سمعه وبصره لو ينادى من مسافة فرسخ أو فرسخين لم يمكنه سماع ناداه من ناداه فكيف يسمع ميت من مسافة شهر أو دون ذلك أو أكثر وقد ذهبت قوته وفارقته روحه وبطلت حواسه هذا من أعظم ما تحيله العقول وتنكره الفطر وفي كتاب الله ما يبطله قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ*إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فاخبر الخبير جل وعلا أن سماعهم ممتنع واستجابتهم لمن دعاهم ممتنعة فهؤلاء المشركون لما استغرقوا في الشرك ونشأوا عليه أتوا في أقولهم: بالمستحيل ولم يصدقوا الخبير في أخباره وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فذكر تعالى أنهم أموات دليل على بطلان دعوتهم وكذلك عدم شعورهم يبين تعالى بهذا جهل المشرك وضلاله فأحق في كتابه الحق وأبطل الباطل ولو كره المشركون لكن هؤلاء لما عظم شركهم نزلوا الأموات في علم الغيب منزلة علام الغيوب الذي يعلم خائنة إلا عين وما تخفي الصدور وشبهوهم برب العالمين سبحانه وتعالى عما يشركون قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ وليس عند هؤلاء الملاحدة ما يصدون به العامة عن أدلة الكتاب والسنة التي فيها النهي عن الشرك في العبادة إلا قولهم: قال أحمد بن حجر الهيشمي: قال: فلان وقال فلان: يجوز التوسل بالصالحين ونحو ذلك من العبارات الفاسدة.
فنقول: هذا أمثاله ليس بحجة تنفع عند الله وتخلصهم من عذابه بلى الحجة ما في كتاب الله وسنة رسول ﷺ الثابتة عنه وما أجمع عليه سلف الأمة أئمتها وما أحسن ما قال الإمام مالك ﵀: أو كلما جاءنا أجدل من رجل نترك ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله. إذا عرف ذلك فالتوسل يطلق على شيئين فإن كان ابن حجر وأمثاله أرادوا سؤال الله بالرجل الصالح في غيابه أو بعد وفاته فهذا ليس في الشريعة ما يدل على جوازه ولو جاز لما ترك
стр. 247
الصحابة ﵃ من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته كما كانوا يتوسلون بدعائه في حياته إذا قحطوا وثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه خرج بالعباس ابن عبد المطلب عام الرمادة بمحضر من السابقين الأولين يستسقون فقال: عمر اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ثم قال إرفع يديك يا عباس فرفع يديه يسأل الله تعالى ولم يسأله بحاه النبي ﷺ ولا بغيره ولو كان هذا التوسل حقا كانوا إليه أسبق وعليه أحرص فإن كانوا أرادوا بالتوسل دعاء الميت والاستشفاع به فهذا هو شرك المشركين بعينه والأدلة على بطلانه في القرآن كثيرة جدا فمن ذلك قوله تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ*قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فالذي له ملك السموات والأرض هو الذي يأذن في الشفاعة كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وهو لا يرضى إلا الإخلاص بالأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كما صرح به النبي ﷺ في حديث أبي هريرة وغيره وأنكر تعالى على المشركين اتخاذ الشفعاء فقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فبين تعالى في هذه الآية أن هذا هو شرك المشركين وأن الشفاعة ممتنعة في حقهم لما سألوها من غير وجهها وإن هذا شرك نزه نفسه عنه بقوله تعالى ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فهل فوق هذا البيان بيان وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ فكفرهم بطلبهم من غيره أن يقربوهم إليه وقد تقدم بعض الأدلة على النهي عن دعوة غير الله والتغليظ في ذلك وأنه في غاية الضلال وأنه شرك بالله وكفر به كما قال ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ فمن أراد النجاة
стр. 248
فعليه بالتمسك بالوحين الذين هما حبل الله وليدع عنه بنيات الطريق كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقد مثل النبي ﷺ الصراط المستقيم وخط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال: "هذه هي السبل وعلى كل سبيل شيطان يدعوا إليه" والحديث في الصحيح وغيره عن عبد الله ابن مسعود وكل من زاغ عن الهدى وعارض أدلة الكتاب والسنة بزخرف أهل الأهواء فهو الشيطان.
فصل
والعاقل إذا تأمل ما عارض به أولئك الدعاة إلى الشرك بالله في عبادته كابن كمال وغيره دعاء الناس إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له فالعاقل يعلم أن معارضتهم له قد اشتملت على أمور كثيرة منها.
"الأمر الأول" أنهم أنكروا ما جاءت به الرسل من توحيد العبادة وما نزلت فيه الكتب الإلهية من هذا التوحيد فهم في الحقيقة إنما عابوا الرسل والكتب المنزلة عليهم من عند الله.
"الأمر الثاني" تضمنت معارضتهم قبول الشرك الأكبر ونصرته وهو الذي أرسل الله رسله وأنزل كتبه بالنهي عنه وقد خالفوا جميع الرسل والكتب فهم في الحقيقة قد أنكروا على من دان بهذا التوحيد ودعا إليه من الأولين والآخرين.
"الأمر الثالث" وقد تضمنت معارضتهم أيضا مسبة من دعا إلى التوحيد وأنكر الشرك أسوة بأعداء الرسل كقوم نوح إذ قالوا ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ وقال قوم هود ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ وقول من قال من مشركي العرب للنبي محمد ﷺ ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ فالظلم والزور في كلام هؤلاء المنكرين للتوحيد أمر ظاهر يعرفه كل عاقل منصف فقد تناولت مسبتهم كل من دعا إلى الإسلام وعمل به من الأولين والآخرين كما أن من كذب رسولا فيما جاء به من الحق فقد كذب
стр. 249
المرسلين كما ذكره الله تعالى في قصص الأنبياء فمن أنكر ما جاءت به الرسل فهو عدو لهم.
"الأمر الرابع" وتضمنت معارضتهم أيضا الكذب والإفك والبهتان وزخرف القول في ذلك أسوة أعداء الرسل الذين قال الله فيهم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ فهذه حال كل داعية إلى الشرك بالله في عبادته من الأولين والآخرين فإذا تأمل اللبيب ما زخرفوه وأتوا به من الفشر والأكاذيب وجدها كما قال تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
"الأمر الخامس" معارضة أولئك للآيات المحكمات البينات التي هي في غاية البيان والبرهان وبيان ما ينافي التوحيد من الشرك والتنديد عارضوا بقول أناس من المتأخرين لا يجوز الاعتماد عليهم في أصول الدين فيقولون قال ابن حجر الهيثمي: قال البيضاوي: قال فلان: ولا ريب أن الزمخشري وأمثاله من المعطلة أعلم من هؤلاء وأدري في فنون العلم لكنهم أخطؤا كخطأ هؤلاء وفي تفسير الزمخشري من دسائس الاعتزال ما لا يخفى وليسوا بأعلم منه وعلى كل حال فليسوا بحجة يعارض بها نصوص الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة وأئمتها من الدين الحنيف الذي هو ملة إبراهيم الخليل ﵇ ودين الرسل الذي قال الله تعالى: فيه ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ فأولئك المعارضون للحق بمن ذكرنا وأمثالهم فيهم شبه بمن قال الله فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ*قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ وهذا على تقدير أنهم أصابوا في النقل عنهم ولعلهم أخطئوا وكذبوا عليهم والله أعلم.
والأدلة بالإجماع ثلاثة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها.
