بإسقاط الزائد وبين الاتصال والحكم بكونه مزيداً فيه"١ اهـ.
وقال ابن القطان: "اعلم أن المحدث إذا روى حديثاً عن رجل قد عُرف بالرواية عنه والسماع منه ولم يقل حدثنا أو أخبرنا أو سمعت. وإنما جاء به بلفظة "عن"؛ فإنه يحمل حديثه على أنه متصل إلا أن يكون ممن عرف بالتدليس. فيكون له شأن آخر.
وإذا جاء عنه في رواية أخرى إدخال واسطة بينه وبين من كان قد روى الحديث عنه معنعناً. غلب على الظن أن الأول منقطع من حيث يبعد أن يكون قد سمعه منه. ثم حدث به عن رجل عنه٢.
وأقل ما في هذا سقوط الثقة باتصاله وقيام الريب٣ في ذلك.
ويكون هذا أبين في اثنين، لم يعلم سماع أحدهما من الآخر. وإن كان الزمان قد جمعهما.
وعلى هذا المحدثون٤. وعليه وضعوا كتبهم. كمسلم في كتاب التمييز والدارقطني في علله والترمذي. وما يقع منه للبخاري والنسائي والبزار وغيرهم ممن لا يحصى كثرة. تجدهم دائبين يقضون بانقطاع الحديث المعنعن إذا روي بزيادة واحد بينهما. بخلاف ما لو قال في الأول حدثنا أو أخبرنا أو سمعت ثم نجده عنه
стр. 142
بواسطة بينهما فإن هاهنا نقول: سمعه منه ورواه بواسطة عنه. وإنما قلنا: سمعه منه؛ لأنه ذكر أنه سمعه منه أو حدثه به"١ اهـ.
لكن المحدثون لا يطلقون القول بانقطاع الحديث المعنعن إذا روى بزيادة واحد بينهما.
قال ابن المواق متعقباً ابن القطان: "إنمايكون منقطعاً بشروط:
أحدها: أن يكون الراوي قد عنعن. ولم يصرح بالسماع ولا بما يقتضيه من حدثنا وشبهه.
الثاني: أن يكون راوي الزيادة ثقة؛ فإن رواية غير الثقة مناقضة غير قادحة.
قال النسائي: لا يحكم بالضعفاء على الثقات.
الثالث: أن لايخالف راوي الزيادة الحفاظ. ولا يأتي بشذوذ ومالا يتابع عليه. وإن كان ثقة فإنه إذا خالف الحفاظ أو شذ لم تعتبر روايته وكان القول قول الجمهور. وهذا الشرط لم يعتبره ابن القطان"٢ اهـ.
واختلف أهل العلم في هذه الزيادة على أقوال:
١- الحكم للأكثر أو للأحفظ:
لما سبق في تعارض الوصل والإرسال.
стр. 143
٢- الحكم للسند الخالي من الزيادة:
والحكم على الزيادة بأنها من المزيد في متصل الأسانيد، المحكوم فيه بكون الزيادة غلطاً. من راويها أوسهواً وباتصال السند الناقص بدونها.
٣- الحكم للزيادة:
ويحكمون على السند الخالي من الزيادة بالإرسال والانقطاع.
٤- التوقف:
لعدم ترجيح أحدهما على الآخر.
مثاله: ما رواه ابن عيينة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر عن عمر عن النبي ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير الخبث" ١.
وهذا إسناد ظاهر في الاتصال، وجاء بزيادة رجل فيه.
فرواه ابن عيينة وعبيد الله بن عمر عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر عن أبيه عن عمر مرفوعاً ٢.
فهنا قال (عن أبيه) .
والحديث أعله يعقوب بن شيبة ٣ والدارقطني ٤ بالاضطراب.
стр. 144
المبحث السادس: الاضطراب في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف .
الاضطراب في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف إنما ضعف؛ لأنه في إحدى الصورتين ضعيف.
وشرطه: أن لا يكون روى الوجهين ١.
وصورة المسألة: أن تعارض رواية من ذكر الثقة رواية من ذكر الضعيف ولا مرجح.
قال العلائي: "الاختلاف في اسم الراوي ونسبه، فهو على أقسام أربعة:
القسم الأول: أن يبهم في طريق ويسمى في الأخرى، فالظاهر أن هذا لا تعارض فيه؛ لأنه يكون المبهم في إحدى الروايتين هوالمعين في الأخرى.
وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا تضر رواية من سماه وعرفه، إذا كان ثقة رواية من أبهمه ٢.
القسم الثاني: أن يكون الاختلاف في العبارة فقط. والمعني بها في الكل واحد فإن مثل هذا لا يعد اختلافاً أيضاً. ولا يضر إذا كان الراوي ثقة ٣.
стр. 145
والقسم الثالث: أن يقع التصريح باسم الراوي ونسبه لكن مع
الاختلاف في سياق ذلك فمثل هذا الاختلاف لا يضر. والمرجع فيه إلى كتب التواريخ وأسماء الرجال فيحقق ذلك الراوي، ويكون الصواب فيه من أتى به على وجهه.
القسم الرابع: أن يقع التصريح به من غير اختلاف لكن يكون ذلك من متفقين:
أحدهما: ثقة والآخر ضعيف.
أو أحدهما مستلزم الاتصال والآخر الإرسال" ١اهـ.
