تقوم به، ولهذا نرى حكم المزيد عليه لم يرتفع بعد إلحاق الزيادة به فشأن هذه الزيادة في حقوق الله شأن الأمر بالصوم بعد الأمر بالصلاة.
والعلماء متفقون على أن زيادة الأمر بالصوم بعد الأمر بالصلاة لم تكن نسخاً للصلاة فكذلك هذه الزيادة١.
ونظيرها في حقوق العباد، من ادعى على آخر بألف وخمسمائة ريال، ثم شهد له شاهدان بألف، وآخران بألف وخمسمائة، فإن شهادتهم تقبل عند الجمهور، ويكون الألف مقضياً له به بشهادة الجميع، لأن إلحاق الخمسمائة ريال بالألف بشهادة الآخرين قد قررت الألف لاتفاق الجميع عليه، ولو كانت الزيادة نسخاً مطلقاً لما صحت شهادة الأولين على الألف، لأن الزيادة وهي إلحاق الخمسمائة بشهادة الآخرين تكون ناسخة لشهادة الأوليين.
وقد اعترض الحنفية على هذا الدليل بعدة اعتراضات منها:
١ - قالوا: لا نسلم أن هذه الزيادة تقرير للأصل الذي أفاده المزيد عليه، وضم حكم آخر إليه، بل هي نسخ للمزيد عليه، إذ كيف تكون تقريراً وهي ترفع أحكاماً شرعية كثيرة، واحداً منها يكفي للقول بالنسخ
стр. 352
فضلاً عن جميعها فمن تلك الأحكام الشرعية التي ارتفعت بعد مجيء الزيادة ما يلي:
الإجزاء بدون تلك الزيادة الذي يستفاد من الأصل بمقتضى إطلاقه حيث كان مطلق الرقبة مثلاً، مجزئاً في كفارة الظهار، ولما زيد عليها وصف الإيمان انتسخ هذا الإجزاء، لأن وصف الإيمان أصبح بعد الزيادة شرطاً في إجزاء الرقبة، وحيث ارتفع حكم شرعي دل عليه النص المطلق بدليل شرعي هو تلك الزيادة فقد تحقق معنى النسخ الذي هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي في هذا النوع من الزيادة، فتكون نسخاً لا تقريراً.
وقد تقدم الجواب عن ذلك في الدليل الأول للحنفية.
وثاني الأحكام التي ترفعها الزيادة حرمة التعدي والزيادة على الحكم الذي أفاده المزيد عليه فمثلاً: زيادة التغريب على حد الزاني غير المحصن، كانت محرمة بمقتضى النص المطلق، وبعمومات أخرى مثل: قوله - تعالى -: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ ١، وقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ٢، وقد ارتفعت هذه الحرمة بعد ورود الزيادة بالتغريب؛ لأن
стр. 353
الزيادة أصبحت الآن غير محرمة والتحريم من الأحكام الشرعية، فرفعه يكون نسخاً.
وثالث الأحكام التي ترفعها الزيادة إباحة الاقتصار على المزيد عليه، مثل: إباحة الطواف بدون طهارة بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ١، والطواف يتحقق بمجرد الدوران حول البيت، ولا يشترط في مفهومه اللغوي الطهارة، ومثل: إباحة تحرير الرقبة بدون اشتراط وصف الإيمان فيها الذي يدل عليه النص المطلق، وبعد اشتراط الطهارة في الطواف، والإيمان في الرقبة قد ارتفعت هذه الإباحة، فرفعها بعد ثبوتها هو حقيقة النسخ، لأنها من الأحكام الشرعية٢.
كما اعترض الحنفية دليل الجمهور السابق بالنسبة لما ذكروه من التنظير للزيادة بحقوق العباد، وقالوا: إنه خارج عن محل النزاع؛ لأن نظير هذه الزيادة الاختلاف في مقدار الثمن والإجارة٣، وفيهما لا تقبل
стр. 354
الشهادة الزائدة على الأصل، إذا كانت مساوية أو أقل، والفرق بين ما ذكره الجمهور من التنظير وما ذكره الحنفية أن مثال الجمهور من قبيل الدين وهو يقبل الوصف بالتجزئي بخلاف مقدار الثمن والإجارة، فإن كلا منهما علة وسبباً لانعقاد البيع والإجارة والعلة لا تتجزأ في نظر الحنفية، إذ لا يمكن أن يكون البيع قد انعقد بألف وبألف وخمسمائة في آن واحد، وكذلك الإجارة لا يمكن أن تكون قد وقعت بالسبعمائة وبالثمانمائة في وقت واحد، مثلاً: فعند الاختلاف في مقدار الثمن والإجارة، لا تقبل الشهادة المثبتة للزيادة إذا كانت مساوية أو أقل من الشهادة الأولى، فلو شهد شاهدان على أن مقدار الثمن ألف ريال، وآخران على أن مقداره ألف وخمسمائة ريال، لا تقبل شهادة الآخرين على الألف، لأنها زيادة مساوية للأصل، فتسقط، وكذلك لو كان الشاهد على إلحاق الخمسمائة شخص واحد لا تقبل شهادته؛ لأنها أقل من شهادة الاثنين فلا ترفع شهادتهما.
