← Акыда

Акыда · id 8565

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

صالح الفوزان

Полный текст (705 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

[الباب الثامن:] *باب ما جاء في الرقى والتمائم في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً: "أن لا يُبقين في رقبة بعير قلادة من وَتَر، أو قلادة إلاَّ قُطِعت". ــ قال الشيخ ﵀: "باب ما جاء في الرّقى والتمائم" أي: ما جاء عن الرسول ﷺ وعن الصحابة والتابعين من الأحاديث والآثار في النهي عن الرُّقى والتّمائم. هذا الباب مناسبته لما قبله: وهو: "بابٌ من الشرك لبس الحلْقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه"؛ أن هذا الباب مكمِّلٌ للباب الذي قبله، لأنه ذكر أنواعاً أخرى مكمِّلة لما ذُكر في الباب الذي قبله، ولكن الباب الذي قبله صرّح الشيخ في ترجمته بأن لبس الحلْقة والخيط من الشرك، وأما هنا فلم يصرّح، بل قال: "ما جاء في الرُّقى والتمائم"، وهذا من دقّة فقهه ومعرفته ﵀، فإنه إذا كان الحُكم واضحاً منصوصاً عليه في الحديث ذكره في الترجمة، وإذا كان الحكم فيه تفصيل، أو فيه احتمال؛ فإنه لا يجزم في الترجمة، وإنما يورد الأدلة في الباب ويُؤخذ منها الحكم مفصّلاً. فهذا من دقّة فقهه ﵀، وشدّة تورّعه عن إطلاق الأحكام، مما يُرَبِّي في طلبة العلم هذه الخَصْلَة الطيّبة، وهي أنهم يتورّعون في إطلاق الأحكام ويتثبتون فيها، لأن الأمر خطير جدًّا. قوله: "عن أبي بشير الأنصاري ﵁" هكذا كان مشهوراً بكُنْيته، ولم يُعرف له اسم -كما قال ابن عبد البر. "أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره" لم يعين هذا السفر، قال الحافظ: لم أقف على تعيينه". "فأرسل رسولاً" أي: مندوباً. "أن لا يبقيّن في رقبة بعير قلادة" " يبقيّن" مؤكّد بنون التأكيد الثقيلة، وقلادة فاعل. كانوا في الجاهلية يعلّقون القلائد على رقاب الإبل، يعتقدون أن ذلك يدفع

стр. 142

عنها العين والضرر، والنبي ﷺ أراد أن يزيل هذه العادة الجاهلية، ويقرر التّوحيد. والقلادة ما أحاط بالعنق. والـ "وَتَر" -بفتح الواو- المراد به: وَتَر القوس، والقوس آلة كانوا يرمون بها السهام. وكانوا في الجاهلية إذا اخْلَقَّ الوَتَر أخذوه وعلّقوه على رقاب الدواب، وأبدلوه بوَتَر جديد، يعتقدون أن هذا الوَتَر القديم الذي استعمل ورُمي به أنه يدفع العين عن الإبل. وقوله: "أو قلادة" هذا شك من الراوي، هل الرسول ﷺ قال: قلادة من وَتَر، أو قال: قلادة مطلقة، سواء كانت من وَتَر أو من غيره؟. وهذا من دقتهم ﵃ في الرواية. وعلى كل حال؛ فيه دليل على منع هذا الشيء من أي نوع كان، سواء كان من وَتَر أو من غيره، ما دام أن المقصود منه عقيدة فاسدة، حتى ولو كان من السُّيور، أو من الخيوط، أو من الخرز، أو من غير ذلك، كل قلادة يُقصد بها هذا المقصد الشركي فهي ممنوعة. أما القلائد التي لا يُقصد منها مقصد شركي، مثل قلاد الهَدْي الذي يُهدى للبيت العتيق؛ فلا حرج فيها. "إلاّ قُطِعت" هذا فيه إزالة المنكر، ولاسيّما إذا كان هذا المنكر في العقيدة، فإن إزالته متأكِّدة. وفيه: أن الحاكم أو الإمام يرسل نوّاباً عنه في إزالة المنكر، وليس من شرط ذلك أن يباشره بنفسه. الشاهد من الحديث: تحريم عقد القلائد على الدواب، أو على الآدميين بقصد أن ذلك يدفع العين لأنه لا يدفع الضرر ولا يدفعه إلاَّ الله ، وليست القلائد هي التي تدفع الضرر، أو تجلب النفع، وليست سبباً في ذلك وإنما هذا بيد الله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) ﴾ ، ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) ﴾ ، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا

стр. 143

وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرُّقى والتّمائم والتِّوَلَة شرك" رواه أحمد وأبو داود. ــ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ . قال: "وعن ابن مسعود" هو: عبد الله بن مسعود بن غافل الهُذلي الصحابي الجليل، من أئمة العلم المعروفين في الصحابة، ومن أشهر القرّاء لكتاب الله ، وهو الذي أُعجب النبي ﷺ بقراءته، وقال: "من أراد أن يسمع القرآن غضًّا طريًّا كما أنزل؛ فليسمع إلى قراءة ابن أم عبد"، وقد أمره النبي ﷺ أن يقرأ عليه، فقال: يا رسول الله كيف أقرأ عليك وعليك أُنزل؟، قال ﷺ : "إني أحب أن أسمعه من غيري"، قال عبد الله: فقرأت عليه من أول سورة النساء حتى بلغت قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) ﴾ قال النبي ﷺ : "حسبك"، قال: فالتفت إليه ﷺ فإذا عيناه تذرفان. والشاهد من هذا: فضيلة عبد الله بن مسعود ﵁. وكان من أَوْعِيَة العلم، وكان له رواية عن النبي ﷺ كثيرة، وكان مُفتياً من مشاهير المُفتين من الصحابة، وكان يقال له: صاحب السِّواد، لأنه كان يحمل نعليّ الرسول ﷺ . وفضائله كثيرة ﵁، وكان من السابقين الأولين. وفي بعض الأسفار: أنه صعد شجرة وكان نحيلاً، فنظر الصحابة إلى ساقيه دقيقتين؛ فضحكوا، فقال الرسول ﷺ : "تضحكون من دقّة ساقيه؟!، لهما في الميزان أثقل من جبل أحد". سبب ذكر عبد الله بن مسعود لهذا الحديث: أنه رأى على امرأته زينب ﵂ خيطاً في عنقها، وقال: لأنتم يا آل عبد الله أغنياء عن الشرك، قالت: إن عيني كانت تَطْرف، فأذهب إلى فلان اليهودي فيرقاها فتكف، قال ﵁: إنما ذلك شيطان يَنْخَسُها بكفه، فإذا رُقي كفّ، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرُّقى والتّمائم والتوَلَة شرك".

стр. 144

وعن عبد الله بن عُكيم مرفوعاً: "من تعلّق شيئاً؛ وُكِل إليه". ــ فهو لما قطع هذا الخيط، وأنكر على زوجته هذا الفعل؛ ذكر الدليل من سنة رسول الله ﷺ : " إن الرُّقى والتّمائم والتِّوَلَة شرك" وسيأتي تفسير هذه الثلاثة. قال: "وعن عبد الله بن عُكيم مرفوعاً" عبد الله بن عُكيم أدرك النبي ﷺ ، لكنه لم يثبت له سماع من النبي ﷺ ؛ فيكون تحديثه عن الرسول من باب المرسل، لأنه لم يسمع من النبي ﷺ ، ولهذا قال الشيخ: "مرفوعاً". "من تعلّق شيئاً وُكِل إليه" "من تعلّق شيئاً" سواءً قلادة، أو تَمِيمَة، أو حِرْزاً من الحُرُوز، أو خيطاً، أو حلقة، يعني: علّق قلبه بشيء أيّ شيء، يظن أنه ينفع ويضر، "وُكِل إليه" وَكَلَه الله إلى ما تعلق به. وهذه عقوبة من الله ، وإهانة له من الله ، لأن الله إذا تخلّى عنه وَوَكَلَه إلى غيره هلك. أما من توكّل على الله وحده فإن الله يتولى أمره. أما من اعتقد بغيره فإنه يَكِلُه إليه ويتخلّى عنه، يَكِلُه إلى حلْقة من صُفْر، أو خيط، أو إلى تَمِيمَة، أو إلى وليّ من الأولياء، أو قبر من القبور، أو ضريح من الأضرحة، يَكِلُه إلى من اعتقد فيه. فهذا فيه خطر عظيم، وفيه حث على أن يعلِّق الإنسان قلبه بالله ، وأن يعتقد أنه لا ينفع إلاَّ الله، ولا يضر إلاَّ الله، ولا يشفي إلاَّ الله، ولا يرزق إلاَّ الله، ولا يُعطي ولا يمنع إلاَّ الله، يتوكّل على الله، مع أخذه بالأسباب المباحة التي جعلها الله أسباباً كالدواء المباح، وغير ذلك من الأسباب المباحة، لكن القلب يتعلق بالله. فقوله: "من تعلّق شيئاً وُكِل إليه" قاعدة عامة، تعمّ كل شيء يعلّق الإنسان قلبه به من دون الله ؟ من بشر، أو حجر، أو شجر، أو قبر، أو حلْقة، أو خيط، أو تَمِيمَة، أو غير ذلك، أو جن، أو إنس. ففي هذا وجوب التوكّل على الله، والنهي عن الاعتماد على غير الله في جلب خير أو دفع ضُر، والقرآن يقرّر هذا في آيات كثيرة.

стр. 145

"التّمائم": شيء يعلّقونه على الأولاد يتقون به العين. لكن إذا كان المعلّق من القرآن؛ فرخّص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخّص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁. ــ ثم إن الشيخ محمد ﵀ شرح هذه الألفاظ، فقال: "التّمائم شيء يعلِّقونه على الأولاد يتّقون به العين" ثم قال مفصِّلاً الحكم في هذا: "لكن إذا كان هذا المعلَّق من القرآن؛ فقد رخّص فيه بعض السلف" يعني: إذا كانت التَمِيمَة مكتوبة من القرآن؛ فقد رخّص فيها بعض السّلف، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، وعائشة، لأنها من القرآن، والتشافي بالقرآن ليس فيه محذور شركي، فهو كلام الله . "وبعضهم" أي: بعض الصحابة، "لم يرخِّص فيه " حتى لو كان من القرآن، منهم: عبد الله بن مسعود- راوي الحديث-، وسيأتي الأثر عن إبراهيم أنه قال: "كانوا يكرهون التّمائم من القرآن ومن غير القرآن"، وإبراهيم النخعي تلميذ لابن مسعود. هذا اختلاف السلف في تعليق التّمائم من القرآن، فقد اختلفوا في هذا على قولين: منهم من أجاز، نظراً لأن هذا من القرآن، وهو كلام الله ، والتداوي بكتاب الله والاستشفاء بكتاب الله مشروع، ومنهم من منع هذا ولم يرخِّص فيه لعموم النهي عن التمائم. وبناءً على ذلك اختلف الفقهاء من بعد الصحابة في هذه المسألة على قولين: منهم من أجاز؛ أخذاً برأي من أجاز من الصحابة، ومنهم من منع. والصحيح: الرأي الثاني وهو المنع، والشيخ عبد الرحمن بن حسن وقبله الشيخ سليمان بن عبد الله رجَّحا منعه، وذلك لثلاثة أمور: الأمر الأول: عموم النهي، ولم يَرِد دليل يخصّص ذلك. الأمر الثاني: سدّ الوسيلة المُفضية إلى الشرك، لأننا إذا أجزنا تعليق القرآن انفتح الباب لتعليق غيره. الأمر الثالث: أن تعليق القرآن يعرِّضه للامتهان، لأنه يعلّق على الصبيان، والصبيان لا يتجنّبون النجاسة أو الدخول في مواضع القاذورات، وكذلك الجُهّال لا يحترمون القرآن كما ينبغي، ولا يتنّبهون لذلك، وما كان سبباً لتعريض القرآن للامتهان فهو محرّم.