مثاله:
ما رواه هشام بن سعيد الطالقاني٢ عن محمد بن مهاجر٣ عن عقيل ابن شبيب٤ عن أبي وهب الجشمي٥ - وكانت له صحبة - قال قال رسول الله ﷺ : "تسموا بأسماء الأنبياء. وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام. وأقبحهما حرب ومرة. وارتبطوا الخيل
стр. 146
وامسحوا بنواصيها وأعجازها أو قال: وأكفالها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار. وعليكم بكل كميت أغر محجل أو أدهم أغر محجل" ١.
وهذا إسناد ظاهره الاتصال لكن له علة خفية وهي الإرسال ٢.
قال أبو حاتم: "سمعت هذا الحديث وأنكرته في نفسي وكان يقع في قلبي أنه أبو وهب الكلاعي صاحب مكحول وكان أصحابنا يستغربون، فلا يمكنني أن أقول شيئاً لما رواه أحمد. ثم قدمت حمص فإذا قد حدثنا ابن المصفى عن أبي المغيرة قال حدثني محمد بن مهاجر قال حدثني عقيل بن سعيد عن أبي وهب الكلاعي قال قال النبي ﷺ ٣.
قال أبو حاتم: فعلمت أن ذلك باطل. وعلمت أن إنكاري كان صحيحاً وأبو وهب الكلاعي هو صاحب مكحول. واسمه عبيد الله بن عبيد. وهو دون
стр. 147
التابعين يروى عن التابعين. وضربه مثل الأوزاعي ونحوه.
فبقيت متعجباً من أحمد بن حنبل كيف خفي عليه١؛ فإني أنكرته حين سمعت به قبل أن أقف عليه.
قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: هو عقيل بن سعيد أو عقيل بن شبيب؟ قال: مجهول لا أعرفه"٢ اهـ.
فمرة قال: أبو وهب الجشمي وكانت له صحبة ومرة قال: أبو وهب الكلاعي وهو دون التابعين والظاهر أن هذا الاضطراب من عقيل بن شبيب٣.
стр. 148
المبحث السابع: الاضطراب في تعيين الراوي
الاضطراب في تعيين الراوي وإنما ضعف لأنه في إحدى الصورتين ضعيف؛ أو لأنه يدل على عدم ضبطه.
وشرطه: أن لا يكون عنده على الوجهين ١.
قال العلائي: "الاختلاف في السند لا يخلو:
إما أن يكون الرجلان ثقتين أم لا.
فإن كانا ثقتين فلا يضر الاختلاف عند الأكثر؛ لقيام الحجة بكل منهما فكيفما دار الإسناد كان عن ثقة ٢.
وربما احتمل أن يكون الراوي سمعه منهما جميعاً ٣. وقد وجد ذلك في كثير من الحديث لكن ذلك يقوى حيث يكون الراوي ممن له اعتناء بالطلب وتكثير الطرق٤.
وأما ما ذهب إليه كثير من أهل الحديث، من أن الاختلاف دليل على عدم ضبطه في الجملة فيضر ذلك ولو كانت رواته ثقات. إلا أن يقوم دليل على أنه عند الراوي المختلف عليه عنهما جميعاً أو بالطريقين جميعاً. فهو رأي فيه
стр. 149
ضعف؛ لأنه كيفما دار كان على ثقة وفي الصحيحين من ذلك جملة أحاديث١.
لكن لا بد في الحكم بصحة ذلك؛ سلامته من أن يكون غلطاً أو شاذاً٢.
وأما إذا كان أحد الراوييين المختلف فيهما ضعيفاً لا يحتج به فههنا مجال للنظر وتكون تلك الطريق التي سمى فيها الضعيف وجعل الحديث عنه كالوقف أو الإرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى فكل ما ذكر هناك من الترجيحات يجيىء هنا.
ويمكن أن يقال - في مثل هذا يحتمل أن يكون إذا كان مكثراً قد سمعه منهما٣ - أيضاً - كما تقدم.
فإن قيل: إذا كان الحديث عنده عن الثقة فلم يرويه عن الضعيف؟
فالجواب: يحتمل أنه لم يطلع على ضعف شيخه. أو اطلع عليه ولكن ذكره اعتماداً على صحة الحديث عنده من الجهة الأخرى" ٤ اهـ.
ومما يلحق بهذا النوع أن يقول الراوي عن فلان أو فلان وكلاهما ثقة.
قال أبو عبد الله البوشنجي معلقاً على أثر رواه قال فيه راويه (عن أبي الزعراء أو عن زيد بن وهب) : "وليس مما يدخل إسناده وهن ولا ضعف لقول
стр. 150
الراوي (عن أبي الزعراء أو عن زيد بن وهب) ؛ لما لعله توهمه شكاً فيه وليس مثل هذا الشك يوهن الخبر ولا يضعف به الأثر؛ لأنه حكاه عن أحد الرجلين. وكل منهما ثقة مأمون وبالعلم مشهور وإنما كان الشك فيه أن يقول عن أبي الزعراء أو عن غيره، كان الوهن يدخله؛ إذ لا يعلم الغير من هو. فأما إذا صرح الراوي وافصح بالنا قلين أنه عن أحدهما فليس هذا بموضع ارتياب. تفهموا رحمكم الله"١ اهـ.
وقال الخطيب: "إن كان كل واحد من الرجلين اللذين سماهما عدلاً؛ فإن الحديث ثابت والاحتجاج به جائز؛ لأنه قد عينهما وتحقيق سماع ذلك من أحدهما وكلاهما ثابت العدالة" ٢ اهـ.
ومن ذلك حديث رواه ابن عيينة واضطرب فيه هل هو من مسند عبد الله ابن عمر بن الخطاب أم مسند عبد الله بن عمرو بن العاص.
