Полный текст (705 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
"يا معشر قريش (أو كلمة نحوها) اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً.
ــ
السليم، أما الذي يتعدّى بيته،. ويتعدّى بلده، ويذهب إلى الناس البعيدين يدعوهم إلى الله، وبيته فيه الجهل، وفيه الأخطاء الكثيرة، والمخالفات، أو في بلده وجماعته الأخطاء الكثيرة والمخالفات، فهذا ليس من منهج الدعوة.
هذا أمر يجب أن نتفطّن له، فمنهج الدعوة يُؤخذ من الكتاب والسنّة، لا يؤخذ من الاصطلاحات والآراء، كما عليه كثير من الدعاة اليوم، يأخذون مناهجهم من العادات والآراء والمقترحات، لا من الكتاب والسنّة، انظروا إلى هذه الآية: " ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) ﴾ "، وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ، وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) ﴾ ، فهذا من أعظم مناهج الدعوة.
لما نزلت عليه هذه الآية الكريمة بادر ﵊ بامتثال أمر الله، وصعد على الصفا، الجبل المعروف، وكونه "صعد الصفا" فيه مشروعية أن يكون الخطيب والمبلّغ على مُرْتَفَع من أجل أن يراه الناس، ومن أجل أن يَبْلُغ صوته إلى الحاضرين والمستمعين.
فقال: "يا معشر قريش" المعشر: الجماعة، أي: يا جماعة قريش، يقال: إنهم من العشرة فأكثر. وقريش: القبيلة المشهورة التي بُعث منها رسول الله ﷺ ، لأنه ﷺ من بني هاشم، وبنو هاشم من قريش، صميم العرب، وجيران بيت الله العتيق.
"اشتروا أنفسكم" أي: افتدوها من عذاب الله، أنقذوها من عذاب الله. بماذا يشترون أنفسهم؟، يشترون أنفسهم بالدخول في الإسلام، وتوحيد الله ، وترك عبادة ما سواه، هذا هو الذي يشترون به أنفسهم، فافتداء الإنسان نفسه من النار إنما يكون بطاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ ، وبدون ذلك لا يمكن أن ينجوَ من عذاب الله، ولو قدّم الأموال الطائلة، فمن مات على الكفر، فإنه لو قدّم ملء الأرض من الذهب يشتري نفسه من النار لا يمكن هذا، لكن لو مات على التّوحيد، وعلى العقيدة الصحيحة، فقد اشترى نفسه من النار، فلا نجاة من النار إلاّ بطاعة الله وطاعة
стр. 212
رسوله ﷺ ، والموت على عقيدة التّوحيد الخالص، والسلامة من الشرك: "من مات وهو لا يدعو لله نِدًّا دخل الجنّة، ومن مات وهو يدعو لله نِدًّا دخل النار".
"لا أُغني عنكم من الله شيئاً" أي: لا ينفعكم أني منكم، وأنتم قبيلتي، هذا لا ينفعكم عند الله شيئاً.
وفي هذا دليل على بُطلان التعلق على الأشخاص، والتعلق على الأولياء والصالحين، واعتقاد أنهم يقرِّبون إلى الله زُلفى، كما يفعله المشركون قديماً وحديثاً، الذين يتعلقون على الأولياء والصالحين، ويعتقدون أنهم يشفعون لهم عند الله، وأنهم يتوسّطون لهم عند الله، ويتقرّبون إلى الأولياء والصالحين بالذبح، والنذر، والاستغاثة، والاستعاذة، والدعاء، كما قال الله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ، هذا زعمهم.
ولا يزال هذا عند بعض الناس إلى اليوم، هناك طوائف كثيرة من عُبّاد القبور، والصوفية، وغيرهم يعتقدون أن الأولياء والسادة أنهم يُكْفونهم المؤنة، ويذهبون إلى أضرحتهم، ويتمسحون بها، ويذبحون عندها، وينذرون لها، ويهتفون بأسمائهم ويظنون أن هذا ينفعهم عند الله تعالى، وفي هذا الحديث وغيره ردٌّ على هؤلاء، لأنه إذا كان الرسول ﷺ وهو أشرف الخلق، وأقرب الخلق إلى الله، وأكرمهم على الله يقول لعشيرته وأقاربه: "لا أُغني عنكم من الله شيئاً" فكيف يتعلق الناس على المخلوقين؟.
فالواجب أن يتعلق الناس بربهم ، وأن يتقربوا إليه بالطاعة والعبادة، ويُخلصوا له التّوحيد، هذا هو طريق النجاة، أما التعدي عدى المخلوقين، ولو كانوا أنبياء أو صالحين أو أولياء، فإنهم لا ينفعون من تعلق بهم، وتوسل بهم، أو بجاههم أو بحقهم، هذا كله باطل، وتعبٌ بلا فائدة، بل هو ضلالة، وقد صرّح الله جل وعلا في القرآن بهذا، حينما قال لنبيه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) ﴾ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ
стр. 213
يا عباس بن عند المطلب، لا أغني عنك من الله شيئاً.
ــ
يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ ، هذا صريح لا يحتاج إلى كثير تأمّل، لأنه واضح من الكتاب والسنّة، ولكن الشيطان سَوَّل لهم وأملى لهم، اتبعوا العوائد، واتبعوا وقلّدوا أهل الضلال، ومشوا على طريقهم، وتركوا الكتاب والسنّة والله جل وعلا قريب مجيب، لا يحتاج إلى من يبلّغه عن خلقه، هو قريب مجيب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) ﴾ ، "ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: "هل من سائل فأعطيه؟، هل من مستغفر فأغفر له؟، هل من تائب فأتوب عليه؟ "، لم يقل لنا قدِّموا حوائجكم إلى الأولياء والوسائط، وهم يقدِّمونها لي، بل إنه سبحانه هو الذي تكفّل بالإجابة، وطلب من عباده أن يتقرّبوا إليه، وأن يدعوه، وأن يستغفروه، وأن يسألوه، لماذا يذهب المخلوق إلى غير الله ؟، هذا من غرور الشيطان، نسأل الله العافية والسلامة، الحق واضح - ولله الحمد-، ما فيه خفاء، لو أن الناس سَلِمُوا من دعاة الضلال، ومن المخرفين، ومن الدجالين، لو أن الناس استعملوا عقولهم وبصائرهم، وأقبلوا على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، لوجدوا الحق واضحاً لا خفاء فيه.
فقوله: "يا معشر قريش، لا أُغني عنكم من الله شيئاً" عمّم ﷺ في الإنذار لجميع قريش، وجميع بطونها، وجميع أفخاذها وقبائلها.
ثم خص ﷺ الأقربين إليه، فقال: "يا عبّاس ابن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئاً" العبّاس بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ ، فإذا كان لا يُغني عن عمه شيئاً، فكيف يغني عن غيره؟، وإذا كان أبو لهب عم الرسول ﷺ أيضاً، ولكنه أبى أن يدخل في الإسلام، واستمر على الشرك وآذى رسول الله ﷺ ، أنزل الله فيه سورة تُقرأ إلى يوم القيامة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ﴾ ، التَّبْ هو: الخسارة، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) ﴾ ، هذا عمّ الرسول ﷺ ، لكنه كان كافراً، فلم ينفعه قرابته من الرسول ﷺ ، وكذلك أبو طالب مع قُرْبِه من الرسول ﷺ ، وحمايته للرسول، ودفاعه عنه، لما أبى أن يُسلم، وقال: "هو على ملّه عبد المطلب" وأراد
стр. 214
يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أُغني عنك من الله شيئاً. ويا فاطمة بنت محمد؛ سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنك من الله شيئاً".
ــ
النبي ﷺ أن يستغفر له، أنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) ﴾ . وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .
ثم قال: "يا صفية عمّة رسول الله ﷺ لا أُغني عنك من الله شيئاً" مثل عمه العباس.
ثم خص أقرب من هؤلاء، وهي بنته، التي هي بَضْعَة منه، فقال: "يا فاطمة بنت محمد؛ سليني من مالي" يعني: اطلبي مني شيئاً أملكه وهو المال، أما النجاة من النار فهذه لا أملكها: "لا أُغني عنك من الله شيئاً" أما الآخرة، والنجاة من النار، والدخول في الجنة، فهذا إنما يُطلب من الله ، ويحصل عليه بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .
انظروا كيف أن الرسول ﷺ عمّم أوّلاً جميع قريش، ثم خصّ عمه وعمّته ثم خصّ بنته، فهذا بيان واضح بأنه ﷺ لا يملك النجاة والإنقاذ من النار لمن هُم أقرب الناس إليه: قبيلته قريش، وعمه وعمته إخوان أبيه، بل ولده، عمّم وخصص ﷺ في هذا. فأين من يقول:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
فهذا فيه دليل على مسألة مهمة وهي: أنه لا يجوز الاعتماد على النسب والقرابة من الأنبياء والصالحين، لأنه لا يُغني عند الله شيئاً: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) ﴾ ، هذا عام في كل الناس وقرابات الأنبياء وغيرهم، وقال ﷺ : "من بَطَّأ به عمله لم يُسرع به نسبه"، قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، فالاعتبار بالتقوى لا بالنسب، النسب إنما يُستعمل في الدنيا: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ يعرف بعضكم بعضاً، كلٌّ يعرف قرابته وقبيلته، أما في الآخرة فلا ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ ، لا يبقى إلاّ الأعمال فقط، ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ ، فالله لا ينفع عنده إلاّ العمل الصالح.
