← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8556

المطلق والمقيد

حمد بن حمدي الصاعدي

Полный текст (517 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لا يكون المحل خالياً عن الدليل، فلا يصح الاحتجاج عليه بالمفهوم المخالف علماً أن تعارض القياس والمفهوم فيه خلاف بين العلماء، فبعضهم يقدم مفهوم المخالفة لاستناده إلى النص، ولا قياس مع النص. وبعضهم يقدم القياس، لاتفاق أكثر العلماء على حجية القياس، بخلاف المفهوم المخالف فقد خالف في الاحتجاج به كثير من العلماء، والذي يترجح عندي أن يفرق بين القياس المنصوص العلة، وما كانت علته مستنبطة فالأول يعارض مفهوم المخالفة ويقدم عليها؛ لأنه في الحقيقة مفهوم الموافقة الذي سبق الكلام عليه. وأما ما كانت العلة فيه مستنبطة فهو محتمل، وللمجتهد دوره في الترجيح عند التعارض بين هذا النوع من القياس وبين مفهوم المخالفة. ب - أدلة الجمهور على أن مفهوم المخالفة حجة: استدل جمهور الأصوليين على أن مفهوم المخالفة حجة شرعية يصلح لاستنباط الأحكام الشرعية بواسطته بأدلة منها: أولاً: عرف أهل اللغة: فقد روي عن الإمام الشافعي وأبي عبيد القاسم بن سلام١ أنهما

стр. 317

حينما سمعا قول الرسول ﷺ : "مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته" ١، قالا: هذا يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم٢. فدل ذلك على أن انتفاء الحكم عن الواقعة التي ورد بها النص عند انتفاء القيد، وثبوت نقيضه هو المتبادر من فهم أئمة اللغة. والتبادر بدون قرينة أمارة الحقيقة، وعرف أهل اللغة حجة وإلا لم يكونوا أئمة فيها. ثم إن الظاهر أن عرفهم يستند إلى أصل لغوي، إذ لا مجال للاجتهاد بالرأي في إثبات الأوضاع اللغوية٣، وقد نقل هذا الفهم عنهم نقلاً

стр. 318

مستفيضاً عبر القرون، فدل ذلك على أن ما يفيده أسلوب مفهوم المخالفة مدلول لغوي للنص نفسه١، فكان حجة؛ إذ كل ما كان من مدلول النص يجب الأخذ به ولا يجوز تركه. وعورض هذا الفهم بفهم الأخفش وغيره٢ من أئمة اللغة الذين لا

стр. 319

يقرون مفهوم المخالفة. وقد دفعت هذه المعارضة بأن منزلة الأخفش في اللغة دون الإمام الشافعي وأبي عبيد، كيف وقد قال بذلك الإمام الشافعي وهو من أئمة اللغة الذين يحتج بقولهم فيها؛ فالأصمعي قد احتج بقوله وصحح عليه دواوين الهذليين، ثم هناك قاعدة في المعارضة والترجيح تقضي بأنه إذا تعارض المثبت والنافي كان المثبت أولى بالقبول؛ لأن المثبت معه زيادة علم لم يطلع عليها النافي، ذلك أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود إلا ظناً١، لكن الوجدان يدل على الوجود قطعاً، ولا شك أن القطعي أولى بالقبول من الظني. واستدلوا أيضاً: بأن الرسول ﷺ نقل عنه هذا الفهم، كما نقل عن الصحابة ﵃ مثل ذلك، بدليل أن يعلى٢ بن أمية لما سمع قول الله - تعالى -:

стр. 320

﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ١، قال لعمر ﵁: ما بالنا نقصر وقد أَمِنّا٢، فقد فهم من تعليق جواز قصر الصلاة على الخوف عدم جوازه حالة الأمن، فأقره عمر على هذا الفهم، بدليل قول عمر جواباً ليعلى: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ٣. فعمر ﵁ قد فهم من هذه الآية كما فهم يعلى، وسأل رسول الله عن ذلك، فأقره الرسول ﷺ على فهمه، ولكنه بين له أن القصر في حال الأمن تشريع مبتدأ تخفيفاً من الله على عباده، ولو كان ما فهمه عمر من هذا الأسلوب لا تدل علية الآية الكريمة، لما أقره الرسول ﷺ على فهمه، ولبين له أن ما فهمه من الآية كان خطأ؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

стр. 321

٣ - واستدل الجمهور أيضاً: فقالوا: إن القيود التي ترد في النصوص الشرعية لا بد أن تكون لحكمة، لأن الشارع لا يقيد بوصف أو شرط أو غاية عبثاً، وأظهر ما يتبادر إلى الفهم أن تكون هذه الحكمة تخصيص الحكم بما يوجد فيه القيد١، والتخصيص يقتضي نفي الحكم عما لم يوجد فيه القيد، فإذا عري القيد بعد البحث والتمحيص عن أغلب الاحتمالات والفوائد التي تتوخى منه عادة إلا عن تخصيص الحكم بالمذكور وجب حمله على ذلك؛ لئلا يكون القيد خالياً عن الفائدة، وهو ما ينبغي أن يصان عنه كلام العقلاء، فضلاً عن كلام الله وكلام رسوله ﷺ . وقد سبق اعتراض الحنفية على هذا الاستدلال، وجواب الجمهور عن ذلك. ٤ - ومن أدلة الجمهور أيضاً: أن ربط الحكم بالوصف يومئ إلى علية ذلك الوصف، ومعلوم أنه إذا انتفت العلة انتفى المعلول؛ فكان انتفاء الوصف دليلاً على انتفاء الحكم، وهذا الدليل يرجع إلى اعتبار لغوي في النص وهو القيد، كما أنه يعود إلى اعتبار عقلي أيضاً، وهو ارتباط المسبب بالسبب عقلاً؛ فإن العقل يحكم بأنه حيثما توجد العلة يوجد الحكم، وبهذا يكون الاعتبار اللغوي

