ولكن أورد الطوفي على كون صيام كفارة اليمين مطلقاً إشكالاً بناء على العمل بقراءة ابن مسعود: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتابِعَات﴾ ، وهذه القراءة إما أن تكون قرآناً، أو خبراً١ عن ابن مسعود فيتقيد المطلق في قراءة الجمهور بموجبها ولا حاجة لقياسه على كفارة الظهار.
ويجاب عن ذلك بأن إيرادها في التمثيل بناء على قول من لا يرى التتابع فيها بطريق القراءة غير المتواترة، وإنما هو بطريق القياس، وضرب الأمثلة في الأصول لا يختص بمذهب، والله أعلم.
ومثال المطلق الذي بقي على إطلاقه لعدم وجود شبه بينه وبين أحد المقيدين: صوم قضاء رمضان، الذي قال الله في شأنه: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٢، فقد ورد النص فيه مطلقاً كما ترى.
وورد الصيام في كفارة الظهار مقيداً بالتتابع كما سبق، ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وورد الصيام مقيداً بالتفريق في التمتع بالحج إلى العمرة.
стр. 282
والحكم هنا بقاء المطلق على إطلاقه وعدم حمله على أحد القيدين لعدم وجود شبه بينه وبين أحد القيدين، لأن الصوم في النص المطلق صيام قضاء، وفي الظهار صيام كفارة، وفي التمتع صيام نسك، فلعدم الجامع بين المطلق وأحد القيدين يبقى المطلق على إطلاقه، فلا يجب في صوم قضاء رمضان تتابع ولا تفريق١، والله أعلم.
стр. 283
الفصل الثاني: في تحرير محل النزاع في حمل المطلق على المقيد وأسبابه
المبحث الأول: في تحرير الصور المختلف فيها
...
المبحث الأول: في تحرير الصور المختلف فيها.
ذكرنا فيما سلف صورتين من أحوال المطلق والمقيد وقد اختلف الأصوليون في حكم حمل المطلق على المقيد فيهما، وكانت الصورة الأولى إذا اتحد المطلق والمقيد في الحكم واختلفا في السبب، كما هو الحال في كفارة الظهار مع كفارة القتل الخطأ.
والصورة الثانية: إذا اتحد المطلق والمقيد في الحكم والحادثة، وجرى الإطلاق والتقييد في السبب كما هو الحال في زكاة الفطر، وقد سبق الكلام على هاتين الصورتين بالتفصيل.
إلا أن السبب الذي من أجله منع الحنفية الحمل فيهما كان يعود في نظرهم إلى انتفاء التعارض بين المطلق والمقيد، لاختلاف السبب في الحالة الأولى، ودخول الإطلاق والتقييد على السبب أيضاً في الحالة الثانية.
والأسباب لا تزاحم بينها، لإمكان تعددها.
بينما يرى جمهور الأصوليين أن مطلق التنافي موجود في هاتين الصورتين، وإن كان السبب مختلفاً في الحالة الأولى، ودخل الإطلاق والتقييد على السبب في الحالة الثانية، ذلك أن سببية المقيد تدل على وجود الحكم عند وجود القيد وعلى انتفائه عند انتفاء القيد، والمطلق يُجَوّز وجود الحكم بدون القيد، ومن هنا ظهر التنافي بين سببية المطلق وسببية المقيد، ودفعا لهذا التعارض قال الجمهور: يحمل المطلق على المقيد
стр. 284
في الحالتين السابقتين.
والحق أن الخلاف في وجود التعارض وعدمه في الحالتين السابقتين مبني على خلاف آخر، وله صلة قوية باختلاف الجمهور مع الحنفية في حجية مفهوم١ المخالفة الذي سيأتي في مبحث الأسباب، وسنرى هناك - إن شاء الله - توضيحاً أكثر لسبب الاختلاف.
لكن بقي صورة ثالثة، جرى فيها الخلاف بين الجمهور والحنفية: وهي إذا تأخر المطلق أو المقيد، ولم يستلزم ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولما كان الخلاف في هذه الصورة لا يختص بحال دون حال من أحوال المطلق والمقيد السابقة، أفردتها بمبحث خاص، كما أن سبب الخلاف فيها أيضاً يختلف عن سبب الخلاف في الحالتين السابقتين، إذ هو يعود إلى وقت نزول أو ورود المطلق أو المقيد، وجعلتها تحت عنوان:
حكم التقييد بالمتأخر:
وقبل أن نتكلم عن حكم التقييد بالمتأخر أو (كيفية دفع التعارض بين المطلق والمقيد) ينبغي أن نعلم أن منشأ الخلاف في هذه الصورة له علاقة وصلة وثيقة بالاختلاف في معنى الحمل.
فالجمهور الذين يرون أن معنى حمل المطلق على المقيد هو بيان المطلق بواسطة المقيد، وتفسيره به لا مانع عندهم من جواز التقييد بالمتأخر
стр. 285
الذي لم يستلزم تأخيرُهُ تأخيرَ البيان عن وقت العمل.
وأما الحنفية، فلأن معنى الحمل عندهم يختلف تبعاً لنزول أو ورود المطلق والمقيَّد؛ فإن الحكم يختلف حسب اختلاف الظروف والأحوال التي تعرض للمطلق والمقيَّد، إلا أن الحكم في هذه الصورة لا يخلو عن واحد من أربعة أحوال.