стр. 215
وقال الخليل ﵊: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) ﴾ ، يقول بعضهم: أنا من أهل البيت، ويتكّل على هذا، ولا يَحْفَل بالأعمال الصالحة، يظن أن كونه من أهل البيت يكفي، وهذا غرور من الشيطان، هذا الرسول ﷺ يقول لابنته سيدة نساء العالمين، يقول لها: "سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنك من الله شيئاً" وهي بنته، أليست في مقدمة أهل البيت؟، "لا أُغني عنك من الله شيئاً" فكيف يأتي من يأتي ويقول: أنا من أهل البيت، ويتكِّل على هذا، ويتبرك الناس به، ويتمسّحون به، ويَلْحَسُون أقدامه، ويظنون أن هذا ينجيهم من عذاب الله، هذا باطل وغرور، ولا نجاة إلاّ بالأعمال الصالحة.
هذا أبو لهب، وأبو طالب، وهم أعمام الرسول ﷺ ، لما لم يؤمنوا لم ينفعهم قرابتهم من الرسول ﷺ .
وهذا بلال، وعمّار بن ياسر، وصُهَيب، وخبّاب موالي، وصاروا من سادات المهاجرين، ومن سادات المؤمنين، ما ضرهم أنهم موالي، وقال في سلمان الفارسي: "سلمان منّا أهل البيت" رضي الله تعالى عن الجميع، والسبب: الإيمان والعمل الصالح، فمجرد كون الرجل من أهل البيت، أو من قرابة الرسول لا يُغني عنه شيئاً، ولا ينفعه شيئاً، كما لم ينفع أبا طالب وأبا لهب وغيرهم من عشيرة الرسول ﷺ لما لم يؤمنوا، بل إن بعض الغُلاة يقول: إن التسمي بمحمد يكفي، يقول صاحب "البُرْدة":
فإن لي ذمّة منه بتسميتي محمداً ... وهو أوفى الخلق بالذمم
لا ينفع عند الله إلاّ العمل الصالح، لا الأسماء، ولا القبائل، ولا شرف النسب، ولا كون الإنسان من بيت النبوّة، كل هذا لا ينفع إلاّ مع العمل الصالح والاستقامة على دين الله .
نعم، القرابة من الرسول ﷺ إذا كانت مع العمل الصالح لها فضل لا شك فيه، فأهل البيت الصالحون المستقيمون على دين الله لهم حق، ولهم شرف، ولهم كرامة، ويجب الوفاء بحقهم، طاعة للرسول ﷺ ، فإنه أوصى بقرابته وأهل بيته، لكن
стр. 216
يريد القرابة وأهل البيت المستقيمين على طاعة الله ، أما المخرّف والدجّال والمشعوذ الذي يعتمد على قرابته من الرسول، ولكنه في العمل مخالف للرسول ﷺ ، فهذا لا يُغنيه شيئاً عند الله، لو كان هذا ينفع لنفع أبا لهب، ونفع أبا طالب، ونفع غيرهم ممن لم يدخلوا في دين الله، وهم من قرابة الرسول ﷺ ، فالواجب أن نتنبّه لهذا.
فهدا الحديث اشتمل على مسائل عظيمة- كما ذكرت-:
المسألة الأولى: المبادرة إلى تنفيذ أمر الله، وأن الإنسان لا يتوانى في ذلك.
المسألة الثانية: أن الداعية يبدأ بأقرب الناس إليه، وبأهل بيته أوّلاً.
المسألة الثالثة: أنه لا يجوز الاعتماد على الأشخاص والأولياء والصالحين، واعتقاد أنهم يقرِّبون إلى الله، بل على الإنسان أن يعمل لنفسه، وأن يتقّي الله في نفسه، وأن يتقرّب إلى الله مباشرة، بدون واسطة أحد، لأن الله قريب مجيب.
المسألة الرابعة:- وهي مهمة جدًّا-: أن الانتساب إلى أهل البيت، أو القرابة من الرسول ﷺ لا تنفع إلاّ مع العمل الصالح، أما بدون ذلك فإنها لا تنفع عن الله.
والواجب أن يتنبّه المسلمون لهذه الأمور.
стр. 217
[الباب السادس عشر:] *بابُ قول الله تعالى
﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ .
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء؛
ــ
مُراد الشيخ ﵀ بهذا الباب: أن يبيّن تفسير هذه الآية، كما جاءت بذلك السنّة عن النبي ﷺ ، فإن هذه الآية فسّرتها السنّة بالأحاديث التي ذكرها الشيخ في هذا الباب، والغرض من ذلك إتمام ما سبق في الأبواب السابقة من بيان أدلة بُطلان الشرك.
ففي الأبواب السابقة بيّن الشيخ ﵀ بيان بُطلان عبادة الأنبياء والصالحين من بني آدم، بالأدلة التي سبقت من الكتاب والسنّة.
وفي هذا الباب يبيّن بُطلان عبادة الملائكة، لأن الملائكة عُبدوا من دون الله، فهذا الباب مكمِّلٌ للأبواب السابقة التي قبله في بيان بُطلان عبادة كل من عُبد من دون الله من الأنبياء، والأولياء، والصالحين، والملائكة، لأنهم إذا بطلت عبادة هؤلاء، فبُطلان عبادة من دونهم من باب أولى، وإذا بطل ذلك في حق الملائكة وهم أقوى الخلق خِلقة، ومن أقربهم إلى الله منزلة فلأن تبطل عبادة من سواهم من الآدميين والجن والإنس من باب أولى، هذا فقه هذه الترجمة.
قوله: "إذا قضى الله الأمر" معناه: إذا تكلّم الله بالوحي، كما في حديث النواس بن سَمْعان الذي في آخر الباب بهذا اللفظ: "إذا تكلم الله بالوحي" وهذا معنى قوله: "قضى الله الأمر في السماء"، ففي ذلك إثبات الكلام لله ، وأنه كلام يُسمع، تسمعه الملائكة، وإذا سمعوه صَعِقوا وخَرُّوا- كما يأتي-، خَرُّوا لله سُجّداً، تعظيماً لله .
وفي قوله: "في السماء" هذا فيه إثبات علوّ الله ، فهو كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ
стр. 218
ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان،
ــ
يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ ، والذي في السماء هو الله ، أي: العلو، هو العلي الأعلى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، والعرش هو أعلى المخلوقات، وسقف المخلوقات وأعظمها.
وقال النبي ﷺ للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال لسيّدها: "أعتقها، فإنها مؤمنة" والأدّلة على ذلك كثيرة، وقد صنّف الحافظ الذهبي ﵀ كتاباً سمّاه: "العلو للعليّ الغفّار" ساق فيه الأدلة على علو الله على عرشه، وهي كثيرة.
قال العلماء: إن أدلة علو الله على عرشه تبلغ ألف دليل أو أكثر من الوحي، ومن الفطرة، ومن الأدلة العقلية، وهذا ثابت لا شك فيه، ولا ينكره إلاّ الملاحدة من الجهميّة وغيرهم.
وقوله: "ضربت الملائكة بأجنحتها" الملائكة من أعظم المخلوقات، لا يعلم عِظَمِ خِلْقة الملائكة إلاّ الله ، وإذا كانوا على هذه الحالة من العِظَم، ومع هذا لا تصلح عبادتهم من دون الله، فهم مع قوّتهم وعِظَم خِلْقَتهم يخافون من الله ، إذا سمعوا كلامه ضربوا بأجنحتهم. وهذا فيه إثبات الأجنحة للملائكة، وهي ثابتة بالقرآن كما في قوله تعالى: ﴿رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ .
"خضَعاناً" هذا مفعول لأجله، يعني: لماذا ضربوا بأجنحتهم؟، لأجل الخضوع لله. وتعظيماً له، وخوفاً منه .
فإن كانت هذه حالتهم فلا يجوز أن يُعبدوا مع الله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ، قال تعالى في حقهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ يعني: الملائكة ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ .
"لقوله" أي: لقول الله ، فيه إثبات القول لله، وإثبات الكلام لله جلّ وعلا، وأنه يتكلّم كما يليق بجلاله ، كلاماً يُسمع، تسمعه الملائكة، ويسمعه جبريل، وإذا سمعه الملائكة أصابهم هذا الرُّعب والخوف من الله.
قوله: "كأنه" أي: كأن قوله تعالى ويكَلُّمه سبحانه بالوحي.
"سلسلة على صفوان " تشبيه لصوت الوحي الذي يأتي إلى المَلَك، أو صوت
стр. 219
ينفذهم ذلك ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . فيسمعها مُسْتَرِق السمع، ومُسْتَرِق السمع هكذا بعضه فوق بعض" وصفه سفيان بكفه، فحرّفها وبدّد بين أصابعه.
ــ
المَلَك نفسه بصوت السلسلة إذا جُرّت على حجر أمْلَس.
"ينفذهم ذلك" أي: أن كلام الله يبلغ إلى قلوبهم فيخافون.
" ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ " يعني: أُزيل عنها الفزع، تساءلوا بينهم: ماذا قال ربكم؟.
" ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ " أي قال بعضهم لبعض: قال الله الحق، لأن كلامه حق .
قال ﷺ : "فيسمعها مسترق السمع" المسترق هو: الذي يأخذ الشيء بسرعة وخُفية، ومنه سمّي السارق الذي يأخذ المال على وجه الخُفية والسرعة حيث لا يراه أحد، ومسترق السمع، هو الشيطان الذي يخطف الكلمة من الوحي الذي تتكلم به الملائكة في السماء، قال تعالى: ﴿إِلَّامَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) ﴾ .
