← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8556

المطلق والمقيد

حمد بن حمدي الصاعدي

Полный текст (517 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

في تحريم التأفيف فالدلالة قطعية، وإن احتمل أن يكون غيره هو المقصود كما في إيجاب الكفارة على المفطر بالأكل والشرب فهي ظنية"١. وحيث كان أهم عنصر اعتمد عليه القائلون بالفرق بين الدلالة والقياس أن العلة في دلالة النص قطعية، يفهمها كل من كان عارفاً باللغة، ولا تحتاج إلى اجتهاد واستنباط٢، وفي القياس ظنية وخفية تحتاج إلى بحث واستنباط وشروط لا تتوفر إلا فيمن كان من أهل الاجتهاد. أقول: وحيث إن العلة في مسألتنا كما يقول صاحب كشف الأسرار "ظنية" لاختلاف العلماء في فهمها، فلا تكون من قبيل الدلالة التي ترجع إلى النص لغة، وإنما هي من قبيل القياس لظنيتها واختلاف العلماء في فهمها، وبناء على ذلك يبطل قول الحنفية بأن الكفارة لا تثبت بطريق القياس، حتى ولو سلم أن دلالة النص القطعية ليست من قبيل القياس، ذلك أن مسألة إيجاب الكفارة على من أكل أو شرب في رمضان ليست من قبيل الدلالة القطعية، بل من قبيل دلالة النص الظنية، وهذه الدلالة والقياس سيان٣.

стр. 247

وقالوا ثالثاً: إن إثبات القيد في اللفظ المطلق بالقياس زيادة على النص يلزم منها رفع ما اقتضاه المطلق، وهو في مسألتنا إجزاء المؤمنة والكافرة، فيكون نسخاً، ونسخ ما هو ثابت بطريق قطعي لا يجوز بالقياس١ وسيأتي الجواب عن ذلك في مسألة الزيادة على النص. ومن اعتراضاتهم أيضاً: أن قياس كفارة الظهار وكفارة اليمين على كفارة القتل الخطأ قياس مع الفارق، ووجه الفرق أن حكم القتل الخطأ وجوب التحرير والصوم على الترتيب مقتصراً عليهما، وحكم الظهار وجوب التحرير والصوم والإطعام، وهذا فيه مفارقة لحكم القتل الخطأ؛ لأنه لا مدخل للإطعام في كفارة القتل، وكذلك حكم اليمين وجوب البر، ثم الكفارة بأحد الأشياء الثلاثة، ثم صوم ثلاثة أيام وهو مفارق لحكم القتل أيضاً، ففي كل من كفارة الظهار واليمين ضرب من التيسير وليس هذا النوع من التيسير موجوداً في القتل، فلا يقاس ما فيه تخفيف على ما فيه تغليظ٢.

стр. 248

ثانياً: أدلة القائلين بالحمل المطلق: استدل القائلون بحمل المطلق على المقيد بطريق اللغة بأدلة منها: ١- قالوا: إن القرآن كالكلمة الواحدة، فلا يختلف بالإطلاق والتقييد، بل يفسر بعضه بعضاً، لأنه في حكم الخطاب الواحد، وحيث كان الخطاب الواحد يترتب فيه المطلق على المقيد، بمعنى أنه إذا نص على تقييد شيء منه بقيد ما، كان ذلك تنصيصاً على تقييده به في سائر

стр. 249

الصور، كذلك المطلق والمقيد في كتاب الله، لأنه في حكم الخطاب الواحد. يبين صحة ذلك أن الصحابة - رضوان الله عليهم - جعلوا القرآن بمنزلة الآية الواحدة، يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄ ١ أنه قال للخوارج٢ لما احتجوا عليه بآية من القرآن قال لهم:

стр. 250

من فاتحته إلى خاتمته ومعناه يجب أن يلتزم جميع ما فيه١. وقد أجيب عن هذا الدليل: أن ذلك مسلم، ولكنه مشروط بوجود الدليل أما أن يكون الحمل

стр. 251

لمجرد الورود فقط من غير حاجة إلى دليل، فغير صحيح، ثم إن هذا الدليل خارج عن محل النزاع لأن كون القرآن كالكلمة الواحدة لا يستلزم حمل المطلق على المقيد مطلقاً، لأن معنى كونه كلاماً واحداً يفسر بعضه بعضاً أنه لا يتناقض، وإلا لو أريدت الوحدة المطلقة، لورد عليه المطلق والمقيد اللذان اختلف حكمهما وسببهما وقد بينا فيما سبق اتفاق العلماء ومنهم المستدلون بهذا الدليل على عدم حمل المطلق على المقيد في تلك الحال وهي حالة لو أخذ الدليل على عمومه لاندرجت فيه ومقتضى ذلك حمل المطلق على المقيد فيها. أضف إلى ذلك أن الإطلاق والتقييد لا ينافي وحدة الكلام؛ لأنه مبني على اختلاف تعلقات الكلام، واختلاف التعلقات لا بد منه، نظراً لاختلاف المتعلقات وعلى هذا فإن الإطلاق والتقييد لا يؤدي إلى التناقض الذي يقدح في وحدة الكلام١، ثم إن هذا الدليل لو تم، لأدى إلى نفي النسخ مطلقاً؛ لأن نفي الاختلاف عموماً يؤدي إلى نفي النسخ في ضمنه فيكون باطلاً؛ لأن وجود النسخ من المسَلَّمَات في الشريعة، والناسخ يختلف عن المنسوخ؛ فيكون هذا الدليل على عمومه غير مسلم، وخاصة

