر الكفر أعلامه وشعاره وبنيت المساجد على القبور وأسرجت عليها السرج وأرخيت عليها الستور وهتف أكثر الناس في الشدة بسكان القبور وذبحوا لها القرابين ونذرت لها النذور وبنيت الهياكل للنجوم وخاطبها بالحوائج كل مشرك ظلوم وسرى هذا في الناس حتى فعله من يظن أنه من الأخيار والأكياس وكثير منهم يظن أن هذا هو الإسلام وإنه مما جاء به سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام وهل وقع ذلك وصار على تطاول الدهر والاعصار إلا بسبب إهمال الرؤساء والملوك الذين استكبروا في الأرض ولم يرفعوا رأسا بما جاءت به الأنبياء وقنعوا بمجرد الإسم والانتساب من غير حقيقة قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ الآية.
فأهم المهمات وآكد الأصول والواجبات التفكر في هذا وتفقد الرعية الخاصة والعامة البادية والحاضرة لأنك مسؤول عنهم والسؤال يقع أولا عن الدين قبل الدنيا وفي الحديث "كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته" وفي الحديث الصحيح " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون بعدي خلفاء فيكثرون" قالوا فما تأمرنا قال: "أوفو بيعة الأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم عليه ففتش عقائدهم وانظر في توحيدهم وإسلامهم خصوصا مثل أهل الإحساء والقطيف اشتهر عنهم ما لا يخفاك من الغلو في أهل البيت ومسبة أصحاب رسول الله ﷺ وعدم التزام كثير من أصول الدين وفروعه وكونهم يسرون ذلك ويخفونه مما لا يسقط عنك وجوب الدعوة والتعليم والنصح لله بظهور دينه وإلزامهم به وتعليم صغارهم وكبارهم فإنك مسؤول عن ذلك والحمل ثقيل والحساب شديد.
وفي الطبراني أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل بشر بن عاصم على صدقات هوزان فتخلف بشر فلقيه عمر فقال ما خلفك أما لنا عليك سمع طاعة؟
قال: بلى ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول "من ولي شيئا من أمر المسلمين
стр. 233
أتى به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فان كان محسنا نجا وان كان مسيئا إنخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا" فرجع عمر كئيبا حزينا جعلك الله من الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب.
ومن الدعوة الواجبة والفرائض اللازمة جهاد من أبى أن يلتزم التوحيد ويعرفه من البادية أو غيرهم وكثير من بادية نجد يكفي فيهم المعلم وأما من يليهم من المشركين مثل الضفير وأمثالهم فيجب جهادهم ودعوتهم إلى الله. وقد أفلح من كان لله محياه ومماته وخاف الله في الناس ولم يخف الناس في الله. وفي الحديث "مثل المجاهد في سسبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثله الصائم القائم وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع اجر وغنيمة" ١
وكذاب يجب على ولي الأمر أن لا يقدم من نسب عنه طعن وقدح في شيء من دين الله ورسوله أو تشبيه على المسلمين في عقائدهم ودينهم مثل من ينهى عن تكفير المشركين ويجعلهم من خير أمة أخرجت للناس لأنهم يدعون الإسلام ويتكلمون بالشهادتين.
وهذا الجنس ضرره على الإسلام خصوصا على العوام ضرر عظيم يخشى منه الفتنة وأكثر الناس لا علم له بالحجج التي تنفي شبهة المشبهين وزيغ الزائغين بل تجده والعياذ بالله سلس القياد لكل من قاده أو دعاه كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: لم يستضيؤا بنور العلم ولم يلجؤا إلى ركن وثيق أقرب شبها بهم الأنعام السارحة.
فإذا تيسر لكم إن شاء الله الإهتمام والقيام بهذا الأصل العظيم فينظر بعد هذا في أحوال الناس في الصلوات الخمس المفروضات فإنها من آكد الفروض والواجبات وفي الحديث "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وأخر ما تفقدون الصلاة" وكل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآية فيلزم جعل نواب يأمرون بما أمر الله به ورسوله من إقام الصلاة في المساجد في
стр. 234
أوقاتها ويؤدبون من عرف منه كسل أو ترك أو إهمال أدبا يردع أمثاله وعلى أئمة المساجد تعليم ما يشترط لها وما يجب فيها من الأعمال والأقوال.