فالزيادة هنا في نظر الحنفية بمنزلة بعض العلة، وبعض العلة لا يوجب شيئاً من الحكم الثابت بالعلة، فكانت الزيادة نسخاً من هذا الوجه أيضاً، وبذلك فارقت هذه الزيادة حقوق العباد التي تحتمل الوصف بالتجزئي؛ فإنه يمكن إلحاق الزيادة بها تقريراً للمزيد عليه كما في الدين بخلاف ما لا يحتمل الوصف بالتجزيئ من حقوق العباد، فإن الحكم فيه
стр. 355
جار على وفق الحكم في هذه الزيادة، التي نبحثها كما سبق في الاختلاف في مقدار الثمن والإجارة، وهكذا الشأن عند الحنفية في كل ما يجب حقاً لله تعالى من عبادة، أو عقوبة أو كفارة؛ فإن هذه الأمور لا تحتمل الوصف بالتجزيئ وليس للبعض منها حكم الكل بوجه من الوجوه، ولذا قالوا: إذا صام المظاهر شهراً، ثم عجز فأطعم ثلاثين مسكيناً لم يكن مكفراً لا بالصوم ولا بالإطعام، وكذلك القاذف إذا جلد تسعة وسبعين سوطاً لا تسقط شهادته عند الحنفية؛ لأن رد الشهادة متعلق عندهم بالحد لا ببعضه، وبعض الحد لا يكون حداً عندهم.
ودفعت هذه الاعتراضات من قبل الجمهور بجوابين أحدهما مجمل والآخر مفصل.
أما الجواب المجمل: فقالوا: بينوا لنا ما تعنون بالنسخ الذي تضمنته الزيادة عندكم، أتعنون به أن حكم المزيد عليه من الإيجاب والتحريم والإباحة قد ارتفع بالكلية؟ أم تقصدون به تغيير وصف المزيد عليه بزيادة شيء آخر؟ من شرط أو قيد، أم تريدون بالنسخ ما هو أعم من الأمرين جميعاً، لأن النسخ يطلق على هذه المعاني جميعاً في اللغة.
فإذا أردتم بالنسخ معناه العام الذي هو رفع الظاهر بتخصيص، أو تقييد، أو شرط، وبالجملة تغيير وصف الحكم بزيادة شيء آخر عليه، فهذا مسلم به ولكن لا يلزم من الزيادة، حينئذ بطلان حكم المزيد عليه
стр. 356
ولا رفعه ولا معارضته١، بل غاية هذه الزيادة مع المزيد عليه أن تكون عندئذ كزيادة الشروط والموانع والمخصصات، وشيء من ذلك لا يكون نسخاً اصطلاحاً، وإن كان كثير من السلف يسمي ذلك نسخاً لغة حتى سمى الاستثناء نسخاً بهذا الاعتبار، فإن كنتم تقصدون هذا المعنى العام للنسخ فلا مشاحة في الاسم، ولكن ذلك لا يُسَوِّغُ رد السنن الزائدة على مطلق القرآن، لأن أحداً لا ينكر نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى العام.
وإنما النزاع في جواز نسخ القرآن بالسنة الأحادية، النسخ المصطلح عليه عند الأصوليين، وهو رفع أصل الحكم وجملته بحيث يبقى بعد نزول الناسخ بمنزلة ما لم يشرع، وهذا المعنى الخاص للنسخ لا ريب أن الزيادة لا تتضمنه فلا تكون نسخاً اصطلاحاً؛ لأن المزيد عليه لم يرتفع حكمه بالكلية.
وإن أردتم بالنسخ الذي تضمنته الزيادة ما هو أعم من القسمين فقد جمعتم في كلامكم بين مقبول ومردود، فسموا الزيادة ما شئتم، ولكن إبطال السنن الصحيحة بهذا الاسم مما لا سبيل إليه٢.
стр. 357
وأما الجواب المفصل:
فقالوا: إن نسخ الزيادة للمزيد عليه إما أن تكون لوجوبه، أو لإجزائه، أو لعدم وجوب غيره، أو لأمر رابع، وهذا يتضح بالمثال، فزيادة التغريب على المائة جلدة في حد الزاني غير المحصن، لا يجوز أن تكون ناسخة لوجوب المائة جلدة؛ لأن وجوبها باق بعد زيادة التغريب لم يرتفع، ولا يمكن أن تكون الزيادة ناسخة لإجزاء المائة أيضاً؛ لأن المائة مجزئة عن نفسها حتى بعد ورود الزيادة، ولا يمكن أن تكون رافعة لعدم وجوب الزائد؛ لأنه حكم عقلي وهو براءة الذمة من التكاليف حتى يقوم ما يشغلها، فلو كان رفع البراءة الأصلية نسخاً لكان كلما أوجب الله شيئاً بعد الشهادتين نسخ به ما قبله، وذلك ممنوع بإجماع العلماء.
والأمر الرابع: غير متصور فلا يمكن الحكم عليه.
فإن قيل: بل هناك أمر رابع معقول، وهو جواز الاقتصار على المزيد عليه، وقد ارتفع هذا الحكم بعد الزيادة، وهو غير الأقسام الثلاثة السابقة، فرفعه يكون نسخاً، والجواب عن ذلك أن يقال: لا معنى للاقتصار على المزيد عليه إلا عدم وجوب غيره، وكونه جميع الواجب، وهذا هو القسم الثالث بعينه، غيرتم التعبير وكسوتموه عبارة أخرى١.
ثم أجاب الجمهور عن كل اعتراض على حدة، فقالوا: إن إجزاء
стр. 358
المزيد عليه بدون الزيادة قد تقدم جوابه في أدلة الحنفية.
وأما حرمة الزيادة: فلا يخلو الحال فيها من أحد أمرين:
الأول: أن تكون ثابتة بغير الأصل الذي هو المزيد عليه، وحينئذ تكون خارجة عن محل النزاع.
والثاني: أن تكون ثابتة بالأصل المزيد عليه، وهذا في حيز المنع عند الجمهور؛ لأن الأصل لم يتعرض للزيادة بأي وجه، اللهم إلا إذا كان له مفهوم مخالف والحنفية لا يقولون به، فكيف يستدلون به هنا على حرمة الزيادة، وعلى فرض التسليم بالمفهوم، فإنما يكون رفعه نسخاً إذا استقر الحكم مدة يتمكن المكلف فيها من العمل، أو يكون قد حصل العمل به، وهذا خارج عن محل الخلاف أيضاً، لأن تاريخ الزيادة لا يعرف في كثير من المواضع، ثم إن رفع المفهوم كتخصيص العموم؛ لأنه رفع لبعض مقتضى اللفظ فيجوز بخبر الواحد، كما جاز التخصيص به، فزال المحظور الذي من أجله ادعى أن الزيادة على النص نسخ ونسخ القطعي بالظني لا يجوز.