стр. 252

إذا علمنا أن الكلام ما هو إلا الألفاظ الدالة على المعاني، ولا خفاء في تكثرها وتعددها. وكذلك القرآن والسنة فيهما الأحكام المختلفة ففيهما المنفي والمثبت والأمر والنهي وغير ذلك ومع العلم بهذا كله فقد لا يقبل حمل خطاباته المختلفة على حكم واحد١. واستدلوا أيضاً: فقالوا: إن حمل المطلق على المقيد يتمشى مع سنن العرب في كلامها، حيث تطلق الحُكْمَ في موضعٍ وتقيِّدُه في موضع آخر، ومرادها بالمطلق المقيد، ويكون ذلك من جنس المحذوف الذي دل الكلام على تقديره. قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عند ... ك راض والرأي مختلف٢

стр. 253

ففي هذا البيت كلاماً محذوفاً في قوله: (نحن بما عندنا) وتقديره راضون١، وقد دل على هذا التقدير قوله: (وأنت بما عندك راض) . وقول الآخر: وما أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني٢ فإن في البيت الأول كلاماً محذوفاً بعد قوله: (أريد الخير) تقدير. (وأتوقى الشر) وقد أهمل الشاعر ذكره اكتفاء بدلالة التقابل عليه في قوله: (أريد الخير) في الشطر الثاني من البيت الأول، وكذلك قوله في البيت الثاني:

стр. 254

الثاني: (أم الشر) دليل آخر على تقدير المحذوف وتعينه. ثم قالوا: إن القرآن نزل باللغة العربية موافقاً لقوانين العرب في كلامها. وقد علمنا من كلامهم أنهم يطلقون اللفظ في موضع ويقيدونه في موضع آخر، ويكون المراد من المطلق المقيد وقد وجد هذا الأسلوب في القرآن فعلاً١، قال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ٢، والتقدير والحافظات فروجهن والذاكرات الله كثيراً. وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ٣، والتقدير: وعن اليمين قعيد. والجواب أن ذلك كله مُسَلَّم، ولكن بعد إقامة الدليل على إرادة التقييد ونصب القرينة التي تعين المحذوف، وما ذكر من الآيات القرآنية ومن الأمثلة الشرعية، قد قام الدليل على إرادة المحذوف وتعينه فيها، فهو في البيت الأول العطف حيث عطف (وأنت بما عندك راضي) على قوله، نحن بما عندنا، فدل ذلك على أن التقدير: (نحن بما عندنا راضوان) .

стр. 255

وكذلك الشأن في البيت الثاني: دل (الضمير المثنى) في قوله: (أريد الخير أيهما يليني) على أنه عائد إلى شيئين، ولم يتقدمه في اللفظ إلا شيء واحد، وهو قوله: (أريد الخير) ، فدل على أن الشيء الآخر محذوف فسره في البيت الثاني بقوله: (أم الشر) ، وهذا دليل على أن المحذوف يقدر (وأتوقى الشر) كما بينا ذلك فيما سبق. وأما الآيات: فدلالة العطف فيها صريحة وظاهرة في اعتبار وتعيين المحذوف. وعليه فلا دلالة لهم فيها على حمل المطلق على المقيد لمجرد الورود فقط. ثم لو سلمنا أن الأمثلة التي ذكروها ينطبق عليها تعريف المطلق والمقيد اصطلاحاً؛ فإنها تختلف عن المسألة التي نحن بصدد الحديث عنها، لأن ما ادعى فيه الإطلاق والتقييد من تلك الأمثلة الشعرية والآيات قد ورد فيه المطلق والمقيد في كلام واحد لا يستقل أحدهما عن الآخر فيه، بتمام الفائدة، بخلاف كفارة القتل الخطأ والظهار، فقد ورد كل من المطلق والمقيد في نصين يستقل أحدهما عن الآخر بتمام الفائدة، فلا يقاس ما هو مستقل بنفسه على ما ليس بمستقل في ذاته. بقي أن نقول: إن الدليل على التقييد إما أن يكون مذكوراً في اللفظ كما في الأمثلة التي سبقت حيث دل العطف والإضمار على تقدير

стр. 256

المحذوف وتعينه، وهذا غير حاصل في كفارة الظهار والقتل، وإما أن يكون من جهة الحكم بأن يتفق الحكمان في علة التقييد، وهذا حمل عن طريق القياس، وليس كلامنا فيه الآن يؤيد ذلك ما نقل الغزالي عن الشافعي من أن الحمل في هذه الحال موقوف على الدليل، حيث ذكر الغزالي في المستصفى قول الشافعي: "إن قام دليل حمل المطلق على المقيد، ولم يكن فيه إلا تخصيص العموم"١، ومفهوم ذلك أنه إذا لم يكن بينهما علاقة لا يحمل المطلق على المقيد كما لو كانا جنسين٢. قال أبو الخطاب٣ الحنبلي: "وارتكاب هذا المنع"، يعني عدم حمل المطلق على المقيد لمجرد الورود (الفقه باللغة) ٤، ويقول الغزالي في الرد على القول بحمل المطلق على المقيد لمجرد الورود من غير حاجة إلى دليل:

