← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8556

المطلق والمقيد

حمد بن حمدي الصاعدي

Полный текст (517 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وكلاهما غير متحقق في الخاص، لأن الخاص قد وضع لمعنى واحد على الانفراد، فهر بيِّنٌ ظاهر بموجب الوضع اللغوي، فلو احتمل التصرف فيه ببيان آخر لكان في ذلك تحصيل الحاصل، وهو محال١، قال البزدوي بعد أن بيَّن حكم دلالة الخاص من حيث القطعية، وأنه يتناول المخصوص قطعاً ويقيناً بلا شبهة لما أريد به من الحكم، قال: (لكن لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان لكون بيناً لما وضع له) ٢. القول الثاني: أن الخاص يحتمل البيان وبه قال الشافعية ومن وافقهم. واستدلوا على ذلك بأن الخاص وإن كان قطعي الدلالة على ما وضع له، إلا أنه يحتمل التصرف فيه عن أصل وضعه إذا وجد الدليل الصارف بدليل أن الاتفاق واقع على احتمال الخاص للمجاز، والمجاز بيان للمراد من اللفظ.

стр. 72

فليكن مناط احتمال الخاص للبيان هو وجود الدليل الصارف عن أصل الوضع، وإلا كان القول باحتمال الخاص المجاز، وعدم احتماله للبيان متناقضاً، لما سبق أن المجاز بيان للمراد من اللفظ والمسألة مفروضة على الإطلاق١ كما ترى. أضف إلى ذلك أن بعض العلماء قد خالف في المجاز المصطلح عليه عند علماء البلاغة مثل: مجاز٢ الإسناد والاستعارة وسمى ذلك

стр. 73

إيجازاً١، وحيث كان الخاص محتملاً للنوعين (الإيجاز والمجاز) . ولم يعهد أن خالف أحد في احتمال الخاص للإيجاز وبيان الخاص الموجز يظهر أن ما ذهب إليه الشافعية ومن وافقهم هو الأرجح. نقول: هذا على فرض أن الخلاف بين الفريقين قد ورد على محل واحد، مع أن المدقق في ذلك يجد أن النفي والإثبات لم يتواردا على محل واحد، لأن الحنفية عندما نفوا احتمال الخاص للبيان نظروا إلى أصل الوضع وحال الواضع، عندما أراد أن يجعل اللفظ دليلاً على المعنى، ولا شك أن دلالة اللفظ الخاص بالنسبة للواضع قطعية كما يقول الحنفية. وغيرهم نظر إلى أن اللفظ بعد الاستعمال وطريان الإجمال عليه بسبب كثرة المعاني التي استعمل فيها، أو بسبب قلة استعماله في المعنى الموضوع له، مما يجعله غير مألوف لدى أكثر أهل اللغة٢.

стр. 74

ثانياً: دلالة العام: عَرَّفنا العامّ فيما سلف بأنه: (كلمة تستغرق الصالح لها بلا حصر) ، كما عرفنا أيضاً الدلالة بأنها تعني، فهم المعنى من اللفظ متى أطلق. وهنا نقول: لا خلاف بين العلماء في قطعية دلالة العام الذي اقترن به ما يدل على العموم قطعاً، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ ١، والعموم في هذه الآية الكريمة جاء من أن (دابة) نكرة في سياق النفي، والنكرة المنفية من صيغ العموم - كما تقدم - فتعم كل دابة، وأما القرينة الدالة على أن الآية عامة قطعاً فهي أن تجويز التخصيص فيها يؤدي إلى وجود شريك مع الله تعالى يرزق بعض الدواب، وهذا محال؛ بل إن اعتقاد ذلك يؤدي بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله. وكذا لا خلاف بين جمهور العلماء أن العام إذا خص٢ منه بعض

стр. 75

أفراده بدليل صحيح أن دلالته على الباقي تبقى ظنية، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ١، بعد أن خرج من عمومه المستأمن بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ ٢؛ ذلك أن العام الذي خصص قد يكون مخصصه معللاً بعلة يمكن تحققها في الأفراد الباقية، ومع هذا الاحتمال لا تبقى دلالة العام المخصوص قطعية، وإنما وقع الخلاف في دلالة العام المجرد من القرينة التي تدل على عمومه قطعاً. ولم يثبت أن خص منه بعض الأفراد بدليل مسلَّم به لدى جميع الأصوليين. آراء العلماء في دلالة العام المطلق: اتفق جمهور٣ علماء الأصول على أن العام شامل لجميع أفراد

стр. 76

معناه، وأن الحكم الثابت للعام ثابتٌ لكلِّ فردٍ من أفرادِه، كما اتفقوا أيضاً على وجوبِ إجراءِ العام على عمومه والعمل به، ما لم يظهر دليل يخصص العام، ثم اختلفوا في صفة دلالة العام المطلق على شمول أفراده أقطعية هي أم ظنية؟ أ - فذهب معظم الحنفية إلى أن دلالة العام المطلق على كل فرد من أفراده قطعية١، ووافقهم على ذلك الشاطبي٢ من المالكية وبعض من كتبوا في الأصول حديثاً٣.