стр. 146

و"الرُّقى": هي التي تُسَمَّى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخّص فيه رسول الله ﷺ من العين والحُمَة. ــ والذين أجازوا- وهم أصحاب الرأي الأول- اشترطوا ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن تكون التَمِيمَة من القرآن. الشرط الثاني: أن تكون مكتوبة باللفظ العربي، فلا تُكتب بلفظ أعجمي أو بخط لا يُقرأ. الشرط الثالث: أن يعتقد أن الشفاء من الله لا من هذه التَمِيمَة، وإنما هذه التَمِيمَة سبب فقط. قال الشيخ: "والرُّقى: هي التي تُسمى العزائم" الرُّقى: جمع رقية، والرُّقْيَة: القراءة على المريض. ويسميها العوام العزيمة. قال الشيخ: "وخصّ منها الدليل ما خلا من الشرك" أي: استثناه من التحريم فهناك أدلة تفصِّل بأنه إن كانت الرُّقْية من القرآن أو من الأدعية المباحة فإنها ليست بشرك، بدليل أن النبي ﷺ رخّص في الرُّقْية من العين ومن الحُمَة كما جاء في حديث بُريدة بن الحُصين الذي سبق في "باب من حقق التّوحيد"، وكذلك النبي ﷺ رَقى المرضى، ورُقي ﷺ ؛ رَقاه جبريل، وكذلك لما جاءوا إلى النبي ﷺ يسألونه قالوا: كنا في الجاهلية لنا رُقى نرقي بها وأدوية نتداوى بها، قال ﷺ : "اعرضوا علي رُقَاكُم، لا بأس بها ما لم تكن شركاً". وقوله: "فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة" الرُخصة عند الأصوليين: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، لأن الأحكام على قسمين: رُخصة، وعزيمة. فالشيء المستثنى من الممنوع بدليل يسمى: رُخصة، مثل: الأكل من الميتة، وقصر الصلاة للمسافر، هذا يسمى رخصة، كذلك الإفطار في نهار رمضان، كل هذه رُخص، رخّص فيها الشارع من أشياء كانت في الأصل ممنوعة، وذلك من أجل الرّحمة بالخلق، وكذلك الرقية في القرآن استثنيت من الرقى الممنوعة بقوله ﷺ : "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، فهي رخصة.

стр. 147

و"التِّوَلَة": هي شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبِّب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته. وروى أحمد عن رُوَيْفع قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يارُوَيْفِع، لعل الحياة ستطول بك؛ فأخبر الناس: أن من عقد لحيته، أو تقلّد وَتَراً، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمداً بريء منه". ــ قوله: "والتِّوَلَة" بكسر التاء وفتح الواو، "شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته" "يزعمون" أي: يكذبون، والزعم: الكذب، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ ، يعني: يكذبون في قولهم أنهم آمنوا. " أنه يحبِّب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته" هذا يسمونه: الصّرف والعطف، وهو سحر، قال الله : ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ، فهو سحر يفرِّق ويَجْمع، لأنه عمل شيطاني، يعمل أشياء تنفِّر الإنسان من الإنسان، أو الرجل من زوجته، أو الزوجة من زوجها، وهو من عمل الشياطين. فالسحرة لما تقرّبوا من الشياطين وخدموهم وأشركوا بالله، فالشياطين في مقابل ذلك ساعدتهم في هذه الأمور. وهذا كثير في الناس، خصوصاً إذا ضعف في الإيمان، وخصوصاً في البلاد التي لا يُعتنى فيها بأمر العقيدة، فإن السحر يُتخذ حِرْفَة ومهنة في بعض البلاد، ولكن من نعمة الله على هذه البلاد أن هذا الشيء لا يوجد فيها إلاَّ خُفية، لكنه يُطارد، وأهله- والحمد لله- أذِلاء. قوله: "وروى أحمد عن رويفع". "رُوَيْفِع" هو رُوَيْفِع بن ثابت الأنصاري- رضي الله تعالى عنه- تولّى إمارة بُرْقة في عهد الخلفاء في مصر، وتوفي هناك ﵁، وقد طال عمره. قال: "لعل الحياة ستطول بك" هذا إخبار من النبي ﷺ أن رُوَيْفِعاً يعمّر، وقد عُمّر، ففيه: عَلَم من أعلام النبوة، وهو الإخبار عن شيء مستقبَل، ويقع كما أخبر به ﷺ ، وهذا مما أطلعه الله تعالى عليه. "فأخبر الناس" هذا فيه دليل على تبليغ العلم، ونشر العقيدة، والدعوة إليها،

стр. 148

وإنكار الشرك، وأن الإنسان محمّل هذه الأمانة، لا يتخلى عنها، ويترك الناس يقعون في الشرك وفساد العقيدة، وهو ساكت، ثم يقول: اتركوا الناس مجتمعين، لا تفرقوا بين الناس، حاربوا الشيوعية وحاربوا المذاهب الهدّامة، واتركوا الشرك وهل هناك أشد من الشرك؟، الشرك هو أكبر المذاهب الهدّامة، وهذا القول يدسّه علينا الأعداء إما من اليهود والماسونية أو غيرهم، ويأخذه بعض المغرورين من شبابنا على أنه صحيح، وهو يقصد منه هدم الإسلام، وهدم العقيدة، لأنه إذا تُرك الشرك فسدت العقيدة. قوله: "أن من عقد لحيته" عقد اللحية اختلف العلماء في تفسيره، منهم من قال: عقد اللحية عادة عند الفُرس، أنهم كانوا عند الحروب يعقدون لحاهم تكبّراً وتجبّراً، ونحن قد نهينا عن التشبّه بالكفّار. والقول الثاني: المراد به عقد اللحية في الصلاة، لأن هذا من العبث في الصلاة، والحركة في الصلاة، وهذا مكروه في الصلاة، لأنه يدل على عدم الخشوع. القول الثالث: أن المراد بعقد اللحية ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها، حتى تتجعّد، يقصدون بها الجمال، فهذا يكون من الترف، نعم لا بأس أن اللحية تصلح وأنها تُنظّف، وأنها تُكرم لكن لا يصل هذا إلى حد الإسراف. "أو تقلد وَتَراً" يعني: جعل الوَتَر قلادة عليه، أو على دابته، أو على ولده من أجل أن يتّقي به العين والضرر، كما كانت الجاهلية تفعل. وهذا محل الشاهد في الحديث، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وإذا كان هذا فيمن تقلدوا وتراً، فكيف بمن تعلّق على الأموات يسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات؟؟؟!! ". "أو استنجي" الاستنجاء: إزالة أثر الخارج من السبيلين. لأن الواجب أن الإنسان إذا قضى حاجته أن ينقي المخرج إما بماء وإما باستجمار بالحجارة، فإن جمع بينهما فهذا أفضل.

стр. 149

وعن سعيد بن جبير قال: "من قطع تَمِيمَة من إنسان؛ كان كعدل رقبة" رواه وكيع. ــ "برجيع دابة" الرجيع زوث الدواب، "أو عظم، فإن محمداً ﷺ بريء منه" وهذا وعيد شديد يدل على تحريم هذا الفعل، وهو الاستجمار بروث الدواب والعظام، لأن هاتين المادتين طعام الجن وطعام دوابهم فلا يلوثهما عليهم. قوله: "عن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة" أي: كان كمن أعتق رقبة من الرِّق، والمناسبة أن اعتاق العبد فيه اعتاق من الرِّق، وقطع التَمِيمَة فيه إعتاق من الشرك، لأن الشرك رِقّ للشيطان بدل الرِّق للرحمن، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث يقول: هربوا من الرِّق الذي خلقوا له ... فبُلُوا برق النفس والشيطان يعني: هم أرقاء لله، عبيد لله، لكن لما أشركوا به صاروا عبيداً للشيطان، وعبيداً للنفس والهوى، فالإنسان خلق لعبادة الله، فإذا تركها صار عبداً للشيطان، فهو عبد ولابد. فالذي يزيل هذه الظاهرة الشركية عن مسلم يكون كمن أعتقه من الرِّق في الأجر والثواب. وسعيد بن جبير ﵀ اعتبر الشرك رقًّا، من أزاله فكأنما أعتق هذا العبد من هذا الرِّق الذّليل المهين، وجعله حُرًّا من عبادة المخلوق، عبداً لله لا يعبد غيره، فعبادة الله جل وعلا هي الحرية الصحيحة، ليست الحرية أن الإنسان يشرك ويكفر ويعتقد ما شاء، كما يقولون: الناس أحرار في اعتقادهم لا بل الناس خلقوا لعبادة الله، وعبادة الله ليست من باب الذل والمهانة، وإنما هو من الإكرام، ومن الرِّفعة، وهذا شرف، والله جل وعلا أكرم نبيه بالعبودية له، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ، فعبودية الله شرف، أما عبودية غيره فهي ذلّ ومهانة. "رواه وكيع" ووكيع هو: وكيع بن الجراح، الإمام الجليل، روى عنه الإمام أحمد وغيره.

стр. 150

وله عن إبراهيم قال: "كانوا يكرهون التّمائم كلها؛ من القرآن وغير القرآن". ــ قال: "وعن إبراهيم" أي: عن إبراهيم النخعي، أحد الأئمة من التابعين. وقوله: "يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن" أي: كان كبار التابعين من أصحاب ابن مسعود لا يفصِّلون في التّمائم، بل كانوا يكرهونها عموماً، كما سبق أن الراجح هو: تحريم تعليق التّمائم، ولو كانت من القرآن؛ من أجل الأمور الثلاثة التي ذكرناها هناك. وقوله: "يكرهون" أي يحرمون، لأن الكراهة عند السلف يريدون بها التحريم. فكلام إبراهيم هذا يؤيّد ترجيح المنع مطلقاً، ولأن هذا قول عبد الله بن مسعود، وتلاميذه من أئمة التابعين، أن التّمائم لا تفصيل فيها، حتى ولو كانت من القرآن، لا تُعلّق على الرِّقاب على شكل حُروز، أو على شكل رقاع، أو على شكل أكياس تعبّأ بالأوراق المكتوب فيها ويسمونها خطوطاً، أو عزائم، هذا لا يجوز وإن كان من القرآن، ولا تعلّق على السيارات أو الجدران لأن هذا وسيلة إلى الشرك، ولأنه لم يرد دليل على جوازه، ولأنه تعريض للقرآن للامتهان والابتذال- كما سبق-. وفي هذا دليل على بعد السلف عما يخدش العقيدة.