стр. 257

"وهذا تحكم محض يخالف وضع اللغة"١، إذ ليس بأن يقيد به أولى من أن لا يقيد به، وكما يجوز أن تكون المصلحة فيهما التقيد يجوز أن تكون المصلحة فيهما أيضاً أن يبقى أحدهما مطلقاً والآخر مقيداً. ومن أدلتهم أيضاً: أن الله : لما قيد الشهادة باشتراط العدالة في الشهود في الوصية والرجعة، وأطلق في مواضع أخرى، كانت العدالة شرطاً في الجميع، وإنما حملت الشهادة المطلقة على المقيدة لاشتراكهما في اسم الشهادة، فكذا يكون الحكم في كفارة الظهار مع كفارة القتل الخطأ، لأن الكل كفارة بتحرير رقبة واجبة. وقد أجيب عن هذا الدليل: بأن تقييد الشهادة بالعدالة في بقية المواضع، لم يكن لمجرد الاشتراك في الاسم، بل كان لدليل قام على ذلك وفيه يقول الرازي: (وإنما قيدناه بالإجماع) ٢، علماً أنه قد ورد النص برد شهادة الفاسق قال الله تعالى: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٣، فلا يقبل في الشهادة إلا عدل لهذا

стр. 258

النص١، ثم إن المعنى في الشهادة ضبط الحقوق وحفظها من الضياع، وذلك لا يكون إلا بشهادة عدل في جميع الشهادات. ومن أدلتهم أيضاً: الأدلة الأربعة التي ذكرناها في حال اتحاد الحكم والسبب، وهي أدلة مسلمة ولكن الحمل فيها لم يكن لمجرد الورود، بل لدليل آخر، وإذا وجد الدليل خرجت المسألة عن محل النزاع٢. ثالثاً: أدلة القائلين بالحمل قياساً: استدل القائلون بحمل المطلق على المقيد بطريق القياس بعدة أدلة منها: ١ - ما روى عن معاوية بن الحكم السلمي٣ قال: "كانت لي جارية ترعى غنماً قبل أُحُد، والجوانية٤، فاطلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون،

стр. 259

لكني صككتها صكة، فعظم عليّ ذلك فأتيت رسول الله ﷺ وقلت له: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال لها: أين الله، قالت: في السماء، قال: من أنا، قالت: أنت رسول الله، قال: " أعتقها فإنها مؤمنة" ١. ووجه الدلالة من هذا الحديث أن الرسول ﷺ علل جواز إعتاقها في التكفير عن لطمته إياها بأنها مؤمنة، فدل ذلك على أنه لا يجزئه في التكفير عن لطمته إلا أن تكون مؤمنة٢، وإذا كان الأمر كذلك في تكفير لطمة، فمن باب أولى أن لا يجزئه في الكفارات الواجبة، كالظهار واليمين إلا رقبة مؤمنة.

стр. 260

وقد اعترض الحنفية على هذا الاستدلال: وقالوا: هذا الحديث لا يعرف تاريخ وروده، ولا يجوز أن يكون مقارناً لنزول المطلق، لأنه لو كان مقارناً له لنقله إلينا من نقل النص المطلق؛ لأن الظاهر أنه بيان للمراد من المطلق، وبيان المطلق لا يجوز تأخيره عندنا، وعندئذ فيحتمل أن يكون ورد قبل المطلق فيكون منسوخاً به، ويحتمل أن يكون متأخراً، فيكون زيادة على النص المطلق، والزيادة على النص نسخ عندنا، وهي لا تجوز بأخبار الآحاد. وحاصل الاعتراض أنه تعارض النص المطلق مع المقيد، وجهل التأريخ بينهما فيقدم العمل بالمطلق، لأنه متواتر. ودفع هذا الاعتراض بما يلي: أولاً: إن منعكم جواز تأخير بيان المطلق غير مسلم، لما تقدم من جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. ثانياً: إن قولكم: الزيادة على النص نسخ، وهي لا تجوز بأخبار الآحاد أيضاً في حيز المنع، وسيأتي لذلك مزيد من الإيضاح في مبحث الزيادة. ٢ - واستدلوا أيضاً: بأن تقييد المطلق كتخصيص العام؛ لأن المطلق عام على سبيل البدل، وتخصيص العام بالقياس جائز، فكذلك تقييد المطلق

стр. 261

يجوز به، لعدم الفرق١. وقد اعترض هذا الدليل صدر الشريعة الحنفي، وقال: إن جواز تخصيص العام بالقياس لا يجوز عندنا إلا إذا خص العام أولاً، بدليل قطعي، والمطلق هنا لم يقيد بدليل قطعي أولاً حتى يجوز تقييده بالقياس ثانياً. والخلاف في جواز تقييد المطلق بالقياس ابتداء، فلا يكون تقييد المطلق كتخصيص العام٢ على الإطلاق. ودفع هذا الاعتراض من قبل الجمهور، بأنه إذا جاز أن يخص بالقياس العام الذي دخله التخصيص جاز أن يخص به ما لم يدخله التخصيص؛ لأن العموم والإطلاق وإن خصا فمعناهما معقول، كما أن جواز تخصيص العام بالقياس ثانياً، إنما جاز لمنافاة ما بقي بعد التخصيص الأول، للدليل المخصص ثانياً، وهذا المعنى، وهو: المنافاة بين الدليل المخصص والعام، موجود في المطلق والعام قبل تخصيصهما، فيجب أن يكون ما دخله التخصيص وما لم يدخله في الحكم سواء٣، لاشتراكهما