стр. 77

ب - وذهب جمهور الأصوليين ومنهم الشافعية إلى أن دلالة العام المطلق ظنية١. واستدل الحنفية ومن وافقهم على قطعية دلالة العام المطلق بأدلة منها: ١ - قالوا: إن العموم مما تدعو الحاجة إلى التعبير عنه بالألفاظ فوضعت له العرب ألفاظاً تدل عليه، واللفظ متى كان موضوعاً للدلالة على المعنى يكون ذلك المعنى ثابتاً به قطعاً، سواء أكان اللفظ الموضوع عاماً أم خاصاً، حتى يرد الدليل بخلاف ذلك٢. ٢ - وقالوا أيضاً: إن اللفظ العام بمنزلة الخاص في كون دلالة كل منهما ثابتة بطريق الوضع، وحيث إن الاتفاق قائم على أن الخاص يدل على معناه قطعاً، ولا يؤثر في قطعية دلالته احتماله للمجاز، فكذلك تكون دلالة العام المطلق قطعية، ولا يؤثر فيها احتماله للتخصيص؛ لأن الكل احتمال؛ ولأن التفريق بين العام والخاص في كون دلالة الخاص لا تتأثر باحتماله للمجاز حتى تكون ظنية وتتأثر دلالة العام باحتماله للتخصيص حتى تكون بسبب ذلك ظنية تفريق بين متماثلين في الوضع

стр. 78

بدون دليل يقتضي التفريق. واعترض الجمهور على هذا الدليل، فقالوا: إن قياس دلالة العام على دلالة الخاص في حيز المنع؛ لأنه وإن صح لغة إلا أنه قياس مع الفارق في الدلالة الشرعية. ووجه الفرق: أن دلالة الخاص اللغوية مرادة للشارع في الكثير الغالب، بينما ثبت في العام ما يصح اعتباره عرفاً شرعياً، وهو قصر العام على بعض أفراده، ومن المتفق عليه أن عرف الشرع وهو استعماله اللفظ لمعنى يقصده قاضٍ على معناه اللغوي في ميدان استنباط الأحكام، وبهذا يفترق العام عن الخاص، ومع افتراقهما لا يصح قياس دلالة العام على الخاص في القطعية. وأضاف الشاطبي إلى الدليلين السابقين ما يمكن اعتباره دليلاً ثالثاً، وهو: ٣ - أن مذهب القائلين بظنية دلالة العام يؤدي إلى إبطال الكليات القرآنية، وذلك يتنافى مع ما هو معلوم من أن رسول الله ﷺ : "قد بعث بجوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً"١

стр. 79

وقد قرر الشاطبي أن رأس هذه الجوامع هي العموميات، فإذا فُرِضَ أنها ليست موجودةً، أو أن الموجودَ منها مفتقرٌ إلى مخصص، فقد خرجت تلك العمومات من أن تكون جوامع مختصرة، وفي ذلك توهين للأدلة الشرعية، وتضعيف للاستناد إليها إلا بجهة من التساهل وحسن الظن١.

стр. 80

ب - واستدل الجمهور على أن دلالة العام المطلق ظنية بعدة أدلة منها: أولاً: قالوا: إن دلالة العام المطلق من قبيل الظاهر١، والظاهر يفهم على ظاهره، ولا يُنفى الاحتمال عن غير ما ظهر منه، وما كانت دلالته كذلك فدلالته ظنية٢. ثانياً: وقالوا - أيضاً -: ثبت بالاستقراء والتتبع لموارد العام في الشريعة قصره على بعض أفراده إلا في القليل النادر حتى شاع بين العلماء

стр. 81

قولهم: (ما من عام إلا وقد خص منه البعض) ١ ومثل: ذلك يورث شُبْهةً في دلالة العام سواء ظهر المخصص أو لم يظهر، ومع هذا الاحتمال لا يصح القول بقطعية العام٢. وقد اعترض الحنفية على هذا الدليل وهو كثرة التخصيص للعام وشيوع تلك الكثرة بين العلماء وقالوا: إنها في حيز المنع وفي ذلك يقول صدر الشريعة: (لا نسلم أن التخصيص الذي يورث شبهة شائع في العام، بل هو

