البزدوي: "وعندنا لا يحمل مطلق على مقيد أبداً": يعني لا في حادثتين ولا في حادثة واحدة بعد أن يكونا حكمين، ولا تلتفت إلى ما توهمه البعض أن المراد في نفي الحمل بالكلية، وإن كان القيد والإطلاق في حكم واحد وحادثة واحدة، فإن ذلك مخالف للروايات أجمع، ثم قال: وذكر في الأسرار فإن قيل: إنك لا تحمل المطلق على المقيد. قلنا: نعم، إذا كانا غيرين حكمين أو شرطين أو علتين، فأما الواحد إذا ثبت بوصف فدونه لا يكون ثابتاً لا محالة ضرورة١.
وبهذا يتبين أن الحنفية يقولون بحمل المطلق على المقيد في هذه الحال كبقية العلماء، فلا خلاف إذاً في حمل المطلق على المقيد في حال اتحاد الحكم والسبب وجريان الإطلاق والتقييد في الحكم.
وإن وقع خلاف عند تطبيق الفروع على القاعدة، فذلك راجع إلى وجود سبب خارج عن أصل القاعدة، كتخلف شرط من شروط الحمل عند أحد الفريقين، أو وجود مانع يمنع من حمل المطلق على المقيد، وذلك غير قادح في أصل القاعدة، ومع أن حمل المطلق على المقيد في هذه الحال متفق عليه بين العلماء، إلا أنهم ذكروا لذلك أدلة تؤيد أن المطلق هو الذي يحمل على المقيد دون العكس٢.
стр. 212
ومن أدلتهم على ذلك ما يلي:
أولاً: قالوا: إن المطلق ساكت عن القيد، إذ هو لا يثبته ولا ينفيه١، والمقيد ناطق به ومبين له، وإذا تقابل السكوت والنطق كان الناطق حرياً بأن يجعل أصلاً، ويبنى عليه الساكت، إذ هو كالمفسر له، فكان المقيد أولى بأن يبنى عليه المطلق ويكون مفسراً للمراد منه٢.
فإن قيل: بطريق الشبهة أن المقيد لم يفد حكم المطلق حتى يلزم التنافي بين مدلوليهما ثم يحمل أحدهما على الآخر، بل أفاد المقيد استحباب الإتيان بالمقيد، أو أنه عزيمة والمطلق رخصة، بدليل أنه نص عليه بعد دخوله تحت الاسم المطلق، فدل ذلك على أهميته وشرفه، لا أنه لا يجزئ غيره٣.
стр. 213
والجواب عن هذه الشبهة من وجهين:
أولاً: أن القول بأن المقيد يفيد الاستحباب خارج محل النزاع، لأن محل الحمل كما سبق إنما يكون إذا كان الحكم الوجوب، ولو سلم دخول الحكم المستحب في باب محل حمل المطلق على المقيد لكان إثبات الوجوب بالمقيد أولى؛ لأنه أقوى في دلالته على الوجوب من المطلق، والحكم الواجب آكد من الحكم المستحب، فإثباته بالدليل الأقوى أولى للتناسب بين الحكم ودليله١.
وثانياً: إن وجوب المقيد كما ينافي الجواز المستفاد من المطلق عند صاحب هذا الرأي ينافي التخيير الذي يرى حمل المطلق عليه؛ لأن معنى التخيير أن المكلف لو أتى بالمطلق أجزأه ذلك، ومعنى وجوب المقيد أن المكلف لو فعل غير المقيد لا يكون فعله مجزئاً لانتفاء شرط التقييد فيه، أضف إلى ذلك أن المخالف ينكر مشروعية المطلق، ويقول: إن المراد به المقيد ابتداء. فليس الإطلاق مراداً أصلاً عند الجمهور حتى يصح التمسك به.
الدليل الثاني:
قالوا: لو حمل المقيد على المطلق هنا لترتب على ذلك إلغاء القيد المنصوص عليه وإسقاطه بالكلية، وفي حمل المطلق على المقيد يبقى المطلق
стр. 214
معمولاً به في بعض صوره؛ لأن المطلق جزء من المقيد والعامل بالكل عامل بجزئه، بخلاف العكس، وقد مر بنا أكثر من مرة أن إعمال الأدلة هو الأصل وأن العمل بالدليل ولو من وجه خير من إهماله بالكلية١.