стр. 262

في علة التخصيص. ٣ - واستدلوا ثالثاً: فقالوا: إنه متى توفر قياس صحيح بين المطلق والمقيد وجبت التسوية بينهما في الحكم الذي يقتضيه القياس١؛ لأن القياس دليل شرعي يجب العمل بمقتضاه وبخصوص مسألتنا، فقد توفر جامع صحيح بين كفارة الظهار والقتل، وهو أن كلاً منهما يقتضي تكفيراً بعتق رقبة واجبة٢، فيجب حمل الإطلاق في كفارة الظهار على التقييد في كفارة القتل الخطأ، وعندئذ فلا يجزئ إلا عتق رقبة مؤمنة في كفارة الظهار قياساً لها على كفارة القتل الخطأ٣، وذلك لما يلي: أولاً: أن في حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحال جمعاً بين الأدلة وعملاً بها جميعاً، وفي عدم الحمل إعمال لدليل واحد وترك لدليلين، وبيان ذلك: أن القياس إذا اقتضى حمل المطلق على المقيد ثم عمل بمقتضى هذا القياس، فقد عمل بالقياس والدليل المطلق والمقيد، وفي عدم الحمل ترك لمقتضى القياس وترك لمفهوم القيد، وقد علم أن إعمال الأدلة جميعاً أولى من إعمال بعضها وترك بعضها الآخر٤.

стр. 263

ثانياً: وبخصوص مسألتنا قد وجد ما يرجح العمل بالقياس، وهو أن الجميع كفارة، والعتق صدقة على العبد المعتق نفسه، ومن شروط القابض للقربات الواجبة الإيمان، كالزكاة فإنها لا تجزئ إلا بدفها لمؤمن، وهذه علة اعتبار الإيمان في كفارة القتل الخطأ، وذلك موجود بعينه في كفارة الظهار، فوجب اعتبار الإيمان فيها١. وحيث سبقت اعتراضات الحنفية على الحمل بطريق القياس ورد الجمهور عليهم فلا داعي لذكرها مرة أخرى. ومما يستأنس به لمذهب الجمهور قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ ٢، ولا خبث أشد من الكفر، وقوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ٣. وإعتاق الكافر ينافي الغلظة المطلوبة في هذه الآية. الترجيح: بعد أن عرضنا لأقوال العلماء في حكم حمل المطلق على المقيد في حال اتحاد الحكم واختلاف السبب، هناك آراء لبعض أصحاب

стр. 264

الأصول في بيان الراجح، فهم وإن اتفقوا في الجملة على منع الحمل بطريق اللغة، إلا أنه لم يظهر لبعضهم وجه الترجيح، فتوقف وسلك بعضهم التفصيل، وإتماماً للفائدة سأذكر آراءهم فيما يلي ثم أتبعه بما أراه أقرب للصواب. المذهب الأول: ١ - من توقف في حكم الحمل لتقابل الأدلة، ومن هؤلاء الجويني١ من الشافعية، والطوفي من الحنابلة حيث يقول: "والبحث متقابل من الطرفين"٢. المذهب الثاني: ما اختاره الآمدي وابن الحاجب وهو أنه يجب تقييد المطلق، إذا كان الوصف الجامع بينهما مؤثراً أي: ثابتاً بنص أو إجماع، وإن كان مستنبطاً من الحكم فلا يجوز التقييد٣.

стр. 265

المذهب الثالث: ما رآه الغزالي: وهو أن رأيه في هذه المسألة كرأيه في تخصيص العموم بالقياس١، والمختار عنده في تخصيص العام بالقياس أن العموم يفيد ظناً، والقياس يفيد ظناً أيضاً، وقد يكون أحدهما أقوى من الآخر في نفس المجتهد فيلزمه اتباع الأقوى، والعموم تارة يضعف فلا يقوى على معارضة القياس، وتارة يقوى فيقدم على القياس، فلا يبعد أن يكون قياس أقوى وأغلب على الظن من عموم ضعيف أو عموم قوي أغلب على الظن من قياس ضعيف، فيقدم الأقوى٢، والذي يبدو من كلام الغزالي اختيار القول بتقييد المطلق بالقياس في هذه المسألة، لأن إطلاق الرقبة ضعيف في دلالته على إجزاء الكافرة فيقدم القياس عليه. والذي يترجح عندي هو القول بحمل المطلق على المقيد بطريق القياس الصحيح، بناء على العرض السابق لأقوال العلماء ومناقشة أدلتهم وذلك لما يلي: ١ - إن أدلة القائلين بالحمل بطريق القياس أقوى من غيرها، ولم يأت الفريق الآخر بما يصلح أن يكون معارضاً لها.

стр. 266

٢ - إن اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما، كما أن وحدة الكلام مهما قيل في شأنها فهي بمعنى تجانس الأحكام وتقاربها وعدم المنافاة بينها.

стр. 267

ب - دخول الإطلاق والتقييد على السبب: وهذه الصورة تحتها حالة واحدة، وهي: إذا اتحد المطلق والمقيد حكماً وسبباً وكان الإطلاق داخلاً على السبب ومن أمثلتها: ما روي عن ابن عمر١ ﵄ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين. وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة"٢.

