← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 855

شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري - ابن باز

ابن باز

Полный текст (432 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فلِهذَا لا يُنَاسِبُ أن يَقُولَ: «إن شِئتَ»، إنما يَقُولُ: «إن شِئتَ» الذي عندَه غنَاءٌ، عنده سَعَةٌ يَستَطِيعُ أن يَستَغْنِيَ، أمَّا العِبَادُ فلَيْسَ عندَهُم سَعَةٌ وليْسَ عندَهُم قُدْرَةٌ وليس لهم مَلجَأٌ إلَّا إلى اللهِ ، فهم فُقَرَاءُ إليه وإِنْ مَلكُوا الدُّنيَا؛ ولِهذَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي يا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وارْحَمْنِي، اللَّهُمَّ أَنْجِنِي من النَّارِ بِرَحمَتِكَ يا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. لا يِقُولُ: إن شِئتَ. كرَّرَ الحَدِيثَ، هَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ كَرَّرَهُ في نَفسِ البَابِ: «إِذَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ فَاعْزِمُوا فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» ثم أَعَادَهُ هنا؟ (الشَّيخُ): الَّذِي عِنْدَكَ هَذَا عنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ أو عَنْ أَنسٍ ﵁، الأَخِيرُ هَذَا؟ (الطَّالِبُ): عن أَبِي هُرَيرَةَ ﵁. التَّكرَارُ لِأجلِ الصَّحَابِي، أَقُولُ: لِأَجلِ الصَّحَابِيِّ. ٧٤٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرٌو، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى أَهُوَ خَضِرٌ؟ فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ،

стр. 247

هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ فَقَالَ مُوسَى: لَا، فَأُوحِيَ إِلَى مُوسَى، بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى يَتْبَعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ» (١). (الشَّيخُ): تَكَلَّمَ على «أَبِي حَفصٍ عَمرو»؟ [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٥٢)]: «وقد تقَدَّمَ شَرحُهُ مُستَوفًى في التَّفسِيرِ، وتَقَدَّمَ شَيءٌ منه في كِتَابِ العِلمِ، وشَيخُهُ عبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدٍ هو الْمُسنَدِيُّ، وشَيخُ الْمُسندِيِّ أَبُو حَفْصٍ عَمرو بِفتحِ العَينِ، هو ابنُ أَبِي سَلَمَةَ التِّنِّيسِيّ بِمُثَنَّاةٍ ونُونٍ ثَقِيلَةٍ مَكسُورةٍ، وأَبُو سَلَمَةَ أَبُوهُ لم أَقِفْ على اسْمِهِ». [انتهى

стр. 248

كلامه]. (الشَّيخُ): عندك فَقَالَ: «إِنِّي تَمَارَيْتُ» (١) أو «تَمَادَيْتُ»؟ بِالدَّالِ أو بِالرَّاءِ؟ (الطَّالِبُ): بِالدَّالِ في الشَّكلِ بِالدَّالِ. (الشَّيخُ): ضَبَطَ عندَكُم؟ المَعرُوفُ «تَمَارَيتُ»: اخْتَلَفَتْ. ما ضَبَطَ عِندَكُم؟ القَسْطَلَّانِي عِندَكُم؟ ما جَاءَ؟ مَنْ الذي عِندَهُ القَسطَلَّانِي؟ (الطَّالِبُ): وفي النُّسخَةِ الثَّانِيَةِ بِالرَّاءِ. المَعرُوفُ الرَّاءُ «تَمَارَيتُ»، وإن كَانَ لها وَجهٌ «تَمَادَيتَ» يَعْنِي: طَالَ الخِلَافُ، طَالَ النِّزَاعُ بينَنا، تَمَادَى يَعْنِي طَالَ، المَعرُوفُ في الرِّوَايةِ الرَّاءُ. (القَارِئُ): في الأَوَّلِ أَنَّه تَمَارَى بِالرَّاءِ ثم قالَ: «إِنِّي تَمَادَيْتُ». قال ابنُ بَازٍ ﵀: ضَعْ عَليهِ إِشَارَةً، رَاجعِ القَسْطلَّانيَّ، [أَحَدٌ] مِنْكُمْ يُحضِرهُ. سُلْطانُ (٢) تُجِيء بِهِ؟ (سُلطَانُ): إنْ شَاءَ اللهُ. قال ابنُ بَازٍ ﵀: والشَّاهِدُ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ [الكهف: ٦٩].

стр. 249

٧٤٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ، أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «نَنْزِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ يُرِيدُ المُحَصَّبَ» (١). يَعْنِي في حَجَّةِ الوَدَاعِ ﵊، بِالأَبطَحِ يَعْنِي، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيه وسَلِّمْ. ٧٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي العَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَاصَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَفْتَحْهَا، فَقَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ». فَقَالَ المُسْلِمُونَ: نَقْفُلُ وَلَمْ نَفْتَحْ، قَالَ: «فَاغْدُوا عَلَى القِتَالِ». فَغَدَوْا فَأَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ». فَكَأَنَّ ذَلِكَ أَعْجَبَهُمْ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢).

стр. 250

والتَّبسُّمُ للدَّلَالَةِ على ضَعفِ ابنِ آدَمَ، وَأنَّه مَتَى مَسَّه الضُرُّ فَرِحَ بِأسبَابِ العَافِيَةِ. في اليَومِ الأَوَّلِ ما أَحَبُّوا أن يَقفُلُوا ولم يَفتَحُوا البِلَادَ؛ لأنَّهم كانوا في سَلَامةٍ يَرجُونَ الفَتحَ، فَلمَّا أُصِيبُوا بِالجِرَاحَاتِ قَالَ: «إنا قَافِلُونَ غدًا إنْ شَاءَ اللهُ»؛ سَكَتُوا لِأجلِ ما أَصَابَهُم مِنْ الضُرِّ، وهَذَا من طَبِيعَةِ ابنِ آدَمَ وضَعفِهِ: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. * * *

стр. 251

بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، «وَلَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ»، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وَقَالَ مَسْرُوقٌ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيْئًا، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ، عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ وَنَادَوْا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣]». وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَحْشُرُ اللَّهُ العِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ». ٧٤٨١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ - قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ غَيْرُهُ- صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فَإِذَا: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]».

стр. 252

قَالَ عَلِيٌّ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ بِهَذَا، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. قَالَ عَلِيٌّ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: قَالَ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْ عَمْرٍو بْن دِينَار، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَرْفَعُهُ: أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿فُزِّعَ﴾، قَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو، فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ سُفْيَانُ: وَهِيَ قِرَاءَتُنَا. ﴿فُزِّعَ﴾ [سبأ: ٢٣] بِعَينٍ مُهمَلَةٍ، ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] يَعْنِي: زَالَ عنها الفَزعُ، وفي قِرَاءَةٍ أُخرَى: (فُرِّغ). ٧٤٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ». وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ: أَنْ يَجْهَرَ بِهِ (١).

стр. 253

«ما أَذِنَ» يَعْنِي: ما اسْتَمعَ، وهَذَا يَدُلُّ على شَرعِيَّةِ تَحسِينِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ والتَّغَنِّي به، ما هو مَعنَاهُ الغِنَاءُ، ولكن مَعنَاهُ مِثلُ ما فَسَّرهُ، وهو الجَهْرُ به مع تَحسِينِ الصَّوتِ، اللهُ أَكبَرُ. «النَّبيُّ» جِنسٌ؟ جِنسُ النَّبيِّ نعم. في اللَّفظِ الآخَرِ «مِنْ نَبِيٍّ»، المَعرُوفُ بِالتَّنكِيرِ. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: « ﷺ » من كَلَامِ النَّبِيِّ؟ كُل نبيٍّ يُقَالُ له هَذَا، كُلُّ الأَنبِياءِ يُقَالُ لهُم: ﷺ . في الحَدِيثِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ »، يَعْنِي الرَّسُولَ ﷺ صلى على جِنسِ الأَنبِيَاءِ؟ وهَذَا مُحتَمِلُ، يَحتَاجُ إلى تَأَمُّلٍ، قد يَكُونُ قَالَهُ وقد يَكُونُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ. ٧٤٨٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ

стр. 254

وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ» (١). وفي اللَّفظِ الآخَرِ: «بَعثَ النَّارِ» (٢) بِالإِضَافَةِ، قَالَ: «يا رَبِّ ومَا هُوَ بَعْثُ النَّارِ؟». قَالَ: «مِنْ كُلِّ ألْفٍ تِسعُمَائةٍ وتِسعَةٌ وتِسعُونَ» اللهُ أَكبَرُ، كمَا يَأَتِي. ٧٤٨٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ» (٣). (الشَّيخُ): اللَّهُمَّ ارْضَ عنها، اللَّهُمَّ ارْضَ عنها، رَاجِعِ الشَّرحَ على البَابِ. [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٥٤)]: «قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْده الا لمن أذن لَهُ﴾ «وَسَاقَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ: «وَلَمْ يَقلْ مَاذَا خلق ربُّكُم؟». قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ

