Полный текст (705 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
[الباب الثاني عشر:] * باب من الشرك النذر لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ .
ــ
قال الشيخ ﵀: "باب من الشرك النذر لغير الله" النذر في اللغة: التزام فعل الشيء. وفي الشرع: التزام مكلّف فعل طاعة لم تجب عليه بأصل الشرع. وهذا منهيٌّ عنه؛ لما فيه من إحراج الإنسان لنفسه، وتحميلها شيئاً قد يشق عليها، وكان قبل أن ينذر في سعة من أمره؛ إن شاء فعل هذه الطاعة المستحبة، وإن شاء لم يفعلها، فلمَّا نذر فِعْلها لزمَتْه.
والدليل على أن الوفاء بنذر الطاعة عبادة: أن الله سبحانه ذكر أن من صفات الأبرار: أنهم ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ، وأمر بالوفاء به بقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ، وقال النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه".
وإذا كان كذلك فهو من أنواع العبادة، لأن العبادة كما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة"، فكل أنواع الطاعات التي أمر الله بها، أو أمر بها رسوله ﷺ ومنها الوفاء بالنذر عبادة، فمن صرف شيئاً من هذه الأنواع لغير الله صار مشركاً الشرك الأكبر الذي يُخرجه من المَلَّة.
والشيخ ﵀ في هذه الأبواب إنما يحكي أنواعاً تقع من بعض الناس وهي من الشرك، يريد أن يحذر المسلمين منها، ومن ذلك: النذر لغير الله من الجن، أو الأولياء والصالحين، أو أصحاب القبور، وهذا عبادة لغير الله فهو شرك، وهذا واقع في هذه الأمة بكثرة، من حين وُجدت الأضرحة، وبُنيت على القبور، وصار كثير من الناس يتجهون إليها، لأنهم قيل لهم: إن هذه القبور فيها بركة، وفيها نفع، وفيها دفع ضرر، وإنها مجرَّبة، فمن نذر للقبر الفلاني، أو للشيخ الفلاني، فإنه يحصل له مقصوده، إن كان مريضاً يُشفى، وإن كانت امرأة تريد الحمل فإنها إذا نذرت للشيخ الفلاني أو للقبر الفلاني تحمل، وإذا حصل بالناس تأخر مطر ونذروا لهذه القبور نزل المطر، إلى غير ذلك من المُغْريات.
стр. 177
وقد يفعلون هذا ويحصل لهم مقصودهم ابتلاءً وامتحاناً من الله ، أو أن هذا يصادف قضاءً وقدراً فيحصل، ويظنوا أنه بسبب النذر لهذا الميت أو لهذا القبر أو هذا الوليّ- بزعمهم-.
وحصول المقصود لا يدل على جواز الفعل، فيجب أن يُتنبّه لهذه الشبهة، لأنهم أهلكوا بها كثيراً من الناس، يقولون: القبر الفلاني مجرَّب، إذا فعل الإنسان عنده نذراً أو ذبح ذبيحة يحصل له مقصوده، فبذلك انصرفت قلوب كثير من العوام والجُهَّال، أو حتى بعض من العلماء غير المحقِّقين إلى فعل هذا، والنبي ﷺ يقول: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين"، فالخطر شديد من هذه الأمور، لأنها كثُرت في الأمة، بسبب وجود هذه الأوثان التي يسمونها الأضرحة: ضريح السِتِّ نفيسة، ضريح البدوي، ضريح لفلان، صُرفت لها العبادات، من نذور، وذبح لغير الله، وتبرّك بها، وطواف بها، ودعاء عندها، إلى غير ذلك، أو استغاثة بها من دون الله ، يدعونها: المدد يا فلان، المدد يا سيّدي فلان، أو يا رسول الله، أو يا عليّ، أو يا أي شخص ينادونه، حتى في حالة الشدائد التي كان المشركون الأولون يُخلصون فيها الدعاء لله، هؤلاء كلما اشتد بهم الكَرْب زاد شركهم، فصاروا يستغيثون بالأولياء، فالسفينة- أو المركب- إذا كرق في البحر- أو أشفى على الغرق- صاروا ينادون عليًّا، أو فلاناً، أو فلاناً؛ أدركنا، المدد يا فلان، ولا يقولون: يا الله، مع أن المشركين الأوّلين إذا مسّهم الضر في البحر ضل من يدعون إلاَّ الله ، فينادون الله، ويُخلصون له الدين، فإذا أنجاهم إلى البر عادوا إلى الشرك.
والنذر على قسمين. نذر طاعة، ونذر معصية.
فنذر الطاعة مثل: الاعتكاف في المسجد الحرام، أو الصلاة في المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى، أو المسجد النبوي أو غيرها من المساجد ينذر أن يصلي في أحد المساجد الثلاثة، ويسافر إليه من أجل ذلك، هذا نذر طاعة، وهو في الأصل غير واجب، لكن لما نذره وجب عليه بنذره، والدخول في النذر ابتداءً غير مرغّب فيه، والنبي ﷺ نهى عن النذر، قال: "لا تنذروا، فإن النذر لا يأتي
стр. 178
وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ .
ــ
بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل"، وذلك لأن الإنسان في سَعَة في أمور الطاعة غير الواجبة، إن شاء فعلها وله أجر، وإن شاء تركها ولا حرج عليه، والله لا يحب لنا أن نكلف أنفسنا شيئاً لم يوجبه علينا: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، وإدخال الإنسان نفسه في نذر غير واجب عليه في الأصل، قد يعجز، وقد يشق عليه، وعلى هذا تُنزَّل الأدلة التي تمدح الذين يوفون بالنذر، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) ﴾ هذا مدح لهم، بعد أن ينذروا، ليس مدحاً للدخول في النذر، وإنما هو مدح للوفاء به بعد لزومه، فالإنسان إذا التزم شيئاً لله من الطاعة وجب عليه الوفاء، قال ﷺ : "اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء".
ونذر الطاعة دَين في ذمة المسلم؛ يجب عليه الوفاء به، ومن هنا مدحهم الله.
فوجه الاستدلال من الآية الكريمة على أن النذر لغير الله شرك: لأنها دلّت على أن النذر عبادة، لأن الله مدح الموفين به، وإذا كان عبادة فصرفه لغير الله شرك.
وفي الآية الثانية من سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولازم ذلك: أن يجازيكم عليه، وهذا من باب الحث على الوفاء بالنذر.
ووجه الاستدلال من الآية الكريمة من وجهين:
الوجه الأول: أن الله قرن النذر بالنفقة، والنفقة في سبيل الله طاعة، فدلّ على أن النذر طاعة.
الوجه الثاني: قوله: " ﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ " وهذا من باب الحث على النفقة، وعلى الوفاء بالنذر؛ فدلّ على أنه طاعة، وإذا كان النذر طاعة، فإن صرفه لغير الله شرك. هذا وجه استدلال المصنّف ﵀.
стр. 179
وفي الصحيح: عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال:
ــ
قال: "وفي الصحيح عن عائشة ﵂" عائشة هي أم المؤمنين، بنت أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنها-، عقد عليها رسول الله ﷺ وهي في سن السابعة، ودخل بها وهي في سن التاسعة.
وهذا فيه دليل على جواز تزويج الصغيرة وإن لم يكن لها إذن، لأنها في سن السابعة ليسن لها إذن، ولكن وليّها يقوم مقامها إذا رأى المصلحة أن يزوّجها وهي صغيرة، بأن يزوجها من رجل صالح، أو من عالم تقي، لأن لها مصلحة في ذلك، كما زوّج الصدِّيق رسول الله هذه الطفلة الصغيرة التي هي في سن السابعة، وهي في هذا السن ليس لها إذن، لكن وليّها يقوم مقامها إذا رأى المصلحة.
كما أن فيه دليلاً على تزوج الكبير بالشابة، والآن ينادون ويحذّرون منه، ويشنِّعون على تزويج الكبير، ويعتبرونه جريمة، ووحشيّة، ويندّدون بمن فعله في الصحف والمجلاّت ووسائل الإعلام، بل ربما في الخطب والمحاضرات، وهذا الرسول ﷺ سيّد الخلق تزوّج عائشة وهو في سن الخمسين تقريباً، وهي في سن السابعة، فدلّ على أنه لا بأس به، بل يرغب في تزويج الكبير من الشابّة إذا كانت المصلحة في ذلك، وأن هذه سنة نبويّة، فمن أنكر تزويج الكبير من الشابّة فإنه يُنكر سنة نبويّة، هذا إذا كانت المصلحة في ذلك.
أما إذا لم يكن هناك مصلحة، وإنما هو استغلال من وليّ هذه الطفلة من أجل أن يأكل مهرها، ومن أجل أن يستغل تزويجها، وهي ليس لها مصلحة؛ فهذا لا يجوز.
إنما نقول: إذا كانت المصلحة في ذلك فلا حرج في تزويج الكبير من الشابة، إذا كان في ذلك مصلحة وخير، وأن هذا من سنة الرسول ﷺ .
وكانت ﵂ أفضل نساء النبي ﷺ ما عدا خديجة ﵂، فهناك خلاف: هل خديجة أفضل من عائشة؟، أو عائشة أفضل من خديجة؟.
من العلماء من قال: بأن خديجة أفضل من عائشة، ومنهم من كال:. عائشة أفضل من خديجة. والحقيقة أن لكل منهما فضائل لا تشاركها فيها الأخرى، لعائشة فضائل لا تشاركها فيها خديجة، ولخديجة فضائل لا تشاركها فيها عائشة. والإجماع
стр. 180
"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصِه".
ــ
على أن خديجة وعائشة أفضل نساء النبي ﷺ ، إنما الخلاف في أيِّهما أفضل.
وكانت عائشة فقيهة من فقهاء الصحابة، وكانت راوية للأحاديث عن الرسول ﷺ ، وكان كبار الصحابة يرجعون إليها في الرّواية والفتوى،- رضي الله تعالى عنها وأرضاها-، فهي عالمة فقيهة، وهي أم المؤمنين، وهي بنت الصديق الذي هو أفضل الصحابة، فلها فضائل- رضي الله تعالى عنها-، ولها مزايا.
وقد روت "أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" الحديث صريح في أن النذر يكون طاعة، وإذا كان طاعة فهو عبادة، وإذا كان عبادة، فصرفه لغير الله شرك أكبر.
هذا وجه استدلال المصنف ﵀ بهذا الحديث للباب.
فقوله: "من نذر أن يطيع الله" بصلاة، بصيام، بحج، بعمرة، بصدقة، باعتكاف، أو بغير ذلك من أنواع الطاعات.
"فليطعه" بفعل هذا النذر.
فدلّ هذا على أن النذر عبادة، وعلى أنه يجب الوفاء به، لأنه دَين لله في ذمة الناذر.
"ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" كان نذر أن يقطع رحمه، وأن لا يصل أباه أو أمه أو أخاه. فهذا نذر معصية لا يجوز له الوفاء به، أو نذر أن يقتل فلاناً؛ فهذا لا يجوز الوفاء به لأنه معصية، لأن القتل بغير حق معصية كبيرة، فلا يجوز الوفاء به، أو نذر أن يترك الصلاة، أو أن يشرب الخمر. كل هذه نذور معصية، سواء كانت المعصية بترك واجب أو بفعل محرّم، من نذر ذلك فإنه لا يجوز له الوفاء بهذا النذر، لأنه معصية لله.
ومن ذلك- بل أولى-: إذا نذر للقبور، لأن النذر للقبور شرك وهو من أعظم المعاصي، فلا يجوز له الوفاء به كما إذا نذر أن يذبح للبدوي، أن يذبح لأيّ ضريح من الأضرحة، أو أن يذبح للجن، أو أن يذبح للأولياء والصالحين يرجو نفعهم أو دفع الضرر عنه بالذبح لهم؛ فهذا من أعظم أنواع المعصية، ويدخل في قوله: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، لأن المعصية قد تكون شركاً، وقد تكون دون ذلك.
стр. 181
فالحديث إذاً دليل على أن النذر عبادة، وأنه إذا نذر عبادة وجب عليه الوفاء بها، ولو صرفها لغير الله صار مشركاً، وعلى أنه لو نذر فعل الشرك، فإنه لا يجوز له الوفاء به، وكذلك إذا نذر المعصية التي هي دون الشرك، لا يجوز له الوفاء بنذر المعصية، وهذا محل إجماع: أنه لا يجوز له الوفاء بنذر المعصية، ولكن اختلفوا: هل تجب عليه كفّارة يمين أو لا تجب؟، من العلماء من رأى أنه تجب عليه كفّارة يمين بدل النذر، ومنهم من يرى أنه لا يجب عليه كفّارة يمين، نظراً لأن نذر المعصية غير مُنْعَقِد أصلاً، فليس فيه كفّارة يمين. ولأن النبي ﷺ في هذا الحديث نهى عن فعله ولم يأمر بالكفارة.
وعلى كل حال؛ تبيّن لنا من خلال هذه الآيات الكريمة وهذا الحديث أن النذر عبادة، وإذا كان عبادة فصرفه لغير الله شرك.
فما يفعله عُبّاد القبور، والمتصوّفة، والمخرِّفون، من هذه النذور التي تقدّم للقبور، أو تقدّم للجن والشياطين، أو حتى للأولياء والصالحين، أنها عبادة لغير الله ، وشرك بالله ، فلا يجوز عملها، ويجب المنع منها، والتحذير منها، وأن هذه النذور باطلة، لا يجوز له الوفاء بها، فإن وَفَى بها ونفّذها صار مشركاً بالله الشرك الأكبر، فيجب عليه أن يتوب وأن يدخل في الإسلام من جديد. فهذا في النذر الواحد، فكيف بالذي أفنى عمره بالنذور، وضيع ماله بالنذور، كلما أحسَّ بشيء، أو خاف من شيء صار يَنْذُر للأولياء والصالحين؟!. فالمسألة خطيرة جداً.
ولكن مهما عمل الإنسان من الشرك والكفر إذا تاب، تاب الله عليه، ولو أفنى عمره في الشرك والكفر ثم تاب توبة صحيحة تاب الله عليه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ فلو أن هؤلاء القبوريّين تابوا إلى الله لتاب الله عليهم.
стр. 182
[الباب الثالث عشر:] * بابٌ من الشرك الاستعاذة بغير الله
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (٦) ﴾ .
ــ
وهذا كالأبواب التي قبله في بيان أنواع الشرك التي يمارسها بعض الناس في مختلف الأزمان، ولا تزال تُمارس عند كثير من الناس.
والاستعاذة معناها: الاعتصام والالتجاء إلى الله في دفع المكروه والشرور.
وهو نوع من أنواع العبادة، لأن دفع الضرر، ودفع الشرور لا يقدر عليه إلا الله ، فكل ما لا يقدر عليه إلاَّ الله فإنه لا يُطلب إلاَّ من الله، فإن طُلب من غيره كان ذلك شركاً، هذا وجه كون الاستعاذة بغير الله من الشرك، لأن الاستعاذة عبادة، وصرف العبادة لغير الله شرك، لماذا كانت عبادة؟، لأنها طلب دفع الضرر الذي لا يقدر على دفعه إلاَّ الله، وطلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله من غير الله شرك، ولأن الله تعالى أمر بالاستعاذة به دون غيره، قال تعالى في آيات من القرآن: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) ﴾ ، وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) ﴾ ، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) ﴾ ، كما أنه سبحانه بيّن أن الاستعاذة بغيره من الشرك وذلك في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (٦) ﴾ ، وفي سورة الأنعام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ، ففي هذه الآيات ما يبيّن أن الله أمر بالاستعاذة به وحده، ومنع من الاستعاذة بغيره، فدلّ على أن الاستعاذة عبادة، لا يجوز أن تُصرف لغير الله .
قال الشيخ ﵀: "وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (٦) ﴾ " هذه من جُملة الانتقادات التي انتقدها الجن الذين استمعوا للقرآن
стр. 183
وآمنوا به، انتقدوها على قومهم من الجن، كما في قوله تعالى في أول السورة: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) ﴾ ، وبعد ما نزّهوا الله عن الشرك، وتبرءوا منه، جعلوا ينتقدون أقوامهم وما يفعلونه مما يخالف التّوحيد، ولهذا قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطاً (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً (٧) ﴾ إلى آخر السورة، وذلك أن النبي ﷺ لما خرج إلى أهل الطائف يدعوهم إلى الله ، فردُّوه ردًّا قبيحاً، وأَغْرَوْ عبيدهم وسفهاءهم يرجمونه بالحجارة ﵊ رجع إلى مكة، وقد خرج من مكة على حالة شديدة: مات عمه الذي كان يدافع عنه، وماتت زوجته خديجة التي كانت تُؤَنِّسه، وكانت له نِعْم المعين على دعوته، ثم لما خرج إلى الطائف أُصيب بهذا الرد القبيح، اشتدت به الحال ﷺ جدًّا، وبينما هو كذلك يسّر الله له من الجن من استمع إلى القرآن وآمن به، وذلك أنه لما رجع من الطائف، وبلغ وادي نَخْلَة - بين مكة والطائف-، قام يصلي الفجر ويقرأ القرآن، واستمع له الجن، فأُعجبوا بالقرآن- كما في هذه السورة، وفي سورة الأحقاف-: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ يعني: بعد التوراة، ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) ﴾ ، وفي سورة الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ ، فهذا فيه فرج من الله لنبيه، وتسلية لنبيه، وأن الله يقيِّض له من يتبعه ويؤمن به، لأنه مبعوث إلى الإنس والجن.
" ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ﴾ " الإنس: بنو آدم.
" ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ " الجن المُراد بهم: عالم من عالم الغيب، يعيشون معنا في هذه الأرض، وهم مكلّفون، مأمورون بطاعة الله، ومَنْهِيُّون عن معصية الله، مثل الإنس، لكننا لا نراهم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ يعني: إبليس ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾
стр. 184
يعني: جماعته من الجن ﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ، فهم يروننا ونحن لا نراهم، وقد يتصوّرون بصور متشكّلة، ويتصوّرون بصور حيّات، وبصور حيوانات، وبصور آدميين، أعطاهم الله القُدرة على ذلك، وهم عالم مخلوق من نار، والإنس خُلقوا من الطين، كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) ﴾ يعني: من الطين، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) ﴾ الجان: جمع جنِّي، سُمُّوا بالجن لاجتنانهم أي: استتارهم عن الأنظار، ومنه سُمِّي الجَنين في بطن أمه لأنه لا يُرى، فهو مُجْتَنّ في بطن أمه، ومنه المِجن الذي يتّخذ في الحرب يتوقّى به المقاتل سهام العدو، سُمِّي مِجَنًّا لأنه يُجِنُّه من السهام، ومنه قوله ﷺ : "الصوم جُنّة" بمعنى: أنه ساتر بين العبد وبين المعاصي، يستتر به من المعاصي، ومن كيد الشيطان، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً﴾ ﴿جَنَّ عَلَيْهِ﴾ يعني: غطّاه ظلام الليل.
فالحاصل؛ أن الجن عالم خفي، لا نراهم، وهم يعيشون معنا، وهم مكلّفون كما كُلِّفنا بالأوامر والنواهي.
والإيمان بوجودهم من الإيمان بالقلب، تصديقاً لخبر الله ، وخبر رسوله ﷺ ، فوجود الجن ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ومن جحد وجود الجن فهو كافر، لأنه مكذِّب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، وهل كل ما لا يراه الإنسان يُنكر؟.
وقد ظهرت طائفة من جهلة الأطباء- كما يقول الإمام ابن القيّم-، وكذلك من بعض المفكِّرين والكُتّاب المنتسبين للإسلام؛ ينكرون وجود الجن، لأنهم لا يؤمنون إلاَّ بما تقرّه عقولهم، وعقولهم لا تتّسع للتصديق بهذه المغيّبات، وكذلك الجن يمسُّون الإنس ويخالطونهم ويصرعونهم، وهذا شيء ثابت، لكن من جَهَلَة الناس من يُنكر صَرْع الجن للإنس، وهذا لا يَكْفُر، لأن هذه مسألة خفيّة، ولكنه يُخطّأ، فالذي يُنكر مسّ الجن للإنس لا يُكَفَّر، ولكن يضلّل، لأنه يُكذِّب بشيء ثابت، أما الذي يُنكر وجودهم أصلاً فهذا كافر، فقوله تعالى: " ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ " أي: يلتجئون إليهم ليدفعوا عنهم الشرور.
" ﴿فَزَادُوهُمْ﴾ " زاد الجن الإنس، " ﴿رَهَقاً﴾ " أي: خوفاً، فالجن تسلّطوا على
стр. 185
وعن خَوْلَة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات التّامّات من شر ما خلق؛ لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" رواه مسلم.
ــ
الإنس لمّا رأوهم يعوذون بهم، وزادوهم خوفاً وقلقاً، وأُعجبوا بأنفسهم، وقالوا: إننا أَخَفْنا الإنس، وصاروا يستعيذون بنا.
وسبب نزول هذه الآية: أن العرب كانوا في الجاهلية إذا نزلوا منزلاً قال أحدهم: أعوذ بسيّد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ .
فهذه عقيدة جاهليّة، أبطلها الله بالأمر بالاستعاذة به وحده لا شريك له، وذلك في قوله: "عن خَوْلَة بنت حكيم"- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: "من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامّات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" رواه مسلم.
هذه هي الاستعاذة الشرعية البديلة من الاستعاذة الشركية.
فقوله: "أعوذ بكلمات الله التّامّات من شر ما خلق" كلمات الله: المُراد. بها: كلامه المنزّل على رسوله ﷺ . والاستعاذة بالقرآن مشروعة، لأن القرآن كلام الله، فالاستعاذة بالقرآن استعاذة بصفة من صفات الله، وهي الكلام، وليست استعاذة بمخلوق.