قال الحافظ: "ليس في التعليل بذلك كبير تأثير. والله أعلم" ٣ اهـ.
[ولو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً فهذا أشد وهناً مما لو أبهمه؛ لأن المبهم يحتمل العدالة أو الجرح والضعيف ثابت الجرح. وهو أسوأ حالاً ممن احتمل الجرح وغيره] ٤.
مثاله:
ما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن عائشة أو عن
стр. 151
أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين أقرنين أملحين مودوءين فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له البلاغ وذبح الآخر عن محمد وآل محمد ﷺ "١.
فهنا شك.
ثم رواه عبد الله بن محمد بلا شك.
فرواه عن أبي سلمة عن عائشة وأبي هريرة مرفوعاً ٢.
ثم جعله عبد الله بن محمد من رواية أبي هريرة عن عائشة فرواه عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن عائشة قال فذكره ٣.
ثم جعله عبد الله بن محمد من مسند جابر بن عبد الله:
فرواه عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه مرفوعاً ٤.
ثم جعله عبد الله بن محمد من مسند أبي رافع:
فرواه عن علي بن حسين عن أبي رافع مرفوعاً ٥.
فهذا الحديث اضطرب فيه عبد الله بن محمد بن عقيل ٦.
стр. 152
فمرة: عن عائشة أو عن أبي هريرة على الشك مرفوعاً.
ومرة: عن عائشة وأبي هريرة بلا شك مرفوعاً.
ومرة: عن أبي هريرة عن عائشة مرفوعاً.
ومرة: عن جابر بن عبد الله مرفوعاً.
ومرة: عن أبي رافع مرفوعاً.
كما أن رواية علي بن حسين عن أبي رافع مرسلة فهذا اضطراب شديد منه.
والحديث أعله الدارقطني بالاضطراب ١ وأعله أبو حاتم وأبو زرعة بتخليط ابن عقيل ٢.
стр. 153
الفصل الثاني: قاعدة الاضطراب في المتن
مدخل
...
الفصل الثاني: قاعدة الاضطراب في المتن
الاضطراب الواقع في المتن دون السند قليل والغالب في الإسناد قال الحافظ: "المضطرب وهو يقع في الإسناد غالباً١ وقد يقع في المتن لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد"٢ اهـ.
وقوله (وقد يقع في المتن) قال اللقاني: "أي وقد يقع الاضطراب في المتن بقلة" ٣اه.
وقال اللكنوي: "الاضطراب في المتن قلما يوجد إلا ومعه اضطراب في السند"٤اه.
والحديث الذي وقع الاختلاف في متنه لا يخلو من حالتين:
أ- أن يقع الاختلاف في المتن مع اختلاف المخرج.
ب- أن يقع الاختلاف في المتن مع اتحاد المخرج.
стр. 154
المبحث الأول: أن يكون المخرج مختلفاً
إذا وقع الاختلاف في المتن مع اختلاف المخرج:
فهذا يعرف بمختلف الحديث: وهو الحديث المقبول المعارض في الظاهر بمثله.
قال يحيى بن سعيد للإمام أحمد: "لا تضرب الأحاديث بعضها ببعض يعطي كل حديث وجهه"١ اهـ.
وقال ابن خزيمة: "لا أعرف أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلمحديثان بإسنادين صحيحيىن متضادان. فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما"٢ اهـ.
وقال ابن قيم الجوزية: "ليس بين أحاديث رسول الله ﷺ تعارض ولا تناقض ولا اختلاف. وحديثه كله يصدق بعضه بعضاً"٣ اهـ.
وقال أيضاً: "لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة. فإذا وقع التعارض:
فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ﷺ وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتاً. فالثقة يغلط.
أو يكون أحد الحديثين ناسخاً للآخر إذا كان مما يقبل النسخ.
стр. 155
أو يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه ﷺ . فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة.
وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخاً للآخر. فهذا لا يوجد أصلاً. ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق. والآفة من التقصير في معرفة المنقول والتمييز بين صحيحه ومعلوله. أو من القصور في فهم مراده ﷺ وحمل كلامه على غير ما عناه به. أو منهما معاً. ومن ها هنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع. وبالله التوفيق"١ اهـ.
وإذا كان التعارض في فهم السامع فلا يتسارع برده ونقده طاعناً في الحديث.
قال الإمام أحمد: "كيف يجوز له أن يرد الأحاديث، وقد رواها الثقات؟
وينبغي للإنسان إذا لم يعرف الشيء أن لا يرد الأحاديث، وهو لا يحسن يقول: لا أحسن" ٢ اهـ.
وقال الذهبي: "السنن الثابتة لا ترد بالدعاوى"٣ اهـ.
وقال الحافظ: "الحديث المقبول إن سلم من المعارضة فهو المحكم.
وإن عورض [الحديث المقبول] بمثله [أي بحديث مقبول] فإن أمكن
стр. 156
الجمع [بينهما] فهو النوع المسمى مختلف الحديث.
وإن لم يمكن الجمع فلا يخلو إما أن يعرف التاريخ أولا.
فإن عرف [التاريخ] وثبت المتأخر به أو بأصرح منه فهو الناسخ والآخر المنسوخ.
وإن لم يعرف التاريخ فلا يخلو:
إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن أو بالإسناد أو لا. فإن أمكن الترجيح تعين المصير إليه. وإلا فلا.
فصار ما ظاهره التعارض واقعاً على هذا الترتيب: الجمع إن أمكن.