أما الجواب عن الاعتراض الثالث، فقد تقدم قبل قليل، وهو: أنه تابع لكونه لم يجب عليه شيء، وكونه لو يجب عليه شيء إشارة إلى نفي الحكم الشرعي وبراءة الذمة من التكاليف، وذلك حكم عقلي، والتابع للعقلي عقلي مثله، فلا يكون رفعه نسخاً١.
стр. 359
ثم أجاب الجمهور على الاعتراض الذي أورده الحنفية على نظير هذه الزيادة بحقوق العباد، وقولهم: إن ذلك بمنزلة العلة، والعلة لا تتجزأ، وليس للبعض منها حكم الكل، فقالوا: إن ذلك غير مسلم؛ لجواز التجزئي في العلة عند الجمهور، مثل: علة القصاص؛ فإنها مكونة من عدة أوصاف هي القتل العمد العدوان.
٢ - واستدل الجمهور أيضاً على أن الزيادة ليست بنسخ مطلقاً.
فقالوا: إن اللفظ المطلق عن الزيادة يشبه العام، والعام لا يوجب العلم يقيناً، بل يجوز أن يراد به بعض ما يتناوله لغة، وإن كان ذلك مشروطاً بوجود الدليل الصارف لظاهر العام، إلا أن مساواة الدليل الصارف للعام في القوة غير معتبرة، لكون صرف العام عن ظاهره من قبيل التخصيص، وهو نوع من البيان، ولا يشترط في البيان مساواة المبيِّن للمبيَّن.
وحيث كان اللفظ المطلق عن الزيادة يشبه العام، فيكون صرفه إلى ما وجد فيه القيد بياناً، وقصراً له على بعض محاله التي كان يتحقق فيها قبل مجيء الزيادة، وليس نسخاً.
ووجه الشبه بين العام والمطلق أن الرقبة وهي من قبيل المطلق اسم عام على سبيل البدل، يتناول المؤمنة والكافرة، والزمنة وغيرها، فإخراج الكافرة من لفظ (رقبة) بعد اشتراط قيد الإيمان يكون قصراً لا نسخاً كإخراج أهل الذمة من لفظ (المشركين) ، وكإخراج الزمنة والعمياء عن
стр. 360
الصلاحية للتكفير.
وهذا الدليل اعترضه الحنفية فقالوا: التخصيص لا يكون إلا للدال على الأعيان، والمطلق لا يدل على غير الماهية من حيث هي، وما دام أن لا دلالة للمطلق على الأفراد، فلا يثبت له حكم التخصيص، لكونه فرع الدلالة على الأفراد.
ودفع الجمهور هذا الاعتراض من وجهين:
الأول: إن المراد بالتخصيص هنا مطلق القصر، ومطلق القصر متحقق بالنسبة للمطلق في هذا المقام؛ ذلك أن ما يدل عليه المطلق من الماهية أو القدر المشترك، كان قبل الزيادة صالحاً لأن يتحقق ضمن الأفراد المجردة عن الزيادة، والأفراد التي ثبت لها الزيادة، وبعد مجيء الزيادة انحصر تحققه ضمن النوع الثاني١.
الوجه الثاني: قالوا: كون المطلق لا دلالة له على الأفراد في حيز المنع، لأننا لو سلمنا أن لا دلالة له عليها بالمطابقة، ولكن لا نسلم فقدان دلالته عليها بطريق التضمن أو الالتزام، وقد سبق في تعريف المطلق أن فريقاً من الأصوليين ذهبوا إلى أنه موضوع للدلالة على الأفراد لتبادرها منه عند الإطلاق، بدون قرينة وذلك أمارة الحقيقة، ثم أجاب الحنفية
стр. 361
عن التعليل الثاني فقالوا: إن عدم جواز إعتاق العمياء والزمنة ونظائرهما، ليس تخصيصاً للرقبة، بل لكون هذه الرقاب مستهلكة من وجه، وفائت المنفعة لا يسمى رقبة؛ لأن المطلق يتناول الكامل، وهذه الرقاب ليست كاملة المنافع.
وقال الأحناف أيضاً، ولو قيل: إن بين صفة الكفر والإيمان تضاد١، فإذا جوزنا إعتاق المؤمنة في كفارة الظهار امتنع جواز الكافرة، أجبنا بأن جواز المؤمنة عندنا، لأنها رقبة لا لصفة الإيمان، لأن الوصف فيها غير معتبر لعدم الدليل الناهض على اشتراطه وما ادعيتموه من دليل على الاشتراط لا يثبت بالزيادة عندنا؛ لأنه من قبيل أخبار الآحاد أو القياس، ومثل ذلك لا تجوز به الزيادة على النص؛ لأنها نسخ، والناسخ لا بد وأن يكون في قوة المنسوخ.
ويدفع هذا الاعتراض بما يذكره الجمهور في الاتجاه الثاني من أدلتهم.
٣ - واستدل الجمهور على أن الزيادة ليست نسخاً مطلقاً أيضاً.
فقالوا: إن النسخ أمر ثبت للضرورة، لأن الأصل في أحكام الشرع البقاء والقول بالتخصيص أو التقييد، وإن كان يوجب تغيير العام من الحقيقة إلى المجاز ومن الظاهر إلى خلافه، إلا أنه متعارف في اللغة فكان
стр. 362
الحمل عليه أولى من الحمل على النسخ١.
وقد اعترض الحنفية على هذا الدليل باعتراضين:
أولهما: قالوا: إن المجاز لو سلم، فإنه مشروط بوجود القرينة عند العدول عن الحقيقة إلى المجاز، والفرض عدمها عند نزول المطلق.