стр. 250
وأما القياس الصحيح فعند بعض العلماء حجة إذا لم يخالف كتابا ولا سنة فإن خالف نصا أو ظاهرا لم يكن حجة وهذا هو الذي أجمع عليه العلماء سلفا وخلفا وتفصيل ذلك في كتب أصول الفقه وأما قوله: ﷺ في الحديث الصحيح: "وكفر بما يعبد من دون الله" فهذا شرط عظيم لا يصح قول لا إله إلا الله معصوم الدم والمال لأن هذا هو معنى لا إله إلا الله فلم ينفعه القول بدون الإتيان بالمعنى الذي دل عليه من ترك الشرك والبراءة منه وممن فعله فإذا أنكر عبادة كل ما يعبد من دون الله وتبرأ منه وعادى من فعل ذلك صار مسلما معصوم الدم والمال وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقد قيدت لا إله إلا الله في الأحاديث الصحيحة بقيود ثقال لا بد من الإتيان بجميعها قولا واعتقادا وعملا فمن ذلك حديث عتبان الذي في الصحيح "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" وفي أحاديث أخر "صدقا من قلبه مستيقنا بها قلبه –غير شاك" فلا تنفع هذه الكلمة قائلها إلا بهذه القيود إذا اجتمعت له مع العلم بمعناها ومضمونها كما قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: لنبيه ﷺ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ فمعناها يقبل الزيادة لقوة العلم وصلاح العمل فلا بد من العلم بحقيقة معنى هذه الكلمة علما ينافي الجهل بخلاف من يقوله: اوهو لا يعرف معناها ولا بد من اليقين المنافي للشك فيما دلت عليه من التوحيد ولا بد من الإخلاص المنافي للشرك فإن كثيرا من الناس يقوله: اوهو يشرك في العبادة وينكر معناها ويعادي من اعتقده وعمل به ولا بد من الصدق المنافي للكذب بخلاف حال المنافق الذي يقوله: امن ير صدق كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ولا بد من القبول المنافي للرد بخلاف من يقوله: اولا يعمل بها ولا بد من المحبة لما دلت عليه من التوحيد والإخلاص وغير ذلك والفرح بذلك المنافي لخلاف هذين الأمرين ولا بد من الانقياد بالعمل بها وما دلت عليه مطابقة وتضمنا والتزاما وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا سواه وأنت
стр. 251
أيها الرجل ترى كثيرا ممن يدعي العلم والفهم قد عكس مدلول لا إله إلا الله كابن كمال ونحوه من الطواغيت فيثبتون ما نفته لا إله إلا الله من الشرك في العبادة ويعتقدون ذلك الشرك دينا وينكر ما دلت عليه من الإخلاص ويشتم أهله وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ *أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾
وهذا النوع من الناس الذين قد فتنوا وافتتنوا يستجهلون أهل الإسلام ويستهزؤون بهم أسوة من سلف من أعداء الرسل وقد قال الله تعالى: في أمثال هؤلاء ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾
وأما ما سألن عنه من حديث "خذ من القرآن ما شئت لما شئت" فهذا ليس بحديث ولا يصح أن ينسب إلى النبي ﷺ وأما حديث ويش الذي يغبأ يا رسول الله قال: الذي ما كان فلا يجوز أن ينسب إلى النبي ﷺ هذا كيف وقد قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فسماها غائبة مع وجودها في السماء والأرضى.
"وأما في المسئلة الربعة" فيمن يعرف التوحيد ويعتقده ويقرأ في التفسير كتفسير البغوي ونحوه فلا بأس أن يحدث بما سمعه وحفظه من العلم ولو لم يقرأ في النحو.
فمن المعلوم أن كثيرا من العلماء من المحدثين والفقهاء إنما كان دأبهم طلب ما هو الأهم والنحو إنما يراد لغيره فيأخذ الرجل منه ما يصلح لسانه فانشر ما علمت من العلم خصوصا علم التوحيد الذي هو الآيات المحكات كالشمس في نحر الظهيرة لمن رغب فيه وأحبه وأقبل عليه وقد عرفت أن كتمان العلم مذموم بالكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ
стр. 252
الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ﴾
وقد ارشد الله تعالى عباده إلى تدبر كتابه وذم من لم يتدبره وقد قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وأخبر عن جن نصيبين أنهم لما سمعوا قراءة النبي ﷺ للقرآن بوادي نخلة منصرف من الطائف ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا ادعى الله وآمنوا به " الآية وأخبر تعالى عنهم في سورة الجن أنهم أنكروا الشرك الذي كان يفعله الإنس مع الجن من الاستعاذة بهم إذا نزلوا واديا وأخبر تعالى عن هدهد سليمان أنه أنكر الشرك وهو طائر من جملة الطير قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ*إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ*وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ*أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية فحديث الهدهد سليمان ﵇ بما ورآهم يفعلونه من السجود ليغر الله والسجود نوع من أنواع العبادة فليت أكثر الناس عرفوا من الشرك ما عرفوا الهدهد فأنكروا وعرفوا الإخلاص فالتزموه بالله التوفيق فسبحانه من غرس التوحيد في قلب من شاء من خلقه وأضل من شاء عنه بعلمه وحكمته وعدله.
وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو فرض باليد واللسان والقلب مع القدرة فأما فرضه باليد واللسان فإنه من فروض الكفايات إذا قام به طائفة سقط عن الباقين وإن تركوه كلهم أثموا وأما القلب فلا يسقط عنه بحال قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقال في حق من تركته: ﴿كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وفي الحديث الصحيح "من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك
стр. 253
أضعف الإيمان" وفي رواية وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.
وأما ما ذكرت بعد ذلك من الأسئلة في مخالطة المشركين وأهل البدع فإن كان لك قدرة على الهجرة عنهم وجبت عليك لما فيها من حفظ الدين ومفارقة المشركين والبعد عنهم وأما من كان من المستضعفين الذين لا قدرة لهم على الهجرة عنهم وجبت عليك لما فيها من حفظ الدين ومفارقة المشركين والبعد عنهم وأما من كان من المستضعفين الذين لا قدرة لهم على الهجرة فعليه أن يعتزلهم ما استطاع ويظهر دينه ويصبر على أذاهم فقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية والله المستعان.
وأما السؤال عن قوله تعالى ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ فالآية نزلت في شأن عمار بن ياسر لما عذبه مشركوا مكة وحبسوه في بئر ميمون وأكرهوه على كلمة كفر فقالها تخلصا من عذابهم فسئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "فإن عادوا فعد" وهذا قبل وجوب الهجرة فأنزل الله هذه الآية.
وأما حديث "أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين لا تراءى ناراهما" فهذا في حق من له القدرة على البعد عنهم وأما من لا يمكنه البعد عنهم بحيث لا يقدر على ذلك بوجه من الوجوه فلا.
وأما حديث "من أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فاؤلئك هم الهالكون" فقد تقدم بيان ذلك في معنى حديث "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده" فالانكار يجب مع الاستطاعة والكراهة هي أضعف الإيمان وأما الرضا بالمنكر والمتابعة عليه فهو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح.
والله أعلم ونسأل الله تعالى الثبات على الإيمان وأن لا يزيغ قلوبنا عنه بعد إذ هدانا إليه وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين آمين آمين١
стр. 254
الرسالة الثامنه والعشرون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٢٨"
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام المكرم أكرمه الله بالتوحيد وحماه من شبه أهل الشرك والإلحاد والتنديد سلام عليك ورحمة الله وبركاته "وبعد" فاعلم أن لا إله إلا الله لها معنى عظيم تستضيء به قلوب أهل الإسلام والإيمان وهو الذي بعث الله به جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم وخلقهم لأجله والقرآن من أوله إلى آخره يبين معنى هذه الكلمة وتذكر بعض ما دل عليه القرآن من معناها وما ذكر العلماء من أئمة الإسلام فدونك كلام العماد بن كثير رحمه الله تعالى: في تفسير سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ذكر أن هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون وهي آمرة بالإخلاص وإن قريشا دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة ويعبدون إلهه سنة فأنزل الله هذه السورة وأمره فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني من الأصنام والأنداد ﴿وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وهو الله وحده ولهذا كان كلمة الإسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله والمشركون يعبدون غير الله قلت: فأمر الله تعالى نبيه أن يتبرأ من أوثان المشركين وأصنامهم التي كانت موجودة في الخارج اللات والعزى ومناة وغيرها وقد أخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال: لأبيه وقومه ﴿مَا تَعْبُدُونَ*قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ - إلى قوله:- ﴿إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ فصرح بعداوة أصنامهم بأعيانها وهي موجودة في الخارج واستثنى من معبوداتهم رب العالمين لأنهم كانوا يعبدون الله لكنهم يعبدون معه الأصنام فاستثنى المعبود الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له فأخبر تعالى عنه أنه قال لقومه ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ وأخبر عنه أنه قال لقومه ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ*إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ وجعلها كلمة
стр. 255
باقية في عقبه وهي: لا إله إلا الله بإجماع أهل الحق فعبر عنها بالبراءة من معبوداتهم التي كانوا يعبدونها في الخارج فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُون﴾ َ وهو معنى النفي في قوله: ﴿لاَ إِلَهَ﴾ وقوله: إلا الذي فطرني هو معنى إلا الله وهذا كاف في البيان لمثلك الذي عرف معنى ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وهذا المعنى في هذه الكلمة يعرفه حتى المشركون كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ*وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ عرفوا أن لا إله إلا الله تدل على ترك عبادة آلهتهم التي كانوا يعبدونها من أوثانهم وأصنامهم وكل الفرق يعرفون معناها حتى أعداء الرسل كما قالت عاد ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ فعرفوا على شدة كفرهم أنه أراد منهم ترك عبادة ما كان يعبده آباؤهم.