فاعتبار الناسخ والمنسوخ.
فالترجيح إن تعين.
ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين.
والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه والله أعلم" ١اه.
قال القاضي عياض بعد ذكره روايات الحوض وتقديره: "هذا كله من اختلاف التقدير، ليس في حديث واحد فيحسب اختلافاً واضطراباً من الرواة وإنما جاء في أحاديث مختلفة عن غير واحدٍ من الصحابة سمعوه في مواطن مختلفة"٢.
стр. 157
وقال ابن سيد الناس في معرض بيانه للاختلاف الواقع في المتن: "إن لم يكن المخرج واحداً. والوقعة لا يبعد تكرار مثلها، فيحمل على أنه ليس حديثاً واحداً. بل لعله أكثر من ذلك.
وهناك يحمل عام تلك الألفاظ على خاصها. ومطلقها على مقيدها. ومجملها على مفسرها. بحسب ما يقع من ذلك"١ اهـ.
وقال العلائي: "إذا اختلفت مخارج الحديث. وتباعدت ألفاظه. فالذي ينبغي أن يجعلا حديثين مستقلين. وهذا لا إشكال فيه"٢ اهـ.
وقال ابن رجب: "إن ظهر أنه حديثان بإسنادين، لم يحكم بخطأ أحدهما.
وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر. أو نقص منه. أو تغير يستدل به على أنه حديث آخر.
فهذا يقول على بن المديني وغيره من أئمة الصنعة: هما حديثان بإسنادين"٣ اهـ.
وقال الحافظ: "إذا اختلفت مخارج الحديث ٤. وتباعدت ألفاظه. أو كان سياق الحديث ٥ في حكاية واقعة يظهر تعددها. فالذي يتعين القول به أن يجعلا
стр. 158
حديثين مستقلين" ١اه.
ولا يعل أحدهما بالآخر. ولا يكون الاختلاف مؤثراً ٢.
قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه عبثر عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: كان فيما أهدى رسول الله ﷺ غنماً مقلدة؟
قال أبي: روى جماعة عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي ﷺ أهدى مرة غنماً" وليس في حديثهم مقلدة.
قال أبي: اللفظان ليسا بمتفقين. وأرجو أن يكونا جميعاً صحيحيىن" ٣اه.
стр. 159
المبحث الثاني: أن يكون المخرج واحداً
[إذا اتحد مخرج الحديث وتقاربت ألفاظه فالغالب حينئذ على الظن أنه حديث واحد وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة لا سيما إذا كان ذلك في سياقة واقعة تبعد أن يتعدد مثلها في الوقوع] ١.
فإن أمكن رد بعضها إلى بعض صير إليه؛ لأن الأصل في الحديث [أن يحمل على الاتفاق ما وجد السبيل إلى ذلك. ولا يحمل على التنافي والتضاد] ٢.
[إذ الجمع بين ألفاظ الحديث الواحد وبناء بعضها على بعض أولى من إطراح أحدها أو توهين الحديث بالاضطراب في ألفاظه] ٣.
قال ابن دقيق العيد: "يعرف كون الحديث واحداً باتحاد سنده ومخرجه وتقارب ألفاظه" ٤ اهـ.
ولما اختلفت ألفاظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في كراهية سرد الصوم وبيان أفضل الصوم ٥ قال بعضهم: "هو مضطرب" فتعقبه القرطبي بقوله: "حديث عبد الله بن عمرو اشتهر وكثر رواته؛ فكثر اختلافه، حتى ظن من لا بصيرة عنده أنه مضطرب! وليس كذلك؛ فإنه إذا تتبع اختلافه. وضم بعضه إلى
стр. 160
بعض. انتظمت صورته وتناسب مساقه؛ إذ ليس فيه اختلاف تناقض ولا تهاتر، بل يرجع اختلافه إلى أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره. وفصل بعض ما أجمله غيره.
قوله: "صم من كل عشرة يوماً" هذا في المعنى موافق للرواية التي قال فيها: "صم من كل شهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشرة أمثالها" وكذلك قوله في الرواية الأخرى: "صم يوماً. ولك أجر ما بقي". وهذا الاختلاف وشبهه من باب النقل بالمعنى"١ اهـ.
وقال القرطبي أيضاً على حديث اختلفت ألفاظه: "حديث عائشة٢ كثرت رواياته. واختلفت ألفاظه حتى يتوهم أنه مضطرب وليس كذلك؛ لأنه ليس فيه تناقض. وإنما كانت القضية مشتملة على كل ما نقل من الكلمات والأحوال المختلفة لكن نقل بعض الرواة ما سكت عنه غيرهم وعبر كل منهم بما تيسر له من العبارة عن تلك القضية.
ويجوز أن يصدر مثل ذلك الاختلاف من راوٍ واحد في أوقات مختلفة. ولا يعد تناقضاً؛ فإنه إذا اجتمعت تلك الروايات كلها. انتظمت وكملت الحكاية عن تلك القضية.
وعلى هذا النحو وقع ذكر اختلاف كلمات القصص المتحدة في القرآن فإنه تعالى يذكرها في موضع وجيزة. وفي آخر مطولة. ويأتي بالكلمات المختلفة
стр. 161
الألفاظ مع اتفاقها على المعنى. فلا ينكر مثل هذا في الأحاديث" ١ اهـ.
وقال الإمام أحمد: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه والحديث يفسر بعضه بعضاً" ٢اه.
