← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8556

المطلق والمقيد

حمد بن حمدي الصاعدي

Полный текст (517 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

دليل١، كما اتفقوا أيضاًَ على أن اللفظ المطلق يحتمل التأويل، والصرف عن ظاهره المتبادر منه إذا قام الدليل على ذلك، يستوي في ذلك من يجعل للمطلق حكم الخاص٢، ومن يجعله في قوة العام٣؛ لأن صرف اللفظ الخاص بالدليل متفق عليه٤. لكن الخلاف بين الأصوليين جار في كيفية دلالة المطلق على معناه

стр. 142

أهي قطعية أم ظنية؟ أ - فذهب معظم الحنفية إلى أن دلالة المطلق على المعنى الموضوع له قطعية١. ب - وذهب جمهور الأصوليين - ومنهم الشافعية - إلى أن دلالة المطلق كدلالة العام٢. وهذا الخلاف يشبه اختلافهم في دلالة العام المطلق. وحيث ذكرنا هنالك أدلة كل فريق ووجه الدلالة منها نكتفي هنا بالأدلة الخاصة بحكم المطلق: ١ - حيث أضاف الحنفية إلى أدلتهم السابقة دليلاً آخر خاصاً بحكم المطلق، وهو مأخوذ بطريق الإلزام، إذ قالوا: لما كان الاتفاق قائماً على أن دلالة الخاص قطعية٣، والمطلق من الخاص - كما هو

стр. 143

الراجح١ عند أكثر الأصوليين، فتكون دلالته قطعية كذلك؛ لأن الحكم على العام حكم على كل فرد من أفراده، والمطلق من أفراد الخاص فيشمله حكمه٢. ولكن الجمهور لم يسلموا لهم هذا الدليل وناقشوهم فيه، حيث قالوا: إن الحكم على اللفظ بأنه خاص، أو عام إنما هو بالنظر إلى أصل المعنى الموضوع له، ولا خلاف بين الأصوليين على أن دلالة اللفظ على أصل المعنى الذي يستقيم به الوضع قطعية - سواء كان اللفظ عاماً أو خاصاً٣. وإنما الخلاف بينهم في جواز قصر اللفظ على بعض مدلوله المتعدد٤، وحيث إن المطلق يشبه العام لاسترساله على الأفراد على سبيل البدل، فيجوز قصره على بعضها إذا قام الدليل على ذلك، كما جاز قصر العام على بعض أفراده بالدليل المخصص؛ لأن الفرق بينهما كما سبق إنما هو في كيفية تناول اللفظ للأفراد حيث أن المطلق يتناولها بدلاً، والعام يتناولها دفعة واحدة، وهذا الفرق لا أثر له في دلالة اللفظ من حيث

стр. 144

القطعية والظنية. على أن الجمع بين الرأيين ممكن؛ لأن العلماء كما مضى مختلفون فيما وضع له اللفظ المطلق. ١ - فمن يرى أنه موضوع للماهية من حيث هي يقول: إن دلالته قطعية١، لأن الماهية تتحقق بأقل ما يطلق عليه اللفظ، وهو المقصود بأصل المعنى فيما سبق. ٢ - ومن يقول: إن المطلق موضوع للدلالة على البعض المنتشر على سبيل٢ البدل يقول: إن دلالته ظنية لجواز قصره على بعض أفراده. وفي ذلك يقول صاحب مسلم الثبوت: "إذا كان المدعى هذا النحو من الدلالة فالنزاع ليس إلا في اللفظ"٣، وقد تفرع على القول بقطعية المطلق على معناه، وعلى القول بأن الظني لا يقاوم القطعي أمران نذكرهما فيما يلي كأثر لهذا الخلاف. فالأمر الأول: الاختلاف في جواز تقييد المطلق من الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة بالدليل الظني ابتداء.

стр. 145

١ - فالذي يرى أن دلالة المطلق قطعية لا يجوز عنده تقييده بالدليل الظني كالقياس وخبر الآحاد؛ لأن تقييد المطلق في نظر هذا الفريق مبني على التعارض بين المطلق والمقيد والظني لا يعارض القطعي١ وهذا

