هما معاً؟ أي الصور مع الأفراد المحسوسة في الخارج١، وحيث إن هذا الاعتبار الأخير يؤدي إلى الاشتراك، والأصل عدمه، فقد انحصرت وجهات النظر في الاعتبارين الأولين، أي: أن المعتبر عند الواضع إما الأفراد أو الصور، فأصحاب الاتجاه الأول: ومنهم الآمدي وابن الحاجب يرون أن المطلق موضوع للدلالة على الأفراد الخارجية لتبادرها من اللفظ عند إطلاقه والتبادر بدون قرينة أمارة الحقيقة.
ولهذا عرفوا المطلق بتعاريف متعددة تلتقي عند دلالته على الفرد الشائع في جنسه: إذ عرفه الآمدي بأنه: (النكرة في سياق الأثبات) ٢ وبنحو منه تعريف صاحب مسلم الثبوت٣، بأنه ما دل على فرد ما منتشر٤.
ومعنى هذا التعريف أن المطلق اللفظ الذي يتناول فرداً غير معين، بمعنى أن ذلك الفرد المتناول بالمطلق فرد منتشر شائع في جنسه.
стр. 107
وشيوع المدلول في جنسه يعني كونه فرداً محتملاً لأفراد كثيرة على سبيل البدل أي: أنه يمكن أن يصدق على كل فرد منها من غير أن يستغرقها أو يعين واحداً منها، فمثلاً: قولنا (رجل) لفظ يتناول شخصاً واحداً ليكن زيداً مثلاً، ولكن تناوله له ليس معناه أن ذلك الفرد متعين أن يكون مدلولاً له لا يحتمل أن يصدق على غيره، بل هو ممكن أن يصدق على عمرو بدل زيد وعلى بكر بدلهما، فتناوله لزيد أو عمرو تناول بدلي تناوبي باعتبار حقيقة شاملة لهما وهي: (الإنسان الذكر) ١.
٢ - وذهب أصحاب الاتجاه الثاني وهم أكثر الأصوليين:
إلى أن المطلق موضوع للدلالة على الماهية من حيث هي، والفرد الذي يتحقق به مفهوم الماهية إنما يلزم عن طريق الضرورة؛ إذ لا وجود للماهية في الخارج بأقل من فرد من أفرادها، وهؤلاء عرفوا المطلق: بأنه اللفظ الدال على الماهية بلا قيد٢.
стр. 108
ومعنى هذا التعريف أن المطلق هو اللفظ الذي يدل على الحقيقة من حيث هي بدون اعتبار أي قيد، من وحدة، أو شرط، أو وصف، أو زمان، أو مكان، فمثلاً: قولنا (فرس) : لفظ يدل على حقيقة وما هية هي الحيوان الصاهل، ولم يعتبر في هذا اللفظ أي قيد من القيود التي تقلل من شيوعه وانتشاره بين أفراد جنسه، حيث لم يوصف بوصف ما، كما لم يشترط فيه أن يكون في زمان أو مكان ما، أو غير ذلك من القيود التي تحد من انتشاره وتضيق من دائرة انطباقه على أفراد جنسه.
وقد أيد كل فريق رأيه بأدلة نذكر منها ما يلي:
أ - فمن أدلة١ الفريق الأول ما يلي:
١ - قالوا: إن القول بأن المطلق موضوع للدلالة على الأفراد هو الموافق لأسلوب العرب ومتعارفهم؛ لأن المطلق عندهم عبارة عن النكرة في سياق الإثبات.
٢ - إن تعريف المطلق بما يدل على الأفراد هو الأوفق بأسلوب الأصوليين، لأن بحثهم في أحكام المكلفين، والتكليف إنما يتعلق بالأفراد دون المفهومات.
٣ - قالوا: إن القول بأن المطلق موضوع للماهية ينافيه اتفاق
стр. 109
الفريقين على أن من أمثلته (رقبة) في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ١؛ إذ لا شك أنها فرد محسوس في الخارج٢.
٤ - ومن أدلتهم أيضاً: أن القائل بأن المطلق موضوع للماهية يلزمه القول بأن وجودها وتعلق الأحكام بها إنما يكون باعتبار اتحادها مع أفرادها، وليس كذلك القول بأن المطلق موضوع للدلالة على الفرد الشائع؛ فإنه لا يترتب عليه هذا المحظور؛ إذ يمكن توجيه الخطاب إليه أصالة بدون لوازم.
ب - ومن أدلة الفريق الثاني٣:
١ - أن الأصل في الوضع أن يكون للصور المتخلية في الذهن، بدليل أننا لو رأينا شبحاً بعيداً ولم نميزه، فلا نزال نطلق عليه الأسماء المختلفة حسبما نتصوره في أذهاننا.
٢ - أن اللفظ ظاهر الدلالة على الحقيقة، بدليل تسميته بالمطلق المقابل للمقيد، أما الأفراد فلا يمكن ادعاء الإطلاق فيها، لأنها حينما توجد تقارنها القيود المختلفة، إذ لا بد أن تكون في زمان ما ومكان ما
стр. 110
ومتصفه بصفة ما١.
٣ - قالوا: إن تعريف المطلق بما يدل على الماهية فيه التفريق بين المطلق والنكرة وهذا مما ينبغي مراعاته عند تعريفهما.