وتقدم جواب الجمهور عن ذلك في شروط حمل المطلق على المقيد٢.
ثانيهما: قالوا: لا نسلم أن المطلق من العام، بل هو من الخاص المتفق على أنه قطعي الدلالة، وذلك ينفي احتمال التصرف فيه بغير النسخ، وقد تقدم جواب الجمهور عن ذلك في دلالة المطلق٣.
والدليل الرابع للجمهور:
قالوا: لو كانت الزيادة على النص نسخاً مطلقاً لكان القياس باطلاً، لأن القياس إلحاق غير المنصوص عليه بالمنصوص وزيادة حكم لم يوجبه النص بصيغته، وحيث كان القياس جائزاً شرعاً ودليلاً من أدلة الأحكام يعلم أن الزيادة ليست نسخاً مطلقاً.
стр. 363
وقد أجاب الحنفية عن هذا الدليل:
بأن قالوا: لا نسلم أن كل زيادة على النص تكون نسخاً، بل الزيادة التي ترفع الحكم الشرعي بعد ثبوته بدليل شرعي تكون نسخاً والقياس لم يكن كذلك، لأنه لا يفيد رفع حكم المقيس عليه١.
ب - الزيادة على النص بأخبار الآحاد وما في حكمها:
عرفنا فيما سلف أن المقصود بالنص في مبحث الزيادة أخص من الظاهر، كما عرفنا أن تعيين ما يندرج تحت مفهوم النص من الأدلة والألفاظ لم يتفق العلماء على تحديد أنواعه.
ولكن لما كانت الزيادة على النص نسخاً في نظر الحنفية منعوا أن تثبت الزيادة بأخبار الآحاد، وما في حكمها من الأدلة الظنية كالقياس، والعام الذي دخله التخصيص، وعللوا ذلك المنع بأن ثبوت الزيادة على النص بهذه الطرق يقتضي نسخ القطعي بالظني وهو غير جائز.
٢ - ويرى جمهور العلماء عدا الحنفية أن ثبوت الزيادة على النص بأخبار الأحاد وما في حكمها من الأدلة الظنية جائز، ثم اختلفوا في التوجيه والتعليل لهذا الجواز:
أ - فذهب أكثر الأصوليين إلى أن ذلك يعود إلى كون الزيادة على النص بياناً، والبيان لا يشترط فيه مساواة المبيِّن للمبيَّن، وهؤلاء متفقون
стр. 364
مع الحنفية على منع نسخ القطعي بالظني، كما ترى، ولكنهم يجوزون الزيادة على النص بالدليل الظني بناء على أن الزيادة من قبيل البيان، والبيان لا يشترط فيه المساواة بين الدليلين.
ب - وذهب الظاهرية وأكثر المحدثين إلى أن جواز الزيادة على النص بالدليل الظني لا يعود أولاً إلى كون الزيادة بياناً كما يقول بذلك الجمهور.
وثانياً: لو فرض أن الزيادة نسخ، فنسخ القطعي بالظني جائز وواقع شرعاً فما ادعاه الحنفية من المحظور في حيز المنع.
واستدل من منع نسخ القطعي بالظني بعدة أدلة منها١:
١ - قالوا: إننا استقرينا الأدلة الشرعية، وتتبعناها فما وجدنا دليلاً قطعياً قد نسخ بدليل ظني نسخاً ضمنياً قائماً٢ على التعارض بين مدلول
стр. 365
القطعي والظني، وهذا يدل على عدم الوقوع.
ومنها ثانياً:
أن الدليل القطعي من قبيل المتواتر والظني من قبيل الآحاد، والآحاد أضعف من المتواتر، وحيث انعدمت المساواة، فلا نسخ١، وهذا الدليل نوقش من عدة أوجه نذكر بعضها في تقييد المطلق بأخبار الآحاد.
واستدل الظاهرية ومن معهم على جواز نسخ القطعي بالظني ووقوعه شرعاً بعدة أدلة منها٢.
١ - قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ ٣.
ووجه الدلالة أن هذه الآية الكريمة قد حصرت المحرم من المطعومات في الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله؛ فيكون ما عدا ذلك من المطعومات باقياً على الحل والإباحة الأصلية، ولكن ثبت أن النبي ﷺ "نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير"٤.
стр. 366
والنهي يقتضي التحريم، فاقتضى ذلك أن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام، وهذا رافع للإباحة التي أشارت إليها الآية الكريمة، ولا معنى للنسخ إلا هذا، والحديث ليس متواتراً وإنما هو أحاد فيكون القطعي قد نسخ بالظني فثبت المطلوب.
وأجيب عن ذلك بوجهين:
الوجه الأول: قال المخالفون في نسخ القطعي بالظني: لا نسلم أن الآية فيها حصر للمحرمات بالنسبة للماضي والحاضر والمستقبل، بل أقصى ما تدل عليه الآية أن المحرمات إلى وقت نزولها هذه الأشياء المذكورة، وذلك لا يمنع من تحريم أشياء أخرى في المستقبل، والدليل على عدم الحصر بالنسبة إلى المستقبل أن الفعل في قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ﴾ حقيقة في الحال، فيحمل الكلام عليه؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وحيث انعدم النسخ هنا لعدم وجود حقيقته يكون الكلام من قبيل التخصيص، وتخصيص المتواتر بالآحاد جائز.
الوجه الثاني:
قالوا: سلمنا أن الآية فيها حصر للمحرمات في المذكورات بالنسبة للماضي والحاضر والمستقبل، ولكن نمنع أن يكون ما رفعه الحديث من قبيل النسخ١؛ لأن الحديث إنما رفع الإباحة الأصلية، ورفع الإباحة الأصلية
стр. 367
ليس نسخاً، لأنها ليست حكماً شرعياً، والنسخ خاص برفع الأحكام الشرعية.