فتبين بهذا أن لا إله إلا الله نفت كل ما كان يعبد من دون الله من صنم ومن وثن من حين حدث الشرك في قوم نوح إلى أن تقوم الساعة وهذا المعنى أكثر أهل العلم يسلمونه ويعرفونه حتى الخوارج والرافضة والمعتزلة والمتكلمون من كل أشعري وكرامي وما تريدي وإنما اختلفوا في العمل بلا إله إلا الله فبعضهم يظن أن هذا في حق أناس كانوا فبانوا فخفي عليهم حقيقة الشرك وأما الفلاسفة وأهل الإتحاد فإنهم لا يقولون بهذا المعنى ولا يسلمونه بل يقولون أن المنفي بلا إله إلا الله كلي لا يوجد منه في الخارج الافرد وهو الله فهو المنفي وهو المثبت بناء على مذهبهم الذي صاروا به أشد الناس كفرا وهو قولهم: أن الله وحدة الوجود المطلق فلم يخرجوا من ذلك صنما ولا وثنا ويشبه قولهم: هذا أهل وحدة الوجود القائلين بأن الله تعالى هو الموجود بعينه فيقولون أن المنفي كلي والمثبت بقوله: إلا هو الوجود بعينه ولا فرق عند الطائفتين بين الخالق والمخلوق ولا بين العابد والمعبود كل شيء عندهم هو الله حتى الأصنام والأوثان وهو حقيقة قول هذا الرجل سواء فخذ قولي وأقبله وفقك الله فلقد عرفت بحمد الله ما أرادوه من قولهم: أن المنفي كلي لا يوجد منه في لخارج إلا فرد ويدعى هذا مثل ما ادعته هذه الطائفة أن تقدير خبر لا وجود وهذه
стр. 256
الكلمة لم توضع لتقرير الوجود وإنما وضعت لنفي الشرك والبراءة منه وتجريد التوحيد كما دلت عليه الآيات المحكمات البينات ودعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم وتقدير خبر لا بموجود لا يجري إلا على مذهب الطائفتين لعنهم الله على قولهم: أن الله هو الموجود فلا موجود إلا الله فهذا معنى قوله: أنه كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد فغير المعنى إنما هو حقيقتها كما قال: المسيح ﵇ ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ولا ريب أن كل معبود سوى الله فهو باطل والمنفي بلا إله هي المعبودات الباطلة والمستثنى بإلا هو سبحانه ويدل على هذا قوله تعالى في سورة الحج ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وقال في آخر السورة ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعونه من دونه هو الباطل﴾ وقال في سورة لقمان ﴿ذلك بإن الله هو الحق وأن ما يدعو من دونه الباطل﴾ فقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَق﴾ ُّ هو المستثنى بإلا الله وهو الحق وقوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ هو المنفي بلا إله وما بعد هذا إلا التلبيس على الجهال وإدخال الشك عليهم ف معنى كلمة الإخلاص فكابر المعقول والمنقول بدفعه ما جاء به كل رسول.
نسأل الله لنا ولكم علما نستضيء به من جهل الجاهلين وضلال المضلين وزيغ الزائغين وفي الحديث "رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني" وقد كان أبوبكر الصديق ﵁ يقرأ في الركعة الأخيرة بعد المغرب ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وهذا بحمد الله كاف في بيان الحق وبطلان الباطل وصلى الله على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين١ وسلم تسليما
стр. 257
الرسالة التاسعه والعشرون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٢٩"
من عبد الرحمن بن حسن إلى من يصل إليه من الإخوان سلام عليكم ورحمة لله وبركاته "وبعد" تفهمون أن الجماعة فرض على من دان بالإسلام كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ ولا تحصل الجماعة إلا بالسمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين وفي الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلب وذرفت منها العيوب فقلنا يارسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي وإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ " وقد جمع الله أوائل الأمة على نبيه ﷺ وذلك بسبب الجهاد وكذلك الخلفاء رد الله بهم إلى الجماعة من خرج عنها وأقاموا الجهاد في سبيل الله فأظهر الله بهم وفتح الله لهم الفتوح وجمع الله عليهم. وتفهمون أن الله جمعكم على إمامكم عبد الله بن فيصل بعد وفاة والده فيصل ﵀: فالذي بايع بايع وهم الأكثرون والذي ما بايع بايعوا لهم كبار هم وإجتمعوا عليه أهل نجد باديهم وحاضرهم وسمعوا وأطاعوا ولا اختلف عليه أحد منهم حتى سعود بن فيصل بايع أخاه وهو ما صار له مد خال أمر المسلمين لا في حياة والده ولا بعده ولا التفت له أحد من المسلمين ونقض البيعة وتبين لكم أمره أنه ساع في شق العصا واختلاف المسلمين على إمامهم وسعى في نقض الإمام وقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ*وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وسعود سعى في ثلاثة أمور كلها منكر نقض البيعة بنفسه وفارق الجماعة ودعا الناس إلى نقض بيعة الإسلام فعلى هذا يجب قتاله وقتال من أعانه وفي الحديث من فارق الجماعة قيد بشر فمات فميتته جاهلية وفي.
стр. 258
الحديث الآخر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه فإن كان أحد مشكل عليه وجوب قتاله لما في الحديث إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار.
فظاهر الحديث أن المراد ما يجري بين القبائل إما عند ضربة عصا من قبيلتين أو فخذين أو طعنة فكل قبيلة أو فخذ يكون منهم حمية لمن كان منهم من غير خروج على الإمام ونقض لبيعة الإسلام ولا شق عصا المسلمين وأهل العلم من الفقهاء وغيرهم ذكروا قتال العصبية وحكمه وقتال الباغي وحكمه فذكروا أنه يجب على الإمام في قتاله العصبية أن يحملهم على الشريعة وأما البغاة فحكمهم أنهم يقاتلون حتى يفيؤا أو يرجعوا ويدخلوا في جماعة المسلمين فالفرق ظاهر بين والله الحمد فاستعينوا بالله على قتال من بغي وطغى وسعى في البلاد بالفساد وهذا أمر فساده ظاهر ما يخفي على من له عقل واحتسبوا جهادكم وأجركم على وأنتم سالمون والسلام. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعي١ن.
стр. 259
الرسالة الثلاثون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٣٠"
من عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الأخ عبد الله بن محمد: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وما ذكرت أنا ننصركم فبلدكم بعيد لا يستطاع الوصول إليها وأما نصرتكم بالحجة والبيان فالله تعالى وقد قال في كتابه ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ والخصومة بينكم وبين الضد في عبادتهم غير الله تعالى من الأموات الذين لا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وقد كان جل عبادتهم لهم في الرغبات والرهبات بالدعاء والاستعانة وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وأجد نكرة في سياق النهي تعم كل مدعو من دون الله كالأنبياء ومن دونهم وقد أمر الله نبيه أن يعبد ربه وحده بالدعاء وغيره من أنواع
стр. 260
العبادة قال الله تعالى: آمرا نبيه أن يدعوا أمته أن يخلصوا الدعاء لربهم وخالقهم فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ فبين تعالى أنه المستحق لدعوة الحق وإن الذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء وأ، دعوة غيره ضلال والضلال ضد الهدي وكفرهم بذلك وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ فكفر من يدعوا غيره في هاتين الآيتين وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ*وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فهذه الآيات تقصم ظهر المشرك الملحد فمن تمسك بها غلب خصمه المشرك كما قال شيخنا رحمه الله تعالى: والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هولاء الشياطين وما ذكرت من أنهم يأتون بفتاوى من علماء مكة فليس مع من عارض أدلة التوحيد إلا شبهات شياطين وقد كتبنا نسخة في هذا المعنى ردا على من زعم أن الاستمداد بالاموات جائز وفيها كفاية لأهل الحق.