والظاهر أنه ليس هناك فرق جوهري بين التعريفين، لقيامه على أمور اعتبارية، فحيث اعتبرت الحقيقة مجردة عن القيود سميت مطلقاً واسم جنس كما سيأتي.
وإذا أخذت متحدة مع الأفراد سميت نكرة، وسيأتي لهذا البحث مزيد من التوضيح في الفرق بين المطلق والنكرة عند من يرى الفرق بينهما، وعلى ضوء ما سبق فمن الممكن تعريف المطلق بما يجمع الأمرين جميعاً.
فيقال: المطلق هو اللفظ المتناول لواحد غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه٢.
شرح التعريف:
١ - اللفظ المتناول: يراد بالتناول - هنا - التناول البدلي، وهو أن
стр. 111
يكون اللفظ صالحاً للدلالة على أفراد كثيرة غير محصورة وغير معينة من ذات اللفظ، ولكن مفهومه يتحقق بواحد منها، أي واحد كان. مثل قولنا: (أكرم رجلاً) : المتناول لجميع رجال الدنيا بدون تعيين، ولكن مفهومه يصدق بإكرامك واحداً منهم أيا كان هو، وبهذا القيد يخرج عن حد المطلق العام؛ لأنه يتناول أفراداً كثيرة دفعة واحدة.
٢ - لواحد غير معين: الوحدة - هنا - أعم من الوحدة الحقيقية فيشمل التعريف الجمع والمثنى إذا كانا نكرتين، وبهذا القيد تخرج المعارف لما فيها من التعيين وأسماء العدد لدلالتها على أكثر من واحد، والمقيد لأن فيه بعض التعيين.
٣ - باعتبار حقيقة شاملة لجنسه: يعني أن تناول اللفظ المطلق منظور فيه إلى مفهوم مشترك بين الأفراد، وهذا المفهوم يسمى حقيقة، وبهذا القيد يخرج المشترك؛ لأنه وإن تناول أكثر من واحد لا بحسب الحقيقة، بل بحسب الوضع.
стр. 112
المبحث الثالث تعريف المقيد اصطلاحا
المطلق والمقيد متقابلان، ولما وجد لعلماء الأصول في تعريف المطلق اتجاهان كان من البداهة أن يوجد هذان الاتجهان في تعريف المقيد نظراً للتقابل الحاصل بين المطلق والمقيد.
١ - فمن يرى من الأصوليين أن المطلق اللفظ الدال على شائع في جنسه١ يعرف المقيد: بأنه اللفظ الذي يدل لا على شائع في جنسه ٢.
فيدخل في تعريف المقيد عند هذا الفريق المعارف وجميع العمومات لدلالتها على غير شائع في جنسها، ولكن إطلاق المقيد على ما يشمل المعارف والعمومات ليس بالاصطلاح الشائع، وإنما هو للتقابل بين المطلق والمقيد.
٢ - ومن يرى أن المطلق هو: اللفظ الدال على الماهية بلا قيد٣.
يعرف المقيد: بأنه اللفظ الدال على الماهية مع قيد من قيودها ٤.
стр. 113
أو هو اللفظ الدالة على مدلول المطلق مع صفة زائدة١: مثل: قولنا: رجل كريم؛ فإنه يدل على ماهية الرجل وهي: (الإنسان الذكر) مع قيد زائد عليها وهو (الكرم) ؛ لأنها لا تتضمنه في أصل الوضع.
والواقع أن المقيد على هذا التعريف ما هو إلا مطلق لحقه قيد فأخرجه عن الإطلاق إلى التقييد، وبناء على ذلك فالمطلق الذي له أوصاف، أو قيود كثيرة إذا وصف، أو قيد بواحد منها كان مقيداً بالنسبة إلى ذلك الوصف أو القيد، أما بالنسبة إلى ما عدا ذلك من الأوصاف فيبقى على إطلاقه، فمثلاً قولنا: (رقبة) مطلق، وقولنا: (رقبة مؤمنة) قُيّد فيه المطلق بقيد الإيمان، فهذا التقييد لا يمنع من بقاء المطلق على إطلاقه بالنسبة لأوصافه الأخرى ككونها عربية أو غير عربية، سليمة أو معيبة.
وعلى ضوء ذلك يمكن تعريف المقيد:
بأنه: (اللفظ المطلق الذي اقترن به ما يقلل من شيوعه وانتشاره) ٢.
стр. 114
شرح التعريف:
١ - اللفظ المطلق: سبق شرحه.
٢ - الذي اقترن به ما يقلل من شيوعه: يقصد بالاقتران - هنا - ما هو أعم من التقييد اللفظي، فيشمل التقييد باللفظ وغيره كالتقييد بالنية والعادة مثلاً، فمثال التقييد باللفظ. قولنا: (رجل صالح) ، ومثال التقييد بالنية قولك: (لله علي أن أحج) ، وأردت هذا العام مثلاً: ومثال التقييد بالعادة قول السيد لعبده: اشتر لنا لحماً، ومن عادتهم شراء لحم الضأن؛ فإنه يتقيد بما هو متعارف بين السيد وعبده، وفي قولنا: ما يقلل من شيوعه: إشارة إلى أنه يكفي في تقييد المطلق خروجه من الشيوع بأي وجه كان، وليس شرطاً في التقييد أن لا يبقى للمطلق صفة الإطلاق أصلاً، بل قد يكون مطلقاً من وجه ومقيداً من وجه آخر.