ومن أدلتهم أيضاً:
أن التوجه إلى بيت المقدس في الصلاة كان ثابتاً بالسنة المتواترة، وبينما كان أهل قباء يصلون ذات يوم متوجهين إلى بيت المقدس أتاهم آت يخبرهم أن القبلة قد تحولت إلى الكعبة فاستجابوا له وقبلوا خبره١، وظاهر هذه القصة يدل على أن من أخبرهم لم يبلغ حد التواتر فدل ذلك على نسخ القطعي بالظني.
وهذا الدليل أجيب عنه، بأن محل النزاع، إنما هو في وقوع نسخ القطعي بخبر الواحد المجرد عن القرائن، والخبر المذكور قد انضم إليه ما يفيد العلم، كـ (قربهم) من مسجد الرسول ﷺ وترقبهم تحول القبلة في
стр. 368
أي وقت١.
وللظاهرية أدلة أخرى لم تسلم من الاعتراض.
ويبدو أن عصر الرسول خارج عن محل النزاع لسببين:
الأول: أن اصطلاح المتواتر والآحاد أمر حادث بعد زمن الرسول ﷺ اقتضته الحيطة والاهتمام بالعلوم الشرعية حتى لا ينسب إلى الدين ما ليس منه، أما في عصر الرسول فلا يعلم أن أحداً اعترض على شيء من أخباره ﷺ بأن هذا خبر أحاد لا يفيد العلم، وذاك خبر متواتر يفيد العلم ويجوز النسخ به، بل الكل عندهم سواء في وجوب العلم والعمل.
السبب الثاني:
أن عصر الرسول كان زمن الوحي وذلك وازع للرواة على تحري الصدق خوفاً من أن يكشف الوحي خفاياهم وأسرارهم، وبعد انقضاء الوحي بموت الرسول ﷺ قد زال هذا الوازع.
وبناء على ذلك، تكون مسألة نسخ القطعي بالظني مفروضة في حق مجتهد بعد عصر الرسول ﷺ تعارض لديه دليلان أحدهما مقطوع به ثبوتاً ودلالة، والآخر محتمل فهل يعمل بالدليل المقطوع به وإن كان متقدماً
стр. 369
على معارضه نظراً لقوته، ويترك العمل بالدليل الظني، وإن كان متأخراً عن معارضه نظراً لضعفه، أم لا بد من الجمع بينهما؟ ومن طرق الجمع كما هو معروف نسخ المتقدم بالمتأخر١، هذا هو محط الخلاف في النسخ القطعي بالظني كما تصوره كتب الأصول القديمة، وإذا علمنا أن زمن النسخ هو زمن نزول الوحي، وفيه يجوز نسخ القرآن بالسنة لاستوائها معه في أن كلاً منهما وحي من الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢.
وعلمنا أيضاً أن جمهور الأصوليين متفقون مع الحنفية على عدم وقوع نسخ القطعي بالظني، لم يبق أمام الفريقين إلا أن يصطلحوا ويسلموا أن النسخ الذي تضمنته الزيادة على النص في نظر الحنفية، والبيان الذي يقول به الجمهور شيء واحد تعددت أسماؤه واتحد مدلوله.
وهذا الاختيار لم يكن عارياً عن الأدلة التي تعضده، بل هناك اعتبارات بعضها سبق وبعضها سيأتي تساند هذا الرأي، كما أنه يتفق وما انتهى إليه البحث في هذه المسألة عند كثير من الباحثين٣.
فمن الاعتبارات التي سبقت:
١ - أن حمل المطلق على المقيد بيان على رأي الجمهور، وقد
стр. 370
وجدنا الحنفية يسمونه تارة بالزيادة على النص، (وهي نسخ عندهم) وتارة بالترجيح أو بتقديم العمل بالمقيد احتياطاً، كما هو مختار شارح مسلم الثبوت.
وهذا يدل على أن مدلول الترجيح والنسخ الذي تضمنته الزيادة شيء واحد عند الحنفية، وإلا لم يجز إطلاقها على مسمى واحد بدون قرينة.
٢ - وفي مبحث تحرير محل النزاع في الزيادة على النص تبين أن للزيادة ثلاث حالات.
الأولى: أن تكون مقارنة للنص في نزوله، وهذه بيان اتفاقاً.
والحال الثانية: أن تتأخر عن وقت العمل، وهذه نسخ اتفاقاً.
بقي الحال الثالثة: وهي إذا تأخرت الزيادة عن النص مدة يمكن القول بالنسخ فيها، ولكنها لم تتأخر عن وقت العمل وفي هذه الحالة وقع النزاع.
١ - فالحنفية بناء على إيجابهم وصل مبين النص الذي له ظاهر يمكن العمل به (كالعام والمطلق) وتسميتهم رفع مقتضى الظاهر بالدليل الذي لم يقارن الظاهر حين نزوله نسخاً حكموا على هذا النوع من الزيادة بالنسخ لتحقق شرط النسخ فيها، وهو مضى فترة يتمكن المكلف فيها من عقد القلب والعزم على الفعل.
وكان رأي الجمهور في ذلك أن هذا التقدير ليس شرطاً لازماً
стр. 371
للحكم بالنسخ، لجواز تأخير البيان إلى وقت العمل، وما حصل من نسخ الحكم قبل العمل مسلم به، لكنه يرجع إلى قرينة في الدليل الناسخ تدل على أن الشارع أراد من المكلفين العمل بالحكم المنسوخ على إطلاقه ثم اقتضت حكمته رفع ذلك الحكم أو بعضه قبل العمل به لمصالح وحِكَم تعجز عن الإحاطة بها عقول البشر.
وبهذا التحرير لمحل الخلاف يتبين أن دائرة النزاع في الزيادة على النص محصورة في جواز نسخ الحكم قبل العمل، والجمهور يسلمون بذلك، ولكنهم يمنعون التفريع عليه؛ لأن أمثلة النسخ قبل العمل قليلة ونادرة، وما كان من الأحكام قليل الوقوع يمتنع التفريع عليه، وحينئذ لا بد للفروع الفقهية المنسوبة إلى الخلاف في قاعدة الزيادة على النص من أصل آخر تقوم عليه.