وأما ما سئلت عنه فيمن أنكر الحكم برجحان العمل بالحديث الصحيح في مقابلة المذهب الملتزم.
فهذا من محدثات الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية وهذا أصل عظيم من اصول الدين قال العلماء ﵏ "كل يؤخذ من قوله: ويترك إلا رسول الله ﷺ وهذا قول الإمام مالك ﵀".
стр. 261
وهذا القول الذي يقوله: هؤلاء يفضي إلى هجران الكتاب والسنة وتبديل أحكام النصوص كما فعل أهل الكتاب من اليهود والنصارى والكتاب والسنة شفاء وهدى لمن أصغى إليهما.
ومن طلب الحق منهما ناله وفهمه وقد قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ والأمر بتدبره والتذكر ليس مخصوصا بالعلماء المجتهدين بل عام لكل من له فهم يدرك به معنى الكلام والتقليد المفضي إلى هذا الإعراض عن تدبر الكتاب والسنة فيه شبه بمن قال اله فيهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه﴾ ِ وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وأهل الاجتهاد من العلماء وإن كانوا معذورين بإجتهادهم إنما هو في معنى أدلة الكتاب والسنة وينهون عن تقليدهم فالأئمة ﵏ اجتهدوا ونصحوا قال الإمام الشافعي إذا جاء الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط فهو مذهبي وأما قولكم الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر كيسير الرياء والحلف بغير الله وقول الرجل أنا في حسبك ولولا الله وأنت وأن يجاهد بالمعروف لطلب رياسة أو مال أو وظيفة كمن يتعلم العلم لوظيفة المسجد أو يقرأ القرآن ليسئل الناس به أو يبيع الختمات أو يحج ليأخذ المال أو يتصدق ليكثر ماله أو نحو ذلك وهذا إنما يتبين بالتمثيل والحد لا بالعد وأما الشرك الأكبر فهو إتخاذ الأنداد من أرباب القبور والغائبين ومخاطبتهم بالحوائج والذبح لهم والنذر واعتقاد أنهم ينفعون ويدفعون وكاتخاذ الأشجار والأحجار والأصنام لجلب الخير ودفع الضر بها وغير ذلك وهو كثير جدا وهو أن يرغب إلى شيء أو يدعوه أو يخافه أو يرجوه أو يعكف عند القبر تعظيما له ونحو ذلك وأمور الشرك أكبره وأصغره لا تدرك بالعد لكن الشرك الأكبر يخرج من الملة ويحبط الأعمال لأنه أعظم ذنب عصي الله به وهو أظلم الظلم لأن المشرك أخذ حق الله ووضعه فيمن لا يستحقه وأما الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر لقول النبي ﷺ لمن رأى في يده حلقة من صفر فقال: ما هذه قال: من الواهنة فقال: "إنزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي
стр. 262
عليك ما أفلحت أبدا" ولا يكفر الشرك أكبره وأصغره إلا بالتوبة منه قبل الممات والأصغر لا يكفره في الدار الآخرة ألا كثرة الحسنات لأن الأصغر لا يحبط إلا العمل الذي وقع فيه خاصة.
وأما قولكم في الذهاب إلى المقابر التي بنى عليها القباب وأوقد فيها المصباح.
فالجواب أن رسول الله ﷺ لعن اليهود والنصارى وقال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وقال: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" وبناء القباب على القبور وإسراجها وسيلة إلى عبادتها والخضوع لها والتذلل والتعظيم وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن النبي ﷺ "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد إشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وأما مسألة استغاثة الأحياء بالموتى في طلب الجاه وسعة الرزق والأولاد مثل أن يقال عند القبور نسألك أن تدعوا الله في رفع فقرنا وبسط رزقنا وكثرة أولادنا وشفاء مريضنا لأنكم سلف مستجابوا الدعوات عند الله.
فالجواب هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله وهذا شرك في الربوبية والإلهية وقد كان شرك المشركين في جاهليتهم بطلب الشفاعة والقربة به.
وأما طلب الرزق والأولاد وشفاء المرضى فقد أقروا بأن آلهتهم لا تقدر على ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ فأقروا لله تعالى أنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي يفعل ذلك فأقروا لله بذلك وصابر إقرارهم حجة عليهم في اتخاذهم الشفعاء. وقال قال تعالى: في فاتحة الكتاب
стр. 263
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك فهو المعبود وحده وهو المستعان وقد تقدم ما بين أن الدعاء مخ العبادة لأن الله تعالى نهى عن دعوة غيره وأخبر أن المدعو لا يستجيب لداعيه وأنه شرك وضلال وأنه كفر بالله وقد أوضحنا ذلك في الجواب في إبطال دعوة المدعي جواز الاستمداد بالا موات ومن قال: أن الميت يسمع ويستجيب فقد كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للمتكبرين وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ فأخبر تعالى أن لا أضل ممن يدعو أحد من دون الله غير الله وأخبر أن المدعو لا يستجيب وأنه غافل عن ودعوته وأنه عدوه يوم القيامة.
فأهل التوحيد أعداء أهل الشرك في الدنيا والآخرة قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ*فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ فأخبر تعالى أن آلهتهم تبرء منهم بين يدي الله ومن عبادتهم ويستشهدون الله على أنهم في حال دعوتهم لهم غافلون لا يسمعون ولا يستجيبون وهذا كتاب الله هو الحاكم بيننا وبين جميع من أشرك بالله من الأولين والأخيرين وليس فعل أحد من الناس ولو من يظن أنه عالم يكون حجة على كتاب الله بل القرآن هو الحجة على كل أحد فلا تغتروا بقول بعضهم قال فلان وفعل فلان.
وأما السؤال عن دلائل الخيرات فيكفي عن دراستها ما وردت به السنة عن النبي ﷺ لما سئل عن كيفية الصلاة قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" الخ وقد قال: بعض العلماء لما قيل له إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب احرق دلائل الخيرات استحسن ذلك فقال.
وحرق عمدا للدلائل دفترا ... أصاب ففيها ما يجل عن العد
غلو نهى عنه الرسول وفرية ... بلا مرية فاتركه إن كنت تستهدي
стр. 264
أحاديث لا تعزى إلى عالم فلا ... تساوي فليسا إن رجعت إلى النقد
وأما السؤال عن البردة للبوصيري والهمزية وأمثالها في المديح فالمنكر سواك فدعا غير الله ولاذ به من دون الله والدعاء مخ العبادة واللياذ نوع من أنواع العبادة كالعياذ وقد جاء النبي ﷺ بتغيير ما كان عليه أهل الجاهلية من الإستعاذة بالجن إذا هبطوا واديا يقولون نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي طغيانا فشرع النبي ﷺ لأمته قصر الاستعاذة على الله وأسمائه وصفاته فقال في حديث خولة بنت حكيم وهو في الصحيح من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك وكذلك قول صاحب البردة.
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يازلة القدم
وقوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
فكل هذا شرك محرم بالكتاب والسنة فما كان من جنس ذلك وجب إنكاره والنهي عنه وتغييره بطمسه وهذا يتبين بما تقدم من الآيات المحكمات في النهي عن دعوة غير الله والرغبة والتوكل عليه ورجاه.
وأما الإجماع فقد حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فقال: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعا وأما البدعة المنهي عنها فكل ما حدث بعد النبي ﷺ وأصحابه ولا دل عليه قول من النبي ولا فعل وكذلك أصحابه الذين هم أحرص الأمة على فعل الخير فكل ما حدث بعدهم في العبادات وغيرها من أمور الدين فهو بدعة لقول النبي ﷺ لأصحابه في خطبته: وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وبسط القول في هذا يستدعي كتابا ضخما لكن في أصول الأدلة ما يكفي المسافر إلى الله
стр. 265
على صراط مستقيم وكل ما لم يفعله أصحاب الرسول ﷺ مما حدث بعدهم فالجواب أن يقال لو كان خيرا سبقونا إليه.
وأما السؤال عن السفر إلى قبر النبي ﷺ فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" فالنهي عن شد الرحال إلى غير الثلاثة لفظ عام يتناول المساجد وغيرها وفحوى الخطاب يدل عليه لأن غير المساجد من باب أولى ولكن إذا نوى الإنسان السفر إلى مسجده حصلت زيارة القبر الشريف تبعا فإنه إذا وصل إلى المسجد سلم على النبي ﷺ من قرب فيكون قد أخذ بعموم الحديث وحصلت له الزيارة من غير أن يخصها بشد الرحال المنهي عنه.