стр. 146

مذهب الحنفية. ٢ - ومن يرى أن دلالة المطلق ظنية يجوز عنده تقييد المطلق بالدليل القطعي وغيره؛ لن تقييد المطلق من قبيل البيان، والبيان لا يتوقف على قوة الدليل، ولو فرض استواء المبين مع ما يبينه في القوة لجاز تبين المطلق بالقياس، وأخبار الآحاد؛ لاستوائهما في الظنية عند هذا الفريق"١. الأمر الثاني: الخلاف في وجود التعارض بين مطلق الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة وبين مقيد أخبار الآحاد. ١ - فالذي يرى قطعية دلالة المطلق لا يقول بالتعارض بين مطلق الكتاب والسنة المتواترة وبين مقيد أخبار الآحاد والقياس؛ لأن التعارض مبناه على التساوي في نظر هذا الفريق، وأخبار الآحاد لا تساوي مطلق الكتاب والسنة المتواترة، لأنها من قبيل الظني الثبوت وإن كانت دلالتها قطعية أحياناً، وكذلك القياس؛ فإنه في مرتبة أخبار الآحاد؛ لأنه لا يفيد إلا الظن.

стр. 147

٢ - والذي يرى أن دلالة المطلق ظنية سواء كان من قبيل مطلق الكتاب أو غيره، يقول لا مانع من وجود التعارض الظاهري بين مطلق الكتاب والسنة المتواترة، ومقيد أخبار الآحاد، وإذا حصل ذلك فيلزم المجتهد التوفيق بينهما بوجه من الوجوه التي ذكرها العلماء لدفع التعارض بين الأدلة الشرعية ومنها حمل المطلق على المقيد، كما سيأتي تفصيل ذلك. بقي أن نذكر مثالاً للمطلق الذي توفرت فيه شروط الإطلاق السابقة، ووجب العمل به على إطلاقه. ومثاله قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ١، فلفظ: "أزواجاً" في هذه الآية الكريمة جمع منكر مفرد زوج، والجمع المنكر من المطلق كما سلف، ولم يذكر في الآية كون الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن مدخولاً بهن أو غير مدخول بهن، كما لم يقم دليل يخالف هذا الإطلاق فيما دل عليه، ولا ورد هو نفسه في موضع آخر مقيداً بوصف الدخول أو عدمه، ولهذا كان الحكم أن تعتد الزوجة المتوفى عنها زوجها هذه المدة المقررة في الآية لعدة الوفاة،

стр. 148

سواء كانت مدخولاً بها أو لم تكن مدخولاً بها١. تطبيقاً لقاعدة المطلق يعمل به على إطلاقه ما لم يقم دليل على تقييده٢. ب - حكم المقيد أو كيفية دلالته على معناه: الذي يبدو أن علماء الأصول متفقون على أن حكم المقيد من حيث الدلالة حكم الخاص، ومع أن الاتفاق واقع على أن الخاص قطعي الدلالة لكن سنفصل القول في حكم المقيد فيما يلي فنقول: لما كان الأصل في المطلق أن يجري على إطلاقه حتى يقوم الدليل على أن إطلاقه غير مراد، كان الأصل في المقيد أن يعمل به مع قيده حتى يقوم الدليل على أن ما ذكر معه من قيد لا مفهوم له في بيان تشريع الحكم، وإجراء لهذه القاعدة، فإذا ورد اللفظ مقيداً في موضع ولم يرد نفسه مطلقاً في موضع آخر، ولا قام دليل على إلغاء مفهوم القيد، فإن الحكم فيه أن يعمل به مع قيده، ولا يحق لأحد أن يلغي القيد بدون دليل٣، وبناء على ذلك يكون القيد معتبراً في دلالة اللفظ المقيد على

стр. 149

الأحكام واستنباطها منه حتى يقوم الدليل على إلغائه وعدم اعتباره في بيان تطبيق الحكم. وإليك أمثلة تبين المراد: ١ - فمن أمثلة المقيد الذي بقي على تقييده: لعدم قيام الدليل على إلغاء القيد فيه قوله تعالى، في كفارة الظهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتمَاسَّا﴾ ١. فقد ورد صيام الشهرين في هذه الآية الكريمة مقيداً بالتتابع، وبكونه قبل التماس، أي: الاختلاط بالزوجة المظاهر منها، ولم يرد الدليل على إلغاء هذين القيدين فيعمل بهما عند تطبيق الحكم، وعليه فلا يجزئ في حق من وجبت عليه كفارة الظهار بالصوم أن يصوم شهرين على التفريق، وكذلك لا يجزيه صيام أشهر بعد الاستمتاع بمن ظاهر منها، وإن كان