وقد توصل إلى ذلك الأصل كثير من الباحثين وقرروا أن السبب في الفروع المنسوبة إلى الخلاف في قاعدة الزيادة على النص هل هي نسخ أو بيان يعود إلى اختلاف الجمهور من الحنفية في شروط العمل بخبر الواحد.
وفي هذا الصدد يقول أحدهم١: "وعندي أن الفروع التي ذكروها يعني بها الفروع المنسوبة إلى الخلاف في الزيادة على النص، تدل على أن فقهاء العراق ما كانوا يأخذون بحديث الواحد ما أمكن عمل النص
стр. 372
القرآني وما ثبتت دلالته، ذلك هو المنهاج الذي ذكره العلماء عنهم؛ فهم يأخذون بدلالات القرآن، ومفهوم عباراته وإشاراته، ويتركون حديث الآحاد عند ذلك احتياطاً في قبول الرواية. وترجيحاً لنص قرآني لا شك في صدقه على رواية حديث يحتمل الصدق في وقت راج فيه الكذب على رسول الله ﷺ ".
وهذا على فرض أن أبا حنيفة عندما قرر هذه الفروع كان يعلم بالأحاديث الواردة في بابها. وإني أشك في أنه كان يعلم بهذه الأحاديث عندما قرر هذه الأحكام؛ إذ أكثرها يتعلق بالعبادات، وأبو حنيفة كان يحتاط في العبادات، كما أن الأحاديث المروية وإن كانت أحاديث تحتمل الآيات الاجتماع معها وإعمال نصها مع ما تدل عليه، كما أعمل أبو يوسف١ حديث الاطمئنان في الركوع والسجود مع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢.
стр. 373
وبالتأمل قليلاً نجد أن أقصى ما تدل عليه التعليلات والأسباب السابقة أن إحجام الحنفية عن قبول خبر الواحد الزائد على ظاهر القرآن إنما كان لرواج الكذب على رسول الله ﷺ ، واحتمال خبر الواحد الانقطاع، وذلك يزول بزوال سببه وهو الوقوف على صحة الحديث، ومن هنا يتبين أن تعميم الحكم على أحاديث الآحاد فيه نظر، لأن ميزان القبول أو الرفض عندئذ ينبغي أن يكون صحة الحديث أو عدم صحته، لا توهينه واعتباره لا يقول على بيان المراد من الدليل القطعي لمجرد كونه خبر أحاد.
والوقوف على صحة الحديث وإن كان فيه مشقة وصعوبة في زمن الإمام أبي حنيفة ﵀، لعدم تدوين السنة كاملة في وقته، وأيضاً فقواعد الجرح والتعديل لم تنضج بعد، إلا أنه بعد تدوين السنة ونضوج علم الجرح والتعديل من السهل الوقوف على صحة الحديث، وذلك يكون بعرضه على القواعد والضوابط التي وضعها علماؤنا الكرام لتمييز الخبيث من الطيب وبيان الصحيح من غيره، وهي قواعد أمينة ودقيقة انفردت بها أمتنا عن أمم الأرض قاطبة، وما أحسب الباحث إلا سيجد نماذج صالحة للتطبيق كالذي رأيناه من أبي يوسف حيث أعمل حديث المسيء صلاته مع الآية الكريمة، وحكم بفريضة الطمأنينة في الصلاة مع أن الحديث من أخبار الآحاد.
стр. 374
الفصل الثالث: في أثر الخلاف في حمل المطلق على المقيد
المبحث الأول: في مسائل متعلقة بالصلاة والطهارة والطواف
...
أثر الخلاف على المذاهب الفقهية:
في أثناء كلامنا على نوع دلالة الخاص، ذكرنا أنه لا يحتمل البيان عند الحنفية، كما أشرنا إلى أنه تفرع على ذلك الخلاف في مسائل فرعية كثيرة ذكرها بعض أصولي الحنفية عقب الحديث عن دلالة الخاص، وذكرها صدر الشريعة في باب البيان بالزيادة على النص.
وهنا نقول: لقد كان لاختلاف العلماء في أن الخاص يحتمل البيان أو لا يحتمله، ولاختلافهم في كون الزيادة على النص نسخاً أو بياناً، ولاختلافهم في الأحوال التي يحمل فيها المطلق على المقيد أثر كبير في الاختلاف في الفروع حيث ترتب على تلك الأسباب منفردة ومجتمعة اختلاف الفقهاء في مسائل فرعية كثيرة١، نذكر فيما يلي بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر، وذلك في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول في مسائل متعلقة بالصلاة والطهارة والطواف:
١ - حكم الطمأنينة في الصلاة.
٢ - اشتراط الطهارة في الطواف.
стр. 375
٣ - الخلاف في فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة.
٤ - الخلاف في فرضية الترتيب في أعضاء الوضوء.
٥ - الخلاف في فرضية أو شرطية الترتيب في الطواف.
المبحث الثاني: في مسائل متعلقة بالحدود والكفارات:
١ - ضم التغريب إلى الجلد في حكم الزاني.
٢ - اشتراط الإيمان في كفارة الظهار.
٣ - قطع يد السارق من المفصل.
المبحث الثالث: في مسائل متفرقة:
١ - آيتا المشيئة.
٢ - آيتا الردة.
٣ - حكم مدافعة المار بين يدي المصلي، وأنه مقيد بوجود السترة.
٤ - حكم طاعة الأمير وأنه مقيد بما لم يكن معصية.
стр. 376
المبحث الأول في مسائل متعلقة بالصلاة والطهارة والطواف:
١ - حكم الطمأنينة في الصلاة:
أ - ذهب أبو حنيفة ومحمد١ رحمهما الله إلى أن الطمأنينة ليست من فرائض الصلاة، بل هي واجبة على رواية، وسنة على رواية أخرى٢، والفرض إنما هو الركوع والسجود٣.