стр. 255

بِهَذَا عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ قَدِيمٌ لِذَاتِهِ، قَائِمٌ بِصِفَاتِهِ، لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا بِهِ، وَلَا يَزَالُ كَلَامُهُ لَا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقِينَ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّتِي نَفَتْ كَلَامَ اللَّهِ، وَلِلْكُلَّابِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفِعْلِ وَالتَّكْوِينِ، وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِ الْعَرَبِ: قُلْتُ بِيَدِي هَذَا، أَيْ: حَرَّكْتُهَا، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِأَعْضَاءٍ وَلِسَانٍ، وَالْبَارِي مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَالْآيَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ إِذَا ذَهَبَ عَنْهُمُ الْفَزَعُ قَالُوا لِمَنْ فَوْقَهُمْ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلًا لَمْ يَفْهَمُوا مَعنَاهُ مِنْ أَجْلِ فَزَعِهِمْ؛ فَقَالُوا: مَاذَا قَالَ؟ وَلَمْ يَقُولُوا: مَاذَا خَلَقَ؟ وَكَذَا أَجَابَهُمْ مَنْ فَوْقَهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِقَوْلِهِمْ: قَالُوا الْحَقَّ. وَالْحَقُّ أَحَدُ صِفَتَيِ الذَّاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى كَلَامِهِ الْبَاطِلُ، فَلَوْ كَانَ خَلْقًا أَوْ فِعْلًا لَقَالُوا خَلَقَ خَلْقًا إِنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ، فَلَمَّا وَصَفُوهُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ الْكَلَامُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِمَعْنَى التَّكْوِينِ. انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي نَسَبَهُ لِلْكُلَّابِيَّةِ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي «خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ» عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ: أَنَّ الْمَرِيسِيَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نقُول لَهُ كن فَيكون﴾: هُوَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: قَالَتِ السَّمَاءُ فَأَمْطَرَتْ، وَقَالَ الْجِدَارُ هَكَذَا، إِذَا مَالَ، فَمَعنَاهُ قَوْلُهُ إِذَا أَرَدْنَاهُ إِذَا كَوَّنَّاهُ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنَّهُ أُغْلُوطَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: قَالَتِ السَّمَاءُ؛ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا صَحِيحًا حَتَّى يَقُولَ فَأَمْطَرَتْ، بِخِلَافِ مَنْ يَقُولُ: قَالَ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَلَامًا، فَلَوْلَا قَوْلُهُ فَأَمْطَرَتْ لَكَانَ الْكَلَامُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ السَّمَاءَ

стр. 256

لَا قَوْلَ لَهَا، فَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا أَوَّلُ بَابٍ تَكَلَّمَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَهِيَ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ». [انتهى كلامه]. وهَذَا أَوَّلُ بَابٍ أو الأَبْوَابُ التي سَبَقَت: ﴿إنما أمره إذا أراد شَيْئًا أن يقول له كن فيكون﴾؟ كأنَّ قَصْدَهُ أَنَّه أَفرَدَهُ لِهذَا الشَّيءِ، أَفرَدَهُ لِهذَا الشَّيءِ المُتَغَلِّبِ، والكِتَابُ كُلُّهُ مَلْآنٌ، وإلَّا فهو أَفرَدَهُ لِهذَا الشَّيءِ. [قال الحَافِظُ ﵀]: «وَهِيَ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ قَدْ أَكْثَرَ أَئِمَّةُ الْفِرَقِ فِيهَا الْقَوْلَ، وَمُلَخَّصُ ذَلِكَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ «الِاعْتِقَادِ»: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ مَخْلُوقًا وَلَا مُحْدَثًا وَلَا حَادِثًا، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]، فَلَو كَانَ الْقُرْآنُ مَخلُوقًا لَكَانَ مَخلُوقًا يكن وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ اللَّهِ لِشَيْءٍ بِقَوْلٍ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ قَوْلًا ثَانِيًا وَثَالِثًا فَيَتَسَلْسَلُ وَهُوَ فَاسِدٌ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ [الرحمن: ١ - ٣]، فَخَصَّ الْقُرْآنَ بِالتَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ، وَخَصَّ الْإِنْسَانَ بِالتَّخْلِيقِ؛ لِأَنَّهُ خَلْقُهُ وَمَصْنُوعُهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالَ: خَلَقَ الْقُرْآنَ وَالْإِنْسَانَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ قَائِمًا بِغَيْرِهِ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا كَلَامٌ يُؤذِي ويُتْعِبُ، ولِهذَا يَقُولُ بَعضُ السَّلَفِ -وأَظُنَّهُ ابنَ المُبَارَكِ ﵀: «إِنَّنَا نَستَطِيعُ أن نَحكِيَ كَلَامَ اليَهُودِ ونَحكِيَ كَلَامَ

стр. 257

النَّصَارَى ولكن لا نَستَطِيعُ أن نَحكِيَ كَلَامَ الجَهمِيَّةِ» (١). يَعْنِي: لِشنَاعَتِهِ وخُبثِهِ. المَقْصُودُ: أنَّ هَذِه الأَدِلَّةَ والأَحَادِيثَ كُلَّها وَاضِحَةٌ في إِثبَاتِ الصِّفَاتِ للهِ وإِثبَاتِ الكَلَامِ، وَأنَّه قَالَ ويَقُولُ وتَكَلَّمَ ويَتَكَلَّمُ إذا شَاءَ . وهَذَا من أَعظِمِ الصِّفَاتِ، ومِن أَعظَمِ الكَمَالِ، كَونُهُ يُوصَفُ بِأنَّه قَالَ وَيقُولُ جل وعلا ويَتَكَلَّمُ، وَأنَّه أَنزلَ الكُتُبَ على الأَنبِيَاءِ، وتَكَلَّمَ سُبحَانَهُ بِالقُرآنِ، كُلُّ هَذَا مِنْ أَعظَمِ الدَّلَائِلِ على اسْتِحقَاقِهِ العِبَادةَ، وَأنَّه رُبُّ العَالَمِينَ، وأنهُ الخَلَّاقُ العَلِيمُ، وَأنَّه الذي يَقُولُ للشَّيءِ كُنْ فَيكُونُ ، وليسَ عَدَمُ الكَلَامِ صِفَةَ كَمَالٍ، ولكنَّها صِفَةُ نَقصٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الجَمَادِ. والحَاصِلُ: أنَّ ما جَاءَتْ به هَذِه الأَدِلَّةُ هو مَحضُ ما تَقتَضِيهِ العُقُولُ السَّلِيمَةُ، العُقُولُ الصَّحِيحَةُ والفِطَرُ السَّلِيمَةُ مِنْ إِثبَاتِ صِفَةِ الكَلَامِ للهِ أَنَّه قالَ ويَقُولُ جل وعلا، ويَتَكَلَّمُ فيما مَضَى، ويَتَكَلَّمُ فيما يَأتِي على الوَجهِ اللَّائِقِ به ، لا يُشَابِهُهُ خَلقُهُ في شَيءٍ مِنْ صِفَاتِهِ، لا في الكَلَامِ ولا في غَيرِهِ. ولِهذَا يَقُولُ يَومَ القِيَامةِ لآدَمَ ﵇: «أَخرِجْ بَعثَ النَّارِ» (٢). هَذَا كَلَامٌ غَيرُ الكَلَامِ السَّابِقِ، ويَقُولُ لِأهلِ الجَنَّةِ: «هل رَضِيتُم؟ يَقُولُونَ: يا رَبَّنَا مَا لنَا لا نَرضَى وقد أَعطَيتَنَا ما لَمْ تُعطِ أَحَدًا مِنْ خَلقِكَ؟! أَلم تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟! أَلَمْ تُثقِّلْ مَوازِينَنَا؟! ألَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ؟! ألَمْ تُنجِّنَا منَ النَّارِ؟!» (٣). وهَكَذَا يَقُولُ

стр. 258

سبحانه وتعالى لِأَهلِ الجَنَّةِ: «السَّلَامُ عليكُمْ». والمَقْصُودُ: أن الكَلَامَ يَتَجَدَّدُ وقتًا بعد وَقتٍ ولِهذَا قَالَ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ (٢)﴾ [الأنبياء: ٢]، ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] يَعْنِي: جَدِيدًا، بعد أن لم يَتَكَلَّمْ تَكَلَّمَ ، والقُرْآنُ تَكَلَّمَ به بعدَ التَّورَاةِ، والإِنجِيلُ بعد التَّورَاةِ وهَكَذَا. وهَذِه الأَحَادِيثُ التي ذَكَرهَا الْمُؤَلِّفُ كُلُّها وَاضِحَةٌ في كَلَامِهِ سُبحَانَهُ، وَأنَّه يُسمَعُ، وأنَّ له صَوتًا يُسمَعُ، تَسمَعُهُ الْمَلَائِكَةُ وتَسمَعُ كَلَامَهُ، وهَكَذَا سِمِعَهُ جبرَائِيلَ ﵇، وهَكَذَا سَمِعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ حين أُسْرِيَ به حينَ عُرجَ به إلى السَّمَاءِ، وهَكَذَا سَمِعَهُ مُوسَى ﵊: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]. وهَذَا هو الكَلَامُ الذي يَعقِلُهُ النَّاسُ، تَعقِلُهُ الأُمَمُ أَنَّه يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يُسمَعُ. يَكفِي؛ لأنَّ كَلَامَهُم في كَلَامِ اللهِ كَلَامٌ صَعبٌ على القُلُوبِ وصَعبٌ على الآذَانِ سَمَاعُهُ، قَبَّحَهُمُ اللهُ. لِمَنْ المَقَالَةُ هَذِه: إنا لَنَحكِي كَلَامَ اليَهُودِ والنَّصَارَى؟ عَبدُ اللهِ بنُ الْمُبَارَكِ ﵀. * * *