стр. 150

الصوم متتابعاً١. ٢ - ومن أمثلة المقيد الذي قام الدليل على أن القيد فيه ملغى، وغير معتبر، قوله - تعالى -: في آية المحرمات من النساء: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ ٢، فإن لفظ "ربائبكم" في الآية مطلق٣ قد ورد تقييده فيها بقيدين. الأول: كون الربيبة٤ في حجر زوج الأم. والثاني: كون أم الربيبة مدخولاً بها. وهذا القيد الأخير باق على معناه، لعدم الدليل الصارف له، فيعمل به عند استنباط الحكم وعلى ذلك فلا تحرم الربيبة إلا إذا كان الزوج قد

стр. 151

دخل بأمها. وأما القيد الأول: وهو كون الربائب في الحجور، أي: في رعاية زوج الأم وكفالته، فقد دل الدليل على عدم اعتباره، وأنه من القيود التي لم تعتبر في التحريم، وإنما جاء ذكره في الآية جرياً على ما هو الغالب والمعروف عادة من كون الربيبة تكون في حضانة أمها، وعلى ذلك فلا تحرم الربيبة على زوج أمها سواء كانت في حجره ورعايته أو لم تكن حتى يدخل بأمها. والدليل على إلغاء هذا القيد وأنه غير معتبر في التحريم أن الله اكتفى في مقام التحليل بنفي القيد الثاني فقط، فقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ، فلو كان القيد الأول معتبراً في التحريم لما اكتفى بنفي الدخول في معرض الإحلال. ولقال: "فإن لم يكن في حجوركم ولم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم"١، والله أعلم. بقي حكم المقيد الذي ورد مطلقاً في موضوع آخر وسيأتي الكلام عليه مفصلاً في الباب الثاني.

стр. 152

الباب الثاني: في حمل المطلق على المقيد الفصل الأول: في حكم حمل المطلق على المقيد المبحث الأول: في المقصود بحمل المطلق على المقيد وبيان سبب الحمل ... المبحث الأول: في المقصود بحمل المطلق على المقيد وبيان سبب الحمل. اختلف الأصوليون في معنى حمل المطلق على المقيد على مذهبين: أ - المذهب الأول: يرى جمهور الأصوليين ومنهم الشافعية - أن معنى حمل المطلق على المقيد هو تفسير المطلق بكونه مراداً به المقيد ابتداء أي: منذ نزول المطلق، فكأن النصين - المطلق والمقيد - بمنزلة نص واحد١، فهو يشبه نوعاً من أنواع المجاز يسمى عند علماء البلاغة بإطلاق الجزء وإرادة الكل٢، أو

стр. 153

العكس كقوله: "أعتق رقبة" مراداً بها جميع الإنسان، والرقية في الحقيقة اسم لجزء من الإنسان، وإنما جاز إطلاق الرقبة على جميع أجزاء الإنسان؛

стр. 154

لأنها أعظم جزء فيه، وبهلاكها لا وجود له، فهي بمنزلة السبب لوجوده وبقاء حياته، وهكذا الأمر في حمل المطلق على المقيد أو بيانه بواسطته يراد به عند الجمهور أن مدلول اللفظ المطلق بعد أن كان قبل التقييد حكماً في فرد منتشر يصبح مدلوله بعد الحمل حكماً في فرد مقيد، لأن القيد الذي ورد عليه قلل من شيوعه وحصر انطباق حكمه على بعض الأفراد التي كانت صالحة لتناوله على سبيل البدل. فمثلاً: عندما يطلب الشارع (عتق رقبة) ؛ فإن هذا اللفظ بإطلاقه يفيد أنه يجزئ في تحقيق المطلوب عتق أي رقبة، لأن الرقبة اسم مبهم يتحقق مدلوله في الخارج بواحد غير معين من أفراد جنسه، ولكن عندما نحمل هذا اللفظ المطلق على المقيد الذي وصفت فيه الرقبة بقيد الإيمان في نص آخر، لا يجزئ في تحقيق المطلوب إلا إعتاق رقبة توفر فيها ذلك الوصف، وهو الإيمان. فكأن وصف الرقبة بالإيمان عند الجمهور كان منوياً عند نزول المطلق، ولكن لم يصرح به اعتماداً على فهمه من النص المقيد، أو أن العمل بالمطلق على إطلاقه لم يكن مرادا للشارع؛ وإنما مراد الشارع في العمل ما تضمنه القيد؛ فلو تقدم المطلق في النزول على المقيد لم يضر إلا عندما يستلزم ذلك تأخير البيان عن وقت العمل. ثم استدل الجمهور على أن معنى حمل المطلق على المقيد هو تفسير