واستدلوا ثالثاً:
فقالوا: إن الحكيم إنما يزيد في الكلام لزيادة في البيان والقيد في المقيد زيادة على المطلق، فلا يحسن إلغاء تلك الزيادة، بل يجعل كأنه قالهما معاً٢، ويكون المقيد مبيِّناً للمراد من المطلق، صوناً لكلام الشارع عن العبث واللغو.
ومن أدلتهم وهو الرابع:
قالوا: إن في العمل بالمقيد خروج المكلف عن عهدة التكليف بيقين، سواء كان المطلوب الإتيان بالمطلق أو المقيد؛ لأنه إذا كان المطلوب الإتيان بالمطلق كان العمل بالمقيد مجزئاً؛ لكونه فرداً من الأفراد التي يتحقق فيها مفهوم المطلق عن طريق البدل، وإن كان المطلوب المقيد يكون الإتيان به مجزئاً أيضاً، لأنه المطلوب نفسه، بخلاف العمل بالمطلق، فإنه يحتمل عدم الخروج عن العهدة بيقين؛ لأن المطلق كما ذكرنا يتحقق مدلوله بأي فرد كان سواء أكان الفرد المقيد أم غيره، فلربما يأتي المكلف بذلك الغير،
стр. 215
ويكون المطلوب الفرد المقيد، وحينئذ فخروجه عن العهدة ليس متيقناً١.
الدليل الخامس:
قالوا: لو لم يحمل المطلق على المقيد في حال اتحاد الحكم والسبب، لكان السبب الواحد موجباً للمتنافيين في آن واحد، وهما الإطلاق والتقييد.
بيان ذلك أن المطلق في المثال السابق يوجب إجزاء الصيام غير المتتابع لموافقته المأمور به، والمقيَّد يوجب عدم إجزائه لمخالفته المأمور به، والحكم الواحد يستحيل اتصافه بالوصفين معاً بطريق الوجوب لما يلزم عنه من اجتماع المتنافيين في وقت واحد٢، ودفعاً لهذا التنافي في الظاهر
стр. 216
يحمل المطلق من الصوم عن التتابع على الصيام المقيد بالتتابع لما بيَّنَّا من المرجحات، وحينئذ تجتمع الأدلة وتتفق ولا تختلف.
الحال الثانية: الاختلاف في الحكم والسبب:
هذه هي الصورة الثانية التي جرى الاتفاق على حكمها بين الأصوليين، ولكن لا على حمل المطلق على المقيد فيها، بل على عدم حمله عليه.
ومثالها: قوله - تعالى -: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١، مع قوله تعالى في شأن الوضوء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٢.
فقد ورد لفظ الأيدي مطلقاً في الآية الأولى، وورد مقيداً بكونها إلى المرافق في الآية الثانية، والحكم فيهما مختلف؛ إذ هو في الآية
стр. 217
الأولى الأمر بقطع اليد، وفي الآية الثانية الأمر بغسلها، كما أن السبب فيهما مختلف أيضاً؛ لأنه في الآية الأولى السرقة، وفي الثانية إرادة أداء الصلاة أو القيام لها.
ففي هذه الحال وأمثالها - اتفق العلماء على أنه لا يحمل المطلق على المقيد، بل يبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده١، وفي ذلك يقول الغزالي: "إن تباعدت الحادثتان من كل وجه فهو ممنوع بالإجماع"٢.
ويقول الآمدي: "لا خلاف في امتناع حمل أحدهما على الآخر) ٣.
وقد استدل على عدم حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحال بأدلة منها:
أولاً:
عدم المنافاة بين المطلق والمقيد، والحمل إنما يكون لدفع المنافاة بينهما، فإذا كانت المنافاة معدومةً كما هنا يبقى المطلق على إطلاقه والمقيَّد على تقييده؛ لأن الأصل في الأدلة أن تكون مستقلةً بذاتها وغير
стр. 218
محتاجة إلى غيرها في بيان المراد منها١.