وقال الأثرم: "الأحاديث يفسرها بعضها بعضاً ويصدق بعضها بعضاً"٣.
وقال القاضي عياض: "الحديث يفسر بعضه بعضاً ويرفع مفسره الإشكال عن مجمله ومتشابهه"٤.
وقال ابن دقيق: "الحديث إذا اجتمعت طرقه فسر بعضها بعضاً" ٥ اهـ.
وقال ابن حزم: "ليس اختلاف الروايات عيباً في الحديث إذا كان المعنى واحداً؛ لأن النبي ﷺ صح عنه أنه إذا كان يحدث بحديث كرره ثلاث مرات. فنقل كل إنسان بحسب ما سمع. فليس هذا الاختلاف في الروايات مما يوهن الحديث إذا كان المعنى واحداً" ٦اه.
وقال جرير بن حازم: "كان الحسن يحدث بالحديث الأصل واحد والكلام مختلف"٧.
стр. 162
وقال عبد الحق الإشبيلي: "ليس الاختلاف في اللفظ مما يقدح في الحديث إذا كان المعنى متفقاً" ١اه.
وقال ابن رجب: "اختلاف ألفاظ الرواية يدل على أنهم كانوا يروون الحديث بالمعنى ولا يراعون اللفظ إذ المعنى واحد. وإلا لكان الرواة قد رووا الحديث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة ولا يظن ذلك بهم مع علمهم وفقههم وعدالتهم وورعهم" ٢ اهـ[بل هو سوء ظن بالرواة. وتطريق إلى إفساد أكثر الأحاديث] ٣.
وقال المعلمي: "الخلاف بالرواية مما لا يغير المعنى، كالتقديم والتأخير وإبدال كلمة بأخرى مرادفة لها وجعل الضمائر التي للمخاطب للمتكلم. وغيره فهذا من الرواية بالمعنى. وكانت شائعة بينهم فلا تضر" ٤اه.
وقال ابن سيد الناس: "إذا كان المخرج واحداً، والواقعة مما يندر وجودها ويبعد تكرار مثلها. فأمكن رد بعض تلك الألفاظ المختلفة في المعنى إلى بعض، فلا إشكال. ويحمل على أنه خبر واحد روي بلفظه مرة، ربما أدى إليه معنى اللفظ غيرها"٥ اهـ.
وقال العلائي: "إذا اتحد مخرج الحديث واختلفت ألفاظه فإما أن يمكن رد
стр. 163
إحدى الروايتين إلى الأخرى١. أو يتعذر ذلك. فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه. ولهذا القسم أمثلة:
أحدها: رد إحدى الروايتين إلى الأخرى:
بأن كل من قال لفظاً عبر به عن المجموع. وهو أمر يستعمل كثيراً في كلام العرب.
مثاله:
ما رواه نافع عن ابن عمر ﵄ أن عمر سأل النبي ﷺ قال: "كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام؟
قال: "أوف بنذرك" ٢.
ورواه نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب "أنه سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف. فقال يا رسول الله: إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف يوماً في المسجد الحرام فكيف ترى؟
قال: "اذهب فاعتكف يوماً" ٣.
فمرة قال (ليلة) . ومرة قال (يوماً) .
قال النووي: "الرواية التي فيها اعتكاف يوم لا تخالف رواية اعتكاف ليلة؛
стр. 164
لأنه يحتمل أنه سأل عن اعتكاف ليلة. وسأله عن اعتكاف يوم"١ اهـ.
وتعقبه العلائي بقوله: "في هذا القول نظر لا يخفى؛ لأنه من البعيد جداً أن يستفتى عمر ﵁ النبي ﷺ في شيء واحد مرتين في أيام يسيرة لا ينسى في مثلها لأن في كل من القصتين أن ذلك كان عقب غزوة حنين أيام تفرقة السبي ثم إعتاقهم.
وإلحاق اليوم بالليلة في حكم الاعتكاف المنذور، من الأمر الجلي الذي يقطع بنفي الفارق كما في الأمة والعبد في العتق ولا يظن بعمر ﵁ أنه يخفى عليه ذلك
والذي يقتضيه التحقيق رد إحدى الروايتين إلى الأخرى بأن كل من قال لفظاً عبر به عن المجموع وهو أمر يستعمل كثيراً في كلام العرب أن تطلق اليوم وتريد به بليلته. وبالعكس. فكان على عمر ﵁ اعتكاف يوم وليلة، سأل النبي ﷺ فأمره بالوفاء به.
عَبّر عنه بعض الرواة بيوم وأراد بليلته. والآخر بليلة وأراد بيومها"٢ اهـ.
وقال ابن حبان: "ألفاظ أخبار ابن عمر أن عمر نذر اعتكاف ليلة إلا هذا الخبر فإن لفظه أن عمر نذر اعتكاف يوم. فإن صحت هذه اللفظة. يشبه أن يكون ذلك يوماً أراد به بليلته، وليلة أراد بها بيومها. حتى لا يكون بين الخبرين تضاد"٣اه.
стр. 165
الثاني: رد إحداهما إلى الأخرى بتفسير المبهم وتبين المجمل.
مثاله:
ما رواه الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة حدثه: "أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكيناً" ١.
ورواه الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله! قال: "وما أهلكك؟ " قال: وقعت على امرأتي في رمضان! قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا! قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا! قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا! قال: ثم جلس فأتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر فقال: "تصدق بهذا"، قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه. ثمّ قال: "اذهب فأطعمه أهلك" ٢.