وبعد هذا يلتفت إلى النظر في أمر الزكوات الشرعية وجبايتها علىالوجه الشرعي من الأنعام والثمار والنقود والعروض ويكون مع كل عامل رجل له معرفة بالحدود الشرعية والأحكام الزكوية ويحذر عن الزيادة عما شرعه الله ورسوله فلا يؤخذ إلا مما وجبت فيه الزكاة وتم نصابه وحال حوله وكثير من العمال يخرص جميع الثمار وإن لم تنصب وأخذ الزكاة من شيء لم يوجبه الله ولا رسوله فيه ظلم بين وتعد ظاهر حمانا الله وإياكم منه.
وكذلك ما يتبع الزكاة من النائبة قد أغنى الله عنها وجعل فيما أحل غناء عما منع وحرم ومن الواجبات على ولي الأمر ترك ذلك لله وفي بيت المال ما يكفي الضيف ونحوه إن حصل تسديد ومن الله بتوفيق من عنده.
وكذلك ما يؤخذ من المسلين في ثغر القطيف من الأعشاب لا يليق ولا يجوز التعشير في أموال المسلمين ويلزم ولي الأمر أيده الله أن يلزم التجار الزكوات الشرعية قهرا ويدع مالا يحل.
ومن الواجب تتميز الأموال الداخلة على ولي الأمر فإن الله ميزها في كتابه وقسمها فلا يحل تعدي ذلك وخلطها بحيث لا يمكن تمييز الزكاة من الفيء والغنائم فإن لهذا مصرفا ولهذا مصرفا ويجب على ولي الأمر صرف كل شيء في محله وإعطاء كل ذي حق حقه أهل الزكاة من الزكاة وأهل الفيء من الفيء ويعين ذلك في الأوامر التي تصدر من الإمام لوكيل بيت المال.
ويجب تفقد من في بلاد المسلمين من ذوي القربى في الفيء والغنيمة فإن هذا من أكد الحقوق والزمها لمكانهم من رسول الله ﷺ والمراد بهم من عرف التوحيد والتزمه وأهل الإسلام ما صالحوا من عاداهم إلا بسيف النبوة وسلطانها خصوصا دولتكم فإنها ما قامت إلا بهذا وهذا أمر يعرفه كل عالم وفي الحديث "إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه بورك له فيه
стр. 235
ورب متخوض في مال الله بغير حق ليس له يوم القيامة إلا النار" عفانا الله وإياكم من النار وأعمال أهل النار.
وكل من أخذ مالا يستحقه من الولاة والأمراء والعمال فهو غال كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول وعظمه وعظم أمره حتى قال: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك لا الفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها يعار فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رغبته نفس لها صياح فيقول: يا رسول الله فأقول: لا ملك لك من الله شيئا قد بلغتك لا الفين أحدكم يجيء يوم على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول: لا املك شيئا وقد بلغتك لا الفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا املك لك شيئا قد بلغتك" وأخبر النبي ﷺ أن هدايا العمال غلول فقال: "هدايا العمال غلول" فينبغي التفطن لهذه الأمور لئلا يقع فيها وهو لا يدري.
وكذلك ينبغي تفقد أمر الناس في الحج والقيام على من تركه وهو يستطيعه وهو ركن من أركان الإسلام ويذكر عن عمر أنه قال لقد هممت أن أضع الجزية على من ترك الحج. وبعض السلف يكفر من تركه. وأمر الرعية بذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا يسع أحدا تركه.
وكذلك القيام على الناس ومنعهم عن التعدي في الدماء والأموال وقطع السبيل فهذا من الفساد في الأرض والمحاربة لله ورسوله فإن لم ينتهوا إلا بغزوهم لزم الإمام أن يبعث السرايا لحربهم. ولما تعرض الفجاء السلمي للناس يأخذ ويقتل من مسلم وكافر بعث أبوبكر ﵁ جيشا فظفروا به فأحرقه بالنار. ويذكر عن حسان أنه قال.
стр. 236
وما الدين إلا أن تقام شريعة ... وتأمن سبل بيننا وشعاب
وكذلك ما حدث من الدفنان للبادية إذا أخذوا المسلمين وقتلوا لما فيه من ترك حقوق المسلمين في الدماء والأموال مع القدرة على استيفائها والقيام بالعدل الذي أمر الله به ورسوله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ الآية.