стр. 322

والشرعي قد تأيدا بالاعتبار العقلي في حجية المفهوم، وقد اعترض على هذا الدليل بعدة اعتراضات منها: أولاً: أن انتفاء الحكم عند انتفاء العلة غير مسلّم به، لجواز علة أخرى يثبت بها الحكم، ذلك أن الحكم الواحد قد يكون له عدة أسباب يثبت بكل واحد منها على سبيل البدل١. ويدفع هذا الاعتراض بأن الدليل مفروض فيما لم يوجد فيه إلا علة واحدة، واعترض عليه ثانياً بأن قياس الوصف (القيد) على علة الحكم قياس مع الفارق ووجه الفرق ما سوف نذكره في الفقرة التالية. اللهم إلا أن يراد أن الوصف (القيد) يشبه العلة من حيث دوران الحكم معها وجوداً وعدماً، فهذا مسلم به، ولكن ذلك لا يقتضي أن يكون الوصف علة للحكم؛ لأن دوران الحكم مع القيد حينئذ قد يكون بسبب أن ذلك القيد شرط مقارن لعلة الحكم٢.

стр. 323

رابعاً: الفرق بين القيد والعلة: ذكرنا قبل قليل أن القيد يشبه العلة عند القائلين بحجية مفهوم المخالفة من حيث دوران الحكم معه وجوداً وعدماً، فهل هما شيء واحد أم بينهما فرق؟ وللجواب على هذا التساؤل: نذكر تعريف كل منهما وبه يتضح الفرق عند من يرى ذلك. فالعلة قد عرفت بتعاريف متعددة أقل هذه التعاريف اعتراضاً القول بأنها: الوصف المعرف للحكم١، ومعنى تعريف الوصف للحكم أنه علامة على وجوده، كالإسكار فإنه علامة على حرمة المسكر بقطع النظر عن ذات المسكر، لقول الرسول ﷺ : "كل مسكر حرام"، وفي لفظ آخر: " كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" ٢.

стр. 324

وأما القيد: فليس هو الوصف المعرف للحكم، ولكنه حالة من أحواله أو ظرف من ظروفه، أو شرط مقارن لعلته، يحدد مجال تطبيق الحكم فيجعله قاصراً على بعض الأحوال دون سواها، وهذا يتضح بالمثال. فزكاة الأموال العلة فيها هي المال النامي حقيقة أو تقديراً وقد حددت زكاة الزروع بمقدار: (عشر المحصول) ١ إذا سقيت بماء السماء، أو الأنهار والعيون، ونحوها مما لا كلفة فيه. وأما في حال السقي بالآلات أو بما فيه تكاليف (فنصف العشر) ٢،

стр. 325

فكل من الحالين إذن ليس هو العلة، بل العلة هي المال النامي نفسه وهاتان الحالتان هما قيدان، أو شرطان مقارنان لعلة الحكم لتحديد المقدار الواجب لاعتبارات تتعلق بالعدل في توزيع التكاليف، وهكذا حق مطالبة الدائن مدينه سببه ومناطه هو الدين؛ إذ هو الذي خَوّل الدائن حق المطالبة١، ولكن هذا الحق حددت ممارسته بحال اليسر حتى إذا انتفت ثبت عكسه، وهو عدم جواز المطالبة في حال الإعسار، مع أن العلة قائمة في الحالتين، وهي (الدين) ولكن (الإعسار) حال دون اقتضاء العلة لحكمها لاعتبارات تتعلق بالمصلحة والعدل، وتوثيق عرى التعاون بين أفراد المجتمع، وبهذا يظهر أن القيد إذا كان له مفهوم يكون ذا أثر في أمرين: الأول: تحديد مدى تطبيق الحكم.

стр. 326

الثاني: تحديد مقدار الحكم إذا كان من المقدرات. فإذا لم يكن للقيد مفهوم مخالف، وذلك بأن كان مجيئه لغرض آخر، فلا يكون للقيد حينئذ أثر في الحكم لا ثبوتاً ولا نفياً، فيطبق الحكم على إطلاقه؛ لأن القيد لا مفهوم له في بيان الحكم. وقد التفت إلى أصل التفرقة بين القيد والعلة بعض١ أصحاب الأصول إلا أنه يرى أن القيد جزء متمم للعلة، ومعنى ذلك أنه إذا انتفى الوصف أي: القيد انتفت العلة؛ فلا تعمل عملها لانتفاء الجزء المتمم لها، وإليك نص كلامه: (والفرق بين العلة والوصف) أن الوصف قد يكون علة كالإسكار، وقد لا يكون علة بل متمماً لها (كالسوم) ، فإن وجوب الزكاة في الغنم السائمة العلة فيه هي الغنم والسوم متمم لها. وهذا التوجيه اعترض عليه بأن أصل التفرقة مسلم به، ولكن كون الوصف متمماً للعلة في حيز المنع، بل الوصف هنا بمثابة الشرط المقارن للعلة، فالعلة تامة، ولكنها لم تعمل عملها لفقدان شرطها المقارن لها٢.

стр. 327

وبعد هذا نصل إلى الفقرة الأخيرة من هذا المبحث، وهي ثمرة الخلاف في حجية مفهوم المخالفة.