لأن المطلق والمقيد إما أن يعلم أنهما وردا معاً أي مقترنين في النزول، أو يجهل التاريخ بينهما، أو يعلم تأخر المطلق عن المقيد أو يعلم تأخر المقيد عن المطلق فهذه أربعة أحوال، يختلف حكم حمل المطلق على المقيَّد فيها من حال إلى أخرى عند الحنفية، وذلك يعود إلى اختلاف الحنفية أنفسهم فيما يراد بحمل المطلق على المقيد، أهو بيان المطلق بواسطة المقيد، كما يقول الجمهور١؟ والمحقون من الحنفية٢، (في الصور التي قالوا فيها بحمل المطلق على المقيد) أم أن المراد بحمل المطلق على المقيد نسخ المطلق بالمقيد؟ كما يراه فريق من الأحناف٣ أم أن حمل المطلق على المقيد يعني ترجيح العمل بالمقيد على العمل بالمطلق؟ كما يراه صاحب
стр. 286
مسلم الثبوت١.
والجواب عن هذه التساؤلات يتطلب منا القول بالتفصيل عن كل صورة من الصور الأربع السابقة على حدة ليعلم الفرق بين مذهب الجمهور والحنفية فيها.
فالصورة الأولى: أن يردا معاً:
إذا علم أن كلا من المطلق والمقيد قد وردا معاً أي مقترنين في النزول، فإن المطلق يحمل على المقيد عند الجمهور والحنفية، إذا توفرت فيه شروط الحمل السابقة، ويكون المقيد بياناً للمطلق عند الجمهور، وكذلك عند المحققين من الحنفية٢؛ لأن نزولهما معاً قرينة البيان، ويرى بعض٣ الحنفية أن ذلك من باب ترجيح العمل بالمقيد على العمل بالمطلق فيما تعارضا فيه، وقد بينا وجهة نظر هذا الفريق فيما سلف.
ومَثَّل الحنفية لهذه الصورة بصوم كفارة اليمين، حيث ورد النص بها مطلقاً في قراءة الجمهور ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ٤ ومقيداً بالتتابع في قراءة ابن
стр. 287
مسعود ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتابِعَات﴾ ١.
فحمل الحنفية المطلق في قراءة الجمهور على المقيد في قراءة ابن مسعود وأوجبوا التتابع في صوم كفارة اليمين وعللوا ذلك:
أولاً: بأن السبب الواحد لا يوجب المتنافيين في وقت واحد.
وثانياً: بأن قراءة ابن مسعود مشهورة يصح بها تقييد مطلق الكتاب، ولكن الشافعية لم يحملوا المطلق على المقيد هنا؛ لأنهم وإن كانوا مع الحنفية في عدم إيجاب السبب الواحد للمتنافيين في وقت واحد، إلا أن قراءة ابن مسعود ﵁ لم تصح مقيدة عندهم؛ لأن القرآن لا يقبل فيه إلا المتواتر.
الصورة الثانية: أن يجهل التاريخ بين المطلق والمقيد، بحيث لا يعلم هل وردا معاً أو تأخر أحدهما عن الآخر؟ وعندئذ يرى بعض الحنفية وجوب التوقف حتى يتبين المتأخر منهما؛ فإن لم يمكن معرفة ذلك، ولم
стр. 288
يوجد ما يرجح أحدهما على الآخر، تساقطا، وطلب الدليل من غيرهما، وهذا القول جار على طريقة الحنفية في الجمع بين المتعارضين إذا جهل التاريخ بينهما١.
لكن رأى المحققين من الحنفية في هذه الصورة هو حمل المطلق على المقيد عن طريق البيان لا النسخ، حملاً لهما على المعية وتقديماً للبيان على النسخ عند التردد؛ لكون البيان أغلب وقوعاً من النسخ، ولأن النسخ لا يثبت بالاحتمال٢، ومما يقوي ذلك قول الحنفية في باب تعارض الأدلة: (أن الدليلين إذا تعارضا ولم يعلم التاريخ يجمع بينهما) ٣، فهذا يدل على أن حمل المطلق على المقيد عند الحنفية إذا جهل التاريخ يكون بياناً، قال ابن الهمام: "وهو الأوجه عندي"٤، وتبعه في ذلك صاحب مسلم الثبوت٥ وفي كشف الأسرار: "إن الحادثة إذا كانت واحدة، وورد فيها نصان مقيد ومطلق في الحكم، وهو من باب الواجب أن المطلق يقيد إذا
стр. 289
لم يعرف التاريخ؛ لأن الشرع متى أوجب الحكم بوصف لا بد من اعتبار الوصف فيكون بياناً للمطلق أن المراد منه المقيد١.
ويرى الجمهور ومنهم الشافعية حمل المطلق على المقيد إذا جهل التاريخ بطريق البيان بلا خلاف بينهم٢.
الصورة الثالثة: أن يتأخر المطلق.
وفي هذه الحال يرى الحنفية أن المطلق ناسخ للمقيد، كالعام المتأخر عن الخاص، فإنه ينسخ الخاص عندهم٣، ولم يفرقوا بين التأخر عن وقت العمل والتأخير الذي لا يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، بل قالوا: إذا علم تأخر المطلق كان ناسخاً للمقيد، ونسب إلى بعضهم القول بأن المقيد المتقدم بيان للمراد من المطلق المتأخر، ووجهة هذا الفريق أن تقدم المقيد قرينة البيان٤، ولكن هذا الرأي (يخالف الأصول المتبعة) عند الحنفية كما يقول شارح مسلم الثبوت: (فلا يقبل) ٥، وبناء على ذلك يكون القول الراجح عند الحنفية أن المطلق المتأخر ينسخ المقيد السابق متى
стр. 290
توفرت فيه شروط النسخ.