стр. 82

في غاية القلة) ١، لأن التخصيص عندنا إنما يكون بكلام مستقل موصول بالعام٢ مساوٍ له في القوة، وهذا النوع ليس شائعاًَ؛ بل هو في غاية القلة، أضف إلى ذلك أن القطع الذي أثبتناه للعام مرادنا به المعنى الأعم، وهو عدم الاحتمال الناشئ عن دليل، وما اعتبره غيرُنا دليلاً صالحاً، وهو: كثرة تخصيص العام وشيوع تلك الكثرة بين العلماء غير مسلّم لما سبق أن تخصيص العام إنما يكون عندنا بكلام مستقل مقارن للعام مساو له في القوة، وهذا النوع نادر، وليس شائعاً كما يدعي الطرف المنازع. ويبدو أن هذا الاعتراض من الحنفية لا يفيد، لأنه مبني على اصطلاح الحنفية في المخصص؛ فلا يرد على الجمهور ما لم يسلموا لهم به. ومع هذا فقد دفع الجمهور هذا الاعتراض، وقالوا: إن قولنا: بظنية العام لم يكن بدون دليل، وإنما كان ذلك بناء على وفرة التخصيص، وإذا وقع الخلاف في مسمى التخصيص بماذا يكون. فلنا أن نقول: إن المؤثر في دلالة العام هو كثرة قصره على بعض أفراده، سواء كان ذلك بالدليل الذي لم يستقل بنفسه - كالاستثناء والشرط - أم كان القصر بالدليل المستقل الذي لم يتأخر التخصيص به عن وقت العمل بالعام. ولا شك في كثرة قصر العام بهذا المعنى سواء سمي تخصيصاً في

стр. 83

الاصطلاح أم سمي قصراً؛ إذ لا دخل للتسمية في دلالة اللفظ١. وأما تخوف الشاطبي على إبطال الكليات القرآنية فلا مبرر له، إذا علمنا أن العدول إلى التخصيص لا يكون إلا بعد وجود الدليل، وأن الأمر ليس متروكاً بدون ضوابط أو قيود، كما أنه ليس هناك أي تناف بين القول بظنية العام المطلق، وثبوت جوامع الكلم للرسول ﷺ ، ما دمنا نعتبر العام على عمومه، ونعمل بما ظهر لنا منه، ولا نلجأ إلى التخصيص حتى يوجد الدليل المخصص فعلاً، وبهذا فإن الخلاف في هذه المسألة يظل نظرياً لا ثمرة له، حتى يوجد الدليل المخصص، فإذا وجد الدليل فعلاً٢ اختلفت أنظار العلماء في تقويمه، ومدى معارضته للعام؛ فالقائل بظنية العام لا يرى مانعاً من جواز تخصيصه بكل دليل معتبر شرعاً بشرط أن يظهر كونه مخصصاً قبل العمل بالعام.

стр. 84

والذي يرى أن دلالة العام المطلق قطعية يحكم بالتعارض بين العام وبين الدليل الذي يساويه في القوة، ولا يرى التخصيص بالدليل الظني، كأخبار الآحاد ونحوها؛ لأن التخصيص إنما يكون بدليل مساو للعام في قوته، وأخبار الآحاد ليست كذلك مع عام القرآن والسنة المتواترة أو المشهورة، وكذلك القياس لا يخصص العام من القرآن والسنة المتواترة ابتداءً ما لم يخص قبله بقطعي.

стр. 85

المبحث الرابع أنواع الخاص يتنوع الخاص باعتبار صيغته والحال الملابسة له -كما سبق- فتارة يتعدد باعتبار الصيغة، وتارة باعتبار الحالة الملابسة له، فهو باعتبار الصيغة يتنوع إلى الأمر والنهي الموضوعين للدلالة على طلب الفعل أو الكف عنه، وباعتبار الحالة التي تلابسه ينقسم إلى المطلق والمقيَّد: وسيأتي الكلام عليهما بالتفصيل، لأنهما موضوع الرسالة. وقد اهتم الأصوليون بمباحث الأمر والنهي؛ لأن مدار التكاليف عليهما وبمعرفتهما تستبين الأحكام، وعليهما تتوقف معرفة الحلال من الحرام. ولذلك بدأ أصحاب الأصول كتبهم بمباحث الأمر والنهي، وبينوا السبب الذي دعاهم إلى ذلك حيث يقول السرخسي: (فأحق ما يبدأ في البيان الأمر والنهي؛ لأن معظم الابتلاء بهما، وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام ويتميز الحلال من الحرام) ١، وفي هذا ما يقوي الصلة بين أنواع الخاص باعتبار صيغته والحالة الملابسة له، فيجدر

стр. 86

بنا أن نسترشد بكلام السرخسي السابق فنجعل الكلام على ماهية الأمر والنهي وصيغهما المشهورة وحكمهما مفتاحاً لموضوع بحثنا، وخاصة إذا علمنا أن الإطلاق والتقييد مما يعرض للخاص أمراً كان أو نهياً أو غيرهما، وفيما يلي كلمة مختصرة توضح تلك النقاط السابقة من مباحث الأمر والنهي الكثيرة اقتصرنا فيها على ما يخص بحثنا، ولنبدأ بالأمر أولاً في نقاطه الثلاث: ١- تعريفه. ٢- صيغه المشهورة. ٣- حكمه.