стр. 328

خامساً: أثر الخلاف في حجية مفهوم المخالفة: لما كان مفهوم المخالفة حجة شرعية لدى جمهور الأصوليين، دل عليها النص لغة وشرعاً، فيعتبر ما يستنبط عن طريقه حكماً شرعياً ثابتاً بالنص نفسه كالحكم الثابت بالمنطوق، وبالتالي تجري عليه الأحكام التي تجري على الحكم المستفاد من المنطوق، فيجري التعارض بينه وبين الحكم المنطوق على اعتبار أنهما ثابتان بالنص كما يجوز نسخه والقياس عليه. وأما على رأي الأحناف ومن وافقهم، الذين يرون أن انتفاء الحكم عند انتفاء القيد الثابت بالعدم الأصلي في بعض الحالات، فلا يكون الحكم الثابت للمحل المسكوت عنه في كل الحالات حكماً شرعياً، بل مجرد حكم عقلي، وحينئذ فلا يستفاد من النص الذي ورد معه القيد إلا حكم واحد هو المنطوق به، والشارع ساكت عن غيره لم يتعرض له بنفي أو إثبات فيبقى على العدم الأصلي عارياً عن الحكم الشرعي حتى يرد دليل من الشارع ينتهض بحكمه، ولا مجال للقول بمفهوم المخالفة في إثبات الحكم فيه، لأن مفهوم المخالفة ليس بحجة شرعية عند الأحناف، وهذا يتضح بالأمثلة الآتية: ١ - فمثال تعارض المفهوم مع المنطوق، قوله تعالى في شأن ميراث بنات المتوفى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ ١، مع قول الرسول

стр. 329

صلى الله عليه وسلم لأخي سعد بن الربيع١ "أعط ابنتي سعد الثلثين وزوجته الثمن، وما بقي فهو لك"٢، فعلى مذهب الجمهور يوجد تعارض بين مفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ ، حيث يدل على أن الواحدة أو الاثنتين لا يرثان الثلثين، وبين منطوق الحديث الذي يفيد أن الاثنتين يرثان الثلثين بقوله: "أعط ابنتي سعد الثلثين"، وقد نسب إلى ابن عباس ﵁ أنه فهم ما تقتضيه هذه القاعدة فلم يورث البنتين

стр. 330

الثلثين، ولكن الجمهور قالوا: إن البنتين يرثان الثلثين، بمنطوق الحديث، وبأدلة أخرى١، ومفهوم المخالفة لا يقوى على معارضة منطوق الحديث لما سبق أن من شرط حجيته أن لا يعارضه منطوق، وهنا قد عارضه المنطوق فلا يصح التمسك به في مقابلته. وأما على رأي الأحناف فلا توجد معارضة أصلاً، لأن الحديث بين حكم واقعة مسكوت عنها في آية المواريث. ٢ - ومثال نسخ المفهوم عند القائلين به: ما نقل من اتفاق الصحابة ﵃ أن قول الرسول ﷺ : "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" ٢، ناسخ لقوله ﷺ "الماء من الماء" ٣، ولولا أن قوله:

стр. 331

"الماء من الماء" يدل على نفي الغسل من غير إنزال لما كان ناسخاً له، وقد نوقش هذا المثال من قبل المخالفين، حيث قالوا: إن اتفاق الصحابة على النسخ ليس مرده إلى المفهوم، بل لمدلول العموم والحصر، لأن (أل) في الماء، للجنس وفيها معنى حصر المبتدأ في الخبر، وهذا خارج عن محل النزاع. ٣ - ومثال القياس على الحكم المأخوذ بطريق المفهوم: ما تقدم في كفارة القتل من أن الآية الكريمة قد اشترطت بمنطوقها الإيمان في كفارة القتل، ودلت بمفهومها المخالف على أن غير المؤمنة لا تجزئ، فقاس الجمهور على كفارة القتل الخطأ كفارة الظهار فاشترطوا فيها أن تكون مؤمنة بناء على صحة هذا القياس، وكان رد الحنفية عليهم بأن أصل القياس ليس حكماً شرعياً، بل عدماً أصلياً؛ فلا يصح هذا القياس، لأن العدم ليس بحكم شرعي، ودفع هذا الاعتراض من قبل الجمهور بأن المعدي وجوب القيد، وهو حكم شرعي ثابت بمنطوق النص، وبهذا المثال تبين أن الخلاف في حمل المطلق على المقيد له صلة قوية بالخلاف في حجية مفهوم المخالفة كما سبق أن أشرنا إلى ذلك١.

стр. 332

الترجيح: يبدو أن الرأي الراجح هو القول بحجية مفهوم المخالفة، وذلك لموافقته للمنقول والمعقول. أما المنقول: فلأن هناك نصوصاً من الكتاب والسنة يؤخذ منها بوضوح أن تقييد النص يدل على أن الثابت عند انتفاء القيد هو نقيض الحكم الثابت عند وجوده، ومن هذه النصوص قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ ١، فقد اتفق جميع العلماء باستثناء الظاهرية على عدم حرمة الربيبة إذا انتفى قيد الدخول بأمها، وكذلك قوله ﷺ : "في الغنم السائمة الزكاة" حيث اتفق العلماء باستثناء مالك٢

стр. 333

والليث١ بن سعد على الأخذ بمفهوم المخالفة. فقالوا بعدم وجوب الزكاة في المعلوفة٢. وأما المعقول: فلأن الذي يتفق مع المنطق البياني السليم هو أن القيد من شرط أو وصف أو غاية أو غير ذلك، لا يمكن أن يكون عبثاً، بل هو لفائدة وسبب، فإذا لم تكن هناك مقاصد بيانية أخرى من وراء ذكر القيد من ترغيب أو ترهيب أو نحوها، ولم يقم دليل خاص على حكم المسكوت غير أخذه من القيد يجب عندئذ الأخذ بهذا الطريق من الدلالة، فإذا كان الحل مقيداً بقيد ما فالتحريم يكون عند تخلف هذا القيد والعكس بالعكس.