واستدلّ أهل السنّة والجماعة بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق، لأنه لا تجوز الاستعاذة بالمخلوق، فلو كان القرآن مخلوقاً- كما تقوله الجهمية والمعتزلة- لصار هذا من الاستعاذة بالمخلوق، وهي شرك، كما دلّ هذا الحديث على مشروعية الاستعاذة بالله ، وترك الاستعاذة بغيره .
وقوله: "التّامّات" أي: الصادقات العادلات، التي لا يتطرّق إليها نقص، لأن كلام الله كامل، لأن الله جل وعلا كامل وصفاته كاملة، وكلامه كامل لا يتطرّق إليه النقص: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ﴾ ، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) ﴾ .
стр. 186
فكلمات الله تامّة، لا يتطرّق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولذلك كان القرآن الكريم كاملاً، لا يتطرّق إليه نقص، واف بحوائج الناس، والحكم فيما بينهم، وإزالة الشكوك والشرك والكفر والإلحاد، وبيان الأحكام والعدل بين الناس، كل هذا في القرآن، لأنه كلام الله ، وفضل كلام الله على كلام غيره كفضل الله على خلقه.
فالحاصل؛ أن الكتاب والسنّة قد دلاّ على أن الاستعاذة عبادة، وما دام أنها عبادة، فالاستعاذة بغير الله تكون شركاً أكبر يَخرج به صاحبه من الملّة، فالذي يستعيذ بالجن أو بالشياطين يكون كافراً الكفر الأكبر، مشركاً بالله ، كالذين يكتبون الحُجُب والطلاسم، ويستعيذون بالشياطين وبِمَرَدَة الجن، ويكتبون أسماء الشياطين في كتاباتهم، وفي طلاسمهم، وكذلك الذين ينادون الجن عند الشدّة وعند الخوف هذا- أيضاً- كله من الشرك الأكبر لأنه استعاذة بغير الله ، ومن هذا -أيضاً- من يستعين بالجن عندما يتخاصم مع أحد فيقول: يا جن خذوه، افعلوا به كذا وكذا. وهذا شرك بالله إذا كان يقصد الاستعانة بهم، وكذلك الذي يعالج الناس بالاستعانة بالجن وسؤالهم عن المرض أو عن الذي سحر المريض.
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ ، قال العلماء في تفسير هذه الآية: "استمتاع الإنس بالجن: أنهم يستعيذون بهم مما يكرهون، ويطلبون منهم ما يريدون، فالجن تخدمهم، وتحضّر لهم الغائب والبعيد، وتقضي بعض حوائجهم، لأن هناك أشياء لا يقدر عليها الإنس، فهم يستعيذون بالجن، ويستمتعون بالجن، بمعنى: أن الإنس يستخدمون الجن في بعض أمورهم، هذا استمتاع الإنس بالجن.
واستمتاع الجن بالإنس: أن الإنس يخضعون لهم ويعظمونهم ويجلّونهم، ففي هذا استمتاع للجن بالإنس، فكل من الفريقين استمتع بالآخر، هذا استمتع بحصول حوائجه، وهذا استمتع بتعظيمه، وصرفه هذا الإنسي إلى الكفر بدل الإيمان.
فدلّ على أن الاستعانة بالجن شرك أكبر، ولو سميت بغير الشرك، لو سميت: بالاستخدام، أو الزار، أو ما أشبه ذلك من الأسماء.
стр. 187
فالواجب أن الإنس يتوبون إلى الله من ممارسة هذه الأعمال مع الجن.
والواجب على الجن: أن يتوبوا إلى الله من إضلال الإنس وإغوائهم، لأن الكُل عباد من عباد الله، يجب عليهم مخافة الله وخشيته والرغبة إليه، وطاعته، وطاعة رسله، وترك ما حرّم الله.
وقد تلاعب بعض الأشرار من الإنس بعقائد الناس، وبأكله لأموالهم، وشعوذته عليهم، ولاسيما عند البوادي والقرى البعيدة عن حضور مجالس الذكر، فإن هذا يكثر كلما كثر الجهل، وحقيقة هذا أنه عَمِيل للجن، وأنه مشرك بالله ، ولا يقتصر شره على نفسه، بل يضلِّل الناس، ويُفسد عقائد الناس، ويأتي إليه الناس ويسألونه، ويُخبرهم بالمغيّبات، أو يأمرهم بالذبح لغير الله، أو غير ذلك من أنواع الشرك.
فهذه مسألة خطيرة، يجب على أهل العلم وعلى الدعاة إلى الله أن يبيّنوها للناس، وأن يتجوّلوا في القرى، وفي البوادي، ويوضِّحوا هذا الأمر للناس، لأنهم - والله أمانة في أعناق طلبة العلم، وفي أعناق الدعاة-، هذا هو المطلوب.
أما أنك تتكلّم أمام الناس عن قضايا السياسة ونحوها؛ فهذه ما فائدة الناس منها؟، ما فائدة البدو في الصحراء، أو الناس في القرية، ما فائدتهم من هذه الأمور؟، وهم واقعون في الشرك، أو يجهلون قراءة الفاتحة التي هي ركن من أركان الصلاة؟!، يجب علينا أن نتقي الله ، وأن نعلم أن منهج الرسول ﷺ : دعوة، وتعليم، وإرشاد، وتوجيه فيما ينفع الناس، وأيضاً معالجة ما وقع فيه الناس في بلدهم وفي أنفسهم. أما أنك تجلب لهم مشاكل من بعيد، وتريد منهم أن يعالجوا قضية أمريكا، أو قضية الجزائر، أو قضية السودان؟، وهم مساكين، ما بيديهم شيء، وأيضاً هم واقعون فيما هو أخطر من ذلك وهو الجهل وفساد العقيدة، لماذا لا تعالج هذا الأمر؟.
وأنا ليس غرضي بهذا الكلام أن أتنقّص أحداً، لا والله، ولكن غرضي أن أبيّن الطريقة الصحيحة للدعوة، ونفع الناس.
فإن هذه الأبواب من أبواب "كتاب التّوحيد" تُعالج واقع الناس، لماذا
стр. 188
لا نشرحها للناس، ونبيّنها للناس، ونوضِّحها، ونحفِّظهم هذه الآيات وهذه الأحاديث ونشرحها لهم، ولو شرحاً وجيزاً على قدر أفهامهم، ينتفعون بها؟.
هذه هي الدعوة إلى الله ، وهذا العلم النافع.
تعلمون ما للدعاة من الأثر وماذا حصل بسبب دعوتهم من الخير:
فالشيخ: محمد بن عبد الوهاب، كيف أثر في دعوته من الإصلاح والنّفع للمسلمين، الذي لا نزال ننتفع به- ولله الحمد-.
الشيخ: عبد الله القرعاوي في الجنوب، كما تعلمون إلى عهد قريب، والآن تلاميذه وطلاّبه ماذا أثّر من الخير؟.
الشيخ: فيصل بن مبارك في الشمال، ماذا أثّر من الخير، ولا يزال تلاميذه الآن مصابيح هدى، يبيِّنون للناس الحق.
أما أن تجلب للناس مشاكل الخارج وتشغلهم بها؛ فهذه ما هي بدعوة إلى الله، وإنما هي اشتغال بأمور لا تفيد الناس، ولا تحل مشاكلهم، ولا تُصلح فسادهم، وإنما تُحْبِط أفهامهم، وقد تسبِّب سوء الظن بالمسلمين وبولاة الأمور، وتفرّق الكلمة. فالواجب علينا أن نتنبّه لهذا.
أنا ما أقول هذا من أجل الغَمْط من أحد، لا والله، ولكني أتأسف من واقع بعض الدعاة الذي تردّى إلى هذا المستوى.
ونسأل الله سبحانه أن يأخذ بأيدينا وأيديهم إلى الصلاح والفلاح والاستقامة، والسير على منهج الرسول ﷺ فيما ينفعنا وفيما ينفع الناس، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ ، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) ﴾ ، هذا منهج الرسل- عليهم الصلاة والسلام-.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه خيرنا وخير أمتنا، وصلاحنا وصلاحهم، وأن يصلح ولاة أمورنا، وأن يأخذ بأيديهم إلى ما فيه الخير للأمة، وما فيه صلاح الأمة.
стр. 189
[الباب الرابع عشر:] * بابٌ من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعوَ غيره
ــ
هذا الباب جاء في سياق الأبواب التي تبيّن أنواعاً من الشرك يقع فيها بعض الناس في مختلف العصور والأزمان.
فقوله: "من الشرك"، أي: من أنواع الشرك الأكبر: "أن يستغيث بغير الله" فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله.
والاستغاثة: طلب الغوث، ولا تكون إلاَّ في وقت الشدّة.
وأما الدعاء فهو عام في وقت الشدّة وفي غيرها، فعطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.
والاستغاثة بالمخلوق على قسمين:
القسم الأول: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله ، فهذه هي الشرك الأكبر، لأنها صرف للعبادة لغير الله .
أما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق كاستغاثة بغيره في الحرب ليساعده ويناصره على عدّوه؛ فهذا جائز، كما قال الله تعالى عن موسى ﵇: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ، فالاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه- كالاستغاثة بالأموات والغائبين- شرك أكبر، لأنه يستغيث بمن لا يقدرون على شيء أبداً، فالذين يستغيثون بالأضرحة، وبالأولياء وبالصالحين، والأموات، أو يستغيثون بالغائبين من الجن، أو بالشياطين، كل هذا من النوع الممنوع.
أما الدعاء، فهو أعم من الاستغاثة- كما سبق-، وهو نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.
ودعاء العبادة هو: الثناء على الله بأسمائه وصفاته.
ودعاء المسألة هو: طلب الحاجات من الله .
ويجتمع النوعان في سورة الفاتحة، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) ﴾ ، هذا دعاء عبادة، لأنه ثناء على الله، وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
стр. 190
وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) ﴾ .
ــ
دعاء عبادة، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) ﴾ دعاء عبادة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، دعاء عبادة، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخر السورة دعاء مسألة.
ولهذا يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: "قسمت الصلاة" يعني: الفاتحة، سماها صلاة لأنها دعاء "بيني وبين عبدي نصفين" لأن أولها دعاء عبادة الله، وآخرها دعاء مسألة، والعلاقة بين دعاء العبادة ودعاء المسألة: أن دعاء العبادة مُسْتَلْزِم لدعاء المسألة، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) ﴾ يلزم من هذا أنه يسأل الله ، ودعاء المسألة متضمِّن لدعاء العبادة، بمعنى: أن دعاء العبادة داخل في دعاء المسألة، فالذي يسأل الله حوائجه يتضمّن سؤاله أنه يعبد الله بذلك.
قال: "وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) ﴾ "، والآية التي تليها: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) ﴾ الآيتان من آخر سورة يونس.
يقول الله جل وعلا لنبيه ﷺ : " ﴿وَلا تَدْعُ﴾ " هذا نهي من الله لنبيه عن دعاء غير الله، والخطاب الموجه للنبي ﷺ موجه إلى أمته، إلاَّ إذا دلّ دليل على اختصاصه به، فهذا النداء عام للنبي ﷺ ولأمته، ولأنه إذا نُهي النبي ﷺ عن ذلك، فغيره من باب أولى.
" ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ " أي: غير الله.
" ﴿مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ " " ﴿مَا﴾ " موصولة، أي: الذي لا ينفعك ولا يضرك، وذلك لأن المدعو إما أن يُطلب منه جلب خير، وإما أن يطلب منه دفع ضرر، وهذا إنما يختص بالله ، فإنه هو الذي يقدر على دفع الضرر وجلب الخير، ودعاء الأموات وأصحاب القبور والأصنام والأوثان والأشجار والأحجار، لا يجلب خيراً ولا يدفع ضرراً. وكل ما يُدعى من دون الله فهو بهذه المثابة، لا ينفع ولا يضر،
стр. 191
لأنها إما أحجار جامدة، وإمّا صور وتماثيل، وإما قبور هامدة، وإما أشجار، أو غير ذلك، فهي مخلوقات لا تقدر على جلب نفع ولا دفع ضرر، فالدعاء إنما يصلح أن يوجه لمن يقدر على ذلك، وهو الله .
" ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ " يعني: دعوت غير الله مما لا ينفعك ولا يضرك، وهذا من باب الافتراض، وإلاّ محال أن النبي ﷺ سيفعل ذلك، ولكن لو قُذُّر أنه فعله وهو أكرم الخلق، فإنه يكون من الظالمين، فكيف بغيره، إذا دعا غير الله؟، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) ﴾ يعني: أوحي إلى الرسول ﷺ ، وإلى غيره من الأنبياء السابقين أنه لو قُدِّر أن أحداً منهم- وحاشاهم عليهم الصلاة والسلام- دعا غير الله، وأشرك بالله حبط عمله، وصار من الخاسرين ولو كان من الأنبياء، فكيف بغيرهم؟، ولما ذكر الله إبراهيم وذريته، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) ﴾ ، لما ذكر الله أنبياءه في هذه الآيات قال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، لو أشرك هؤلاء الأنبياء ﴿لَحَبِطَ﴾ أي: لبَطَلَ ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بطلت جميع أعمالهم. فدلّ على أن الشرك مُحبط للأعمال، ولو صدر من خير الخلق، وهم الأنبياء، فكيف إذا صدر ممن هو دونهم؟، إذا هو يُخرج من المِلّة، ويُحبط جميع الأعمال، فالدعاء عبادة، بل هو أعظم أنواع العبادة، قال ﷺ : "الدعاء هو العبادة" كما قال ﷺ : "الحج عرفة" يعني: أعظم أركان الحج عرفة، فكذلك أعظم أنواع العمادة الدعاء.
ثم قال تعالى: " ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ " يعني: من المشركين، لأن الشرك أعظم أنواع الظلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ، والظلم في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه، والشرك وضع للعبادة في غير مستحقها، فلذلك صار أعظم أنواع الظلم.
стр. 192
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ الآية.
وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ .
ــ
وقوله: " ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ " هذا تقرير لإبطال دعاء غير الله، " ﴿فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ " هذا- أيضاً- فيه إبطال دعاء غير الله، لأن هذه المدعوات لا تقدر على كشف الضر، ولا تقدر على جلب الخير، وهذا كما في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) ﴾ ، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ، وفي قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) ﴾ ، وكما في قوله ﷺ : "واعلم أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجَفَّتِ الصحف".
فالنفع والضرر إنما هو من الله ، فهو الذي يستحق أن يُدعى لطلب الخير، ويُدعى- أيضاً- لرفع الشر، وكشف الضر، هو الذي يملك ذلك ، لا تملكه جميع المخلوقات، وكذلك في سورة الأنعام: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) ﴾ ، فالنفع والضر بيد الله ، فيجب على العباد أن يتوجهوا إلى الله، وأن يدعو الله وحده، ولا يدعوا معه غيره .
قال: "وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ " وكمال الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا من جملة ما ذكره الله تعالى عن خليله إبراهيم ﵊ مما خاطب به قومه قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) ﴾ .
стр. 193
فقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ لأن الرزق من الله فهو الرزاق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) ﴾ ، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ ، فلو أنّ الله منع المطر من السماء الذي هو سبب الرزق واجتمع أهل الأرض كلهم أن يُوجدوا المطر لن يستطيعوا أبداً.
" ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ " أي: اطلبوا الرزق من الله ، فإن الله قريب مجيب لمن دعاه، ولا تطلبوا الرزق من الأوثان التي لا تملك شيئاً.
﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا فيه توجيه من الله لعباده أن لا يطلبوا الرزق من غيره، وأن يعبدوه ولا يعبدوا غيره، فإنهم إذا عبدوه رزقهم، كما قال تعالى: " ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ ، فالرزق إنما يُسْتَجْلَب بعبادة الله ، وأما المعاصي فإنها تسبِّب منع الرزق، فما يحصل في الأرض من المجاعات ومن شُحّ الأرزاق إنما سببه الكفر والمعاصي، وما يحصل في الأرض من خيرات وأرزاق فسببه الطاعة والعبادة إلاَّ أن يكون استدراجاً.
فهذه الآية كالتي قبلها فيها وجوب التَّوَجُّه إلى الله سبحانه بالدعاء، وطلب الحاجات، وتفريج الكُرُبات، وطلب الرزق، وأن أحداً غيره لا يملك رزقاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ ، فكيف يطلب الرزق ممن لا يملكه.
وفاقد الشيء لا يعطيه.
وقوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الدار الآخرة بعد الموت، فيجازيكم بأعمالكم.
وهذا تنبيه على أن هناك دار جزاء، وأنكم إن أحسنتم فستلقون الجزاء الحسن، وإن أسأتم فستلقون الجزاء السيء، فأنتم لستم بمهملين، ولا مضيّعين، ولا متروكين، لابد لكم من موعد مع الله في موقف الحساب، فاستدركوا لأنفسكم قبل الموت، وتوجهوا إلى الله، وأخلصوا له العبادة، وأصلحوا الأعمال، لأنكم تُرجعون إلى الله، وهذا الموعد ما أحد يتخلّف عنه، لا الكافر، ولا المسلم.
стр. 194
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.
ــ
قال: "وقول الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ، وتتمة الآية: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) ﴾ ، الآيات من سورة الأحقاف.
" ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ " لا أحد أشدّ ضلالاً، " ﴿مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ﴾ " أي: غير الله.
" ﴿مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ " هل الصنم استجاب لأحد في يوم من الأيام؟، هل القبر استجاب لأحد في يوم من الأيام؟، هل الشجرة التي- تُعبد من دون الله استجابت لأحد؟، أبداً، ولو قُدِّر أنه يحصل للمشرك مقصوده، فهذا ليس من المعبود من دون الله، وإنما هو من الله ، أجراه امتحاناً له، واستدراجاً له، حتى يظن أن هذا من القبر، فيستمر في الشرك- والعياذ بالله.
وقد ذكر شيخ الإسلام في إحدى رسائله- أو في كثير من رسائله- ما معناه: أن ما يحصل لعبّاد القبور من قضاء الحاجات، فليس ذلك دليلاً على صحة مذهبهم، لأن حصول المقصود يكون ابتلاءً وامتحاناً من الله ، ويكون من أجل الاستدراج كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) ﴾ ، ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ ، فالله يُمْهِل ويستدرج، من أجل أن يزداد هذا الكافر وهذا المشرك آثاماً يُعَذَّب بها يوم القيامة، فليس هذا من صالحه، فإذا حصل لعبّاد القبور شيء من مقاصدهم، فهذا من إهانة الله لهم، واستدراجهم.
وذكر الشيخ- أيضاً- أنه يمكن أن الشياطين تتصوّر أحياناً بصورة المقبور، وتخرج على الناس الذين يدعون القبر بصورة المقبور وتخاطبهم، وتقول نحن نقضي حوائجك، والشيطان قد يأتي لهم بأشياء بعيدة، قد يسرق من أموال الناس أشياء ويأتي بها لهم، ويظنون أن هذا من الميت، والميت ما درى عن شيء من هذه الأمور، الميت مشغول بنفسه إما في نعيم وإما في عذاب في قبره، وإذا حشر الناس يوم القيامة، وبُعث هؤلاء المشركون، وبُعث هؤلاء الموتى يوم القيامة كانوا أعداءً لمن عبدهم يتبرءون من هؤلاء الذين عبدوهم في الدنيا أحوج ما يكونون إليهم، كما
стр. 195
وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ .
ــ
قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) ﴾ ، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ يعني: الشياطين، ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ لأن الشياطين هي التي دعتهم إلى هذا الشيء فأجابوا، فهم لم يعبدوا الملائكة، وإنما عبدوا الشياطين الذين أمروهم بذلك، فالحاصل؛ أنه في يوم القيامة يتبرّأ كل من عُبد من دون الله، ممن عبده، ويحصل بينهم عداوة، بين الداعين والمدعوين.
"وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ " هذا استفهام من الله تعالى للمشركين، يقول: أنتم تشركون بالله في حالة الرخاء، ولكن إذا وقعتم في الشدة والاضطرار دعوتم الله مخلصين له الدين فأنقذكم، فلماذا تُشركون به في حالة الرخاء؟، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً (٦٧) ﴾ "، فالله يقول: إذا كان لا ينقذكم من الشدائد إلاَّ الله باعترافكم-، فكيف تُشركون به في حالة الرخاء، هل هذا إلاَّ التناقض؟.
وقوله:" ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ " أي: لا أحد يكشف السوء سواه، والمشركون يعترفون أنه لا أحد يكشف السوء إلاَّ الله ، فلماذا يعبدون غيره؟.
وتمام الآية: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ من هو الذي يداول الدنيا بين الناس، يداول الغنى والفقر، ويداول العز والذل، ويداول الملك بين الناس، فقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ تخلفون الجيل الذي قبلكم في الملك، وفي الأموال، وفي العقارات، وفي كل شيء، جيل يخلف جيلاً، من هو هذا الذي يدبر هذا التدبير؟، هل هي الأصنام؟، كلا، بل هو الله، وهم يعترفون بهذا.
ثم قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ﴾ هل يستحق أحد العبادة مع الله ؟، هذا إلزام لهم ببطلان ما هم عليه من عبادة غير الله.
ولهذا قال: ﴿تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزه عن الشرك.
وفى الآية السابقة فائدة عظيمة وهي: أن الله سمّى الدعاء عبادة، فقال: ﴿وَكَانُوا
стр. 196
روى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ رجل منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق،......................................
ــ
بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ، لأنه في أول الآية قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو﴾ ، وإذا كان الدعاء عبادة فصرفه لغير الله شرك، كما في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ، يعني: عن دعائي، فسمّي الدعاء عبادة، وإذا كان الدعاء عبادة فصرفه لغير الله شرك.
قوله: "كان رجل" لم يذكر اسمه هنا، وورد أنه عبد الله بن أبي، رأس المنافقين.
"منافق" النفاق هو: إظهار الخير وإبطان الشر، وهو نوعان: نفاق اعتقادي، ونفاق عملي.
