"سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة: أن النبي ﷺ دخل بيت أم سلمة فرأى عندها مخنثاً الحديث؟
قال أبي: هذا خطأ اضطرب فيه حماد. إنما هو هشام عن أبيه عن أم سلمة.
وليس عن هشام عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة إلا ذاك الواحد أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد) ١.
وذكر الدارقطني حديثاً فيه وهم ثم قال: "وأحسب أن الوهم من الباغندي لا ممن فوقه؛ لأن شيخ الباغندي من الثقات قليل الخطأ"٢ اهـ.
الطريقة الحادية عشرة: أن يتوقف فلا يدرى ممن الغلط؟
وذلك يكون؛ لقلة الإطلاع على طرق أكثر، تظهر موطن الغلط ومنشأه، أو لكثرة الاختلافات.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه يعقوب بن كاسب عن مغيرة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن كريب عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "من نذر نذراً لم يسعه فكفارته كفارة اليمين"، وذكر الحديث.
فقالا: رواه وكيع عن مغيرة فأوقفه والموقوف صحيح.
стр. 107
قلت لهما: الوهم ممن هو؟ قالا: ما ندري من مغيرة أو من ابن كاسب١.
وذكر للإمام أحمد "حديث الحسين الجعفي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر: "أسلم سالمها الله" فأنكره إنكاراً شديداً. وقال: هذا عبد الله بن دينار عن ابن عمر انظر الوهم من قبل من هو" ٢.
وذكر الحاكم حديثاً فيه وهم. ثم قال: "لقد جهدت جهدي أن أقف على الواهم فيه من هو فلم أقف عليه اللهم إلا أن أكبر الظن على ابن بيان البصري على أنه صدوق مقبول" ٣ اهـ.
وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث فيه اضطراب؟
فقال أبوحاتم: الناس يضطربون في حديث العلاء ...
فقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي فأيهما الصحيح منهما؟.
قال: هو مضطرب.
فأعدت عليه فلم يزدني على قوله هو مضطرب٤.
стр. 108
(فائدة) أحياناً تختلف أقوال النقاد في تعيين الراوي المخطئ.
قال الزيلعي في معرض بيانه لحديث فيه وهم. واختلف ممن الوَهْم: "قد اضطرب كلامهم فمنهم من ينسب الوهم في رفعه لسعيد. ومنهم من ينسبه للتَرجمُاني الراوي عن سعيد. والله أعلم"١ اهـ.
والعمل عندها أن ينظر فيه على ما سبق من الطرق وإلا يتوقف.
وهذه الطرق لا تعني أن هذا الراوي هو المخطئ يقيناً٢. بل تفيد غلبة الظن٣. فإذا قالوا أخطأ فلان، فلا يتعين خطؤه في نفسه الأمر. بل هو راجح الاحتمال فيعتمد٤. وذلك؛ لأن كُلّ طريقة من الطرق السابقة هي مظنة الخطأ في ذلك الراوي.
فالحكم عليه بالخطأ. إنما هو بطريق الظن الغالب لا بالقطع؛ إذ قد يسلم من الخطأ ٥. لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك. وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاماً؛ وذهنه ثاقباً؛ وفهمه قوياً؛ ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة ٦.
стр. 109
الباب الثالث: قاعدة الاضطراب سندا، متنا، سندا ومتنا
الفصل الأول: قاعدة الاضطراب في السند
المبحث الأول: منهج المحدثين في زيادة الثقة مع قاعدةفي الرواة المختلفين
...
الفصل الأول: قاعدة الاضطراب في السند
المبحث الأول: منهج المحدثين في زيادة الثقة مع قاعدة في الرواة المختلفين.
الاضطراب في السند له ست صور:
أ - الاضطراب بتعارض الوصل والإرسال.
ب - الاضطراب بتعارض الاتصال والانقطاع.
ج - الاضطراب بتعارض الوقف والرفع.
د - الاضطراب بزيادة رجل في أحد الإسنادين.
هـ- الاضطراب في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف.
و الاضطراب في تعيين الراوي ١.
وإنما يعل الحديث في هذه الصور بشرط اتحاد المخرج.
قال العلائي: "لايقدح أحدهما في الآخر إذا اختلف السندان" ٢اه.
وقال ابن دقيق في معرض كلامه عن تعليل الحديث بالاختلاف: "وهذا بشرط أن لا يكون الطريقان مختلفين بل يكونان عن رجل واحد" ٣اه.
وقال ابن عبد الهادي: "محل الخلاف إذا اتحد السندان أمّا إذا [اختلفا] فلا
стр. 110
يقدح أحدهما في الآخر إذا كان ثقة جزماً"١اهـ.
وسبب الضعف في هذه الصور أمران:
١- أنها دلت على عدم ضبط الراوي لذلك الحديث ٢.
٢- أنها في إحدى الحالتين تكون ضعيفة٣ إلا في صورة الرفع والوقف؛ فلأن الموقوف ليس حجة كالمرفوع.
وهذه الصور لها تعلق بمسألة "زيادة الثقة".
قال ابن الصلاح في معرض حديثه عن الحديث الذي اختلف في وصله وإرساله أو وقفه ورفعه: "ولهذا الفصل تعلق بفصل "زيادة الثقة" في الحديث"٤اهـ.