стр. 334

المطلب الثاني: في اختلاف العلماء في الزيادة على النص . خلال حديثنا المستفيض عن أحوال المطلق والمقيد ذكرنا أن من الأسباب التي أدت إلى اختلاف الأصوليين في حكم حمل المطلق على المقيد في بعض الصور١، هو اختلافهم في الزيادة على النص، أهي بيان أو نسخ؟ وحتى يكون الكلام على حقيقة الخلاف مبنياً على أساس متين، ووافياً بالغرض المقصود، نخص هذه النقطة الأخيرة وهي الزيادة على النص بين النسخ والبيان، بمزيد من البحث والتفصيل وليكن الكلام عنها في النقاط التالية: ١ - المراد بالبيان. ٢ - المراد بالنسخ. ٣ - تعريف النص والمقصود به في هذا المبحث. ٤ - تحرير محل النزاع في الزيادة على النص. ٥ - أقوال العلماء في حكم الزيادة على النص وأدلتهم. ٦ - ثمرة الخلاف في الزيادة على النص.

стр. 335

١ - المقصود بالبيان: يراد بالبيان أن الحكم الذي يتناوله النص بظاهره لم يرد منا الشرع أن نعمل به على إطلاقه وشموله، وإنما المقصود منه هو العمل بمقتضى ما جاءت به الزيادة. ٢ - ويراد بالنسخ: أن الحكم الذي يتناوله النص بظاهره كان مراداً للشارع على الإطلاق ثم جاءت الزيادة ناسخة لذلك الإطلاق، ومقيدة للحكم ببعض محاله التي كان يتحقق فيها قبل مجيء الزيادة. وبناء على ذلك يتفق البيان والنسخ على أن الحكم الذي يجب العمل به بعد مجيء الزيادة هو ما تضمنته الزيادة نفسها، ويختلفان في أن ذلك الحكم هل هو المشروع ابتداء لم يطرأ عليه أي تغيير؟ وعندئذ تكون الزيادة قد أظهرت وبينت ما هو مشروع ابتداء فقط، وهذا المعنى هو المراد بالبيان، أو أن المشروع ابتداء هو ما يفيده النص على إطلاقه، والزيادة جاءت قاصرة له على بعض ما كان يتناوله، وحينئذ تكون الزيادة قد غيرت وأزالت بعض ما كان مراداً للشارع في ابتداء التشريع، وقصرت الحكم فيما يستقبل من الزمان على بعض ما كان قد تناوله النص، فتكون نسخاً بهذا الاعتبار بذلك قال الحنفية، كما سيأتي. ٣ - تعريف النص والمراد به هنا: أ - النص في اللغة: يأتي بمعنى الظهور والارتفاع، تقول العرب:

стр. 336

نصت الظبية رأسها، إذا أظهرته ورفعته، ونص فلان الحديث إلى فلان، إذا رفعه إليه، ونص كل شيء منتهاه١، ومن النص بمعنى الظهور والارتفاع سمي الكرسي الذي تجلس عليه العروس منصة؛ لأنها تكون مرفوعة وظاهره على غيرها، ومنه أيضا قول الفقهاء: (نص الكتاب ونص السنة) أي: ما دل عليه ظاهرها من الأحكام٢. ب - والنص في الاصطلاح: يختلف تعريفه باعتبار ما يراد منه٣،

стр. 337

والذي يهمنا من ذلك هو تعريف النص باعتباره شاملاً لنصوص الكتاب والسنة، حيث يعرَّف والحالة هذه بأنه: اللفظ الذي يفهم منه معنى عند النطق به١، وسواء أكان ذلك المعنى مقطوعاً به أم غير مقطوع به، وهذا التعريف أقرب معاني النص لما يراد منه في هذا المبحث؛ لأن علماء الأصول يعنون بالزيادة على النص أن يوجد نص شرعي يفيد حكماً، وقبل وقت العمل به يأتي نص آخر أو ما في حكمه٢ مفيداً نفس الحكم السابق للواقعة مع زيادة لم يتضمنها النص الأول، أو يضيف إلى حكم الواقعة الذي تناوله النص الأول بظاهره زيادة فقط. كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٣ مع قول الرسول ﷺ الثابت في الصحاح: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" ٤.

стр. 338

فالنص الأول: وهو الآية الكريمة أفاد حكماً شرعياً هو وجوب جلد الزاني مائة جلدة، وجاء الحديث الشريف فزاد على جلد المائة تغريب عام، فجلد المائة هو المزيد عليه، وتغريب عام هو المزيد، أو الزيادة على النص. ولكن الحنفية عندما اشترطوا في النص الذي تكون الزيادة عليه نسخاً كونه مقطوعاً به ثبوتاً ودلالة، قد قصروا النص على نوع خاص من ألفاظ الكتاب والسنة، وهو ما ثبت وصوله إلينا بالطريق المتواتر، أو المشهور، وكانت دلالته على الحكم لا يتطرق إليها احتمال مقبول. فبالشرط الأول: يكون النص شاملاً لجميع ألفاظ القرآن الكريم، وكذلك السنة المتواترة أو المشهورة، أما شموله للقرآن الكريم؛ فلأنه قد وصل إلينا كله بالطريق المتواتر، وكذا السنة المتواترة، وأما المشهورة فألحقت بالمتواترة حكماً عند الحنفية. وبالشرط الثاني: يخرج اللفظ الذي في دلالته أو ثبوته احتمال، كالعام الذي دخله التخصيص والسنة الأحادية؛ لأنها لم تصل إلينا بالطريق