واستدلوا ثانياً:
فقالوا: إن فائدة حمل المطلق على المقيَّد هو اتحاد الحكم والتخلص من تعدده وتعارضه اللذين هما على خلاف الأصل؛ فإذا كان حكمهما مختلفاً بالنص كما في هذه الحال انتفت الفائدة المذكورة وامتنع الإلحاق٢.
لكن يلاحظ على هذه الحال أمران:
الأول: أن الأيدي في آية السرقة ورد تقييدها بالسنة العملية والقولية بأن القطع يكون من الرسغ٣، ولهذا فهي تقيد بالدليل المذكور،
стр. 219
وإذا وجد الدليل كان ذلك خارجاً عن محل حمل المطلق على المقيد، لما سبق أن حمل المطلق على المقيد مفروض عند عدم وجود الدليل الذي يعين المراد.
الأمر الثاني: إذا اقتضت الضرورة حمل المطلق على المقيد، كما لو قال المظاهر لآخر "أعتق عني رقبة"، ثم قال: "لا تملكني إلا مؤمنة"؛ فإنه يحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة، لأن النهي عن تمليك غير المؤمنة يستلزم نفي إعتاقها عنه، وذلك يوجب تقييد الرقبة بالإيمان ضرورة١، إذا لا إعتاق بدون ملك، وقد نهاه عن تمليكه غير المؤمنة.
الحال الثالثة: أن يختلف المطلق والمقيد حكماً ويتحدا سبباً.
ومن أمثلتهما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٢، مع قوله تعالى في شأن التيمم: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ
стр. 220
عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ١.
فقد ورد لفظ الأيدي مقيداً في الآية الأولى بكونها إلى المرافق، وورد في الآية الثانية مطلقاً عن ذلك القيد والحكم فيهما مختلف، إذ هو في الآية الأولى الأمر بغسل الأيدي٢، وفي الآية الثانية الأمر بمسحها.
стр. 221
وأما السبب: فهو متحد فيهما، لأنه في الآيتين القيام إلى الصلاة أو إرادتها، وفي مثل هذه الحال وأمثالها اتفق العلماء دون خلاف يعتد به على أن المطلق لا يحمل على المقيد، بل يبقى المطلق على إطلاقه إلا إذا قيده دليل آخر، ويبقى المقيد على تقييده ما لم يرد دليل غير المطلق يدل على عدم اعتبار القيد الذي وجد معه وإلغائه١، وممن نقل هذا الاتفاق من المحققين الآمدي٢، وابن الحاجب٣، وعلاء الدين المرداوي٤،
стр. 222
والشوكاني١.
ولم يفرق الأصوليون بين حال الاتحاد في السبب وحال اختلافه، بل جعلوا مناط منع الحمل هو الاختلاف في الحكم، فمتى كان الحكم مختلفاً، امتنع الحمل سواء اتحد السبب كما في هذه الحالة أو اختلف كما في الحال السابقة.
ولعل أدلة الأصوليين على عدم حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة هي الأدلة التي استدلوا بها على منع الحمل في حال اختلاف الحكم والسبب، من عدم وجود التنافي بين المطلق والمقيد، لاختلاف الحكم فيهما، والحمل إنما يكون عند وجود التنافي٢، ولأن فائدة الحمل هي التخلص من تعدد الحكم وتعارضه، وإذا كان الحكم مختلفاً بالنص كما في هذه الحالة انتفت تلك الفائدة، وامتنع الحمل٣، أضف إلى ذلك أن منع السبب الواحد للمتنافيين مشروط بكونه في وقت واحد وحالة واحدة، أما عند اختلاف الحالات كما هنا فلا مانع من ذلك، لأن السبب وإن
стр. 223
اتحد في ذاته إلا أنه يختلف باعتبار حالته.
لكن هذا الحال كما سبقت الإشارة إليها في شروط الحمل خالف في عدم حمل المطلق على المقيد فيها بعض الأصوليين، حيث نقل القرافي عن كثير من الشافعية القول بحمل المطلق على المقيد لاتحاد السبب بينهما وإن اختلف الحكم١.