ب - وذهب الجمهور وأبو يوسف من الحنفية إلى أن الطمأنينة فرض من فروض الصلاة تبطل الصلاة بتركها٤.
وكان من الأسباب التي أدت إلى هذا الخلاف ذكر الركوع والسجود مطلقاً في قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا
стр. 377
وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١ وجاء في حديث شريف اشتهر بحديث الأعرابي المسيء صلاته، ما يفيد أن الرجوع والسجود لا بد فيهما من الاطمئنان، حيث قال له الرسول ﷺ في الحديث: "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" ٢.
فالحنفية بناء على قاعدتهم في أن الخاص لا يحتمل البيان، وأن الزيادة على النص نسخ له، ونسخ القطعي بالظني غير جائز، قالوا بعدم فرضية الطمأنينة في الصلاة.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
أولاً: ما ذكره البزدوي في أصوله حيث يقول: (ومن الخاص الذي لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان قوله - تعالى -: ﴿وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ٣ والركوع اسم معلوم، وهو الميلان عن الاستواء بما يقطع اسم الاستواء، فلا يكون إلحاق التعديل به على سبيل الفرض حتى تفسد الصلاة بتركه بياناً صحيحاً؛ لأنه بَيّنٌ في نفسه، بل يكون إلحاق التعديل
стр. 378
على سبيل الفرض رفعاً لحكم الكتاب بخبر الواحد"١.
وذلك لا يجوز، ويزيد ذلك توضيحاً كلام شارح البزدوي؛ إذ يقول: (لا يكون إلحاق التعديل على وجه الفرض؛ لأن من شرط التحاق خبر الواحد بياناً للكتاب أن يكون فيما التحق به إجمال؛ لأنه لو لم يكن كذلك يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد، وقد عدم هنا؛ لأنه بين بنفسه فلم يصد لعدم شرطه"٢.
واستدلوا أيضاً:
بحديث المسيء صلاته الذي هو عمدة الجمهور في الفرضية، حيث قالوا قد جاء في بعض روايات الحديث: "فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصته من هذا فإنما انتقصته من صلاتك"٣.
ووجه الاستدلال بهذه الرواية من ناحيتين:
الأولى: أن الرسول ﷺ سمى ما صنعه الأعرابي صلاة حيث قال: "وما انتقصته من هذا شيئاً فإنما انتقصته من صلاتك".
стр. 379
والثانية: ترك الرسول ﷺ المسيء صلاته بعد أول ركعة حتى أتم، ولو كان عدم الطمأنينة مفسداً للصلاة لفسدت الصلاة بأول ركعة، وبعد الفساد لا يحل المضي في الصلاة، فتقرير الرسول له دليل على عدم بطلان صلاته.
ثم أجاب الحنفية عن قول الرسول ﷺ : "ارجع فصل فإنك لم تصل على الصلاة الخالية من الإثم أو على الصلاة المسنونة" ١.
وأما الجمهور: فلأن الزيادة عندهم ليست بنسخ، والخاص يحتمل البيان كما يحتمل التأويل بالمجاز قالوا: إن الآية التي ذكر فيها الركوع والسجود مطلقة وحديث الأعرابي مبين لهذا الإطلاق، ولا مانع من بيان القطعي بأخبار الآحاد؛ لأن البيان لا يشترط فيه المساواة.
وأيضاً فإن المقصود بالركوع والسجود المعنى الشرعي لهما، ولا شك أن الحقائق الشرعية لا تعرف إلا بطريق الشرع، وحيث إن الرسول ﷺ قد بين المراد بالركوع والسجود بقوله وفعله، يجب الرجوع إلى بيانه صلى الله عليه وسلم٢.
واستدل الجمهور أيضاً:
فقالوا: قد ذكر في حديث الأعرابي الأفعال والأقوال التي يجب
стр. 380
الإتيان بها في كل ركعة لقوله ﷺ : "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها".
وسكت الحديث عن السنن والمستحبات التي تركها لا تبطل به الصلاة، وحيث إن الطمأنينة قد ذكرت بجانب الواجبات فهي واجبة وليست سنة.
٣ - ومن أدلتهم على فرضية الطمأنينة قول الرسول ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود" ١، وهذا نص في محل النزاع كما ترى.
والذي يظهر أن الطمأنينة من فروض الصلاة؛ لأن الركوع والسجود وغيرها من أبعاض الصلاة حقائق شرعية، وهي محمولة على عرف الشارع، لا على عرف غيره؛ لأن الرسول بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية، فينبغي الوقوف والاقتصار على ما جاء به الشارع من بيان لهذه الحقائق"٢.
стр. 381
٢ - اشتراط الطهارة في الطواف:
أ - ذهب الحنفية وابن حزم١ إلى أن الطَّهَارةَ ليست بشرط في صحة الطواف، بل هي واجبة على أصح الروايات عند الحنفية، وقيل: سنة، فمن طاف طواف القدوم محدثاً فعليه صدقة؛ ولو طاف طواف الإفاضة محدثاً فعليه شاة، ومن كان جنباً فعليه بدنة، ويؤمر بإعادة الطواف ما دام بمكة استحباباً في الحدث، ووجوباً في الجنابة ولا شيء عليه إذا أعاد.
ب - وذهب الشافعية والمالكية وأحمد في المشهور إلى أن الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر شرط من شروط الطواف لا يصح إلا بها.
واستدل الحنفية: بأن الله أمر بالطواف في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، والطواف هو الدوران حول الكعبة من غير قيد الطهارة، فيكون اشتراط قيد الطهارة زيادة على النص القرآني
стр. 382
بخبر الواحد وهو لا يصح ناسخاً١.