فتأمل هذه الموعظة وما ختمها به من هذين الوصفين العظيمين وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
فالواجب على من نصح نفسه أن لا يحكم إلا بحكم الله ورسوله فإن لم يفعل وقع في خطر عظيم من تقديم الآراء وإلا هواء على شرع الله ورسوله قال العلامة ابن القيم ﵀.
والله ما خو في الذنوب فإنها ... لعلى طريق العفو والغفران
لكنني أخشى انسلاخ القلب من ... تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضا بآراء الرجال وخرصها ... لا كان ذاك بمنة الرحمن
ومما يجب على ولي الأمر تفقد الناس من الوقوع فيما نهى الله عنه ورسوله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن بإزالة أسبابها وكذلك بخس الكيل والميزان والربا فيجعل في ذلك من يقوم به من له غيرة لدين الله وأمانة.
وكذلك مخالطة الرجال للنساء وكف النساء عن الخروج إذا كانت المرأة تجد من يقضي حاجتها من زوج أو قريب أو نحو ذلك وكذلك تفقد أطراف البلاد في صلاتهم وغير ذلك مثل أهل النخيل النائية لأنه ربما يقع فيها فساد ما يدري عنه وأكثر الناس ما يبالي ولو فعل ما نهى عنه وفي الحديث "ماتركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" وفي الحديث أيضا "ما ظهرت الفاحشة في قوم إلا ابتلوا بالطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا" نعوذ بالله من عقوبات المعاصي ونسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
стр. 237
وكذلك التوسع في لبس الحرير وما زاد على المباح وهو ما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله ﷺ ونص على تحريمه ولا يجوز تتبع الرخص.
ومن الأصول التي تدور عليها الأحكام حديث "إنما الأعمال بالنيات" وحديث "من احدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وحديث "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه" فكل أمر ينبغي لذوي العقول أن يتركوا ما تشابه منه قد يقع فيه خلاف من بعض العلماء فلا ينبغي أن يرخص لنفسه في أمر قد ظهرت فيه أدلة التحريم فاجتنابه من تقوى الله وخوفه وتركه مخافة الله من الأعمال الصالحة التي تكتب له الحسنات.
ومما يجب النهي عنه الاسبال كما نهى عنه رسول الله ﷺ كما في حديث الصحيح "ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار" وفي الحديث "بينما رجل يجر إزاره خيلاء أمر الله الأرض أن تأخذه فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة".
وكذلك التشبه باليهود والمجوس في ترك الشوارب وقد أمر النبي ﷺ بإحفائها مخالفة لليهود والمجوس فقال: ﷺ "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا اليهود" والذي فيه دين ورغبة في الخير ما يرضى لنفسه أن يخالف ما أمر الله به ورسوله ويقتدي باليهود والمجوس والمتكبرين.
وكل ما أمر الله به ورسوله فينبغي للعبد أن يتمثل ويسمع ويطيع لما في ذلك من المنافع الكثيرة وما في خلافه من الإثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا﴾ فعلى الإمام أن يأمر النواب من رأوه تاركا للأمر أن يقوموا عليه ويلزموه لطاعة حتى تظهر طاعة الله ورسوله في المسلمين
стр. 238
ويمتازون بذلك عمن خالفهم في الدين من اهل الجفاء والغلظة والغفلة والإعراض.
نسأل الله العفو والعافية فإنها قد عمت البلوى بهذا بكثير لما قام بقلوبهم من ضعف الإيمان وعدم الرغبة فيه.
وكذلك يجب على الإمام النظر في أمر العلم وترغيب الناس في طلبه وإعانة من تصدى للطلب لقلة العلم وكثرة الجهل وإن كان قد قام ببعض الواجب فينبغي له أن يهتم بهذا الأمر لفضيلة العلم وكثرة ثواب من قام به وأعان عليه فإن أكثر من يطلب العلم فقراء ويحتاجون إلى الإعانة على فقرهم لما يكون لهم فيه سعة وطلب العلم اليوم من الفرائض كما لا يخفى على الإمام وغيره وفي الحديث الصحيح "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم" وهذا ما يحصل إلا باعتناء الإمام وتأليفه للطالب فإذا كثر العلم وقل الجهل بسببه حصل له من الخير والحسنات مالا يحصيه إلا الله إن قبله الله وبالغفلة عن طلبة العلم تضعف هممهم ويقل طلبهم وفي مناقب عمر بن عبد العزيز ﵀: إنه إذا أراد أن يحي سنة أخرج من العطاء مالا كثيرا فإذا نفروا من هذا رغبوا إلى هذا فلله دره ﵀: ما أحسن نظره لنفسه ولمن ولاه الله عليهم.