стр. 155

المطلق وبيانه بواسطة المقيد بعدة أدلة منها١: أولاً: قالوا: إن حمل المطلق على المقيد بطريق البيان هو الذي يتفق وغالب الأحكام الشرعية التي وردت (مجملة) في أول الأمر ثم (فصلت) وبينت بالتدريج على حسب ما يستجد من الحوادث والحاجات، كما هو الحال في (المجمل والمفسر) فكان حمل المطلق على المقيد بطريق البيان أولى، لاتفاقه وغالب أحكام الشرع. ومنها: أن المطلق يشبه العام - بل هو قسم منه - على رأي بعض الأصوليين وقد دل الاستقراء التام لنصوص الشرع أن العموم في العام غير مراد للشارع في أغلب الأحيان، وأن عرف الشرع قد صرف العام إلى بعض أفراده في الكثير الغالب حتى أصبح قولهم: "ما من عام إلا وقد خصص"، قاعدة، وهذه قرينة تورث في العام احتمالاً، فيجوز صرفه على ظاهره بالدليل وحيث إن المطلق يشبه العام أو هو قسم منه - فتورث هذه الشبهة فيه احتمالاً، وعندئذ يجوز تقييده وصرفه عن إطلاقه بالدليل المقيد. ووجه الشبه بين تخصيص العام وتقييد المطلق، أن في كل منهما

стр. 156

قصراً لما شمله اللفظ العام ظاهراً، ولما تناوله المطلق بدلاً، فالمخصص فيه قصر العام على بعض أفراده، والمقيد فيه قصر وتضييق لدائرة الحكم الذي أفاده المطلق، وحيث إن تخصيص العام بيان، فكذلك تقييد المطلق يكون بياناً لقوة الشبه بينهما. ومن أدلتهم أيضاً أن في حمل المطلق على المقيد بطريق البيان جمعاً١

стр. 157

بين الأدلة المتعارضة في الظاهر، والجمع أو خطوة يخطوها المجتهد للتوفيق بين الدليلين المتعارضين، ووجه الجمع هنا أن بيان المطلق بواسطة المقيد لا يلغيه بالكلية، وإنما يجعل تطبيق الحكم منحصراً في دائرة المقيد، ومن القواعد المقررة في الأصول أن العمل بالدليلين، ولو من وجه خير من إهمالهما معاً أو إعمال أحدهما وإهمال الآخر١. ب - وأما الحنفية: فقد اختلفت الروايات عندهم في معنى حمل المطلق على المقيد، وكان السبب في ذلك يعود إلى وقت ورود المقيد وتساويه مع المطلق. أ - فالمحققون منهم يرون أن معنى حمل المطلق على المقيد يكون بياناً في حالتين: الأولى: إذا ورد المطلق والمقيد معاً، أي: إذا اقترنا في النزول. الحالة الثانية: إذا جهل التاريخ بينهما؛ فإنه يحمل المطلق على المقيد

стр. 158

بطريق البيان تقديماً له على النسخ الذي لا يثبت بدون معرفة التاريخ١، وهذا الرأي يتفق مع مذهب الجمهور، إلا أنه يختلف معه في تحديد الصور والحالات التي يكون حمل المطلق على المقيد فيها بياناً. ب - ويرى بعض الأحناف أن معنى حمل المطلق على المقيد، نسخ المطلق٢ بواسطة المقيد، وهذا ما يعبر عنه بالزيادة على النص، إلا أن من شرط حمل المطلق على المقيد عند هؤلاء تساويهما في الثبوت والدلالة. جـ - وذهب فريق آخر٣ من الحنفية إلى أن معنى حمل المطلق على المقيد في الصور التي قالوا فيها بحمل المطلق على المقيد يختلف عن المراد به لدى الجمهور، وفي ذلك يقول شارح مسلم الثبوت: "الأظهر المطابق لأصولنا أن هذا "يعني" حمل المطلق على المقيد من قبيل العمل بالمقيد والتوقف فيما عداه من أفراد المطلق لمعارضة وجوب القيد إجزاءه٤ فيحتاط في العمل، فيعمل بما يخرج عن العهدة بيقين، وهو

стр. 159

المقيد - وهذا مراد مشايخنا بحمل المطلق على المقيد وبالحمل على المقارنة، لا كما يحمل الشافعية، فإنه من قبيل المجاز وليس قرينة عليه"١.