стр. 259

بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ جِبْرِيلَ، وَنِدَاءِ اللَّهِ المَلَائِكَةَ وَقَالَ مَعْمَرٌ: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦]، أَيْ يُلْقَى عَلَيْكَ وَتَلَقَّاهُ أَنْتَ، أَيْ: وَتَأْخُذُهُ عَنْهُمْ، وَمِثْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] ٧٤٨٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ» (١). وهَذَا فيه النِّدَاءُ وفيه الْمَحبَّةُ، فيه الكَلَامُ وفيه الْمَحبَّةُ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، و ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ [آل عمران: ٧٦]، و ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. الآيَاتُ في هَذَا كَثِيرَةٌ، والبَابُ وَاحِدٌ، البَابُ عند أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ وَاحِدٌ، هو إِثبَاتُ جِمِيعِ ما جَاءَ في الكِتَابِ العَزِيزِ والسُّنَّةِ

стр. 260

الْمُطَهَّرةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ صِفَاتِ اللهِ وأَسمَائِهِ على الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، إِثبَاتًا بِلا تَمثِيلٍ، وتَنزِيهًا بِلَا تَعطِيلٍ، هَذَا قَولُ أَهْلِ الحَقِّ، وأَوَّلُهم الرُّسُلُ عَلَيهِم الصلاة والسلام وأَتبَاعُهُم مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وهَكَذَا أَتبَاعُهُم مِنْ أَئِمَّةِ الإِسلَامِ، يُثبِتُونَ آيَاتِ الصِّفَاتِ وأَحَادِيثَها، ويُمِرُّونَها كمَا جَاءَتْ، ويُؤمِنُونَ بما دَلَّتْ عليه مِنْ الأَسمَاءِ والصِّفَاتِ، وأَنَّهَا حَقٌّ وأَنَّهَا ثَابِتَةٌ للهِ ، وأنَّها تَلِيقُ به سُبحَانَهُ، لا يُشَابِهُ فيها خَلقَهُ جل وعلا، فَيُثبِتُونَ إِثبَاتًا بَرِيئًا مِنَ التَّمثِيلِ، ويُنَزِّهُونَ اللهَ عن مُشَابَهةِ خَلقِهِ تَنزِيهًا بَرِيئًا منَ التَّعطِيلِ. فليس إِثبَاتُهُم كَإِثبَاتِ الْمُشَبِّهةِ، وليس تَنزِيهُهُم كَتَنزِيهِ الْمُعطِّلَةِ مِنْ الجَهمِيَّةِ والْمُعتَزِلَةِ، لا، بل إِثبَاتٌ معه تَنزِيهٌ، إِثبَاتٌ كَامِلٌ معه تَنزِيهٌ للهِ عن مُشَابَهَةِ خَلقِهِ . ٧٤٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصْرِ وَصَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (١). ٧٤٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنِ المَعْرُورِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ

стр. 261

صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ زَنَى» (١). وهَذَا كَالأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ -أَحَادِيثِ الرَّجَاءِ وأَحَادِيثِ التَّبشِيرِ بِالجَنَّةِ لِأهلِ التَّوحِيدِ- هَذِه الأَحَادِيثُ تَدلُّ على أن أَصْلَ الدِّينِ وأَصلُ السَّعَادَةِ هو تَوحِيدُ اللهِ والإِخلَاصُ له، وأنَّ مَنْ مَاتَ عَليهِ سَالِمًا منَ الشِّركِ فَإنَّه مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإن كَانَتْ له ذُنُوبٌ وسَيِّئاتٌ؛ ولِهذَا قَالَ: «وإن زَنَى وإِن سَرَقَ» قَالَ: «وإن زَنَى وإِن سَرَقَ»، وفي اللَّفظِ الآخَرِ: كَرَّرَها ثَلَاثًا ثم قَالَ: «على رَغمِ أَنفِ أَبِي ذَرٍّ». فهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ على أنَّ الْمُوحِّدِينَ مَصِيرُهُم إلى الجَنَّةِ، وأنَّ ارْتِكَابَ الذُّنُوبِ والْمَعَاصِي التي قد يَمُوتُ عليها بَعضُهُم تَحتَ مَشِيئةِ اللهِ لا تَمنَعُهُم مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ، وإنْ جَرَى عَلَيهِم خُطُوبٌ قَبلَهَا وأُمُورٌ من عَذَابٍ وشِدَّةٍ وغَيرِ ذَلكَ، لكنَّهَا لَا تَمنَعُهُم مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ في المُنتَهَى والمَصِيرِ، فمنهم من يَتُوبُ اللهُ عليه قبلَ المَوتِ فَيَسْلَمُ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنهُم من تَكُونُ له أَعمَالٌ صَالِحَةٌ عَظِيمَةٌ تَرجُحُ بِسَيئَاتِهِ، ومِنهم يَشفَعُ فيه الشُّفعَاءُ كَنَبِيِّنا ﷺ وغَيرُهُ كَالمَلَائِكَةِ والمُؤمِنِينَ والأَفْرَاطِ؛ فَيُغفَرُ له، وَمِنهُم من يُعَذَّبُ على قَدرِ مَعَاصِيهِ كمَا تَقَدَّمَ

стр. 262

في حَدِيثِ شَفَاعَتِهِ ﷺ في أَهْلِ المَعَاصِي، وَأنَّه يَشفَعُ فِيهِمْ فَيُحَدُّ له حَدٌّ … إلى آخره، عِدةَ مَرَّاتٍ. وهَكَذَا تَشفَعُ المَلَائِكَةُ، ويَشفَعُ المُؤمِنُونَ، ويَشفَعُ الأَفْرَاطُ، ثم يَقُولُ : «شَفعَ النَّبِيونَ وشَفعَتِ المَلَائِكَةُ وشَفَعَ المُؤمِنُونَ، ولم يَبقَ إلا رَحمَةُ أَرحَمِ الرَّاحِمِينَ» (١)؛ فَيُخرِجُ من النَّارِ أَقوَامًا ما فَعَلُوا خَيرًا قَط، إلَّا أنَّهُم يَقُولُونَ: لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، إلا أَنَّهُمْ مُوحِّدُونَ قد عُذِّبُوا على مَعَاصِيهِم، ثم صَارَتِ النَّهَايَةُ إِخرَاجَهُم مِنْ النَّارِ بِتَوحِيدِهِم وما مَاتُوا عليه مِنَ الإِسلَامِ. هَذَا هو قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ قَاطِبَةً، خِلَافًا للمُعتَزِلَةِ وخِلَافًا للخَوَارِجِ وخِلَافًا لِمَنْ تَابَعَهُم مِنْ أَهْلِ البَاطِلِ. وحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ هَذَا وما جَاءَ في مَعنَاهُ كُلُّهَا صَريحَةٌ في الرَّدِّ عَلَيهِم؛ لأنَّ الخَوَارِجَ كَفَّرُوا مَنْ سَرقَ ومَن زَنَى قَالُوا: إنه كَافِرٌ مُخَلَّدٌ في النَّارِ، وهَذَا غَلَطٌ مِنْهُم عَظِيمٌ، وزَلَّةٌ كَبِيرةٌ وضَلَالٌ بَعِيدٌ؛ ولِهذَا قَالَ فِيهِمْ ﷺ : «يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلَامِ كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيةِ» (٢)، وقال فيهم: «يَقتُلُونَ أَهْلَ الإِسلَامِ ويَدَعُونَ أَهْلَ الأَوثَانِ» (٣). وهَكَذَا قالت الْمُعتَزِلَةُ ومَن تَابَعَهُم أَنَّهُمْ عُصَاةٌ مُخَلّدُون في النَّارِ، ولم يَجرُؤوا أن يَقُولُوا: كُفَّارٌ، بل قالوا: في مَنزِلَةٍ بين الْمَنزِلَتَينِ، وجَعلُوهُم لا مُسلِمِينَ ولا كُفَّارًا، بل بين ذَلكَ في الدُّنيَا، وفي الآخِرَةِ مُخَلَّدُونَ في النَّارِ كمَا