стр. 151

[الباب التاسع:] باب من تبرّك بشجرة أو حَجْر ونحوهما ــ هذا الباب مكمِّلٌ للأبواب التي قبله، لأن الأبواب التي قبله في لبس الحلْقة والخيط ونحوهما، أو تعليق الرُّقى والتّمائم، وهذا فيه النهي عن التبرّك بالأشجار والأحجار، فهذه الأبواب كلها مؤدّاها الاعتقاد بغير الله أنه يضر أو ينفع، وهذا شرك، لأن الذي يقدر على دفع الضر وجلب النفع هو الله وحده لا شريك له، هو القادر على ذلك، لا يشاركه أحد، وإن كان هناك أشياء يترتّب على استعمالها أو أكلها أو شُربها ضرر، أو يترتّب عليه نفع؛ فهذه أسباب فقط، أما الذي يخلق ذلك فهو الله سبحانه. مثلاً: الأكل والشرب من الطيبات هذا فيه نفع، لكن ليس الأكل والشرب هو الذي يخلق النفع، إنما الذي يخلق النفع هو الله . مثلاً: السُّم يقتل، والنار تُحرق، لكن ليست هي التي تفعل هذه الأشياء، لأنها مخلوقات لله ، ولكنها أسباب، يقدِر القادر سبحانه أن يسلبها هذه الخاصيات، كما سلب النار الحرارة لما أُلقي فيها إبراهيم، وصارت برداً وسلاماً، فدلّ على أنها لا تستقل بالضرر. وقوله: "باب من تبرّك" أي: طلب البركة، وهي حصول الخير ونماؤه وثبوته وكثرته. "بحَجَر أو شجر" أي: طلب البركة من حَجَر أو من شجر، أو اعتقد أنها سبب للبركة وهي لم يجعلها الله أسباباً لها فقد أشرك بالله ، لأن الحجر والشجر لا يخلق البركة ولا يوجدها، ولا هو مسبب في حصولها إلاَّ ما جعله سبباً في حصولها وإنما الذي يوجدها هو الله ، وهو سبب الأسباب نعم قد يجعل الله بعض الأشياء مباركة، مثل: ماء زمزم، ومثل: الأنبياء ﵈، ومثل: الكعبة المشرفة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ (٩٦) ﴾ ، فالله هو الذي جعل الكعبة مباركة، أما الكعبة فليست هي التي تُوجِد البركة، أو تخلق البركة، لكن الله جعلها مباركة، فالبركة من الله وبركتها بالحج والعمرة واستقبالها في الصلاة والطواف بها والتعبد عندها في المسجد الحرام.

стр. 152

وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) ﴾ الآيات. ــ وقد يجعل الله بعض الأشياء مباركة، كما أن الله يجعل بعض الأشياء شرِّيرة، فقد جعل الشياطين شرِّيرة، وجعل بعض الدواب شرِّيرة، فالاعتماد على الله في كل الأمور، وإنما نتخذ الأسباب لأن الله أمرنا باتخاذ الأسباب، وأما النتائج فهي عند الله ، نحن لا نعتمد على الأسباب، وإنما نعتمد على الله، ونحن لا نعطّل الأسباب، لأن الله أمرنا باتخاذها، وتعطيل الأسباب عجز وتعطيل للمنافع، التي جعلها الله في الأشياء، كما قال بعض العلماء: "الاعتماد على السبب شرك، وترك السبب قدح في الشرع" لأن الشرع أمرك باتخاذ الأسباب، و"الاعتماد على الأسباب شرك" لأنه اعتماد على غير الله. فهذه مسألة يجب على طالب العلم أن يفقهها وأن يعرفها، وأن يتأملها جيداً، وأن يوضحها للمسلمين، لإزاحة الشُّبُهات، وإزاحة التضليل الذي يَرُوج عند بعض الناس بسبب الجهل، أو بسبب سوء القصد. قوله: "وقول الله تعالى: " ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) ﴾ " وتتمة الآيات: " ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) ﴾ " هذه الآيات في تقرير التّوحيد وتثبيت العقيدة في قلوب المؤمنين، والرد على المشركين. يقول الله تعالى للمشركين الذي يعبدون الأصنام، وفي مقدمتها الأصنام الثلاثة المشهورة عند العرب: اللات والعُزَّى ومَنَاة، هل تنفع هذه الأصنام أو تضر؟، فيقول: " ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) ﴾ " هل نفعتكم؟، هل دفعت عنكم الضرر؟، هل جلبت لكم شيئاً من الرزق؟، فلا يستطيعون الجواب بأنها تضر أو تنفع، لم تنفعهم في بدر وغيرها من الغزوات، ولم تدفع عنهم ما أوقع الله بهم من الهزائم، ما أجابوا عن هذا السؤال العظيم؛ فدلّ على انقطاع حجتهم. وهكذا في كل أسئلة القرآن الكريم التي هي من باب التحدِّي والتعجيز، لم

стр. 153

يصدر لها جواب من قبل المشركين، ولن يصدر لها جواب إلى أن تقوم الساعة. و" ﴿اللاَّتَ﴾ ": صنم في الطائف لبني ثقيف. وفي تفسيرها قولان لأهل العلم: القول الأول: أنها بالتخفيف، وهو اسم حجر كبير أملس عليه نقوش، كانوا يتبرّكون به، ويطلبون منه قضاء حاجتهم، وتفريج كرباتهم. والقول الثاني: أنه بالتشدّيد اسم فاعل من لَتَّ يَلُتُّ: وهو في الأصل رجل صالح، كان يَلُتُّ السّويق للجاج، وكان يُطعم الحجّاج من هذا الطعام تقرّباً إلى الله ، فلما مات عَكَفُوا على قبره يتبرّكون به، كما حصل لقوم نوح لما غَلَوْ في الصالحين. فالغُلُّو في الصالحين قديم، ولا يزال مستمرًّا وهو سنّة جاهلية من قديم الزمان، من عهد قوم نوح، ولا تزال. فعلى التفسير الأول هو: تبرّك بالأحجار، وعلى التفسير الثاني هو: تبرّك بالقبور. وكِلا التفسيرين حق، فالآية تدلّ على منع التبرّك بالأحجار، ومنع التبرّك بالقبور، وما زال هذا الصنم يُعبد من دون الله إلى أن فتح النبي ﷺ مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وأمر بهدم هذا الصنم كغيره من الأصنام التي هدمت. أما "وَالْعُزَّى" فكانت صنماً لأهل مكة، وهي عبارة عن شجرات ثلاث من السَّمْر، وعندها بَنِيَّة عليها أستار، وكانت لقريش ولأهل مكة يعبدونها من دون الله . ولهذا قال أبو سفيان في يوم أحد بعد أن انتهت المعركة: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال النبي ﷺ : "أجيبوه، قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم"، هذا هو الرد الشافي، وفيما بعد منّ الله على أبي سفيان بالإسلام فأسلم، والإسلام يَجُبُّ ما قبله، والشاهد من هذا: أن العُزَّى كانت لأهل مكة، فلما فتح النبي ﷺ مكة أرسل إليها خالد بن الوليد فهدمها وقطّع الأشجار، ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره، قال: "لم تفعل شيئاً"، فرجع خالد ﵁، إليها مرّة ثانية فوجد عندها السَّدَنة، فلما رأوه هربوا إلى الجبال، فجاء فإذ بامرأة عريانة ناشرة شعرها، فعلاها بالسيف وقتلها، ثم رجع إلى النبي ﷺ وأخبره، قال: "تلك العُزَّى". والواقع أن المشركين ليست عبادتهم لهذه الأصنام، وإنما عبادتهم للشياطين،

стр. 154

وعن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْن، ونحن حُدَثاء عهد بكفر،................................................................................................... ــ فالشياطين هي التي تُغريهم، وتدعوهم إلى عبادتها، وهي التي تكلّمهم أحياناً، ويظنون أن الصنم هو الذي يتكلم، أو أن الميت هو الذي يتكلم. أما " ﴿وَمَنَاةَ﴾ " فهي صنم قريب من المدينة، وكانت لقبائل من العرب. وكانوا يُحْرِمُون من عندها للحج والعمرة. ولما فتح النبي ﷺ مكة أرسل إلى مَنَاة علي بن أبي طالب ﵁ فهدمها. فأين ذهبت هذه الأصنام؟، لو كانت آلهة لدفعت عن نفسها. والشاهد من الآية الكريمة: بطلان التبرّك بالأشجار والأحجار، لأن هذه أشجار وأحجار، ولم تدفع عن نفسها فضلاً عن أن تدفع عن غيرها. ففي هذا: بُطلان التبرك بالأحجار والأشجار، وفيه: أن من تبرّك بقبر أو بحجر أو شجر يعتقد فيه أنه ينفع ويضر من دون الله، أو أنه سبب لحصول البركة، أو تقرب إليه بشيء من العبادة؛ فهو مثل من عبد اللات والعُزَّى سواء، ولا فرق، بل من غلا في قبر من القبور فهو كمن عبد اللات، لأن اللات- على التفسير الثاني- هو رجل صالح، غَلَوا في قبره بعد موته، فالذين يعبدون القبور اليوم مثل الذين يعبدون اللاتّ سواء بسواء، والقرآن واضح في هذا، لكن يحتاج إلى التدبّر، ونبذ للتقاليد والعادات والبيئات الفاسدة، والتحرر من الخرافات والأباطيل، ورجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، ففيهما الشفاء للقلوب. قال "وعن أبي واقد الليثي" هذه كنيته، أما اسمه فهو الحارث بن عوف، و"الليثي" من بني الليث. "قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْنِ" أي: غزوة حنين، وحنين اسم وادٍ بين مكة والطائف، وغزوة حُنَيْن كانت في شوال من السنة الثامنة من الهجرة، وذلك أن الرسول ﷺ لما فتح مكة، ونصره الله على قريش؛ خافت هوازِن على نفسها أن يصلها الرسول ﷺ ، فأرادوا أن يغزوا الرسول ﷺ قبل أن يغزوهم، وجمّعوا أمرهم ليغزوا رسول الله ﷺ ، يريدون الدفاع عن أنفسهم، فلم يمهلهم الرسول ﷺ ، بل غزاهم هو بنفسه ﷺ . وهذا هو الحزم والسياسة؛ أن ولي أمر المسلمين إذا علم أن

стр. 155

وللمشركين سِدْرَة يعكفون عندها وينُوطون بها أسلحتهم، يُقال لها: ذات أَنْواط، فمررنا بِسدْرَة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أَنْواط كما لهم ذات أَنْواط. ــ هناك من الكفار من يريد غزو المسلمين يبادر إلى ذلك العدو، ولا يمهله. وأبو واقد كان من الذين أسلموا في هذا العام، ولهذا قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْن ونحن حُدَثاء عهد بكفر" يعني: أن إسلامهم كان جديداً متأخراً، وهو يريد بذلك بيان العذر مما وقع منهم، أنهم كانوا جُهّالاً، لم يتفقّهوا كما كان الصحابة الذين مع الرسول ﷺ فقهاء، عرفوا العقيدة ودرسوها، لكن هؤلاء أسلموا قريباً، ولم يتمكّنوا من التفقّه في العقيدة، وكانوا آلفين لأشياء من دين الجاهلية، لم يتخلّصوا منها بعد. قال العلماء: فهذا فيه دليل على أن الإنسان إذا عاش في بيئة فاسدة ثم انتقل منها؛ أنه قد يبقى في نفسه منها شيء. فهذا كان في بيئة شركية، وأسلم قريباً. وهذا دليل على آفة الجهل، وأن الإنسان قد يقع في الشرك بسبب الجهل، وفيه الحث على تعلم العقيدة ومعرفتها والتبصّر فيها خشية أن يقع الإنسان في مثل ما وقع فيه هؤلاء، فالذين ينادون اليوم بتهوين أمر العقيدة، ويقولون: لماذا يدرسون العقيدة وهم مسلمون؟، يا سبحان الله، المسلم هو أولى بدراسة العقيدة من أجل أن يصحِّح إسلامه، ومن أجل أن يحفظ دينه، هؤلاء مسلمون ومع هذا وقعوا في هذه القضية بسبب أنهم لم يتعلموا، ففي هذا دليل على وجوب تعلم العقيدة الصحيحة، ووجوب تعلّم ما يضادها من الشرك والبدع والخرافات؛ حتى يكون الإنسان على حذر منها، وما أوقع اليوم عُبّاد الأضرحة- أو كثير منهم- في عبادة القبور إلاَّ بسبب الجهل، ويظنون أن هذه من الإسلام، فهذه مصيبة عظيمة، حتى سمعنا أن بعض الدعاة يدعون - في أمريكا وفي غيرها- إلى دين الصوفية وإلى دين القبوريّة، فهم أخرجوهم من كفر إلى كفر، وكونه يبقى على كفره، أخف من كونه ينتقل إلى كفر يسمّى باسم الإسلام. وقوله: "وللمشركين سِدْرَة يَعْكُفُون عندها" العُكُوف هو: البقاء في المكان، يقال: اعتكف في المكان إذا أطال الجلوس فيه، واعتكف في المسجد يعنى: جلس في المسجد للعبادة.