وأما السؤال عن الرسوم والعادات التي شاعت وذاعت في الأعاجم سيما في مشايخهم إذا مرض أحدهم يحفون ويحيطون به فيقرءون شيئا من الآيات بحساب وإعداد معلومات فإذا انتهى قالوا يا قاضي الحاجات ويا كاشف الكربات ثم يأتون بالاطعمة النفيسة فيأكلونها بأجمعهم.
فالجواب أن الذي وردت به السنة دعاء العائد له وحده من غير تكلف ولا اجتماع فإن شاء رقاه بما وردت به السنة كما قال: عبد الله بن مسعود ﵁ لامرأته لما نخستها عينها إنما يكفيك أن تقولي اذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما هذا جنس المشروع.
وأما على هذه الكيفية التي ذكرها السائل فبدعة تجري مجرى ما ذكره تعالى ردا على من ابتدع في دينه فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾
وأما ما ذكره السائل من أنه إذا مات أحدهم يتصدق أقاربه وعشائره ويذبحون الذبائح ويطبخون الطعام ويفرشون الحرير ويدعون الناس كلهم الغني والفقير فليس هذا من دين الإسلام بل هو بدعة وضلالة ما أنزل الله بها
стр. 266
من سلطان وهذا من جنس ما أحدثه اليهود والنصارى من التغيير والتبديل في شريعتهم خالفوا به ما جاءت به أنبياؤهم فيجب اجتناب ذلك المأتم وما في معناه.
وأما ماسألت عنه من شد الرحال إلى مكانات مشرفة للأنبياء والأولياء هل هو ممنوع ومحذور أم لا.
فالجواب لا ريب أن هذا مما نهى عنه رسول الله ﷺ في الحديث الذي تقدم وهو قوله: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" فإذا كان بترك للمحمل المزور فهو من الشرك لأنهم قصدوا بذلك تعظيم المزور كقصد النبي ﷺ أو الولي لتعود بركته عليه بزعمهم وهذا حال عباد الأصنام سواء كما فعله المشركون باللات والعزى ومنات فإنهم يقصدونها لحصول البركة بزيارتهم لها وإتيانهم إليها وفي الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله ﷺ "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى إجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال: إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم" فجعل التبرك بالأشجار مثل قول بني إسرائيل إجعل لنا إلها وهذا هو جنس عبادة الأشجار والأحجار.
وأما قول بعضهم أن أمور التعظيمات خصصه الله تعالى للذات وسماه بالعبادة كالسجود والركوع والقيام كقيام الصلاة والتصدق بالصدقات والصيام باسمه وقصد السفر إلى بيته من المكانات البعيدات فهذا من وحي الشيطان وزخرفته التي ألقاها على ألسن المشركين فجمع لهم الشرك وتعظيمه والغلو فيه والبدع والضلالات.
وكل هذا باطل ما أنزل الله به من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى.
وأما سؤاله عن رجل بنى في جوار قبر صالح لإفاضة الفيوضات عليه
стр. 267
وإصابة البركات ورجل جلس مراقبة على قبر صالح
فالجواب من أخبر هذا المغرور أن هذا المدفون تفيض عليه وهذا من جنس ما قبله مما زين الشيطان وأجراه على السن المغرورين المفتونين الذين أعرضوا عن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ولما قال رجل للنبي: ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله ندا قل ماشاء الله وحده وقال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقد صان الله قبر نبيه ﷺ بأن صار قبره في حجرته حذرا من هذه الأمور التي نهى عنها. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا وقال ﷺ : "إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" والضابط أن ما كان يفعل مع الميت من رفع الأصوات على جنازته والتبرك به وبتربته والنذر له وغير ذلك من الشرك كالذبائح والنذور التي يقصد بها الميت حرام وهي مما أهل به لغير الله كما صرح به القرآن قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾
وقد تضمنت هذه الأفعال التي ذكرت الشرك والبدع والغلو في الدين وخالف أهلها وصادموا ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى وتوجيه الوجه والقلب إلى الله تعالى بجميع الإرادات الشرعية والأحوال الدينية وقد أبطل الله في كتابه التعلق على غيره كائنا من كان قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ*يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ
стр. 268
سَحِيقٍ﴾ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
إذا عرفت ذلك وما في معناه من الآيات المحكمات فهذه الشبهات التي أعتمدها كثير من جملة المشركين كلها باطلة تصادم كتاب الله وسنة رسوله وأول من زخرف هذه الشبهات وزين للجهال التعلق على الأموات زنادقة الفلاسفة الكفار الدعاة إلى الخلود في عذاب النار كابن سينا والفارابي فإنهم أدخلوا على كثير ممن ينتسب إلى العلم كثيرا من الفلسفة وزخرفوا هذه الشبهات التي صارت في أيدي المشركين وحاولوا بها إبطال ما في الكتاب والسنة من توحيد المرسلين وخالص حق رب العالمين فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا فمن التفت إلى الأموات يستمد منهم نفعا وتبركا بهم فقد اتخذهم أربابا من دون الله قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وقد أخبر تعالى عن عيسى ابن مريم أنه قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وهو دليل على أن من مات فلا اطلاع له على الأحياء ولا علم له بهم١ فكيف يدعو من لا يعلم ماله ولا يدري ما يفعله وما يقوله: وقد تقدم في الآيات المحكمات مايدل على ذلك وأن المدعو لا يسمع ولا يستجيب فما هذه التعلقات الشركية التي هي أضل الضلال وأمحل المحال الا من وحي الشيطان وزخرفة أعداء المرسلين كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا
стр. 269
يَفْتَرُونَ﴾ وكل هذه التعلقات على الأموات والغائبين هي أعمال الشرك من المشركين قديما وحديثا وهو شرك قوم نوح لما صوروا الأصنام على صور صالحيهم قال من بعدهم: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم فعبدوهم أي بطلب الشفاعة منهم واستمداد البركة بهم وهذا هو شرك العالم وهم في آخر هذه الأمة أشد وأعظم فاستمسك بأدلة القرآن وسبيل أهل الإيمان.
وقد عرفت أن عبادة الأشجار والقبور والأحجار بدعائهم لها باستمداد البركة منها في زعمهم أنه أبطل الباطل وأمحل المحال كما دل عليه الكتاب والسنة.
وهذا الجواب يكفيك عما تقدم من السؤالات فكل ما كان يفعل عند القبور من التعظيم لها ولأربابها وقصدها والتبرك بها والدعاء عندها أولها كل هذا شرك وضلال.
فتأمل قوله: عن خليله ﵇ ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ*إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ والحنيف هو المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه فهذه الأدلة التي ذكرنا تبطل كل ما تعلق به المشركون مما كانوا يفعلونه مع العزى ومناة ومن إدعى جواز شيء من ذلك أو أنه يحتمل الجواز فيطالب بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله على أن هذا جائز ولا يخفي أنه ينافي الإخلاص لما فيه من الإقبال على غير الله والرغبة إليه وجلب النفع والدفع منه وكل هذا مردود بالآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة كما ثبت عنه ﷺ في الحديث الصحيح أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" وكل ما كان يفعل هؤلاء مع الأموات فليس فيه مستحب ولا مباح إلا زيارة القبور من غير شد رحل لتذكر الآخرة والاستعداد لما بعد الموت من الإخلاص والعمل المشروع من غير تحر لإجابة الدعاء عندها والصلاة إليها ولو كانت لله فهذا محرم سدا لذريعة الشرك وحماية لجناب التوحيد.
стр. 270
وأما قولهم: بعصمة الأنبياء فالذي عليه المحققون أنه قد تقع منهم الصغائر لكن لا يقرون عليها وأما الكبائر فلا تقع منهم وكل ما قال رسول الله ﷺ مما ثبت عنه فهو حق كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ كذلك تقريراته حق.
وأما قول أبي الوفا بن عقيل رحمه الله تعالى: فهو حق وأعظمه خطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها يامولاي إفعل كذا وكذا وأخذ تربتها والتبرك بها فهذا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله وقد كتبنا الأدلة على ذلك في الرد على الذي يقول بالامداد من الموتى فطالعه وفيه ما يكفي ويميز الحق من الباطل.