стр. 87

المطلب الأول: في الأمر: تعريف الأمر: أ- الأمر في الأصل مصدر للفعل الثلاثي (أَمَر) ثم جعله أهل اللسان العربي اسماً لقول القائل لغيره: (افعل كذا) ولكن عرف علماء اللغة خصه بالقول الدال على طلب الفعل طلباً جازماً، مع قطع النظر عن خصوص مادة الأمر، بل المعتبر فيه عند علماء اللغة القول الموضوع لطلب الفعل طلباً جازماً سواء أكان من مادة الأمر أم غيرها، وعلى ذلك يمكن تعريف الأمر في اصطلاح علماء اللغة. بالقول الموضوع لطلب الفعل طلباً جازماً١. وأما عامة علماء الأصول، فحيث كان بحثهم في نوع خاص من الأمر وهو ما كان صادراً عن طريق الشارع، فقد أضافوا إلى التعريف

стр. 88

اللغوي قيد الاستعلاء١، وهو ألا يكون الطلب على جهة التذلل، بياناً منهم أن المقصودَ بالتعريف الأمر الإلهي وليخرجوا من دائرة الأمر في الاصطلاح الأصولي الالتماس (وهو الطلب من المساوي) والدعاء: وهو الطلب من الأعلى، وعرفوه بناء على ذلك٢. ب- بأنه: القول الدال بالذات على طلب الفعل على جهة الاستعلاء٣. شرح التعريف: ١- القول: كالجنس في التعريف يشمل الأمر وغيره، والتعبير به أوْلى من التعبير باللفظ أو الكلمة، أو الكلام، أما أولوية القول على اللفظ؛ فلأن اللفظ جنس بعيد لاستعماله في المهمل والمستعمل، والقول خاص بالمستعمل فكان التعبير به أولى؛ لكونه جنساً قريباً، وأما أولوية التعبير بالقول على (الكلمة) والكلام؛ فلأن كلاً منهما أخص من القول؛

стр. 89

لأن الكلمة تختص بالمفرد، والكلام يختص بالمركب، بينما القول يجمعهما ويشملهما، فكان تعريف الأمر به أولى. ٢- الدال بالذات: يقصد بالدلالة هنا الدلالة الوضعية، ولهذا اكتفى بها عن كون الطلب حازماً؛ لأن دلالة اللفظ الوضعي لازمة له، وبهذا القيد يخرج ما كانت دلالته بغير الوضع - كدلالة اللفظ المهمل على حياة لا فظه. ٣- على طلب الفعل: هذا أهم عنصر في تعريف الأمر، وبه يحترز عن النهي؛ لأنه طلب هو الكف عن المنهي عنه كما سيأتي. ٤- على جهة الاستعلاء: الاستعلاء كما تقدم هو ألا يكون الطلب على وجه التذلل وبه يخرج عن حد الأمر الدعاء١ والالتماس٢، إذ المفروض فيهما عدم التعالي. ٢- الصيغ المشهورة لطلب الفعل: هي: الألفاظ التي وضعها العرب للدلالة على طلب الفعل طلباً جازماً، ثم جاء على وفق ذلك نصوص الشرع، أو كانت من الألفاظ التي استعملها الشارع ابتداء من الطلب الجازم، وهي كثيرة تتنوع حسب

стр. 90

أسلوب القرآن والسنة في طلب الفعل، منها: ١- فعل الأمر: كقوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ١، فالله قد طلب في هذه الآية الكريمة ثلاثة أفعال هي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والاعتصام بالله، بصيغة فعل الأمر: (أقيموا) و (آتوا) و (اعتصموا بالله) . ٢- صيغة فعل المضارع المقرون بلام الأمر: كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٢، فالله قد طلب في هذه الآية الكريمة فعلاً، هو (الصيام) بصيغة الفعل المضارع المقرون بـ (لام الأمر) ، وهو قوله تعالى: (فليصمه) ، فإن (يصم) فعل مضارع مجزوم، واللام الداخلة عليه (لام الأمر) . ٣- الجملة الخبرية المقصود بها الطلب: مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ ٣، فجملة (والمطلقات يتربصن) جملة خبرية مكونة من مبتدأ، هو (المطلقات) وخبر