والنفاق الاعتقادي كفر أكبر، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، ومعناه: أن يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر.
وسبب النفاق: أنه لما اعتزّ الإسلام بعد هجرة الرسول ﷺ صار هناك أُناس يريدون العيش مع المسلمين، ولكنهم لن يستطيعوا أن يعيشوا بين المسلمين إلاَّ إذا أظهروا الإسلام، وهم لا يريدون الإسلام ولا يحبُّون الإسلام، فلجأوا إلى حيلة النفاق، وهي: أن يُظهروا الإسلام من أجل أن يعيشوا مع المسلمين، ويبقوا في قرارة نفوسهم على الكفر. فسموا بالمنافقين، هذا هو النفاق الاعتقادي.
وأما النفاق العملي فمعناه: أن بعض المسلمين الذين عقيدتهم سليمة ومؤمنون بالله، لكنهم يتصفون ببعض صفات المنافقين، مثل: الكذب في الحديث، والغدر في العهد، وإخلاف الوعد، قال ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان"، هذا نفاق عملي، صاحبه مؤمن، ولكن فيه خَصْلَة من خصال المنافقين، وهي خطيرة جدًّا، ربما أنها تؤول إلى النفاق الأكبر إذا لم يتب منها.
"يؤذي المؤمنين" بمعنى: أنه يضايق المسلمين بكلامه وبتصرّفاته، يسخر من
стр. 197
فقال النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله".
ــ
المسلمين، يتلّمس معايب المسلمين، ينال من الرسول ﷺ ، وينال من المؤمنين، ويتتبّع العثرات. فدلّ على أن إيذاء المسلمين من النفاق.
"فقال بعضهم" لم يسمّ القائل، وقد ورد في بعض الروايات أنه أبو بكر الصديق ﵁.
"قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ " يعني: نستجير به، ونحتمي به "من هذا المنافق" ليردعه عنا ويكفّه عنا.
والنبي ﷺ استنكر هذه اللفظة، فقال: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله " مع أن الرسول ﷺ قادراً على أن يَرْدَع هذا المنافق؟، وأن يُغيث المسلمين من شرّه؟، بلى، هذا من الاستغاثة الجائزة، لأنه استغاثة بالرسول ﷺ فيما يقدر عليه، لكن الرسول تأدُّباً مع الله ، وتعليماً للمسلمين أن يتركوا الألفاظ التي فيها سوء أدب مع الله ، وإن كانت جائزة في الأصل، فقال: "إنه لا يُستغاث بي" وهذا من باب التعليم وسدّ الذرائع لئلا يُتَطَرَّق من الاستغاثة الجائزة إلى الاستغاثة الممنوعة، فالرسول ﷺ منع من شيء جائز خوفاً أن يُفضي إلى شيء غير جائز، مثل ما منع من الصلاة عند القبور، والدعاء عند القبور، وإن كان المصلي والداعي لا يدعو إلاَّ الله، ولا يصلِّي إلاَّ لله، لكن هذا وسيلة من وسائل الشرك، كذلك هنا؛ فالرسول أنكر هذه اللفظة سدًّا للذرائع، وتعليماُ للمسلمين، أن يتجنّبوا الألفاظ غير اللائقة.
فإذا كان الرسول أنكر الاستغاثة به فيما يقدر عليه، فكيف بالاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله ؟، وكيف بالاستغاثة بالأموات؟. هذا أشد إنكاراً.
وإذا كان الرسول ﷺ منع من الاستغاثة الجائزة به في حياته تأدُّباً مع الله، فكيف بالاستغاثة به بعد وفاته ﷺ ؟، وكيف بالاستغاثة بمن هو دونه من الناس؟. هذا أمر ممنوع ومحرّم. وهذا وجه استشهاد المصنف ﵀ بالحديث للترجمة.
إذاً فقول البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً ... بيدي فضلاً وإلاّ قل يا زلّة القدم
стр. 198
فإن من جودك الدنيا وضرّتها ... ومن علومك علم اللّوح والقلم
أليس هذا من أكبر الشرك؟
يقول: ما ينقذ يوم القيامة إلاَّ الرسول ﷺ ، ولا يخرج من النار إلاَّ الرسول، أين الله ؟.
ثم قال: إن الدنيا والآخرة كلها من جود الرسول ﷺ ، وعلم اللّوح المحفوظ والقلم الذي كتب في اللوح المحفوظ بأمر الله هو بعض علم الرسول، إذ الرسول يعلم الغيب.
وهذه القصيدة- مع الأسف- تُطبع بشكل جميل وحرف عريض، وتوزّع، وتُقرأ، ويُعتنى بها أكثر مما يُعتنى بكتاب الله ، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.
الحاصل؛ أن الرسول ﷺ إذا كان أنكر على خواص أصحابه هذه الكلمة، وقال: "إنه لا يستغاث بي" وهذا في الدنيا، مع أنه قادر على أن يغيثهم من المنافق، فكيف يُستغاث به بعد وفاته ﷺ ، كيف يُستغاث بمن هو دونه من الأولياء والصالحين؟، هذا أمر باطل، والاستغاثة لا تجوز إلاَّ بالله، فيكون في هذا شاهد للترجمة: "بابٌ من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعوَ غيره" والمناسبة ظاهرة ولله الحمد والمنة، وكل هذا من أجل حماية التّوحيد، وصفاء العقيدة، والمنع من كل ما يُفضي إلى الشرك ولو على المدى البعيد.
الشرك لا يُتساهل فيه أبداً، والطُّرُق التي توصِّل إلى الشرك لا يُتساهل فيها أبداً، وأنتم تعلمون ماذا حصل في قوم نوح، وأن الشرك حصل فيهم بسيف تعليق الصور، والغلو في الصالحين، وكانوا في وقتهم لم يشركوا، ولكن صار هذا وسيلة إلى الشرك فيما بعد؛ لما مات أولئك، ونُسي العلم أو نُسخ العلم عُبدت هذه الصور، فالوسائل إذا تُسوهل فيها أدّت إلى الشرك. فالواجب علينا منع الشرك، ومنع وسائله، وأسبابه، وأن لا نسمح بالألفاظ الشركية، ولا بأي شيء يُفضي إلى الشرك، وعلينا أن نحذر من ذلك صيانةً للعقيدة، وحماية للتّوحيد، وإشفاقاً على المسلمين من الضلال والكفر والإلحاد، فإنه ما حصل هذا الشرك في الأمة، وما
стр. 199
حصل هذا الضلال في الأمة إلاَّ لما تساهل الناس في أمر العقيدة، وسكت العلماء عن بيان خطر الشرك، والتحذير من أسباب الشرك، ورأو الناس على الشرك وعبادة القبور ولم ينهوهم. هذا إذا أحسنّا بهم الظن، وقلنا: إنهم ينكرون هذا بأنفسهم، ولكن ما قاموا بواجب الأنكار، إما إذا كانوا يرون هذا جائزاً، فهذا شرك وكفر لأن من رضي به صار مثل من يفعله.
نسأل الله أن يحفظ لنا ديننا وعقيدتنا، وأن يجعلنا من الدعاة إليه بالحكمة، والدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.
стр. 200
[الباب الخامس عشر:] * بابٌ قول الله تعالى
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ الآية.
ــ
ما في هذا الباب من الأدلة من الكتاب والسنّة أراد الشيخ ﵀ من سياقها بيان أدلة بُطلان الشرك، لأن القرآن الكريم جاء بالدعوة إلى التّوحيد، وعبادة الله وحدة لا شريك له، وجاء بالنهي عن الشرك، وهو عبادة غير الله ، والنهي عن ذلك.
فقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ هذا استفهام، معناه: الإنكار.
" ﴿مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً﴾ " أي: هذا الشرك باطل؛ بدليل أن هذه المعبودات من دون الله لا تخلق شيئاً، فهي عاجزة لأن الذي يستحق العبادة هو الخالق، فالذي يقدر على الخلق هو الذي يستحق العبادة، أما الذي لا يقدر على الخلق فهذا لا يستحق العبادة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) ﴾ لا تجعلوا لله شركاء وأنتم تعلمون أن هذه الشركاء لا تقدر على خلق شيء، ولا على رَزْق، ولا على إحياء، ولا إماتة، فهي عاجزة، وكما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) ﴾ ، فالذي يستحق العبادة هو الخالق، أما الذي لا يقدر على الخلق فهذا عاجز لا يستحق العبادة، فكيف يُسَوَّى العاجز بالقادر؟، كيف يُسَوَّى المخلوق بالخالق ؟: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) ﴾ ، وقال تعالى في تعجيز المشركين وآلهتهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ﴾ ، فهذه المعبودات بجميع أنواعها سواءً كانت أحجاراً، أو أشجاراً، أو قبوراً وأضرحة، أو ملائكة، أو أنبياء، أو صالحين من المؤمنين، كلهم يدخلون تحت هذا الوصف؛ لا يقدرون على خلق شيء، لأن المخلوق لا يستطيع أن يخلق، فكيف يُتخذ معبوداً مع الله ؟.
стр. 201
وفي هذه الآية يقول: " ﴿لا يَخْلُقُ شَيْئاً﴾ " وشيئاً نَكِرَة في سياق النفي تَعُم، يعني: لا يخلقون أي شيء ولو كان قليلاً، ولو يجتمع العالم كله بما فيهم المَهَرة والصنّاع والمهندسون والأطباء، ويُطلب منهم أن يخلقوا حبة شعير ما استطاعوا.
ثم قال: " ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ " أي: هذه المعبودات التي تعبدونها مخلوقات لله : فهم لم يخلقوا أنفسهم، ولم يخلقوا غيرهم، فكيف تتّخذونهم مع الخالق ؟، هل هذا إلاّ من باب المكابرة، ومن باب العِناد.
فالذي يُشرك بالله أيًّا كان هذا الشيء قد قامت عليه هذه الحجة في أن هذا المعبود عاجز، لكن أين العقول التي تفكِّر؟، هؤلاء الذين يزعمون أنهم مفكِّرون، وأنهم مَهَرَة، وأنهم مثقفون، وأنهم.. وأنهم، تجدهم يخضعون للقبور، ويعبدون الأموات، ويذبحون لها، وينذرون لها، ويستغيثون بها، وهم يسمعون هذا القرآن.
ثم قال : ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ أي: هذه المعبودات وهذه الأصنام لا تملك نصراً لمن دعاها، إذا وقع المشرك في كُربة، أو في ضيق، أو في مرض، لا يستطيع أحد من الخلق أن يُنقذه إلاّ بإذن الله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلاّ إِيَّاهُ﴾ ، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) ﴾ ، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ، وهنا يقول: " ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ " لا يملك المعبودون " ﴿لَهُمْ﴾ " للعابدين ﴿نَصْراً﴾ عندما يتسلط عليهم عدو، أو يتسلط عليهم سَبُع، أو يتسلط عليهم خوف، فإنها لا تستطيع هذه المعبودات أن تنصرهم على عدوهم، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ ، ﴿وَمَا النَّصْرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فالنصر من الله ، ولو كانت هذه المعبودات تُغني عن المشركين شيئاً ما انهزموا في بدر، ولا انهزموا في الأحزاب، ولا انهزموا يوم فتح مكة، وفي يوم حنين، وأما المؤمنون فالله نصرهم ، وهم قِلّة، كانوا في بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، والمشركون يزيدون على الألف، والمسلمون ليس معهم عُدّة ولا سلاح إلاّ قليل، والمشركون مُدَجَّجُون بالسلاح: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ
стр. 202
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ الآية.