стр. 263

قَالتِ الخَوَارِجُ. وكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ، قَولُ الخَوَارجِ والْمُعتَزلَةِ بَاطِلٌ، بل هم مُسلِمُونَ ما دَامُوا مَاتُوا على التَّوحِيدِ ولم يُشرِكُوا باللهِ شَيْئًا ولم يَأتُوا بنَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسلَامِ، فهم على الإِسلَامِ لكنَّهم خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، فَعَلُوا ما يُوجِبُ النَّارَ مِنَ المَعَاصِي، وفَعَلُوا ما يُوجِبُ الجَنَّةَ مِنْ تَوحِيدِ اللهِ؛ فَصَارُوا بَينَ بَينَ، بَينَ هَؤلَاءِ وبَينَ هَؤلَاءِ، لا معَ الكُفَّارِ ولا معَ المُؤمِنِينَ السَّالِمِينَ، بلْ هُمْ في بَرزَخٍ آخَرَ، وهم الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ سُبحَانَهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ولا يَدُلُّ هَذَا على التَّهَاونِ بِالمَعَاصِي فإنَّ خطَرَهَا عَظِيمٌ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ غَضَبَ اللهِ وتُوجِبُ النَّارَ إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ ومَنْ مَنَّ عَليهِ بِالعَفُوِ، فلا يَلِيقُ بِعَاقِلٍ أن يَتَسَاهَلَ بها، وإِنْ كَانَتْ لا تَمنَعُهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ في الْمُستَقبَلِ، وإن كَانَ لا يُخَلَّدُ في النَّارِ. لكن ومَن يَرضَى؟! أَيُّ عَاقِلٍ يرَضَى أن يَدخُلَ النَّارَ ولو لَحَظَةً، سَاعَةً وَاحِدَةً؟! وأَيُّ عَاقِلٍ يَرضَى بِبَقَائِهِ في النَّارِ المُدَّةَ الطَّوِيلَة أو القَصِيرَة؟! كُلُّ هَذَا لا يَرضَاهُ عَاقِلٌ. فالوَاجِبُ الحَذَرُ مِنهَا، والابْتِعَادُ عنْهَا وعنْ أَسبَابِهَا، وأَنْ يَجتَهِدَ إذا بُليَ بِشَيءٍ منها بِالمبَادَرةِ بِالتَّوبَةِ والإِقلَاعِ والنَّدَمِ قبلَ أن يَنزِلَ به الأَجلُ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. * * *

стр. 264

بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالأَرْضِ السَّابِعَة. ٧٤٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا فُلَانُ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ فِي لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ أَجْرًا» (١). وهَذَا فيهِ الدَّلَالَةُ على شَرعِيَّةِ هَذِه الكَلِمَاتِ الطَّيبَةِ، إذا أَوَى الإِنسَانُ إلى فِرَاشِهِ، وجَاءَ في الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: «واجْعَلْهُنَّ مِنْ آخَرِ مَا تَقُولُ». إذا أَوَى الإِنسَانُ إلى فِرَاشِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا

стр. 265

مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ». الشَّاهِدُ: قَولُهُ: «آمَنتُ بِكِتَابِكَ الذي أَنزَلْتَ»؛ لِأنَّه أَنْزَلَ الكِتَابَ بِعلمِهِ، وأَنزَلَهُ بِعلمِهِ مُشتَمِلًا على عِلمِهِ وعلى إِرشَادٍ عِبَادِهِ إلى كُلِّ خَيرٍ. ويُشِيرُ مُجَاهِدٌ ﵀ وهو التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ إلى أن هَذَا الإِنزَالَ يَعمُّ السَّمَوات ويُعُمَّ الأَرضَ جِمِيعًا بَطبَقَاتِهَا كمَا يَعُمُّ السَّمَوَاتِ بِطَبقَاتِهَا، كَأنَّه يُشِيرُ بهَذَا إلى قَولِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢] فهو أَنزلَ هَذَا الكِتَابَ العَظِيمَ -وهو القُرآنُ- بِعلمِهِ العَظِيمِ، وعِلمُه لا يَنتَهِي، وهَذَا شَيءٌ مِنْ عِلمِهِ. أَنْزَلَهُ على عِبَادِهِ على يَدِ أَفضَلِ خَلقِهِ وأَشرَفِهِم مُحَمَّدٍ ﵊ في أَفضلِ بُقعَةٍ وفي أَفضَلِ مَكَانٍ، في مَكَّةَ المُكَرَّمةِ ثم المَدِينَةِ الْمُنَوَّرةِ، في أَفضلِ زَمَانٍ وأَشرَفِ زمَانٍ في رَمَضَانَ في لَيلَةِ القَدرِ، هَذِه أَنوَاعٌ مِنْ الفَضلِ وأَنوَاعٌ مِنَ الشَّرفِ لِهذَا الكِتَابِ العَظِيمِ. وفيه مِنَ العُلُومِ والتَّوجِيهِ إلى أَنوَاعِ الخَيرِ والتَّحذِيرِ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرِّ، والخَبرِ عَمَّن مَضَى وعمَا يَأَتيِ ما لا يُحصِيهِ إلا اللهُ ، وإنما يَعلَمُ مِقدَارَ ذَلكَ مَنْ تَدَبَّرَهُ وتَعَقَّلَهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ والبَصِيرةِ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٩)﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].

стр. 266

فَجِدِيرٌ بِأهلِ الإِيمَانِ، وجَدِيرٌ بِأهلِ العِلْمِ بِوجِهٍ خَاصٍّ أن تَكُونَ لهم العِنَايةُ العَظِيمَةُ الكَامِلَةُ بهَذَا الكِتَابِ -تَدَبُّرًا، وتَعَقُّلًا، وعَمَلًا، ودَعوَةً، وتَوجِيهًا، وإِرْشَادًا لِلعِبَادِ؛ لِيعلَمُوا حَقَّ رَبِّهم وما فَرضَ عَليهم وما دَعَاهُم إليه، وما لهم عنده مِنَ الخَيرِ العَظِيمِ إذا أَجَابُوا دَعوَتَهُ وأَدَّوا حَقَّهُ . (الشَّيخُ): كَذَا عِندكَ «أَصَبتَ أَجْرًا»؟ قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: وفي رِوَايَةٍ «خيرًا»، وفي رِوَايَةٍ: «أَصبْتَ خَيرًا» (١)، وفي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: «خَيْرًا». وفيه فَضْلُ هَذَا الذِّكرِ والضَّرَاعَةِ إلى اللهِ، وأنَّ صَاحِبَهَا إذا قَالها عن صِدِّقٍ وإِخلَاصٍ لو مَاتَ مَاتَ على الفِطرَةِ يَعْنِي: على الإِيمَانِ، وإن أَصبَحَ أَصَابَ أَجْرًا وأَصَابَ خَيرًا. كَلِمَاتٌ عَظِيمَةٌ فيها تَجَرُّدٌ مِنْ الحَولِ والقُوَّةِ إلى اللهِ ، وَأنَّه سُبحَانَهُ هو مُصَرِّفُ أَمرِهِ، مُصَرِّفُ أَمرِ العِبدِ ومُدَبِّرُهُ، وهو العَلِيمُ بِحَالِهِ، وهو القَادِرُ عليه، ثم خَتَمَ هَذَا بقَولِهِ: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ». وهَذَا الخَتمُ يَتَضَمَّنُ إِيمَانَهُ بِكلِّ ما في القُرآنِ مِنْ تَوحِيدٍ وإِخْلَاصٍ وأَوَامرَ ونَواهٍ وقَصَصٍ وغَيرِ ذَلكَ. فكان هَذَا كلامًا عظيمًا، وخَاتِمَةً عَظِيمَةً، وصَاحِبُهُ جَدِيرٌ بأن يَحصُلَ له هَذَا الخَيرُ: إن مَاتَ مَاتَ على الفِطرَةِ وإن أَصبَحَ أَصَابَ أَجرًا وأَصَابَ خَيْرًا: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ،

стр. 267

آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ فِي لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ أَجْرًا». والأفضل أن يَكُونَ مِنْ آخِرِ كَلَامِهِ عند النَّومِ. كيفَ الجَمعُ بينَهُ وبين: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ»؟ لا مُنَافَاةَ، هَذَا عَامٌّ وهَذَا خَاصٌّ، هَذَا خَاصٌّ عند النَّومِ وذاك عَامٌّ في آخِرِ حَيَاةِ الإِنسَانِ. الجَمعُ بين الأَدْعِيَةِ الوَارِدَةِ عند النَّومِ يُشرَعُ التَّنَوعُ أو الجَمْعُ؟ الظَّاهِرُ: أَنَّه يُشرَعُ أن يَأتِيَ بها كُلِّهَا إذا تَيسَرَ؛ لأنَّ الرَّسُولَ ﷺ ما بينَ مُعلِّمٍ لها وما بينَ فَاعِلٍ لها، فإذا تَيَسَّرَ لِلعَبدِ أن يَأتِي بها جَمِيعَها أو ما تَيَسَّرَ منها فهو المَطلُوبُ. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، يُشرَعُ عند النَّومِ أنْ يَقُولَ كَلمَةَ التَّوحِيدِ ثم يَقُولُ هَذَا الدُّعَاءَ جَمعًا بَينَ الحَدِيثَينِ؟ لا أَعلمُ، كُلُّهُ خَيرٌ، لا أَعلَمُ مِنْ ذَلكَ، إذا قالَ: سُبحَانَ اللهِ والحَمدُ للهِ ولا إِلهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكبَرُ، أو قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ له، أو قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، كُلُّهُ خَيرٌ. لكن لا أَتَذَكَّرُ الآن في كَلِمَاتِ النَّبيِّ ﷺ عند النَّومِ غَيرَ هَذِه الكَلِمَةِ، وهي دَاخِلَةٌ في قَولِهِ: «آمَنتُ بِكِتَابِكَ … »؛ لأنَّ في كتَابِهِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] دَاخِلَةٌ في الكَلِمَةِ هَذِه. * * *

стр. 268

٧٤٨٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اهْزِمِ الأَحْزَابَ، وَزَلْزِلْ بِهِمْ». زَادَ الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (١)، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ (٢). ٧٤٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قَالَ: «أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ سَمِعَ المُشْرِكُونَ، فَسَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ». وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ حَتَّى يَسْمَعَ المُشْرِكُونَ»، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أَسْمِعْهُمْ وَلَا تَجْهَرْ، حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ القُرْآنَ (٣).