стр. 91

وهو (يتربصن) ، وليس المقصود منها الإخبار بتربص المطلقات هذه المدة، وإنما المقصود طلب التربص منهن هذه المدة؛ والتقدير (ليتربص المطلقات ثلاثة قروء) وفي العدول عن صيغة الطلب الأصلية تأكيد إيقاع الفعل والحث عليه، حتى أصبح بمنزلة الفعل الواقع المخبر عنه. ٤- صيغ المصدر النائب عن فعل الأمر: كقوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ١، ففي هذه الآية طلب فعل هو ضرب الرقاب، بالمصدر النائب عن فعل الأمر، وهو (ضرب الرقاب) ، والأصل: (فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا رقابهم) . ٥- اسم فعل الأمر ٢: ويقصد به اسم بمعنى فعل (الأمر) مثل: قول المؤذن (حيَّ على الصلاة) ؛ فإن المؤذن يقصد طلب فعل: هو (الإقبال على الصلاة بواسطة اسم فعل الأمر: (حيّ) ؛ لأن (حي) معناها أقبل على الصلاة. ٣- حكم صيغة الأمر ونحوها مما يدل على الطلب الجازم: ذهب جمهور الأصوليين إلى أن (صيغة الأمر) المجردة من القرائن

стр. 92

ونحوها مما يدل على الطلب الجازم، حقيقة في الوجوب١، بمعنى أنها موضوعة للدلالة على وجوب فعل المأمور به، ولا تصرف عن ذلك إلا إذا وجدت قرينة تدل على عدم الوجوب، حتى ذهب بعض الأصوليين إلى أن الوجوب ملازم لهذه الصيغة٢، ولا يمكن استفادته بدونها، بدليل أن الأفعال الواجبة لم يكتف فيها بمجرد الفعل، بل قرنت بصيغة الأمر الدال على وجوبها، كقوله ﷺ في شأن تعليم أفعال الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي"٣، وفي شأن تعليم أفعال الحج: "خذوا عني

стр. 93

مناسككم"١، فلم يكتف بالفعل فقط، بل قرن الفعل بالقول.

стр. 94

المطلب الثاني: في النهي وبحثنا في هذا المطلب يقتصر على ثلاثة أمور: لها علاقة وصلة بموضوع بحثنا (المطلق والمقيد) ، وهذه الأمور الثلاثة هي: ١- تعريف النهي. ٢- صيغه المشهورة. ٣- حكم الصيغة المجردة. ١- تعريف النهي: أ- النهي في اللغة: المنع، يقال: نهاه عن كذا إذا منعه عنه، وسمي العقل نهية؛ لأنه يمنع صاحبه عن الوقوع فيما يخالف الصواب١، وتجمع النهية على (نهى) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ ٢، أي عظات وعبر لأصحاب العقول. ب- والنهي في الاصطلاح: القول الدال بالذات على طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء٣ وبما ذكرناه في شرح تعريف الأمر يستغني به عن شرح

стр. 95

تعريف النهي لأن معظم ألفاظ تعريف النهي قد ذكرت في تعريف الأمر. والفرق بين التعريفين يكمن في أن الأمر طلب الفعل، والنهي طلب الكف عن الفعل بما يدل على الكف عنه. ٢- صيغ النهي: يراد بصيغ النهي: الألفاظ الموضوعة لغة لتدل على الكف عن الفعل، ثم جاء على وفق ذلك نصوص الشارع؛ أو كانت من الألفاظ التي استعملها الشرع ابتداء للدلالة على المنع من الفعل على وجه الحتم واللزوم، وهي كثيرة تتنوع حسب أسلوب القرآن والسنة في كيفية طلب الكف عن الفعل، ومنها: ١- صيغة النهي: وهي: الفعل المضارع المقرون بـ (لا) الناهية، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ١؛ فالله قد طلب في هذه الآية الكريمة الكف والامتناع عن فعل هو قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، كالقصاص والردة، نعوذ بالله من الارتداد عن الدين

стр. 96

واستعمل في طلب الكف عن القتل صيغة المضارع المقرون بـ (لا) الناهية فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ﴾ . ٢- مادة النهي في سياق الإثبات وما اشتق منها: مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١، ففي هذه الآية الكريمة طلب كف عن ثلاثة أفعال هي: الفحشاء، والمنكر، والبغي، بصيغة فعل المضارع المشتق من مادة النهي وهو قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى﴾ وكذلك الحكم إذا كان طلب الكف باسم فاعل مُشْتَقاً من النهي أو مصدراً لفعل النهي بشرط كونه في سياق الإثبات. ٣- الجملة الخبرية المثبتة: التي استعملت فيها مادة التحريم كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ ... ﴾ ٢ الآية، ففي هذه الآية الكريمة طلب الكف عن نكاح الأمهات وما ذكر معهن من المحرمات

стр. 97

بجملة خبرية مثبتة، مشتقة من مادة التحريم وهي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية. ٤- نفي الحِلِّ: مثل قوله تعالى في شأن المنع من أخذ شيء مما أعطاه الزوج لزوجته بقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١، ففي هذه الآية الكريمة إخبار من الله بنفي الحِّل عن أخذ شيء مما أعطاه الزوج لزوجته، وفي ذلك تأكيد لطلب الكف عن الفعل. ٥- فعل الأمر الدال على الكف عن الفعل: كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ٢، فالله سبحانه وتعال قد طلب في هذه الآية الكريمة الكف عن فعل هو البيع بعد نداء الجمعة بصيغة فعل الأمر الدال