وأما ما ذكره ابن عقيل ﵀: من أفاضه الطيب على القبور وشد الرحال إليها فهو من إفراطهم وغلوهم في الآلهة التي يعبدونها من دون الله وكلامه عندنا ﵀: مسلم لأنه اشتمل على إنكار الشرك من التعلق بالأموات واعتقاد أن لهم قدرة على قضاء الحاجات وتفريج الكربات ويخاطبونهم بذلك من قريب وبعيد لإعتقادهم أن لهم تصرفات وأنهم يعلمون الغيب وإن لهم قدرة على ما أرادوا والقرآن كله من أوله إلى آخره ينكر ذلك عليهم ويبين أنه شرك وكفر وضلال ودليله من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة وإجماع أهل السنة والجماعة مذكور على صاحب الرد في الإمداد.
وإما قول الأئمة الأربعة فذلك مذكور في مذاهبهم في باب حكم المرتد في كل مذهب وأما مسح الرقبة فقول أبو حنيفة وجمهور الفقهاء بخلافه لا يرون ذلك وفيه حديث ضعيف.
وأما دعاء القنوت فبعد الركوع ورفع اليدين فيه جائز والتكبير قبله محدث.
وأما الرسالة التي أرسلتموها إلينا فالجواب عليها يصل إليكم إن شاء الله ويظهر بطلانها بالتمسك بالآيات المحكمات والوقوف عندها ويكفي في ردها ما في سورة الفاتحة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من قصر العبادة
стр. 271
والاستعانة على الله دون كل ما سواه فإن غالط فأدلة النهي عن دعوة غير الله وإنها شرك وكفر تكفي المتمسك بها وذكرنا من الأدلة ما فيه كفاية ولو تتبعنا ما في كتاب الله وسنة رسوله من دلائل التوحيد وكلام السلف والخلف من أهل السنة لاحتمل مجلدا ضخما ومجلدات.
وأما السؤال عن رجل لا يتكلم بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وبعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس فالجواب ما ذكرتموه من قصة أبي بكر مع المرأة الأحمسية وقال لها إن هذا لا يحل فتكلمت.
وأما ما أحدثه المشايخ من المراقبات واللطائف فإن كانت مما جائت به السنة وفعله أصحاب رسول الله ﷺ فاقبلوه وما لم يفعلوه ولم يقم عليه دليل فدعوه فإن "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"
وأما قول أهل التأويل للصفات إن الله تعالى منزه عن الجهات فهذه شبهة أرادوا بها نفي علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه وقد ذكر استواءه على عرشه في سبعة مواضع من كتاب الله تعالى ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ في آية الكرسي وغيرها من القرآن فأثبت لنفسه العلو بأنواعه الثلاثة: علو القهر, علو القدر, علو الذات ومن نفى علو الذات فقد سلب الله وصفه وقد قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وقال ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وقال ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ وحديث المعراج الذي تواترت به السنة يدل على علو الله على خلقه وأنه على عرشه فوق سماواته.
وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة يثبتون لله ما أثبت لنفسه وما أثبته له رسول الله ﷺ من صفات كماله ونعوت جلاله على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل.
تعالى الله عما يقول المحرفون المخرفون عن الحق علوا كبيرا والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين آمين١
стр. 272
الرسالة الواحدة والثلاثون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٣١"
من عبد الرحمن بن حسن وإبنه عبد اللطيف إلى عبد الخالق الحفظي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد فقد بلغنا من نحو سنتين إشتغالكم ببردة البوصيري وفيها من الشرك الأكبر ما لا يخفى من ذلك قوله: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك إلى آخر الأبيات التي فيها طلب ثواب الدار الآخرة من النبي ﷺ وحده فأما دعاء الميت والغائب فقد ذكر الله في كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله ﷺ النهي عن دعوة الأموات والغائبين بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ ولم يستثن أحدا والنبي صلي الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله وقال ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ﴾ فانظر إلى هذا الوعيد الشديد المترتب على دعوة غير الله وخاطب به نبيه ﷺ ليكون أبلغ للتحذير فكيف يظن بالنبي ﷺ أن الله تعالى ينهاه عن ذلك ويذكر الوعيد عليه ويرضاه أن يفعل ذلك أحد معه أو مع غيره صلوات الله وسلامه عليه ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" ودعوة غيره تنافي الإخلاص الذي هو دينه الذي لا يقبل الله دينا سواه وذكر تعالى إختصاصه بالدعاء بقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ الآية وأخبر أن دعوة الحق مختصة به وما ليس بحق فهو باطل ولا يحصل به نفع لمن فعله بل هو ضرر في العاجل والآجل لأنه ظلم في حق الله تعالى يقرر هذا تهديده تعالى لمن دعا الأنبياء والصالحين والملائكة بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ نزلت في عيسى وأمه والعزير والملائكة وكونه ﷺ أفضل الأنبياء لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهي الله عنه عباده عموما وخصوصا بل هو
стр. 273
مأمور أن ينهى عنه ويتبرأ منه كما تبرأ منه المسيح بن مريم في الآيات في آخر سورة المائدة وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات التي في سورة سبأ وأما اللياذ فهو كالعياذ سواء فالعياذ لدفع الشر واللياذ لجلب الخير وحكى الإمام أحمد وغيره الإجماع على أنه لا يجوز العياذ إلا بالله وأسمائه وصفاته وأما العياذ بغيره فشرك ولا فرق.
وأما قوله: "فإن من جودك الدنيا وضرتها" فمناقض لما اختص به تعالى يوم القيامة من الملك في قوله: ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ .
وفي قوله تعالى في سورة الفاتحة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وفي قوله تعالى ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وغير ذلك من الآيات لهذا المعنى وقال غير ذلك في منظومته مما يستشبع من الشرك ومدح النبي ﷺ شعراء العرب الفصحاء ولم يقرب أحد منهم حول هذا الحمى الذي هو لله وحده بل مدحوه بالنبوة وما خصه الله به من الفضائل والأخلاق الحميدة مثل حسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير وأمثال هؤلاء فما تعلقت قلوبكم يا عبد الخالق إلا بنظم للشيطان فيه حظ وافر قد أنكره الله ورسوله على من قاله أو فعله وهذه الأمور كانت عند محمد الحفظي وأبيه وأخيه فأقلعوا عنها وتابوا إلى الله منها وتجنبوا الشرك وتبرؤا إلى الله منه ومن أهله وجاهدوا أهله نثرا ونظما وقد نزلت المنزلة التي كانوا عليها في الجاهلية ثم تابوا منها فاصغ سمعك لكتاب الله فإنه يكفيك ويشفيك في كل خير ويعصمك من كل شر اهـ آخر ما وجد من الرسالة والحمد لله١
стр. 274
الرسالة الثانية والثلاثون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٣٢"
من عبد الرحمن ابن حسن إلى الأخوين المكرمين محمد ابن عبد الله وعبد الله بن سالم سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.,
وبعد فقد وصل الكتاب وفهمت ما تضمنه من الخطاب وما ذكرتماه عن
стр. 275
نصب الشيخ عبد اللطيف لهؤلاء الأولاد الثلاثة فالعادة أن مثل هذا يرجع فيه إلى الإمام لأن نصبه له في أمر خاص وهو فصل القضايا بين الناس.
وأما النظر فيما يصلح للإمامة والتدريس فيرد إلى الإمام وربما أن الإمام يجعل لنا فيه بعض الشورى لأن كثيرا من الناس ما تخفانا حالهم وعقائدهم ونصب الإمام لقضاة نجد كذلك والشيخ أحمد بن مشرف يسامي الأكابر ومثلهم ما ينسب له والذي نعلم منه صحة المعتقد في توحيد الأنبياء والمرسلين الذي جهله أكثر الطوائف كذلك هو رجل سلفي يثبت من صفات الرب تعالى ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ على ما يليق بجلال الله وعظمته.
وأما أهل بلدكم في السابق وغيرهم فهم أشاعرة والأشاعرة أخطأو في ثلاث من أصول الدين منها تأويل الصفات وهو صرفها عن حقيقتها التي تليق بالله.