"ومسترق السمع هكذا بعضهم فوق بعض" معناه: أن الشياطين يَعْلُو بعضها بعضاً حتى تصل إلى عنان السماء، كل واحد يركب على الآخر، من أجل استراق السمع.
"وصفه سفيان" يعني: راوي الحديث، وهو سفيان بن عيينة، أحد كبار المحدِّثين المشهورين الثقات الأثبات ﵀.
يعني: وصف تراكمهم ووصف ركوب بعضهم فوق بعض في الجو.
"بكفه، فحرّفها" يعني: أمالها، وفرّق أصابعها، والأصابع يكون بعضها فوق بعض، هذا معناه: أن سفيان أراد أن يوضّح لتلاميذه والرواة عنه بالمثال المحسوس المشاهد عملية الشياطين في الهواء، فهذا فيه من وسائل التعليم: ضرب الأمثلة للطلاّب حتى يفهموا، مثل ما فعل النبي ﷺ لما أراد أن يفسّر قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ، فالنبي ﷺ أراد أن يوضّح هذه الآية بمثال محسوس: خطّ خطّاً مستقيماً على الأرض، وخطّ عن يمينه وشماله خطوطاً، وقال للمستقيم: "هذا صراط الله" وقال للأخرى: " هذه سُبُل، على
стр. 220
"فيسمع الكلمة فيُلقيها إلى من تحته، ثم يُلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يُلقيها على لسان الساحر أو الكاهن،
ــ
كل سبيل منها شيطان يدعو الناس إليها" هذا توضيح للمعاني بالمحسوسات، وهي طريقة شرعية، وطريقة ناجحة في الإفهام، وهذا ما أراده سفيان ﵁ من وصفه عمليّة الشياطين في الهوى بكفه وجعْل أصابعه بعضها فوق بعض مفرِّجة من أجل أن يوضّح لهم.
وقوله: "فيسمع الكلمة" أي: يسمع مسترق السَّمع الكلمة مما تكلّمت به الملائكة، فيُلقيها إلى من تحته من الشياطين، والذي تحته يُلقيها إلى الآخر، واحداً بعد واحد، حتى يُلقيها الأخير على لسان الساحر أو الكاهن من بني آدم.
فهذا فيه دليل على أن السّحرة والكهان يتلقون عن الشياطين، ففيه إبطال لعمل السّحرة والكهان، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) ﴾ ، هذا خبر من الله أنّ الكهان والسحرة يتلّقون عن الشياطين، فهذا فيه بُطلان السحر والكهانة، وأن مصدرهما واحد؛ عن الشياطين الذين هم أكفر الخلق، وأَغَشُّ الخلق للخلق.
والسحر معروف، وهو: عملية يعلمها الساحر إما بالعُقَد والنَّفْث ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) ﴾ ، وإما بكلام الكفر والشرك، فهو عزائم ورُقى شيطانية، وإما بمواد خبيثة تركّب بعضها مع بعض ثم يتكوّن منها السحر، فالسحر عمل شيطاني، والسحر كفر، والساحر كافر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ، فدلّ على أن الذي يتعلم السحر يكفر، لأن السحر كفر.
وأما الكِهانة فمعناها: الإخبار عن المغيبات بسبب ما يتلقاه الكاهن عن الشيطان، لأن الشيطان يخبر الكاهن بأمور غائبة عن بني آدم، لأن الشيطان عنده قدرة أكبر من قدرة بني آدم، فهو يطير في الهواء، ويصل إلى السحاب، ويسترق السمع، ويطير بسرعة من الأمكنة البعيدة، فعنده مقدرة ليست عند الإنسي، فالإنسي يخضع للشيطان، ويتقرب إلى الشيطان بما يحب من الكفر بالله والشرك بالله حتى
стр. 221
فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيُقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟، فيُصرَّف بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء".
ــ
يخدمه الشيطان بما يريد من الأمور الغائبة عن بني آدم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) ﴾ ، هذا فيه أن الله إذا حشر الشياطين يوم القيامة وحشر الكهان وعملاء الشياطين يوبخهم: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ﴾ ، يعني: أهلكتم كثيراً من الإنس، ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ﴾ ، يعني: الكهان والسحرة وكل من يتعامل مع الشياطين ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ هم خدمونا ونحن خدمناهم في الدنيا ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ الآن وقفنا بين يديك يا ربنا، فيقول: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ ، هذا مآل السحرة والكهان مع أوليائهم من الشياطين.
وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (٦) ﴾ يقولون: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ أي: خوفاً. أما لو أنهم عاذوا بالله لأعاذهم وقوّاهم، وأذهب ما بهم من الفزع، ولا يضرهم أحد إذا توكلوا على الله وعاذوا بالله، لكن عاذوا بمخلوق فأذلهم الله .
وقوله: "حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن" دلّ على أنهما من فصيلة واحدة، وأنهم يتلقون عن الشياطين.
قال سبحانه مبيّناً سند الكهان والسحرة والمشعوذين: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) ﴾ .
قوله: "فيكذب معها مائة كذبة" هذا المقصود من استراق السمع؟، من أجل أن يخدعوا الإنس، ومن أجل أن يخلطوا الحق بالباطل، ويلبسوا الحق بالباطل، لأنهم لو جاءوا بالباطل الخالص المحض ما صدقهم أحد، لكن إذا خلطوه بشيء من الحق صدقهم الناس، فيكون هذا فيه فتنة لضعفاء الإيمان وضعفاء العقول، يأخذون الباطل الكثير بسبب حق يسير خالطه.
стр. 222
وهذا واقع في النّاس الآن فكثير من النّاس يتبع أئمة الضلال، ويتبع الفرق الضالة والجماعات المنحرفة بسبب أن عندهم شيئاً من الحسنات أو شيئاً من الحق، ولا ينظر إلى كثرة الباطل الذي هم عليه، وهذا بلاء وفتنة للناس، ليس هذا خاصًّا بالكهان والسحرة، بل هذا عام في كل من تقبل الباطل بسبب التباسه بشيء من الحق.
قوله: "فيقال: أليس قد قال يوم كذا وكذا: كذ وكذا؟. فيُصدّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء" هذه الفتنة العظيمة: لبس الحق بالباطل، لأن الباطل لو كان مكشوفاً واضحاً خالصاً ما قبله أحد، وإنما يُقبل الباطل إذا لُبِّس معه شيء من الحق، وهذه فتنة عظيمة يجب أن نتنبه لها.
فالحاصل: أن هذا حديث عظيم، فيه فوائد عظيمة:
الفائدة الأولى: فيه أن السنّة النبوية تفسر القرآن، فهذا الحديث فسر هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ ، ففيه رد على الطائفة الخبيثة التي تريد رفض السنّة والاقتصار على القرآن، وإذا اقتصر على القرآن من أين نفسر القرآن؟، القرآن يفسر بأحد أربعة أمور:
أولاً: يفسّر القرآن بالقرآن.
ثانياً: إذا لم يكن فيه تفسير من القرآن يفسر بسنة الرسول ﷺ .
ثالثاً: إذا لم يكن فيه تفسير من الرسول ﷺ يفسر بأقوال الصحابة، لأنهم تلاميذ الرسول ﷺ ، وعنه تعلموا وتلقوا العلم فهم أدرى النّاس بسنة الرسول ﷺ .
رابعاً: إذا لم يكن هناك تفسير من الصحابة يفسر بمقتضى لغة العرب التي نزل بها، ينظر إلى معنى الكلمة في لغة العرب ويفسر بلغة العرب التي نزل بها.
أما أن يفسر القرآن بغير هذه الطرق فهذا باطل، إما بالقرآن، وإما بالسنّة، وإما بقول الصحابي، وإما بلغة العرب التي نزل بها، ولا يفسر القرآن بغير هذه الوجوه.
نعم، اختلفوا في قول التابعي: هل يفسر به القرآن؟، منهم من يرى ذلك، فيكون وجهاً خامساً، لأن التابعي له خاصية، لأنه تتلمذ على صحابة الرسول ﷺ ، فله ميزة على غيره ممن تتلمذ على غير الصحابة.
стр. 223
أما تفسير القرآن بغير هذه الوجوه فلا يجوز، لأنه قول على الله بلا علم، فالذين يفسرون القرآن بالنظريّات الحديثة -أو ما يسمونه بالعلم الحديث- فهذا خطأ، وهذا قول على الله بلا علم، فالنظريّات هذه عمل بشر، تصدق وتكذب، وكثير منها يكذب، ويأتي نظرية أخرى تبطل هذه النظرية السابقة، مثل: ما عند الأطباء، ومثل: ما عند الفلاسفة، لأنه عمل بشر، فالنظريّات الحديثة لا يفسر بها كلام رب العالمين، ولا يقال: هذا من الإعجاز العلمي- كما يسمونه-، هذا ليس بإعجاز علمي أبداً، كلام الله يُصان عن نظريّات البشر، وعن أقوال البشر، لأن هذه النظريّات تضطرب ويكذب بعضها بعضاً، فهل يفسّر كلام ربنا بنظريّات مضطّربة؟، هذا باطل ولا يجوز، ويجب رفض هذا التفسير، والاقتصار على الوجوه الأربعة- أو الخمسة- التي نصّ عليها أهل العلم، كما ذكرها ابن كثير ﵀، في أول التفسير.
الفائدة الثانية: إثبات صفات الله ، فقد أثبت في هذا الحديث علو الله على خلقه، وأنه في السماء ، وأثبت أن الله يتكلم بكلام يُسمع، تسمعه الملائكة وترتعد عند سماعه.