стр. 160

وهذا الاتجاه تؤيده الشروط التي اشترطها الحنفية لحمل المطلق على المقيد، وتعليلاتهم وردودهم على المخالفين لهم - كما سيأتي - لكن بالتأمل في هذا الرأي يبدو أن معنى حمل المطلق على المقيد عند هذا الفريق يعود إلى نوع من أنواع التوفيق بين الأدلة المتعارضة يسمى الترجيح١. ويعرفونه بأنه إظهار المجتهد مزية معتبرة في أحد الطرفين المتعارضين تقتضي تقديمه على الآخر٢، أو هو فضل أحد المتساويين وصفاً٣ كما ذكر ذلك السرخسي حيث قال بعد تفصيل في المعنى اللغوي للترجيح. وكذا الترجيح في الشريعة: (عبارة عن زيادة تكون وصفاً لا أصلاً) ، وإنما يكون الترجيح بما لا يصلح علة موجبة للحكم لو انفردت، فهذان التعريفان الأخيران يؤيدان ما ذهب إليه شارح مسلم الثبوت من أن معنى حمل المطلق على المقيد هو العمل بالمقيد والتوقف فيما عداه من أفراد المطلق، أو هو ترجيح العمل بالمقيد على العمل بالمطلق في الأفراد٤

стр. 161

المشمولة بالوصف، كما يسميه بعضهم، ووجه ذلك أن المطلق والمقيد متساويان في القوة عند الحنفية؛ لأنهما من قبيل الخاص، ودلالة الخاص على معناه قطعية فيتساوى فيها كل فرد أو جزء١ من أجزاء الخاص، ولكن المقيد هنا اقترن به وصف لا يستقل بالحجية لو انفرد وهو مفهوم القيد - كما سيأتي - فاقتران المقيد بالوصف يجعله راجحاً في نظرهم؛ لأن الوصف لو انفرد لم يوجب حكماً بذاته. ومع هذا التوجيه لمذهب الحنفية إلا أن تسميتهم ذلك حملاً للمطلق على المقيد فيه تسامح؛ لأن الترجيح عند الجمهور ليس خاصاً بالمطلق والمقيد، كما يظهر ذلك من التعريف الأول للترجيح، إذ يقتضي الترجيح لكل طرفين متعارضين لأحدهما فضل على الآخر. وقد استدل هذا الفريق على وجهة نظره في معنى حمل المطلق على المقيد بالآتي: ١ - حيث قال: إن الأصل التزام ما جاء عن الشارع في دلالات ألفاظه على الأحكام، فكل نص من نصوص الشرع دليل مستقل بنفسه

стр. 162

في إفادة الحكم، وحجة قائمة بذاتها في إثبات الحكم، سواء كان النص عاماً أم خاصاً، مطلقاً أو مقيداً، حتى يرد الدليل الصارف عن ذلك الأصل، وبناء على ما هو الأصل في المطلق والمقيد، لا يلزم حمل المطلق على المقيد إلا إذا كان الأخذ بكل منهما على حدة مدعاة للتناقض، وذلك عندما يكون تناف بين الإطلاق والتقييد فحينئذ يعمل بالمقيد احتياطاً لما فيه من الخروج عن العهدة بيقين١. ونوقش هذا الدليل من قبل الجمهور، بأن الدليل الصارف موجود، وهو إما قولهم: "ما من عام إلا وقد خصص منه البعض"، أو كون ذلك أسلوباً من أساليب اللغة التي جاء القرآن موافقاً لها في جميع استعمالاتها. ٢ - ومن أدلتهم أيضاً: أن المطلق والمقيد من أنواع الخاص على الرأي الراجح٢. وقد تقدم أن الخاص لا يحتمل البيان عند الحنفية وعلى ذلك يكون ترجيح المقيد على المطلق والعمل به احتياطاً متعيناً عند الجهل بالتأريخ، لاستوائهما في الدلالة وامتياز المقيد على المطلق بما حواه من القيد الذي لا يستقل بالحجية لو انفرد. وقد تقدم جواب الجمهور عن ذلك في دلالة الخاص، وأنه لا فرق

стр. 163

بين احتمال الخاص للمجاز واحتماله للبيان إذا وجد الدليل، وبعد أن عرفنا المراد من حمل المطلق على المقيد لدى جمهور الأصوليين وبعض الحنفية، والأدلة التي تمسك بها كل فريق على وجهة نظره، ومعاضدة رأيه يحسن بنا أن نذكر السبب في هذا الاختلاف. والحقيقة إن الخلاف في معنى حمل المطلق على المقيد يعود إلى أكثر من سبب، فهو من جهة يرجع إلى اختلاف الجمهور مع الحنفية في سبب الحمل ما هو؟ ومن جهة أخرى يعود إلى اختلاف الفريقين في المقصود من التعارض١