стр. 269

وذَلكَ لأنَّ القُرآنَ هو أَعظَمُ مُهِمَّةٍ في الصَّلَاةِ؛ فلِهذَا أَطلَقَ عليهِ الصَّلَاةَ، يَعْنِي: قِرَاءَتَكَ. وهَذَا مِثلمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الذي رَوَاهُ مُسلِمٌ في «الصَّحِيحِ»: «يَقُولُ اللهُ : قَسَمتُ الصَّلَاةَ بَينِي وبَينَ عَبدِي نِصفَينِ» (١). يَعْنِي: القِرَاءَةَ، يَعْنِي: الفَاتِحَةَ؛ لأنَّ القِرَاءَةَ رُكنُهَا العَظِيمُ والمَقصُودُ العَظِيمُ مِنْ فَرضِهَا، ولِمَا في ذَلكَ مِنْ تَوجِيهِ النَّاسِ وإِسمَاعِهِم كِتَابَ اللهِ في حَالِ خُشُوعٍ وحَالِ إِقْبَالٍ. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: زَادَ الحُمَيدِيُّ، حَدَّثنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثنَا ابنُ أَبِي خَالِدٍ؟ كَأنَّ الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى ما فيها: حَدَّثنَا. (القَاِرئُ): سَاقِطَةٌ في المَتِن مَوجُودةٌ في الشَّرحِ. * * *

стр. 270

بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] «حَقٌّ» ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] «بِاللَّعِبِ» ٧٤٩١ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» (١). وهَذَا يُفِيدُ تَحرِيمَ سَبَّ الدَّهرِ، وَأنَّه لا يَجُوزُ أن يُسَبَّ الدَّهرُ، الدَّهرُ مَخلُوقٌ مِنَ الْمَخلُوقَاتِ يُصَرِّفُهُ اللهٌ، ولِهذَا قَالَ: «يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ». يَعْنِي: وأنا خَالِقُ الدَّهرِ ومُصَرِّفهُ، ومُقَلِّبُه؛ ولذَلكَ قَالَ في اللَّفظِ الآخَرِ: «أُقَلِّبُ لَيلَهُ ونَهَارَهُ» (٢)؛ فَسَبُّهُ سَبٌّ لِصَانِعِهِ وخَالِقِه، فَلا يَلِيقُ بِالمُؤمِنِ أن يَقُولَ: لا بَارَكَ اللهُ في هَذِه السَّاعَةِ، أو قَاتَلَ اللهُ هَذِه السَّاعَةَ، أو لَعَنَ اللهُ هَذِه السَّاعَةَ، أو هَذَا اليَومَ أو هَذِه اللَّيلَةَ أو هَذَا المَسَاءَ. المَقْصُودُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ، وهَكَذَا سَبُّ الأَشيَاءِ كُلِّهَا مَمنُوعٌ إلا مَنْ

стр. 271

أَذِنَ اللهُ في سَبَّهِ، فَالمَرءُ لا يَكُونُ سَبَّابًا ولا لَعَّانًا إلا مَنْ شَرعَ اللهُ سَبَّهُ. بَعضُ النَّاسِ إذا زَارَهُ شَخْصٌ قَالَ: هَذَا يَومٌ مُبَاركٌ؟ إذا قَالَهَا بِمَعنَى أَنَّها زِيَارَةٌ مُبَارَكةٌ، وأنَّ اليَومَ الذي حَصَلَتْ فيهِ [مُبارَكٌ]؛ ما نَعلَمُ فيه شَيْئًا. ٧٤٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ : الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» (١). الشَّاهِدُ في هَذَا كُلِّهِ: أَنَّه يَتَكَلَّمُ إذا شَاءَ ، مَقصُودُ المَؤَلِّفِ بَيَانُ الأَحَادِيثِ التي فيها كَلَامُهُ جل وعلا، وتَكلِيمُ عِبَادِهِ، وإِخبَارهِ عن نَفسِهِ بما هو أَهلُهُ، وإِخبَارُهُ عِبَادَهُ بما يُحِبُّهُ مِنْ أَعمَالِهِم، وهو تَكَلَّمَ ويَتَكلَّمُ إذا شَاءَ جل وعلا رَدًّا على أَهْلِ البِدَعِ الْمُنكِرِينَ لِكَلَامِهِ ، فقد قالَ ويَقُولُ وتَكَلَّمَ ويَتَكَلَّمُ إذا شَاءَ، لا مَانِعَ له مِنْ ذَلكَ . وهَذَا مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ. مِنْ نَقصِ الأَصنَامِ والأَحجَارِ والأَشجَارِ أَنَّها لا تَتَكَلَّم كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه: ٨٩]، عَابَهَا بِأنها لا تُرجِعُ قَولًا ولا تَتَكَلَّمُ، كَونُهُ يَتَكَلَّم ويَقولُ هَذَا مِنْ

стр. 272

صِفَاتِ الكَمَالِ، ومِن وُجُوهِ استِحقَاقِهِ العِبَادَةَ ، فهو يَتَكَلَّمُ ويَأمُرُ ويَنهَى إذا شَاءَ بما يَشَاءُ؛ ولِهذَا تَكَلَّمَ قَالَ: «يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ» (١)، «الصَّومُ لي وأنَا أجْزِي بهِ». ٧٤٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ ﵇ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟. قَالَ: بَلَى، يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ». وهَذَا فيه قَولُهُ: «يا أَيَّوبَ» يُنَادِيهِ: «يَا أَيُّوبَ أَلم أُغنِكَ عن هَذَا»، كَلَامٌ خَاصٌّ مع نَبِيٍّ خَاصٍّ ﵊، فَقَالَ: «بَلَى، ولكن لا غِنًى لي عن بَركَتِكَ». لأنَّ إِنزَالَ هَذَا الخَيرِ مِنَ البَركَةِ، وقد أَنْزَلَ عليه رِجْلًا من جَرَادٍ من ذَهَبٍ، فهَذَا مِنْ بَركَةِ اللهِ ؛ ولِهذَا كَانَ يَحثُو، يَحثُو منه أَيُّوبُ ﵊؛ لِأنَّه مِنحَةٌ منَ اللهِ ونِعمَةٌ مِنَ اللهِ سَاقَهَا إِلَيهِ ومِن بَركَاتِهِ ، «لا غِنًى لي عن بَركَتِكَ». إذا يَسَّرَ اللهُ لِلعَبدِ مِنْ الكَسبِ الحَلَالِ والرِّزقِ الحَلَالِ لا حَرجَ في أَخذِهِ وجَمعِهِ والإِنفَاقِ منه، والإِحسَانِ منه إلى النَّاسِ. وَفِيهِ: جَوازُ الاغتِسَالِ عُريَانًا؛ فإن أَيُّوبَ ﵇ اغْتَسَلَ عُريَانًا، وهَكَذَا مُوسَى ﵇ اغْتَسَلَ عُريَانًا، وهَكَذَا كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَتَجَرَّدُ ويَغتَسِلُ

стр. 273

مع أَهلِهِ، فلا بأسَ بذَلكَ في الْمَحِلِّ الْمَستوِر عن أَعْيُنِ النَّاسِ، في حَمَّامِهِ، في مُغتَسَلِهِ، في مَحِلٍّ مَستُورٍ، مَشرُوعٌ له أن يَتَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ حَتَّى يَغتَسِلَ، ولِهذَا تَجَرَّدَ أَيُّوبَ ﵊، وهَكَذَا مُوسَى ﵇ وهَكَذَا نبيُّنا ﵊. والمَقْصُودُ: النَّبيُّ ﷺ ذَكرَ أَنَّه عُرْيَانٌ وأَقَرَّهُ النَّبيُّ ﷺ ؛ فَدَلَّ ذَلكَ على أَنَّه لا بَأْسَ بِالتَّعَرِّي لِلاغْتِسَالِ لِغُسلِ الجَنَابةِ وغُسلِ التَّبَرُّدِ وغُسلِ يَومِ الجُمُعُةِ ونَحوِ ذَلكَ. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، قَولُهُ: «يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ»؟ فيه الدَّلَالَةُ على أنَّ العَبدَ يُؤذِي رَبَّه بِمَعَاصِيهِ وسَيِّئاتِهِ ولا يَضُرُّهُ، يُؤذِيهِ ولا يَضُرُّهُ، والضَّررُ على العَبدِ، لا يَضرُّ اللهَ شَيْئًا: «إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» (١)، فاللهُ لا يَضُرُّهُ شَيءٌ فهو الغَنيُّ والكَامِلُ والقَادِرُ على كُلِّ شَيءٍ فلا يَضُرُّهُ الخَلقُ ولكن يُؤذِيهِ العَبدُ بِمَعَاصِيهِ وشِركِهِ، أنْ يَفعَلَ شَيْئًا يَكرَهُه اللهُ ويَبغَضُهُ اللهُ منهُ، ويَكُونُ أَذًى مِنْ العَبدِ لِرَبِّهِ بِتَعَاطِيهِ ما حَرَّمَهُ عليه، والأَذَى غَيرُ الضَّرَرِ. .؟ ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٦٩] هَذَا في كَلَامِهِ. الاغْتِسَالُ مع الأَهلِ عُرِيَانًا؟ إذا كَانَ ما مَعَهُم أَحَدٌ، ما فيهِ شَيءٌ. قَولُهُ لِأَيُّوبَ ﵇: «أَلمْ أَكُنْ أَغنَيتُكَ عَنْ هَذَا»، هَذَا إِنكَارٌ عَليهِ في أَخذِهِ؟