стр. 268

وورد في رواية أخرى عن ابن عمر ﵄: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر أو قال رمضان، على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير وقال: فعدل الناس بها إلى نصف صاع من بر على الصغير والكبير". فالنص الأول والثاني وردا متحدين في الواقعة، وهي صدقة الفطر واتحد فيهما الحكم وهو وجوب صدقة الفطر، لكن سبب الحكم وهو من يمونه المزكي ورد في النص الأول مقيداً بكونه من المسلمين أي: أنه جعل سبب الوجوب رأساً يمونه المسلم، وله عليه ولاية بشرط كونه من المسلمين، بينما النص الثاني جعل السبب في وجوب الزكاة رأساً يمونه المزكي مطلقاً. ولا خلاف بين العلماء في أن صدقة الفطر تجب على المسلم عن نفسه وعن من يلي أمره من المسلمين. لكن الخلاف جار فيما لو وجد كافر تلزم المسلم مؤنته كرقيقه

стр. 269

مثلاً: هل تجب على المسلم صدقة الفطر عن عبده الكافر، نظراً للإطلاق الوارد في الرواية الثانية؟ أو أنها لا تجب عليه لكونه كافراً عملاً بمفهوم القيد الوارد في النص الأول، وهو قوله: (من المسلمين) . اختلف العلماء في هذه المسألة: ١ - فذهب الجمهور: إلى أنه لا تجب صدقة الفطر على المسلم عمن تلزمه مؤونته من غير المسلمين، نظراً للقيد الوارد في النص الأول، وهو قوله: (من المسلمين) ويحملون المطلق على المقيد في هذه الحال وأمثالها لاتحاد الحكم والواقعة فيها١. ٢ - وذهب الحنفية: إلى وجوب صدقة الفطر على الشخص المسلم عن كل من تلزم مؤونته - ولو كافراً - نظراً للإطلاق الوارد في الحديث الثاني، وقالوا: بعدم حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحالة، بل يبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده لانتفاء التعارض بينهما٢.

стр. 270

واستدل الجمهور: على حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، بالأدلة الأربعة التي سبق أن استدلوا بها في حال اتحاد الحكم والسبب. ١ - من كون المطلق ساكتاً عن القيد، والمقيد ناطقاً به، وإذا تعارض النطق والسكوت كان الناطق أولى بالقبول. ٢ - وكون الحكيم إنما يزيد في الكلام لزيادة في البيان، فكانت زيادة القيد بياناً للمراد من المطلق على التفصيل الذي سبق١. ثم أضافوا إلى ذلك التعليل التالي: حيث قالوا: إن الحكم متى كان واحداً والحادثة موضوعه واحدة،

стр. 271

فإن الإطلاق والتقييد عندئذ يكونان قد وردا على شيء واحد، والشيء الواحد لا يجوز أن يكون مطلقاً ومقيداً في آن واحد، للتنافي بينهما. ودفعاً لهذا التنافي الظاهري يحمل المطلق على المقيد. ب - وأما الحنفية: فقد استدلوا على عدم حمل المطلق على المقيد هنا بأدلة منها: ١ - إن التقييد والإطلاق وردا في سبب الحكم فأحد النصين جعل مؤونة الرأس مطلقاً، سواء كان مؤمناً أو كافراً سبباً لوجوب صدقة الفطر، والنص الآخر جعل السبب مؤونة الرأس المسلم فيكون الإطلاق والتقييد قد دخلا على السبب، ولا مزاحمة في الأسباب؛ لجواز أن يكون للحكم الواحد عدة أسباب على سبيل البدل عند المانعين من تعدد العلة أو على سبيل الاجتماع عند القائلين بتجزئتها. مثال ذلك: ملك المال، فإنه شيء واحد وله عدة أسباب يثبت بكل منها على سبيل البدل كالإرث والهبة، والبيع والشراء، وإذا انتفت المزاحمة بين المطلق والمقيد وجب العمل بكل منهما على مقتضاه١، وقد اعترض هذا الدليل بأن المنافاة بين سببية المطلق والمقيد متصورة؛ لأن معنى كون كل منهما سبباً أن يكون سبباً تاماً في وجوب صدقة الفطر، وتمامية

стр. 272

السبب تقتضي عدم الحاجة إلى سبب آخر، وبناء على ذلك فلو كان المطلق سبباً تاماً في الوجوب لمنع الاحتياج إلى سببية المقيد، ولكنه لم يمنع ذلك، ومن هنا ظهرت المنافاة بين تمامية السبب المطلق مع تمامية السبب المقيد، ودفعاً لتلك المنافاة ينبغي حمل المطلق على المقيد١. ٢ - واستدلوا ثانياً: بأن في إبقاء المطلق على إطلاقه في هذه الحال احتياطاً، ومراعاة الاحتياط في الأحكام الشرعية أحوط، ووجه الاحتياط أنه عند إبقاء المطلق على إطلاقه تجب صدقة الفطر مع السبب المطلق ومع السبب المقيد، وأما عند الحمل فلا تجب إلا مع السبب المقيد فقط ووجوب الصدقة في الحالين أقرب إلى الاحتياط من وجوبها في حال واحدة. ويمكن أن يدفع هذه الدليل بأن ذلك مسلم لو لم يكن هناك دليل على التقييد من قبل الشارع، وأما عند وجود الدليل، وهو هنا اتحاد الحكم والحادثة ومساندة الأدلة السابقة لذلك، فلا مجال لاعتبار الاحتياط مع وجود الدليل. ٣ - ويمكن أن يستدل للحنفية بما يعتبره بعض الأصوليين مذهباً ثالثاً في المسألة، وهو أن المقيد هو الذي يحمل على المطلق في هذه الحال، غير