وإنما تعلقت بزيادة الثقة؛ [لأنه آت بزيادة] ٥.
وتعلقت زيادة الثقة بها؛ لأن فيها - أي الزيادة - مخالفة لما رواه غيره وصورة مسألة زيادة الثقة: [أن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة] ٦.
стр. 111
ومحلها في التابعين فمن دونهم ١.
واختلف العلماء في زيادة الثقة على مذاهب:
١- القبول مطلقاً.
٢- الرد مطلقاً.
٣- التفصيل فيه.
قال ابن عبد الهادي في معرض ردِّه على من قال الزيادة من الثقة مقبولة:
"فإن قيل الزيادة من الثقة مقبولة؟
قلنا: ليس ذلك مجمعاً عليه، بل فيه خلاف مشهور!
فمن الناس: من يقبل زيادة الثقة مطلقاً.
ومنهم: من لا يقبلها.
والصحيح التفصيل وهو أنها تقبل في موضع دون موضع فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظاً ثبتاً والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة ٢.
وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها.
стр. 112
ومن حكم في ذلك حكماً عاماً فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها.
ففي موضع يجزم بصحتها.
وفي موضع يغلب على الظن صحتها.
وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة.
وفي موضع يغلب على الظن خطؤها.
وفي موضع يتوقف عن الزيادة"١ اهـ.
وهذا الذي صححه ابن عبد الهادي هوالصواب إن شاء الله؛ لأن الإسناد الذي اختلف فيه رواته لا يخلو من حالتين: -
أ- أن تحتف بالإسناد قرائن ترجح أحد الأوجه.
ب- أن لا تحتف بالإسناد قرائن ٢.
فإن احتفت بالإسناد قرائن ترجح أحد الأوجه؛ فليس لأهل الحديث قاعدة مضطردة بل هم يحكمون في كل حديث بحكم خاص.
قال أبو داود للإمام أحمد: "إذا اختلف الفريابي ووكيع، أليس يقضي لوكيع؟
قال: مثل ماذا؟
قلت: مالم يروه غيره؟
стр. 113
قال: ما أدري وكيع ربما خولف أيضاً" ١اه.
وقد نص جماعة من أهل التحقيق والدراية والتدقيق على أنه ليس لأهل الحديث حكم عام مطرد عند الاختلاف بل مرجع ذلك إلى القرائن والمرجحات.
منهم:
١- الإمام العلامة المحقق المدقق أبو الفتح محمد بن علي القشيري الشافعي المعروف بابن دقيق العيد ت٧٠٢هـ.
قال ﵀: "أهل الحديث قد يروون الحديث من رواية الثقات العدول، ثم تقوم لهم علل فيه تمنعهم من الحكم بصحته. كمخالفة جمع كثير له أو من هو أحفظ منه أو قيام قرينة تؤثر في أنفسهم غلبة الظن بغلطه.
ولم يجر ذلك على قانون واحد يستعمل في جميع الأحاديث. ولهذا أقول: إن من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارضت رواية مرسل ومسند أو واقف ورافع أو ناقص وزائد: أن الحكم للزائد؛ فلم يصب في هذا الإطلاق فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً. وبمراجعة أحكامهم الجزئية، تعرف صواب ما نقول"٢اهـ.
٢- والإمام العلامة المحقق أبو الفتح محمد بن محمد المصري المعروف بابن سيد الناس ت٧٣٤هـ.
قال ﵀: "ليس لأكثر أهل الحديث في تعارض الوصل والإرسال
стр. 114
عمل مطرد"١ اهـ.
٣- والإمام العلامة المحقق أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي المعروف بابن عبد الهادي الحنبلي ت٧٤٤ هـ.
قال ﵀: "ذهب الحذاق من الأئمة - وهي أقوى الطرق - أنه يصار إلى الترجيح فتارة يحكم للوقف وتارة يحكم للرفع وتارة يتوقف كل بحسب القرائن.
وهذه طريقة الشافعي وأحمد وعلي بن المديني والبخاري والنسائي وغيرهم من الأئمة" ٢اهـ.
وقال أيضاً: "الأخذ بالمرفوع والمتصل في كل موضع طريقة ضعيفة لم يسلكها أحد من المحققين وأئمة العلل في الحديث"٣.
٤- والإمام العلامة المحقق أبو سعيد خليل العلائي الشافعي ت٧٦١هـ.
قال ﵀: "الذي يظهر من كلامهم - أي المحدثين - خصوصاً المتقدمين كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهما كأحمد ابن حنبل وعلي بن المديني ويحيى ابن معين وهذه الطبقة، ومن بعدهم كالبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين ومسلم والترمذي والنسائي وأمثالهم والدارقطني والخليلي. كل هؤلاء مقتضى تصرفهم في الزيادة قبولاً ورداً الترجيح بالنسبة إلى
стр. 115
مايقوى عند الواحد منهم في كل حديث ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جميع الأحاديث. وهذا هو الحق"١ اهـ.
٥- والإمام العلامة المحقق أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد الدمشقي المعروف بابن رجب الحنبلي ت٧٩٥هـ.
قال ﵀: "ربما يستنكر أكثر الحفاظ المتقدمين بعض تفردات الثقات الكبار. ولهم في كل حديث نقد خاص وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه"٢اهـ.