ويرى الجمهور في هذه الصورة وأمثالها أن المطلق المتأخر يراد به المقيد السابق بطريق البيان، وتقدم القيد قرينة على البيان ما لم يتأخر المطلق عن وقت العمل بالمقيد، فإذا تأخر عن وقت العمل بالمقيد السابق فإنه يكون ناسخاً؛ لاعتبار القيد في النص المقيد، وذلك لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
ونسب المرداوي إلى الجمهور القول بأن المطلق المتأخر يراد به المقيد المتقدم عليه، وإن تأخر عن وقت العمل١، لكن الراجح هو المذهب الأول، وتقدم ما يصلح مثالاً لذلك في الشرط الثامن من شروط حمل المطلق على المقيد.
الصورة الرابعة: أن يعلم تأخر المقيد:
وفيه هذه الحال يرى الحنفية أن المقيد المتأخر ناسخ للمطلق فيما تعارض فيه كالخاص المتأخر عن العام؛ فإنه ينسخ من العام بقدره عندهم٢، ولم يفرقوا بين مجيء المقيد قبل العمل بالمطلق أو بعد وقت العمل به، بل قالوا: إن تأخر المقيد عن الخطاب المطلق نسخ الإطلاق؛
стр. 291
لأن بيان المراد من المطلق لا يجوز تأخيره عن الخطاب بالمطلق عندهم، وذلك لأن الإطلاق مما يريده الشارع قطعاً، وحيث ثبت غيرَ مقرون بما ينفيه وجب اعتباره.
والتقييد بعد ذلك يرفع الإطلاق، فيكون ناسخاً له.
وتقدم جواب الجمهور عند ذلك في الشرط الثاني من الشروط المختلف فيها.
وأما رأي الجمهور في هذه الحال، فالظاهر أنهم يفرقون بين تأخر المقيد عن الخطاب بالمطلق، وبين تأخره عن وقت العمل به، فهم في الحال الأولى يحملون المطلق على المقيد على أنه بيان له، لا نسخ بدون خلاف بينهم.
وأما إذا تأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق، فالذي يبدو من إطلاقهم القول بأن المقيد بيان للمطلق سواء تقدم عليه المطلق أو تأخر عنه، أن المقيد بيان للمطلق في جميع الأحوال، وإن تأخر عن وقت العمل١ كما سبقت الإشارة إلى ذلك في تأخر المطلق، لكن صرح ابن السبكي٢ وغيره من المحققين٣ أن المقيد إذا تأخر عن وقت العمل يكون
стр. 292
ناسخاً للمطلق؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الاحتياج إليه.
بقي أن نشير هنا إلى أن ابن السبكي حكى في جمع الجوامع قولاً آخر في مسألة تأخر المقيد، وهو: أن المقيد هو الذي يحمل على المطلق وذلك بأن يلغى القيد؛ لأن ذكر المقيد ذكر لجزئين من المطلق؛ فلا يقيده كما أن ذكر فرد من العام لا يخصصه١، وهذا القول ضعيف كما يرى الأنصاري٢ وغيره، إذ يجيب عنه الأنصاري بقوله: "قلنا: الفرق بينهما أن مفهوم القيد حجة - عند الجمهور - بخلاف مفهوم اللقب الذي ذكر فرد من أفراد العام منه".
الترجيح:
بعد أن عرضنا أقوال العلماء في هذه المسألة يتضح ما يلي:
أولاً: يرى المحققون من الحنفية أن حمل المطلق على المقيد لا يتحقق إلا في صورتين:
стр. 293
الأولى: إذا وردا معاً أي مقترنين في النزول أو الورود.
الثانية: إذا جهل التاريخ بينهما.
كما يرى المحققون منهم أن معنى حمل المطلق على المقيد في هاتين الصورتين بيان لا نسخ، وفيما عدا ذلك يكون المتأخر منهما ناسخاً للمتقدم، إذا توفرت فيه شروط النسخ١.
ثانياً: يرى جمهور الأصوليين أن المطلق يحمل على المقيد في الصور الأربع إذا توفرت فيه شروط الحمل، ويكون ذلك بطريق البيان، إلا إذا استلزم الحمل تأخيرَ البيان عن وقت الحاجة فعندئذ يكون المتأخر منهما ناسخاً للمتقدم؛ لأن البيان من شرطه عدم التأخر عن وقت العمل.
وهذا هو الذي أراه راجحاً في هذه المسألة.
فإن قيل: فما الفرق بين القول بالنسخ والبيان؟
قلت: حقيقة الفرق بينهما تظهر في الزيادة على النص المطلق إذا تأخرت عن زمن الخطاب دون وقت العمل.
فالجمهور الذين يقولون إن حمل المطلق على المقيد في هذه الحال بيان يجوز عندهم أن يقيد المطلق من الكتاب والسنة المتواترة أو المشهورة بأخبار الآحاد والقياس؛ لأن البيان لا يشترط فيه مساواة المبين للمبين على
стр. 294
القول الراجح.