وجعل ابن السبكي٢ وشارحه المحلي٣ هذه الحال من الأحوال المختلف في حكمها، وذكر فيها الخلاف الجاري في حال اتحاد الحكم
стр. 224
واختلاف السبب١ الآتية، والذي يبدو لي أن مذهب الجمهور الذي يقتضي عدم حمل المطلق على المقيد حال اتحاد السبب واختلاف الحكم هو المختار، إذ لا تعارض بين النصين إذا اختلف الحكم فيهما بالنص، لإمكان العمل بكل منهما في الموضع الذي ورد فيه، وليس في ذلك أيّ منافاة.
الملاحظة الأخرى:
أن هذه القاعدة - أعني عدم حمل المطلق على المقيد عند اختلاف الحكم - وإن كانت تقتضي بقاء الأيدي في التيمم على إطلاقها، فإن ذلك الإطلاق إنما هو بالنسبة إلى آية الوضوء، نظراً لاختلاف الحكم فيهما، أما تقييد الأيدي بأدلة أخرى غير آية الوضوء، فإن القاعدة لا تمعنه؛ لأن حمل المطلق على المقيد قائم على فرض انتفاء وجود الدليل من خارج النص المطلق أو المقيد، ولهذا فإن المذاهب المتفقة على منع تقييد الأيدي بالمرافق في آية التيمم حملاً لها على المقيد في آية الوضوء، قد قيد بعضهم٢ الأيدي
стр. 225
في التيمم بالكفين، وذلك لما صح عنده من السنة، وهو ما رواه عمار بن ياسر١ ﵁ قال: "أجنبت فتمعكت في الصعيد وصليت، ثم ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبي بكفيه الأرض، ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه"٢، وقيدها البعض الآخر بالمرفقين٣، وذلك لما صح عنده من السنة، وهو ما رواه ابن عمر عن جابر ﵄ من قول الرسول ﷺ : "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"٤، فكل من الفريقين
стр. 226
قيد إطلاق آية التيمم بما صح عنده من السنة، لا بآية الوضوء، ذلك أن وضع آية التيمم مع السنة الشريفة يختلف عن وضعها مع آية الوضوء، إذ
стр. 227
إنها مع آية الوضوء تدخل في حال اختلاف الحكم واتحاد السبب المتفق لدى جمهور العلماء على عدم حمل المطلق على المقيد فيها، وأما مع السنة المذكورة فهي تدخل ضمن حال اتحاد الحكم والسبب المتفق على حمل المطلق على المقيد فيها، ذلك أن آية التيمم الكريمة وحديث عمار أو حديث ابن عمر قد اتحد فيها السبب وهو القيام إلى الصلاة أو إرادتها، واتحد فيهما الحكم أيضاً وهو وجوب المسح١.
стр. 228
المطلب الثاني: في محل الاختلاف
ونعني بمحل الاختلاف هنا أحوال المطلق والمقيد التي اختلف الأصوليون في حكم حمل المطلق على المقيد فيها، فيتضمن هذا المطلب الصور والحالات الآتية:
الحال الأولى: الاتحاد حكماً والاختلاف سبباً:
ومن أمثلة هذه الحال قوله -تعالى- في كفارة القتل الخطأ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ١، مع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢.
فقد ورد لفظ الرقبة في الآية الأولى مقيداً بالإيمان، وورد في الآية الثانية مطلقاً عن ذلك القيد، والحكم فيهما واحد، وهو الأمر بتحرير رقبة، والسبب فيهما مختلف؛ إذ هو في الآية الأولى القتل الخطأ، وفي الآية
стр. 229
الثانية الظهار١ مع إرادة العود٢ لما قال.
وقد اختلف علماء الأصول في حكم حمل المطلق على المقيد في هذه الحال وأمثالها:
١- فمن يرى أن بين المطلق والمقيَّد تعارضاً لاتحاد الحكم فيهما يقول: يدفع هذا التعارض بطريق حمل المطلق على المقيد، وهذا هو مذهب جمهور الأصوليين الذين يرون أن اتحاد الحكم يكون كافياً لوجود التعارض بينهما، ومن ثم القول بحمل المطلق على المقيد فيهما.