الفائدة الثالثة: وهي التي عقد المصنف ﵀ بهذا الباب من أجلها: بطلان التعلق على الملائكة، عكس ما كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الملائكة، واعتقاد أنهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيراً.
ففي هذا بطلان الشرك، لأنه إذا بطلت عبادة الملائكة وهم من هم في القوة والمكانة عند الله والقرب من الله، إذا بطل عبادتهم والتعلق عليهم وطلب الحوائج منهم فلأن يبطل ذلك في حق غيرهم من باب أولى، فالذين يتعلقون على القبور وعلى الأضرحة وعلى الأشجار والأحجار، ويتبركون بها، كل هذا باطل، لأن هذه مخلوقات ليس لها من الأمر شيء، مسخرة ليس لها من الأمر شيء، إنما التعلق يكون بالله ، والتوكل على الله، لأن الملائكة مفتقرون إلى الله، وكل المخلوقات مفتقرة إلى الله ، وهو الغني الحميد، هو غني عن غيره، وأما غيره فهم فقراء إليه .
стр. 224
الفائدة الرابعة: في الحديث إثبات استراق السمع، وأن الشياطين قد يسترقون السمع، وهذا كان في الجاهلية كثيراً، فلما بُعث النبي ﷺ حُرست السماء بالشُّهب، وقلّ استراق السمع، قال بعضهم لبعض: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ يعني: هذا في الجاهلية، ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ يعني: بعد بعثة النبي ﷺ ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) ﴾ .
الفائدة الخامسة: فيه بُطلان السحر والكِهانة، وأن مصدرهما واحد، التلقي عن الشياطين، فلا يُقبل السحر، ولا خبر الساحر، ولا تُقبل الكِهانة ولا خبر الكاهن لأن مصدرها باطل، وقد جاء في الحديث: "من أتى كاهناً أو عرّافًا لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً" وفي الحديث الآخر: "من أتى كاهناً أو عرّافاُ فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّد ﷺ " فهذا فيه بطلان السحر والكِهانة، وأنه لا يجوز تصديق السحرة، ولا تصديق الكُهَّان، ولا الذهاب إليهم، لكن في وقتنا الحاضر السحرة والكهان خرجوا على الناس باسم أطباء ومعالجين، وفتحوا محلات، يعالجون فيها المرضى بالسحر والكهانة، لكن لا يقولون: هذا سحر، ولا يقولون: هذا كهانة، بل يُظهرون أنهم يعالجون النّاس بأمور مباحة، ويذكرون الله عند الناس، وقد يقرءون شيئاً من القرآن من أجل التلبيس، ولكن في الخفاء يقول للمريض اذبح شاة على صفة كذا وكذا، ولا تأكل منها، خذ من دمها واعمل كذا وكذا، أو اذبح ديكاً أو دجاجة، يصفه بأوصاف، ويقول له: ولا تذكر اسم الله عليه، أو يسأله عن اسم أمه واسم أبيه، أو يأخذ ثوبه وطاقيته من أجل أن يسأل عملاءه من الشياطين لأن الشياطين يخبر بعضهم بعضاً. ثمّ يقول الساحر أو الكاهن-: فلان هو الذي سحرك، وهو كله تدجيل، والواجب على المسلمين أن يتنبهوا لهذا، وأن يحذروا هؤلاء المشعوذين والدجالين الذين يفسدون عقائد الناس، ويأكلون أموالهم بالباطل.
الفائدة السادسة: ذكرها الشَّيخ ﵀ في قوله: "قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟ " بحيث تُقبل مائة كذبة بسبب كلمة واحدة من الحق، فالنفوس تقبل الباطل، حيث إنها تقبل مائة كذبة بسبب كلمة واحدة من الحق، وهذا فيه: التحذير من لبس الحق بالباطل، وأن لا نغتر بمن يلبس علينا،
стр. 225
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر؛ تكلّم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة " أو قال: رعدة شديدة: خوفاً من الله ،.................................................................................
ــ
يأتي لنا بأشياء من الحق، ويدخل تحتها كثيراً من الباطل والخداع، والواجب على المؤمن أن يكون كَيِّساً فطناً كما قال النبي ﷺ : "المؤمن كَيِّسٌ فطن" ويقول ﷺ : "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، فالمؤمن لا يتسرع بقبول الأقوال أو المذاهب أو المناهج حتى يفحصها تماماً، وكيف يفحصها؟، يعرضها على الكتاب والسنّة إن كان يعرف، وإن كان لا يعرف يسأل عنها أهل العلم وأهل البصيرة، حتى يميزوا له الصحيح من السقيم، هذا واجب علينا جميعاً أننا لا ننخدع بالدعايات المُزَوَّقَة والمستورة والمغلّفة بشيء من المحسّنات حتى نَسْبُرَ غَوْرَها، وَنَخْبُرَ ما بداخلها إن كنا نستطيع ذلك فالحمد لله، وإلاَّ فإننا نسأل أهل العلم وأهل البصيرة الذين يميّزون بين الحق والباطل.
قوله ﷺ : "إذا أراد الله أن يوحي بالأمر" فهذا فيه: إثبات الإرادة لله ، وهي صفة من صفاته، دلّت عليها الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، فالله جل وعلا له إرادة، وإرادته على نوعين:
إرادة كونية، بها يخلق ويرزق، ويهدي ويضل، ويحيي ويميت.
وإرادة شرعية دينية بها يأمر عباده بما يصلحهم وينهاهم عما يضرهم، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، هذه إرادة دينية، كما فصّل ذلك أهل العلم.
"أن يوحي" الوحي هو: الإعلام بسرعة وخفاء، وهو على نوعين: وحي إلهام ووحي إرسال.
وحي الإلهام: يكون بإلهام الله بعض المخلوقات ببعض الأمور مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ أي: ألهمها، ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ ألهم الله أم موسى أن تعمل هذا العمل
стр. 226
فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخرّوا لله سجّداً.
ــ
بولدها لما ولدته، وكان فرعون يقتِّل الذكور، فالله ألهمها أن تعمل هذا العمل من أجل نجاة موسى من هذا الجبار.
وأما وحي الإرسال فهو الذي ينزل به جبريل ﵇ إلى الرسل.
"بالأمر" أي: بالشأن من شؤون الكون والمخلوقات، أو بالأمر من الوحي المنزل على الرسل، فهو عام.
فالأمر على نوعين: كوني وشرعي.
"تكلم بالوحي" تكلماً يليق بجلاله، وهذا فيه: إثبات الكلام لله .
"أخذت السماوات منه رجفة (أو قال: رعدة شديدة) " هذا شك من الراوي، أي: إذا سمعت كلام الله يصيبها خوف وهيبة لكلام الله، وهذا فيه: أن الجمادات تدرك عظمة ربها، وتسبّحه، وتعظمه كما قال : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ، ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ ، وكما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) ﴾ ، في هذا: أن السماوات والأرض تتكلم، وأنها تسبح كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ .
"فإذا سمع ذلك أهل السماوات" يعني: سمع الملائكة كلام الله أيضاً.
"صعِقُوا" بمعنى: أنهم يغشى عليهم من الخوف من الله والهيبة والجلال.
" وخروا لله" يعني: ينحطّون لله "سُجّداً" على وجوههم تعظيماً لله وتعبدًّا لله.
قد يكون السجود قبل الصعق، وقد يكون بعد الصعق، لأن الواو لا تقتضي الترتيب.
وفي هذا دليل على أن الملائكة عباد لله، يخافونه ويهابونه.
وفي هذا ردٌّ على المشركين الذين يعبدون الملائكة، ويزعمون أن الملائكة تقرّبهم إلى الله، كما يقرب خاصة الملوك إلى الملوك من يريد قضاء حاجته منهم، قاسوا الخالق على المخلوقين، تعالى الله عما يقولون، فهذا فيه ردّ عليهم، وهو أن الملائكة عباد، كما قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) ﴾ ، عباد من عباد الله، يخافون
стр. 227
فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد،
ــ
من الله، ويسجدون له، والعبد لا يجوز أن يُعبد، ولا أن يُدعى، ويُستغاث به، وإنما يُعبد الله ، وهذا هو الذي ساق المصنّف ﵀ هذا الحديث من أجله، وهو: الرد على المشركين الذين يتعلقون على المخلوقين في قضاء الحاجات التي لا يقدر عليها إلاّ الله، وتفريج الكربات، وهو أنه إذا كانت الملائكة مع عظمتهم وقوتهم ومكانتهم -بما فيهم جبريل ﵊، كانوا بهذه المثابة إذا سمعوا كلام الله، دلَّ على أنهم ليس لهم من الأمر شيء، وأنه لا يجوز أن يُدعوا، ويُستغاث بهم، وإذا كان هذا في حق الملائكة ففي حق غيرهم من باب أولى، فلا يجوز دعاء الصالحين، أو الاستغاثة بهم، أو التقرب إليهم بالعبادة، أو الذبح، أو النذر، أو غير ذلك، كل هذا باطل، وشرك أكبر.
وفيه دليل على أن السماوات متعددة وأنها سبع طِباق كما تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً (١٥) ﴾ ، قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ، ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ ، ولكل سماء سكان من الملائكة.
"فيكون أول من يرفع رأسه" يعني: من السجود.
"جبريل" وهو: أعظم الملائكة، وهو موكّل بالوحي كما أن ميكائيل موكّل بالقطر والنّبات، وإسرافيل موكّل بالنفخ في الصُّور، وكل نوع من الملائكة له عمل، منهم ملائكة الموت، ورئيسهم مَلَك الموت: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ، ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ .
وهناك ملائكة موكّلون بالأَجِنَّة في الأرحام، كما جاء في الحديث: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثمّ يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثمّ يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثمّ يُرسل إليه المَلَكَ في الطَّوْر الرابع "ويؤمر بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيُّ أو سعيد" فهؤلاء موكّلون بالأَجنَّة في الأرحام.
وهناك ملائكة موكّلون بحفظ أعمال بني آدم، بكتابة الحسنات والسيّئات يلازمون بني آدم، إلاّ في الأحوال الخاصة، دائماً معهم في الليل والنهار يكتبون ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال طيّبة أو رديئة، وهؤلاء يسمون بالحَفَظَة.
стр. 228
ثمّ يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل.
ــ
وهناك ملائكة موكّلون بحفظ الإنسان نفسه، يحفظون الإنسان من المخاطر، ورفع المؤذيات: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ .
وهناك أنواع من الملائكة لا يعلمهم إلاّ الله.
" ثم يمر جبريل على الملائكة" هذا فيه: فضل جبريل ﵇، وأن الله اختصه بائتمانه على الوحي، وأن أهل السماوات يسألونه وهذا دليل على فضله كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) ﴾ ، يعني: ذا مكانة عند الله ، ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: في الملأ الأعلى، تطيعه الملائكة ﴿أَمِينٍ﴾ أمين على الوحي، لا يزيد فيه ولا ينقص- ﵊.
"كلما مر بسماء" هذا كما سبق فيه دليل على تعدّد السموات.
"سأله ملائكتها" هذا فيه دليل على أن لكل سماء ملائكة خاصّون بها.
"ماذا قال ربنا يا جبريل؟، فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل" تعظيماً لله .
وهذا فيه دليل على أن كلام الله حق لا ريب فيه، وأن الملائكة لا تعلم الغيب ولذلك تسأل جبريل.
"وهو العلى" هذا فيه إثبات العلو لله ، والعلو ثلاثة أقسام: علو الذات. وعلو القدر. وعلو القهر. وكلها ثابتة لله .
فهو عليٌّ بذاته فوق مخلوقاته، وهو عليُّ القدر ، وهو عليُّ القهر، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ بجميع أنواع العلو.
وأهل السنّة والجماعة يثبتون العلو بأنواعه الثلاثة.
أما المبتدعة فلا يُثبتون إلاّ علو القدر والقهر فقط، وأما علوّ الذات فينفونه، ولا يثبتون العلو لله ، تعالى الله عما يقولون علوًّ كبيراً.
﴿الكبير﴾ الذي لا أكبر منه ، كل المخلوقات صغيرة بالنّسبة إلى الله ،
стр. 229
ليست بشيء: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ، هذا من عظمته .
فدلّ هذا الحديث على مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: إثبات الكلام لله ، وهذا بإجماع أهل السنّة والجماعة، لم يخالف فيه إلاّ المبتدعة.
المسألة الثانية: إثبات الإدراك للسماوات والخوف من الله، وأنها تُدرك عظمة الله، وتخافه، وهي جمادات، كما دلّت على ذلك الأدلة الأخرى فإذا كانت السماوات تخافه، فكيف لا يخافه ابن آدم هذا الضعيف المسكين؟، كيف لا يخاف من الله ؟.
المسألة الثالثة: وهي المسألة التي ساق المصنف هذا الحديث من أجلها، فيه: أن الملائكة يخافون من الله، ويسجدون له، فدلّ على أنهم عباد محتاجون إلى الله فقراء إلى الله، فهذا يدل على بُطلان دعائهم من دون الله، واتخاذهم وسائط، وشفعاء عند الله ، الملائكة يشفعون، لكن لا يشفعون إلاّ بإذن الله : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ، فلا تحصل الشفاعة عند الله إلاّ بشرطين: الإذن بالشفاعة، ورضاه عن المشفوع فيه، بأن يكون المشفوع فيه من أهل الإيمان، أما الكافر، فقال الله تعالى فيه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) ﴾ ، ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ، وليس الله مثل ملوك الدنيا يشفع الشفعاء عندهم ولو لم يأذنوا، ويضَطَّرُّ الملوك إلى قبول الشفاعة من أجل تأليف الكلمة، ومن أجل حاجتهم للوزراء، أما الله جل وعلا فإنه٤ غني عن عباده، ولا أحد يتقدّم بالشفاعة عنده إلاّ بإذنه، ومحمَّد ﷺ أفضل الخلق، في يوم القيامة في المحشر إذا تقدّمت الخلائق إلى محمَّد تطلب منه الشفاعة لفصل القضاء، لا يشفع إلاّ بعد أن يسجد لله ، ويحمد الله بمحامد عظيمة، ويدعوه بدعاء، ثمّ يقال له: يا محمَّد، ارفع رأسك، وسَلْ تُعط، واشفع تشفّع، فالشفاعة ملك لله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ، وتُطلب الشفاعة من الله، تقول: اللهم شفِّع فيّ نبيّك محمداً ﷺ ، اللهم شفِّع فيّ عبادك الصالحين، تطلبها من الله، أما أن تقول بعد موت
стр. 230
الرسول: يا محمّد اشفع لي، أو يا فلان اشفع لي، تطلبها من الميّت فهذا لا يجوز.
فطلب الشفاعة من القبور شرك أكبر، أما الحي فتُطلب منه الشفاعة بأن يطلب منه أن يدعو الله لمن احتاج إلى ذلك، أما الميّت فلا يقدر على دعاء، ولا يطلب منه شيء.
هذا هو المقصود من إيراد هذا الحديث، وهو بيان حالة الملائكة مع الله ، وأنهم يخافونه، ويَصْعَقُون من هيبته ، ومن سماع كلامه، ويخرُّون لله سجّداً، فدلّ على أنهم عباد فقراء إلى الله، ليس بيدهم شيء إلاّ ما أعطاهم الله ، فلا تجوز دعوتهم من دون الله ، وإذا كان هذا في حق الملائكة ففي حق غيرهم من باب أولى وأحرى.
المسألة الرابعة: فيه دليل على تعظيم كلام الله، وتعظيم القرآن الكريم، لأنه كلام الله، ووحي من الله، فيجب تعظيمه، والخشوع عند سماعه، والخوف مما فيه من الوعيد، والتهديد، والرجاء بما فيه من الوعد الكريم، فكلام الله يكرّم، ويُهاب، ويعظّم، ليس مثل كلام المخلوقين، وكذلك حديث الرسول ﷺ يجلّ ويعظم، لأنه وحي من الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) ﴾ ، فهو وحي من الله، وكلام رسوله ﷺ .
المسألة الخامسة: فيه فضل جبريل- ﵊، وأنّه موكّل بالوحي، وأن الملائكة كلهم يسألونه: ماذا قال ربنا؟، هذا دليل على فضله ومكانته عند الله .
المسألة السادسة: فيه دليل على ما ذكرنا أن السماوات طِباق متعدِّدة إلى سبع سماوات، وفي كل سماء سكّان من الملائكة، يعمرونها بعبادة الله من التسبيح والتهليل، وتعظيم الله .
المسألة السابعة: في الحديث دليل- أيضاً- على أن الملائكة كلٌّ له عمل موكّل به، إذا كان جبريل موكلاً بالوحي، فكذلك ميكائيل موكل بالقطر والنبات كما جاء في الحديث، وكذلك إسرافيل موكل بالنفخ في الصُّور، وكذلك بقية الملائكة، ولهذا كان النبي ﷺ يقول في استفتاحه إذا قام يتهجّد من الليل: "اللهم رب جبرائيل
стр. 231
وميكائيل وإسرافيل" لماذا خص هؤلاء، مع أن الله رب لكل شيء؟، لمكانة هؤلاء، لأن جبرائيل موكّل بالوحي الذي به حياة القلوب، وميكائيل موكّل بالفطر والنبات الذي فيه حياة الأرض بعد موتها، وإسرافيل موكّل بالنفخ في الصُّور الذي فيه حياة الأجسام بعد موتها، فكلّهم موكلون بالحياة، هذا بحياة القلوب بالوحي، وهذا بحياة الأرض بالماء والقطر، وهذا بحياة الأجساد يوم القيامة ونفخ الأرواح فيها. المسألة الثامنة: أن الملائكة لا يعلمون الغيب، ويسألون غيرهم عما خفي عليهم.
стр. 232
[الباب السابع عشر:] *بابُ الشفاعة
ــ
قال الشيخ الإمام ﵀: "باب الشفاعة" الشفاعة معناها: التوسط في قضاء حاجة المحتاج لدى من هي عنده. سميت بذلك لأن طالب الحاجة كان منفرداً في الأول، ثمّ لما انضم إليه الشافع صار شفعاً، لأن الشفع ضد الوتر. فلما كان طالب الحاجة منفرداً، ثمّ انضم إليه الواسطة شفعه في الطلب، ولذلك سمّي شافعاً، وسمّي هذا العمل شفاعة، قال الله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ ، فالذي يشفع عند السلاطين، أو عند الأغنياء، أو عند غيرهم لقضاء حاجة المحتاجين يعتبر عمله شفاعة طيبة يؤجر عليها، قال ﷺ : "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء".