والمراد بالشيوع: الشيوع البدلي كما سبق إيضاح ذلك، فقول الله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ١، مطلق يتناول الرقاب الموجودة في الدنيا - سواء أكانت مؤمنة أم كافرة - وللمكلف أن يعتق واحدة منها، وبذلك يخرج من عهدة التكليف.
стр. 115
لكن في قوله - تعالى -: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ ١، قد جاء المطلق مقترناً بما يقلل من ذلك الشيوع؛ لأن المأمور به تحرير رقبة مؤمنة لا يجدي تحرير غيرها للخروج من عهدة التكليف، بينما كان المطلق قبل التقييد مجزئاً بإعتاق أي رقبة.
وهكذا نرى أن قيد الإيمان قد جاء مقللاً من شيوع المطلق وقاصراً له على بعض الأفراد التي كان يتناولها قبل التقييد، لكنه مع ذلاك بقيت الرقبة مطلقة بالنسبة لما عدا الإيمان من الأوصاف، ككونها عربية أو فارسية سليمة أو معيبة، إذ لم يتعرض التقييد في هذا النص لغير وصف الإيمان وبذلك يتحقق ما سبق أن الإطلاق والتقييد من الأمور النسبية فرب مطلق مقيد ورب مقيد مطلق٢، ولا تناف في ذلك بعد ما تبين لنا المراد من المطلق والمقيد.
стр. 116
الفصل الثاني: في دلالة المطلق والمقيد
المبحث الأول: في الفرق بين المطلق والنكرة
...
المبحث الأول: في الفرق بين المطلق والنكرة.
سلف أن بعض١ أصحاب الأصول يعرف المطلق بالنكرة في سياق الإثبات، وهذا الاتجاه يتفق وما ذهب إليه عامة النحاة من تقسيم الاسم إلى نكرة ومعرفة.
ويصنفون المطلق من قسم النكرة؛ لأنهم لا يرون فرقاً بينهما، بل يذهب فريق من النحاة إلى إعطاء الأفعال والظروف حكم النكرة؛ لوقوعهما صفة لها، والصفة تابعة للموصوف، ولدلالة كل من الفعل والظرف في الغالب على غير معين، والنكرة كذلك، لكنهم لا يقصدون من النكرة المساوية للمطلق كل نكرة، بل النكرة المساوية للمطلق عندهم هي النكرة في سياق الإثبات، وهي المعروفة بالنكرة المحضة المتوغلة في الإبهام؛ حيث لم يقترن بها ما يخرجها عن الإبهام بوجه من الوجوه.
يقول القرافي: "كل شيء يقول فيه الأصوليون: إنه مطلق يقول النحاة: إنه نكرة، وكل شيء يقول النحاة: إنه نكرة يقول الأصوليون: إنه مطلق، وأن الأمر به يتأدى بفرد منه؛ فكل نكرة في سياق الإثبات مطلق عند الأصوليين، فما أعلم موضعاً ولا لفظاً من ألفاظ النكرات يختلف فيه النحاة والأصوليون، بل أسماء الأجناس كلها في سياق الثبوت هي نكرات
стр. 117
عند النحاة ومطلقات عند الأصوليين"١.
ثم يقول: "والتعرض للفرق بين الاصطلاحين عسر باعتبار الواقع، أما باعتبار الفرض والتصوير فممكن، غير أن البحث إنما وقع في هذا المكان عن الواقع من الاصطلاحين ما هو؟ وقريب من ذلك ما ذكره صاحب٢ النحو الوافي حيث يقول: "ذهب جمهرة كبيرة من النحاة إلى أنه لا يوجد فرق بين النكرة واسم الجنس "المطلق"؛ فإن كان لمعين فهو النكرة المقصودة٣، وإن كان لغير معين فهو: النكرة غير المقصودة٤، وفي هذا الرأي يعني "اتحاد المطلق
стр. 118
والنكرة" تخفيف وتيسير فيحسن الأخذ به"١، وما ذهب إليه هذان العالمان من اتحاد النكرة والمطلق أيده كثير من الأصوليين منهم صاحب التحرير إلا أنه قصر مساواة المطلق للنكرة في سياق الإثبات والمعرف لفظاً٢، حيث يقول بعد أن ذكر الأدلة على أن المطلق موضوع ليدل على الأفراد الخارجية: "فلا دليل على وضع اللفظ للماهية من حيث هي إلا علم الجنس٣، إن قلنا: بالفرق بينه وبين اسم الجنس النكرة، وهو الأوجه أي: الفرق بينهما، هو الأوجه المختار؛ لأن اختلاف أحكام اللفظين يؤذن بفرق في المعنى، وإلا فقد ساوى المطلق النكرة ما لم يدخلها عموم والمعرف لفظاً"٤.
стр. 119
وفسر الشارح ذلك فقال: "والمراد بمساواته لهما أن ما صدق عليه أحدهما يصدق عليه الآخر؛ فبين المطلق والنكرة عموم من وجه"، لصدقهما في نحو: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ، وانفراد النكرة عنه إذا كانت عامة كما لو وقعت في سياق النفي، وانفراد المطلق عنها في نحو: "اشتر اللحم"، ثم يقول الكمال بن الهمام: "ولو سلم عدم الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس فقد استقل تبادر الأفراد من اللفظ المطلق بنفي وضعه للماهية من حيث هي: فالحق الأول - يعني أن لا وضع للماهية من حيث هي إلا علم الجنس إن قلنا: بالفرق بينه وبين اسم الجنس"١.