стр. 339

المتواتر أو المشهور. والحاصل أن ما ثبت له الحكم بطريق قطعي لا يزول عنه بطريق ظني عند الحنفية؛ لأن الزوال بعد الثبوت في الأحكام الشرعية يكون نسخاً في الغالب، ونسخ القطعي بالظني غير جائز١. ويرى الجمهور أن تغيير الظاهر قبل وقت العمل لا يسمى نسخاً؛ لأنه وقع في زمن البيان، والبيان أكثر وقوعاً في الشريعة من النسخ، فيحمل التغيير في هذه المدة على البيان؛ لأنه الغالب على أحكام الشرع إلا إذا قام دليل قاطع على النسخ، كالتصريح في الزيادة على نسخ ما أفاده الظاهر، فإنه يكون حينئذ نسخاً لهذه القرينة، وليس لتعارض الزيادة مع النص. ٤ - تحرير محل النزاع في الزيادة على النص: لكي يكون النزاع٢ في محل الزيادة على النص واضحاً أمامنا لا بد من الإشارة إلى أن الزيادة عند الأصوليين تنقسم إلى قسمين. زيادة مستقلة بنفسها، بمعنى أن المزيد ليس جزءاً أو شرطاً لشيء آخر، وهذا النوع من الزيادة يتنوع بدوره إلى نوعين:

стр. 340

الأول: أن يكون المزيد مخالفاً لجنس المزيد عليه مثل: زيادة الزكاة على الصلاة، فإن كلاً منهما جنس يختلف عن الآخر، والمزيد وهو الزكاة مستقل عن المزيد عليه؛ إذ الزكاة لا تتعلق بالصلاة تعلق الجزء بالكل أو الشرط بالمشروط. والنوع الثاني: من الزيادة المستقلة أن يكون المزيد من جنس المزيد عليه، كزيادة صلاة سادسة على الصلوات الخمس مثلاً، فإن كلا من الزيادة والمزيد عليه جنس واحد كما هو الظاهر، والمزيد وهو الصلاة السادسة مستقل بنفسه عن المزيد عليه، لعدم تعلق الصلاة السادسة بما قبلها من الصلوات. وهذا القسم من الزيادة بنوعيه الاتفاق قائم بين العلماء دون خلاف يعتد به على أن الزيادة ليست نسخاً لحكم المزيد عليه؛ لأنها زيادة حكم في الشرع دون تغيير الحكم الأول، فمثلاً: وجوب الصلاة لم يتغير بعد زيادة وجوب الزكاة في الشرع، بل ظلت الصلاة واجبة بعد مشروعية الزكاة، كما كانت واجبة قبل مشروعيتها، وكذلك الحال بالنسبة لزيادة صلاة سادسة على الصلوات الخمس. القسم الثاني: زيادة غير مستقلة، بمعنى أن المزيد لا يستقل عن المزيد عليه في إفادة تمام الحكم، لأن الحكم مكون من مجموع الأمرين الزيادة والمزيد عليه، ومن أمثلة هذا القسم زيادة تغريب عام على الجلد في حد الزاني غير

стр. 341

المحصن، إذ إن الحكم بعد زيادة التغريب أصبح مكوناً من جزئين جلد مائة، وتغريب عام، ومثل زيادة وصف الرقبة بالإيمان في كفارة الظهار قياساً لها على كفارة القتل، فقد أصبح الحكم بعد زيادة اشتراط الإيمان إعتاق رقبة مؤمنة لا يجزئ غيرها. وهذا النوع من الزيادة له حالتان: الأولى: أن تكون الزيادة مقارنة للمزيد عليه في نزوله إن كان قرآناً، أو في وروده إن كان سنة، بحيث لا تتأخر عنه مدة يمكن القول بنسخ الحكم فيها، ومن أمثلة هذه الحال رد شهادة القاذف؛ فإنها وردت متصلة بالجلد في قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١. وقد اتفق العلماء على أن هذا النوع من الزيادة غير المستقلة لا يكون نسخاً لفقدان شرط النسخ فيه، وهو التأخر عن المنسوخ بمقدار عقد القلب والعزم على تنفيذ الحكم عند الحنفية، وعند غيرهم شرط النسخ التأخر عن وقت العمل، وكلا الشرطين لم يتحققا في هذا النوع من الزيادة.

стр. 342

الحال الثانية: أن تكون الزيادة غير المستقلة قد تأخرت عن المزيد عليه مدة١ يمكن نسخ الحكم فيها، وفي هذه الحال من الزيادة اختلفت أنظار العلماء، وكانت لهم في حكمها مذاهب أهمها ما يلي: المذهب الأول: الزيادة على النص نسخ مطلقاً٢ وهذا مذهب جمهور الحنفية، قال الإمام السرخسي: (الزيادة على النص بيان صورة ونسخ معنى

стр. 343

عندنا) ١، وأشار بقوله: معنى إلى أن الزيادة إنما كانت نسخاً عند الحنفية لتحقق معنى النسخ فيها، وإن كان ذلك لا يمنع من تسميتها بياناً في الصورة كما هو مصرح به في كتب الحنفية. المذهب الثاني: الزيادة ليست نسخاً مطلقاً٢، وإليه ذهب جمهور الأصوليين، ومنهم الشافعية. وإذا لم تكن الزيادة نسخاً فهي بيان؛ لأن الأقوال منحصرة في الأمرين. المذهب الثالث: القول بالتفصيل على النحو التالي: أ - الزيادة على النص تكون نسخاً إذا أفادت خلاف ما أفاده مفهوم المخالفة - كإيجاب الزكاة في الغنم المعلوفة، فإنه خلاف ما أفاده قول الرسول ﷺ : "في الغنم السائمة الزكاة"، الذي يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة بمفهومه المخالف - وإن لم تفد خلاف ما أفاده المفهوم المخالف فليست بنسخ.