وهذا الذي ذكرنا من الأمور البينة التي ينبغي التنبيه عليها بخصوصها وأما الأمور التي بين الله وبين العبد التي فيها صلاح القلوب ومغفرة الذنوب منإتعاب النفس فيما يحبه الله ويرضاه مما يقع له عليه فهذا باب واسع ولا يدرك هذا إلا من جعل الله له رغبة في تدبر كتابه ومعرفة صفة أهل الإيمان والتقوى الذين أعد الله لهم الجنة ويجاهد نفسه على ذلك فعلا وتركا.
وعلى كل من نصح نفسه أن يحذر من كبائر الذنوب التي هي من أعظم الذنوب ولا يأمن مكر الله وليكن لنفسه أشد مقتا منه لغيره وليكن معظما للأمر والنهي مفكرا فيما يحبه الله ويرضاه متدبرا لكتابه محبة لربه ورغبة في ثوابه وخوفا من غضبه وعقابه ومن الواجب على كل أحد أن يحب في الله ويبغض في الله ويعادي في الله ويوالي في الله ويحب في أولياء الله أهل طاعته
стр. 239
ويعادي أعداه أهل معصيته وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم١.
стр. 240
الرسالة السابعة والعشرون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٢٧"
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أن محمدا عبده ورسول ﷺ وعلى آله وصحبه.
من عبد الرحمن بن حسن إلي الأخ عبد اللطيف ابن حامد وفقه الله تعالى لتوحيده وجعله من صالحي عبيده
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته "وبعد" فقد وصل إلينا خطك ومعه نسخة الأسئلة وسرنا ما كنت عليه مستقيما من دين الإسلام الذي إشتدت غربته بين جميع الأنام فأنا أذكر جواب ما سألت عنه على طريق الاختصار والإيجاز "السؤال الأول" عما في الصحيح عن النبي ﷺ إنه قال: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله "
فاعلم أن "لا إله إلا الله" هي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام وهي العروة الوثقى وكلمة التقوى وهي الكلمة التي جعلها إبراهيم الخليل ﵇ باقية في عقبه لعلهم يرجعون ومعناها نفي الشرك في الالهية عما سوى الله وإفراد الله تعالى بالإلهية. والإلهية هي تأله القلب بأنواع العبادة كالمحبة والخضوع والذل بالدعاء والاستعانة والرجاء والخوف والرغبة والرهبة وغير ذلك من أنواع العبادة التي ذكر الله في كتابه العزيز أمرا وترغيبا للعباد أن يعبدوا بها ربهم وحده وهي إسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة وكل نوع من أنواع العبادة لا يستحق أن يقصد به إلا الله وحده
стр. 241
فمن صرفه لغير الله فقد أشركه في حق الله الذي لا يصلح لغيره وجعل له ندا وقد عمت البلوى بهذا الشرك الأكبر بأرباب القبور والأشجار والأحجار واتخذوا ذلك دينا زعموا أن الله تعالى يحب ذلك ويرضاه وهو الشرك الذي لا يغفره الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ وقال تعالى: في معنى هذا التوحيد ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ أي أمر ووصي وهذا معنى لا إله إلا الله فقوله: أن لا تعبدوا هو معنى لا إله في كلمة الإخلاص وقوله: إلا إياه هو معنى الاستثناء في لا إله إلا الله ونظائر هذه الآية في القرآن كثيرة كما سنذكر بعضه وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وهذا النهي عام يتناول كل مدعوا من ملك أو نبي أو غيرهما فإن أحدا نكرة في سياق النهي وهي تعم وأمثال هذه الآية كثير كقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ وفي حديث معاذ الذي في الصحيحين "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" وفيهما أيضا "من مات وهو يدعوا لله ندا دخل النار".