ــ
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) ﴾ ، حتى الشيطان لما تراءى الجمعان قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ﴾ ، أما الله جل وعلا فكان مع أوليائه، وكان مع عباده، فنصرهم على عدوّهم مع قلّة عددهم وضعف عُددهم، والمشركون لم يجدوا من ينصرهم، أين ذهبت آلهتهم؟
" ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ "أي: هذا المعبود الضعيف إذا نزل به آفة لا يستطيع أن يُنقذ نفسه، فكيف ينقذكم؟
هذا الميت المقبور المدفون لا يستطيع أن يتخلص من الموت ومن القبر ومما هو فيه، مشغول عنكم بنفسه؛ إما في عذاب وإما في نعيم، لا يسمع دعاءكم.
وهذه الأشجار والأحجار التي تعبدونها جمادات لا تستطيع نصركم ولا تنصر نفسها، الصنم الكبير يحطمه الطفل ولا يستطيع أن ينصر نفسه، يقع عليه الذباب ويقذِّره ولا يستطيع أن يَنْفي عن نفسه، الذباب الضعيف: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ .
يُروى أن بعض المشركين له صنم، فجاء الثعلب وبال عليه، فلما رآه عابده فكّر وقال:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب
فعند ذلك فكّر وترك عبادة الأصنام.
ويدخل في هذه الآية كل ما عُبد من دون الله من الملائكة، والأنبياء، والصالحين، والأشجار، والأحجار، كلها مخلوقات ضعيفة، لا تستطيع أن تنصر نفسها، فكيف تنصر غيرها؟
وقوله : ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: غير الله ، وهذا يشمل كل ما عُبد من دون الله، لأن الاسم الموصول من صيغ العموم، فيشمل كل ما عُبد من دون الله من آدميِّين، أو أحجار، أو أشجار، أو ملائكة، أو غير ذلك. والقطمير هو الغشاء الرقيق الذي يكون على النواة وهو شيء حقير: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ .
стр. 203
يُشترط في المدعُو ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون مالكاً لما يطلب منه.
الثاني: أن يكون يسمع الداعي.
الثالث: أن يكون يقدر على الإجابة.
وهذه الأمور لا تتّفق إلاّ في الله ، فإنه المالك، السميع، القادر على الإجابة، أما هذه المعبودات فهي أولاً: فقيرة، ليس لها ملك. ثانياً: لا تسمع من ودعاها. وثالثاً: لو سمعت فإنها لا تقدر على الإجابة.
ففي قوله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ انتفى الشرط الأول.
وفي قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ انتفى الشرط الثاني.
وفي قوله: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ انتفى الشرط الثالث.
إذاً بَطل دعاؤها.
ثم قال : ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ إذا جاء يوم القيامة يتبرّؤون منكم، وكل المعبودات من دون الله تتبرّأ ممن عبدها يوم القيامة، حتى الشيطان يتبرأ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ ، يعني: ما أنا بمغيثكم. والصريخ: المغيث. يعني: لا أقدر على إغاثتكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أنتم لا تقدرون على إغاثتي، كقوله سبحانه: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ .
وكذلك الملائكة يتبرؤون ممن عبدهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) ﴾ ، يعني: يعبدون الشياطين التي دعتهم إلى هذا، أما نحن براء منهم، وحاشا وكلا أن ترضى ملائكة الرحمن بأن تُعبد من دون الله، فضلاً عن أن تدعَو إلى ذلك، وإنما هذا من عمل الشياطين.
وعيسى ﵇ يقول الله له يوم القيامة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ
стр. 204
وفي الصحيح عن أنس قال: شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد، وكُسِرت رباعيته،
ــ
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) ﴾ .
وكذلك سائر المعبودات: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا﴾ يتمنون ﴿كَرَّةً﴾ يعني: رجوعاً إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ نتبرّأ من هذه الأصنام والمعبودات، ﴿كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا﴾ لكن أين؟، ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ نعوذ بالله.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) ﴾ لا يسمعون دعاءهم في الدنيا، ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) ﴾ هذا خبر من الله عن مصير هؤلاء المشركين يوم القيامة، يُخبرهم بما يكون إليه الأمر يوم القيامة من أجل أن يتوبوا إلى الله ، وهذا رحمة منه بعباده، ولهذا قال: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ لا ينبئك ويُخبرك عن الأشياء مثل خبير بها وهو الله ، هو الذي يعلم الأشياء والعواقب، ويعلم المآل والمصير، وهو يُخبركم أيها الناس بأن من عبد غير الله فإنه سيتبرّأ منه يوم القيامة، فخذوا حذركم. وهذا رحمة من الله ، وأخبر أنه لا ينبئك بالأمور وعواقبها ونتائجها وثمراتها إلاّ الخبير بالأمور، أما الجاهل فإنه لا يستطيع أن يُخبرك عن شيء، ولو أخبرك فإن خبره يكون غير صحيح، أما الله جل وعلا إذا أخبر بخبر فإنه يكون واقعاً لابد منه، وكذلك رُسُلُه، لأنهم يخبرون عن الله .
أما هؤلاء المشعوذون والصوفيّة والمخرّفون الذين يُدعون الناس إلى عبادة الأضرحة والمقامات، ويقولون: هذه فيها بركة، وفيها.. وفيها. هؤلاء كذبة، فلا تصدقوهم.
قال: "وفي الصحيح" يعني: الصحيحين.
"عن أنس قال: شُجَّ النبي ﷺ " الشَّجَّة هي: الجرْح في الرأس والوجه خاصة،
стр. 205
أما الجرح إذا كان في البدن فهذا لا يُسمى شَجَّةً، وإنما يُسمى جراحة.
"يوم أحد": جبل يقع في الشمال الشرقي من المدينة، حصلت عنده وقعة أحد في السنة التي بعد وقعة بدر، فالمشركون تجمعوا وأرادوا الانتصار لأنفسهم، وجمعوا جنوداً بقيادة أبي سفيان بن حرب، وجاءوا يريدون الانتقام من الرسول ﷺ وأصحابه، الذين أصابوهم يوم بدر، جاءوا ونزلوا عند هذا الجبل، فخرج إليهم رسول الله ﷺ بأصحابه الكرام من المهاجرين والأنصار، والْتقى بهم في هذا المكان، ونظّم ﷺ المقاتلين، وجعل على الجبل الذي خلفهم جماعة من الرُّماة يحمون ظهور المسلمين، ودارت المعركة، والرُّماة على الجبل يحرسون المسلمين، وصار النصر في الأول للمسلمين لما كانوا يمشون على خُطّة الرسول ﷺ ، وشرعوا يجمعون الغنائم، فلما رآهم الرُّماة الذين على الجبل ظنُّوا أن المعركة انتهت، فقالوا: نَنْزِل نساعد إخواننا على جمع الغنائم، فقال لهم قائدهم عبد الله بن جبير ﵁: لا تنزلوا، لأن الرسول ﷺ قال لنا: لا تتركوا الجبل، سواءً انتصرنا أو هُزمنا. ولكنهم خالفوا قائدهم ونزلوا، فلما رأى خالد بن الوليد- وكان يوم ذاك مشركاً-، لما رأى الجبل فَرَغ- وهو كان من الشُّجعان وساسة الحرب- عرف أن هذه الثغرة انفتحت لهم، فدار بمن معه، وانقضوا على المسلمين من الخلف، وما شعر المسلمون إلاّ والمشركون يضربونهم من الخلف، فحينئذ اختلط الجمعان: المسلمون والكفّار، ودارت المعركة من جديد، وأصيب المسلمون عقوبة لهم بسبب مخالفة أمر النبي ﷺ . وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ ، يعني: تقتلونهم، وهذا في أول المعركة، ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ عقوبة لكم.
والنبي ﷺ شُجَّ في رأسه، وهشم المغفرُ على رأسَه، وغاصت حلقتان في وجنته ﷺ ، وكُسِرت رُباعِيّته- ﵊، ووقع في حفرة، وأشاع المشركون أن محمداً قد قُتل، فلما أشاع المشركون هذه الشائعة وصاح الشيطان بذلك، حصل على المسلمين مصيبة أكبر من مصيبة القتل، كل هذا بسبب المعصية.
стр. 206
فقال: "كيف يُفلح قوم شَجُّوا نبيهم؟ " فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
ــ
انظروا يا عباد الله، معصية واحدة وليست من الجميع، وإنما هي من بعض الصحابة حصل بسببها هذه العقوبة على خير الخلق، فكيف بنا نحن، ونحن نرتكب من المعاصي والمخالفات الشيء الكثير؟، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، فهذا فيه خطورة المعاصي، ومخالفة أمر النبي ﷺ .
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ هذا تطمين لهم بعدما وَبَّخهم ﷺ ، لأنهم أحبابه وأولياؤه.
وقد "شُجَّ النبي ﷺ " وهذا دليل على أن الرسول ﷺ لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعاً، فلا تجوز عبادته.
وهذا من أدلة بطلان الشرك؛ أن المخلوق وإن بلغ من المنزلة العالية فإنه مخلوق، لا يستحق شيئاً من العبادة، فأشرف الخلق محمد ﷺ وقع عليه الضرر، ج وجُرح- ﵊، فدلّ على أنه لا تجوز عبادته من دون الله، وإذا كان كذلك فغيره من باب أولى، فلا تجوز عبادة الأولياء والصالحين ومَن دون ذلك، لأن كل الخلق لا تجوز عبادتهم، لا الملائكة، ولا النبييون، ولا الأولياء، ولا الصالحون. العبادة حق لله ، لا يجوز صرفها لغيره، وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إلاّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) ﴾ .
فإذا كان الرسول لا تجوز عبادته من دون الله ، فكيف بغيره من الخلق؟، والرسول لم يستطع الدفع عن نفسه: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) ﴾ .
ولما شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد قال- ﵊: "كيف يُفلح قوم شَجُّوا نبيهم؟ " استبعد ﷺ فلاحهم، واستبعد استجابتهم للدعوة، لأنهم بلغوا من العناد، وبلغوا من المشاقة إلى هذا الحد، فهؤلاء بعيد أن يستجيبوا، وإذا لم يستجيبوا فلن يفلحوا، ولكن الله جل وعلا يعلم المستقبل وما يكون، فعاتبه وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) ﴾ وهذا- أيضاً- دليل آخر على عدم استحقاقه لشيء من العبادة، الأمر في هذا الكون والتدبير لله ،
стр. 207
وفيه عن ابن عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العَنْ فلاناً وفلاناً" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
ــ
وإنما الرسول ﷺ مبلِّغ عن الله، والأمر لله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فالأمر لله ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ، وإنما الرسل- عليهم الصلاة والسلام- مبعوثون عن الله فقط، ودعاة إلى الله.
" ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " لا أمر النصر، ولا أمر الهزيمة، ولا أمر التوبة، ولا أمر الفلاح، ولا أمر الدخول في الإسلام والهداية، وإنما كل هذا بيد الله ، أنت ليس عليك إلاّ البلاغ: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إلاّ الْبَلاغُ﴾ ، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ ، هذه وظيفة الرسول ﷺ أنه مبلِّغ عن الله فقط، أما أنه يملك النفع والضَّر والنصر والرَّزق والحياة والموت؛ فهذا لا يملكه أحد إلاّ الله .
قال "وفيه" أي: في الصحيح، يعني: صحيح مسلم.
"عن ابن عمر" هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما-، من فقهاء الصحابة، ومن العُبّاد.
"أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلاناً وفلاناً" يدعو الرسول ﷺ على فلان وفلان أن يطردهم الله من رحمته؛ بسبب أنهم أَلَّبُوا المشركين، وجاءوا لحرب الرسول ﷺ ، وأوْقعوا بالمسلمين هذه المصيبة.
فيه دليل على مشروعيّة القنوت في صلاة الفجر عند النوازل، أي: ما تنزل بالمسلمين نازلة من مداهمة عدو، أو حصول بلاء فيه خطورة على المسلمين، فإنهم يُشرع لهم أن يقنتوا في صلاة الفجر، بمعنى أنهم يدعون في صلاة الفجر لرفع هذا البلاء الذي عليهم، أو على إخوانهم من المسلمين، فالقنوت عند النوازل من سنّة الرسول ﷺ ، كما في هذا الحديث، أما القنوت في صلاة الفجر في غير النوازل على صفة مستمرّة؛ فهذا ليس بمشروع عند جمهور أهل العلم.
стр. 208
وفي رواية: يدعو على صفوان بن أُميّة، وسُهيل بن عمرو، والحارث بن هشام. فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
ــ
قال: "وفي رواية: يدعو على صفوان بن أُميّة، وسُهيل بن عمرو، والحارث بن هشام" هذا تفسير لقوله:
"اللهم العن فلاناً وفلاناً"، وأن المراد بهم هؤلاء الأشخاص، لأنهم من قادة المشركين يوم أحد مع أبي سفيان، وكان النبي ﷺ يدعو عليهم لمِا وقع منهم، ولكن الله يعلم من حال هؤلاء وما يؤول إليه أمرهم ما لا يعلمه الرسول ﷺ ، فإن هؤلاء تاب الله عليهم وأسلموا، وحسُن إسلامهم ﵃.
ولما ارتدّ الناس بعد وفاة النبي ﷺ وقف سهيل بن عمرو خطيباً في أهل مكة يُثبِّتهم على الإسلام، وقال لهم: يا أهل مكة لا تكونوا آخر من أسلم وأوّلُ من ارتد. فثبت أهل مكة على الإسلام، ولم يرتدُّوا بسب هذا الرجل الذي جعل الله فيه الخير.
فهذا دليل على أن الإنسان مهما بلغ من الضلال، ومهما بلغ من الكفر، فإنه لا ييأس من هدايته، لأن القلوب بيد الله .
وهذا دليل على أنه لا يعلم الغيب إلاّ الله ، وأنك لا تحكم على المعينين بالنار إلاّ من حكم عليه الله في القرآن، أو حكم عليه الرسول ﷺ .
ولهذا من عقيدة أهل السنّة والجماعة: أنهم لا يشهدون لأحد بجنة ولا نار إلاّ من شهد له رسول الله ﷺ ، ولكنهم يرجون للمحسنين، ويخافون على المسيئين، ولا يجزمون لأحد لأن العواقب بيد الله ، والإنسان مهما بلغ من الكفر والشرك والعناد، فإنه قد يهديه الله ، ويُصبح من أولياء الله الصالحين.
فهؤلاء أسلموا، وحسُن إسلامهم- رضي الله تعالى عنهم-، مع أنهم آذوا الرسول، وقاتلوه، وآذوا المسلمين، ولكن منّ الله عليهم بالهداية.
فالحاصل؛ أن هذه الآية الكريمة وما جاء في سبب نزولها فيها دليل على بُطلان الشرك، لأن الرسول ﷺ ومعه سادة المهاجرين والأنصار حصل عليهم من الضرر والهزيمة في وقعة أحد ما حصل، وهم سادات الأولياء، فدلّ على أنه لا يجوز التعلق بغير الله ، لأن هؤلاء لم يستطيعوا الدفع عن أنفسهم، فكيف يدفعون عن غيرهم، لأن المخلوق مهما كان فإنه مخلوق، وهو فقير إلى الله ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) ﴾ .
стр. 209
وفيه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) ﴾ فقال:
ــ
قوله: "وفيه" يعني: في صحيح البخاري.
"عن أبي هريرة" أبو هريرة اشتهر بكنيته، أما اسمه فاختلف فيه العلماء على أقوال كثيرة، أصحها أنه: عبد الرحمن بن صخر، من قبيلة دوس المشهورة، قَدِم على النبي وأعلن إسلامه، ولازم النبي ﷺ ملازمة تامة، يروي عنه الأحاديث، واهتمّ بذلك اهتماماً عظيماً، حتى أصبح من أكثر الصحابة رواية للحديث، فإنه يوجد له في كتب السنّة ما يزيد على خمسة آلاف حديث، فهو أكثر الصحابة رواية للحديث، لأنه تفرغ لذلك، تفرّغاً تامّاً، واهتم به، اهتماماً تاماً، فأعانه الله على ذلك، وحفظ لهذه الأمة قسماً كبيراً من سنة رسول الله ﷺ ، فهو راوية الإسلام- رضي الله تعالى عنه-.
وقد تعجّب بعض الجهّال في هذا العصر، الذين تأثروا بدعايات المستشرقين، أو بدعايات المبتدعة، فاستغربوا كثرة الأحاديث التي رواها هذا الصحابي الجليل، فصاروا يتكلمون كلاماً سيّئاً في حق أبي هريرة ﵁، ولكن الله قيِّض من علماء الإسلام من دحض هذه الشبهات، وردها في نحورهم، وبيّن منزلة هذا الصحابي الجليل من بين الصحابة، واهتمامه بأحاديث رسول الله ﷺ ، فهناك كتابات كثيرة تدافع عن مرِويّات هذا الصحابي الجليل وتدحض شبهات المستشرقين والمبتدعة من الشيعة وغيرهم.
"قال: قام فينا رسول الله ﷺ " جاء في الحديث الآخر: أنه قام على الصفا.
"حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) ﴾ " أمره الله أن يُنذر عشيرته الأقربين، كما أمره الله أن يُنذر الناس عامة، لأنه رسول إلى العالم كله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ ، رسالته ﷺ عامة للثقلين الجن والإنس، وقد بلّغ البلاغ المبين، ولكنه اختص عشيرّته، لأمر الله له بذلك.
وفي هذا دليل على وجوب المبادرة إلى فعل الأوامر، فإنه ﷺ لما نزل عليه " ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) ﴾ " بادر بتنفيذ ذلك وإبلاغه، ففيه دليل على وجوب المبادرة بامتثال أوامر الله ، وأن الإنسان لا يتوانى إذا بلغه أمر من أوامر الله، أو
стр. 210
أمر من أوامر رسول الله ﷺ ؛ فإنه يبادر إلى تنفيذه، ولا يتوانى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .
والإنذار معناه: الإخبار والتحذير من وقوع أمر مكروه، وأما البشارة فهي الإخبار عن أمر سار، فالله جل وعلا بعث هذا النبي بشيراً ونذيراً، بشيراً للمؤمنين بالخير والجنة، ونذيراً للكافرين بالنار والعذاب إلاّ أن يتوبوا إلى الله .
والعشيرة: جماعة الرجل الذين ينتسب إليهم.
والأقربين يعني: أقرب الناس إلى الإنسان، لأن القرابة تتفاوت، منها القرابة القريبة كالآباء، والأمهات، والإخوان، والأخوات، والأعمام، والعمّات، ومنهم أقارب أباعد مثل أبناء الأعمام، وأبناء أبناء الأعمام إلى آخره، فهم أقارب، ولكنهم أقارب بعيدون.
وفى هذا دليل على أن الداعية والأمر بالمعروف والناهي عن المنكر يبدأ بأهل بيته وخاصته أوّلاً، ثم بجيرانه وأهل بلده، ثم يتمدّد بالخير إلى من حوله من البلاد، أما العكس وهو أن يذهب إلى الأباعد أو إلى البلاد البعيدة ويترك أهله، ويترك بلده، ويترك أقاربه، فهذا خلاف منهج الرسول ﷺ الذي أمره الله تعالى به في هذه الآية، فمن منهج الدعوة البداية بالأقارب، وبأهل البيت، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ أمر بوقاية النفس أوّلاً، ثم بوقاية الأهلين، وذلك لأن الأقارب لهم حق، ومن أعظم حقوقهم: إرشادهم إلى ما فيه خيرهم، وصلاحهم، وفلاحهم، فهذا أنفع من أن تعطيهم الذهب والفضة والأموال، بل تبدأ بإرشادهم، وتوجيهم، ودعوتهم إلى الله تعالى، لأن لهم حقًّا عليك، وليس حقهم مقصوراً على الإنفاق وإعطائهم المال.
وثانياً: لأجل القدوة، لأنك إذا دعوت الناس وتركت أهل بيتك، فإن الناس سينقمون عليك، ولا يقبلون دعوتك، ولا توجيهاتك، يقولون لو كان صادقاً لبدأ بأهل بيته، يذهب إلى الناس ويترك أهل بيته على المخالفات، وعلى المنكر، وعلى الجهل، ويذهب إلى الناس يدعوهم إلى الله، هذا ليس من منهج الدعوة، منهج الدعوة أن تبدأ بالأقربين، ثم ينتشر الخير شيئاً فشيئاً على من حولهم، هذا المنهج
стр. 211
"يا معشر قريش (أو كلمة نحوها) اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً.
ــ
السليم، أما الذي يتعدّى بيته،. ويتعدّى بلده، ويذهب إلى الناس البعيدين يدعوهم إلى الله، وبيته فيه الجهل، وفيه الأخطاء الكثيرة، والمخالفات، أو في بلده وجماعته الأخطاء الكثيرة والمخالفات، فهذا ليس من منهج الدعوة.
هذا أمر يجب أن نتفطّن له، فمنهج الدعوة يُؤخذ من الكتاب والسنّة، لا يؤخذ من الاصطلاحات والآراء، كما عليه كثير من الدعاة اليوم، يأخذون مناهجهم من العادات والآراء والمقترحات، لا من الكتاب والسنّة، انظروا إلى هذه الآية: " ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) ﴾ "، وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ، وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) ﴾ ، فهذا من أعظم مناهج الدعوة.