стр. 156

فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر، إنها السُّنَن، قلت- والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لتركبن سُنَن من قبلكم" رواه الترمذي وصحَّحه. ــ "ويُنَوطُون بها أسلحتهم" النَّوْط هو: التعليق، وغرضهم من هذا العكوف والنوط التبرك بهذه الشجرة. "فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أَنْوَاط كما لهم ذات أَنْوَاط" أعجبهم عمل المشركين، فظنوا أن هذا عمل سائغ، وهم يحرصون على تحصيل البركة، فطلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم شجرة يَعْكُفُون عندها، ويَنُوطُون بها أسلحتهم طلباً للبركة، ولكن انظروا إلى أدب الصحابة مع الرسول ﷺ حيث لم يقدموا إلى هذا الأمر من عند أنفسهم، بل رجعوا إلى الرسول ﷺ ، فالمسلم إذا أعجبه شيء ويظن أنه خير فلا يستعجل حتى يعرض هذا على الكتاب والسنة ويسأل عنه أهل العلم الثقات. فهذا فيه دليل على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة في أمور العبادة، وأن الإنسان لا يعمل باستحساناته، أو استحسانات غيره، بدون أنه يرجع إلى الكتاب والسنة، وهذا يدل على أن العبادات توقيفية. فقوله: "فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أَنْواط" يعني: شجرة نعلّق بها أسلحتنا للبركة، ونجلس عندها للبركة. "فقال ﷺ : "الله كبر، إنها السُّنَن" النبي ﷺ غضب لما قالوا له هذا الكلام وتعجّب، وكبّر الله تنزيهاً لله عن هذا العمل. وهذه عادة النبي ﷺ أنه كان إذا أعجبه شيء أو استنكر شيئاً أنه يسبح أو يكبر. "إنها السُّنن" أي: الطرق المسلوكة، أي: السبب أن الذي أوقعكم في هذا هو التَّشَبُّه بما عليه الناس، فالتَّشَبُّه بالكفار في عباداتهم وتقاليدهم الخاصة بهم، آفة خطيرة: "من تشبه بقوم فهو منهم"، وما أصاب بعض المسلمين من الأمور الشنيعة، أغلبه من جهة التَّشَبُّه بالكفار، أوّل ما حدث الشرك في مكة هو بسبب التَّشَبُّه بالكفار، لأنه لما ذهب عمرو بن لُحَيْ إلى الشام، ووجد أهل الشام يعبدون الأصنام، أعجبه ذلك، وجلبها إلى الحجاز، ومن ذلك الوقت فشا الشرك في أرض

стр. 157

الحجاز، فهو أول من غير دين إبراهيم- ﵊، فهذه هي الآفة، هذه هي السُّنَن التي تعجّب منها النبي ﷺ . ثم بيّن ﷺ خطر هذه المقالة، فقال: "قلتم والذي نفسي بيده" أقسم ﷺ ففي هذا مشروعية القسم على الفتوى إذا تحقق من إصابة الحق. "كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: " ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ " النبي ﷺ بيّن أن هذه عادة قديمة في العالم، وأنها حصلت على عهد موسى ﵇، وذلك أن الله لما نجّى بني إسرائيل من فرعون، وأغرق فرعون وقومه، ونجّى موسى وقومه، ومرّوا في طريقهم على قوم يعكفون على أصنام لهم. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ طلبوا من موسى أنه يجعل لهم صنماً يعبدونه كهؤلاء الذين يعبدون الصنم، قال موسى ﵇: " ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ " السبب الذي أوقعكم في هذا هو الجهل بالتّوحيد، وهذا- كما ذكرنا- يُوجب على المسلمين أن يتعلموا العقيدة، ولا يكتفوا بقولهم: نحن مسلمون، نحن في بلاد إسلام، نحن في بيئة إسلامية، كما يقوله الجهال أو الذين يُثَبِّطون عن تعلّم العقيدة. ففيه آفة الجهل، وان الجهل قد يوقع في الكفر بالله ، وهذه خطورة عظيمة، ولا يُنجّي من هذا الجهل إلاَّ تعلّم العقيدة الصحيحة، والتأكُّد منها، وتدريسها، وتكرارها على الناس، وتعليمها للناس، ونشرها بكل وسيلة في المساجد، وفي المدارس، وفي وسائل الإعلام، وفي المجالس، وفي البيوت، وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ ، أي: عمل هؤلاء زائل وتالف ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأنه شرك بالله ، ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) ﴾ أي: أنا لا أَشْرَع لكم الشرك، وهل هذا جزاء النعمة أن الله فضلكم على العالمين، يعني: عالم زمانهم، أما بعد بِعثة محمد ﷺ فأفضل العالمين هم أمة محمد ﷺ . فالحاصل؛ أن التبرّك بالأشجار والأحجار هو من سنة المشركين، ومن سنة الجاهلية، ومن فعله فهو متشبه بالكفار، وهو كافر مثلهم، لا فرق بين من يعبد القبر ومن يعبد اللات والعُزَّى، أو الذي يطلب البركة من الشجرة والذي يطلبها من الصنم، لا فرق بينهما.

стр. 158

ففي هذا: بُطلان التبرّك بالأشجار والأحجار، وأنه شرك، لأن موسى ﵇ قال: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً﴾ ، فدلّ على أن من تبرّك بشجر أو حجر فقد اتخذه إلهاً، وهذا هو الشرك، واختلاف اللفظ لا يؤثر مع اتفاق المعنى، هؤلاء قالوا: "اجعل لنا ذات أَنْوَاط كما لهم ذات أَنْوَاط"، وبنوا إسرائيل قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ، والرسول ﷺ جعل هذا مثل هذا، وإن اختلف اللفظ. والآن عَبَدَة القبور يقولون: هذا ليس بشرك، هذا توسُّل، وهذا محبة للأولياء والصالحين. إن أولياء الله الصالحين لا يرضون بهذا العمل، ولا يرضون أن تُجعل قبورهم أوثاناً تُعبد من دون الله، والنبي ﷺ يقول: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، فدلّ على أن تعظيم القبور والتبرك بها يجعلها أوثاناً تُعبد من دون الله. فالحاصل؛ أن هذا فيه دليل على أن العبرة في المعاني لا في الألفاظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر، وإن سموه توسّلاً، أو سموه إظهاراً لشرت الصالحين، أو وفاءً بحقهم علينا- كما يقولون-، هذا هو الشرك، سواء بسواء، فالذي يتبرّك بالحجر أو بالشجر أو بالقبر قد اتخذه إلهاً، وإن كان يزعم أنه ليس بإله، فالأسماء لا تغير الحقائق، إذا سمّيت الشرك، توسلاً، أو محبة للصالحين، أو وفاءً بحقهم، نقول: الأسماء لا تغير الحقائق. وفيه- أيضاً- مسألة مهمة: وهي أن حُسن المقاصد لا يغير من الحكم الشرعي شيئاً، هؤلاء لهم مقصد حسن، ولكن النبي ﷺ لم يعتبر مقاصدهم، بل أنكر هذا، لأن الوسائل التي تُفضي إلى المحاذير ممنوعة، صحابي مع رسول الله ﷺ يحمل السيف للجهاد، ما قصد إلاَّ الخير هو ومن معه، ومع هذا غضب النبي ﷺ عند مقالتهم، وجعلها مثل مقالة بني إسرائيل، فدلّ على أن المقاصد الحسنة لا تبرِّر الغايات السيّئة والمنكرة. وفيه- أيضاً-: القاعدة العظيمة، وهي: خطورة التَّشَبُّه بالكفار والمشركين، لأنها تؤدِّي إلى الشرك، ولهذا قال ﷺ : "لتركبن سُنَن من قبلكم " وهذا فيه- أيضاً- عَلَم من أعلام النبوة، فإن النبي ﷺ أخبر أنه في المستقبَل سيكون في المسلمين من

стр. 159

يقلِّد الكفار، وهذا وقع كما أخبر ﷺ ، فتقليد الكفار الآن على قدم وساق، إلاَّ من رحم الله وهذا خبر معناه التحذير وليس مجرد خبر. فهذا الحديث فيه التحذير من التَّشَبُّه بالمشركين والكفار في أفعالهم وعاداتهم الخاصة وتقاليدهم وطقوسهم. أما الأمور المباحة فلا بأس بالأخذ بها، نأخذ من المشركين الخِبْرات المفيدة، نأخذ منهم البضائع، نأخذ منهم الأسلحة، هذه أمور كانت في الأصل لنا، يقول الله : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، هذه المنافع في الأصل للمسلمين، ولكن لما تكاسل المسلمون أخذها أعداؤهم، فلا مانع أن المسلمين يأخذون بهذه الأشياء المفيدة، وليس هذا من التَّشَبُّه، إنما لتَّشَبُّه هو تقليدهم في الأمور التي لا فائدة منها ولا قيمة لها، أو الأمور التي تدخل في العبادة والعقيدة والدين. قد يُقال: أنتم تحرمون التبرّك بالأشجار والأحجار والقبور، في حين أن الصحابة ﵃ -كانوا يتبرّكون بريق النبي ﷺ وشعره ووضوئه، أليس هذا تبركاً بمخلوق. فالجواب عن ذلك: أن هذا خاص بالنبي ﷺ وبما انفصل من جسده ﷺ لأنه مبارك، فما انفصل من جسده من ريق، أو عرق، أو شعر، أو وضوء، فإنه يُتبرّك به، أما التبرّك بغير النبي ﷺ فهذا لم يَرِد حتى مع أفضل الأمة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والعشرة المبشرين بالجنة، وأصحاب بدر، وأصحاب بيعة الرضوان، ما ذُكر أن المسلمين كانوا يتبرّكون بهؤلاء، لا بريقهم، ولا بعرقهم، ولا بشعورهم. فالتبرك لا يجوز؛ لا بالأشجار، ولا بالأحجار، ولا بالأشخاص، ولا بالحُجْرة النبوية، ولا بقبر النبي ﷺ ، كل هذا لا يجوز، لأن هذه أمور لم تكن منفصلة عن النبي ﷺ وليست من جسده ﷺ فلابد أن نعرف الجواب عن هذه الشُّبَه، لأنهم يُدْلُون بها.