والحنفية الذين يرون أن الزيادة في هذه الحال نسخ للمطلق يشترطون فيها ما يشترط في النسخ، ومن ذلك أن يكون الناسخ في قوة المنسوخ، ومن أجل ذلك لم يجوز الحنفية الزيادة على النص المطلق بأخبار الآحاد والقياس، فكان هذا الخلاف من أهم الأسباب المؤثرة في الاختلاف في الفروع الفقهية، وسيأتي لذلك مزيد من التوضيح في السبب الثاني من أسباب الاختلاف في حمل المطلق على المقيد الآتي، وعند الكلام على أثر الخلاف في فروع المذاهب.
стр. 295
المبحث الثاني: أسباب اختلاف العلماء في حمل المطلق على المقيد
المطلب الأول: اختلاف العلماء في دلالة مفهوم المخالفة
...
أسباب اختلاف العلماء في حمل المطلق على المقيد
من يستقصي أقوال العلماء ومناقشاتهم في باب حمل المطلق على المقيد يتبين له أن الأسباب التي أدت إلى اختلاف العلماء في حكم حمل المطلق على المقيَّد في بعض الصور كثيرة.
فهي من ناحية تعود إلى اختلاف الجمهور مع الحنفية في معنى حمل المطلق على المقيد، ومن ناحية أخرى ترجع إلى الاختلاف في دلالة المطلق، ومدى تعارضها مع دلالة المقيد، بالإضافة إلى الخلاف في كيفية دفع التعارض بين الأدلة، وشروط تحقق ذلك التعارض.
وحيث سبقت الإشارة إلى هذه الأسباب إجمالاً، نكتفي بالكلام هنا على سببين أفردهما الأصوليون بالبحث باعتبار أنهما من أهم الأسباب التي أدت إلى الخلاف في هذا الباب، وسيكون كلامنا عنهما في مطلبين:
الأول: في اختلاف العلماء في حجية المفهوم المخالف.
الثاني: في اختلاف العلماء في الزيادة على النص.
стр. 296
المطلب الأول: اختلاف العلماء في دلالة مفهوم المخالفة
حتى يكون مفهوم المخالفة واضحاً أمامنا، لا بد من الإشارة إلى كيفية دلالة اللفظ على المعنى، ذلك أن الألفاظ قوالب للمعاني المستفادة منها، وهي في دلالتها على تلك المعاني تختلف؛ فتارة تدل على المعنى من جهة النطق تصريحاً، وتارة أخرى تدل عليه من جهة النطق تلويحاً١.
فاصطلح على تسمية دلالة اللفظ على المعنى من جهة النطق تصريحاً بالمنطوق، وعلى تسمية دلالته على المعنى من جهة النطق تلويحاً بالمفهوم: وهذه الطريقة أعني (تقسيم الدلالة إلى منطوق ومفهوم) ، قال بها ابن الحاجب وغيره من محققي الشافعية، وعرفوا المنطوق: بأنه ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي: أنه المعنى المستفاد من اللفظ من حيث النطق به٢.
стр. 297
ومثاله: وجوب الزكاة في الغنم السائمة، الذي دل عليه حديث "في سائمة الغنم الزكاة"١، فإن دلالة هذا الحديث على وجوب الزكاة في الغنم السائمة قد استفيدت من منطوق الحديث أي: لفظه.
وأما المفهوم: فهو اسم مفعول مأخوذ من الفهم، وهو في الأصل اسم لكل ما فهم سواء أكان من النطق أم غيره.
وفي الاصطلاح: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق٢، ومعنى ذلك أن المفهوم دلالة اللفظ على حكم شيء لم يذكره المتكلم في كلامه ولم ينطق به٣، والتعبير بـ (لا في محل النطق) يشار به إلى أن الدلالة في المفهوم انتقالية؛ لأن الذهن ينتقل من تحريم التأفيف مثلاً: إلى تحريم الضرب بطريق التنبيه بالأول على الثاني، وسمي مفهوماً نظراً لكونه مجرداً عن اللفظ، وإلا فما دل عليه المنطوق يسمى مفهوماً أيضاًَ؛ لأن المعنى لا
стр. 298
ينطبق به، وإنما ينطبق بالدال عليه، ولكن لما كان المعنى في المنطوق مستنداً إلى لفظ مذكور في الكلام سمي منطوقاً، وغيره مفهوماً، وإن كانت استفادته قد جاءت بواسطة اللفظ، ثم إن الحكم الذي يستفاد من طريق المفهوم قد يكون موافقاً للحكم المنطوق به وقد يكون مخالفاً له.
فالأول مفهوم موافقة.
والثاني مفهوم مخالفة.
فمفهوم الموافقة: حيث يكون الحكم المسكوت عنه موافقاً للمنطوق، ويسمى فحوى الخطاب ولحنه، سواء كان الحكم المسكوت عنه أولى من حكم المنطوق به أو مساوياً له.
فالأول: وهو ما كان حكم المسكوت عنه أولى من المنطوق به مثل: دلالة تحريم التأفيف في قوله - تعالى -: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ ١ على تحريم الضرب؛ إذ إنه أشد من التأفيف فكان النهي عنه أولى.