٢- ومن لا يرى أن بينهما تعارضاً، لاختلاف السبب فيهما يقول: بمنع حمل المطلق على المقيد هنا؛ لأن من شرط حمل المطلق على المقيد وجود التنافي بين المطلق والمقيد، ومع الاختلاف في السبب لا يتحقق التنافي فيعمل بكل من المطلق والمقيد في الموضع الذي ورد فيه، فالمطلق يعمل به على إطلاقه، والمقيد يعمل به مع قيده، حتى يرد الدليل الصارف عن ذلك من خارج اللفظ المطلق أو المقيد، وهذا هو مذهب الحنفية، لكن
стр. 230
الجمهور الذين قالوا بحمل المطلق على المقيد في هذه الحال، اختلفوا في موجب الحمل ما هو؟ أهو اتحاد المطلق والمقيد في اللفظ فيكون حملاً من طريق اللغة، أم أن موجب الحمل وجود علة جامعة بين المطلق والمقيد؟ فيكون الحمل في هذه الحال وأمثالها عن طريق القياس.
وبناء على هذا التفصيل للجمهور يكون لعلماء الأصول في حكم هذه الحال ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول:
القول بمنع حمل المطلق على المقيد مطلقاً، أي: سواء أكان بطريق اللغة أم القياس، وبه قال جمهور الحنفية١ وحكي عن بعض علماء المالكية٢
стр. 231
والحنابلة١.
المذهب الثاني:
القول بحمل المطلق على المقيد مطلقاً، ومرادهم أنه لا يشترط فيه تحقق علة جامعة بين المطلق والمقيد، وإنما الشرط وجود مطلق ومقيد لغويين في الكتاب والسنة، وبه قال كثير من الشافعية٢،
стр. 232
وبعض المالكية١ والحنابلة٢.
стр. 233
المذهب الثالث:
القول بحمل المطلق على المقيد بطريق القياس المستجمع لشروطه وأركانه، وهو قول المحققين من الشافعية١
стр. 234
والمالكية١ والحنابلة٢.
стр. 235
أدلة المذاهب:
أولاً: أدلة القائلين بالمنع مطلقاً.
استدل القائلون بمنع حمل المطلق على المقيد في حال اتحاد الحكم واختلاف السبب بعدة أدلة منها١:
١- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ٢.
ووجه الدلالة من الآية أن المطلق ساكت عن القيد وفي الرجوع إلى المقيد ليعرف منه حكم المطلق إقدام على هذا المنهي٣.
стр. 236
وقالوا أيضاً: إن معنى هذه الآية هو ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" ١.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأن قالوا: لا دلالة في الآية والحديث على منع حمل المطلق على المقيد؛ لأن الآية الكريمة والحديث الشريف وردا حثاً للمسلمين على التأدب مع رسول الله ﷺ وقت السؤال، ونهياً لهم عن أن يسألوا عما ترك الرسول تفصيل حكمه، لئلا يودي سؤالهم إلى نزول تكاليف تشق عليهم وتعنتهم٢، ولم يكن هناك مقيد شرعه الشارع رجعوا إليه ليعرفوا منه حكم المطلق، وإنما سألوا عن تقييد الحكم ابتداء كما في قصة الرجل الذي سأل الرسول ﷺ عن فريضة الحج، فقد روى أبو هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال:"يا أيها الناس
стр. 237
قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: "ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".
وقد ذكر ابن كثير١ هذه الحادثة سبباً لنزول الآية السابقة٢ فمثل: هذه الأسئلة هي التي ورد النهي عنها، أما الرجوع إلى المقيد ليعلم منه حكم المطلق، لما بينهما من علاقة بعد أن تم الدين وانقطع الوحي فلا يتجه إليه النهي، بل هو التفقه في الدين حسب قواعد استنباط الأحكام، وقد أمرنا الله بسؤال العلماء عما خفي علينا حُكْمُه قال -تعالى-: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٣، فهذه الآية صريحة في وجوب السؤال عما
стр. 238
خفي حكمه، فلا يكون منهياً عنه، كما ادعى هذا الفريق.
واستدلوا ثانياً:
وقالوا: لو حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم واختلاف السبب للزم من ذلك أمران محظوران.