стр. 273

أنهم لا يعنون به أن المقيد يراد به المطلق، إذ لو عنوا به ذلك لأدى قولهم إلى إلغاء القيد، وهو ممتنع١، بل يريدون أن سببية المقيد منتزعة من سببية المطلق، لأن المطلق سبب حقيقة، والمقيد مشتمل على السبب الحقيقي، لكون المطلق جزءاً من المقيد كما سبق فسببية المقيد جاءت من اشتماله على السب الحقيقي وهو المطلق، وإطلاق السبب على ما هو مشتمل علي السبب الحقيقي شائع، وفي ذلك يقول صاحب مسلم الثبوت: "فالحق أن يحمل ههنا المقيد على المطلق، لا بمعنى أن المراد منه ذلك، بل بمعنى أن المقيد سبب؛ لأن المطلق سبب وبينهما بون". ثم قال شارح المسلم معللاً لذلك: إن الأول "يعني حمل المقيد على المطلق بمعنى أنه يراد منه المطلق من قبيل المجاز، وهو ذكر المقيد وإرادة المطلق، بخلاف الحمل بالمعنى الثاني، فإنه حقيقة إلا أن الحكم على المقيد لاشتماله على المطلق، ثم قال الشارح: إن ذلك كلام وجيه، ويمكن حمل كلام الحنفية عليه، فإن إطلاق السبب على ما هو مشتمل على السبب شائع، كما يقال: هذه الدعامة سبب لبقاء السقف وبناء على هذا التوجيه، فلا يكون في المسألة إلا مذهبان لأن ما ادعاه بعض أصحاب الأصول مذهباً ثالثاً هو في الحقيقة يلتقي مع مذهب الحنفية في إبقاء المطلق

стр. 274

على إطلاقه وإن كان يختلف عنه في التعبير والتعليل". الترجيح: والذي نميل إليه هو حمل المطلق على المقيد دون ما حاجة إلى دليل كما في الحالة الأولى، لوجود التنافي بين النصين - المطلق والمقيد - ووجه ما اخترناه أن الزكاة بمقتضى النص المقيد لا تجب عمن يمونه المسلم إلا إذا كان مسلماً على حين يوجبها النص المطلق عن جميع من يمونهم الشخص المسلم، ولو كفاراً، وحسبنا هذا دليلاً على التنافي بين النصين أن المسلم مطالب على أحدهما بإخراج زكاة الفطر عن الكافر إذا كان يمونه، وليس مطالباً على النص الآخر بإخراج هذه الزكاة عنه١، وخاصة إذا علمنا أن أكثر ما عول عليه الحنفية في عدم حمل المطلق على المقيد هنا هو أن الإطلاق والتقييد داخلان على السبب ولا مزاحمة في الأسباب. وهذه القاعدة لم يلتزموا بها عند التطبيق في بعض النصوص، فهم وإن كانوا قد التزموها في صدقة الفطر وأجروا المطلق على إطلاقه حتى أوجبوا صدقة الفطر على المسلم عن كل من يمونه سواء كان مسلماً أو غير مسلم، إلا أنهم خالفوها في كثير من التطبيقات ومن ذلك وجوب الزكاة في الغنم. حيث روي في إيجاب الزكاة فيها عدد من النصوص، كان فيها

стр. 275

اختلاف في الإطلاق والتقييد، فقد جاءت النعم في بعض النصوص مطلقة عن أي قيد وجاءت في بعضها الآخر مقيدة بصفة السوم. فمثال النص المطلق قوله ﷺ : "في خمس من الإبل شاة" ١، وروى "في خمس من الإبل السائمة شاة" ٢. وكلتا الروايتين في الصحيح، وواضح أن الإطلاق والتقييد قد جاءا في سبب الحكم والموضوع واحد وهو الزكاة، فحمل الشافعية المطلق على المقيد، وأوجبوا الزكاة في السائمة فقط، ووافقهم على ذلك الحنفية حيث أوجبوا الزكاة في السائمة دون المعلوفة والعاملة. وكان مقتضى قاعدتهم السابقة أن يوجبوا الزكاة في السائمة

стр. 276

والمعلوفة على حد سواء، ويعتبروا كلا منهما سبباً للحكم كما قالوا في زكاة الفطر١. وما أجيب به عن الحنفية من أن مأخذهم إيجاب الزكاة في السائمة دون المعلوفة، لم يكن من طريق حمل المطلق على المقيد، وإنما كان بطريق النسخ، حيث يدعون أن النص المقيد جاء متأخراً عن النص المطلق، فكان ناسخاً له في غير السائمة، إنما يتم هذا جواباً لو كان الحنفية يأخذون بمفهوم الوصف الذي ورد في المقيد حتى يكون حينئذ بين النصين تعارض، ويكون المتأخر منهما ناسخاً للمتقدم، إذا لم يمكن الجمع وعرف التاريخ، وفي مسألتنا الجمع ممكن، والحنفية لا يقولون بمفهوم القيد؛ فلا يكون هناك تعارض بين النصين، وإذا لم يوجد التعارض امتنع النسخ٢. ثم إن جواب الحنفية السابق لا يجدي ولو سلم؛ لأن المنطوق أقوى دلالة من المفهوم فيعمل به، ويكون السبب مطلق ملك النعم٣، وهكذا نرى أن الحنفية قد اتفقوا مع الشافعية في هذا الحكم، وكان المفروض لو أن الحنفية التزموا قاعدة عدم حمل المطلق على المقيد عندما يكون الإطلاق والتقييد داخلين على السبب أن يكون مذهبهم موافقاً لمذهب المالكية، وهو