٢ - وذهب فريق آخر:
إلى أن المطلق مغاير للنكرة؛ فالمطلق عند أصحاب هذا الاتجاه ما وضع للمعنى الذهني المجرد، وهو المسمى "بالماهية من حيث هي"، مثل:
стр. 120
قولك: "الرجل خير من المرأة" أي: حقيقة الرجل خير من حقيقة المرأة، بقطع النظر عن أفرادهما.
والنكرة هي: مدلول اللفظ الخارجي الذي ينطبق عليه فعلاً، قال صاحب النحو الوافي بعد أن ذكر التعريفين السابقين: "وهذا حاصل الفرق بينهما عند من يراه وهو فرق فلسفي متعِبٌ في تصوره، وليس وراءه فائدة عملية"١، إذ لا يوجد له في خارج الذهن، بل المطلق والنكرة في الخارج متحدان في المدلول، وهو الفرد الشائع، وحيث علمنا عدم فائدة الفرق، وأنه يرجع إلى أمور اعتبارية فقط، يكون الخلاف في ذلك خلافاً في الاصطلاح، اللهم إلا أن يقال: الفرق بين المطلق والنكرة يبدو في حال الإخبار عن الماضي، إذ قال بعض الأصوليين٢: إن الإطلاق لا يتصور في غير الأمر وخبر الثبوت، فنحو قولك: رأيت رجلاً مثلاً،
стр. 121
متعين بإسناد الرؤية إليك ومع التعيين يبعد الإطلاق، لكن هذا المثال لا يسلم من الاعتراض؛ لأنه يمكن أن يقال: إن رجلاً في قولك: "رأيت رجلاً" مطلق؛ لأنه لا يعرف هل هو مسلم أو غير مسلم، طويل أو قصير؟ فعلى فرض صحة المثال يكون المطلق مفارقاً للنكرة في حال الإخبار عن الماضي وسيأتي لهذا مزيد من الإيضاح في مبحث دخول الإطلاق على الأفعال.
ورغم ما سبق من عدم فائدة الفرق بين المطلق والنكرة إلا أن أكثر الأصوليين والفقهاء ذكروا لذلك فائدة تظهر في قول الرجل لزوجته: "إن كان حملك ذكراً فأنت طالق"، ولم ينو عدداً معيناً ثم ولدت ذكرين، فعلى القول بأن المطلق يفارق النكرة، وأنه يفيد ماهية الشيء تطلق للجنس، وإلى هذا الفرق يشير صاحب١ مراقي السعود، فيقول:
стр. 122
عليه طالق إذا كان ذكرا ... فولدت لاثنين عند ذي نظر
وذكروا في الفروع أيضاً أن من دفع إلى وكيل له ثوباً ليخيطه ولم يعين الموكل أحد الخياطين ثم تلف الثوب، فإن الوكيل يضمن لتفريطه بخلاف ما لو عين الموكل أحد الخياطين، فإن الوكيل لا يضمن حينئذ لعدم تفريطه١.
стр. 123
المبحث الثاني: في الفرق١ بين المطلق والعام
المطلق والعام يشتركان في ثبوت الحكم، لكل فرد من الأفراد الداخلة تحت مدلولهما، ولذلك يسمي بعض العلماء المطلق عاماً٢ فهل العموم في المطلق والعام بمعنى واحدٍ أو بينهما فرق؟ وإن كان هناك فرق فما السبب في تسمية المطلق عاماً؟
والذي عليه المحققون أن العموم في المطلق يراد به معنى غير المصطلح عليه في لفظ العام الذي سبق تعريفه بأنه: "اللفظ المستغرق لما يصلح له بلا حصر"، يقول العلائي٣ في كتابه تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم:
стр. 124
"العموم يقع على قسمين: عموم الشمول، وعموم الصلاحية، وإن كان العموم في الأول أقوى منه في الثاني، وعموم الصلاحية هو: المطلق، وتسميته عاماً بسبب أن موارده غير منحصرة، لا أنه في نفسه عام، فإن قوله - تعالى -: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مطلق، والمقصود بها القدر المشترك في أي مورد شاء من أنواع الرقاب، غير أن المكلف لما كان له أن يعين هذا المفهوم المشترك في أي مورد شاء من أنواع الرقاب كان "لفظ"١ الرقبة عاماً بهذا الاعتبار، ويقال له: عموم البدل أيضاً، فلا يجب على المكلف أن يعتق كل ما يسمى رقبة، بخلاف عموم الشمول، فإنه يلزمه تتبع الأفراد الداخلة تحت اللفظ العام٢، فمثل قوله - تعالى -: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا يمكن للمكلف أن يقصر حكمه على فرد واحد من أفراد المشركين، بل يلزمه تتبع الأفراد حيث وجدها، فلو قتل مشركاً ثم وجد آخر وجب
стр. 125
عليه قتله امتثالاًُ للأمر الأول، بينما نجد أن المكلف بالمطلق له أن يختار أي فرد شاء مما يصدق عليه اللفظ المطلق وبفعله ذلك يخرج عن عهدة التكليف، فمثلاً: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يجوز للمكلف أن يعتق أي رقبة شاء سواء أكانت طويلة أم قصيرة وسواء أكانت سوداء أم بيضاء، أو كانت على غير ذلك من الصفات والهيئات"، ومن هنا أخذ الأصوليون القول بأن شمول المطلق من حيث الصفات وشمول العام من حيث الأفراد، وحتى يتضح الفرق أكثر نعقد المقارنة التالية بين المطلق والعام وهي من ناحيتين:
الأولى: في أوجه الشبه بين العام والمطلق.