أولهما: مخالفة ما هو الأصل في المطلق والمقيد من غير حاجة، وبيان ذلك أن حمل المطلق على المقيد لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن العمل بكل منهما مستقلاً، وذلك عندما يكون بينهما تناف، ويكون العمل بكل واحد منهما على حدة مدعاة إلى التناقض، وهذه الحال بمأمن من ذلك، لأن السبب فيهما مختلف١، ومع اختلاف السبب لا يوجد التنافي والتضاد، بل قد يكون الداعي إلى الإطلاق والتقييد هو اختلاف السب فيهما٢، وبناء على ذلك يكون حمل المطلق على المقيد في هذه الحال حملاً من غير حاجة، فلا يجوز لمخالفته لما هو الأصل فيهما، وهو بقاء المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده.
стр. 239
الأمر الثاني:
أن حمل المطلق على المقيد في هذه الحال وأمثالها يؤدي إلى التضييق والحرج وكلاهما مناف للشريعة السمحة، بيان ذلك أن المطلق فيه توسعة على المكلف حيث يقتضي خروجه عن العهدة بالإتيان بالفرد الذي توفر فيه القيد أو غيره، وفي إلزامه بالفرد المقيد الذي يتضمنه حمل المطلق على المقيد تضييق وحرج، وهذا ينافي مبدأ التسامح والتيسير في الشرع، فلا يصار إليه، لقوله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١.
وقد أجيب عن الأمر الأول:
بأن ما يقتضي حمل المطلق على المقيد متحقق وموجود في هذه الحال، وهو مطلق التنافي، ذلك أن المطلق والمقيد قد وردا في حكم واحد، والحكم الواحد لا يكون مطلقاً ومقيداً في آن واحد للتنافي بينهما، وهذا يستدعي جعل المقيد أصلاً يبنى عليه المطلق، ويبين بواسطته، لسكوت المطلق عن القيد، ونطق المقيد به، وهذا ما يجعل القيد ذا فائدة متوخاة.
علماً أن الجامع المقتضى للقياس الصحيح موجود في هذه المسألة، وهو في كفارة الظهار والقتل الخطأ التكفير بتحرير رقبة واجبة.
стр. 240
وأما الاعتراض الثاني: وهو لزوم الحمل التضييق والحرج.
فإنما يتجه على مذهب القائلين بالحمل مطلقاً أي: لمجرد وجود مطلق ومقيد لغويين في الكتاب والسنة، وهذا الاتجاه على مذهبهم لا يضر الجمهور؛ لأن مذهب القائلين بالحمل عن طريق اللغة مردود كما سيأتي.
وأما على رأي المحققين من الجمهور الذين يقولون إن حمل المطلق على المقيد في هذه الحال موقوف على وجود الدليل؛ فلا يرد عليهم القول بأن في حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة تضييقاً بدون أمر الشارع، وذلك لما نقل الإمام الرازي عنهم: "أنهم لا يدعون وجوب الحمل في مثل هذه الحال مطلقاً، بل يقولون: إذا توفر القياس الصحيح وكانت علته ثابتة، بطريق مقطوع به -كالنص والإجماع، جاز أن يحمل المطلق على المقيد وإلاَّ فلا.
وعليه فليس هناك أي تناف بين الدليل الذي يقتضي حمل المطلق على المقيد، وقاعدة نفي الحرج عن الشرع، لأن الجمع بينهما ممكن وميسور، ذلك أن القواعد الكلية في الشريعة، غالباً ما يرد عليها التخصيص والاستثناء، فيكون دليل جواز الحمل في هذه الصورة مخصصاً لتلك القاعدة العامة".
يقول الشوكاني -مؤيداً لرأي الجمهور وراداً على القول بالحمل عن طريق اللغة: "ولا يخفاك أن اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما بجهة الحمل، ولا نحتاج في مثل ذلك إلى هذا الاستدلال
стр. 241
البعيد، فالحق ما ذهب إليه القائلون بالحمل"١ أي قياساً.
ثم رد الحنفية أدلة القائلين بالحمل من طريق القياس كما سيأتي.