والثاني وهو ما كان مساوياً للحكم المنطوق به مثاله: دلالة تحريم أكل مال اليتيم المستفاد من قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٢ على تحريم إحراق مال
стр. 299
اليتيم بطريق المفهوم؛ لأن الإحراق مساوٍ للأكل في إتلاف المال، ومن الأصوليين من يفرق بين فحوى الخطاب ولحن الخطاب، فيجعل الفحوى لما كان المسكوت عنه أولى من المنطوق، ولحن الخطاب لما كان المسكوت فيه مساوياً للمنطوق؛ ولكن عامة الأصوليين على عدم التفرقة.
ولا خلاف بين العلماء في أن كلاً من المنطوق ومفهوم الموافقة حجة صالحة لإثبات الأحكام الشرعية؛ وإنما يظهر التفاوت بين المنطوق ومفهوم الموافقة عند التعارض، حيث يقدم ما يدل بالمنطوق الصريح١، على ما يدل بالمنطوق غير الصريح٢، ويقدم مفهوم الموافقة على مفهوم
стр. 300
المخالفة عند القائلين بحجية مفهوم المخالفة، كما سيأتي بيان ذلك، ولكن وقع الخلاف بين الجمهور والحنفية في المفهوم المخالف هل هو حجة لإثبات الحكم أو لا؟
ولعلاقة هذه المسألة بالخلاف في حمل المطلق على المقيد سوف أتناولها بالبحث في النقاط التالية، وسيتبين لنا من اختلافهم في حجية مفهوم المخالفة، اختلافهم بالتالي في حمل المطلق على المقيد أو عدم حمله عليه في الصور المتنازع فيها؛ فالذي يرى أن مفهوم القيد حجة جعله سبباً للحمل، ومن لا يرى حجية المفهوم نفي السببية التي أوجبت الحمل عند غيره.
стр. 301
نقاط البحث في مفهوم المخالفة:
١ - تعريفه.
٢ - مذاهب العلماء في حكم الاحتجاج به.
٣ - شرط حجيته عند القائل بها.
٤ - الفرق بين القيد والعلة.
٥ - أثر الخلاف.
стр. 302
أولاً: تعريف مفهوم المخالفة
من تعريف مفهوم الموافقة السابق تتضح حقيقة مفهوم المخالفة، وأنه ما كان الحكم المسكوت عنه مخالفاً للحكم المنطوق به، ويسمى أيضاً دليل الخطاب؛ لأن الدلالة على الحكم المخالف تحصل باعتبارات موجودة في الخطاب نفسه، كالوصف والشرط والغاية وغيرها من القيود التي لها مفهوم مخالف، وبناء على ذلك يمكن تعريفه في اصطلاح القائلين بحجيته.
بأنه: دلالة اللفظ على ثبوت نقيض الحكم المنطوق به لانتفاء قيد معتبر في تشريعه١.
ومثال ذلك: قول الرسول ﷺ : "في الغنم السائمة زكاة"٢؛ فهذا الحديث عند من يقول بالمفهوم المخالف يدل على حكمين:
الأول: وجوب الزكاة في الغنم السائمة، وهذا الحكم منطوق به في الحديث صراحة.
الثاني: عدم إيجاب الزكاة في الغنم غير السائمة، وهذا الحكم على نقيض من الحكم الأول، كما ترى بدل عليه التقييد بوصف السوم، فمن
стр. 303
حيث إن استفادة هذا الحكم لم تستند إلى لفظ منطوق به في الكلام سمي مفهوماً؛ ومن حيث إنه كان مخالفاً للحكم المنطوق به سمي مخالفاً فقيل: مفهوم المخالفة أو المفهوم المخالف.
ولكن من لا يرى حجية مفهوم المخالفة يقول: إن عدم إيجاب الزكاة في الغنم المعلوفة لم يتعين منشؤه؛ فلا يدرى أهو دلالة التقييد بوصف السوم أم للعدم الأصلي؟ الذي هو براءة الذمة من التكاليف حتى يدل دليل على انشغالها؟
ذلك أننا قد وجدنا بالاستقراء لجزئيات كثيرة وردت بها نصوص شرعية مقيد حكم كل منها بقيد، وثبت انتفاء حكم الواقعة المنصوص عليه عند انتفاء القيد، وكان ذلك الانتفاء موافقاً للعدم الأصلي١، ومن
стр. 304
هنا وقع الشك في انتفاء الحكم عن الحادثة التي انتفى القيد عنها، ومع الاحتمال والتردد لا تنهض الحجية؛ إذ يجب الاحتياط في تقرير المناهج الأصولية لاستنباط الأحكام الشرعية، حتى لا ينسب إلى الشرع ما ليس منه١.
ويرد على ذلك بأن الجمهور القائلين بحجية المفهوم المخالف لا ينفون الاحتمال في منشأ الحكم، ولهذا يقولون: إن دلالة مفهوم المخالفة ليست قطعية، لكنهم يرجحون احتمال كون منشأ انتفاء الحكم وثبوت نقيضه مستنداً إلى دلالة القيد لا للعدم الأصلي، وذلك للأدلة المرجحة لهذا القول، والظن الراجح كاف في وجوب العمل به في الأحكام العملية وأدلتها.
стр. 305
ثانياً: مذاهب العلماء في حجية مفهوم المخالفة وأدلتهم:
يقصد بحجية مفهوم المخالفة أن يكون طريقاً صالحاً لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، مثل: استفادة عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة من حديث: "في سائمة الغنم زكاة"، لعدم تحقق صفة السوم فيها.