стр. 344

ب - وقال جماعة من الأصوليين: إن غيرت الزيادة المزيد عليه في المستقبل، بحيث لو فعل بانفراده لا يعتد به ويجب استئنافه؛ كزيادة ركعة ثالثة في الفجر فهي نسخ، وإلا فليست بنسخ، مثل زيادة التغريب على الجلد؛ فإن السلطان لو جلد ثم استفتى فأفتى بالتغريب لا يجب عليه استئناف الجلد مرة أخرى، ونسب هذا القول إلى الكرخي١ من الحنفية وأبي عبد الله البصري٢. جـ - وقال آخرون: إن اتحدت الزيادة مع المزيد عليه اتحاداً يرفع التعدد والانفصال فهي نسخ، وفيما عدا ذلك لا تكون الزيادة نسخاً، ونسب هذا القول إلى الغزالي من الشافعية٣، مثل: زيادة ركعتين في

стр. 345

صلاة الصبح فرضاً، إذ لم يثبت ذلك. د - واختار بعض المحققين ١: أن الزيادة إن رفعت حكماً شرعياً بدليل شرعي متأخر فهي نسخ لوجود حقيقة النسخ فيها عندئذ، وما عدا ذلك فليست الزيادة فيه نسخاً، كأن يكون الحكم المرفوع مثلاً: ليس حكماً شرعياً، بل عدماً أصلياً، أو كانت الزيادة غير متأخرة عن المزيد عليه مدة يمكن النسخ فيها. أو كان ثبوت الزيادة بدليل غير شرعي في نظر بعض الأصوليين، مثل: الزيادة بمفهوم المخالفة عند الحنفية، فالزيادة في هذه الصور الثلاث لا تكون نسخاً؛ لأن حقيقة النسخ لم توجد فيها، لتخلف شرط من شروط النسخ الثلاثة السابقة فينتفي النسخ بانتفاء كل واحد منها. قال الفناري من الحنفية: "وهذا الرأي أقرب؛ لأنه مبني على حقيقة النسخ، وهو مآل مذهبنا وإن اختلف في بعض الأمثلة لأصل آخر"٢.

стр. 346

٥ - أدلة المذاهب: أولاً: أدلة الحنفية: استدل الحنفية على أن الزيادة نسخ بعدة أدلة منها: ١ - قالوا: إن المزيد عليه كان قبل الزيادة مجزئاً بدون تلك الزيادة وبعدها لم يكن كذلك، والإجزاء حكم شرعي، وقد ارتفع بعد مجيء الزيادة فتحقق بذلك معنى النسخ الذي هو رفع الحكم الشرعي١. وأجيب عن هذا الاستدلال من قبل الجمهور بأن إجزاء المزيد عليه بدون الزيادة يدل على أمرين: الأول: الامتثال بفعل المزيد عليه. والثاني: عدم توقفه على شيء آخر. والأمر الأول حكم شرعي، ولكنه لم يرتفع بالزيادة، بل بقي الامتثال بفعله بعدها، كما لو جلد الزاني البكر مائة جلدة؛ فإن السلطان لا يعيد الجلد مرة أخرى، ويبقى عليه التغريب الذي أفادته الزيادة. والأمر الثاني: قد ارتفع؛ لأن المزيد عليه أصبح بعد الزيادة متوقفاً على شيء آخر، هو ضم الزيادة إلى المزيد عليه في الحكم، ولكن ارتفاعه لا يمثل النسخ؛ لأنه مستند إلى البراءة الأصلية، ورفع البراءة الأصلية لا يعتبر نسخاً، بدليل أن العبادة إذا وجبت ابتداء؛ فإن وجوبها رافع للحكم

стр. 347

العقلي، وهو براءة الذمة من التكاليف، وليس ذلك نسخاً بإجماع١. ٢ - واستدل الحنفية على خصوص مسألة زيادة المقيد على المطلق. فقالوا: إن الإطلاق حكم يريده الشارع، وكذلك التقييد حكم يريده الشارع٢ أيضاً، وهما ضدان، فمن ضرورة ثبوت صفة التقييد في محل انعدام صفة الإطلاق فيه، وحيث كانت صفة الإطلاق منتهية بحلول صفة التقييد محلها أصبح معنى النسخ متحققاً في زيادة المقيد على المطلق؛ لأن حقيقة النسخ كما سبق بيان انتهاء الحكم الشرعي بدليل شرعي، فكانت زيادة المقيد على المطلق نسخاً من هذا الوجه أيضاً٣. وهذا الدليل يمكن أن يجاب عنه بوجهين: الأول: منع كون صفة الإطلاق منافية لصفة التقييد بالكلية، لما تقدم في تعريف المطلق والمقيد أنها من الأمور النسبية، فقد يكون اللفظ مطلقاً ومقيداً في آن واحد كالرقبة الموصوفة بالإيمان؛ فإنها مقيدة بتلك الصفة ومطلقة عن غيرها من الصفات الوجه الثاني: أن حلول صفة التقييد على صفة الإطلاق لا يعدمها