٦- والإمام العلامة المحقق أبو الفضل أحمد بن علي الشافعي المعروف بابن حجر العسقلاني ت٨٥٢ هـ.
قال ﵀: "المنقول عن أئمة الحديث المتقدمين اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها. ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة"٣ اهـ.
٧- والإمام العلامة المحقق إبراهيم بن عمر البقاعي ت٨٨٥ هـ.
قال ﵀: "لحذاق المحدثين في هذه المسألة نظر - وهو الذي لاينبغي أن يعدل عنه - وذلك أنهم لا يحكمون فيها بحكم مطرد وإنما يديرون في ذلك مع القرائن"٤ اهـ.
٨- والإمام العلامة المحقق أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن السخاوي
стр. 116
ت٩٠٢هـ قال ﵀: "الحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن عدم اطراد حكم كلي. بل ذلك دائر مع الترجيح: فتارة يترجح الوصل، وتارة الإرسال، وتارة يترجح عدد ذوات الصفات، وتارة العكس. ومن راجع أحكامهم الجزئية؛ تبين له ذلك"١ اهـ.
وإن لم تحتف بالإسناد قرائن فاختلف المحدثون في الترجيح:
فمنهم من يرجح الوصل والرفع.
ومنهم من يرجح الإرسال والوقف.
ومنهم من يرجح رواية الأكثر.
ومنهم من يرجح رواية الأحفظ.
قال الحافظ معلقاً على كلام العلائي السابق: "هذا العمل الذي حكاه٢ عنهم إنما هو فيما يظهر لهم فيه ترجيح.
وأما ما لايظهر فيه الترجيح فالظاهر أنه المفروض في أصل المسألة٣"٤ اهـ.
وقال السخاوي بعد ذكره لاختلافهم في تقديم الوصل أو الإرسال أو الأكثر أو الأحفظ: "والظاهر أن محل الأقوال ٥ فيما لم يظهر فيه ترجيح كما
стр. 117
أشار إليه شيخنا"١ اهـ.
قاعدة في الرواة المختلفين:
الرواة المختلفون في الحديث وصلاً وإرسالاً. رفعاً ووقفاً. اتصالاً وانقطاعاً، ونحوه [إما أن يكونوا متماثلين في الحفظ والإتقان أم لا.
فالمتماثلون إما أن يكون عددهم من الجانبين سواء أم لا.
فإن استوى عددهم مع استواء أوصافهم، وجب التوقف حتى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم لها.
ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر. ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث. بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص. لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق.
ولأجل هذا كان مجال النظر في هذا أكثر من غيره. وإن كان أحد المتماثلين أكثر عدداً فالحكم لهم على قول الأكثر. وقد ذهب قوم إلى تعليله، وإن كان من وصل أو رفع أكثر. والصحيح خلاف ذلك] ٢.
وقال يحيى بن معين: "أصحاب سفيان الثوري ستة: يحيى بن سعيد
стр. 118
ووكيع ابن الجراح وابن المبارك والأشجعي وعبد الرحمن بن مهدي وأبو نعيم.
وليس أحد من هؤلاء يحدث عن سفيان فيخالفه بعض هؤلاء الستة فيكون القول قوله حتى يجيء إنسان يفصل بينهما فإذا اتفق من هؤلاء اثنان على شيء كان القول قولهما"١ اهـ.
[وأما غير المتماثلين فإما أن يتساووا في الثقة أو لا فإن تساووا في الثقة فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم له ولا يلتفت إلىتعليل من علله بذلك.
أيضاً إن كان العكس فالحكم للمرسل والواقف] ٢.
قال ابن هاني للإمام أحمد: "إن اختلف شعبة وسفيان فالقول قول من؟
قال: سفيان أقل خطأ وبقول سفيان آخذ" ٣ اهـ.
[وإن لم يتساووا في الثقة فالحكم للثقة ولا يلتفت إلى تعليل من علله برواية غير الثقة إذا خالف] ٤.
قال النسائي في معرض بيانه لاختلافٍ في حديث: "لا يحكم بالضعفاء على الثقات" ٥ اهـ[إذ رواية الثقات لا تعلل برواية الضعفاء] ٦.
[وإذا كان رجال أحد الإسنادين أحفظ، والآخر أكثر فقد اختلف المتقدمون فيه:
стр. 119
فمنهم من يرى قول الأحفظ أولى؛ لإتقانه وضبطه.
ومنهم من يرى قول الأكثر أولى؛ لبعدهم عن الوهم.
ولا شك أن الاحتمال من الجهتين منقدح قوي، لكن ذاك إذا لم ينته عدد الأكثر إلى درجة قوية جداً بحيث يبعد اجتماعهم على الغلط أو يندر أو يمتنع عادة فإن نسبة الغلط إلى الواحد وإن كان أرجح من أولئك في الحفظ والإتقان أقرب من نسبته إلى الجمع الكثير] ١.
стр. 120
المبحث الثاني: الاضطراب بتعارض الوصل والإرسال .
الاضطراب بتعارض الاتصال والإرسال:
المتصل: هو الذي اتصل إسناده، فكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه إلى منتهاه.
ويطلق على المرفوع والموقوف١.
ومرادهم هنا المرفوع؛ لأنه مقابل للإرسال٢.