стр. 98

على طلب الترك والكف عن الفعل وهو قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ، أي اتركوا الاشتغال بتحصيله وقت نداء الجمعة. ٣- حكم النهي المجرد: ذهب جمهور الأصوليين إلى أن النهي المجرد من القرائن (المطلق) يدل على تحريم المنهي عنه حقيقة، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة تدل على عدم التحريم١. واستدلوا على ذلك بجملة أدلة منها: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ ٢ حيث تدل هذه الآية على أن ما نهى عنه يجب الانتهاء عن فعله؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَانتَهُوا﴾ فعل أمر وتقدم لنا أنه يفيد وجوب ترك المنهي عنه. ومنها أن الصحابة ﵃ قد فهموا التحريم من النهي المجرد، واستدلوا به على تحريم فعل المنهي عنه. ٣- ومنها تبادر التحريم من الصيغة المجردة، والتبادر بدون قرينة أمارة الحقيقة، وهذان الدليلان الأخيران يصلحان للاستدلال بهما على أن

стр. 99

الأمر المطلق يدل على الوجوب حقيقة، وهناك أدلة أخرى، فمن يريد الوقوف عليها فعليه بمراجعة الكتب الأصولية المطولة.

стр. 100

الباب الأول: في التعريف بالمطلق والمقيد ودلالتهما الفصل الأول: التعريف بحقيقة المطلق والمقيد المبحث الأول: في تعريف المطلق والمقيد في اللغة ... التمهيد: تقسيم اللفظ الخاص باعتبار الحالة الملابسة له إلى المطلق والمقيد في بداية الكلام على أنواع الخاص أشرنا إلى أن من أنواعه باعتبار الحالة الملابسة له المطلق والمقيد١، ووعدنا ببسط الكلام عليهما؛ لأنهما موضوع الرسالة، وقد آن الأوان للوفاء بالوعد فنقول: من خلال استقراء النصوص في الكتاب والسنة تبين للباحثين عن استنباط الأحكام الشرعية، أن اللفظ قد يرد خالياً عن أي قيد لفظي،

стр. 101

فيكون مدلوله شائعاً بين أفراده، لأنه وضع للمعنى المشترك بين أفراد الحقيقة الواحدة من حيث هو - بقطع النظر عن اعتبار الوحدة، أو الجمع أو الوصف في مفهومه الوضعي، فيسمى حينئذ مطلقاً. وقد يرد مقيداً بوصف أو شرط أو نحوهما، فيكون مدلوله محدود الشيوع قاصراً على بعض الأفراد التي كان يتناولها بطريق البدل، فيسمى عندئذ مقيداً. كما تبين من خلال المقارنة لموارد النصوص التي يكون فيها لفظ مطلق وآخر مقيد، أنه قد يكون بينهما شيء من اللقاء في سبب الحكم، أو في الحكم نفسه، أو فيهما معاً، مما يقتضي وجود قواعد وضوابط تنظم العلاقة بين المطلق والمقيد وتبين مدى تأثير أحدهما على الآخر. وحينما عمد المجتهدون إلى ارساء هذه القواعد، اختلفوا في بعضها وسوف نورد - بعد التعريف بماهية المطلق والمقيد، ودلالتهما وبيان الأحوال التي تعرض لهما، والشروط التي اشترطها من يقول بحمل المطلق على المقيد - أهم القواعد التي اختلف فيها علماء الأصول في هذا الباب، ثم نتبع ذلك ببعض الأمثلة التي توضح أثر الاختلاف في تلك القواعد على الفروع الفقهية.

стр. 102

المبحث الأول: في تعريف المطلق والمقيد في اللغة المطلق في اللغة: اسم مفعول، مأخوذ من مادة يدور معناها في وجوه تصاريفها المختلفة على معنى الانفكاك والتخلية١. يقال: أطلق الأسير إذا خلى سبيله، وأطلق الطير إذا فتح قفصه وأطلق القوم مواشيهم إذا سرحوها وأرسلوها إلى المرعى، وأطلق يده بخير فتحها به، وأطلق الرجل امرأته وطلقها بمعنى خلاها من قيد الزواج، وأطلق الرجل البلاد فارقها، وأطلق المتكلم في كلامه أي عمّ ولم يقيد. والمطلق في الألفاظ ضد المقيد، ومن الخيل ما لا تحجيل في إحدى قوائمه، لكن هذا المعنى أعني (الانفكاك والتخلية) يكثر استعماله في الأجسام المحسوسة مما جعل بعض العلماء يقول: إن الإطلاق والتقييد في الألفاظ مستعاران من المحسوسات، يقال: رجل أو حيوان مطلق؛ إذا خلا من قيد، ومقيد إذا كان في رجله قيد ونحوه من موانع الحركة الاختيارية التي ينتشر بها بين أفراد جنسه، فإذا ورد في ألفاظ الشارع لفظ مطلق، مثل (أعتق رقبة) كانت هذه الرقبة شائعة في جنسها شيوع الحيوان المطلق