فقالوا: إن من شروط القياس التي لا يوجد بدونها عدم معارضة نص له، وفي هذه المسألة قد عارض القياسَ النَّصُ المُطلقُ؛ فإنه يدل على إجزاء المقيد وغيره؛ فلا يجوز أن يثبت بالقياس عدم إجزاء غير المقيد لانتفاء صحة القياس٢.
ودفع هذا الاعتراض: بأن معارضة القياس للنص في حيز المنع، ذلك أن المعدى هو وجوب القيد المنطوق به في كفارة القتل الخطأ، وهو الإيمان والمقيس عليه، وهو المطلق ليس نصاً في إجزاء الكافرة، بل هو ساكت عن القيد، يتناول الكفارة بوصف الإطلاق مع احتمال إرادة التقييد، فالنص في كفارة الظهار يدل على وجوب المطلق أعم من كونه في ضمن المقيد أو غيره، وليس ذلك كالتنصيص على إجزاء الكافرة، فنكون قد قسنا ما سكت عن الإيمان فيه على ما نطق فيه بالإيمان، وليس في هذا القياس معارضة للنص المطلق كما يدعى؛ لأن المطلق ساكت عن القيد، إذ هو لا يثبته ولا ينفيه٣.
стр. 242
وقالوا أيضاً:
إن الحكم في هذه المسألة مما لا يعرف بالقياس بالإجماع، لأنه يرجع إلى إثبات قدر الكفارة، ذلك أن زيادة التقييد بالإيمان في حكم القدر؛ فلا يجوز إثباته بالقياس كما لا يجوز إثبات القدر به١.
والجواب عن ذلك يتم من وجهين:
الأول: إن دعوى الإجماع غير صحيحة؛ لأن مذهب الإمام أحمد بن حنبل والشافعي٢ جواز جريان القياس في الكفارات والمقدرات إذا علم علة
стр. 243
ذلك ولم يمنع منه مانع١، قال أبو الحسين٢ البصري: "ويبعد أن تظهر في التقديرات والأعداد علة، وأما الكفارات فلا يبعد أن تظهر علتها، فيقاس عليها غيرها بتلك العلة"٣. ثم إن قوله إن الوصف زيادة معنى كالقدر غير مسلم، لأن كون الوصف زيادة معنى لا يجعله كالقدر، لأن الوصف في الغالب منضبط ومعقول العلة بخلاف القدر؛ فإنه لا ينضبط في الغالب وقلما تدرك علته.
стр. 244
الوجه الثاني:
أن يقال: للحنفية: إنكم أوجبتم الكفارة على من أكل في نهار رمضان، قياساً على الواطئ فيه، وهذا يخالف قاعدتكم أنه لا يجوز أن تثبت الكفارات بالقياس، فإن قالوا: إنا لم نثبت ذلك بالقياس، وإنما أثبتناه بطريق الدلالة١ وهي ترجع إلى النص؛ لأن العلة في إيجاب الكفارة على الصائم الذي أفسد صومه في رمضان ليس الوطء، وإنما هي: "الجناية على الصوم بإفساد ركنه، وهو الإمساك عن شهوة البطن والفرج".
وهذه العلة يفهمها كل من كان عارفاً باللغة، ولا تحتاج في
стр. 245
استخراجها إلى بحث واستنباط، فلا تكون من القياس الذي مبناه على استنباط العلة، ثم إن هذا المعنى الذي وجبت الكفارة على الصائم من أجله موجود في الأكل بلا نقصان فأوجبنا الكفارة على الآكل لتحقق المعنى الذي وجبت الكفارة لأجله فيه.
والجواب عن ذلك أن يُقال:
أولاً: لا فرق بين إثبات علة الكفارة على من أكل وشرب في نهار رمضان بطريق دلالة النص، وقول المحققين من جمهور الأصوليين الذين يقولون بجواز حمل المطلق على المقيد بالقياس الصحيح الذي ثبتت علته بطريق مقطوع به، كالنص والإجماع١، إلا في التسمية والاصطلاح، وذلك لا يضر؛ لأن دلالة النص عند الحنفية والقياس المقطوع بعلته شيء واحد عند التحقيق٢.