والمرسل: ما سقط من منتهاه ذكر الصحابي. بأن يقول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
وليس من المرسل إبهام اسم الصحابي. قال ابن دقيق العيد: "عدم ذكر اسم الصحابي، لا يجعل الحديث مرسلاً" ٤ اهـ.
стр. 121
وصورة الاضطراب: أن تتعارض رواية الوصل مع رواية الإرسال. ولا مرجح.
وله حالتان:
١- أن يكون الواصل والمرسل راوياً واحداً.
٢- أن يكون الواصل غير المرسل.
فإذا كان الواصل والمرسل واحداً. ولا مرجح فقد اختلف أهل العلم في ذلك.
١- الحكم للوصل على الإرسال.
لأنه زيادة ثقة.
وإليه ذهب ابن الصلاح وقال: "على الأصح" ١ اهـ.
وقال الخطيب: "إذا كان الإرسال والوصل من راوٍ واحد لا يضر لنسيانه"٢ اهـ.
٢- الحكم لما وقع منه أكثر من وصل أو إرسال:
لأنه يدل على أنه الراجح من روايته.
стр. 122
وإليه ذهب الأصوليون كالرازي وأتباعه ١.
قال العراقي: "الأصوليون صححوا أن الاعتبار بما وقع منه أكثر فإن وقع وصله أكثر من إرساله فالحكم للوصل، وإن كان الإرسال أكثر فالحكم له"٢ اهـ.
٣- الحكم بتعارضهما:
لأنه لا يدري ما الراجح في الرواية. الوصل أم الإرسال.
وإليه ذهب أئمة الحديث.
قال السخاوي: "زعم بعضهم: أن الراجح من قول أئمة الحديث فيهما التعارض" ٣ اهـ.
مثاله:
ما رواه سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل فقالت له يا رسول الله إني كنت جنباً فقال رسول الله ﷺ : "إن الماء لا يجنب" ٤.
стр. 123
ورواه سماك أيضاً عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلاً١.
فاضطرب فيه سماك مرة وصله ومرة أرسله.
قال الإمام أحمد: "هذا حديث مضطرب" ٢ اهـ.
وإذا كان الواصل غير المرسل ولا مرجح فقد اختلف أهل العلم في ذلك:
١- الحكم للمرسل:
وإليه ذهب أكثر أهل الحديث ٣.
[لأن الإرسال جرح. والجرح مقدم على التعديل] ٤ [وفي هذه العلة نظر. وإنما علة ذلك الشك في وصله. فأخذنا بالأقل المتيقن وألغينا غيره] ٥.
قال ابن معين: "إذا خفت أن تخطئ في الحديث فانقص منه ولا تزد" ٦ اهـ.
ولأن [من أرسل معه زيادة علم على من وصل؛ لأن الغالب في الألسنة الوصل؛ فإذا جاء الإرسال علم أن مع المرسل زيادة علم] ٧.
стр. 124
ولأن [المتحقق الإرسال والوصل زيادة. وحذفها قد شكك في ثبوتها. وهو موجب للريبة في المروي دون الراوي. فذلك علة كالاضطراب في الإسناد. بل هذا أشر؛ لأنه ناقص فيه] ١.واعترض عليه [بأن الإرسال نقص في الحفظ وذلك لما جبل عليه الإنسان من السهو والنسيان، فتبين أن النظر الصحيح أن زيادة العلم، إنما هي مع من أسند] ٢
وقال بعضهم: إرساله دليل على علمه بضعفه ٣.
٢- الحكم للواصل:
لأنه زيادة ثقة وهي مقبولة.
قال المحب الطبري: "من قدم المتصل يقول: إنما قدم الجرح؛ لأن الجارح معه زيادة علم وهي هنا مع المتصل" ٤اه.
وبه جزم الخليلي٥ وابن حزم في كتاب الإغراب٦ وابن الصلاح٧ وغيرهم.
стр. 125
وقال الخطيب: "هذا القول هو الصحيح عندنا؛ لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له. ولعله أيضاً مسند عند الذين رووه مرسلاً أو عند بعضهم إلا أنهم أرسلوه؛ لغرض أونسيان. والناسي لا يقضي على الذاكر"١ اهـ.
٣- الحكم للأكثر:
ذهب إليه بعض أئمة الحديث ٢.
[لأن الحفظ إلى الجماعة أقرب منه إلى الأقل] و [لبعدهم عن الوهم] ٣.
ومحل الترجيح بالكثرة إذا كان الرواة في الطرفين متساويين في الحفظ والإتقان٤
وإنما أثرت الكثرة؛ [لأنها تقرب مما يوجب العلم. وهو التواتر] ٥.
واستدلوا بحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين.
فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : " أصدق ذو اليدين؟ "
стр. 126
فقال الناس: نعم.
فقام رسول الله ﷺ فصلى اثنتين أخريين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع"١.
قال ابن عبد البر: "فيه دليل على أن المحدث إذا خالفته الجماعة في نقله، أن القول قول الجماعة. وأن القلب إلى روايتهم أشد سكوناً من رواية الواحد"٢ اهـ.
ووجه: أن الرسول ﷺ قوى الأمر المسؤول عنه بقولهم. وإذا قالوا: لا. فالظاهر أنه لا يعمل بقول ذي اليدين.