وحاصل تأويلهم سلب صفات الكمال عن ذي الجلال أيضا أخذوا ببدعة عبد الله بن كلاب في كلام الرب تعالى وتقدس ورد العلماء عليهم في ذلك شهير مثل الإمام أحمد والشافعي وأصحابه والخلال في كتابه والسنة وإمام الأئمة محمد بن خزيمة واللالكائي وأبوعثمان الصابوني الشافعي وابن عبد البر وغيرهم من أتباع السلف كمحمد بن جرير الطبري وشيخ الإسلام الأنصاري١وقد رجع كثير من المتكلمين الخائضين كالشهرستاني شيخ أبي المعالي٢ وكذلك أبو المعالي والغزالي وكذلك الأشعري قبلهم في كتاب الإبانة والمقاولات ومع هذا وغيره فبقي هذا في المتأخرين المقلدين لا ناس من المتأخرين ليس لهم إطلاع على كلام العلماء وإن كانوا يعدون من العلماء.
وأخطأوا أيضا في التوحيد ولم يعرفوا من تفسير لا إله إلا الله إلا أن معناها القادر على الاختراع ودلالة لا إله إلا الله على هذا دلالة التزام لأن هذا من توحيد الربوبية الذي أقر به الأمم ومشركوا العرب كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ
стр. 276
الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآيات وهي كثيرة في القرآن يحتج تعالى عليهم بذلك على ما جحدوه من توحيد الألوهية الذي هو معنى لا إله إلا الله مطابقة وتضمنا وهو الذي دعا إليه الناس في أول سورة البقرة وفي سورة آل عمران والنساء وغيرهما ودعت إليه الرسل أن لا تعبدوا إلا الله وهو الذي دعا إليه رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران ودعا إليه العرب قبلهم كما قال أبو سفيان لهر قل لما سأله عما يقول قال: يقول اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وكل السور المكية في تقرير معنى لا إله إلا الله وبيانه فإذا كان العلماء في وقتنا هذا وقبله في كثير من الأمصار ما يعرفون من لا إله إلا الله القادر على الاختراع وبعضهم يقول معناها الغني عما سواه المفتقر إليه ما عداه وعلماء الاحساء ما عادوا شيخنا ﵀: في مبدء دعوته إلا من أجل أنهم ظنوا أن عبادة يوسف والعيدروس وأمثالهم لا يستفاد بطلانها من كلمة الإخلاص والله سبحانه بين لنا معنى هذه الكلمة في مواضع كثيرة من القرآن قال تعالى: عن خليله ﵇ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ِلأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ*إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ*وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ فعبر عن هذه الكلمة بمعناها وهو نفي الشرك في العبادة وقصرها على الله وحده وقال عن أهل الكهف ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ فإذا كان هذا التوحيد الذي هو حق الله على العباد قد خفي على أكابر العلماء في أزمنة سلفت فكيف لا يكون بيانه أهم الأمور خصوصا إذا كان الإنسان لا يصح له إسلام ولا إيمان الا بمعرفة هذا التوحيد وقبوله ومحبته والدعوة إليه وتطلب أدلته واستحضاره ذهنا وقولا وطلبا ورغبة فهذه نصيحة مني لكل إنسان دعاني إليها غربة الدين وقلة المعرفة فيه فينبغي أن تشاع وتذاع في مخاطر أهل العلم يقبلها من وفقه الله تعالى للخير فإنها خير مما كتبت فيه بأضعاف أضعاف والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله على محمد وأله وسلم١
стр. 277
الرسالة الثالثة والثلاثون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٣٣"
من عبد الرحمن بن حسن إلى الإخوان الأمير محمد بن أحمد والشيخ عبد اللطيف بن مبارك وأعيان أهل الإحساء وعامتهم رزقنا الله وإياهم الاعتصام بالكتاب والسنة وجنبنا وإياهم سبل أهل البدع والأهواء ووفقنا وإياهم لمعرفة ما بعث الله به رسوله من النور والهدى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فإن الباعث على هذا الكتاب هو النصيحة لله ولكتابه ولرسله ولأئمة المسلمين وعامتهم "وأوصيكم" بما دلت عليه شهادة لا إله إلا الله وما تضمنته من نفي الإلهية عما سوى الله وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له والبراءة من كل دين يخالف ما بعث الله به رسله من التوحيد كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ*إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّه﴾ َ وهذه الآية وما في معناها تتضمن النهي عن الشرك في العبادة والبراءة منه ومن المشركين من الرافضة وغيرهم والقرآن من أوله إلى آخره يقرر هذه الأصل العظيم فلا غناء لأحد عن معرفته والعمل به باطنا وظاهرا قال بعض السلف: كلمتان يسأل عنهما الألون والآخرون ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ*وَأُمِرْتُ ِلأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وهذا هو مضمون شهادة أن محمد رسول الله وجوب إتباعه والرضى به نبيا ورسولا ونفي للبدع والأهواء المخالفة لما جاء به ﷺ فلا غناء لأحد عن معرفة ذلك وقبوله ومحبته والإنقياد له قولا وعملا باطنا وظاهرا.
стр. 278
الرسالة الرابعة والثلاثون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٣٤"
وبه نستعين وعليه نتوكل ونعتمد.
من عبد الرحمن بن حسن إلى إمام المسلمين وخليفة سيد المرسلين
стр. 279
في إقامة العدل والدين وهو سبيل المؤمنين والخلفاء الراشدين فيصل بن تركي جعل الله في عدادهم متبعا لسيرهم وآثارهم آمين..السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد أعلم أن الله أنعم علينا وعليكم وعلى كافة أهل نجد بدين الإسلام الذي رضيه لعباده دينا وعرفنا ذلك بأدلته وبراهينه دون الكثير من هذه الأمة الذين خفي عليهم ما خلقوا له من توحيد ربهم الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه ولإصلاح للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بمعرفة هذا الدين وقبوله والعمل به ومحبته واستفراغ الوسع في ذلك علما وعملا والدعوة إليه والرغبة فيه وأن يكون أكبر هم الإنسان ومبلغ عمله ليحصل له النعيم المقيم الأبدي والسرور السرمدي.
وقد وقع أكثر من أنعم الله عليهم بهذه النعمة في التفريط في شكرها والتهاون بها وعدم الرغبة فيها والإشتغال بما يشغل عنها من الرغبة في الدنيا والإقبال عليها والتحدث بها والعمل بموجبها وقد وقع بالغفلة عن شكر هذه النعمة من التفريط فيها والإشتغال بما يشغل عنها من الرغبة في الدنيا والإقبال عليها مالا يخفى على ذوي البصائر وقد ذم الله تعالى في كتابه أهل الغفلة والإعراض أعاذنا الله وإياكم من اتباع سبيلهم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ فعلينا وعليكم أن نقوم على من قدرنا على القيام عليه ببذل الجهد والاجتهاد بالنصيحة لجميع المسلمين بتذكيرهم ما أنعم الله به عليهم ببذل من الدين وتعليمهم ما يجب عليهم تعليمه مما فيه صلاحهم وفلاحهم ونجاحهم وسعادتهم ونجاتهم من شرور الدنيا والآخرة وقد قال تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فإذا كان هذا في أناس في عهد النبوة والقرآن ينزل فمن بعدهم أحرى بأن يكونوا كذلك.
стр. 280
فيجب على من أقدره الله من المسلمين أن يقوم بنصيحة العباد بهذا الدين علما وعملا ودعوة إليه وتعلما وتعليما ولا يخفى أن العامة تتبع الخاصة فيما أحبوه وقالوه وعملوا به وقد حذر الله عباده من عقوبات الدنيا والآخرة وعن الإعراض عما خلقوا له كما قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ وقال في حق نبيه ﷺ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وعلينا أن نحذر ونحذر عما حذرنا الله تعالى عنه من التفريط في طاعة الله وطاعة رسوله والقيام بدينه كما ينبقي.
وبسبب الغفلة عن هذه الأمور الواجبة وقع كثير من الناس في أشياء مما لا يحبه الله ولا يرضاه كما لايخفى على من ينظر بنور الله وقد قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ والفساد المعاصي وآثارها في الأرض ولكن كما قيل إذا كثر الإمساس قل الإحساس نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وموجبة الغفلة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه لا صلاح للعباد في دينهم ودنياهم إلا بالقيام بحقه واليوم ما فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا على ضعف وفي يتركه الوعيد الشديد وفعله علامة الإيمان وهو من فروض الكفايات إذا قام بها البعض سقط الوجوب عن الباقين وإذا لم يحصل القيام بذلك أثموا كلهم قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال بعض العلماء فروض الكفاية أشد على الناس من فروض العين لأن فرض العين تخص عقوبته تاركه وفرض الكفاية تعم عقوبته كل من كان له قدرة.