وإخلاص العبادة لله تعالى هو التوحيد الذي جحده المشركون قديما وحديثا ولما قال رسول الله ﷺ لقومه وغيرهم من أحياء العرب "قولوا ل اإله إلا الله تفلحوا" قالوا ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ*مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ﴾ فعرفوا معنى لا إله إلا الله وإنه توحيد العبادة لكن جحدوه كما قال عن قوم هود ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ وقال تعالى: عن مشركي هذه الأمة ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ عرفوا أن المراد من لا إله إلا الله ترك الشرك في العبادة وأن يتركوا عبادة ما سواه مما كانوا يعبدونه من ملك أو نبي أو شجر أو حجر أو غير ذلك.
فإخلاص العبادة لله هو أصل دين الإسلام الذي بعث الله به رسله وأنزل
стр. 242
به كتبه وهو سر الخلق قال تعالى: لنبيه ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فإسلام الوجه هو إخلاص الأعمال الباطنة والظاهرة كلها لله وهذا هو توحيد الإلهية وتوحيد العبادة وتوحيد القصد والإرادة ومن كان كذلك فقد استمسك بالعروة الوثقى وهي لا إله إلا الله فإن مدلولها نفي الشرك وإنكاره والبراءة منه وإخلاص العبادة لله وحده وهو معنى قول الخليل ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذا هو الإخلاص الذي هو دين الله الذي لم يرض لعباده دينا سواه كما قال تعالى: ﴿بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ والدين هو العبادة وقد فسره أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالدعاء وهو بعض أفراد العبادة كما في السنن من حديث أنس "الدعاء مخ العبادة" وحديث النعمان ابن بشير "الدعاء هو العبادة" أي معظمها وذلك أنه يجمع من أنواع العبادة أمورا سنذكرها إن شاء الله تعالى وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ والدعاء في هذه الآية هو الدعاء بنوعيه دعاء العبادة ودعاء المسألة وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ والحنيف هو الراغب عن الشرك المنكر له وقد فسره ابن القيم ﵀: بتفسير شامل لمدلول لاإله إلا الله فقال: الحنيف المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه وهذا التوحيد هو الذي أنكره أعداء الرسل من أولهم إلى آخرهم وقد بين تعالى ضلالهم بالشرك كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ ِلأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وهذا المذكور في هذه الآية هو توحيد الربوبية ومشركو العرب والأمم لم يجحدوه بل أقروا به لله فصار حجة عليهم فيما جحدوه من توحيد الالهية ولهذا قال بعد هذه الآية ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ
стр. 243
دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا بل القرآن من أوله إلى آخره يدل على هذا التوحيد مطابقة وتضمنا والتزاما وهو الدين الذي بعث به المرسلين من أولهم إلى آخرهم كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ فدلت هذه الآية وما قبلها على أن الله تعالى إنما أدار من عباده أن يخلصوا له العبادة وهي أعمالهم ونهاهم أن يجعلوا له شريكا في عباداتهم وإرادتهم التي لا يستحقها غيره كما تقدم قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا ِلأَبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ والمراد تطهيره عن الشرك في العبادة ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ وقد بين الله تعالى في مواضع من القرآن معنى كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" ولم يكل عباده في بيان معناها إلى أحد سواه وهو صراطه المستقيم كما قال "وأن اعبدوني هذا صراط المستقيم" وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ِلأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ*إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ*وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فعبر عن لا إله بقوله: "إنني براء مما تعبدون" وعبر عن معنى إلا الله بقوله: إلا الذي فطرني فتبين أن معني لا إله إلا الله هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى كما تقدم وهذا واضح بين لمن جعل الله له بصيرة ولم تتغير فطرته فلا يخفى إلا على من عميت بصيرته بالعوائد الشركية وتقليد من خرج عن الصراط المستقيم من أهل الأهواء والبدع والضلال ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. وقال تعالى: في بيان معناها ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى
стр. 244
كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه﴾ ِ والمعنى أي بعض كان من نبي أو غيره كالمسيح ابن مريم ولعزير ونحوهما وفي قوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ﴾ معنى "لا إله" وقوله: إلا الله هو المستثنى في كلمة الإخلاص وهذا التوحيد هو الذي دعا إليه رسول الله ﷺ أهل الكتاب وغيرهم من الإنس والجن كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقد قال تعالى: في معنى هذه الكلمة عن أصحاب الكهف ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ففي قولهم: وإذ اعتزلتموهم معنى لا إله وقولهم: إلا الله المستثني في كلمة الإخلاص وقال تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾ إلى قوله: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ فتقرر بهذه أن الإلهية هي العبادة وأن من صرف منها شيئا من لغير الله قد جعله لله ندا والقرآن كله في تقرير معنى لا إله إلا الله وما تقتضيه وما تستلزمه وذكر ثواب أهل التوحيد وعقاب أهل الشرك ومع هذا البيان الذي ليس فوقه بيان كثر الغلط في المتأخرين من هذه الأمة في معنى هذه الكلمة وسببه تقليد المتكلمين الخائضين فظن بعضهم إن معنى لا إله إلا الله إثبات وجود الله تعالى ولهذا قدروا الخبر المحذوف في لا إله إلا الله إله موجود إلا الله ووجوده تعالى قد أقربه المشركون الجاحدون لمعنى هذه الكلمة وطائفة ظنوا أن معناها قدرته على الاختراع وهذا معلوم بالفطرة وما يشاهد من عظيم مخلوقات الله كخلق السموات والأرضى وما فيها من عجائب المخلوقات وبه إستدل الكليم موسى ﵊ على فرعون لما قال: "وما رب العالمين قال رب السموات والأضى وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب الأولين" وفي سورة بني إسرائيل "لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرضى بصائر" ففرعون يعرف الله ولكن جحده مكابرة وعنادا وأما غير فرعون من أعداء الرسل من قومهم ومشركي العرب ونحوهم فاقروا بوجود الله تعالى وربوبيته كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلم يدخلهم ذلك في
стр. 245
الإسلام لما جحدوا ما دلت عليه لا إله إلا الله من إخلاص العبادة بجميع أفرادها وحده وفي الصحيح "من مات وهو يدعو الله ندا دخل النار" وتقدم فيما تقدم من قول قوم هود " أجئتنا لنعبد الله وحده " دليل على أنهم أقروا بوجوده وربوبيته وأنهم يعبدونه لكنهم أبوا إن يجردوا العبادة وحده دون آلهتهم التي كانوا يعبدونها معه فالخصومة بين الرسل وأممهم ليست في وجود الرب وقدرته على الاختراع فإن الفطر والعقول دلتهم على وجود الرب وأنه رب كل شيء ومليكه وخالق كل شيء والمتصرف في كل شيء وإنما كانت الخصوصة في ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ*وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾
فالشرك في العبادة هو الذي عمت به البلوى في الناس قديما وحديثا كما قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ وقد أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة تأخذ مأخذ القرون وقبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع ولهذا أنكر كثير من أعداء الرسل في هذه الأزمنة وقبلها على من دعاهم إلى إخلاص العبادة الله وحده وجحدوا ما جحدته الأمم المكذبة من التوحيد واقتدوا بمن سلف من أعداء الرسل في مسبتهم من دعاهم إلى إخلاص العبادة لله ونسبته إلى الخطأ والضلال كما رأينا ذلك في كلام كثير منهم كابن كمال المشهور بالشرك والضلال وقد كمل في جهله وضلاله وأتى في كلامه بأمحل المحال وقد إشتهر عنه بأخبار الثقات أنه يقول: عبد القادر في قبره يسمع ومع سمعه ينفع وما يشعره أنه في قبره الآن رفات كحال الأموات وهذا قول شنيع وشرك فظيع ألا ترى إن الحي الذي قد كملت قوته وصحت حاسة
стр. 246
سمعه وبصره لو ينادى من مسافة فرسخ أو فرسخين لم يمكنه سماع ناداه من ناداه فكيف يسمع ميت من مسافة شهر أو دون ذلك أو أكثر وقد ذهبت قوته وفارقته روحه وبطلت حواسه هذا من أعظم ما تحيله العقول وتنكره الفطر وفي كتاب الله ما يبطله قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ*إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فاخبر الخبير جل وعلا أن سماعهم ممتنع واستجابتهم لمن دعاهم ممتنعة فهؤلاء المشركون لما استغرقوا في الشرك ونشأوا عليه أتوا في أقولهم: بالمستحيل ولم يصدقوا الخبير في أخباره وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فذكر تعالى أنهم أموات دليل على بطلان دعوتهم وكذلك عدم شعورهم يبين تعالى بهذا جهل المشرك وضلاله فأحق في كتابه الحق وأبطل الباطل ولو كره المشركون لكن هؤلاء لما عظم شركهم نزلوا الأموات في علم الغيب منزلة علام الغيوب الذي يعلم خائنة إلا عين وما تخفي الصدور وشبهوهم برب العالمين سبحانه وتعالى عما يشركون قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ وليس عند هؤلاء الملاحدة ما يصدون به العامة عن أدلة الكتاب والسنة التي فيها النهي عن الشرك في العبادة إلا قولهم: قال أحمد بن حجر الهيشمي: قال: فلان وقال فلان: يجوز التوسل بالصالحين ونحو ذلك من العبارات الفاسدة.