وقال الإمام مسلم في معرض بيانه لمعرفة الصواب عند الاختلاف: "الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد. وإن كان حافظاً على المذهب الذي رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث. مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم"٣ اهـ.
وقال الخطيب في كتاب القنوت: "الحكم للجماعة على الواحد"٤ اهـ.
وقال البيهقي: "العدد أولى بالحفظ من الواحد"٥ اهـ.
وقال بعضهم: لا تأثير لكثرة الرواة.
стр. 127
قال الحازمي: "قال بعض الكوفيين١: كثرة الرواة لا تأثير لها في باب الترجيحات؛ لأن طريق كل واحد منهما غلبة الظن فصار كشهادة الشاهدين مع شهادة الأربعة.
يقال على هذا: إن إلحاق الرواية بالشهادة غير ممكن؛ لأن الرواية وإن شاركت الشهادة في بعض الوجوه فقد فارقتها في أكثر الوجوه. ألا ترى أنه لو شهد خمسون امرأة لرجل بمال لا تقبل شهادتهن. ولو شهد به رجلان قبلت شهادتهما. ومعلوم أن شهادة الخمسين أقوى في النفس من شهادة رجلين؛ لأن غلبة الظن إنما هي معتبرة في باب الرواية دون الشهادة" ٢ اهـ.
٤- الحكم للأحفظ:
وإليه ذهب بعض أهل الحديث ٣.
لأن الحافظ أبعد عن الوهم والغلط. واعتماد باب الرواية على الضبط سواء كان ضبط صدر أو كتاب.
واستدلوا بحديث ذي اليدين السابق.
قال العلائي: "ويؤخذ من هذا الحديث أن الجماعة إذا اختلفوا في إسناد
стр. 128
حديث كان القول فيهم للأكثر عدداً أو للأحفظ والأتقن؛ لأن ذي اليدين لما انفرد رجع النبي ﷺ إلى بقية القوم. وفيهم مثل أبي بكر وعمر ﵄ حتى وافقوا ذا اليدين ﵁.
ويترجح هذا أيضاً من جهة المعنى، بأن مدار قبول خبر الواحد على غلبة الظن. وعند الاختلاف فيما هو مقتضٍ لصحة الحديث أو لتعليله، يرجع إلى قول الأكثر عدداً؛ لبعدهم عن الغلط والسهو. وذلك عند التساوي في الحفظ والإتقان.
فإن تفارقوا واستوى العدد فإلى قول الأحفظ والأكثر إتقاناً.
وهذه قاعدة متفق على العمل بها عند أهل الحديث"١ اهـ.
٥- الحكم بالتساوي:
قال السخاوي: "وفي المسألة قول خامس وهوالتساوي قاله السبكي"٢اهـ.
٦- الحكم بالتعارض:
قال السخاوي: "زعم بعضهم أن الراجح من قول أئمة الحديث في كليهما التعارض"٣ اهـ.
مثاله: ما رواه ليث بن أبي سليم ٤ عن زيد بن أرطأة عن أبي أمامة قال:
стр. 129
قال رسول الله ﷺ : "ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه" ١.
وخالفه العلاء بن الحارث ٢:
فرواه عن زيد بن أرطأة عن جبير بن نفير مرفوعاً مرسلاً: "إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه"٣.
فليث وصله والعلاء أرسله، وكلاهما ضعيف. فالحديث مضطرب.
وقد أعله الألباني باختلاف إسناده٤.
стр. 130
المبحث الثالث: تعارض الاتصال والانقطاع .
الاضطراب بتعارض الاتصال والانقطاع:
المتصل: هو الذي اتصل إسناده. فكان كل واحد من رواته قد سمعه فمن فوقه إلى منتهاه.
ويطلق على المرفوع والموقوف.
والمنقطع: مالم يتصل إسناده. على أي وجه. سواء كان يعزى إلى رسول الله ﷺ أو إلى غيره ١.
ومرادهم هنا غير المرسل؛ لأنه سبق حكمه.
ومراسيل الصحابة مقبولة ولا تدخل في هذا الباب اتفاقاً قال القرطبي: "الصحابة لا فرق بين إسنادهم وإرسالهم؛ إذ الكل عدول على مذهب أهل الحق"٢.
وكذا لا يريدون المعلق٣.
وصورة الاضطراب: أن تتعارض رواية الاتصال مع راوية الانقطاع. ولا مرجح.
والكلام فيه. كالكلام في الاضطراب بتعارض الاتصال والإرسال٤.
стр. 131
مثاله:
ما رواه المفضل عن يونس عن سعد عن المسور عن أبيه عن عبد الرحمن ابن عوف أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيم الحد على السارق فلا غرم عليه" ١.
ثم رواه المفضل عن يونس قال سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن المسور عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: "لايغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد" ٢.
فلم يقل هنا (عن أبيه) ، ورواية المسور عن عبد الرحمن مرسلة ٣.
فهنا مرة وصله ومرة قطعه.
قال الدارقطني على رواية الوصل: "ولا يثبت هذا القول" ٤اه.
وقال النسائي على رواية القطع: "هذا مرسل ليس بثابت" ٥اه.
والحديث أعله الدارقطني بالاضطراب حيث قال: "هو مضطرب غير ثابت"٦اه.