стр. 164

بين الأدلة، ومحله منها١

стр. 165

وشروط١ تحققه فيها، وكيفية٢ دفعه عنها إذا وجد. ٢ - تعليل حمل المطلق على المقيد عند بعض الأحناف. لو رجعنا إلى دليل الحنفية الأول لوجدنا أن هذا الفريق من الحنفية يجعل سبب حمل المطلق على المقيد دخول التنافي بينهما في باب تعارض الأدلة، بدليل اشتراطهم في الترجيح (فضل أحد المتساوين وصفاً٣،

стр. 166

وهذا يتحقق في باب المطلق والمقيد كما سبق، وعندئذ فإن التنافي الموجود بين المطلق والمقيد يكون خاضعاً لقواعد الجمع والترجيح بين الأدلة المتعارضة) ١، ومعروف أن باب التعارض من الأبواب التي جال العلماء فيها كثيراً وكان بينهم خلاف طويل في مسائله المتشعبة والتي كان من بينها اختلافهم في وجود التعارض وعدمه في أحوال المطلق والمقيد الآتية، وكيفية التوفيق بينهما إذا وجد التعارض. على أن المهم هو اتفاق الجميع على وجوب دفع التعارض بين المطلق والمقيد سواء سمي ذلك جمعاً وبياناً، كما يقول جمهور الأصوليين، أو سمي ترجيحاً وتقديماً كما يراه بعض الأحناف؛ لأن الاختلاف في الاصطلاحات أسهل من بقاء التعارض بين الأدلة الشرعية المنزهة عن التناقض والتضاد٢، ذلك أن مرجع الخلاف في الاصطلاحات يكون عائداً إلى المقصود منها عند المصطلحين، بخلاف بقاء التعارض بين الأدلة؛ فإنه لا يكون مقصوداً.

стр. 167

فإن قيل: فما الفرق بين رأي الجمهور وبعض الأحناف؟ إذا كان حمل المطلق على المقيد يؤدي في النهاية إلى العمل بالمقيد على كلا المذهبين. والجواب أن ذلك مسلم، لكن الفرق بينهما يظهر في التعليل والتطبيق والشروط كما سيأتي.

стр. 168

المبحث الثاني في شروط حمل المطلق على المقيد لما كان حمل المطلق على المقيد عند كل من الجمهور والحنفية يعتمد على نوع من تأويل اللفظ وصرفه عن ظاهره المتبادر منه، فقد احتاط كل فريق لمذهبه، واشترط شروطاً لا بد من توفرها، عند إرادة حمل المطلق على المقيد. حيث أفرد الجمهور لهذه الشروط مبحثاً خاصاً في كتبهم، ومن ذلك الشوكاني في كتابه إرشاد الفحول١ وغيره من الذين كتبوا على طريقة الجمهور حديثاً٢. وأما الحنفية فما اطلعت عليه من كتبهم - لم أعثر فيه على مبحث خاص بحمل المطلق على المقيد، ولا على مبحث مستقل بشروط الحمل٣، ولعل ذلك يعود إلى أن حمل المطلق على المقيد عند الحنفية من قبيل تعارض الأدلة كما تقدم - فاكتفوا بذكر شروط التعارض في باب تعارض الأدلة، ولم يخصوا حمل المطلق على المقيد وشروط الحمل بمبحث

стр. 169

خاص خشية التكرار - للمباحث المتشابهة، لكن هذا لا يمنع من أخذ شروط حمل المطلق على المقيد عند الحنفية من تعريفهم لمعنى الحمل، ومن مناقشتهم للجمهور في المسائل التي خالفوهم فيها ومن تعليلاتهم للمسائل التي قالوا فيها بحمل المطلق على المقيد وما كان من تلك الشروط مخالفاًَ لما اشترطه جمهور الأصوليين، فإن السبب فيه يعود إلى أمرين: أولهما: الخلاف في شروط التعارض ١. حيث يشترط الحنفية لتحقق التعارض شروطاً كثيرة، - والجمهور يخالفونهم في بعض تلك الشروط، كالمساواة٢ بين المتعارضين وسيأتي

стр. 170

لهذه المسألة توضيح أكثر في الشروط المختلف فيها: وثانيهما: الخلاف في مفهوم النسخ ١ وشروط تحققه، ذلك أن