стр. 277

وجوب الزكاة في السوائم وغيرها١، وإن كان لهم أن يجيبوا بأن الأصل عدم الزكاة. ثم جعل الرسول الزكاة في السوائم فالتزمنا بهديه صلى الله عليه وسلم٢. ومن الفروع التي خالف فيها الحنفية هذه القاعدة تحريم الدم، فقد وردت فيه آيتان الأولى تفيد أن الدم المطلق حرام لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ٣، والثانية تفيد أن الدم المحرم هو الدم المسفوح فقط، قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ ٤، والإطلاق والتقييد دخلاً على السبب وهو الدم، فكان مقتضى قاعدة الحنفية أن يحرم الدم المطلق بالنص المطلق والمسفوح بالنص المقيد، ولكنهم مع الجمهور يقولون: إن المحرم من الدم هو المسفوح فقط، ولعل عذرهم في ذلك أن الدم الذي لا يمكن الاحتراز منه مثل: ما يبقى في العروق والرغوة التي تعلو اللحم عند طبخه معفو عنه بمقتضى قاعدة وضع الحرج والتيسير في الشريعة٥.

стр. 278

المطلب الثالث: في حكم الحمل إذا تعدد القيد كان الكلام فيما سق إذا أطلق اللفظ في موضع وقيد في موضع آخر بقيد واحد وموضوع هذا المبحث عن حكم حمل المطلق على المقيد إذا قيد اللفظ المطلق في أكثر من موضع بقيدين متنافيين، وفي قولنا: بقيدين متنافيين إشارة إلى أن القيود الواردة على المطلق يمكن تقسيمها إلى نوعين. الأول: ما يمكن اجتماعها معاً، كوصف الرقبة بالكتابة بعد وصفها بالإيمان. وحكم الحمل في هذا النوع من القيود حكم الحكم إذا كان القيد واحداً على التفصيل الذي سبق الكلام عليه فيما إذا كان القيد واحداً ومن أمثلة هذا النوع ما لو ورد نص بتقييد الرقبة المطلقة في كفارة الظهار بكونها رقبة كاتبة، فإن هذا القيد لا يتعارض مع كونها مؤمنة، إذ يمكن أن تكون مؤمنة وكاتبة في آن واحد فَتُقَيَّد الرقبة بقيد الكتابة فضلاً عن تقييدها بقيد الإيمان. النوع الثاني: قيود لا يمكن اجتماعها معاً: وذلك عندما يكون بين القيدين أو القيود تعارض وتضاد، وهذا النوع من القيود هو المقصود في هذا المبحث، حيث جرى الخلاف بين الجمهور أنفسهم لا علاقة

стр. 279

للحنفية به١. وذلك لأنها مسألة تفرعت على كيفية الحمل في المسألتين السابقتين، فالذي يرى من الجمهور أن حمل المطلق على المقيد فيهما عن طريق اللغة لا يحمل المطلق على المقيد هنا؛ لأن حمله على أحد القيدين دون الآخر يكون حملاً بدون دليل٢، وفي ذلك يقول أبو البركات: "لا خلاف أنه لا يلحق بواحد منهما لغة"٣. ومن يرى أن الحمل في المسألتين السابقتين ثابت بطريق القياس، يقول في هذه المسألة يحمل اللفظ المطلق على المقيد الذي له به شبه فإن لم يكن بين المطلق وأحد المقيدين شبه يبقى المطلق على إطلاقه، لانتفاء العلة التي تجمع بينهما، وهناك أمثلة كثيرة لورود قيدين متنافيين على مطلق واحد، منها ما حمل فيه المطلق على أحد المقيدين قياساً، لوجود الشبه بينهما، ومنها ما لم يحمل فيه المطلق على أحد القيدين لعدم قيام جامع بينهما يصح به القياس.. وفي ما يلي أمثلة توضح ذلك. فمثال: ما حمل فيه المطلق على أحد القيدين لكونه شبيهاً به: صوم

стр. 280

كفارة اليمين الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ١. فقد ورد هذا النص مطلقاً وورد مقيداً بالتتابع في صوم كفارة الظهار، قال تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ٢، وورد مقيداً بالتفريق في صوم التمتع في الحج قال الله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ٣ فيحمل المطلق في كفارة اليمين على المقيد في كفارة الظهار لكونه أشبه٤، لأن كلا منهما تكفير بصيام فيجب التتابع في صوم كفارة اليمين بناء على هذا القياس بخلاف صيام التمتع في الحج، فإنه لا يحمل عليه المطلق في كفارة اليمين حتى يصح الصيام متفرقاً؛ لعدم وجود جامع بين كفارة اليمين وصوم التمتع في الحج، حيث إن الصوم في اليمين كفارة وفي الحج نسك، ومن هنا افترقا.

стр. 281

ولكن أورد الطوفي على كون صيام كفارة اليمين مطلقاً إشكالاً بناء على العمل بقراءة ابن مسعود: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتابِعَات﴾ ، وهذه القراءة إما أن تكون قرآناً، أو خبراً١ عن ابن مسعود فيتقيد المطلق في قراءة الجمهور بموجبها ولا حاجة لقياسه على كفارة الظهار. ويجاب عن ذلك بأن إيرادها في التمثيل بناء على قول من لا يرى التتابع فيها بطريق القراءة غير المتواترة، وإنما هو بطريق القياس، وضرب الأمثلة في الأصول لا يختص بمذهب، والله أعلم. ومثال المطلق الذي بقي على إطلاقه لعدم وجود شبه بينه وبين أحد المقيدين: صوم قضاء رمضان، الذي قال الله في شأنه: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٢، فقد ورد النص فيه مطلقاً كما ترى. وورد الصيام في كفارة الظهار مقيداً بالتتابع كما سبق، ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وورد الصيام مقيداً بالتفريق في التمتع بالحج إلى العمرة.