стр. 132
المبحث الرابع: تعارض الرفع والوقف
الاضطراب بتعارض الرفع والوقف
المرفوع: هو ما أضيف للنبي ﷺ من قول أو فعل أوتقرير أوصفة ١.
ولا يطلق إلا على ما أضيف للنبي ﷺ ٢.
وسواء كان متصلاً أو منقطعاً أو مرسلاً ٣.
والمرفوع هنا يشمل المتصل والمنقطع دون المرسل؛ لأنه مقابل الوقف ٤.
الموقوف: ما أضيف للصحابي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة ٥.
ومطلقه يختص بالصحابي ولا يستعمل فيمن دونه إلا مقيداً ٦.
وسواء كان إسناده متصلاً أم غير متصل ٧.
стр. 133
وصورة الاضطراب: أن تتعارض رواية الرفع مع رواية الوقف ولا مرجح.
وله حالتان:
١- أن يكون الرفع والوقف من راوٍ واحد.
٢- أن يكون الرفع من راوٍ والوقف من غيره.
فإذا كان الرفع والوقف من راوٍ واحدٍ، فقد اختلف أهل العلم في ذلك:
١- الحكم للرفع:
وإليه ذهب جماعة من أهل الحديث١. وصححه ابن الصلاح٢؛ لأنه زيادة ثقة. وهو مثبت وغيره ساكت. ولو كان نافياً فالمثبت مقدم عليه؛ لأنه علم ما خفي عليه ولاحتمال أن يكون سمع الوجهين٣.
٢- الحكم لما وقع منه أكثر:
لأنه يدل على أنه الراجح من روايته. وإليه ذهب الأصوليون٤.
٣- الحكم بتعارضهما:
стр. 134
لأنه لا يدري ما الراجح في الرواية الرفع أوالوقف.
وإليه ذهب أئمة الحديث ١.
قال الزركشي: "قال بعض المتأخرين: الراجح من قول أئمة الحديث أن الوقف والرفع يتعارضان.
قال: وهكذا: مع الوصل والإرسال" ٢اه.
مثاله: ما رواه عبد الأعلى بن عامر عن أبي عبد الرحمن عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٣ قال شكركم، تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا" ٤.
ثم رواه عبد الأعلى موقوفاً:
فرواه عن أبي عبد الرحمن عن علي ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: شكركم ٥.
وذكر الدارقطني الاختلاف فيه رفعاً ووقفاً ثم قال: "ويشبه أن يكون الاختلاف من جهة عبد الأعلى" ٦اه.
وإذا كان الرافع غير الواقف فقد اختلف أهل العلم في ذلك:
стр. 135
١- الحكم للرفع:
قال الخطيب: "اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفاً لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي ﷺ ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه فحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعاً وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيراً في حديثه. فيرويه تارةً مسنداً مرفوعاً ويقفه مرة أخرى قصداً واعتماداً وإنما لم يكن هذا مؤثراً في الحديث ضعفاً مع ما بيناه؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى. والأخذ بالمرفوع أولى؛ لأنه أزيد"١اه
وصححه ابن الصلاح٢. وإليه ذهب جماعة من أهل الحديث٣.
٢- الحكم للوقف:
لأنه متيقن ولأن الرافع ربما تبع العادة وسلك الجادة ٤.
وإليه ذهب أكثر أهل الحديث ٥.
٣- الحكم للأكثر ٦:
стр. 136
كما سبق في تعارض الوصل والإرسال.
٤- الحكم للأحفظ ١:
كما سبق في تعارض الوصل والإرسال.
٥- القول بالتعارض:
كما سبق في تعارض الوصل والإرسال.
مثاله: ما رواه ابن عيينة عن إسماعيل بن أمية قال سمعت أعرابياً يقول سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ : "من قرأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٢ فانتهى إلى ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يحيىيَ الْمَوْتَى﴾ ٣ فليقل: بلى" ٤.
وخالفه ابن علية:
فرواه عن إسماعيل بن أمية عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبي هريرة قال: "إذا قرأ أحدكم ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فقرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يحييَ الْمَوْتَى﴾ فليقل: بلى"٥.
والحديث أعله الذهبي باضطراب سنده٦.
стр. 137
المبحث الخامس: الاضطراب بزيادة رجل في أحد الإسنادين
الاضطراب بزيادة رجل في أحد الإسنادين له تعلق بمسألة المزيد في متصل الأسانيد ١، ومسألة المرسل الخفي ٢ والتدليس.
والمزيد في متصل الأسانيد: هو أن يزيد الراوي في الإسناد رجلاً لم يزيده من هو أتقن منه.
وشرطه: أن يقع التصريح في محل الزيادة ٣.
والمرسل الخفي: أن يروي الراوي عمّن عاصره، ولم يعرف أنه لقيه ٤.
والتدليس: أن يروي الراوي عمن عاصره، ولقيه مالم يسمع منه ٥.
وصورة المسألة: أن تتعارض رواية من زاد مع رواية من نقص، ولا مرجح.
قال العلائي في معرض بيانه للمرسل الخفي وكيفية إدراكه:
إحداها ٦: عدم اللقاء بين الراوي والمروي عنه، أو عدم السماع منه. وهذا هو أكثر ما يكون سبباً للحكم.