فالرواية الأولى أبهمت سبب الفطر والثانية بينته قال العلائي: "هذا يقوي فيه القول بأن تجعل رواية هؤلاء مفسرةً لما أبهم في رواية أولئك من جهة المفطر. ومقيداً للكفارة بالترتيب لا بالتخيير. كما هو ظاهر هذه الرواية الثانية؛ لأن الحديث واحد اتحد مخرجه" ٣اه.
الثالث: رد إحداهما إلى الأخرى بتقييد الإطلاق.
стр. 166
مثاله:
ما رواه يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه" ١.
ورواه يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه ولا يستنجي بيمينه ولا يتنفس في الإناء" ٢.
فالحديث الأول نهى أن يمس ذكره بيمينه مطلقاً. والثاني قيده بحالة البول.
قال ابن دقيق العيد: "ينظر في الروايتين أعني رواية الإطلاق والتقييد هل هما حديثان أو حديث واحد مخرجه واحد.
فإن كانا حديثين فالحكم ما ذكرناه في حكم الإطلاق والتقييد.
وإن كان حديثاً واحداً مخرجه واحد اختلف عليه الرواة فينبغي حمل المطلق على المقيد لأنها تكون زيادة من عدل في حديث واحد فتقبل.
وهذا الحديث المذكور راجع إلى رواية يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه" ٣اه.
وقال العلائي: "هذا يمكن أن يكونا جميعاً ملفوظاً بهما. فتحمل رواية من
стр. 167
تركه على رواية من ذكره. ويجعل دليلاً على تقييد النهي بحالة البول والاستنجاء منه"١اه.
قال البخاري في كتاب الوضوء: "باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال"٢اه.
قال الحافظ: "أشار بهذه الترجمة إلى أن النهي المطلق من مس الذكر باليمين كما في الباب قبله، محمول على المقيد بحالة البول فيكون ما عداه مباحاً"٣اه.
الرابع: رد إحداهما إلى الأخرى بتخصيص العام:
مثاله:
ما رواه نافع عن ابن عمر قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل عبد أو حر صغير أو كبير" ٤.
ورواه نافع عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين"٥.
стр. 168
فاللفظ الأول عام واللفظ الثاني مخصوص.
قال العلائي: "يتخصص إيجاب إخراج زكاة الفطر بكونه على كل مسلم"١ اهـ.
وإنما يرد أحد اللفظين إلى الآخر في العموم إلى الخصوص والإطلاق إلى التقييد عند التعارض والتنافي في بعض المدلولات، اللهم إلا أن يكون مفهوم التقييد يقتضي مخالفة المطلق وكذلك مفهوم الخاص يخالف حكم العام فيقيد ويخصص بالمفهوم عند من يرى ذلك.
وهذا كله إذا لم تكن الرواية المتضمنة للتقيد أو التخصيص شاذة مخالفة لبقية الروايات. بل يكون الذي جاء بها حافظاً متقناً يقبل تفرده وزيادته ٢.
فأما إذا كان سيئ الحفظ قليل الضبط. وكانت الروايات الأخر من طريق أهل الضبط والإتقان وهم أكثر منه عدداً. فالحكم لروايتهم. ولا نظر إلى رواية ذاك الذي هو دونهم" ٣اه.
وشرط الجمع أن لا يكون متعسفاً ولا متكلفاً ٤.
فإن لم يمكن حملها على معنى واحد. واختلفت أحوال الرواة صير إلى الترجيح.
стр. 169
قال ابن سيد الناس: "وإن لم يمكن حملها على معنى واحد فإما أن تتساوى أحوال رواة تلك الألفاظ في مراتب الجرح والتعديل أو لا.
إن لم تتساوى الرواة فيصير إلى الترجيح برواية من سلم من التجريح"١اه.
وقال العلائي: "إذا لم يتأت الجمع بين الروايات وتعذر رد إحداهما إلى الأخرى فهذا محل النظر ومجال الترجيح.
ومثال ذلك: حديث الواهبة نفسها، فإنه قصة واحدة ومداره على أبي حازم عن سهل بن سعد.
واختلفت الرواة فيه على أبي حازم.
فقال فيه مالك بن أنس وحماد بن زيد وفضيل بن سليمان وعبد العزيز الدراوردي وزائدة: "فقد زوجتكها على ما معك من القرآن" ٢.
وقال فيه سفيان بن عيينة عنه: " فقد أنكحتكها" ٣.
وقال يعقوب بن عبد الرحمن وعبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: "فقد ملكتكها" ٤.
وقال فيه معمر وسفيان الثوري: "أملكتكها" ٥.
стр. 170
وقال أبو غسان "أمكناكها بما معك من القرآن" ١.
وأكثر هذه الروايات في الصحيحيىن أو أحدهما. فهذا لا يتأتى أن تكون هذه الألفاظ كلها قالها النبي ﷺ في تلك الواقعة وتلك الساعة إلا على سبيل التجويز العقلي المخالف للظن القوي جداً فلم يبق إلا أنه ﷺ قال لفظاً منها. وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى" ٢اه.
وقال أيضاً: "من المعلوم أن النبي ﷺ لم يقل هذه الألفاظ كلها تلك الساعة فلم يبق إلا أن يكون قال لفظة منها وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك ثم احتج بمجيئه في هذا الحديث إذا عورض ببقية الألفاظ لم ينتهض احتجاجه. فإن جزم بأنه هو الذي تلفظ به النبي ﷺ ومن قال غيره ذكره بالمعنى قلبه عليه مخالفه. وادعى ضد دعواه فلم يبق إلا الترجيح بأمر خارجي. ولكن القلب إلى ترجيح رواية التزويج أميل؛ لكونها رواية الأكثرين، ولقرينة قول الرجل الخاطب "زوجنيها يا رسول الله" ٣اه.