ويتلخص ذلك في النقاط التالية:
١ - فمن حيث العمل: يجب على المكلف أن يعمل بما يتبادر له من اللفظ العام، أو المطلق حتى يرد الدليل الذي يصرف اللفظ عما يتبادر منه١.
стр. 126
٢ - ومن جهة جواز تأويل اللفظ وصرفه على ظاهره١.
يجوز في كل من العام والمطلق أن يصرف اللفظ عن ظاهره إذا قام الدليل على ذلك.
٣ - من جهة اتصاف كل منهما بالشمول:
يوجد في كل من العام والمطلق عموم، لكنه يختلف تسمية ومضموناً، وهذا هو جوهر الفرق الآتي:
الناحية الثانية: أوجه الفرق بين المطلق والعام.
يشترك المطلق والعام في الأمور الثلاثة السابقة ويفترقان فيما يلي:
١ - في متعلق العموم في كل منهما:
حيث يتعلق العموم الموجود في المطلق بالصفات وفي العام يتعلق بالأفراد.
٢ - فيما يخرج به المكلف عن عهدة التكليف:
فبينما المكلف بالمطلق يخرج عن عهدة التكليف بفعله أي فرد شاء من الأفراد التي ينطبق عليها مدلول اللفظ المطلق، نجد أنه لا يكون ممتثلاً
стр. 127
في العام إلا إذا فعل جميع الأفراد التي يشملها اللفظ العام.
٣ - في تسمية العموم في كل منها:
حيث يسمى في المطلق عموم الصلاحية أو عموم البدل، ويسمى في العام عموم الشمول، والفرق بينهما كما يقول الشوكاني: "إن عموم الشمول كلي يحكم على كل فرد فرد، وعموم البدل كلي من حيث لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، لكن لا يحكم فيه على كل فرد فرد بل على فرد شائع في أفراده يتناولها على سبيل البدل، ولا يتناول أكثر من واحد دفعة"١.
ومعنى ذلك: أنهما يشتركان في ثبوت الحكم لكل فرد من الأفراد، ويفترقان في أن العموم الشمولي يدل على ذلك في حال اجتماع كل فرد مع الآخر وحال انفراده، والبدلي إنما يدل على ثبوت الحكم لواحد غير معين أما المجموع من حيث هو فلا يتعرض له٢.
стр. 128
المبحث الثالث المعهود الذهني بين الإطلاق والتقييد
فيما مضى ذكرنا أن الاسم المفرد والجمع المحلى "بأل" الاستغراقية من صيغ العام، وهنا نضيف أن "أل" المعرِّفة لها أربعة معان، هي: الجنس والاستغراق، والعهد الخارجي، والعهد الذهني، لكن تعيين واحد من هذه المعاني موقوف على وجود القرينة، فإذا لم توجد القرينة التي تعيِّن أحد معاني اللام المذكورة، فقد اختلف العلماء في الأولى بالتقديم من تلك المعاني.
والذي ترجح لدى الباحثين في هذه المسألة، هو تقديم العهد الخارجي، ثم الاستغراق، ثم الجنس، وهو مساو للمعهود الذهني عند الكمال حيث يقول: "ولا شك أن تعريف الجنس الذي استدل على ثبوته بإطباق العرب على إرادة الجنس من قولهم: فلان "يلبس البرود ويركب الخيل، ويخدمه العبيد"، هو المراد من تعريف المعهود الذهني، إذ هو الإشارة إلى الحقيقة باعتبارها بعض الأفراد غير معينة للعهدية الذهنية لجنسها"١، ومعنى هذا التعريف: أنه يشار باللام إلى الحقيقة من حيث تحققها في ضمن فرد ما، لا من حيث هي هي، ولا من حيث
стр. 129
تحققها في ضمن فرد معين، أو ضمن كل فرد، بل يشار إليها باللام للعهدية الذهنية، لا الخارجية، حيث لم يعهد بين المتكلم والمخاطب ذكر فرد معين من تلك الحقيقة، إلا أن الطبيعة الكلية من حيث تحققها في ضمن فرد ما، أمر معلوم معهود في الأذهان، فباللام يشار إليها باعتبار أنها معلومةٌ معهودة في ذهن المخاطب١.
ومن أمثله المعهود الذهني أيضاً: قولك: أكلت الخبز وشربت الماء ونحو قول السيد لخادمه: ادخل السوق واشتر اللحم.