стр. 348

بالكلية كما هو المدعى، بل يخصصها ببعض المحال التي كانت تتحقق في ضمنها، ويضيق من دائرة انتشارها قبل التقييد، وذلك لا يسمى نسخاً، بل هو قصر لصفة الإطلاق على بعض المحال التي كانت صالحة لها قبل ورود التقييد عليها، وحيث أن حكم المطلق لم ينته بالكلية بعد زيادة المقيد عليه، بل ظل معمولاً به في بعض أحواله لم يتحقق معنى النسخ المصطلح عليه، اللهم إلا إن كان صاحب هذا الدليل يريد بالنسخ هنا النسخ الجزئي؛ فإن كان مراده ذلك فصياغة الدليل لا تساعده، لقوله: (وهما ضدان) ثم إن حمل النسخ في هذا المبحث على النسخ الجزئي يجعل الخلاف لفظياً، لأن الجمهور يقرون بهذا النوع من التغيير، ولكن لا يسمونه نسخاً إلا إذا تأخر عن وقت العمل بالمطلق١. ويمكن أن يجاب عنه بجواب ثالث: فيقال: سلمنا أن الإطلاق والتقييد لا يجتمعان، ولكن ذلك في الإطلاق والتقييد بالمعنى العام، وكلامنا هنا في الإطلاق والتقييد عند الأصوليين وحينئذ يكون الدليل خارجاً عن محل النزاع. ٣ - ومن أدلتهم أيضاً: أن شرط النسخ قد وجد في زيادة المقيد على المطلق وهو ثبوت التعارض بين الدليلين، إذا جهل التاريخ، وهذا الشرط متحقق في زيادة

стр. 349

المقيد على المطلق، فإنه لو جهل تاريخ كل من النص المطلق والمقيد لثبت التعارض بينهما، فدل ذلك على أنه عند معرفة التاريخ يكون المتأخر منهما ناسخاً للمتقدم١. والجواب عن هذا الدليل أن يقال: التعارض له معنيان: عام، وخاص، فأي المعنيين تريدون؟ فإن كان مرادكم بالتعارض معناه العام الذي هو مطلق وجود التنافي بين الدليلين فهذا مسلّم به، ولكنه لا يوجب القول بالنسخ؛ لأن الجمع بين المطلق والمقيد ممكن، ومع إمكان الجمع بين المتعارضين لا يعدل عنه إلى القول بالنسخ؛ لأن العمل بالأدلة ولو من وجه أولى من العمل ببعضها وإهمال بعضها الآخر. وإن كنتم تعنون بالتعارض معناه الخاص، وهو وجود التناقض والتضاد بين الأدلة، بحيث لا يمكن الجمع بينها فهذا غير موجود في الشريعة، وعلى فرض وجوده فمن شرطه تساوي الدليلين في الدلالة والثبوت، وقد مر بنا أن دلالة المطلق على الأفراد الشائعة مثل دلالة العام، فهي محل خلاف بين الأصوليين، فلا تعارض دلالة المقيد التي هي محل وفاق بينهم. ومن هنا لم يتحقق في المطلق والمقيد شرط المعارضة الخاصة التي

стр. 350

تقتضي النسخ عند القائلين بوجودها في الشرع، وحينئذ فلا يكون مطلق التعارض بين المطلق والمقيد عند الجهل بالتاريخ مقتضياً للقول بالنسخ كما هو المدعى. ثانياً: أدلة الجمهور: لما كانت دعوى الحنفية ذات شقين: الأول: أن الزيادة على النص نسخ مطلقاً. والثاني: إن نسخ القطعي بالظني لا يجوز، فقد سار الجمهور عند عرضهم لأدلة مذهبهم في اتجاهين أيضاً. الاتجاه الأول: إثبات أن الزيادة ليست نسخاً مطلقاً. والثاني: على فرض أن الزيادة على النص نسخ فلم لا تجوز بالدليل الظني؟ وخاصة إذا علم تأخر الظني عن القطعي، فإنه يكون للنقاش مجال واسع عندئذ. أ - أدلة الجمهور على أن الزيادة ليست بنسخ: استدل جمهور الأصوليين على أن الزيادة على النص ليست بنسخ مطلقاً بعدة أدلة منها: إن حقيقة النسخ لم توجد في هذه الزيادة؛ لأن حقيقته رفع وتبديل الحكم الشرعي بدليل شرعي، وهذه الزيادة تقرير للحكم الشرعي الذي أفاده المزيد عليه قبل مجيء الزيادة وتثبيت له، ذلك أن ضم شيء إلى آخر يثبت المضموم إليه ويقرره نظراً إلى أن الانضمام صفة لا بد لها من محل

стр. 351

تقوم به، ولهذا نرى حكم المزيد عليه لم يرتفع بعد إلحاق الزيادة به فشأن هذه الزيادة في حقوق الله شأن الأمر بالصوم بعد الأمر بالصلاة. والعلماء متفقون على أن زيادة الأمر بالصوم بعد الأمر بالصلاة لم تكن نسخاً للصلاة فكذلك هذه الزيادة١. ونظيرها في حقوق العباد، من ادعى على آخر بألف وخمسمائة ريال، ثم شهد له شاهدان بألف، وآخران بألف وخمسمائة، فإن شهادتهم تقبل عند الجمهور، ويكون الألف مقضياً له به بشهادة الجميع، لأن إلحاق الخمسمائة ريال بالألف بشهادة الآخرين قد قررت الألف لاتفاق الجميع عليه، ولو كانت الزيادة نسخاً مطلقاً لما صحت شهادة الأولين على الألف، لأن الزيادة وهي إلحاق الخمسمائة بشهادة الآخرين تكون ناسخة لشهادة الأوليين. وقد اعترض الحنفية على هذا الدليل بعدة اعتراضات منها: ١ - قالوا: لا نسلم أن هذه الزيادة تقرير للأصل الذي أفاده المزيد عليه، وضم حكم آخر إليه، بل هي نسخ للمزيد عليه، إذ كيف تكون تقريراً وهي ترفع أحكاماً شرعية كثيرة، واحداً منها يكفي للقول بالنسخ