أما إذا كانت الشفاعة في أمر محرّم، فهذه شفاعة سيئة، كالذي يشفع عند السلطان في تعطيل الحدود، إذا وجب الحد على شخص شفع عنده ليسقط الحد عنه، هذه شفاعة سيئة، ولهذا لما تقرر الحد على امرأة من بني مخزوم في عهد النبي ﷺ ، كانت تستعير المتاع وتجحده، شقّ على أهلها وذويها قطع يدها، تراجعوا بمن يشفع عند رسول الله ﷺ ، فتقرّر رأيهم أن يطلبوا من أسامة بن زيد ﵁، حِبُّ رسول الله ﷺ وابن حِبَّه، ليشفع عند رسول الله ﷺ في ترك قطع يد هذه المرأة، فكلم أسامة رسول الله ﷺ في ذلك، فغضب النبي ﷺ غضباً شديداً، وتغيّظ على أسامة ﵁، وقال له: "أتشفع في حد من حدود الله؟، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها" وقال: "إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفّع".
والحاصل؛ أن هذا تعريف الشفاعة، وانقسامها إلى شفاعة حسنة وشفاعة سيئة، هذا فيما بين النّاس، والمراد هنا: الشفاعة عند الله تعالى.
ومراد المصنف ﵀ من هذا الباب: أنه لما كان المشركون قديماً وحديثاً يعبدون من دون الله الأصنام والأشجار والأحجار والقبور والأضرحة والأولياء والصالحين والملائكة والأنبياء، فإذا أنكر عليهم ذلك قالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ ، نحن نعلم
стр. 233
أنهم مخلوقون، وأن الأمر بيد الله، ولكن هؤلاء لهم مكانة عند الله، ونريد منهم أن يشفعوا لنا عند الله. فيذبحون للأولياء والصالحين والأشجار والأحجار، ويستغيثون بهم، ويصرفون لهم أنواع العبادة، فإذا أنكر عليهم قالوا: غرضنا من ذلك هو الشفاعة فقط. فبين الله أن ذلك هو الشرك، وأن تلك هي عبادة غير الله، فقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ ، يقولون: نحن نعلم أنهم مخلوقون، وأنهم ليس لهم من الأمر شيء، ولكننا فعلنا ذلك من أجل أن يشفعوا لنا عند الله لأن لهم مكانة عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: يعبدونهم، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ ، اعترفوا أنهم يعبدونهم ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ سَمَّى فعلهم هذا كذباً، وسَمّاه كفراً، ولم تنفعهم اعتذاراتهم، وذلك لأنهم قاسوا الخالق على ملوك الدنيا، فكما أنهم من عادتهم عند ملوك الدّنيا أنهم يوسطون الشفعاء بينهم وبين الملوك في قضاء حوائجهم، قاسوا الله جل وعلا بخلقه، اتخذوا عند الله الشفعاء كما يتخذونهم عند الملوك والرؤساء، وهذا باطل، لأنه تسوية بين الخالق والمخلوق، فإن ملوك الدنيا أو سلاطين الدّنيا أو رؤساء النّاس في الدّنيا يقبلون الشفاعة لحاجتهم إلى ذلك، وذلك لأن الملك أو الرئيس بحاجة إلى الوزراء والمستشارين ليعينوه على أمور الملك، فلو لم يقبل شفاعتهم لنفروا منه، ولم يعينوه، والله جل وعلا غني عن خلقه، ليس بحاجة إلى أن يعينه أحد، بخلاف الملوك والسلاطين فهم بحاجة.
وأيضاً ملوك الدّنيا والسلاطين لا يعلمون أحوال الرّعيّة، فهم بحاجة إلى هؤلاء ليبلغوا حاجات النّاس وأحوال الناس، فإذا بلغهم هؤلاء الوسائط والشفعاء، فقد بلّغوهم ما لم يعرفوا من أحوال رعيتهم، أما الله جل وعلا فإنه يعلم كل شيء، لا تخفى عليه أحوال عباده، يعلم المحتاجين والمرضى والفقراء وأصحاب الحاجات، يعلم ذلك بدون أن يخبره أحد ، فلا يقاس الخالق بالمخلوق.
وأيضاً الملوك والرؤساء ولو علموا بأحوال الناس، فإنهم قد لا يلينون لهم، ولا يلتفتون إليهم، لكن إذا جاءهم هؤلاء الوسطاء، وتكلموا معهم أثّروا فيهم،
стр. 234
فقبلوا الشفاعة، أما الله جل وعلا فإنه لا يؤثر عليه أحد، الله جل وعلا يريد الزحمة لعباده، ويريد المغفرة، ويريد قضاء حاجات الناس، وإعطاءهم، ورزقهم، هو مريد لذلك بدون أن يؤثّر عليه أحد.
ففيه فرق بين الخالق والمخلوق من هذه الوجوه، من ناحية أن الله غني لا يحتاج إلى إعانة الشّفيع، ومن ناحية أن الله عليم لا يحتاج إلى إخبار الشفيع عن أحوال خلقه، ومن ناحية أن الله مريد للخير والرحمة لعباده، وقضاء حوائجهم، إذا هم طلبوا من الله بصدق، ولجؤا إليه لإخلاص قضى حوائجهم، بدون أن يكون هناك واسطة.
فتبيّن لنا إذاً الفرق بين الخالق والمخلوق، فغلِط المشركون في ذلك حيث سووا الخالق بالمخلوق، واتخذوا الشفعاء عنده كما يتخذون الشفعاء عند الملوك والرؤساء.
والشفاعة في كتاب الله جاءت على قسمين:
قسم منفي. وقسم مثبت.
فالقسم المنفي: هو الشفاعة التي تطلب من غير الله.
هذه الشفاعة منفية، لأن الشفاعة ملك لله، لا تطلب إلاّ منه، وكذلك الشفاعة التي تطلب فيمن لا تقبل فيه، وهو الكافر، فالكافر والمشرك لا تقبل فيه الشفاعة: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ، وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ﴾ .
والشفاعة المثبتة: هي التي توفر فيها الشرطان:
الشرط الأول: أن تُطلب من الله.
الشرط الثاني: أن تكون فيمن تقبل فيه الشفاعة، وهو المؤمن الموحِّد الذي عنده شيء من المعاصي دون الشرك، فهذا تُقبل فيه الشفاعة بإذن الله.
قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ، هذا الشرط الأول.
الشرط الثاني: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ، وهم أهل الإيمان.
وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ﴾ هذا الشرط الأول.
﴿وَيَرْضَى﴾ ، هذا هو الشرط الثاني.
стр. 235
والشافعة المثبتة ستة أنواع:
النوع الأول: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، وهي التي تكون من الرسول ﷺ لأهل الموقف، إذا طال الوقوف على أهل الموقف التمسوا من يشفع لهم إلى الله في القضاء بينهم، وإراحتهم من الموقف، فيأتون إلى آدم ﵇ ثمّ إلى الأنبياء نبيًّا نبيًّا كلهم يعتذرون، حتى ينتهوا إلى محمَّد ﷺ ، فيقول: "أنا لها، أنا لها" ثمّ يخر ساجداً بين يدي ربه ، ويفتح الله عليه بمحامد، فلا يزال ساجداً حتى يقال له: "يا محمَّد ارفع رأسك، وسَلْ تعط، واشفع تشفّع"، هذا فيه أن الرسول لا يشفع ابتداءً، وإنما يشفع بعد الاستئذان، بعد أن يخر ساجداً لله، ولا يشفع إلاّ بعد أن يؤذن له، ويقال: اشفع تشفّع، ثمّ يشفع في أهل الموقف، فيحاسبون، ثمّ ينصرفون من الموقف إما إلى الجنة وإما إلى النار.
هذه الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي قال تعالى فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ، لأنه يحمده عليه الأولون والآخرون ﵊، وهذه لم يخالف فيها أحد وحقيقتها أن الخلائق يطلبون من النبي ﷺ أن يدعو الله لهم بأن يريحهم من الموقف الطويل.
النوع الثاني: شفاعته ﷺ لأهل الجنة في أن يدّخلوا الجنة.
النوع الثالث: شفاعته ﷺ في بعض أهل الجنة في رفعة درجاتهم في الجنة.
النوع الرابع: شفاعته ﷺ في عمّه أبي طالب، وذلك أن أبا طالب كانت مواقفه مع الرسول ﷺ ، وتأييده له، وحمايته من أذى قومه، كلها معروفة، وأنه صبر معه على الأذى وعلى الحصار والضيّق، فهو بذل مع الرسول ﷺ شيئاً عظيماً من الحماية والنُّصرة والدفاع عنه، وهذا من تسخير الله ، وتيسير الله، حيث سخّر هذا الكافر لحماية النبي ﷺ ، وحرص النبي ﷺ على هدايته، ودخوله في الإسلام، حتى إنه زاره وهو يُحتضر، وقال له: "يا عم، قل: لا إله إلاّ الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" إلاّ أنه كان عنده حَضْرة من المشركين قالوا له: أترغب عن مِلّة عبد المطلب؟. فأخذته النّخوة- والعياذ بالله-، والحَمِيَّة الجاهلية وقال: هو على ملّة عبد المطلب، ومات ولم يقل لا إله إلاّ الله، فصار من أهل النار، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 236
وقول الله : ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ .
ــ
يشفع له في تخفيف العذاب عنه يوم القيامة، لا في إخراجه من النار، فلا يتعارض هذا مع قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) ﴾ ، لأنها لم تنفع أبا طالب بالخروج من النار، وإنما نفعته في تخفيف العذاب عنه.
النوع الخامس: الشفاعة فيمن استحق النار من أهل التّوحيد أن لا يدخلها.