فنقول: هذا أمثاله ليس بحجة تنفع عند الله وتخلصهم من عذابه بلى الحجة ما في كتاب الله وسنة رسول ﷺ الثابتة عنه وما أجمع عليه سلف الأمة أئمتها وما أحسن ما قال الإمام مالك ﵀: أو كلما جاءنا أجدل من رجل نترك ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله. إذا عرف ذلك فالتوسل يطلق على شيئين فإن كان ابن حجر وأمثاله أرادوا سؤال الله بالرجل الصالح في غيابه أو بعد وفاته فهذا ليس في الشريعة ما يدل على جوازه ولو جاز لما ترك
стр. 247
الصحابة ﵃ من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته كما كانوا يتوسلون بدعائه في حياته إذا قحطوا وثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه خرج بالعباس ابن عبد المطلب عام الرمادة بمحضر من السابقين الأولين يستسقون فقال: عمر اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ثم قال إرفع يديك يا عباس فرفع يديه يسأل الله تعالى ولم يسأله بحاه النبي ﷺ ولا بغيره ولو كان هذا التوسل حقا كانوا إليه أسبق وعليه أحرص فإن كانوا أرادوا بالتوسل دعاء الميت والاستشفاع به فهذا هو شرك المشركين بعينه والأدلة على بطلانه في القرآن كثيرة جدا فمن ذلك قوله تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ*قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فالذي له ملك السموات والأرض هو الذي يأذن في الشفاعة كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وهو لا يرضى إلا الإخلاص بالأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كما صرح به النبي ﷺ في حديث أبي هريرة وغيره وأنكر تعالى على المشركين اتخاذ الشفعاء فقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فبين تعالى في هذه الآية أن هذا هو شرك المشركين وأن الشفاعة ممتنعة في حقهم لما سألوها من غير وجهها وإن هذا شرك نزه نفسه عنه بقوله تعالى ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فهل فوق هذا البيان بيان وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ فكفرهم بطلبهم من غيره أن يقربوهم إليه وقد تقدم بعض الأدلة على النهي عن دعوة غير الله والتغليظ في ذلك وأنه في غاية الضلال وأنه شرك بالله وكفر به كما قال ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ فمن أراد النجاة
стр. 248
فعليه بالتمسك بالوحين الذين هما حبل الله وليدع عنه بنيات الطريق كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقد مثل النبي ﷺ الصراط المستقيم وخط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال: "هذه هي السبل وعلى كل سبيل شيطان يدعوا إليه" والحديث في الصحيح وغيره عن عبد الله ابن مسعود وكل من زاغ عن الهدى وعارض أدلة الكتاب والسنة بزخرف أهل الأهواء فهو الشيطان.
فصل
والعاقل إذا تأمل ما عارض به أولئك الدعاة إلى الشرك بالله في عبادته كابن كمال وغيره دعاء الناس إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له فالعاقل يعلم أن معارضتهم له قد اشتملت على أمور كثيرة منها.
"الأمر الأول" أنهم أنكروا ما جاءت به الرسل من توحيد العبادة وما نزلت فيه الكتب الإلهية من هذا التوحيد فهم في الحقيقة إنما عابوا الرسل والكتب المنزلة عليهم من عند الله.
"الأمر الثاني" تضمنت معارضتهم قبول الشرك الأكبر ونصرته وهو الذي أرسل الله رسله وأنزل كتبه بالنهي عنه وقد خالفوا جميع الرسل والكتب فهم في الحقيقة قد أنكروا على من دان بهذا التوحيد ودعا إليه من الأولين والآخرين.