стр. 103

بحركته الاختيارية يتحرك إلى أي جهة شاء. وإذا قال الشارع: (أعتق رقبة مؤمنة) كانت هذه الصفة وهي مؤمنة بالنسبة للرقبة كالقيد المانع للحيوان من الحركة الاختيارية١. وبناء على ذلك تكون نسبة الإطلاق والتقييد إلى اللفظ بحسب ما له من دلالة على المعنى، أي: أنهما وصفان للفظ باعتبار المعنى. والظاهر أنه ليس للأصوليين اصطلاح خاص في المطلق والمقيد بعيد عن المعنى اللغوي، بل هما مستعملان بما لهما من معنى في اللغة. لأن المطلق مأخوذ من الإطلاق، وهو الإرسال والشيوع، ويقابله التقييد٢، قال ابن فارس٣ في كتابه (الصاحبي) تحت عنوان (الخطاب المطلق والمقيد) : (أما الإطلاق: فأن يذكر الشيء باسمه لا يقرن به وصف، ولا شرط، ولا زمان ولا عدد، ولا شيء مما يشبه ذلك. والتقييد: أن يذكر بقرين من بعض ما ذكرناه، فيكون ذلك القرين

стр. 104

زائداً في المعنى١. وضابط ذلك كما يقول القرافي٢: (أن تقتصر على مسمى اللفظة المفردة نحو: (رقبة) - إنسان - حيوان ونحو ذلك من الألفاظ المفردة فهذه كلها مطلقات، ومتى زدت على مدلول اللفظة المفردة مدلولاً آخر، بلفظ أو بغير لفظ، صار اللفظ مقيداً كقولك: (رقبة مؤمنة) ورجل صالح، وحيوان ناطق. وتلك المطلقات السابقة هي في أنفسها مقيدات إذا أخذت مسمياتها بالنسبة إلى ألفاظ أخر، فإن الرقبة هي إنسان مملوك، وهذا مقيد، والإنسان حيوان ناطق، وهذا مقيد، والحيوان جسم حساس، وهذا مقيد أيضاً، فصار التقييد والإطلاق أمرين نسبين، غاية الأمر أن إظلاق كل شيء بحسبه وما يليق به فرب مطلق مقيد ورب مقيد مطلق٣.

стр. 105

المبحث الثاني: تعريف المطلق في الاصطلاح وأما تعريف المطلق في الاصطلاح فإن لعلماء الأصول فيه اتجاهين دارت حولهما التعاريف المتعددة. الاتجاه الأول: النظر إلى المطلق من حيث الدلالة على الأفراد الموجودة في الخارج١. والثاني: النظر إليه من حيث الدلالة على الماهية التي تعد من المفهومات العقلية، وسبب هذا الاختلاف يعود إلى أمرين: الأول: اختلافهم فيما يراد بالمطلق، هل هو الماهية المتحدة مع الأفراد وتسمى (الماهية بشرط) أي بشرط اتحادها مع أفرادها، وهذا أقرب إلى اصطلاح الأصوليين؛ لأن بحثهم في الأحكام الشرعية المتعلقة بالأفراد، أو أن المراد من المطلق الماهية المجردة، (وتسمى الماهية بدون شرط) ، وهذا الاتجاه يشبه اصطلاح المناطقة الذين يبحثون عن المفهومات العقلية. والسبب الثاني: اختلاف العلماء فيما هو المعتبر عند الواضع: أهي الصور المتخيلة في الذهن، أم الأفراد المحسوسة في الخارج؟ أو

стр. 106

هما معاً؟ أي الصور مع الأفراد المحسوسة في الخارج١، وحيث إن هذا الاعتبار الأخير يؤدي إلى الاشتراك، والأصل عدمه، فقد انحصرت وجهات النظر في الاعتبارين الأولين، أي: أن المعتبر عند الواضع إما الأفراد أو الصور، فأصحاب الاتجاه الأول: ومنهم الآمدي وابن الحاجب يرون أن المطلق موضوع للدلالة على الأفراد الخارجية لتبادرها من اللفظ عند إطلاقه والتبادر بدون قرينة أمارة الحقيقة. ولهذا عرفوا المطلق بتعاريف متعددة تلتقي عند دلالته على الفرد الشائع في جنسه: إذ عرفه الآمدي بأنه: (النكرة في سياق الأثبات) ٢ وبنحو منه تعريف صاحب مسلم الثبوت٣، بأنه ما دل على فرد ما منتشر٤. ومعنى هذا التعريف أن المطلق اللفظ الذي يتناول فرداً غير معين، بمعنى أن ذلك الفرد المتناول بالمطلق فرد منتشر شائع في جنسه.