стр. 352

فضلاً عن جميعها فمن تلك الأحكام الشرعية التي ارتفعت بعد مجيء الزيادة ما يلي: الإجزاء بدون تلك الزيادة الذي يستفاد من الأصل بمقتضى إطلاقه حيث كان مطلق الرقبة مثلاً، مجزئاً في كفارة الظهار، ولما زيد عليها وصف الإيمان انتسخ هذا الإجزاء، لأن وصف الإيمان أصبح بعد الزيادة شرطاً في إجزاء الرقبة، وحيث ارتفع حكم شرعي دل عليه النص المطلق بدليل شرعي هو تلك الزيادة فقد تحقق معنى النسخ الذي هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي في هذا النوع من الزيادة، فتكون نسخاً لا تقريراً. وقد تقدم الجواب عن ذلك في الدليل الأول للحنفية. وثاني الأحكام التي ترفعها الزيادة حرمة التعدي والزيادة على الحكم الذي أفاده المزيد عليه فمثلاً: زيادة التغريب على حد الزاني غير المحصن، كانت محرمة بمقتضى النص المطلق، وبعمومات أخرى مثل: قوله - تعالى -: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ ١، وقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ٢، وقد ارتفعت هذه الحرمة بعد ورود الزيادة بالتغريب؛ لأن

стр. 353

الزيادة أصبحت الآن غير محرمة والتحريم من الأحكام الشرعية، فرفعه يكون نسخاً. وثالث الأحكام التي ترفعها الزيادة إباحة الاقتصار على المزيد عليه، مثل: إباحة الطواف بدون طهارة بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ١، والطواف يتحقق بمجرد الدوران حول البيت، ولا يشترط في مفهومه اللغوي الطهارة، ومثل: إباحة تحرير الرقبة بدون اشتراط وصف الإيمان فيها الذي يدل عليه النص المطلق، وبعد اشتراط الطهارة في الطواف، والإيمان في الرقبة قد ارتفعت هذه الإباحة، فرفعها بعد ثبوتها هو حقيقة النسخ، لأنها من الأحكام الشرعية٢. كما اعترض الحنفية دليل الجمهور السابق بالنسبة لما ذكروه من التنظير للزيادة بحقوق العباد، وقالوا: إنه خارج عن محل النزاع؛ لأن نظير هذه الزيادة الاختلاف في مقدار الثمن والإجارة٣، وفيهما لا تقبل

стр. 354

الشهادة الزائدة على الأصل، إذا كانت مساوية أو أقل، والفرق بين ما ذكره الجمهور من التنظير وما ذكره الحنفية أن مثال الجمهور من قبيل الدين وهو يقبل الوصف بالتجزئي بخلاف مقدار الثمن والإجارة، فإن كلا منهما علة وسبباً لانعقاد البيع والإجارة والعلة لا تتجزأ في نظر الحنفية، إذ لا يمكن أن يكون البيع قد انعقد بألف وبألف وخمسمائة في آن واحد، وكذلك الإجارة لا يمكن أن تكون قد وقعت بالسبعمائة وبالثمانمائة في وقت واحد، مثلاً: فعند الاختلاف في مقدار الثمن والإجارة، لا تقبل الشهادة المثبتة للزيادة إذا كانت مساوية أو أقل من الشهادة الأولى، فلو شهد شاهدان على أن مقدار الثمن ألف ريال، وآخران على أن مقداره ألف وخمسمائة ريال، لا تقبل شهادة الآخرين على الألف، لأنها زيادة مساوية للأصل، فتسقط، وكذلك لو كان الشاهد على إلحاق الخمسمائة شخص واحد لا تقبل شهادته؛ لأنها أقل من شهادة الاثنين فلا ترفع شهادتهما. فالزيادة هنا في نظر الحنفية بمنزلة بعض العلة، وبعض العلة لا يوجب شيئاً من الحكم الثابت بالعلة، فكانت الزيادة نسخاً من هذا الوجه أيضاً، وبذلك فارقت هذه الزيادة حقوق العباد التي تحتمل الوصف بالتجزئي؛ فإنه يمكن إلحاق الزيادة بها تقريراً للمزيد عليه كما في الدين بخلاف ما لا يحتمل الوصف بالتجزيئ من حقوق العباد، فإن الحكم فيه

стр. 355

جار على وفق الحكم في هذه الزيادة، التي نبحثها كما سبق في الاختلاف في مقدار الثمن والإجارة، وهكذا الشأن عند الحنفية في كل ما يجب حقاً لله تعالى من عبادة، أو عقوبة أو كفارة؛ فإن هذه الأمور لا تحتمل الوصف بالتجزيئ وليس للبعض منها حكم الكل بوجه من الوجوه، ولذا قالوا: إذا صام المظاهر شهراً، ثم عجز فأطعم ثلاثين مسكيناً لم يكن مكفراً لا بالصوم ولا بالإطعام، وكذلك القاذف إذا جلد تسعة وسبعين سوطاً لا تسقط شهادته عند الحنفية؛ لأن رد الشهادة متعلق عندهم بالحد لا ببعضه، وبعض الحد لا يكون حداً عندهم. ودفعت هذه الاعتراضات من قبل الجمهور بجوابين أحدهما مجمل والآخر مفصل. أما الجواب المجمل: فقالوا: بينوا لنا ما تعنون بالنسخ الذي تضمنته الزيادة عندكم، أتعنون به أن حكم المزيد عليه من الإيجاب والتحريم والإباحة قد ارتفع بالكلية؟ أم تقصدون به تغيير وصف المزيد عليه بزيادة شيء آخر؟ من شرط أو قيد، أم تريدون بالنسخ ما هو أعم من الأمرين جميعاً، لأن النسخ يطلق على هذه المعاني جميعاً في اللغة. فإذا أردتم بالنسخ معناه العام الذي هو رفع الظاهر بتخصيص، أو تقييد، أو شرط، وبالجملة تغيير وصف الحكم بزيادة شيء آخر عليه، فهذا مسلم به ولكن لا يلزم من الزيادة، حينئذ بطلان حكم المزيد عليه
следующие страницы →