فالخبز والماء، والسوق واللحم، يرى بعض الأصوليين٢ أنها من قبيل المطلق؛ لأن "أل" الداخلة عليها ليست للاستغراق، لتعذر الحمل عليه وليست للعهد الخارجي، حيث لم يسبق ذكر بعض أفراد المحلى بها بين المتكلم والمخاطب، فتعين كونها للجنس وهو معنى المعهود الذهني كما مر، فإن قيل: إن الحضور الذهني قَيَّد تلك الألفاظ فهي مقيدة وليست مطلقة، أجيب: أن ذلك القيد لم يذكر في الكلام، وإنما هو قيد اعتباري يتوقف تأثيره على القرائن، ومن هنا اختلف الأصوليون في المعهود الذهني، هل هو مطلق أو مقيد؟ وكان لهم في ذلك مذهبان.
стр. 130
مبنى الخلاف فيهما تفسير النفي في قول الأصوليين: "المطلق الدال على الماهية بلا قيد"١ هل المقدر فيه، بلا قيد لفظي، أو المقدر بلا اعتبار قيد، وعندئذ يصح التقييد بالنية مثلاً.
١ - فمن يرى أن الاعتبار هو الذي يضفي على اللفظ صفة الإطلاق والتقييد سواء كان مع اللفظ المطلق قيد لفظي - كذكر الحجور في قوله - تعالى -: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم﴾ - ولكنه لم يعتبر، أو لم يوجد معه قيد فعلاً، كقول الحالف "لا آكل الرؤوس" وأراد بها رؤوس معهودة، يقول: إن المعهود الذهني مقيد ٢ لأن قيد الحضور معتبر فيه، وذلك مانع من الإطلاق.
٢ - ومن يرى أن المنفي في المطلق هو وجود القيد اللفظي معه، لا اعتباره يقول: إن المعهود الذهني من المطلق ٣، لعدم وجود قيد لفظي معه، وأيضاً فإن المعهود الذهني يدل على شائع في جنسه والمطلق كذلك
стр. 131
فيكون المعهود الذهني من المطلق١؛ لدلالته على شائع في جنسه.
كما أن المعهود الذهني في الحقيقة نكرة، وإن كان معرفاً لفظاً٢، بدليل أن العلماء جوزوا وصفه بالنكرة باعتبار معناه، ووصفه بالمعرفة باعتبار لفظه واعتبار المعنى أولى، لأنه الأصل.
ومن أمثلة ذلك قول الله - تعالى -: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ٣، فقد جوز المعربون للقرآن أن تكون جملة "نسلخ" صفة لليل باعتبار معناه وحالاً منه باعتبار لفظه.
ولكن مع هذا كله يظهر أن المعهود الذهني من قبيل المقيد للأمور التالية:
١ - أن المعهود الذهني متعين عند المتكلم والمخاطب، والعبرة بمن يجري بينهم التخاطب لا بمن يسمع، ولا عهد له بما يريد المتخاطبان.
٢ - أن العرب استعملت "ال" العهدية للدلالة على الأمر المعهود في الذهن المتعين لدى المخاطب، ومع التعيين يبعد الإطلاق.
٣ - أن السيد لو أمر خادمه فقال له اشتر اللحم والمعهود بينهما لحم الضأن، فاشترى لحم بقر أو جمل، لا يعد ممتثلاً لأمر سيده، ولا عذر
стр. 132
له في أن اللحم يطلق على لحم البقر والجمل وغيرهما؛ لأن العهد قَيَّده، فالراجح أن المعهود الذهني من المقيد.
стр. 133
المبحث الرابع: عروض الإطلاق والتقييد للأفعال والأسماء الشخصية .
الإطلاق والتقييد وصفان للفظ باعتبار المعنى، ومن هنا يقول بعض الأصوليين إنهما اسمان للفظ دون المعنى١، ولا شك أن الألفاظ المفردة يجري فيها الإطلاق والتقييد، وتوصف بهما فيقال: لفظ مطلق ولفظ مقيد، وقد مثل الأصوليون للمطلق بالنكرة في سياق الإثبات نحو قولك: أكرم رجلاً: وللمقيد بقولهم: "أعتق رقبة مؤمنة"، واكتب بقلم أزرق، وطائر أبيض على الشجرة٢ لكن هل الإطلاق والتقييد خاصان بالألفاظ المفردة كما يظهر من كلام الأصوليين، أو أن الأفعال والأسماء الشخصية يصح أن توصف بالإطلاق والتقييد.
الظاهر أن الإطلاق والتقييد يصح أن يوصف بهما الأفعال والأسماء الشخصية، كما توصف بهما الألفاظ المفردة، يقول ابن قدامة٣ المقدسي:
стр. 134
"يسمى الفعل مطلقاً نظراً إلى ما هو من ضرورته من الزمان والمكان والمصدر والمفعول له، والآلة فيما يفتقر إلى الآلة والمحل للأفعال المتعدية وقد يقيد بأحد دون بقيتها"١.
وقد زاد هذا المبحث إيضاحاً المظفر في أصوله:٢
حيث يقول: "الإطلاق لا يختص بالمفردات كما يظهر من كلام الأصوليين، بل يكون في الجمل أيضاً، فإن إطلاق صيغة "افعل" الذي يقتضي استفادة الوجوب إنما هو من قبيل إطلاق الجملة، وكذلك إطلاق الجملة الشرطية في استفادة الانحصار في الشرط، من قبيل إطلاق الجمل ولكن محل بحث الأصوليين في هذا الباب إنما هو خصوص الألفاظ، ولعل عدم شمول البحث عندهم للجمل باعتبار أنه ليس هناك ضابط كلي لمطلقاتها، وإن كان الأصح أن بحث شروط إمكان الإطلاق يشملها"٣، كذلك عندما نعرف العلم الشخصي والمعرف بلام العهد لا يسميان مطلقين باعتبار معناهما، لأنه لا شيوع ولا إرسال في شخص معين.