قال في المبسوط: "وحجتنا في ذلك أن المأمور به بالنص هو الطواف: قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، واشتراط الطهارة فيه زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بالنص، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل ولا يوجب اليقين٢.
واستدل الجمهور: على اشتراط الطهارة في الطواف، بأمور منها:
١ - أن الرسول ﷺ قال: "خذوا عني مناسككم" ٣، وقد ورد في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن أول شيء بدأ به الرسول حين قدم مكة، أنه توضأ ثم طاف بالبيت، فكان هذا الفعل بياناً لقوله - تعالى -: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ .
стр. 383
٢ - ومنها: ما رواه الترمذي أن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه" ١.
ومن شروط الصلاة الطهارة، فكذلك الطواف يشترط فيه الطهارة؛ لأنه صلاة بنص الحديث.
ورد هذا الاستدلال من قبل الحنفية بأن المشبه لا يلزم أن يكون مثل المشبه به من كل وجه، ومعلوم أن قوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة" تشبيه الطواف بالصلاة، وقد نبه على الفرق بينهما بقوله ﷺ "إلا أن الله أحل فيه الكلام"، فالطواف يجوز فيه ما لا يجوز في الصلاة، فلا يشترط فيه كل ما يشترط في الصلاة، فلا تشترط فيها الطهارة٢.
ودفع هذا الاعتراض بالآتي:
أ - أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وقد أطلق الرسول ﷺ على الطواف اسم الصلاة فيكون صلاة حقيقة، وهي حقيقة شرعية، ويكون لفظ الصلاة مشتركاً لفظياً بين الصلاة المعهودة وبين الطواف.
ب - وأما قولهم: إن النبي ﷺ نبه على الفرق بين الطواف والصلاة
стр. 384
بأن الكلام فيه مباح، فالجواب أن الرسول ﷺ ذكر أنه صلاة، فثبت له جميع أحكام الصلاة، إلا ما استثنى من هذه الأحكام كإباحة المشي في الطواف، والاستثناء معيار العموم١.
٣ - ومن أدلة الجمهور أيضاً:
ما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها حينما طمثت في الحج: "افعلي كما يفعل الحاج، غير ألاّ تطوفي بالبيت حتى تطهري" ٢، فقد رتب منع الطواف على فقدان الطهارة، وهذا حكم وسبب، والظاهر أن الحكم يتعلق بالسبب، فيكون المنع لعدم الطهارة لا لعدم دخول الحائض المسجد٣.
وأجاب الحنفية بأنه ليس كل عبادة تمنع منها الحائض تشترط فيها الطهارة، فالصيام لا يشترط فيه الطهارة والحائض ممنوعة من فعله؛ فالعلة
стр. 385
غير مطردة١.
стр. 386
٣ - الخلاف في فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة للقادر:
اختلف العلماء في القراءة الواجبة في الصلاة على قولين:
القول الأول: إن ركن القراءة الواجبة في الصلاة هي الفاتحة. وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة.١
القول الثاني: أن الفرض هو القراءة المطلقة، والفاتحة زيادة. وهو قول الحنفية،٢ وليست ركناً من أركان الصلاة، بل هي واجب من واجباتها.٣
وتراجع أدلة الأقوال ومناقشتها في المراجع المذكورة في الحاشية.
стр. 387
٤ - الخلاف في فرضية الترتيب في أعضاء الوضوء:
اختلف العلماء في ترتيب أعضاء الوضوء على قولين مشهورين:
القول الأول: أن الترتيب فرض من فروض الوضوء؛ أخذاً من قوله ﷺ : " ابدؤوا بما بدأ الله به" ١ الشامل للوضوء، وهو وإن ورد في الحج إلا أنه عام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ومن فعله ﷺ فإنه لم يتوضأ إلا مرتباً، ولو لم يجب لتركه في وقت، أو دلّ عليه بياناً للجواز.٢
وهذا مذهب الجمهور ومنهم الإمام الشافعي والإمام أحمد.٣
القول الثاني: وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وهو أن الترتيب سنة من سنن الوضوء؛ جرياً على أصلهم من أن الزيادة على النص نسخ، فيشترط أن يكون الناسخ متساوياً مع المنسوخ؛ إذ القرآن لم يأمر إلا
стр. 388
بتطهير أربعة أعضاء. وتطهيرها حاصل بدون الترتيب.١
стр. 389
٥ - الخلاف في فرضية أو شرطية الترتيب في الطواف:
وهذه المسألة مثل مسألة الترتيب في أعضاء الوضوء، والتعليل قريباً من بعض، وهو أن الوارد في القرآن الأمر بالطواف، وهو يتحقق بما يُسمى طوافاً، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، إلا أن الزيادة على المرة الواحدة إلى أكثر الأشواط ثابت بدليل آخر وهو الإجماع، ولا إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط، وإنما ثبت ذلك بالسنة الأحادية، وهي لا توجب أكثر من الوجوب، فيثبت بها الوجوب دون الفرض في الزائد على أكثر الأشواط والترتيب؛ لأنه لم يرد فيه نص قطعي.١
стр. 390
المبحث الثاني في مسائل متعلقة بالحدود والكفارات:
١ - التغريب على الزاني البكر:
اتفق المسلمون على أن الزاني البكر والزانية البكر يجلدان مائة جلدة لقوله - تعالى -: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١.
واختلف الفقهاء: في ضم التغريب إلى الجلد في حق الزاني البكر أيعتبر جزءاً من الحد أم لا يعتبر جزءاً منه؟
أ - فذهب الحنفية إلى أن الحد هو الجلد مائة فقط، وليس التغريب جزءاً منه، بل هو من باب التعزير الموكول إلى نظر الإمام إن رأى مصلحة غرب تعزيراً لا حداً٢.
ب - وذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أن التغريب جزء من الحد٣.
وكان من الأسباب التي أدت إلى هذا الخلاف ورود الجلد مطلقاً