لما نزلت عليه هذه الآية الكريمة بادر ﵊ بامتثال أمر الله، وصعد على الصفا، الجبل المعروف، وكونه "صعد الصفا" فيه مشروعية أن يكون الخطيب والمبلّغ على مُرْتَفَع من أجل أن يراه الناس، ومن أجل أن يَبْلُغ صوته إلى الحاضرين والمستمعين.
فقال: "يا معشر قريش" المعشر: الجماعة، أي: يا جماعة قريش، يقال: إنهم من العشرة فأكثر. وقريش: القبيلة المشهورة التي بُعث منها رسول الله ﷺ ، لأنه ﷺ من بني هاشم، وبنو هاشم من قريش، صميم العرب، وجيران بيت الله العتيق.
"اشتروا أنفسكم" أي: افتدوها من عذاب الله، أنقذوها من عذاب الله. بماذا يشترون أنفسهم؟، يشترون أنفسهم بالدخول في الإسلام، وتوحيد الله ، وترك عبادة ما سواه، هذا هو الذي يشترون به أنفسهم، فافتداء الإنسان نفسه من النار إنما يكون بطاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ ، وبدون ذلك لا يمكن أن ينجوَ من عذاب الله، ولو قدّم الأموال الطائلة، فمن مات على الكفر، فإنه لو قدّم ملء الأرض من الذهب يشتري نفسه من النار لا يمكن هذا، لكن لو مات على التّوحيد، وعلى العقيدة الصحيحة، فقد اشترى نفسه من النار، فلا نجاة من النار إلاّ بطاعة الله وطاعة
стр. 212
رسوله ﷺ ، والموت على عقيدة التّوحيد الخالص، والسلامة من الشرك: "من مات وهو لا يدعو لله نِدًّا دخل الجنّة، ومن مات وهو يدعو لله نِدًّا دخل النار".
"لا أُغني عنكم من الله شيئاً" أي: لا ينفعكم أني منكم، وأنتم قبيلتي، هذا لا ينفعكم عند الله شيئاً.
وفي هذا دليل على بُطلان التعلق على الأشخاص، والتعلق على الأولياء والصالحين، واعتقاد أنهم يقرِّبون إلى الله زُلفى، كما يفعله المشركون قديماً وحديثاً، الذين يتعلقون على الأولياء والصالحين، ويعتقدون أنهم يشفعون لهم عند الله، وأنهم يتوسّطون لهم عند الله، ويتقرّبون إلى الأولياء والصالحين بالذبح، والنذر، والاستغاثة، والاستعاذة، والدعاء، كما قال الله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ، هذا زعمهم.
ولا يزال هذا عند بعض الناس إلى اليوم، هناك طوائف كثيرة من عُبّاد القبور، والصوفية، وغيرهم يعتقدون أن الأولياء والسادة أنهم يُكْفونهم المؤنة، ويذهبون إلى أضرحتهم، ويتمسحون بها، ويذبحون عندها، وينذرون لها، ويهتفون بأسمائهم ويظنون أن هذا ينفعهم عند الله تعالى، وفي هذا الحديث وغيره ردٌّ على هؤلاء، لأنه إذا كان الرسول ﷺ وهو أشرف الخلق، وأقرب الخلق إلى الله، وأكرمهم على الله يقول لعشيرته وأقاربه: "لا أُغني عنكم من الله شيئاً" فكيف يتعلق الناس على المخلوقين؟.
فالواجب أن يتعلق الناس بربهم ، وأن يتقربوا إليه بالطاعة والعبادة، ويُخلصوا له التّوحيد، هذا هو طريق النجاة، أما التعدي عدى المخلوقين، ولو كانوا أنبياء أو صالحين أو أولياء، فإنهم لا ينفعون من تعلق بهم، وتوسل بهم، أو بجاههم أو بحقهم، هذا كله باطل، وتعبٌ بلا فائدة، بل هو ضلالة، وقد صرّح الله جل وعلا في القرآن بهذا، حينما قال لنبيه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) ﴾ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ
стр. 213
يا عباس بن عند المطلب، لا أغني عنك من الله شيئاً.
ــ
يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ ، هذا صريح لا يحتاج إلى كثير تأمّل، لأنه واضح من الكتاب والسنّة، ولكن الشيطان سَوَّل لهم وأملى لهم، اتبعوا العوائد، واتبعوا وقلّدوا أهل الضلال، ومشوا على طريقهم، وتركوا الكتاب والسنّة والله جل وعلا قريب مجيب، لا يحتاج إلى من يبلّغه عن خلقه، هو قريب مجيب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) ﴾ ، "ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: "هل من سائل فأعطيه؟، هل من مستغفر فأغفر له؟، هل من تائب فأتوب عليه؟ "، لم يقل لنا قدِّموا حوائجكم إلى الأولياء والوسائط، وهم يقدِّمونها لي، بل إنه سبحانه هو الذي تكفّل بالإجابة، وطلب من عباده أن يتقرّبوا إليه، وأن يدعوه، وأن يستغفروه، وأن يسألوه، لماذا يذهب المخلوق إلى غير الله ؟، هذا من غرور الشيطان، نسأل الله العافية والسلامة، الحق واضح - ولله الحمد-، ما فيه خفاء، لو أن الناس سَلِمُوا من دعاة الضلال، ومن المخرفين، ومن الدجالين، لو أن الناس استعملوا عقولهم وبصائرهم، وأقبلوا على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، لوجدوا الحق واضحاً لا خفاء فيه.
فقوله: "يا معشر قريش، لا أُغني عنكم من الله شيئاً" عمّم ﷺ في الإنذار لجميع قريش، وجميع بطونها، وجميع أفخاذها وقبائلها.
ثم خص ﷺ الأقربين إليه، فقال: "يا عبّاس ابن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئاً" العبّاس بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ ، فإذا كان لا يُغني عن عمه شيئاً، فكيف يغني عن غيره؟، وإذا كان أبو لهب عم الرسول ﷺ أيضاً، ولكنه أبى أن يدخل في الإسلام، واستمر على الشرك وآذى رسول الله ﷺ ، أنزل الله فيه سورة تُقرأ إلى يوم القيامة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ﴾ ، التَّبْ هو: الخسارة، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) ﴾ ، هذا عمّ الرسول ﷺ ، لكنه كان كافراً، فلم ينفعه قرابته من الرسول ﷺ ، وكذلك أبو طالب مع قُرْبِه من الرسول ﷺ ، وحمايته للرسول، ودفاعه عنه، لما أبى أن يُسلم، وقال: "هو على ملّه عبد المطلب" وأراد
стр. 214
يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أُغني عنك من الله شيئاً. ويا فاطمة بنت محمد؛ سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنك من الله شيئاً".
ــ
النبي ﷺ أن يستغفر له، أنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) ﴾ . وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .
ثم قال: "يا صفية عمّة رسول الله ﷺ لا أُغني عنك من الله شيئاً" مثل عمه العباس.
ثم خص أقرب من هؤلاء، وهي بنته، التي هي بَضْعَة منه، فقال: "يا فاطمة بنت محمد؛ سليني من مالي" يعني: اطلبي مني شيئاً أملكه وهو المال، أما النجاة من النار فهذه لا أملكها: "لا أُغني عنك من الله شيئاً" أما الآخرة، والنجاة من النار، والدخول في الجنة، فهذا إنما يُطلب من الله ، ويحصل عليه بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .
انظروا كيف أن الرسول ﷺ عمّم أوّلاً جميع قريش، ثم خصّ عمه وعمّته ثم خصّ بنته، فهذا بيان واضح بأنه ﷺ لا يملك النجاة والإنقاذ من النار لمن هُم أقرب الناس إليه: قبيلته قريش، وعمه وعمته إخوان أبيه، بل ولده، عمّم وخصص ﷺ في هذا. فأين من يقول:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
فهذا فيه دليل على مسألة مهمة وهي: أنه لا يجوز الاعتماد على النسب والقرابة من الأنبياء والصالحين، لأنه لا يُغني عند الله شيئاً: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) ﴾ ، هذا عام في كل الناس وقرابات الأنبياء وغيرهم، وقال ﷺ : "من بَطَّأ به عمله لم يُسرع به نسبه"، قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، فالاعتبار بالتقوى لا بالنسب، النسب إنما يُستعمل في الدنيا: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ يعرف بعضكم بعضاً، كلٌّ يعرف قرابته وقبيلته، أما في الآخرة فلا ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ ، لا يبقى إلاّ الأعمال فقط، ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ ، فالله لا ينفع عنده إلاّ العمل الصالح.
стр. 215
وقال الخليل ﵊: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) ﴾ ، يقول بعضهم: أنا من أهل البيت، ويتكّل على هذا، ولا يَحْفَل بالأعمال الصالحة، يظن أن كونه من أهل البيت يكفي، وهذا غرور من الشيطان، هذا الرسول ﷺ يقول لابنته سيدة نساء العالمين، يقول لها: "سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنك من الله شيئاً" وهي بنته، أليست في مقدمة أهل البيت؟، "لا أُغني عنك من الله شيئاً" فكيف يأتي من يأتي ويقول: أنا من أهل البيت، ويتكِّل على هذا، ويتبرك الناس به، ويتمسّحون به، ويَلْحَسُون أقدامه، ويظنون أن هذا ينجيهم من عذاب الله، هذا باطل وغرور، ولا نجاة إلاّ بالأعمال الصالحة.
هذا أبو لهب، وأبو طالب، وهم أعمام الرسول ﷺ ، لما لم يؤمنوا لم ينفعهم قرابتهم من الرسول ﷺ .
وهذا بلال، وعمّار بن ياسر، وصُهَيب، وخبّاب موالي، وصاروا من سادات المهاجرين، ومن سادات المؤمنين، ما ضرهم أنهم موالي، وقال في سلمان الفارسي: "سلمان منّا أهل البيت" رضي الله تعالى عن الجميع، والسبب: الإيمان والعمل الصالح، فمجرد كون الرجل من أهل البيت، أو من قرابة الرسول لا يُغني عنه شيئاً، ولا ينفعه شيئاً، كما لم ينفع أبا طالب وأبا لهب وغيرهم من عشيرة الرسول ﷺ لما لم يؤمنوا، بل إن بعض الغُلاة يقول: إن التسمي بمحمد يكفي، يقول صاحب "البُرْدة":
فإن لي ذمّة منه بتسميتي محمداً ... وهو أوفى الخلق بالذمم
لا ينفع عند الله إلاّ العمل الصالح، لا الأسماء، ولا القبائل، ولا شرف النسب، ولا كون الإنسان من بيت النبوّة، كل هذا لا ينفع إلاّ مع العمل الصالح والاستقامة على دين الله .
نعم، القرابة من الرسول ﷺ إذا كانت مع العمل الصالح لها فضل لا شك فيه، فأهل البيت الصالحون المستقيمون على دين الله لهم حق، ولهم شرف، ولهم كرامة، ويجب الوفاء بحقهم، طاعة للرسول ﷺ ، فإنه أوصى بقرابته وأهل بيته، لكن
следующие страницы →