стр. 274

سَؤَالٌ يَسأَلُهُ، فَقَالَ: بَلَى، ولِهذَا أَجَابَ: «بلَى»؛ لِإظْهَارِ النِّعمَةِ لِإظْهَارِ الفَضلِ والنِّعمَةِ؛ ولِيتَكَلَّم أَيُّوبُ ﵇ بما أَرسَلَهُ اللهُ إليه وأَنزلَ مِنْ البَركَةِ لِيستَفِيدَ النَّاسُ ويَعلَمُوا، فهو سَألَ وهو أَجَابَ لِحكمَةٍ بَالِغَةٍ منها: أن يَستَفِيدَ النَّاسُ. ولا يُنَافِي أن تَكُونَ هَذِه الرِّجْلُ مِنْ بَركَتِهِ؟ يَعْنِي هَذِه الرِّجلُ مِنَ الذَّهبِ دَاخِلَةٌ في بَركَةِ اللهِ؟ مِنْ بَركَةِ اللهِ. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ هل كَلَّمَ اللهُ أَيُّوبَ ﵇ بِوَاسِطَةٍ ؟ يَظهَرُ منَ السِّيَاقِ أَنَّه كَلَّمَهُ سُبحَانَهُ مُشَافَهَةً، ولا مَانِعَ مِنْ ذَلكَ، مِثلمَا كَلَّمَ مُوسَى ﵇ وكَلَّمَ مُحَمَّدًا عَلَيهِم الصلاة والسلام، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]، ومُحَمَّدٌ ﷺ لما عُرِجَ به إلى السَّمَاءِ كَلَّمَهُ اللهُ، وفَرضَ عَلَيهِ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ. ٧٤٩٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتَنَزَّلُ (١) رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (٢).

стр. 275

وهَذَا التَّنزُّلُ ثَابِتٌ مِنْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، ومُتَوَاتِرٌ عن الرَّسُولِ ﵊. وفيه الدَّلَالَةُ على عُلُوِّ اللهِ كمَا تَقَدَّمَ مِنَ الآيَاتِ والأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ على النُّزُولِ، فَالتَّنَزّلُ والنُّزُولُ كُلُّهُ دَالٌّ على عُلُوِّ المنزِّلِ، وَأنَّه فَوقَ الجَمِيعِ ، وَأنَّه يَنْزِلُ إلى السَّمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ لَيلَةٍ نُزُولًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، لا يَعلَمُ كَيفِيَّتَهُ سِوَاهُ مع كَونِه عَالِيًا فَوقَ العَرشِ، وهو فَوقَ الجَمِيعِ ويَتَنَزَّلُ إلى السَّمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ لَيلَةٍ نُزُولًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ لا يُعلَمُ كَيفِيَّتَهُ سُبحَانَهُ. وهو نُزُولٌ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ ولا يَتنَافَى مع اخْتِلَافِ الليَّلِ والنَّهَارِ في سَائِرِ أَرجَاءِ الدُّنيَا، فإنَّ اللَّيلَ والنَّهَارَ في الدُّنيَا مُختَلِفٌ، فَآخِرُ اللَّيلِ عند قَومٍ هو لَيْسَ بِآخِرِ اللَّيلِ عند آخَرِينَ، بل وَسَطُ اللَّيلِ أو أَوَّلُ اللَّيلِ كمَا بينَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، فهو نُزُولٌ يَلِيقُ بِاللهِ في كُلِّ بَلَدٍ وفي كُلِّ إِقلِيمٍ، وفي كُلِّ جِهَةٍ بِحَسَبِهَا، لا يَعلَمُ كَيفِيَّةَ ذَلكَ إلا هو . وقد كَتَبَ في هَذَا أَبُو العَبَّاسِ -شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ- كِتَابًا جَيِّدًا شَرحَ فيه حَدِيثَ النُّزُولِ، وبَيَّنَ فيه هَذِه المَعَانِي، وأنَّ النُّزُولَ صِفَةٌ خَاصَّةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ لا يَلزَمُ منها تَكْييفٌ ولا تَمثِيلٌ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ، فلا يَلزَمُ منها تَعَارضٌ بِسبَبِ اخْتِلَافِ اللَّيلِ والنَّهَارِ في البُلدَانِ، فَالتَّعَارضُ بِالنِّسبَةِ إِلَينَا ولِصِفَاتِنَا، أما بِالنِّسبَةِ إلى اللهِ فلا يَتَعَارضُ؛ لِأنَّه لا يَعلَمُ كَيفِيَّةَ صِفَاتِهِ إلا هو . فعلى العَبدِ الإِيمَانُ والتَّسلِيمُ، على الأُمّةِ الإِيمَانُ والتَّصدِيقُ والإِقرَارُ بما

стр. 276

جَاءَ عنِ الرَّسُولِ ﷺ على الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، وعلى المَعنَى الذي أَرَادَهُ اللهُ . والفَائِدَةُ العَظِيمَةُ من هَذَا: حَثُّ العِبَادِ على الدُّعَاءِ في هَذَا الوَقتِ العَظِيمِ: هل مِنْ داَعٍ فَيُستَجَابُ له؟ هل مِنْ تَائِبٍ فَيُتَابُ عليه؟ هل من سَائِلٍ فَيُعطَى سُؤلَهُ؟ هل مِنْ مُستَغفِرٍ فَيُغفَرُ له؟ فَيَنبَغِي للمُؤمِنِ أن يَكُونَ له نَصِيبٌ في هَذَا الوَقتِ مِنْ عِبَادَتِهِ ودُعَائِهِ وضَرَاعَتِهِ إلى رَبِّهِ جل وعلا، ولا يَستَبْطِئَ الإِجَابَةَ ولا يَقُولَ: لم يُجَبْ. يَدعُو والأَمرُ بِيدِ اللهِ ، فقد يُعَجِّلُ الإِجَابَةَ لِحكْمَةٍ، وقد يُؤَجِّلُهَا لِحكْمَةٍ، وقد يمْنَعُهَا لِحكْمَةٍ، فَيصْرِفُ عن العَبدِ شَيْئًا يَضُرُّهُ سِوَاهَا كمَا في الحَدِيثِ الصَّحيحِ: «ما مِنْ عَبدٍ يَدْعُو اللهَ بِدعُوَةٍ لَيْسَ فيها إِثمٌ ولا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إلا أَعطَاهُ اللهُ بها إِحدَى ثَلَاثٍ: إما أنْ تُعَجَّلَ له دَعوَتُهُ في الدُّنيَا، وإمَّا أن تُدَخَرَ له في الآخِرَةِ، وإمَّا أَنْ يُصرَفَ عنه مِنَ الشَّرِّ مِثلُ ذَلكَ»، قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، إذًا نُكثِرُ. قَالَ: «اللهُ أَكثَرُ» (١). فأنتَ على خَيرٍ في دُعَائِكَ، اسْألْ رَبَّكَ، وأنت على خَيرٍ، فادْعُ رَبَّكَ بِإخْلَاصٍ وصِدقٍ واسْألْ حَاجَتَكَ، وَرَبُّكَ أَعلَمُ بذَلكَ، إن شَاءَ سُبحَانَهُ عَجَّل هَذَا كما يَقَعُ وَوَقَعَ لِكَثِيرٍ منَ النَّاسِ، عُجِّلَت لهم طَلَبَاتُهُم، وقد تُؤَجَّلُ كمَا وَقَعَ أَيضًا لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أُجِّلَت طَلَبَاتُهُم ولم تَحصُلْ لهم في الدُّنيَا، وقد يُصرَفُ عنه منَ الشَّرِّ ما لا يَدُورُ على بَالِهِ ولم يُذكَرْ في خَيالِهِ؛ فَضلًا مِنْ اللهِ ، وبَدَلًا مِنْ إِجَابتِهِ لهَذِه الدَّعوَةِ أُعطِي ما هو خَيرٌ منها وأَفضَلُ، أو أُجِّلَتْ لَه في الآخِرَةِ لِيكُونَ ذَلكَ أَنفعَ له؛ لأنَّ حِكمَةَ اللهِ اقْتَضَتْ ألَّا تَحصُلَ له في الدُّنيَا،

стр. 277

إلى غَيرِ ذَلكَ. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، نُزُولُ الرَّبِّ مِنْ ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِرِ حَتَّى الفَجرِ؟ نعم حَتَّى طُلُوعِ الفَجرِ في كُلِّ بَلَدٍ، نُزُولًا يَلِيقُ به لا يُشبِهُ خَلقَهُ في ذَلكَ، ولا يَعلمُ كَيفِيَّتَه إلا هو . ٧٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ» (١). ٧٤٩٦ - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ اللَّهُ: «أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (٢). هَذَا الشَّاهِدُ: «قَالَ اللهُ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» وهَذَا من فَضلِ اللهِ العَظِيمِ: «يَا بْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ». وهَذَا مِثلُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩]، ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧]. فَالمَشرُوعُ لابنِ آدَمَ أن يُنْفِقَ ويُحسِنَ ولا يَبخَلَ؛ واللهُ يُعَوِّضُهُ خَيرًا عَاجِلًا أو آجِلًا. والبُخلُ ذَمِيمٌ وقَبِيحٌ، لا يَلِيقُ بِالمُؤمِنِ، بل يَنبَغِي له أن يَكُونَ جَوَادًا كَرِيمًا