ويقصد بعدم حجيته أنه لا يكون منهجاً أصولياً تستنبط الأحكام الشرعية عن طريقه، ذلك أن المحل المخالف للمنطوق، وقع الشك في نفي الحكم عنه، أهو لانتفاء القيد الموجود في المنطوق، فيكون من قبيل دلالة النص؟ أم أن ذلك يرجع إلى عدم الحكم الشرعي أم هو يعود إلى أدلة أخرى، فلا يكون مأخوذاً من النص المقترن بالقيد؟
إذا علم ذلك فنقول:
اتفق الأصوليون على أن مفهوم المخالفة حجة يجب العمل بمقتضاها في المؤلفات العلمية، وعقود الناس وتصرفاتهم القولية وسائر معاملاتهم، لأن عرف الناس واصطلاحهم في التعبير عن مقاصدهم يدل على ذلك، وإلا كان الإتيان بالقيد في عرفهم عبثاً١.
ولهذا شاع بين الحنفية مع نفيهم لحجية المفهوم في كلام الشارع:
стр. 306
قولهم: (مفاهيم الكتب حجة) ١، وبناء على ذلك فقول الواقف جعلت ربع مالي لأقاربي الفقراء، يفيد بمنطوقه استحقاق أقربائه الفقراء لربع ماله، ويفيد بمفهومه المخالف عدم استحقاق أقاربه غير الفقراء لربع ماله، ونصه حجة على الحكمين إلا إذا دلت قرينة على أن القيد ليس للتخصيص٢، فعندئذ يؤخذ بما توجبه القرينة٣.
ثم وقع الخلاف بين الجمهور والحنفية في الاحتجاج بمفهوم المخالفة في نصوص الشرع:
أ - فذهب الحنفية ومن وافقهم إلى أن مفهوم المخالفة ليس بحجة في نصوص الشرع٤.
ب - وذهب جمهور الأصوليين من المالكية والشافعية والحنابلة فيما
стр. 307
عدا مفهوم اللقب١ إلى أن المفهوم المخالف حجة شرعية صالحة لأخذ الأحكام بواسطتها.
стр. 308
ثالثا: شرط حجيته عند القائل بها.
وقبل أن نذكر أدلة المذاهب نشير هنا إلى أن الجمهور قد احتاطوا للأخذ بمفهوم المخالفة فاشترطوا للقول به شروطاً لا بد من توفرها حتى يكون حجة شرعية، وتلك الشروط إذا روعيت فيها تقريب لوجهات النظر المختلفة بعضها من بعض، كما أنها تخفف من حدة الاختلاف بين مسالك العلماء، وفيها أيضاً جواب عن كثير من الاعتراضات التي يمكن أن تورد على القائلين بالحجية، وهي شروط كثيرة، ولكن بالاستقراء يمكن تلخيصها في شرطين:
الأول: أن لا يعارض المفهوم المخالف ما هو أقوى منه١، ومفاد هذا الشرط أن يقدم العمل بالمنطوق ومفهوم الموافقة عند تعارضهما مع المفهوم المخالف.
أما تقديم المنطوق فهو ظاهر لقوته واتفاق العلماء على الاحتجاج به، وأما تقديم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة عند التعارض؛ فلأمرين:
أولهما: ما سبق في تعريف المفهوم الموافق أن من شرط الحكم
стр. 309
الثابت به أن يكون أولى من المنطوق أو مساوياً له، وهذا يقتضي تقديم العمل بمفهوم الموافقة عند تعارضه مع مفهوم المخالفة لمساواة مفهوم الموافقة للمنطوق على أقل تقدير.
ثانياً: أن الحكم الثابت بالمفهوم الموافق، ثابت بطريق النص نفسه لوضوح علته، والوقوف عليها وتعلقها بمجرد سماع المنطوق بخلاف مفهوم المخالفة فهو وإن كان ثابتاً بطريق اللفظ عند القائل به، لكنه يحتاج إلى تأمل وروية، فعلى هذا يقدم عند التعارض مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة لقوته ووضوحه.
وخاصة إذا علمنا أن بعض الباحثين يرى أن تقسم الدلالات إلى قسمين:
١ - منطوق ويتضمن أغلب أنواع الدلالات١ بما فيها مفهوم الموافقة، لأن العلة فيه تفهم بمجرد ذكر النص.
٢ - ومفهوم: ويراد به هنا: ما يقابل المنطوق وهو منحصر في مفهوم المخالفة عند صاحب هذا الاتجاه: وعليه فاعتبار مفهوم الموافقة
стр. 310
خارجاً عن المنطوق فيه نظر.
الشرط الثاني: أن لا يكون للقيد الذي خص بالذكر١ فائدة أخرى غير تخصيص الحكم بالذكر.
وهذا شرط جامع كما ترى، إلا أنه لما كان يعسر الوقوف على نفي الفوائد الأخرى نظراً لاشتمال الأحكام الشرعية على أسرار وحِكَم لا يحيط بها إلا مُشَرِّعُهَا العليم الحكيم٢.
أقول: من أجل ذلك اعترض المخالفون في حجية المفهوم على هذا الدليل، وقالوا: إن هذا الشرط يدفع القول بحجية المفهوم، لعدم إمكان الاطلاع على نفي الفائدة.