وقال ابن دقيق: "هذه لفظة واحدة في حديث واحد اختلف فيها والظاهر الغالب أن الواقع منهما أحد الألفاظ لا كلها. فالصواب في مثل هذا، النظر إلى الترجيح بأحد وجوهه. ونقل عن الدارقطني: أن الصواب رواية من روى زوجتكها وأنه قال: هم أكثر وأحفظ" ٤اه.
стр. 171
فإن لم يمكن حملها على معنى واحد. وتساوت أحوال الرواة، فهذا هو المضطرب متناً.
قال ابن سيد الناس: "إن لم تتساوى الرواة فيصار إلى الترجيح برواية من سلم من التجريح. وإن تساوت فهو المضطرب في اصطلاحهم، وفي مثل هذه الحال يضعف الخبر المروي كذلك؛ لما تشعر به هذه الحالة من عدم الضبط"١ اهـ.
والاضطراب الواقع في المتن له ثلاثة أقسام:
الأول: [ما يختلف به معنى غير المعنى المقصود] ٢. فهذا لا يؤثر في ثبوت الحديث إلا في ذلك المعنى الذي لا يقصد. و [ذلك لا يوجب اختلافاً في المعنى المقصود] ٣
قال الحافظ: "مالا تتضمن المخالفة بين الروايات اختلاف حكم شرعي. فلا يقدح ذلك في الحديث وتحمل تلك المخالفة على خلل وقع لبعض الرواة؛ إذ رووه بالمعنى متصرفين بما يخرجه عن أصله"٤ اهـ.
وأكثر الأحاديث المختلفة من هذا القسم. ولا أثر له في ثبوته قال العلائي: "أكثر الأحاديث المختلفة لا يتضمن اختلافها اختلاف حكم شرعي" ٥ اهـ.
стр. 172
مثاله: حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين في تعيين الصلاة التي سها فيها النبي ﷺ .
فقال بعضهم: "صلاة الظهر أو العصر" ١.
وقال آخر: "أكثر ظني أنها العصر" ٢.
وجزم بعضهم بأنها "صلاة العصر" ٣.
وقال غيرهم: "صلاة الظهر" ٤.
قال العلائي: "الظاهر أن حديث أبي هريرة قضية واحدة. ولكن اختلف رواتها فمنهم من تردد في تعيين الصلاة هل هي الظهر أو العصر. ومنهم من جزم بإحداهما والعلم عند الله " ٥اه.
وقال الحافظ: "الظاهر أن هذا الاختلاف فيه من الرواة" ٦اه.
و [ذلك لا يوجب اختلافاً في المعنى المقصود؛ فإن حكم الصلوات في السهو واحد] ٧.
الثاني: [ما يختلف به معنى مقصود لكن في الحديث معنى مقصود لا
стр. 173
يختلف] ١. فهذا يترك ما اضطرب فيه راويه. ويؤخذ ما لم يضطرب.
قال ابن دقيق: "إذا صح التعارض الموجب للاطراح، فيخص بما وقع التعارض فيه فلا يسوغ إسقاط ما اتفق عليه" ٢اه.
مثاله: ما رواه عبد الله بن عكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ بأرض جهينة وأنا غلام شاب: "أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" ٣.
اضطرب خالد الحذاء في تحديد المدة التي أتاهم فيها الكتاب قبل وفاة النبيصلى الله عليه وسلم:
قال مرة: قبل وفاته بشهر ٤.
وقال مرة: قبل وفاته بشهرين ٥.
ومرة: قبل وفاته بشهر أو شهرين ٦.
فاضطرب خالد في تحديد المدة. وقد رواه غيره بلا تحديد فنترك تحديد المدة. ولا يضر هذا في بقية الحديث.
الثالث: [ما يختلف به المعنى المقصود كله] ٧.
стр. 174
فهذا يتوقف عن القول بثبوته؛ لاضطراب متنه.
مثاله: ما رواه عيسى بن يزداد اليماني عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات" ١.
ورواه عيسى بن يزداد عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا بال نتر ذكره ثلاثاً"٢.
فهنا اضطرب راويه مرة حديثاً قولياً ومرة حديثاً فعلياً.
قال مغلطاي: "هذا يدل على اضطراب وعدم ضبط" ٣اه.
стр. 175
الفصل الثالث: قاعدة الاضطراب سنداً ومتناً
قاعدة الاضطراب سنداً ومتناً متعلقة بالقاعدتين السابقتين بل لا تخرج عنهما لكن النظر هنا في طريقة العمل عند اختلاف واضطراب الحديث سنداً ومتناً.
فإذا وقع الاختلاف في سند الحديث ومتنه كانت النظرة الأولى إلى الإسناد؛ [لأن الوهم إنما يتطرق إلى أخبار الآحاد من جهة واحدة وهي الطريق أي السند] ١.
قال شعبة: "إنما يعلم صحة الحديث بصحة الإسناد"٢.
وقال يحيى بن سعيد: "لا تنظروا إلى الحديث ولكن انظروا إلى الإسناد فإن صح الإسناد. وإلا فلا تغتر بالحديث إذا لم يصح الإسناد" ٣اه.