стр. 160

[الباب العاشر:] * باب ما جاء في الذبح لغير الله وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ﴾ الآية. ــ هذا الباب كالأبواب التي قبله في بيان أنواع من الشرك التي يمارسها بعض الناس في مختلف الأزمان، من عهد الجاهلية، ولا تزال مستمرَّة، وذلك من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب، ولله الحكمة في بقاء هذا الشرك والكفر؛ من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب، والموحِّد من المشرك، والمهتدي من الضال: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ، ولكن لو هداهم جميعاً لم تكن هناك مِيزَة لأحد على أحد، ولكن اقْتَضَتْ حكمته سبحانه أن يُجري الامتحان من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب. قال: "وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ﴾ تتمة الآيات: " ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ* قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ " ختم الله هذه السورة العظيمة بهذه الآيات، لأن السورة تدور كلها على التّوحيد وبيان الشرك، وبيان ما يفعله المشركون مع الأصنام، وما حرّموه من المزارع والأنعام لأصنامهم. وختمها بالبراءة من كل ما يفعله المشركون، وهذا الغالب على السور المكية، فالسور المكية غالبها، بل تكاد تكون كلها في التّوحيد والنّهي عن الشرك، لأن النبي ﷺ مكث في مكة ثلاثة عشرة سنة يدعو إلى التّوحيد، وينهى عن الشرك، وينزل عليه القرآن في ذلك، ومن جُملة ما نزل عليه في مكة هذه السورة العظيمة: سورة الأنعام. فقوله تعالى: " ﴿قُلْ﴾ " هذا أمر من الله جل وعلا لنبيه محمد ﷺ أن يُعلن للناس، ليس لناس وقته فقط، بل للناس جميعاً إلى أن تقوم الساعة، وليس لناس بلده، بل لناس العالم:

стр. 161

" ﴿إنَّ صَلاتِي﴾ " الصلاة في الشرع يُراد بها: العبادة المبتدئة بالتكبير المختتمة بالتسليم، التي تشتمل على عبادات قلبيّة وقوليّة وعملية، فالصلاة تشتمل على أنواع العبادة في القلب: من الخشوع، والخشية، والإقبال على الله ، وباللسان: من التكبير، والتحميد، والثناء على الله، وتلاوة كتابه الكريم، ومناجاة الرب ، وبالجوارح: من القيام، والرّكوع، والسجود، والجلوس. فالصلاة عبادة عظيمة، يجتمع فيها ما لا يجتمع في غيرها من أنواع العبادات، ولذلك جعلها الله عمود الإسلام، وجعلها الركن الثاني من أركان الإسلام. " ﴿وَنُسُكِي﴾ " النُّسُك المُراد به: ما يذبح من بهيمة الأنعام على وجه التقرّب والعبادة، كهَدْي التمتُّع والقِران، وهَدْي التطوُّع، وهَدْي الجُبران، والأضاحي، والعقيقة، هذه كلها تُسمى نُسُكاً، فما ذُبح من بهيمة الأنعام على وجه التقرّب إلى الله تعالى بذبحه، فهو النُّسُك. وكان الذبح على وجه التقرُّب موجوداً في الجاهلية، كانوا يذبحون للأصنام، ويذبحون للجن، ويذبحون للكواكب، يذبحون لغير الله ، ولهذا يقول النابغة في قصيدته: لا والذي قد زردته حججا ... وما هريق على الأنصاب من جسد الأنصاب: الأصنام. وهُرِيق، يعني: سُفك من الدماء من جسد، يعني: من ذبيحة. فالنبي ﷺ بيّن أن دينه مخالف لدين المشركين، فالمشركون يذبحون لغير الله، والنبي ﷺ ومَن اتبعه يذبحون لله وحده لا شريك له، كما أنهم لا يصلُّون إلاَّ لله فكذلك لا يذبحون إلاَّ لله ، وقَرْن النُّسُك بالصلاة يدلّ على أنه عبادة عظيمة، لا يجوز صرفها لغير الله، والنسك قد تساهل فيه كثير من الناس فصاروا يذبحون للجن طاعة للمُشَعْوِذِين من أجل العلاج بزعمهم. " ﴿وَمَحْيَايَ﴾ ": ما أحيا عليه في عمري من العبادة كله لله . " ﴿وَمَمَاتِي﴾ ": ما أموت عليه- أيضاً- لله ، فيموت على التّوحيد، فمعنى الآية: أنه يحيا على التّوحيد، ويموت على التّوحيد، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ في ذلك وفي سائر أنواع العبادة.

стр. 162

وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) ﴾ . ــ " ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " الرب هو: المالك، والعالمين جمع عالَم، وهو: ما سوى الله من المخلوقات، فكل المخلوقات ربها واحد، هو الله ، لكن قد يُقال لمالك الشيء: ربه، مثل: رب البيت، رب الحاجة، رب السيارة، رب الدراهم، وهذا مقيّد، أما إذا قلت الرب، أو رب العالمين، فهذا لا يكون إلاّ لله . أما هذه الأصنام وهذه الأوثان، فلا تستحق العبادة لأنها مملوكة لله ، ومعبدة لله ، والعبد لا يُعبد، حتى ولو كان من أشرف العباد كالملائكة والرسل والأولياء، كلهم عبيد لله . وذكر عبادتين عظيمتين: الصلاة والنُّسُك، لأن الصلاة عبادة بدنيّة، والنُّسُك عبادة ماليّة، وهي من أفضل العبادات المالية. قال: " ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ " أمرني ربي ، فدلّ على أن العبادات توقيفيّة، لا يصلح منها شيء إلاَّ بأمر الله . ثم قال: " ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ " أي: من هذه الأمة، فالأوليّة هنا نِسْبِيَّة، وإلاَّ فالرسل والمؤمنون من قبل النبي ﷺ كلهم مسلمون، بمعنى أنهم مخلصون العبادة لله . والإسلام هو الاستسلام لله بالتّوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله، هذا هو الإسلام، وهذا دين جميع الرسل- عليهم الصلاة والسلام، فقوله: " ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ " أي: من هذه الأمة. كما أنّ الآية- أيضاً- تدلّ على أن الرسول أول من يبادر إلى امتثال أمر الله ، وأنه لا يتأخر عن امتثال أمر الله ، فكذلك يجب على المسلم أن لا يتأخر عن الامتثال والمبادرة إذا أمره الله بشيء يكون من أول من يفعل ذلك، فمن أمر بشيء من المعروف والطاعة، فإنه يجب عليه أن يكون أول من يفعله. قال: "وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) ﴾ " هذا أمر من الله لنبيه أن يُخلص الصلاة لله ، وأن يخلص النحر- وهو: الذبح- لله . قالوا: وهذا شكر لله لما أعطاه الكوثر، فإن الله أمره أن يشكره على

стр. 163

عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض" رواه مسلم. ــ هذه النعمة العظيمة، بأن يصلِّي ويذبح لله ، ولهذا ربط بما قبله بفاء السببيّة. والكوثر نهر في الجنة، وقيل: هو الخير الكثير، فهذا من باب الشكر لله على هذه النعمة، على إعطائه الكوثر، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (٣) ﴾ ، كان الكفار يذمّون الرسول ﷺ ويقولون: إنه أبتر، ليس له ذرية، وليس له مال، وإنه إذا مات سينتهي ذكره. ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (٣) ﴾ ، أما أنت فلست بأبتر، سيستمر ذكرك، ويستمر عملك، وتستمر دعوتك إلى يوم القيامة. وصدق الله العظيم، أين ذكر أبي جهل؟، وأين ذكر أبي لهب؟، وأين ذكر صناديد الكفار؟، انقطع، ولا يذكرون إلاَّ بالذم- والعياذ بالله، أما رسول الله فإنه يُذكر بالخير والثناء، ويُذكر بكل فضيلة، ودعوته باقية، ودينه باق -ولله الحمد- على مرّ الزمان، بينما تتهاوى المذاهب الأخرى وتتساقط، وإن قويت شوكتها في بعض الأحيان، إلاَّ أنها تتهاوى، ودين الرسول ﷺ يتجدّد. انظروا إلى الشيوعية في وقتنا الحاضر ماذا بلغت من القوة والإرهاب وإخافة العالم، وفي فترة وجيزة ذابت كما يذوب الملح في الماء، وأين هي الآن؟، لكن دين الإسلام لا يزال- ولله الحمد- يظهر ويتجدّد، ولو ضعف أهله، إلاَّ أنه هو بنفسه- ولله الحمد- دين يتجدّد ويظهر في مرّ الزمان، ومرّ المكان. الشاهد من الآية: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ ، ومن الآية: " ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) ﴾ ": أن الله جل وعلا قَرَن النحر بالصلاة في الآيتين، فدلّ على أنه عبادة لا يجوز صرفها لغير الله. قوله: "بأربع كلمات" يعني: أربع جُمَل، فالكلمات المراد بها الجمل. وقوله: "لعن الله" اللعن معناه: الطرد والإبعاد عن رحمة الله . "من ذبح لغير الله" أي: تقرَّب بالذبح لغير الله من الأصنام، ومن الأضرحة، ومن الأشجار والأحجار، والجن، وغير ذلك. فكل من تقرَّب بالذبح إلى غير الله فإنه قد لعنه الله ، وهذا يدلّ على شدّة هذه الجريمة، فإن الله جل وعلا لا يلعن

стр. 164

إلا على جريمة خطيرة، فدلّ على شدة جريمة من ذبح لغير الله، أيًّا كان هذا الذبح كثيراً أو قليلاً جليلاً أو حقيراً. وذلك بأن يذكر على الذبيحة غير اسم الله أو يكون في نيّته وقلبه واعتقاده أنه يتقرّب بهذه الذبيحة إلى غير الله، أو يريد بهذه الذبيحة دفع شر هذا المذبوح له، فيذبح للجن من أجل دفع شرهم، وخوفاً منهم، أو يذبح للصنم من أجل أن الصنم يجلب له الخير، كما يفعل بعض الجُهّال؛ إذا تأخر المطر ذهبوا بِثَوْر أو غيره من الحيوان وذبحوه في مكان معيّن، أو عند قبر يريدون نزول المطر، وقد يُبتلون فينزل المطر، وتحصل لهم حاجتهم ابتلاءً وامتحاناً من الله ، وهذا لا يدلّ على جواز ما فعلوه، من الشرك والتقرّب لغير الله . فمن فعل ذلك فهو مشرك وملعون، سواء تلفّظ وقال: هذه الذبيحة للقبر، أو للبدوي، أو للسيد الحسين، أو لفلان أو لفلان، أو ونوى بقلبه فقط. وهذه الذبيحة حرام، لأنها تدخل في قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ فما أهلّ به لغير الله يشمل ما ذُبح باسم غير الله، ويشمل ما ذُبح باسم الله ويُنْوى به الصنم أو الجن أو العفاريت، والمُشَعْوِذُون الآن إذا جاءهم المرضى يأمرونهم بالذبح لغير الله لأجل أن يشفوا من مرضهم. ويدخل في الذبح لغير الله أصناف: ما ذُبح لغير الله على وجه التقرّب، ولو قيل عليه: بسم الله، وهذا حرام بإجماع المسلمين، وهو شرك بالله . وما ذُبح للّحم وسمي عليه بغير اسم الله. وما ذُبح من أجل التحيّة والتعظيم، مثل: ما يُذبح للملوك والرؤساء عند قدومهم إذا نزل من الطائرة، أو من السيارة، أو من الدابة؛ ذبحوا عند نزوله. وما يُذبح عند ابتداء المشروع، فبعض الجُهّال، أو بعض الذين لا يُبالون، إذا أنشؤوا مشروعاً- مصنعاً أو غير ذلك- يذبحون عند تحريك الآلة. وما يُذبح عند أول نزول البيت خوفاً من الجن، وهذا شرك، لأنه مما ذُبح لغير الله . أما إذا ذبح ذبيحة عند نزول البيت من باب الفرح والسرور، ودعوة الجيران والأقارب، فهذا لا بأس به. فالحاصل؛ أن قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ وقوله: " ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ

стр. 165

وَانْحَرْ (٢) ﴾ " وقول الرسول: "لعن الله من ذبح لغير الله" يشمل كل هذه الأمور: ١- ما ذُبح للأصنام تقرّباً إليها. ٢- ما ذُبح للحم وذكر عليه اسم غير الله . ٣- ما ذُبح تعظيماً لمخلوق وتحيّة له عند نزوله ووصوله إلى المكان الذي تستقبل فيه. ٤- ما ذُبح عند انحباس المطر في مكان معين أو عند قبر لأجل نزول المطر. ٥- ما يُذبح عند نزول البيوت خوفاً من الجن أن تصيبه، كل هذا يدخل في الذبح لغير الله، ويكون شركاً بالله . قوله: "لعن الله من لعن والديه" إن الله قَرَن حق الوالدين بحقه سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ، فحق الوالدين يأتي دائماً بعد حق الله ، كذلك النهي عن الإساءة إلى الوالدين تأتي بعد الإساءة في حق الله كما في حديث السبع الموبقات. فالذبح لغير الله، إساءة في حق الله ، ثم ذكر تنقّص الوالدين والإساءة إليهم بلعنهم، فلا يجوز للولد أن يشتم والديه، وهذا من الكبائر، لأن الرسول ﷺ لعن من فعله، واللعن على الشيء يدل على أنه كبيرة، سواء لعنهما بالمباشرة أو بالتسبّب، فبعض الناس لا يلعن والديه مباشرة، لكن يتسبّب في ذلك، بأن يلعن والدي رجل آخر، ثم يرد عليه بالمثل، فيكون متسبّباً في لعن والديه، وقد قال النبي ﷺ : "إن من الكبائر أن يشتم الرجل والديه"، قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه يا رسول الله؟ قال: "يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أم الرجل فيسبّ أمه"، والمسلم لا يجوز أن يكون لعّاناً، ولا سبّاباً، ولا بذيئاً، المسلم يجب أن يكون مؤدباً، ويتكلم بالكلام الطيّب ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، هكذا ينبغي للمسلم أنه يحفظ لسانه عن القول البذيء، ولاسيّما إذا كان هذا القول من أقبح الكلام كاللعن والسبّ والشتم، حتى البهائم والدواب والدُّور والمساكن لا يجوز لعنها، فقد لعنت امرأة ناقة لها وهي تسير مع النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ بأخذ ما على الناقة وتركها تمشي، لا يتعرّض لها أحد، من باب