стр. 171

مسائل المطلق والمقيد دائرة في نظر الحنفية بين بابي التعارض والنسخ، فما قالوا فيه بالحمل يرجع إلى تعارض المطلق مع المقيد، ثم يرجح جانب المقيد لامتيازه على المطلق بالوصف الذي لا يستقل بالحجية لو انفرد، وما لم يقولوا فيه بالحمل؛ فإنه يعود إلى باب النسخ، أو تخلف شرط المعارضة فيبقى المطلق على إطلاقه كما هو الأصل. والآن نذكر الشروط التي هي محل اتفاق لدى أكثر الأصوليين، وأغلبها مأخوذ من إرشاد الفحول للشوكاني، ثم نتبع ذلك بالشروط المختلف فيها لنرى الفرق بينهما:

стр. 172

أ - الشروط المتفق عليها عند أكثر الأصوليين: اشترط جمهور الأصوليين لحمل المطلق على المقيد عدة شروط منها: أولاً: أن يكون المقيد من باب الصفات مع ثبوت الذوات في الموضعين ومقتضى هذا الشرط أنه إذا كان المراد بحمل المطلق على المقيد إثبات أصل الحكم من زيادة أو عدد فإن حمل المطلق على المقيد والحالة هذه لا يصح مثل: إيجاب غسل الأعضاء الأربعة١ في الوضوء لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ ٢ مع الاقتصار على عضوين في التيمم لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾ ٣ لأن الإجماع منعقد كما يقول الشوكاني: "على أنه لا يحمل إطلاق التيمم على تقييد الوضوء، حتى يلزم التيمم في الأعضاء الأربعة، وذلك لما يقتضيه حمل المطلق على المقيد والحالة هذه من إثبات حكم لم يذكر في أحد الموضعين، وهو (وجوب مسح الرؤوس والأرجل) في

стр. 173

التيمم، وحمل المطلق على المقيد يختص بالصفات، لكن نقل الماوردي١ كما يقول الشوكاني عن ابن خيران٢ من الشافعية: إن المطلق يحمل على المقيد في الذات، أي: في إثبات أصل الحكم، ثم قال الشوكاني: وهذا باطل٣ - يعني حمل المطلق على المقيد في الذات: وذكر ابن اللحام٤ الحنبلي أن ظاهر كلام أصحاب الإمام أحمد حمل المطلق على المقيد في الأصل، كما يحمل عليه في الوصف، بدليل أنهم حكوا في كفارة القتل في

стр. 174

وجوب الإطعام روايتين - الوجوب إلحاقاً لكفارة القتل بكفارة الظهار، كما حكوا روايتين في اشتراط وصف الإيمان في كفارة الظهار. والاشتراط إلحاقاً لكفارة الظهار بكفارة القتل، فدل هذا من كلامهم.. على أنه لا فرق في حمل المطلق على المقيد بين الأصل والوصف١، لكن الظاهر أن إلحاق الإطعام في كفارة القتل بالإطعام في كفارة الظهار ليس هو من باب حمل المطلق على المقيد؛ لأن كفارة القتل خطأ لا توصف بالإطلاق، من حيث أنه لم يرد فيها نص بالتكفير بالإطعام، وليس كل حكم يسكت عنه الشارع يكون مطلقاً، بل لا بد في الإطلاق من ثبوت ذات أولاً، ثم تقيد بأحد الأوصاف الواردة عليها، أو تبقى على إطلاقها، وكفارة القتل ليست من هذا القبيل، وبناء على ذلك يكون الراجح أن حمل المطلق على المقيد إنما يجري في الوصف دون الأصل، لما يلزم من جريانه في الأصل من إثبات حكم لم يشرع، كما ظهر ذلك من انعقاد الإجماع على عدم إلحاق التيمم بالوضوء في بقية الأعضاء٢. ثانياً: أن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد، كاشتراط العدالة في الشهود على الرجعة والوصية، وإطلاق الشهادة في البيوع وغيرها

стр. 175

من العقود. والعدالة شرط في الجميع، وكذا تقييد ميراث الزوجين بقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ١ وإطلاق بقية المواريث عن ذلك القيد فإن ما أطلق من المواريث يكون مقيداً بكونه بعد تنفيذ الوصية وقضاء الدين، وأما إذا كان المطلق دائراً بين قيدين متضادين نظر في سبب الحكم، فإن كان السبب الذي شرع لأجله الحكم مختلفاً لم يحمل المطلق على أحدهما إلا بدليل٢، وسيأتي مزيد من الإيضاح في مطلب تعدد القيد. الشرط الثالث: أن يكون المطلق والمقيد في سياق الإثبات، أما إذا كان في سياق النفي أو النهي، فإن المطلق لا يحمل على المقيد والحالة هذه مثال ذلك في النهي، أن يقال: (إذا جنيتهم فلا تكفروا بالعتق) ويقال في موضع آخر: (إذا جنيتم فلا تكفروا بعتق كافر) ، ومثاله في النفي أن يقال في موضع: (لا يجزئ عتق مكاتب) ويقال في موضع آخر: (لا يجزئ عتق