فالنظرة الأولى للإسناد فقط فما كان من رواية الضعفاء والمختلطين والمتروكين أبعدناه عن الدراسة؛ إذ [لا يحكم بالضعفاء على الثقات] ٤.
قال ابن دقيق العيد: "الواجب أن ينظر إلى تلك الطرق فما كان منها ضعيفاً أسقط عن درجة الاعتبار. ولم يكن مانعاً من التمسك بالصحيح القوي"٥اه.
стр. 176
وقال ابن دقيق أيضاً: "ينظر في الاختلافات الواقعة في الحديث سنداً ومتناً فيسقط منها ما كان ضعيفاً؛ إذ لا يعلل القوي بالضعيف وينظر فيما رجاله ثقات فما وقع في بعضه شك طرح. وأخذ ما لم يقع فيه شك من راويه"١ اهـ.
فإذا زال الاضطراب عن السند والمتن فلا اعتلال وإن بقي الاضطراب ننظر إلى الإسناد مرة أخرى، فإن أمكن الجمع بلا تكلف بين الأسانيد المختلفة صير إليه٢.
فإن لم يمكن الجمع صير إلى الترجيح بين الأسانيد المختلفة [فإذا كان الترجيح واقعاً في بعضها فينبغي العمل بها؛ إذ الأضعف لا يكون مانعاً من العمل بالأقوى والمرجوح لا يدفع التمسك بالراجح] ٣.
قال ابن دقيق: "لا يغفلن عن طلب الترجيح عند الاختلاف، فإن النظر إنما هو عند التساوي أو التفاوت"٤ اهـ.
فإن زال الاضطراب عن المتن بعد الترجيح فلا إشكال. وإن بقي الاختلاف صير إلى الجمع بين مروياتهم. فإن أمكن الجمع بلا تعسف صير إليه.
قال ابن حزم: "إذا اختلفت الألفاظ من طرق الثقات أخذ بجميعها ما أمكن ذلك"٥ اهـ.
стр. 177
فإن لم يمكن الجمع صير إلى الترجيح بالنظر إلى الإسناد. فإن لم يمكن الترجيح لتكافؤ الروايات وتساويها فهو المضطرب.
مثاله:
ما رواه الحجاج بن أرطأة عن الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء" ١.
ورواه الحجاج عن أبي بكر بن محمد بن عمرو عن عمرة قالت سألت عائشة أم المؤمنين ﵂ متى يحل المحرم؟ فقالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا رميتم وذبحتم وحلقتم حل لكم كل شيء إلا النساء" ٢.
ورواه الحجاج عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء" ٣.
فهذا الحديث اضطرب الحجاج بن أرطأة الكوفي ٤ في سنده ومتنه.
ففي السند:
قال مرة: عن الزهري عن عمرة عن عائشة مرفوعاً.
ومرة: عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة مرفوعاً.
стр. 178
وفي المتن:
اضطرب في السبب الذي يحل للمحرم كل شيء إلا النساء.
فقال مرة: الرمي فقط.
ومرة: الرمي والذبح والحلق.
ومرة: الرمي والحلق.
قال البيهقي: "هذا من تخليطات الحجاج بن أرطأة"١ اهـ.
وقال العراقي: "ضعيف مداره على الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف. ومع ذلك فقد اضطرب في إسناده ولفظه"٢ اهـ.
стр. 179
القسم الثاني: الرواة الموصوفون الاضطراب مطلقا أو بقيد
تمهيد
...
تمهيد
(الراوى بين القبول والرد) .
علم الحديث روايةً ودرايةً لم يزلِ العلماء يوصون طلابهم به، ويرغبونهم فيه؛ إذ [الإسناد مِن الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ماشاء] ١، وهو القوائم والدعائم التي يقبل بها الحديث أو يرد كما قال ابن المبارك: "بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد" اه٢ وعلق عليه النووي بقوله: (ومعنى هذا الكلام إن جاء بإسنادٍ صحيحٍ قبلنا حديثه، وإلا تركناه) ٣.
وقال شعبة: "إنما يعلم صحة الحديث بصحة الإسناد" اه٤.
وانقطاع الإسناد وذهابه ذهابٌ للعلم، حيث قال الأوزاعي: "ماذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد" اه٥.
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء: "إنّ من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك".
قال فقال عبد الله يا أبا إسحاق عمّن هذا؟
стр. 180
قال قلت له: هذا من حديث شهاب بن خِراش.
قال: ثقة، عمّن؟
قال قلت: عن الحجاج بن دينار.
قال: ثقة. عمّن؟
قال قلت قال رسول الله ﷺ .
قال يا أبا إسحاق: إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوز، تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف) ١.
قال النووي: "معنى هذه الحكاية أنه لايقبل الحديث إلا بإسناد صحيح وقوله (مفاوز) جمع مفازة وهي الأرض القفر البعيدة عن العمارة وعن الماء التي يخاف الهلاك فيها...... ثمّ إن هذه العبارة التي استعملها هنا استعارة حسنة؛ لأن الحجاج ابن دينار هذا من تابعي التابعين فأقل مايمكن أن يكون بينه وبين النبي ﷺ التابعي والصحابي فلهذا قال (بينهما مفاوز) أي انقطاع كثير" اه٢.
وممّايوضح هذه الحكاية ما جاء عن إسماعيل عن أيوب السختياني أنه قال: "كان الرجل يحدث محمد بن سيرين بالحديث فيقول: إني والله مااتهمك ولا اتهم ذاك يعني الرجل من أصحاب النبي ﷺ ولكن اتهم من بينكما"اهـ٣.