النوع السادس: الشفاعة فيمن دخل النار من أهل التّوحيد أن يخرج منها، وهاتان الشفاعتان الأخيرتان ليستا خاصتين بالنبي ﷺ ، بل هما عامتان في الأنبياء والأولياء، والصالحين، والأفراط. فالأولياء يشفعون، والصالحون، والأفراط- وهم الأولاد الصغار- يشفعون لآبائهم.
وهذه الشفاعة يثبتها أهل السنّة والجماعة للأحاديث الواردة الصحيحة فيها، ويخالف فيها المبتدعة من المعتزلة، والخوارج الذين يقولون إن من دخل النار لا يخرج منها، ويخالفون بذلك الأحاديث الصحيحة الواردة فيها عن النبي ﷺ ، هذه أنواع الشفاعات الثابتة الصحيحة التي توفر فيها الشرطان المذكوران.
وأمر الشفاعة أمر عظيم، لأنه غلط فيها أمم من النّاس قديماً وحديثاً، وفهموها على غير المقصود، فجمهور المشركين- أو كل المشركين- فهموها على غير المقصود، وبعض المبتدعة من المسلمين أنكروا بعضها، فحصل الغلط، فلابد من التفصيل والإيضاح في أمر الشفاعة، لأنها أصبحت مزلة أقدام، يجب على طلبة العلم أن يهتموا بهذا الأمر، لأن فيها مغالطات عند القبوريين والخرافيين، لأنهم لا يفقهون معنى الشفاعة، أو أنهم يتعمّدون المعاندة والمخالفة، ويصرون على ما كان عليه آباؤهم وأجدادهم ومشايخهم من الضلال في هذا الباب.
فالشفاعة ليست منفية مطلقة، ولا مثبتة مطلقة، بل فيها تفصيل، وفيها إيضاح لابد من معرفته، ولذلك عقد المصنف ﵀ هذا الباب لها من أجل هذا الغرض.
ثمّ ساق ﵀ بعض الآيات والأحاديث في موضوع الشفاعة.
الآية الأولى: قوله تعالى: " ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ
стр. 237
لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ، هذا أمر من الله للنبي ﷺ .
يقول: " ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ " الإنذار هو: الإعلام بشيء مَخُوْف. أما البشارة فهي: الإعلام بشيء محبوب، والنبي ﷺ بشير ونذير، بشير لأهل الإيمان بالأجر والثواب والجنة، ونذير لأهل الشرك والمعاصي بالعذاب والنار.
﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الحشر معناه: الجمع، لأن الله يجمع الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم في صعيد واحد، لا يخفى منهم أحد؛ لأجل فصل القضاء بينهم، وجزائهم بأعمالهم. وهذا الموقف لابد منه، فأنت أيها الرسول أنذر المؤمنين بهذا الموقف، ولماذا خص المؤمنين؟، لأنهم هم الذين يمتثلون، وإلاَّ فإنه مأمور بأن يبلغ النّاس كلهم، ولكنه- أحياناً- يؤمر بتخصيص المؤمنين، لأنهم هم الذين يمتثلون، وفي إنذارهم نفع لهم، أما المشركون والكفار فهم يبلغون من أجل إقامة الحجة عليهم، وأما المؤمنون فإنهم يبلغون من أجل نفعهم بذلك.
" ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ " أي: غير الله.
" ﴿وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ " لا أحد يتولاّهم يوم القيامة من الخلق، و ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) ﴾ ، يوم القيامة ما أحد يسأل عن أحد، قال تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ،فـ ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ يوم القيامة ما أحد يلوي على أحد، ولا أحد يسأل عن أحد، بل إن القريب إذا رأى أقرب النّاس إليه يفر منه.
" ﴿وَلا شَفِيعٌ﴾ " أي: واسطة، يتوسط له عند الله، ما أحد يشفع له يوم القيامة إلاّ بإذن الله ، وبشرط أن يكون هذا الشخص ممن يرضى الله عنه، هذه شفاعة منفيّة فبطل أمر هؤلاء الذين يتخذون الشفعاء ويظنون أنهم يخلصونهم يوم القيامة من عذاب الله كما يقول صاحب (البردة) :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً ... بيدي فضلاً وإلاَّ قل يا زلّة القدم
هذا على اعتقاد المشركين أن الرسول يأخذ بيده ويخلصه من النار، وهذا ليس بصحيح، لا يخلصه من النار إلاّ الله إذا كان من أهل الإيمان.
стр. 238
وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ .
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
ــ
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ هذا تعليل لقوله: " ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ "، من أجل ماذا؟، أي: من أجل أن يتقوا ربهم ، والتقوى معناها: أن يتخذوا ما يقيهم من عذاب الله يوم القيامة، وذلك بالأعمال الصالحة، بفعل الطاعات وترك المحرمات، ولا يقي من عذاب الله يوم القيامة إلاّ التقوى.
فهذا فيه الرد على المشركين الذين يتخذون الشفعاء بيّن الله أنه سيأتي يوم القيامة ولا أحد يشفع لهم كما يزعمون.
قوله: " ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ " هذه الآية جزء من آية من سورة الزمر، وفي قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) ﴾ .
فقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ﴾ ﴿أَمِ﴾ هنا بمعنى: بل، أي: بل اتخذوا، وهذا من باب الإنكار عليهم.
﴿اتَّخَذُوا﴾ أي: المشركون.
﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: غير الله.
﴿شُفَعَاءَ﴾ أي: وسائط، يتوسّطون بينهم وبين الله في إجابة دعواتهم، وقضاء حاجاتهم.
﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً﴾ فالشفاعة ليست ملكاً لهم، فأنتم تطلبون منهم ما لا يملكون.
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ إذاً تُطلب الشفاعة من الله ، ولم تطلب من غيره.
قال: وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ هذا جزء من آية الكرسي:
﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ
стр. 239
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) ﴾ .
ــ
الْعَظِيمُ (٢٥٥) ﴾ ، وهي أعظم آية في كتاب الله ، لماذا صارت أعظم آية في كتاب الله؟، لأنها اشتملت على النفي والإثبات: نفي النقائص عن الله تعالى، وإثبات الكمال لله والشاهد منها قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿مَنْ﴾ نفي، أي: لا أحد، " ﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ " أي: عند الله تعالى، ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فهو الذي يأذن للشفعاء أن يشفعوا، وبدون إذنه لا يمكن لأحد أن يشفع أبداً، لا الأنبياء، ولا الملائكة، ولا الأولياء، ولا الصالحين، وهذا محل الشاهد؛ أن الشفاعة لا تكون إلاّ بإذن الله، ففي هذا رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء بدون إذنه في ذلك، وزعموا أن هؤلاء الشفعاء يقومون بما يريدون منهم عند الله ، ولذلك صرفوا لهم العبادة، فصاروا يذبحون للقبور، وينذرون لها، ويطوفون بها، ويتبركون بها، ويتمسحون بترابها، وبجدرانها، يعبدونها من دون الله، لأنهم يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ ، تركوا الله وعبدوا غيره، فعملهم هذا حابط باطل، لأنهم يضعونه في غير محله، وقاسوا الخالق على المخلوق.
ثم ساق ﵀ آية النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ، كم هنا بمعنى: كثير، فهي خبريّة، أي: كثير من الملائكة.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ لأن موطن الملائكة: السماوات، ومع كثرتهم ﴿لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ هذا نفي، لأن ﴿شَيْئاً﴾ : نَكِرة في سياق النفي، أي: لا تغني شيئاً أبداً إلاّ بشرطين: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ﴾ هذا الشرط الأول. ﴿وَيَرْضَى﴾ هذا الشرط الثاني.
ويأذن للشافع أن يشفع، ويرضى عن المشفوع فيه أن يُشفع فيه، وهو المؤمن الموحّد الذي عنده ذنوب يستحق بها العذاب، فإذا أذن الله جل وعلا في الشفاعة فيه، فإنه تنفعه الشفاعة، ويسلم من العذاب بإذن الله .
فدلّ على أن الأمر كله الله ، وتُطلب الشفاعة وغيرها من الله، ولا يُتعلّق على غيره، ولا تُصرف العبادة إلاّ له، ولا يُدعى إلاّ هو ، ولا يجوز اتخاذ
стр. 240
الوسائط بين الخلق وبين الله في قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإجابة الدعوات، لا يجوز هذا، وإنما العباد يجب عليهم أن يتوجهوا إلى الله في عباداتهم، وفي دعواتهم، وفي سائر أمورهم، ومهمّة الرسل هي: التبليغ عن الله ، أما أنهم يكونون وسطاء بين الله وبين خلقه في قضاء الحوائج فهذا أمر باطل، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة: "هناك واسطة من أثبتها كفر، وواسطة من أنكرها كفر" فالواسطة التي من أنكرها كفر: هم الرسل- عليهم الصلاة والسلام- في تبليغ أمر الله ، يعني: من جحد رسالة الرسول كفر، فالرسول واسطة بين الله وبين النَّاس في تبليغ الرسالة، أما الواسطة التي من أثبتها كفر، فهي: جعل الوسائط بين الخلق وبين الله في قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، هذه من أثبتها كفر، لأن الله كفّر المشركين في ذلك، والله جل وعلا أمرنا أن نتوجّه إليه مباشرة بدون أن نوسّط أحداً، أو نسأل بجاه أحد، أو بحق أحد، حتى ولو كان هذا الأحد له مكانة عند الله كالرسل والملائكة لأن الله لم يشرع لنا أن نوسطهم في قضاء حوائجنا، بل الله قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ما قال: ادعوني بواسطة فلان، أو وسّطوا فلاناً بيني وبينكم، قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، وفي الحديث: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟، هل من مستغفر فأغفر له؟ " فالباب مفتوح بينك وبين الله ، لماذا هذا التعريج، وهذه الأباطيل التي تجعلها بينك وبين الله؟، اتصل بالله مباشرة، وهو سميع مجيب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ، فهذا إبطال الوسائط التي يضعونها بينهم وبين الله، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، لا أصحاب القبور، ولا الأشجار، ولا الأحجار، ولا الأصنام، ولا أي مخلوق حتى ولا الأنبياء ولا الملائكة ليسوا الواسطة بين الله وبين خلقه في قضاء الحاجات غير الأعمال الصالحة أمر منفي، أما الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ الرسالات، فهذا أمر ثابت.