стр. 278

مُنْفِقًا مما يَسَّرَ اللهُ له: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، «اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمرَةٍ» (١)، فلا يَنبَغِي له أن يَحمِلَهُ سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ، أو البُخلُ بِمَا أَعطَاهُ اللهُ، أو مَحبَّةُ المَالِ أو غيرُ هَذَا مِنْ الآفَاتِ التي لا تَنبَغِي، لا يَنبَغِي أن تَحمِلَه تلكَ الآفَاتُ على الإِمسَاكِ عن الإِنفَاقِ في مَحِلِّهِ والجُودِ في محِلِّه، ولو لمْ تَعلَمْ حَالَ المُعْطَى، إذا سَألَ أو ظَنَنتَ أَنَّه مُحتَاجٌ تُعطِه ما تَيسَّرَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٩]، السَّائِلُ قد يَكُونُ مَعلُومًا وقد يَكُونُ مَجهُولًا، فإذا عَلمَتَ أَنَّه مُحتَاجٌ فهَذَا آكَدُ، وإذا لم تَعلَمْ تُعطِهِ، قد يَكُونُ مُحتَاجًا وأنت لا تَدْرِي، تُعطِهِ ما تَيَسَّرَ. أما إذا عَلمتَ حَالةً ثَالِثَةً: وهو أَنَّه غَنيٌّ وَأنَّه كَذَّابٌ فهَذَا يُزجَرُ ويُؤَدَّبُ ويُعَلَّمُ ويُوَجَّهُ إلى الخَيرِ؛ حَتَّى يَنتَهِيَ عن جَشَعِهِ وحِرصِهِ على المَالِ، وهو لا يَستَحِقُّ؛ لأنَّ اللهَ قد أَغنَاهُ. فالسَّائِلُونَ ثَلَاثَةُ أَقسَامٍ: مَجهُولٌ، وفَقِيرٌ مَعلُومٌ، وغَنِيٌّ مَعلُومٌ: ١ - فَالفَقِيرُ المَعلُومُ: لا إشكالَ فيه، يُعطَى. ٢ - والمَجهُولُ: يُعطَى بما يَسَّرَ اللهُ، وليس مِثلَ المَعلُومِ. ٣ - والمَعلُومُ أَنَّه غَنِيٌّ: يُعَلَّمُ ويُوجَّه ويُرشَدُ ويُزجَرُ عن عَمَلهِ السَّيِّئِ. الذي ظَاهِرُهُ الفَقرُ؟ ما دَامَ ما تَعلمُ حَالَهُ تُعطِيه، إلَّا مِنَ الزَّكَاةِ، إذا كَانَ مَجْهُولًا تَقُولُ له هَذَا زَكَاةٌ حَتَّى يَعلَمَ، أمَّا صَدَقَةُ الْمُتَطَّوعِ ما يَحتَاجُ سُؤَالًا.

стр. 279

… (١)؟ ما فيه مَانِعٌ، مِثلمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَعدٍ ﵁: «إنَّك إن تَذَرْ وَرَثَتكَ أَغنِياءَ خَيرٌ مِنْ أن تَتركَهُم فُقَرَاءَ يَتَكَّفَّفُونَ النَّاسَ» (٢)، ولا يَمنَعُ مِنَ الصَّدَقَةِ، النَّبيُّ ﷺ كَانَ يَعزِلُ نَفَقَةَ أَهلِهِ سَنَةً ﵊، ثم يُنفِقُهَا، وقد يَمرُّ عليه الأَيّامُ الكَثِيرةُ واللَّيَالِي وليس عنده شَيءٌ، ﵊. ٧٤٩٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ فَقَالَ: «هَذِهِ خَدِيجَةُ أَتَتْكَ بِإِنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ - أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ - فَأَقْرِئْهَا مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ» (٣). هَذَا الشَّاهِدُ قَولُهُ: «أَقْرِئهَا مِنْ رَبِّهَا السلَّامَ» أَنَّه يَتَكَلَّمَ وَأنَّه يُسَلِّمُ على مَنْ شَاءَ ؛ ولِهذَا جَاءَ جَبرَائِيلَ ﵇ يَحمِلُ منَ اللهِ السَّلَامَ لِخَدِيجةَ ﵂، هَذَا فَضلٌ كَبِيرٌ لِخَدِيجَةَ ﵂. أنَّ اللهَ أَمرَ جَبرَائِيلَ أن يُبَلِّغَهَا منه السَّلَامَ وأن يُبَشِّرَهَا بِالجَنَّةِ، بِبَيتٍ في الجَنةِ مِنْ قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ، قال العُلمَاءُ: القَصَبُ يَعْنِي: مِنْ اللُّؤلُؤِ. «وليس فيه صَخَبٌ ولا نَصَبٌ» يَعْنِي: لَيْسَ فيه تَعَبٌ ولا صِياحٌ يُؤذِي، فليس فيه صَخَبٌ منَ الكَلَامِ المُؤذِي،

стр. 280

ولا نَصَبٌ مما يُتعِبُ، بل هو مِنْ أَنوَاعِ النَّعِيمِ، وفيه ما هو نَعِيمٌ، كُلهُ نَعِيمٌ، فهَذَا يَدُلُّ على فَضلِهَا والشَّهَادةِ لها بِالجَنَّةِ، وأنها مِنَ المَشهُودِ لهم بِالجَنَّةِ ﵂. وهَذَا مِنْ الوُجُوهِ التي فُضِّلَت بها خَدِيجَةُ ﵂ على عَائِشَةَ ﵂ وعلى بَقِيَّةِ الأَزوَاجِ ﵅ جَمِيعًا. ما رَفَعَهُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁ هنا؟ هَذَا مَرفُوعٌ في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى، ولا يَقُولُهُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁ من كيسِهِ، (١) فهُوَ لَه حُكمُ الرَّفعِ. (الشَّيخُ): ماذا قَالَ الشَّارِحُ؟ [قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ فِي «فَتْحِ البَارِي» (١٣/ ٤٦٩)]: «قَولُهُ: عن أَبِي هُرَيرَةَ فَقَالَ: «هَذِه خَدِيجَةُ» كذا أَورَدَه هنا مُختَصَرًا، والقَائلُ جِبرِيلُ كمَا تَقَدَّمَ في بَابِ تَزْوِيجِ خَدِيجَةَ ﵂ في أَوَاخرِ المَنَاقِبِ، عن قُتَيبَةَ بنِ سَعيدٍ، عن مُحمَّدِ بنِ فُضَيلٍ بهَذَا السَّنَدِ عن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَتَى جِبرِيلُ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، هَذِه خَدِيجَةُ … إلى آخِرهِ. وبهَذَا يَظهَرُ أنَّ جَزمَ الكَرمَانِيُّ بأن هَذَا الحَدِيثَ مَوقُوفٌ غَيرُ مَرفُوعٍ مَردُودٌ». [انتهى كلامه]. (الشَّيخُ): تَكَلَّم على «مِنْ قَصَبٍ»؟ أو العَينِيُّ؟ [قالَ الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (٢٥/ ١٦٠)]: «قَولُهُ: «مِنْ قَصَبٍ». قَالَ الْكرْمَانِيُّ: يُرِيد بِهِ قَصَبَ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، وَقيلَ: اصْطِلَاحُ الجَوهَريِينَ أَنْ يَقُولُوا: قَصَبٌ من الدُّرٍّ وقَصَبٌ مِنَ الْجَوْهَرِ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: أَرَادَ بِقصرٍ من زُمُرُّدَةٍ مُجَوَّفةٍ أَوْ من لُؤلُؤَةٍ مُجَوَّفةٍ. قَولُهُ: «لَا صَخَبَ فِيهِ» أَي: لَا صِياحَ وَلَا جَلَبَةَ. قَولُهُ: «وَلَا نَصَبَ» أَي: وَلَا تَعبَ، وَقَالَ الدَّاودِيُّ: يَعْنِي لاعِوجَ». [انتهى كلامه].