فأوصيكم معشر الأخوان من الخاصة والعامة أن ترغبوا فيما رغبكم الله فيه وأن تهتموا به كاهتمامكم لدنياكم لتسعدوا وتسلموا وتغنموا والشأن كل
стр. 281
الشأن في الإهتمام بما يرضي الله عنكم ويفع الله به عنكم عقوبات الدنيا والآخرة.
وعلى الإمام وفقه الله أن يبعث للدين عمالا كما يبعث للزكاة عمالا ليعلموهم دينهم ويأمروهم وينهوهم وهذا مما يجب على الإمام أعانه الله على ذلك ووفقه للقيام بوظائف الدين نصيحة لله ولكتابه ولرسوله وللمسلمين سنة الخلفاء الراشدين.
وأوصيكم بالتوبة إلى الله عما فرطتم فيه من العمل بدينه وتعليمه وتكميله فإن الله تعالى أكمله لكم وهو أعظم نعمة أنعم بها عليكم فالله الله في الأخذ بأسباب الفلاح والنجاة وعلى كل منكم أن يحاسب نفسه لربه قبل القدوم عليه والرجوع إليه. ولا ينفع قول إلا بعمل ولا عمل إلا بنية وعلم فاشكروا الله تعالى على ما أعطاكم ومن به عليكم من دين الإسلام وما حصل به من النعم التي لا تحصى وقد خطب نبيكم ﷺ أصحابه وأنذرهم وحذرهم فقال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فأحذروا واحذروا فإن الأمر عظيم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ قال بعض العلماء في قوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ فيه وجوب القيام لله فيما شرعه وأمر به وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ فيه التنبيه على إخلاص العبد في قيامه لربه وطاعته فجمعت هذه الآية العمل بالتوحيد وحقوقه ولوازمه والقيام بذلك جدا واجتهادا,
ويشبه هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ﴾ فجمع تعالى الدين كله في هاتين الكلمتين: نجب دعوتك: فيه التوحيد لانه الذي دعا إليه ودعت إليه رسله وفي قوله: ﴿وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ﴾ العمل بكتابة واتباع رسوله ﷺ لأن من اتبع كتابه ورسوله فقد اتبع الرسل جميعهم فمن عمل بهاتين الكلمتين فيما كان طاعة لله ولرسوله فقد فاز ونجا وحصل ما تمناه المفرطون يوم القيامة فالله
стр. 282
الله في الاهتمام بهذا الشأن والقيام به حسب الإمكان وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ومما يدفع به العقوبات ويزيد به الحسنات: الصدقة على الفقراء والمساكين كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا ِلأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقد ورد "بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها" والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وفي الحديث "إتقوا النار ولو بشق تمرة" والآيات والأحاديث في فضل الصدقة كثيرة وهي من الباقيات الصالحات وقد قال تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية والعون على مرضاته فإنه ولي ذلك والقادر عليه ولا ملجأ منه إلا إليه بالتوبة النصوح والإيمان والعمل الصالح ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد١
стр. 283
الرسالة الخامسة والثلاثون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"٣٥"
الحمد لله رب العالمين اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين سلما لأوليائك حربا لأعدائك نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالف أمرك اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة اللهم هذا الجهد وعليك التكلان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
من محبكم الداعي لكم بظهر الغيب عبد الرحمن بن حسن إلى الأبن الإمام فيصل بن تركي الزمه الله كلمة التقوى ووفقه للقيام بما هو أقوم وأقوى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 284
وبعد موجب الخط أبين لك ما أنت خابر من أمر دعوة الإسلام التي من الله بها في آخر هذا الزمان بموجب النصيحة للإمام المشوبة بالمحبة والشفقة والخوف وكنت والله يعلم صدقي بما قلته أني أحبك وأقدمك في المحبة على من مضى من حمولتك وحمولتي واليوم الذي اجتمع بك فيه عندي يوم سرور ولا عندي لك مكافات إلا بالدعاء والنصح باطنا وأكثر من يجتمع بالإمام ما يجي أمر النصيحة له على بال وبعضهم ما يحسن النصيحة ولا يعرف وجهها وبعضهم غرضه دنياه وهمته موقوفة عليها وقد قال الله تعالى:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ : ﴿وَالْعَصْرِإِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ولا يسلم من الخسران إلا أهل العلم ومعرفته وقبول الحق ومحبته والإنقياد في طاعته والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر على ذلك ومن نقص في ذلك فله الخسارة بحسب ذلك.
ولا يخفاك أن الله من عليكم بدين الإسلام في آخر هذا الزمان برجل واحد خالف فيه الأدنى والأقصى والقريب والبعيد لأنه قام في حال غربته لما اشتدت غربة الإسلام في جميع الأماكن والناس كلهم إلا من شاء الله لا يعرفون معنى لا إله إلا الله واشتد نكير الناس عليه العامة والمطاوعة وحذروا الملوك منه وشنعوا عليه في التوحيد الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وخلق الجن والإنس له وصار أقرب قريب له ابن معمر أمير بلاده لما عرف عداوة الناس له أرخص له عن البلد وصار رحمة ونعمة عظيمة لكم ياحمولة آل سعود وتلقاها جدك ﵀: وأهلك والخواص وأعانهم الله على عداوة أهل الأرض في هذا الدين ولا عندهم أموال يبذلونها لكن بذلوا نحورهم وأنفسهم وأرخصوها لله في طلب رضاه والفوز بالجنة والنجاة من النار ولا مقصدهم إلا أن الناس يتركونهم يوحدون الله ولا يعارضونهم عند التوحيد ولا حصل من الشيوخ بنجد وأتباعهم وضدهم في غاية القوة وهم في غاية الضعف والقلة فأيهم الله بدينه وكل
стр. 285
عدو يقصدهم يكسره الله وما زالوا كذلك حتى ملكهم الله جزيرة العرب بهذا الدين وهم في تلك السنين معافيهم الله في أبدانهم حتى إن الأمراض العامة لا تعرف فيهم ولهم سيرة أذكرها لك من غير مجازفة دائما في كل وقت يبعثون الدعاة إلى الله كل بلدة يجددون لهم دينهم ويسألونهم عن ثلاثة الأصول والقواعد وغير ذلك من كتب الأصول أعرف منهم نحو العشرة منهم عبد الله بن فاضل وعبد الرحمن بن ذهلان وراشد بن درعان وعثمان بن عبد الله بن عبيكان وحمد بن قاسم وأحمد الوهيبي وسليمان بن ماجد ومحمد بن سلطان وأولاده وحسن بن عيدان ومحمد بن سويلم وعبد العزيز بن سويلم وعثمان العود وعبد الرحمن بن نامي وعبد الرحمن بن خريف وأمثال هولاء ممن لهم فقه في التوحيد ورغبة فيه.
وكل واحد من هؤلاء يروح لجهة ومعه إثنان أو ثلاثة ويجلس في البلد قدر شهرين يسألهم ويعلمهم والذي ما يعرف دينه يؤدب الأدب البليغ ما يعارض فإذا أراد السفر استلحق أهل الدين من أهل البلد وقال سلموا على الكبار ويعرف الشيخ وعبد العزيز وإخوانهم بأحولهم ويقدمونهم في بلدهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبهذا صار للدين سلطان وعز وهذا يفعلونه دائما مع الرعايا وصار الذي له دين يقوم بالدين ويأمر وينهى والذي ما له دين بتزين عند أهل الدين.
وأما حالهم في بلدهم الدرعية فبنوا مجمعا حول مسجد البجيري محله معروف إلى اليوم يسع له قدر مائتي رجل وجعلوا فيه رفا للنساء فإذا صلوا الصبح أقبلوا لهذا المجمع وفيه معاميل وقهوة وما نابها مقيوم به من بيت المال تارة يجلس فيه حسين ابن الشيخ وتارة عبد الله وتارة علي ويقرأون في نسخ التوحيد فإذا فرغ هذا الدرس راحوا هم وغيرهم وجلسوا عند بيت الشيخ حتى يجيء عمك وجدك وسعود وعياله وآل عبد الله ويدخلون عند الشيخ ﵏ فإذا تقهور وذكر عمك ﵀: للشيخ ما عنده من خبر أو أمر يحتاج له