"الأمر الثالث" وقد تضمنت معارضتهم أيضا مسبة من دعا إلى التوحيد وأنكر الشرك أسوة بأعداء الرسل كقوم نوح إذ قالوا ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ وقال قوم هود ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ وقول من قال من مشركي العرب للنبي محمد ﷺ ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ فالظلم والزور في كلام هؤلاء المنكرين للتوحيد أمر ظاهر يعرفه كل عاقل منصف فقد تناولت مسبتهم كل من دعا إلى الإسلام وعمل به من الأولين والآخرين كما أن من كذب رسولا فيما جاء به من الحق فقد كذب
стр. 249
المرسلين كما ذكره الله تعالى في قصص الأنبياء فمن أنكر ما جاءت به الرسل فهو عدو لهم.
"الأمر الرابع" وتضمنت معارضتهم أيضا الكذب والإفك والبهتان وزخرف القول في ذلك أسوة أعداء الرسل الذين قال الله فيهم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ فهذه حال كل داعية إلى الشرك بالله في عبادته من الأولين والآخرين فإذا تأمل اللبيب ما زخرفوه وأتوا به من الفشر والأكاذيب وجدها كما قال تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
"الأمر الخامس" معارضة أولئك للآيات المحكمات البينات التي هي في غاية البيان والبرهان وبيان ما ينافي التوحيد من الشرك والتنديد عارضوا بقول أناس من المتأخرين لا يجوز الاعتماد عليهم في أصول الدين فيقولون قال ابن حجر الهيثمي: قال البيضاوي: قال فلان: ولا ريب أن الزمخشري وأمثاله من المعطلة أعلم من هؤلاء وأدري في فنون العلم لكنهم أخطؤا كخطأ هؤلاء وفي تفسير الزمخشري من دسائس الاعتزال ما لا يخفى وليسوا بأعلم منه وعلى كل حال فليسوا بحجة يعارض بها نصوص الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة وأئمتها من الدين الحنيف الذي هو ملة إبراهيم الخليل ﵇ ودين الرسل الذي قال الله تعالى: فيه ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ فأولئك المعارضون للحق بمن ذكرنا وأمثالهم فيهم شبه بمن قال الله فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ*قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ وهذا على تقدير أنهم أصابوا في النقل عنهم ولعلهم أخطئوا وكذبوا عليهم والله أعلم.
والأدلة بالإجماع ثلاثة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها.
стр. 250
وأما القياس الصحيح فعند بعض العلماء حجة إذا لم يخالف كتابا ولا سنة فإن خالف نصا أو ظاهرا لم يكن حجة وهذا هو الذي أجمع عليه العلماء سلفا وخلفا وتفصيل ذلك في كتب أصول الفقه وأما قوله: ﷺ في الحديث الصحيح: "وكفر بما يعبد من دون الله" فهذا شرط عظيم لا يصح قول لا إله إلا الله معصوم الدم والمال لأن هذا هو معنى لا إله إلا الله فلم ينفعه القول بدون الإتيان بالمعنى الذي دل عليه من ترك الشرك والبراءة منه وممن فعله فإذا أنكر عبادة كل ما يعبد من دون الله وتبرأ منه وعادى من فعل ذلك صار مسلما معصوم الدم والمال وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقد قيدت لا إله إلا الله في الأحاديث الصحيحة بقيود ثقال لا بد من الإتيان بجميعها قولا واعتقادا وعملا فمن ذلك حديث عتبان الذي في الصحيح "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" وفي أحاديث أخر "صدقا من قلبه مستيقنا بها قلبه –غير شاك" فلا تنفع هذه الكلمة قائلها إلا بهذه القيود إذا اجتمعت له مع العلم بمعناها ومضمونها كما قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: لنبيه ﷺ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ فمعناها يقبل الزيادة لقوة العلم وصلاح العمل فلا بد من العلم بحقيقة معنى هذه الكلمة علما ينافي الجهل بخلاف من يقوله: اوهو لا يعرف معناها ولا بد من اليقين المنافي للشك فيما دلت عليه من التوحيد ولا بد من الإخلاص المنافي للشرك فإن كثيرا من الناس يقوله: اوهو يشرك في العبادة وينكر معناها ويعادي من اعتقده وعمل به ولا بد من الصدق المنافي للكذب بخلاف حال المنافق الذي يقوله: امن ير صدق كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ولا بد من القبول المنافي للرد بخلاف من يقوله: اولا يعمل بها ولا بد من المحبة لما دلت عليه من التوحيد والإخلاص وغير ذلك والفرح بذلك المنافي لخلاف هذين الأمرين ولا بد من الانقياد بالعمل بها وما دلت عليه مطابقة وتضمنا والتزاما وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا سواه وأنت