стр. 166

التأديب والتعزير فلا يجوز لعن الآدميين، ولا لعن الدواب، ولا لعن المساكن، أو السيارات، أو غير ذلك. وقوله: "لعن الله من آوى محدثاً" آوى معناها: حَمَى، فالإيواء معناه: الحَمَى والدفع. والمُحْدِث: هو الذي فعل جُرماً يستحق عليه إقامة الحد، فيأتي واحد من الناس ويَحُول دون هذا المجرم ودون إقامة الحد عليه، بجاهه، أو بقوته وسلطانه، أو بجنوده، أو بغير ذلك، فيمنع هذا المجرم من أن يقام عليه الحد. وهذا لعنه رسول الله. وفي الحديث الآخر: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضادّ الله في أمره"، وفي حديث آخر: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع". ولما سرق رجل رِدَاء صفوان بن أُميّة، وهو بالمسجد، فأمسكه صفوان، وذهب به إلى النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ بقطع يده، فقال صفوان: الرداء له يا رسول الله، أنا ما أردت هذا، قال: "هلاّ قبل أن تأتيني به"، يعني: هلا سمحت عنه قبل أن تأتني به؟. فإذا تقرّر الحد في المحكمة الشرعية فلابد من تنفيذه، إلاَّ إذا كان في إقامة الحد عليه ضرر على غيره، كالحامل إذا أُقيم عليها الحد تأثّر الحمل، فيؤخّر إلى أن تلد، وتجد من يرضعه وإلاّ تركت حتى تفطمه. الحاصل؛ أن إيواء أصحاب الجرائم التي تستوجب الحدود، ومنع إقامة الحدود عليهم، من الكبائر، لأن النبي ﷺ لعن من فعله. وفي بعض الروايات بفتح الدال "لعن الله من آوى محدثاً" والمحدَث معناه: البدعة، ومعنى آوى المحدَث أي: رضي به. فمن رضي بالبدعة، ولم يُنكرها وهو يقدر فقد آواها، يعني: من رأى البدع وسكت ولم يتكلم في إنكارها والبيان للناس أنها بدع، فقد آواها، يعني حماها بسكوته وتَرْكِه لها، فيكون مستوجباً للعنة، فكيف إذا دعا إليها ودافع عنها- والعياذ بالله-. ثم قال ﷺ : "لعن الله من غيّر منار الأرض" المنار: جمع منارة، وهي: العلامة. والمراد بمنار الأرض للعلماء فيه ثلاثة أقوال:

стр. 167

وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "دخل الجنة رجلٌ في ذباب، ودخل النار رجلٌ في ذباب"، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "مرّ رجلان على قوم................................ ــ القول الأول: أن المراد بمنار الأرض: المراسيم، ومعنى غيّرها يعني: قدّمها أو أخرّها عن مكانها، وفي الحديث: "من اقتطع شبراً من الأرض بغير حق طُوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين". والقول الثاني: أن المراد بمنار الأرض: أعلام الحَرَم الذي يحرم قتل صيده وَتَنْفِيره، ويحرم قطع شجره وحشيشيه، وأخذ لُقَطَتِه فقد، جعل الله حول الكعبة حرماً من كل جانب، وهذه المنطقة، لا يدخلها مشرك، ولا يُنَفَّر صيدها، ولا يُخْتلى خلاها، ولا تُلْتَقَط لقطتها إلاَّ لمنشد، ولا يجوز القتال فيها إلاَّ دفاعاً، فالمراد بمنار الأرض على هذا القول: أنصاب الحَرَم، أي: الأعلام المجعولة على الحَرَم من كل جانب، من جهة التَّنْعيم، ومن جهة الحُدَيْبِيَة، ومن جهة عرفات ونَمِرة، ومن جهة الجِعْرانة، أنصاب مبنيّة وأعلام مقامة على حدود الحَرَم. القول الثالث: أن المراد بمنار الأرض: العلامات التي على الطرق، وكانت معروفة، وفي وقتنا الحاضر اللوحات التي تجعلها المواصلات على الطريق، هذه من منار الأرض، فلا يجوز لأحد أن يغير هذه الأعلام، لأنه يضلل الناس والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول. قال: "وعن طارق بن شهاب" طارق بن شهاب البَجَلي الأَخْمَسي، صحابي جليل، أدرك النبي ﷺ ولكنه لم يسمع من الرسول ﷺ ، فيكون حديثه عن الرسول مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة مقبولة من غير شك، لأن الصحابي لا يرسل إلاّ عن صحابي مثله، فمراسيل الصحابة ليست كمراسيل غيرهم لأنهم كلهم عدول. "دخل الجنة رجل في ذباب" هذا حديث عجيب، ولذلك تعجّب منه الصحابة، والرسول ﷺ ساقه ولم يبيّنه من أجل أن ينتبهوا ويتشوقوا لمعرفة معناه. "قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "مرّ رجلان على قوم " يعني: من الأمم السابقة.

стр. 168

لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرِّب له شيئاً، فقالوا لأحدهما: قرِّب. قال: ليس عندي شيء أقرِّبه، قالوا به: قرِّب ولو ذباباً. فقرّب ذباباً، فخلَّوْ سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرِّب. فقال: ما كنت لأقرِّب لأحد شيئاً دون الله . فضربوا عنقه، فدخل الجنة" رواه أحمد. ــ "لهم صنم" الصنم هو: ما كان على صورة حيوان، أما ما عُبد وهو على غير صورة حيوان، كالشجر والحجر والقبر فهذا يسمى وثناً، فالوثن أعم من الصنم، لأن الصنم لا يُطلق إلاَّ على التِّمثال، وأما الوثن فيُطلق على التِّمثال وغيره، حتى القبر وثن إذا عُبد، قال ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد"، فالوثن كل ما عُبد من دون الله على أي شكل كان. "لا يجوزه أحد" أي: يتجاوزه ولا يمرّ عليه أحد، "حتى يقرِّب له شيئاً" يعني: يذبح له تعظيماً له. "فقال لأحدهما: قرّب، قال: ليس عندي شيء أقرِّبه" اعتذر بالعدم، ولم يقل: إن الذبح لغير الله لا يجوز، أو هذا منكر- والعياذ بالله-، وهذا يدلّ على أنه لو كان عنده شيء لقربه. "قالوا له: قرِّب ولو ذباباً" فقرب ذباباً، يعني: اذبحه للصنم، "فقرِّب ذباباً فخلوا سبيله" سمحوا له بالمرور، "فدخل النار" بسبب الشرك، وأنه ذبح لغير الله، والعبرة بالنيّة والقصد لا بالمذبوح. والقصد أنه ما استنكر هذا الشيء، ولا تمنع منه، وإنما اعتذر بعدم وجود شيء فلذلك دخل النار- والعياذ بالله. "وقالوا للآخر: قرِّب. فقال: ما كنت لأقرِّب لأحد شيئاً دون الله " امتنع وأنكر الشرك، "فضربوا عنقه" يعني: قتلوه، "فدخل الجنة" بسبب التّوحيد. فهذا الحديث حديث عظيم، فيه مسائل عظيمة: المسألة الأولى: هذا الحديث فيه جواز الإخبار عن الأمم السابقة، والتحدّث عنها بما ثبت لأجل العظة والعبرة. المسألة الثانية: في الحديث دليل على تحريم الذبح لغير الله، ومن ذبح

стр. 169

لغير الله فقد أشرك، لأن هذا الرجل الذي ذبح الذباب دخل النار، وحتى لو كان المذبوح شيئاً تافهاً، والرجل الثاني عظّم الشرك، وتجنبه ولو كان شيئاً حقيراً، فدخل الجنة. المسألة الثالثة: كما قال الشيخ ﵀ في مسائله: أن المدار على أعمال القلوب، وإن كان الشيء الظاهر تافهاً، لكن المدار على عمل القلب. المسألة الرابعة: فيه دليل- كما قال الشيخ ﵀ على قُرب الجنة والنار من الإنسان، كما قال ﷺ : "الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله، والنار مثل ذلك"، هذا ضربوا عنقه فدخل الجنة، وذاك خلو سبيله فدخل النار. المسألة الخامسة: أن هذا الرجل الذي ذبح الذباب كان مؤمناً، فدخل النار بذبحه الذباب، لأنه لو كان كافراً لدخل النار بكفره، لا بذبح الذباب، فدلّ على أنه كان مؤمناً، وهذه مسألة خطيرة جدًّا، فأين الذين يذبحون للقبور وللجن، وللشياطين، وللعفاريت، وللسخرة؟، فدلّ على أن الشرك الأكبر يخرج من الملة ولو كان شيئاً يسيراً، فأمور التّوحيد وأمور العقيدة لا يُتسامح فيها.

стр. 170

[الباب الحادي عشر:] * باب لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ الآية. ــ قال الشيخ ﵀: "بابٌ لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله" هذا الباب تابعٌ للباب الذي قبله؛ لأن الباب الذي قبله: "ما جاء في الذبح لغير الله" يعني: أنه محرَّمٌ وأنه شرك، وهذا الباب فيه سدُّ الذريعة المُفْضية إلى الذبح لغير الله. وقوله: "باب لا يذبحُ" بضم (الحاء) على أنّ (لا) نافية، ويصلُح: "لا يُذبحْ" بإسكانها على أنّ (لا) ناهية، وحتى لو أخذناها على أنها نافية فالنفي هنا معناه: النهي، فالنفي يأتي بمعنى النهي، بل إذا جاء النهي بصيغة النفي كان أبلغ، مثل قوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد" هذا نفيٌ معناه: النهي، ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ هذا نفي معناه النهي عن هذه الأمور. وقوله: "لا يذبحُ لله في مكان يذبح فيه لغير الله" لأن الذبح في هذا المكان وإن كان لله ، فإنه وسيلة إلى الشرك، وكذلك في الذبح في هذا المكان تعظيم له ومشابهة للمشركين، وقد نهى النبي ﷺ عن الوسائل المُفْضية إلى الشرك، مثل: نهيه عن الصلاة إلى القُبور وإنْ كان المصلي لا يصلي إلاَّ لله ، ونهي عن الدعاء عند القُبور وإن كان الداعي لا يدعو إلاَّ الله وحده، لكن هذا المكان لا يصلُح التعبد لله فيه، لأنه وسيلةٌ إلى الشرك، وكذلك نهى عن الصلاة عند غروب الشمس لأنه وسيلة إلى عبادتها لأن المشركين كانوا يسجدون لها عند الغروب، ونهى عن الصلاة عند شروق الشمس لأن المشركين كانوا يسجدون لها في هذا الوقت؛ فكل موطن وكلُّ زمان قد اتخذه المشركون لعبادتهم فإننا نهينا أن نُشاركهم فيه، وأمرنا أن نبتعد عنه، من باب سدِّ الذرائع، ومن باب قطْع المشابهة للمشركين، ممّا يعطي دينَ الإسلام استقلالية تامّة عن كلِّ دين سواه في الأديان الباطلة. قوله: "وقول الله تعالى: " ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ " أي: في مسجد الضرار، نهيٌ للنبي ﷺ عن الصلاة في هذا المسجد.