وكان رد الجمهور على ذلك ما سبقت الإشارة إليه من أن الظن الراجح كاف للقول بوجوب العمل بالمفهوم المخالف، ومعنى ذلك أن المجتهد إذا بحث في النصوص المشتملة على قيد من القيود ثم غلب على ظنه أن ما ورد فيها من قيد هو لبيان نفي الحكم عند انتفاء القيد عن الواقعة، لزمه العمل بمقتضى ما ترجح له، وهذا هو مراد القائلين بالحجية، أي: أنه دليل راجح يجب العمل به على هذا الأساس.
стр. 311
أدلة الفريقين:
أ - أدلة الحنفية ومن وافقهم ١:
استدل الحنفية ومن وافقهم على منع الاحتجاج بمفهوم المخالفة في نصوص الشرع، بعدة أدلة، أظهرها ما يلي:
١ - قالوا: إن دلالة التقييد على نفي الحكم عن غير المتصف بالقيد ينبغي أن تثبت بما تثبت به الأوضاع اللغوية لمساس علاقة هذه الدلالة باللغة، وطريق إثبات الأوضاع اللغوية إما أن يكون بدليل عقلي، أو بدليل نقلي، ولا سبيل إلى إثباتها بطريق العقل؛ لأنه لا مجال له في اللغات، ولا دخل له في وضع الألفاظ.
والنقلي إما متواتر أو آحاد، ولا سبيل للقول بالأول، وهو المتواتر، لأن المتواتر لو كان موجوداً، لما وقع الاختلاف بين العلماء في حجية مفهوم المخالفة، نظراً إلى أن المتواتر لا يدع مجالاً للاختلاف، وحيث إن الاختلاف واقع في هذه المسألة؛ فإنه يدل على عدم توفر الدليل النقلي المتواتر فيها.
بقي الدليل النقلي الأحادي وهو لا يفيد في هذه المسألة؛ لأنه يفيد
стр. 312
الظن، ولا اعتبار بالظن في إثبات الأصول اللغوية، وحيث إن كلام الله وكلام رسوله ﷺ يجري عليهما ما يجري على اللغة؛ فلا اعتبار فيهما لمفهوم المخالفة، لأنه لم يثبت بالنقل المتواتر١.
وقد أجيب عن هذا الدليل بما يلي:
أولاً: إن عدم إفادة أخبار الآحاد لمثل هذه المسألة غير مسلم، لأن عدم قبول الآحاد فيها، واشتراط ثبوتها بالطريق المتواتر يؤدي إلى امتناع العمل بأكثر أدلة الشرع، لعدم توفر التواتر في مفرداتها.
وثانياً: إن معظم قواعد اللغة وأساليبها ما وصل إلينا إلا بطريق النقل الأحادي كالنقل عن الخليل، وسيبويه، والأصمعي٢، فلو اشترطنا
стр. 313
لقبول ذلك التواتر لضاع كثير من قواعد اللغة.
وثالثاً: وجدنا العلماء في شتى البلاد ومختلف العصور مكتفين بالنقل الآحادي في فهم معنى الألفاظ وأساليب اللغة، وهذا دليل منهم على أن التواتر ليس شرطاً لمعرفة القواعد اللغوية.
٢ - واستدلوا أيضاً:
فقالوا: إن التعليق بالوصف لو كان دالاً على نفي الحكم عند عدمه للزم أن لا يثبت عند انتفاء القيد؛ لأن ثبوته عندئذ يكون مخالفاً للدليل.
ولكن الحكم المعلق على الوصف قد يثبت عند عدمه، ويدل على ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم خَشْيَةَ إمْلاَقٍ﴾ ١؛ فإن النهي عن قتل الأولاد قيد بحال خشية الإملاق، مع أن الحكم وهو تحريم القتل ثابت
стр. 314
في حال عدم خشية الإملاق، وهو الفقر، أو كان القتل مع خشية الإملاق.
وأجيب عن هذا الدليل بما تقدم في شروط حجية مفهوم المخالفة، وهو أن لا يكون الحكم المسكوت عنه أولى من المنطوق به، وفي هذه الحال حكم تحريم قتل الأولاد في حال عدم خشية الإملاق أولى بالتحريم من حال خشية الإملاق، فلا يدل التقييد على نفي الحكم في هذه الصورة، لتخلف شرط حجيته، وهو أن لا يعارضه ما هو أقوى منه، وفي هذه الحال قد عارضه مفهوم الموافقة، فيقدم العمل به لقوته ووضوحه، على العمل بالمفهوم المخالف.
٣ - ومن أدلتهم أيضاً:
قياس ما عدا اللقب من المفاهيم على اللقب بجامع أن كلاً منهما يميز ما تعلق به، ويحد من دائرة شموله، وحيث كان مفهوم اللقب ليس بحجة باتفاق أكثر العلماء، فكذلك غيره من المفاهيم لا يكون حجة لاشتراكهما في العلة، وهي التمييز في كل.
وأجيب عن ذلك بأن قياس غير اللقب من المفاهيم على اللقب قياس مع الفارق، ووجه الفرق أن غير اللقب من المفاهيم فيه الإشعار بالعلية، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، بخلاف اللقب، فإنه لا دلالة له على علة الحكم، فعدمت المساواة بينهما، ثم إن ذلك منقوض بالغاية، فإن المقصود منها التمييز.
стр. 315
مع أنها تدل على أن ما بعدها مخالف لم قبلها في الحكم، فلو كان كل ما هو موضوع للتمييز لا يدل على نفي الحكم عند انتفائه لما دلت الغاية على ذلك١، وكل هذا مع التسليم بصحة القياس في اللغة، مع أن الراجح عدم جريان القياس فيها.