стр. 281

وقال الإِمَامُ القَسْطلَّانيُّ ﵀ (٣/ ٢٧٥): ««مِنْ قَصَبٍ» بِفَتحِ القَافِ وَالصَّادِ المُهْمَلةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَوَقَعَ في حَدِيثٍ عِنْدَ الطَّبَرَانيِّ في «الأَوسَطِ» تَفْسِيرُه مِنْ طَريقِ ابنِ أَبِي أَوْفَى بِلَفظِ: «يَعنِي مِنْ قَصَبِ اللُّؤْلُؤِ». وَعِندَهُ في «الكَبيرِ» مِنْ حَديثِ أَبِي هُرَيرةَ: «بِبَيتٍ مِنْ لُؤْلُؤةٍ مُجَوَّفَةٍ»، وَعِندَه فِي «الأَوسَطِ» في حَدِيثِ فَاطِمةَ قَالَتْ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَينَ أُمِّي خَدِيجَةُ؟ قَالَ: «فِي بَيتٍ مِنْ قَصَبٍ». قُلتُ: أَمِنْ هَذَا القَصَب؟ قَالَ: «لَا، مِنَ القَصَبِ المَنْظُومِ بِالدُّرِّ وَاللُّؤلُؤِ وَاليَاقُوتِ». فَإِنْ قُلتَ: مَا النُّكْتَةُ في قَولِه: «مِنْ قَصَبٍ» وَلَمْ يَقُلْ مِنْ لُؤلُؤٍ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ في لَفظِ «القَصَبِ» مُنَاسَبةٌ؛ لِكَونِهَا أَحْرَزَتْ قَصَبَ السَّبقِ لِمُبادَرَتِها إلى الإِيْمَانِ دُونَ غَيرِهَا. فَإِنْ قُلْتَ: لمَ قَالَ: «بِبَيتٍ» وَلَمْ يَقُلْ: بِقَصرٍ؛ وَالقَصْرُ أَعْلَى وَأَشْرفُ؟ أُجِيبَ: بِأنَّهَا لمَّا كَانتْ ربَّة بَيتٍ قَبلَ المَبعَثِ، ثُمَّ صَارَتْ رَبَّة بَيتٍ في الإِسْلَامِ مُنْفَردةً بِه، فَلَم يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فِي أَوَّلِ يَومٍ بُعِثَ النَّبيُّ ﷺ بيتُ إِسْلامٍ إِلَّا بَيتُهَا، وَهِي فَضِيلةٌ مَا شَارَكَهَا فِيهَا غَيرُهَا، وَجَزاءُ الفِعلِ يُذْكَرُ غَالبًا بِلَفظِه وَإِنْ كَانَ أَشْرفَ منه قَصْدًا لِلمُشَاكَلةِ وَمُقَابلةِ اللَّفظِ بِاللَّفظِ، فَلِهذَا جَاءَ الحَدِيثُ بِلَفظِ «البَيتِ» دُونَ ذِكرِ القَصرِ». [انتهى كلامه]. ٧٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (١). يَعْنِي في الجَنَّةِ كما في الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى، وهَذَا مِنْ كَلَامِهِ: «أَعدَدتُ»، هَذَا الشَّاهِدُ: «يَقُولُ اللهُ: أَعدَدتُ … ». اللهُ يَجعَلُنَا وإِيَّاكُم منهم، اللهُ المُستَعَانُ، اللهُ المُستَعَانُ. ٧٤٩٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، أَنَّ طَاوُسًا، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ،

стр. 282

وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (١). ٧٥٠٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَلَكِن وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ بَرَاءَتِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ العَشْرَ الآيَاتِ (٢). الشَّاهِدُ قَولُهَا: «أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ»، وقَولُهُ في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ المُتَقَدِّمِ: «وقَولُكَ الحَقُّ».

стр. 283

٧٥٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ» (١). وهَذَا فَضْلُهُ وجُودُهُ، وحَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ العَظِيمُ هَذَا وما جَاءَ في مَعنَاهُ كُلُّهُ يَدُلُّ على فَضلِ اللهِ العَظِيمِ ، فَالعَبدُ إذا هَمَّ بِالحَسنَةِ فلم يَعمَلْهَا كُتِبَتْ له حَسنَةٌ بهَذَا الهَمِّ وهَذَا القَصدِ، كأن يَهِمَّ أن يَعُودَ مَرِيضًا، أو يَهِمَّ أن يَتَصَدَّقَ، أو ما أَشبَهَ ذَلكَ من أَعمَالِ الخَيرِ تُكتَبُ له حَسنَةٌ، فإنْ فَعَلَهَا كُتِبَتْ له عَشرُ حَسنَاتٍ إلى سَبعِمَائةِ ضِعفٍ، إلى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ. أمَّا إنْ همَّ بِالسِّيئَةِ فإنها [لا] تُكتَبُ عليه حَتَّى يَعمَلَهَا، فإن عَمِلَها كُتِبَت سَيئَّةً وَاحِدةً فَقَطْ بِمثلِهَا، كما قَالَ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. فإن ترَكهَا مِنْ أَجلِ اللهِ كُتَبتْ له حَسنَةً، وهَذَا فَضلُهُ كأن يَهِمَّ بأن يَسرِقَ أو يَسُبَّ فُلَانًا ثم لا يَفعَلُ لم تُكتَبْ عليه، فإن تَركَهَا مِنْ أَجلِ اللهِ، خَافَ اللهُ، تَركَ مِنْ أَجلِ خَوفِ اللهِ كُتِبَت له حَسنَةً؛ لأنَّه تَركَهَا مِنْ أَجلِ اللهِ

стр. 284

كما قَالَ: «مِنْ جَرَّائِي». وهناك حَالٌ ثَالثَةٌ: وهي أن يَعمَلَ ويَجتَهِدَ لِفِعلِهَا ولكِنْ يَعجَزُ؛ فهَذَا تُكتَبُ عليه. فَتَركُ السَّيَّئةِ له أَحوَالٌ ثَلَاثٌ: أَحَدهُا: أن يَترُكَهَا مِنْ غَيرِ قَصدِ اللهِ، هَكَذَا تَسَاهُلًا فلا تُكتَبُ عَليه. الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أن يَترُكَهَا خَوفًا منَ اللهِ؛ فَتُكتَبُ له حَسنَةً. الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أن يَعمَلَ ويَجتَهِدَ في فِعلِهَا، ولكن يُغلَبُ ويَعجَزُ فَتُكتَبُ عليه السَّيئَةُ، كمَا في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إذا الْتَقَى المُسلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا فَالقَاتِلُ والمَقتُولُ في النَّارِ». قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، هَذَا القَاتِلُ فما شَأنُ القَتِيلِ؟! قَالَ: «إنه كَانَ حَرِيصًا على قَتلِ صَاحِبِهِ» (١). يَعْنِي: قدْ فَعَلَ وَلكِنَّهُ غُلِبَ، وهَكَذَا مَنْ هتَكَ السِّترَ وهَتَكَ الحِرزَ واجْتَهدَ في أَخذِ السَّرِقةَ ولكن حِيلَ بينه وبين ذَلكَ يَأثَمُ وتُكتَبُ عليه؛ لِأنَّه فَعَلَ ما اسْتَطَاعَهُ، وهَكَذَا مَنْ فَعلَ جُهدَهُ لِفِعلِ السَّيئَةِ ولكن حِيلَ بينه وبين ذَلكَ تُكتَبُ عَليهِ تلكَ السَّيئَةُ؛ لِأنَّه بَذلَ في هَذَا عَمَلًا مُنكَرًا. أَحسَنَ اللهُ إِليكَ، تُكتَبُ عليه السّرقَةُ كَامِلَةً أو ما بَاشَرَ مِنْ أَسْبَابِهَا؟ اللهُ أَعلَمُ، المَقْصُودُ: أَنَّه آثِمٌ، أمَّا السَّيئَةُ ما أَعلَمُ عِظَمَهَا وكَيفِيِّتَها اللهُ أَعلَمُ، في الحَدِيثِ: «القَاتِلُ والمَقتُولُ في النَّارِ» عمَّهُ الوَعِيدُ، نَسأَلُ اللهَ العَافِيَةَ. .؟ نعم مِثلُهُ، دَاخِلٌ في هَذَا، رَجُلٌ كَانَ له عِلمٌ ومَالٌ وكان يَعمَلُ بِمَالِهِ فيما شَرعَ اللهُ فهو في خَيرِ المَنَازِلِ، والثَّانِي: له عِلمٌ وليس له مَالٌ فهو يَقُولُ: لو أنَّ لي مَالَ فُلَانٍ لَعمِلتُ مِثلَ عَمَلِهِ فَله مِثلُ أَجرِهِ بِنيَّتِهِ الصَّالِحَةِ .... إلخ.

стр. 285

٧٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَ: مَهْ. قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، فَقَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ. قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَلِكِ لَكِ». ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] (١). (الشَّيخُ): في نُسخَتكَ «مُزَرِّدٍ» بِالكَسْرِ؟ [قال الإِمَامُ العَينِيُّ ﵀ في «عُمدَةِ القَارِي» (١٧٢/ ١٩)]: «مُزَرِّدٍ» بِضَمِّ المَيمِ وفَتحِ الزَّاي وكَسرِ الرَّاءِ المشَدَّدةِ وبِالدَّالِ المُهمَلَةِ». [انتهى كلامه]. قَالَ ابنُ بَازٍ ﵀: هَذَا هو المَعرُوفُ «مُزَرِّد» كَسرُ الرَّاءِ مع التَّشدِيدِ. (الشَّيخُ) رَاجِعِ «التَّقرِيبَ»: مُعَاوِيةُ بنُ أَبِي مُزَرِّدٍ؟ [قال الحَافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ في «تقْرِيبِ التَّهذيبِ» (٦٧٧٠)]: «مُعَاوِيةُ بنُ أَبِي مُزَرِّدٍ» بِضَمِّ المِيمِ وفَتحِ الزَّاي وتَثقِيلِ الرَّاءِ المَكسُورَةِ، عَبدُ الرَّحمَنَ بنُ يَسَارٍ مَولَى بَنِي هَاشَمٍ المَدَنِيُّ، لَيْسَ به بَأسٌ، مِنْ السَّادِسَةِ، خ م س».
следующие страницы →