стр. 171

وقصته: أنّ أبا عامر الفاسق كان قد قرأ الكتب السابقة في الجاهلية، وتعبّد حتى صار يُقال له: "أبو عامر الراهب"، ويعظِّمه الناس لِمَا يظهر عليه من الدين؛ فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة حسده وكفر به، وأبغض الرسول ﷺ ؛ وسمّاه النبي بـ "أبي عامر الفاسق"، لأنه خرج عن طاعة الله وكفر برسول الله ﷺ . ثم ذهب هذا الكافر إلى الشام يؤلِّب النصارى على رسول الله ﷺ ، وكتب وهو في الشام إلى جماعة من المنافقين في المدينة: أنِ ابْنوا لنا مكاناً من أجل أن نجتمع فيه ونتشاور. يريدون أن يكون هذَا المكان محل اجتماع لأعداء الرسول ﷺ ، يتشاورون فيه للكيْد للإسلام، وكانوا لم يجرءوا على أن يبنوه على أنه مَجْمَع، فأظهروه بصورة المسجد، وقالوا: بنيناه من أجل الضعيف والمريض والليلة المطيرة أو الليلة الشاتَية، وطلبوا من الرسول ﷺ أن يصلّي فيه، يريدون من هذا التغطية والخديعة. فوعدهم ﷺ وقال: "إنا على سفر إلى غزوة تبوك، إنْ شاء الله إذا رجعنا نصلي فيه"، فلما رجع النبي ﷺ من تبوك ولم يبق على وصوله إلى المدينة إلاَّ ليلة - أو ليلتان- أتاه الوحي من السماء، قال الله : ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ ، وبيّن سبحانه مقاصدهم الخبيثة في هذا البناء. وقوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ فيه: منع الرسول ﷺ من الصلاة في هذا المسجد وتيئيس لهؤلاء. ففي هذه الآيات: أن النّيات تؤثِّر في الأمْكنة والمباني، النيّات الخبيثة تؤثر في الأمكنة والبِقاع خبثاً، والنيّات الصالحة تؤثِّر فيها بركة وخيراً. ففيها: الحث على إصلاح المقاصد، وفيها: دليلٌ على أن الاعتبار بالمقاصد لا بالمظاهر؛ هؤلاء بنوا مسجداً في الظاهر، ولكن ليس مقصودهم المسجد، فدلّ على أن ما كل من أظهر الصلاح يُقبَل منه حتى تُعرف حقيقته. وفيه: التنبيه على خِداع المخادِعين، وأن يكون المؤمنون على حذر دائماً من المشبوهين ومن تضليلهم، وأنهم قد يتظاهرون بالصلاح، ويتظاهرون بالمشاريع الخيرية، ولكن ما دامت سوابقهم وما دامت، تصرُّفاتهم تشهد بكذبهم فإنه لا يُقبل منهم، ولا ننخدع بالمظاهر دون نظر إلى

стр. 172

وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً.................................... ــ المقاصد وإلى ما يترتب -ولو على المدى البعيد- على هذه المظاهر. ففيه: تنبيه المسلمين إلى الحذر في كل زمان ومكان من تضليل المشبوهين، وأن كل من تظاهر بالخير والصلاح والمشاريع الخيرية لا يكون صالحاً، إلاَّ من لم يكن له سوابق في الإجرام، ولم يُعرف عنه إلاَّ الخير؛ فهذا يُقبل منه، لكن من كان معروفاً بالسوابِق السيِّئة والمكائد الخبيثة، أو يظهر عليه أو على فلتات لسانه أو على كَلامه شيء؛ فإننا نأخذ الحذر منه ولا ننخدع، لأنّ الله جل وعلا نهى رسوله أن يصليَ في مكان أُعِدَّ للمعصية، فدلّ هذا على أنه لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله، كما لا يصلى لله في مكان أُعِدَّ للمعصية والكفر، كذلك لا يُذبح لله في مكان أُعِدَ للمعصية. وقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ هو مسجد قباء لصلاح نية أهله ﵃. وفيه: دليلٌ على فضيلة مسجد قباء، وفضل أهله رضوان الله عليهم، وأنّ هذا المسجد بقيَ له الفضل في الإسلام إلى أنْ تقوم الساعة، ويقصد للصلاة فيه ممّن كان في المدينة اقتداءً بالنبي ﷺ . قال: "وعن ثابت بن الضحّاك" الأشهلي ﵁، صحابيٌّ جليل. "أن رجلاً نذر" النذر في اللغة هو: الالتزام-؛ يقال: نذر كذا إذا التزمه، ونذر دم فلان بمعنى أنه التزم أن يقتله. وأما في الشرع: فالنذر معناه: "إلزام المكلَّف نفسه طاعة لله لم تجب عليه بأصل الشرع" من صلاة وصيام وحجٍّ وعمرة وصدقة وغير ذلك. والنذر -في الأصل- غير مشروع، ولا يُستحب للإنسان أنه ينذر لنهيه ﷺ عن النذر وقال: "إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل"، وفي رواية: "لا تنذروا" - بالنهي- "فإن النذر لا يأتي بخير"، فما دام الإنسان على السَّعَة فإنه لا ينبغي له أن ينذر ليكون في سَعة، إنْ أراد أن يتعبّد ويأتي بالطاعة أتى بها، وإلاّ فليست لازمة له، ولكنه إذا نذر ورَّط نفسه، ووجب عليه الوفاء بالنذر، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ، قال

стр. 173

ببوانة، فسأل النبي ﷺ ؟ فقال: "هل كان فيها وثْن فن أوثان الجاهلية يُعبد؟ ". ــ تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ ، وقال ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه". "أن ينحر إبلاً" النحر معناه: ذبح الإبل في النحر -وهو اللَّبَّة-، يقال: نحر البعير، وذبح الشاة والبقرة. فالنحر خاصٌّ بالإبل، وأما الذبح فيكون لغير الإبل. "ببُوانة" (بُوانة) اسم موضع بين مكة والمدينة، قيل: إن قريبٌ من مكة عند (السعديّة) التي هي (يَلَمْلَم) ميقات أهل اليمن، وقيل إنه قريبٌ من المدينة عند (ينبع) . فالحاصل؛ أنه اسم موضع بين مكة والمدينة. "فسَأل النبي ﷺ " فيه دليل: على الرجوع إلى أهل العلم، وأن الإنسان لا يقدِم على شيء من العبادات حتى يعرف هل هو مشروع أو غير مشروع؟. "فقال النبي ﷺ : "هل كان فيها وَثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد؟ " يعني: هل كان في هذا المكان - ببُوانة- وثن من أوثان الجاهلية يُعبد، يعني: وأُزيل الآن. والوثن: كل ما عُبد من دون الله من حجر ومن شجر أو صورة أو قبر، أما الصنم فهو خاصٌّ بما كان على صورة. و"الجاهلية" المراد بها: ما كان قبل الإسلام. وقد زالتْ -بحمد الله- ببعثة النبي ﷺ ، لكن قد يبقى منها أشياء في بعض الناس، مثل قول النبي ﷺ لبعض أصحابه: "إنك امرؤ فيك جاهلية"، ومثل قوله ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية؛ الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب والاستقاء بالنجوم والنياحة على الميِّت". فقد يبقى من أعمال الجاهلية شيء في بعض المسلمين. أما الجاهلية العامة فقد زالتْ ببعثة النبي ﷺ ، لا كما يقول بعض الكُتّاب: (جاهلية القرن العشرين) ، أو (الجاهلية الحديثة) فلا يجوز مثل هذا التعبير لما فيه من التعميم. فهذا فيه: دليلٌ على أنّ الصنم ولو زال وأن الوثن ولو زال من المكان أنّ هذا المكان يُترك ولا يُذبح فيه، لأنه قال: "هل كان فيها؟ "، يعني: في الزمان الماضي؛ فدلّ على أنّ مكان الوثن يجب أن يُهجَر قال تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) ﴾ الرجز الأصنام وهجرها: تركها وترك المكان الذي كانت فيه.

стр. 174

قالوا: لا، قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ "، قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما. ــ ثم قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " العيد: اسم لِمَا يعود ويتكرّر من الزمان أو المكان. فالعيد الزماني مثل: عيد الفطر وعيد الأضحى. والعيد المكاني: وهو المكان الذي يجتمع الناس فيه للعبادة مثل: عرفة، ومزدلفة، ومنى، هذه أعياد للمسلمين المكانية والزمانية. والشاهد من هذا الحديث للباب في قوله ﷺ : "هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يُعبد ... فهل كان فيها عيد من أعيادهم" فدلّ على أنه لا يُذبح لله في مكان كان في السابق يُذبح فيه لغير الله، لأن هذا وسيلةٌ إلى الذبح لغير الله ، كالصلاة عند القبر، وكالدعاء عند القبر، كل الوسائل التي تُفضي إلى الشرك ممنوعة؛ وكإسراج القبور نهى عنه النبي ﷺ لأنه وسيلةٌ إلى الشرك، والبناء عنى القبور نهى عنه الرسول ﷺ لأنه وسيلة إلى الشرك؛ كل الوسائل التي تُفضي إلى الشرك نهى عنها ﷺ ، ومنها: الذبح لله في مكان يُذبح فيه لغير الله. وقوله: "أوف بنذرك" فيه دليل على وجوب الوفاء بالنذر إذا كان نذر طاعة. وقوله: "فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله" فيه تحريم الوفاء بنذر المعصية ومنه نذر الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله. فهذا الحديث يدلُّ على مسائل عظيمة: المسألة الأولى: أنّ الذبح عبادة لا تجوز لغير الله. المسألة الثانية: فيه: مشروعية الرجوع إلى أهل العلم وسؤال أهل العلم؛ لأن هذا الرجل لم يُقدِم على تنفيذ النذر إلاَّ بعد أن سأل النبي ﷺ . المسألة الثالثة: في الحديث دليل على مشروعية تثبُّت المفتي من حال السائل، ومقاصده قبل إصدار الفتوى؛ لأن الرسول ﷺ تثبّت قبل الفتوى؛ وبعض الناس يتسرّع في الفتوى مباشرة قبل أن يكمِّل السائل السؤال أو قبل أن يعرف مقصده. المسألة الرابعة: وهي الشاهد للباب: أنه لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله ، لأن هذا من وسائل الشرك.

стр. 175

المسألة الخامسة: فيه: خطورة الذبح لغير الله؛ لأنه إذا كان لا يُذبح لله في المكان الذي يُذبح فيه لغير الله فكيف بالذبح لغير الله؟. المسألة السادسة: فيه: وُجوب الوفاء بالنذر إذا كان نذر طاعة. المسألة السابعة: فيه: أنّ النذر إذا كان نذر معصية أو أنه لا يجوز الوفاء به أو في شيء لا يملكه الناذر فإنه لا يلزمه؛ وإنما اختلف العلماء: هل عليه كفّارة يمين أو لا؟، على قولين أرجحهما ليس عليه شيء. المسألة الثامنة: في الحديث: دليلٌ على تحريم نذر المعصية، كمن نذر أن يقتل فلاناً- أو نذر الذبح لغير الله، أو نذر الذبح في مكان يُذبح فيه لغير الله، وفيه: دليل على تحريم الوفاء بنذر المعصية.