стр. 138
والطريق الثاني: أن يذكر الراوي الحديث عن رجل. ثم يقول في رواية أخرى نبئت عنه أو أخبرت عنه ونحو ذلك.
"الثالث: أن يرويه عنه ثم يجيء عنه أيضاً بزيادة شخص فأكثر بينهما فيحكم على الأول بالإرسال١ إذ لوكان سمعه منه لما رواه بواسطة بينهما.
وفائدة جعله مرسلاً في هذا الطريق الثالث أنه متى كان الواسطة الذي زيد في الرواية الأخرى ضعيفاً لم يحتج بالحديث بخلاف ما إذا كان ثقة.
ثم لا بد في كل ذلك أن يكون موضع الإرسال قد جاء فيه الراوي بلفظ "عن" ونحوها. فأما متى كان بلفظ حدثنا ونحوه ثم جاء الحديث في رواية أخرى عنه بزيادة رجل بينهما. فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد ويكون الحكم للأول.
قال ابن الصلاح: "الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظ "عن" في ذلك فينبغي أن يحكم بإرساله. ويجعل معللاً بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد.
وإن كان فيه تصريح بالسماع أو الإخبار فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه. ثم لقي الأعلى فسمعه منه بعد ذلك كما جاء مصرحاً به في موضع - يعني: ويكون روايته بزيادة الواسطة قبل أن يلقى الأعلى - قال اللهم إلا أن توجد قرينة تدل على كونه وهماً.
فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك - يعني: أن يسمع الحديث من رجل عن
стр. 139
شيخه ثم يسمعه من الأعلى - أن يذكر السماعين فإذا لم يجيء عنه ذكر ذلك حملناه على الزيادة المذكورة. قلت: ويحتمل أيضاً أنه حالة روايته الحديث نازلاً بذكر المزيد لم يكن ذاكراً لسماعه له عالياً بدونه ثم تذكر فرواه عن الأعلى وقد أشار ابن الصلاح ﵀ آخر كلامه على هذين النوعين أنهما متعرضان؛ لأن
يعترض بكل منهما على الآخر١ وهو كما ذكر فإن حكمهم على أفراد هذين النوعين مختلف اختلافاً كثيراً.
وحاصل الأمر أن ذلك على أقسام:
أحدها: ما يترجح فيه الحكم بكونه مزيداً فيه. وإن الحديث متصل بدون ذلك الزائد ٢.
وثانيهما: ما ترجح فيه الحكم عليه بالإرسال إذا روى بدون الراوي المزيد.
وثالثها: ما يظهر فيه كونه بالوجهين. أي أنه سمعه من شيخه الأدنى وشيخ شيخه أيضاً. وكيف ما رواه كان متصلاً ٣.
ورابعها: ما يتوقف فيه لكونه محتملاً لكل واحد من الأمرين.
والحكم بالزيادة تارة يكون، للاعتبار برواية الأكثر. وتارة؛ للتصريح بالسماع من الأعلى. وتارة؛ لقرينة تنضم إلى ذلك إلى غيرها من الوجوه. وهي كلها جارية في القسم الثاني الذي يحكم فيه بالإرسال إذا لم يذكر فيه المزيد.
стр. 140
وحاصل الأمر أن الراوي متى قال عن فلان. ثمّ أدخل بينه وبينه في ذلك الخبر واسطة فالظاهر أنه لو كان عنده عن الأعلى لم يدخل الواسطة إذ لا فائدة في ذلك. وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يعرف الراوي بالتدليس. وإلا فمدلسه. وحكم المدلس حكم المرسل.
وخصوصاً إذا كان الراوي مكثراً عن الشيخ الذي رواه عنه بالواسطة. فلو أن هذا الحديث عنده عنه، لكان يساير ماروى عنه. فلما رواه بواسطة بينه وبين شيخه المكثر عنه علم أن هذا الحديث لم يسمعه منه. ولا سيما إذا كان ذلك الواسطة رجلاً مبهماً أو متكلماً فيه.
وأما ما يسلكه جماعة من الفقهاء من احتمال أن يكون رواه عن الواسطة ثم تذكر أنه سمعه من الأعلى فهو مقابل بمثله بل هذا أولى. وهو أن يكون رواه عن الأعلى جرياً على عادته ثم يذكر أن بينه وبينه فيه آخر. فرواه كذلك، والمتبع في التعليل إنما هوغلبة الظن.
وإنما يقوى الحكم بهذا جداً عندما يكون الراوي مدلساً.
وأما القسم الثالث:
فتارة يظهر كونه عندالراوي بالوجهين ظهوراً بيناً؛ بتصريحه بذلك ونحوه.
وتارة يكون ذلك بحسب الظن القوي ١.
وأما القسم الرابع:
المحتمل فاحتمال كونه على الوجهين ليس قوياً. بل هو متردد بين الإرسال
стр. 141
بإسقاط الزائد وبين الاتصال والحكم بكونه مزيداً فيه"١ اهـ.
وقال ابن القطان: "اعلم أن المحدث إذا روى حديثاً عن رجل قد عُرف بالرواية عنه والسماع منه ولم يقل حدثنا أو أخبرنا أو سمعت. وإنما جاء به بلفظة "عن"؛ فإنه يحمل حديثه على أنه متصل إلا أن يكون ممن عرف بالتدليس. فيكون له شأن آخر.