стр. 107

وشيوع المدلول في جنسه يعني كونه فرداً محتملاً لأفراد كثيرة على سبيل البدل أي: أنه يمكن أن يصدق على كل فرد منها من غير أن يستغرقها أو يعين واحداً منها، فمثلاً: قولنا (رجل) لفظ يتناول شخصاً واحداً ليكن زيداً مثلاً، ولكن تناوله له ليس معناه أن ذلك الفرد متعين أن يكون مدلولاً له لا يحتمل أن يصدق على غيره، بل هو ممكن أن يصدق على عمرو بدل زيد وعلى بكر بدلهما، فتناوله لزيد أو عمرو تناول بدلي تناوبي باعتبار حقيقة شاملة لهما وهي: (الإنسان الذكر) ١. ٢ - وذهب أصحاب الاتجاه الثاني وهم أكثر الأصوليين: إلى أن المطلق موضوع للدلالة على الماهية من حيث هي، والفرد الذي يتحقق به مفهوم الماهية إنما يلزم عن طريق الضرورة؛ إذ لا وجود للماهية في الخارج بأقل من فرد من أفرادها، وهؤلاء عرفوا المطلق: بأنه اللفظ الدال على الماهية بلا قيد٢.

стр. 108

ومعنى هذا التعريف أن المطلق هو اللفظ الذي يدل على الحقيقة من حيث هي بدون اعتبار أي قيد، من وحدة، أو شرط، أو وصف، أو زمان، أو مكان، فمثلاً: قولنا (فرس) : لفظ يدل على حقيقة وما هية هي الحيوان الصاهل، ولم يعتبر في هذا اللفظ أي قيد من القيود التي تقلل من شيوعه وانتشاره بين أفراد جنسه، حيث لم يوصف بوصف ما، كما لم يشترط فيه أن يكون في زمان أو مكان ما، أو غير ذلك من القيود التي تحد من انتشاره وتضيق من دائرة انطباقه على أفراد جنسه. وقد أيد كل فريق رأيه بأدلة نذكر منها ما يلي: أ - فمن أدلة١ الفريق الأول ما يلي: ١ - قالوا: إن القول بأن المطلق موضوع للدلالة على الأفراد هو الموافق لأسلوب العرب ومتعارفهم؛ لأن المطلق عندهم عبارة عن النكرة في سياق الإثبات. ٢ - إن تعريف المطلق بما يدل على الأفراد هو الأوفق بأسلوب الأصوليين، لأن بحثهم في أحكام المكلفين، والتكليف إنما يتعلق بالأفراد دون المفهومات. ٣ - قالوا: إن القول بأن المطلق موضوع للماهية ينافيه اتفاق

стр. 109

الفريقين على أن من أمثلته (رقبة) في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ١؛ إذ لا شك أنها فرد محسوس في الخارج٢. ٤ - ومن أدلتهم أيضاً: أن القائل بأن المطلق موضوع للماهية يلزمه القول بأن وجودها وتعلق الأحكام بها إنما يكون باعتبار اتحادها مع أفرادها، وليس كذلك القول بأن المطلق موضوع للدلالة على الفرد الشائع؛ فإنه لا يترتب عليه هذا المحظور؛ إذ يمكن توجيه الخطاب إليه أصالة بدون لوازم. ب - ومن أدلة الفريق الثاني٣: ١ - أن الأصل في الوضع أن يكون للصور المتخلية في الذهن، بدليل أننا لو رأينا شبحاً بعيداً ولم نميزه، فلا نزال نطلق عليه الأسماء المختلفة حسبما نتصوره في أذهاننا. ٢ - أن اللفظ ظاهر الدلالة على الحقيقة، بدليل تسميته بالمطلق المقابل للمقيد، أما الأفراد فلا يمكن ادعاء الإطلاق فيها، لأنها حينما توجد تقارنها القيود المختلفة، إذ لا بد أن تكون في زمان ما ومكان ما

стр. 110

ومتصفه بصفة ما١. ٣ - قالوا: إن تعريف المطلق بما يدل على الماهية فيه التفريق بين المطلق والنكرة وهذا مما ينبغي مراعاته عند تعريفهما. والظاهر أنه ليس هناك فرق جوهري بين التعريفين، لقيامه على أمور اعتبارية، فحيث اعتبرت الحقيقة مجردة عن القيود سميت مطلقاً واسم جنس كما سيأتي. وإذا أخذت متحدة مع الأفراد سميت نكرة، وسيأتي لهذا البحث مزيد من التوضيح في الفرق بين المطلق والنكرة عند من يرى الفرق بينهما، وعلى ضوء ما سبق فمن الممكن تعريف المطلق بما يجمع الأمرين جميعاً. فيقال: المطلق هو اللفظ المتناول لواحد غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه٢. شرح التعريف: ١ - اللفظ المتناول: يراد بالتناول - هنا - التناول البدلي، وهو أن
следующие страницы →