стр. 282

والحكم هنا بقاء المطلق على إطلاقه وعدم حمله على أحد القيدين لعدم وجود شبه بينه وبين أحد القيدين، لأن الصوم في النص المطلق صيام قضاء، وفي الظهار صيام كفارة، وفي التمتع صيام نسك، فلعدم الجامع بين المطلق وأحد القيدين يبقى المطلق على إطلاقه، فلا يجب في صوم قضاء رمضان تتابع ولا تفريق١، والله أعلم.

стр. 283

الفصل الثاني: في تحرير محل النزاع في حمل المطلق على المقيد وأسبابه المبحث الأول: في تحرير الصور المختلف فيها ... المبحث الأول: في تحرير الصور المختلف فيها. ذكرنا فيما سلف صورتين من أحوال المطلق والمقيد وقد اختلف الأصوليون في حكم حمل المطلق على المقيد فيهما، وكانت الصورة الأولى إذا اتحد المطلق والمقيد في الحكم واختلفا في السبب، كما هو الحال في كفارة الظهار مع كفارة القتل الخطأ. والصورة الثانية: إذا اتحد المطلق والمقيد في الحكم والحادثة، وجرى الإطلاق والتقييد في السبب كما هو الحال في زكاة الفطر، وقد سبق الكلام على هاتين الصورتين بالتفصيل. إلا أن السبب الذي من أجله منع الحنفية الحمل فيهما كان يعود في نظرهم إلى انتفاء التعارض بين المطلق والمقيد، لاختلاف السبب في الحالة الأولى، ودخول الإطلاق والتقييد على السبب أيضاً في الحالة الثانية. والأسباب لا تزاحم بينها، لإمكان تعددها. بينما يرى جمهور الأصوليين أن مطلق التنافي موجود في هاتين الصورتين، وإن كان السبب مختلفاً في الحالة الأولى، ودخل الإطلاق والتقييد على السبب في الحالة الثانية، ذلك أن سببية المقيد تدل على وجود الحكم عند وجود القيد وعلى انتفائه عند انتفاء القيد، والمطلق يُجَوّز وجود الحكم بدون القيد، ومن هنا ظهر التنافي بين سببية المطلق وسببية المقيد، ودفعا لهذا التعارض قال الجمهور: يحمل المطلق على المقيد

стр. 284

في الحالتين السابقتين. والحق أن الخلاف في وجود التعارض وعدمه في الحالتين السابقتين مبني على خلاف آخر، وله صلة قوية باختلاف الجمهور مع الحنفية في حجية مفهوم١ المخالفة الذي سيأتي في مبحث الأسباب، وسنرى هناك - إن شاء الله - توضيحاً أكثر لسبب الاختلاف. لكن بقي صورة ثالثة، جرى فيها الخلاف بين الجمهور والحنفية: وهي إذا تأخر المطلق أو المقيد، ولم يستلزم ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولما كان الخلاف في هذه الصورة لا يختص بحال دون حال من أحوال المطلق والمقيد السابقة، أفردتها بمبحث خاص، كما أن سبب الخلاف فيها أيضاً يختلف عن سبب الخلاف في الحالتين السابقتين، إذ هو يعود إلى وقت نزول أو ورود المطلق أو المقيد، وجعلتها تحت عنوان: حكم التقييد بالمتأخر: وقبل أن نتكلم عن حكم التقييد بالمتأخر أو (كيفية دفع التعارض بين المطلق والمقيد) ينبغي أن نعلم أن منشأ الخلاف في هذه الصورة له علاقة وصلة وثيقة بالاختلاف في معنى الحمل. فالجمهور الذين يرون أن معنى حمل المطلق على المقيد هو بيان المطلق بواسطة المقيد، وتفسيره به لا مانع عندهم من جواز التقييد بالمتأخر

стр. 285

الذي لم يستلزم تأخيرُهُ تأخيرَ البيان عن وقت العمل. وأما الحنفية، فلأن معنى الحمل عندهم يختلف تبعاً لنزول أو ورود المطلق والمقيَّد؛ فإن الحكم يختلف حسب اختلاف الظروف والأحوال التي تعرض للمطلق والمقيَّد، إلا أن الحكم في هذه الصورة لا يخلو عن واحد من أربعة أحوال. لأن المطلق والمقيد إما أن يعلم أنهما وردا معاً أي مقترنين في النزول، أو يجهل التاريخ بينهما، أو يعلم تأخر المطلق عن المقيد أو يعلم تأخر المقيد عن المطلق فهذه أربعة أحوال، يختلف حكم حمل المطلق على المقيَّد فيها من حال إلى أخرى عند الحنفية، وذلك يعود إلى اختلاف الحنفية أنفسهم فيما يراد بحمل المطلق على المقيد، أهو بيان المطلق بواسطة المقيد، كما يقول الجمهور١؟ والمحقون من الحنفية٢، (في الصور التي قالوا فيها بحمل المطلق على المقيد) أم أن المراد بحمل المطلق على المقيد نسخ المطلق بالمقيد؟ كما يراه فريق من الأحناف٣ أم أن حمل المطلق على المقيد يعني ترجيح العمل بالمقيد على العمل بالمطلق؟ كما يراه صاحب
следующие страницы →