وإذا جاء عنه في رواية أخرى إدخال واسطة بينه وبين من كان قد روى الحديث عنه معنعناً. غلب على الظن أن الأول منقطع من حيث يبعد أن يكون قد سمعه منه. ثم حدث به عن رجل عنه٢.
وأقل ما في هذا سقوط الثقة باتصاله وقيام الريب٣ في ذلك.
ويكون هذا أبين في اثنين، لم يعلم سماع أحدهما من الآخر. وإن كان الزمان قد جمعهما.
وعلى هذا المحدثون٤. وعليه وضعوا كتبهم. كمسلم في كتاب التمييز والدارقطني في علله والترمذي. وما يقع منه للبخاري والنسائي والبزار وغيرهم ممن لا يحصى كثرة. تجدهم دائبين يقضون بانقطاع الحديث المعنعن إذا روي بزيادة واحد بينهما. بخلاف ما لو قال في الأول حدثنا أو أخبرنا أو سمعت ثم نجده عنه
стр. 142
بواسطة بينهما فإن هاهنا نقول: سمعه منه ورواه بواسطة عنه. وإنما قلنا: سمعه منه؛ لأنه ذكر أنه سمعه منه أو حدثه به"١ اهـ.
لكن المحدثون لا يطلقون القول بانقطاع الحديث المعنعن إذا روى بزيادة واحد بينهما.
قال ابن المواق متعقباً ابن القطان: "إنمايكون منقطعاً بشروط:
أحدها: أن يكون الراوي قد عنعن. ولم يصرح بالسماع ولا بما يقتضيه من حدثنا وشبهه.
الثاني: أن يكون راوي الزيادة ثقة؛ فإن رواية غير الثقة مناقضة غير قادحة.
قال النسائي: لا يحكم بالضعفاء على الثقات.
الثالث: أن لايخالف راوي الزيادة الحفاظ. ولا يأتي بشذوذ ومالا يتابع عليه. وإن كان ثقة فإنه إذا خالف الحفاظ أو شذ لم تعتبر روايته وكان القول قول الجمهور. وهذا الشرط لم يعتبره ابن القطان"٢ اهـ.
واختلف أهل العلم في هذه الزيادة على أقوال:
١- الحكم للأكثر أو للأحفظ:
لما سبق في تعارض الوصل والإرسال.
стр. 143
٢- الحكم للسند الخالي من الزيادة:
والحكم على الزيادة بأنها من المزيد في متصل الأسانيد، المحكوم فيه بكون الزيادة غلطاً. من راويها أوسهواً وباتصال السند الناقص بدونها.
٣- الحكم للزيادة:
ويحكمون على السند الخالي من الزيادة بالإرسال والانقطاع.
٤- التوقف:
لعدم ترجيح أحدهما على الآخر.
مثاله: ما رواه ابن عيينة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر عن عمر عن النبي ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير الخبث" ١.
وهذا إسناد ظاهر في الاتصال، وجاء بزيادة رجل فيه.
فرواه ابن عيينة وعبيد الله بن عمر عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر عن أبيه عن عمر مرفوعاً ٢.
فهنا قال (عن أبيه) .
والحديث أعله يعقوب بن شيبة ٣ والدارقطني ٤ بالاضطراب.
стр. 144
المبحث السادس: الاضطراب في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف .
الاضطراب في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف إنما ضعف؛ لأنه في إحدى الصورتين ضعيف.
وشرطه: أن لا يكون روى الوجهين ١.
وصورة المسألة: أن تعارض رواية من ذكر الثقة رواية من ذكر الضعيف ولا مرجح.
قال العلائي: "الاختلاف في اسم الراوي ونسبه، فهو على أقسام أربعة:
القسم الأول: أن يبهم في طريق ويسمى في الأخرى، فالظاهر أن هذا لا تعارض فيه؛ لأنه يكون المبهم في إحدى الروايتين هوالمعين في الأخرى.
وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا تضر رواية من سماه وعرفه، إذا كان ثقة رواية من أبهمه ٢.
القسم الثاني: أن يكون الاختلاف في العبارة فقط. والمعني بها في الكل واحد فإن مثل هذا لا يعد اختلافاً أيضاً. ولا يضر إذا كان الراوي ثقة ٣.
стр. 145
والقسم الثالث: أن يقع التصريح باسم الراوي ونسبه لكن مع
الاختلاف في سياق ذلك فمثل هذا الاختلاف لا يضر. والمرجع فيه إلى كتب التواريخ وأسماء الرجال فيحقق ذلك الراوي، ويكون الصواب فيه من أتى به على وجهه.
القسم الرابع: أن يقع التصريح به من غير اختلاف لكن يكون ذلك من متفقين:
أحدهما: ثقة والآخر ضعيف.
أو أحدهما مستلزم الاتصال والآخر الإرسال" ١اهـ.
مثاله:
ما رواه هشام بن سعيد الطالقاني٢ عن محمد بن مهاجر٣ عن عقيل ابن شبيب٤ عن أبي وهب الجشمي٥ - وكانت له صحبة - قال قال رسول الله ﷺ : "تسموا بأسماء الأنبياء. وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام. وأقبحهما حرب ومرة. وارتبطوا الخيل