стр. 176

مكاتب كافر) ؛ فإن المطلق والمقيد في هذين المثالين قد وردا في سياق النهي في المثال الأول، ووردا في المثال الثاني في سياق النفي، ومن ثم فلا يحمل المطلق على المقيد فيهما؛ بل يجب إجراء المطلق على إطلاقه في المنع من العتق فلا يعتق في المثالين لا كافر ولا مؤمن لما يترتب على العتق من الإخلال باللفظ المطلق وهو غير سائغ، ضرورة عموم النكرة المنفية١، وقد ذكر هذا الشرط الآمدي٢ وابن الحاجب٣، وقالا: لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما لعدم التعذر، ومرادهما أنه يلزم من نفي

стр. 177

المطلق نفي المقيد، فيمكن الجمع بينهما بأن لا يعتق في المثال المذكور لا مؤمنة ولا كافرة١. وهذا القول منهما عند التحقيق توقف عن الحكم الذي أفاده المطلق والمقيد، وطلب الدليل من خارج محل النزاع وتسميتهما له جمعاً فيه تسامح إلا إن كانا يقصدان بالجمع هنا المعنى العام، فلا بأس، لكن كان ينبغي عليهما أن ينبها إلى ذلك. ولهذا نازع في دعوى العمل بهما هنا شارح مسلم الثبوت وقال: (إن العمل بهما في هذه الحال غير ممكن، فلا بد من القول بحمل المطلق على المقيد أو النسخ على رأيه) ٢.

стр. 178

لكن فخر الدين الرازي١ صرح بأنه لا فرق في حمل المطلق على المقيد بين الأمر والنهي، فإن قال لا تعتق مكاتباً، ثم قال: لا تعتق مكاتباً كافراً، فإنا نحمل الأول على الثاني، ويكون المنهي عنه هو إعتاق المكاتب الكافر دون غيره٢. قال الزركشي٣: قد يقال: إنه لا يتصور توارد المطلق والمقيد في جانب النفي والنهي، وما ذكروه من المثال: إنما هو من قبيل إفراد بعض مدلول العام، وفيه خلاف، فلا وجه لذكره هنا. قلت: ذكر ابن اللحام أن ذلك مسلم فيما إذا كان فرد العام لا

стр. 179

مفهوم له كاللقب١ أما إذا كان له مفهوم معتبر، فالقائل بأن المفهوم حجة يخصصه به، وعندئذ يكون الخلاف في التسمية فقط، لا في العمل؛ لأن القائلَ بالمفهوم يخصص به العام، ولكن لا يسميه تقييداً ضرورة عموم النكرة في سياق النفي أو النهي. قال الشوكاني: الحق عدم حمل المطلق على المقيد في النفي والنهي٢، والذي يبدو لي أن المسألة ليست على إطلاقها، بل لا بد من التفصيل، فإذا كان النفي نصاً٣ في الحكم، فإن الراجح عدم حمل المطلق على المقيَّد، كما هو مذهب أكثر الأصوليين: بمعنى أن الحكم الذي وردت عليه أداة نفي موضوعة للتنصيص على نفي الحكم لا يحمل فيه المطلق على المقيد بطريق التقييد المصطلح عليه لدى الأصوليين، وإن كان

стр. 180

لا مانع من تخصيص الحكم المنفي باعتباره عاماً١، وأما إذا كان النفي ظاهراً فالأمر محتمل؛ لأن النفي كما سيأتي لنفي الجنس نصاً يأتي لنفي الوحدة، بدليل ما نقل عن سيبويه٢ من قول العرب: لا رجل في الدار، بل رجلان، فأتى النفي لغير الجنس، والنفي إذا كان ظاهراً يجوز صرفه بالدليل كما في المثال السابق ونحوه٣. الشرط الرابع لحمل المطلق على المقيد: أن لا يكون الحكم في جانب الإباحة، قال أبو البركات٤: (وإذا كانا إباحتين فهما في معنى
следующие страницы →