ثانياً: سلمنا أن دلالة النص غير القياس، ولكن ذلك مشروط بنوع خاص من الدلالة، وهو ما كانت العلة فيه مقطوعاً بها، قال عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار: "ثم إن كان المعنى المقصود معلوماً قطعاً كما
стр. 246
في تحريم التأفيف فالدلالة قطعية، وإن احتمل أن يكون غيره هو المقصود كما في إيجاب الكفارة على المفطر بالأكل والشرب فهي ظنية"١.
وحيث كان أهم عنصر اعتمد عليه القائلون بالفرق بين الدلالة والقياس أن العلة في دلالة النص قطعية، يفهمها كل من كان عارفاً باللغة، ولا تحتاج إلى اجتهاد واستنباط٢، وفي القياس ظنية وخفية تحتاج إلى بحث واستنباط وشروط لا تتوفر إلا فيمن كان من أهل الاجتهاد.
أقول: وحيث إن العلة في مسألتنا كما يقول صاحب كشف الأسرار "ظنية" لاختلاف العلماء في فهمها، فلا تكون من قبيل الدلالة التي ترجع إلى النص لغة، وإنما هي من قبيل القياس لظنيتها واختلاف العلماء في فهمها، وبناء على ذلك يبطل قول الحنفية بأن الكفارة لا تثبت بطريق القياس، حتى ولو سلم أن دلالة النص القطعية ليست من قبيل القياس، ذلك أن مسألة إيجاب الكفارة على من أكل أو شرب في رمضان ليست من قبيل الدلالة القطعية، بل من قبيل دلالة النص الظنية، وهذه الدلالة والقياس سيان٣.
стр. 247
وقالوا ثالثاً: إن إثبات القيد في اللفظ المطلق بالقياس زيادة على النص يلزم منها رفع ما اقتضاه المطلق، وهو في مسألتنا إجزاء المؤمنة والكافرة، فيكون نسخاً، ونسخ ما هو ثابت بطريق قطعي لا يجوز بالقياس١ وسيأتي الجواب عن ذلك في مسألة الزيادة على النص.
ومن اعتراضاتهم أيضاً:
أن قياس كفارة الظهار وكفارة اليمين على كفارة القتل الخطأ قياس مع الفارق، ووجه الفرق أن حكم القتل الخطأ وجوب التحرير والصوم على الترتيب مقتصراً عليهما، وحكم الظهار وجوب التحرير والصوم والإطعام، وهذا فيه مفارقة لحكم القتل الخطأ؛ لأنه لا مدخل للإطعام في كفارة القتل، وكذلك حكم اليمين وجوب البر، ثم الكفارة بأحد الأشياء الثلاثة، ثم صوم ثلاثة أيام وهو مفارق لحكم القتل أيضاً، ففي كل من كفارة الظهار واليمين ضرب من التيسير وليس هذا النوع من التيسير موجوداً في القتل، فلا يقاس ما فيه تخفيف على ما فيه تغليظ٢.
стр. 248
ثانياً: أدلة القائلين بالحمل المطلق:
استدل القائلون بحمل المطلق على المقيد بطريق اللغة بأدلة منها:
١- قالوا: إن القرآن كالكلمة الواحدة، فلا يختلف بالإطلاق والتقييد، بل يفسر بعضه بعضاً، لأنه في حكم الخطاب الواحد، وحيث كان الخطاب الواحد يترتب فيه المطلق على المقيد، بمعنى أنه إذا نص على تقييد شيء منه بقيد ما، كان ذلك تنصيصاً على تقييده به في سائر
стр. 249
الصور، كذلك المطلق والمقيد في كتاب الله، لأنه في حكم الخطاب الواحد.
يبين صحة ذلك أن الصحابة - رضوان الله عليهم - جعلوا القرآن بمنزلة الآية الواحدة، يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄ ١ أنه قال للخوارج٢ لما احتجوا عليه بآية من القرآن قال لهم:
стр. 250
من فاتحته إلى خاتمته ومعناه يجب أن يلتزم جميع ما فيه١.
وقد أجيب عن هذا الدليل:
أن ذلك مسلم، ولكنه مشروط بوجود الدليل أما أن يكون الحمل