стр. 176

[الباب الثاني عشر:] * باب من الشرك النذر لغير الله وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ . ــ قال الشيخ ﵀: "باب من الشرك النذر لغير الله" النذر في اللغة: التزام فعل الشيء. وفي الشرع: التزام مكلّف فعل طاعة لم تجب عليه بأصل الشرع. وهذا منهيٌّ عنه؛ لما فيه من إحراج الإنسان لنفسه، وتحميلها شيئاً قد يشق عليها، وكان قبل أن ينذر في سعة من أمره؛ إن شاء فعل هذه الطاعة المستحبة، وإن شاء لم يفعلها، فلمَّا نذر فِعْلها لزمَتْه. والدليل على أن الوفاء بنذر الطاعة عبادة: أن الله سبحانه ذكر أن من صفات الأبرار: أنهم ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ، وأمر بالوفاء به بقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ، وقال النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه". وإذا كان كذلك فهو من أنواع العبادة، لأن العبادة كما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة"، فكل أنواع الطاعات التي أمر الله بها، أو أمر بها رسوله ﷺ ومنها الوفاء بالنذر عبادة، فمن صرف شيئاً من هذه الأنواع لغير الله صار مشركاً الشرك الأكبر الذي يُخرجه من المَلَّة. والشيخ ﵀ في هذه الأبواب إنما يحكي أنواعاً تقع من بعض الناس وهي من الشرك، يريد أن يحذر المسلمين منها، ومن ذلك: النذر لغير الله من الجن، أو الأولياء والصالحين، أو أصحاب القبور، وهذا عبادة لغير الله فهو شرك، وهذا واقع في هذه الأمة بكثرة، من حين وُجدت الأضرحة، وبُنيت على القبور، وصار كثير من الناس يتجهون إليها، لأنهم قيل لهم: إن هذه القبور فيها بركة، وفيها نفع، وفيها دفع ضرر، وإنها مجرَّبة، فمن نذر للقبر الفلاني، أو للشيخ الفلاني، فإنه يحصل له مقصوده، إن كان مريضاً يُشفى، وإن كانت امرأة تريد الحمل فإنها إذا نذرت للشيخ الفلاني أو للقبر الفلاني تحمل، وإذا حصل بالناس تأخر مطر ونذروا لهذه القبور نزل المطر، إلى غير ذلك من المُغْريات.

стр. 177

وقد يفعلون هذا ويحصل لهم مقصودهم ابتلاءً وامتحاناً من الله ، أو أن هذا يصادف قضاءً وقدراً فيحصل، ويظنوا أنه بسبب النذر لهذا الميت أو لهذا القبر أو هذا الوليّ- بزعمهم-. وحصول المقصود لا يدل على جواز الفعل، فيجب أن يُتنبّه لهذه الشبهة، لأنهم أهلكوا بها كثيراً من الناس، يقولون: القبر الفلاني مجرَّب، إذا فعل الإنسان عنده نذراً أو ذبح ذبيحة يحصل له مقصوده، فبذلك انصرفت قلوب كثير من العوام والجُهَّال، أو حتى بعض من العلماء غير المحقِّقين إلى فعل هذا، والنبي ﷺ يقول: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين"، فالخطر شديد من هذه الأمور، لأنها كثُرت في الأمة، بسبب وجود هذه الأوثان التي يسمونها الأضرحة: ضريح السِتِّ نفيسة، ضريح البدوي، ضريح لفلان، صُرفت لها العبادات، من نذور، وذبح لغير الله، وتبرّك بها، وطواف بها، ودعاء عندها، إلى غير ذلك، أو استغاثة بها من دون الله ، يدعونها: المدد يا فلان، المدد يا سيّدي فلان، أو يا رسول الله، أو يا عليّ، أو يا أي شخص ينادونه، حتى في حالة الشدائد التي كان المشركون الأولون يُخلصون فيها الدعاء لله، هؤلاء كلما اشتد بهم الكَرْب زاد شركهم، فصاروا يستغيثون بالأولياء، فالسفينة- أو المركب- إذا كرق في البحر- أو أشفى على الغرق- صاروا ينادون عليًّا، أو فلاناً، أو فلاناً؛ أدركنا، المدد يا فلان، ولا يقولون: يا الله، مع أن المشركين الأوّلين إذا مسّهم الضر في البحر ضل من يدعون إلاَّ الله ، فينادون الله، ويُخلصون له الدين، فإذا أنجاهم إلى البر عادوا إلى الشرك. والنذر على قسمين. نذر طاعة، ونذر معصية. فنذر الطاعة مثل: الاعتكاف في المسجد الحرام، أو الصلاة في المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى، أو المسجد النبوي أو غيرها من المساجد ينذر أن يصلي في أحد المساجد الثلاثة، ويسافر إليه من أجل ذلك، هذا نذر طاعة، وهو في الأصل غير واجب، لكن لما نذره وجب عليه بنذره، والدخول في النذر ابتداءً غير مرغّب فيه، والنبي ﷺ نهى عن النذر، قال: "لا تنذروا، فإن النذر لا يأتي

стр. 178

وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ . ــ بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل"، وذلك لأن الإنسان في سَعَة في أمور الطاعة غير الواجبة، إن شاء فعلها وله أجر، وإن شاء تركها ولا حرج عليه، والله لا يحب لنا أن نكلف أنفسنا شيئاً لم يوجبه علينا: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، وإدخال الإنسان نفسه في نذر غير واجب عليه في الأصل، قد يعجز، وقد يشق عليه، وعلى هذا تُنزَّل الأدلة التي تمدح الذين يوفون بالنذر، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) ﴾ هذا مدح لهم، بعد أن ينذروا، ليس مدحاً للدخول في النذر، وإنما هو مدح للوفاء به بعد لزومه، فالإنسان إذا التزم شيئاً لله من الطاعة وجب عليه الوفاء، قال ﷺ : "اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء". ونذر الطاعة دَين في ذمة المسلم؛ يجب عليه الوفاء به، ومن هنا مدحهم الله. فوجه الاستدلال من الآية الكريمة على أن النذر لغير الله شرك: لأنها دلّت على أن النذر عبادة، لأن الله مدح الموفين به، وإذا كان عبادة فصرفه لغير الله شرك. وفي الآية الثانية من سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولازم ذلك: أن يجازيكم عليه، وهذا من باب الحث على الوفاء بالنذر. ووجه الاستدلال من الآية الكريمة من وجهين: الوجه الأول: أن الله قرن النذر بالنفقة، والنفقة في سبيل الله طاعة، فدلّ على أن النذر طاعة. الوجه الثاني: قوله: " ﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ " وهذا من باب الحث على النفقة، وعلى الوفاء بالنذر؛ فدلّ على أنه طاعة، وإذا كان النذر طاعة، فإن صرفه لغير الله شرك. هذا وجه استدلال المصنّف ﵀.

стр. 179

وفي الصحيح: عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ــ قال: "وفي الصحيح عن عائشة ﵂" عائشة هي أم المؤمنين، بنت أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنها-، عقد عليها رسول الله ﷺ وهي في سن السابعة، ودخل بها وهي في سن التاسعة. وهذا فيه دليل على جواز تزويج الصغيرة وإن لم يكن لها إذن، لأنها في سن السابعة ليسن لها إذن، ولكن وليّها يقوم مقامها إذا رأى المصلحة أن يزوّجها وهي صغيرة، بأن يزوجها من رجل صالح، أو من عالم تقي، لأن لها مصلحة في ذلك، كما زوّج الصدِّيق رسول الله هذه الطفلة الصغيرة التي هي في سن السابعة، وهي في هذا السن ليس لها إذن، لكن وليّها يقوم مقامها إذا رأى المصلحة. كما أن فيه دليلاً على تزوج الكبير بالشابة، والآن ينادون ويحذّرون منه، ويشنِّعون على تزويج الكبير، ويعتبرونه جريمة، ووحشيّة، ويندّدون بمن فعله في الصحف والمجلاّت ووسائل الإعلام، بل ربما في الخطب والمحاضرات، وهذا الرسول ﷺ سيّد الخلق تزوّج عائشة وهو في سن الخمسين تقريباً، وهي في سن السابعة، فدلّ على أنه لا بأس به، بل يرغب في تزويج الكبير من الشابّة إذا كانت المصلحة في ذلك، وأن هذه سنة نبويّة، فمن أنكر تزويج الكبير من الشابّة فإنه يُنكر سنة نبويّة، هذا إذا كانت المصلحة في ذلك. أما إذا لم يكن هناك مصلحة، وإنما هو استغلال من وليّ هذه الطفلة من أجل أن يأكل مهرها، ومن أجل أن يستغل تزويجها، وهي ليس لها مصلحة؛ فهذا لا يجوز. إنما نقول: إذا كانت المصلحة في ذلك فلا حرج في تزويج الكبير من الشابة، إذا كان في ذلك مصلحة وخير، وأن هذا من سنة الرسول ﷺ . وكانت ﵂ أفضل نساء النبي ﷺ ما عدا خديجة ﵂، فهناك خلاف: هل خديجة أفضل من عائشة؟، أو عائشة أفضل من خديجة؟. من العلماء من قال: بأن خديجة أفضل من عائشة، ومنهم من كال:. عائشة أفضل من خديجة. والحقيقة أن لكل منهما فضائل لا تشاركها فيها الأخرى، لعائشة فضائل لا تشاركها فيها خديجة، ولخديجة فضائل لا تشاركها فيها عائشة. والإجماع

стр. 180

"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصِه". ــ على أن خديجة وعائشة أفضل نساء النبي ﷺ ، إنما الخلاف في أيِّهما أفضل. وكانت عائشة فقيهة من فقهاء الصحابة، وكانت راوية للأحاديث عن الرسول ﷺ ، وكان كبار الصحابة يرجعون إليها في الرّواية والفتوى،- رضي الله تعالى عنها وأرضاها-، فهي عالمة فقيهة، وهي أم المؤمنين، وهي بنت الصديق الذي هو أفضل الصحابة، فلها فضائل- رضي الله تعالى عنها-، ولها مزايا. وقد روت "أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" الحديث صريح في أن النذر يكون طاعة، وإذا كان طاعة فهو عبادة، وإذا كان عبادة، فصرفه لغير الله شرك أكبر. هذا وجه استدلال المصنف ﵀ بهذا الحديث للباب. فقوله: "من نذر أن يطيع الله" بصلاة، بصيام، بحج، بعمرة، بصدقة، باعتكاف، أو بغير ذلك من أنواع الطاعات. "فليطعه" بفعل هذا النذر. فدلّ هذا على أن النذر عبادة، وعلى أنه يجب الوفاء به، لأنه دَين لله في ذمة الناذر. "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" كان نذر أن يقطع رحمه، وأن لا يصل أباه أو أمه أو أخاه. فهذا نذر معصية لا يجوز له الوفاء به، أو نذر أن يقتل فلاناً؛ فهذا لا يجوز الوفاء به لأنه معصية، لأن القتل بغير حق معصية كبيرة، فلا يجوز الوفاء به، أو نذر أن يترك الصلاة، أو أن يشرب الخمر. كل هذه نذور معصية، سواء كانت المعصية بترك واجب أو بفعل محرّم، من نذر ذلك فإنه لا يجوز له الوفاء بهذا النذر، لأنه معصية لله. ومن ذلك- بل أولى-: إذا نذر للقبور، لأن النذر للقبور شرك وهو من أعظم المعاصي، فلا يجوز له الوفاء به كما إذا نذر أن يذبح للبدوي، أن يذبح لأيّ ضريح من الأضرحة، أو أن يذبح للجن، أو أن يذبح للأولياء والصالحين يرجو نفعهم أو دفع الضرر عنه بالذبح لهم؛ فهذا من أعظم أنواع المعصية، ويدخل في قوله: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، لأن المعصية قد تكون شركاً، وقد تكون دون ذلك.
следующие страницы →