٤ - ويمكن لنفاة الاحتجاج بمفهوم المخالفة أن يؤيدوا وجهة نظرهم بمبدأ تعليل الأحكام؛ لأن أغلبها معلل في نظر الجمهور من العلماء٢، وحيث كان الأمر كذلك، فإنها تتعدى إلى غير موضع النص لاتحاد المناط، وعلى ذلك لا يكون المحل المسكوت عنه خالياً من الحكم حتى نعطيه نقيض الحكم المنطوق به في النص المقيد، وهذا المبدأ لا يدع مجالاً للأخذ بمفهوم المخالفة؛ لأن احتمال وجود العلة في غير المنصوص قائم، فيكون من غير المعقول أن نثبت فيه نقيض الحكم بمفهوم المخالفة٣.
ويجاب عن هذا الدليل بأنه خارج عن محل النزاع، لما سبق في شروط الاحتجاج بالمفهوم التي منها عدم وجود دليل على الحكم المسكوت عنه، وحيث إن القياس دليل من الأدلة التي تثبت بها الأحكام،
стр. 316
لا يكون المحل خالياً عن الدليل، فلا يصح الاحتجاج عليه بالمفهوم المخالف علماً أن تعارض القياس والمفهوم فيه خلاف بين العلماء، فبعضهم يقدم مفهوم المخالفة لاستناده إلى النص، ولا قياس مع النص.
وبعضهم يقدم القياس، لاتفاق أكثر العلماء على حجية القياس، بخلاف المفهوم المخالف فقد خالف في الاحتجاج به كثير من العلماء، والذي يترجح عندي أن يفرق بين القياس المنصوص العلة، وما كانت علته مستنبطة فالأول يعارض مفهوم المخالفة ويقدم عليها؛ لأنه في الحقيقة مفهوم الموافقة الذي سبق الكلام عليه.
وأما ما كانت العلة فيه مستنبطة فهو محتمل، وللمجتهد دوره في الترجيح عند التعارض بين هذا النوع من القياس وبين مفهوم المخالفة.
ب - أدلة الجمهور على أن مفهوم المخالفة حجة:
استدل جمهور الأصوليين على أن مفهوم المخالفة حجة شرعية يصلح لاستنباط الأحكام الشرعية بواسطته بأدلة منها:
أولاً: عرف أهل اللغة:
فقد روي عن الإمام الشافعي وأبي عبيد القاسم بن سلام١ أنهما
стр. 317
حينما سمعا قول الرسول ﷺ : "مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته" ١، قالا: هذا يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم٢.
فدل ذلك على أن انتفاء الحكم عن الواقعة التي ورد بها النص عند انتفاء القيد، وثبوت نقيضه هو المتبادر من فهم أئمة اللغة. والتبادر بدون قرينة أمارة الحقيقة، وعرف أهل اللغة حجة وإلا لم يكونوا أئمة فيها.
ثم إن الظاهر أن عرفهم يستند إلى أصل لغوي، إذ لا مجال للاجتهاد بالرأي في إثبات الأوضاع اللغوية٣، وقد نقل هذا الفهم عنهم نقلاً
стр. 318
مستفيضاً عبر القرون، فدل ذلك على أن ما يفيده أسلوب مفهوم المخالفة مدلول لغوي للنص نفسه١، فكان حجة؛ إذ كل ما كان من مدلول النص يجب الأخذ به ولا يجوز تركه.
وعورض هذا الفهم بفهم الأخفش وغيره٢ من أئمة اللغة الذين لا
стр. 319
يقرون مفهوم المخالفة.
وقد دفعت هذه المعارضة بأن منزلة الأخفش في اللغة دون الإمام الشافعي وأبي عبيد، كيف وقد قال بذلك الإمام الشافعي وهو من أئمة اللغة الذين يحتج بقولهم فيها؛ فالأصمعي قد احتج بقوله وصحح عليه دواوين الهذليين، ثم هناك قاعدة في المعارضة والترجيح تقضي بأنه إذا تعارض المثبت والنافي كان المثبت أولى بالقبول؛ لأن المثبت معه زيادة علم لم يطلع عليها النافي، ذلك أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود إلا ظناً١، لكن الوجدان يدل على الوجود قطعاً، ولا شك أن القطعي أولى بالقبول من الظني.
واستدلوا أيضاً:
بأن الرسول ﷺ نقل عنه هذا الفهم، كما نقل عن الصحابة ﵃ مثل ذلك، بدليل أن يعلى٢ بن أمية لما سمع قول الله - تعالى -:
стр. 320
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ١، قال لعمر ﵁: ما بالنا نقصر وقد أَمِنّا٢، فقد فهم من تعليق جواز قصر الصلاة على الخوف عدم جوازه حالة الأمن، فأقره عمر على هذا الفهم، بدليل قول عمر جواباً ليعلى: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ٣.
فعمر ﵁ قد فهم من هذه الآية كما فهم يعلى، وسأل رسول الله عن ذلك، فأقره الرسول ﷺ على فهمه، ولكنه بين له أن القصر في حال الأمن تشريع مبتدأ تخفيفاً من الله على عباده، ولو كان ما فهمه عمر من هذا الأسلوب لا تدل علية الآية الكريمة، لما أقره الرسول ﷺ على فهمه، ولبين له أن ما فهمه من الآية كان خطأ؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.