стр. 135
لكن لا ينبغي أن نظن أنه لا يجوز أن يسمى العلم الشخصي مطلقاً، لأنه إذا قال الآمر: "اكرم محمداً" وعلمنا أن لمحمد أحوالاً مختلفة ولم يقيد الحكم بحال منها نستطيع أن نقول: إن لفظ محمد أو هذا الكلام بمجموعه يصح أن يوصف بالإطلاق والتقييد، إذا لوحظت فيه الأحوال المختلفة، وإن لم يكن له شيوع باعتبار معناه الموضوع له، وبناء على ذلك فللأعلام الشخصية والأفعال إطلاق فلا يختص المطلق بما له معنى شائع في جنسه، كما هو اصطلاح أكثر الأصوليين١
٢ - ولكن يرى بعض الأصوليين أن الفعل لا يكون مطلقاً ولا مقيداً، لأن المطلق لفظ مُنَكّرٌ٢، وليس الفعل كذلك، وهذا الفريق نظر إلى صيغة الفعل: ولا شك أن الفعل من جهة الصيغة لا يوصف بالإطلاق أو التقييد، لأن المطلق نكرة في سياق الإثبات، ولا يوصف الفعل من حيث صيغته بأنه نكرة، لكن يتأتى إمكان وصفه بالإطلاق أو التقييد باعتبار مصدره إذا كان في سياق الإثبات كقولك: "قم" فإنه يقتضي مصدراً أي قم قياماً، فيكون الثابت بمقتضى هذه الصيغة ما هو نكرة في سياق الإثبات، وهو: "قياماً" وعندئذ يصح أن يوصف بالإطلاق بهذا
стр. 136
الاعتبار١، أما إذا كان الفعل في سياق النفي فإن مصدره يكون عاماً، لأن النكرة المنفية من ألفاظ العموم، وفي شرح الروضة للطوفي٢:
"يقال: فعل مقيد أو مطلق باعتبار اختصاصه ببعض مفاعيله من ظرف أو مكان أو نحوهما من المفاعيل، فقولك: "اضرب" مثلاً مطلق بالنسبة إلى الزمان والمكان والآلة، لا دلالة له على شيء منها بعينه، وقد يقيد ببعض مفاعيله دون يعض فيكون مقيداً بالإضافة، كقولك "صم يوم الاثنين" الصوم مقيد من جهة ظرف الزمان، ومطلق من جهة ظرف المكان، ولو قيل: "صم في مكة يومين" لكان على العكس من ذلك٣.
والذي يجمع بين هذه الآراء أن المطلق له معنيان عام وخاص،
стр. 137
فالمطلق بمعناه الخاص: اللفظ الدال على شائع في جنسه، أو هو اللفظ الدال على الماهية بدون قيد من قيودها، وهذا اصطلاح الأصوليين.
والمطلق بالمعنى العام: اللفظ المجرد عن القيود سواء أكان له معنى شائع أم لم يكن له ذلك، وعلى هذا الاصطلاح ليس هناك واسطة بين المطلق والمقيد، بل اللفظ إما أن يكون مطلقاً أو مقيداً١.
стр. 138
المبحث الخامس في حكم المطلق والمقيد
فيما مر من المباحث ذكرنا أن دلالة اللفظ، أو حكمه يعني قوة دلالته على المعنى الموضوع له - من حيث القطعية، أو الظنية.
لكن علماء الأصول يقصدون بحكم المطلق والمقيد ما هو أعم من ذلك١، إذ هو عندهم يتناول حالتين.
الأولى: حكم المطلق والمقيد في حال انفراد كل منهما عن الآخر.
والثانية: حكم المطلق والمقيد في حال اجتماعهما معاً.
والحق أن المراد بالحكم أو الدلالة في الحال الأولى يختلف عن المراد به في الحال الثانية؛ لأنه في الحال الأولى يعني مدى قوة دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له من حيث القطعية أو الظنية وموقف المفسر حال تبيينه وتوضيحه للنص المطلق أو المقيد.
وأما في الحال الثانية: فإن المقصود بحكم المطلق والمقيد مدى تأثير المقيد على المطلق أيقوى على تفسيره وبيانه أم لا؟
стр. 139
والكلام على هذه الحال - سيأتي - في الباب الثاني، ولكن قبل أن نذكر حكم المطلق والمقيد في حال انفراد كل منهما عن الآخر، نذكر الشروط التي إذا توفرت في اللفظ المطلق وجب إجراؤه على إطلاقه وهي كثيرة منها:
١ - أن لا يكون هناك إجماع١ على خلاف الحكم الذي يفيده المطلق بإطلاقه، فإن وجد إجماع يخالف المطلق فيما دل عليه وجب تقييد المطلق بما يتفق وحكم الإجماع - سواء عرف دليل الإجماع أم لم يعرف، لأن الإجماع أقوى في دلالته على الحكم من اللفظ المطلق، لعدم احتمال الإجماع للنسخ٢.
стр. 140
٢ - الشرط الثاني: أن لا يوجد دليل مسلم بحجيته يخالف المطلق فيما دل عليه، فإن وجد الدليل المخالف، وجب التوفيق بينه وبين المطلق؛ لأن نصوص الشرع لا تعارض بينها إلا في الظاهر، والتعارض الظاهري ممكن دفعه بوجه من الوجوه التي ذكرها العلماء للتوفيق بين الأدلة المتعارضة.
٣ - الشرط الثالث: أن لا يرد اللفظ المطلق نفسه مقيداً في موضع آخر، فإن ورد مقيداً في موضع آخر، فالحكم سيأتي بالتفصيل في الباب الثاني.
وبعد أن عرفنا أهم الشروط التي إذا توفرت في اللفظ المطلق وجب إجراؤه على إطلاقه نذكر أقوال العلماء في حكم المطلق والمقيد، وكيفية دلالة كل منهما على المعنى الموضوع له، ونبدأ أولاً:
أ - بحكم المطلق أو كيفية دلالته على معناه:
يتحدد١ حكم المطلق، وموقف المفسر حياله في الآتي:
إذا ورد لفظ مطلق في نص من النصوص الشرعية، وتوفرت فيه شروط الإطلاق السابقة، فقد اتفق علماء الأصول أنه يجب العلم به على إطلاقه، وليس من حق المفسر أن يقيده أو يضيق من دائرة اتساعه بدون
стр. 141
دليل١، كما اتفقوا أيضاًَ على أن اللفظ المطلق يحتمل التأويل، والصرف عن ظاهره المتبادر منه إذا قام الدليل على ذلك، يستوي في ذلك من يجعل للمطلق حكم الخاص٢، ومن يجعله في قوة العام٣؛ لأن صرف اللفظ الخاص بالدليل متفق عليه٤.
لكن الخلاف بين الأصوليين جار في كيفية دلالة المطلق على معناه
стр. 142
أهي قطعية أم ظنية؟
أ - فذهب معظم الحنفية إلى أن دلالة المطلق على المعنى الموضوع له قطعية١.
ب - وذهب جمهور الأصوليين - ومنهم الشافعية - إلى أن دلالة المطلق كدلالة العام٢.
وهذا الخلاف يشبه اختلافهم في دلالة العام المطلق.
وحيث ذكرنا هنالك أدلة كل فريق ووجه الدلالة منها نكتفي هنا بالأدلة الخاصة بحكم المطلق:
١ - حيث أضاف الحنفية إلى أدلتهم السابقة دليلاً آخر خاصاً بحكم المطلق، وهو مأخوذ بطريق الإلزام، إذ قالوا: لما كان الاتفاق قائماً على أن دلالة الخاص قطعية٣، والمطلق من الخاص - كما هو
стр. 143
الراجح١ عند أكثر الأصوليين، فتكون دلالته قطعية كذلك؛ لأن الحكم على العام حكم على كل فرد من أفراده، والمطلق من أفراد الخاص فيشمله حكمه٢.
ولكن الجمهور لم يسلموا لهم هذا الدليل وناقشوهم فيه، حيث قالوا: إن الحكم على اللفظ بأنه خاص، أو عام إنما هو بالنظر إلى أصل المعنى الموضوع له، ولا خلاف بين الأصوليين على أن دلالة اللفظ على أصل المعنى الذي يستقيم به الوضع قطعية - سواء كان اللفظ عاماً أو خاصاً٣.
وإنما الخلاف بينهم في جواز قصر اللفظ على بعض مدلوله المتعدد٤، وحيث إن المطلق يشبه العام لاسترساله على الأفراد على سبيل البدل، فيجوز قصره على بعضها إذا قام الدليل على ذلك، كما جاز قصر العام على بعض أفراده بالدليل المخصص؛ لأن الفرق بينهما كما سبق إنما هو في كيفية تناول اللفظ للأفراد حيث أن المطلق يتناولها بدلاً، والعام يتناولها دفعة واحدة، وهذا الفرق لا أثر له في دلالة اللفظ من حيث
стр. 144
القطعية والظنية.
على أن الجمع بين الرأيين ممكن؛ لأن العلماء كما مضى مختلفون فيما وضع له اللفظ المطلق.
١ - فمن يرى أنه موضوع للماهية من حيث هي يقول: إن دلالته قطعية١، لأن الماهية تتحقق بأقل ما يطلق عليه اللفظ، وهو المقصود بأصل المعنى فيما سبق.
٢ - ومن يقول: إن المطلق موضوع للدلالة على البعض المنتشر على سبيل٢ البدل يقول: إن دلالته ظنية لجواز قصره على بعض أفراده.
وفي ذلك يقول صاحب مسلم الثبوت: "إذا كان المدعى هذا النحو من الدلالة فالنزاع ليس إلا في اللفظ"٣، وقد تفرع على القول بقطعية المطلق على معناه، وعلى القول بأن الظني لا يقاوم القطعي أمران نذكرهما فيما يلي كأثر لهذا الخلاف.
فالأمر الأول:
الاختلاف في جواز تقييد المطلق من الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة بالدليل الظني ابتداء.
стр. 145
١ - فالذي يرى أن دلالة المطلق قطعية لا يجوز عنده تقييده بالدليل الظني كالقياس وخبر الآحاد؛ لأن تقييد المطلق في نظر هذا الفريق مبني على التعارض بين المطلق والمقيد والظني لا يعارض القطعي١ وهذا