стр. 241
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين.
قال أبو العباس: "نفى الله عما سواه كل ما يتعلّق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره مِلْكٌ أو قِسْط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلاَّ الشفاعة، فبيّن أنها لا تنفع إلاّ لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ .
ــ
ثم ذكر الشيخ قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ، وتماماً الآيتين: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ*) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .
ثمّ ساقّ ﵀ كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة في توضيح هذه الآية وتفسيرها، وختم به هذا الباب العظيم، الذي هو: "باب الشفاعة".
وقد مضى الكلام في أول الباب وما فيه من آيات وأحاديث وما فيه من تفصيل في أمر الشفاعة، لأن أمر الشفاعة أمر مشكل من قديم الزمان وحديثه، لأن كثيراً - أو جميع- من يقع منهم الشرك في العبادة بدعاء الأولياء والصالحين والموتى إذا سُئلوا وقيل لهم: هذا شرك، قالوا: لا، هذا ليس بشرك، لأننا لم نقصد أن نعبد من دون الله أحداً، لأننا نعلم أن العبادة حق لله، ولكن هؤلاء أناس صالحون لهم مكانة عند الله، ومن العادة أن الإنسان إذا كان له حاجة عند السلطان أو عند الملك أنه لا يتقدم إليه بحاجته مباشرة، لأنه يخشى أن لا يُقبل منه أو لا يُعرف، فحتى لا يُرد طلبه يجعل بينه وبين المطلوب منه واسطة، فهذه الواسطة تشفع له عند من عنده طلب المحتاج. هذا حاصل ما يجيبون به.
وهو جواب باطل، لأن قياس الخالق على المخلوق قياس باطل، لأنّ الله ينزّه أن يقاس بأحد من خلقه، قال سبحانه: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ﴾ ، وقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، وقال : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) ﴾ ، إلى غير ذلك مما بيّن الله سبحانه أنه لا يجوز أن يُقاس بخلقه أو أن يشبّه بخلقه لوجود الفرق
стр. 242
فهذه الشفاعة التي، يظنها المشركون في منتفية يوم القيامة، كما فناها القرآن، وأخبر النبي ﷺ : "أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده [لا يبدأ بالشفاعة أوّلاً] ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسلْ تُعط، واشفع تشفَّع ".
ــ
العظيم بين الخالق والمخلوق، فإذا كان ملوك الدنيا تسوغ عندهم شفاعة الشافعين بغير إذنهم، فإن الخالق جل وعلا لا تسوغ عنده لأنه أعظم من ذلك، لأن ملوك الدّنيا بحاجة إلى هؤلاء الشفعاء لإعانتهم على أمور الملك، فيشفعونهم من أجل أن يعينوهم على أمور الملك، أو لأن ملوك الدّنيا لا يعلمون أحوال الرعيّة، فهم بحاجة إلى من يبلّغهم، أو لأن ملوك الدّنيا لا يريدون قضاء الحوائج أحياناً، ولا يريدون الرحمة حتى يأتي من الشفعاء من يتكلم معهم، حتى تتأثر قلوبهم بالعطف، وهذه الأمور كلها منتفية عن الله ، فهو ليس بحاجة إلى من يعينه على أمور الملك، لأنه غني كريم، قادر على كل شيء، وليس بحاجة إلى من يبلّغه عن أحوال خلقه، لأنه يعلم كل شيء، وليس بحاجة إلى من يؤثر عليه ويعطفه، لأنه بعباده رؤوف رحيم، يريد لهم الخير، ويريد لهم الإعانة، ويحب العفو والمغفرة، ويجود على خلقه بدون أن يؤثر عليه أحد أو يتوسط عنده أحد، فهذه الأمور كلها منتفية، وبذلك بطلت حجة المشركين، وتبيّن أن فعلهم هذا هو الشرك، سماه الله شركاً في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ ، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ هذا هو الشرك، وفي الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ، ثمّ توعدهم بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ، فسمّى فعلهم هذا كذباً وسماه كفراً، بل سماه مبالغة في الكفر، لأن كفّار صيغة مبالغة، فالذي يفعل هذا قد بلغ غاية الكفر وأعظم الكفر- والعياذ بالله-.
وفي هذه الآية يقول: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ هذه الآية والتي بعدها يقول العلماء عنها: إنها قطعت عروق الشرك من أصله.
стр. 243
أما قوله تعالى: ﴿قُلِ﴾ هذا أمر لرسوله محمَّد ﷺ بأن يقول لهؤلاء الذين يدعون الملائكة وغيرهم من دون الله ويزعمون أنهم يشفعون لهم عند الله بغير إذنه ، قل لهم يا أيها الرسول، بلّغهم، أخبرهم، بيّن لهم.
﴿ادْعُوا﴾ هذا أمر توبيخ وتعجيز، لأن الأمر يأتي- أحياناً- للتّوبيخ والتعجيز، لا لطلب الشيء أو تشريع الشيء، كما في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ، ليس هذا أمراً بالكفر، وإنما هذا أمر توبيخ وتهديد، وإلاّ فالله لا يأمر بالكفر، وإنما ﴿َفلْيَكْفُرْ﴾ معناه أمر تهديد وتوبيخ وقد يكون الأمر للتعجيز ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ هذا أمر تعجيز.
﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ هذا فيه رد عليهم وذلك لأنهم لم يبنوا فعلهم هذا على دليل من الشرع النازل من عند الله، فالله لم يشرع دعاء غيره أبداً، وإنما أمر بدعائه وحده لا شريك له، فمن دعا غيره فهذا زعم منه، والزعم باطل، وكذلك لم يعتمدوا على دليل عقلي فطري، لأن العقل يدل على أن العبادة لا تكون إلاّ لمستحقها وهو الله ، أما العبد الفقير العاجز، فإنه لا يستحق العبادة، هذا دليل العقل مع دليل الشرع بأن العبادة والدعاء لا يصلحان إلاّ لله ، والزعم معناه: الكذب، دلّ على أنهم كاذبون في عملهم هذا، لأنه إذا لم يكن عليه دليل فهو كذب.
ومعنى: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتم أنهم ينفعون أو يضرون.
﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: غير الله .
﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ، وذلك أن المدعو لابد أن يتوفر فيه أحد هذه الأحوال:
الحالة الأولى: إما أن يكون مالكاً للمطلوب منه، فأنت إذا طلبت من أحد شيئاً فلابد أن يكون مالكاً له، وهؤلاء المدعوون لا يملكون شيئاً مما يطلب منهم؟ إذاً دعاؤهم باطل، كيف تطلبون من أناس لا يملكون ما تطلبونه منهم فهم: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: ليس لهم ملك ولو قلّ، والذّرّة معروفة هي أصغر شيء،
стр. 244
إما أنها؛ الهَبَاءَة التي تطير في الهواء، أو أنها: النملة الصغيرة التي لا وزن لها، ودائماً يضرب الله هذا المثل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (٨) ﴾ ، أقل شيء من الخير والشر: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ فالظلم منتفٍ عن الله قليله وكثيره، إذاً كيف تدعونهم وتطلبونهم وهم لا يملكون ما تدعونهم له وتطلبونه منهم؟، هذا من العبث، كيف تُعرضون عن الذي يملك السماوات والأرض ومن فيها، وهو الله، وتنصرفون إلى دعاء من لا يملك شيئاً، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ .
الحالة الثانية: إذا لم يكن مالكاً فلا أقل من أن يكون شريكاً للمالك، وهذا منتفٍ في حق الخلق، لأنهم لا يشاركون الله في ملكه: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، فلا أحد يشارك الله في ملك السماوات والأرض أبداً، لا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا الأولياء، الملك لله.
الحالة الثالثة: إذا لم يكن مالكاً للشيء ولا شريكاً فيه فربما يكون معيناً للمالك، وإذا كان معيناً للمالك جاز أن يستشفع به إليه، والله نفى هذا وقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ لا أحد يعين الله من خلقه، لم يتخذ من خلقه من يعينه على تدبير خلقه ، انفرد بخلق السماوات والأرض، وخلق المخلوقات، ولم يتخذ من يعينه على ذلك، لأنه قادر على كل شيء.
الحالة الرابعة: قد يكون شفيعاً عند المالك مثل ما يشفع الناس عند الملوك، وهم ليسوا ملوكاً، وليسوا شركاء للملوك، وليسوا وزراء للملوك وأعواناً، لكنهم شفعاء، يأتي ذو جاه ومكانة فيدخل على السلطان ويشفع عنده، وهو ليس معيناً له ولا شريكاً له، هذا جائز في حق المخلوقين، لكن في حق الخالق لا يجوز، لأن الشفاعة لا تكون إلاّ بإذنه ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أي: عند الله ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ، هذا بخلاف المخلوقين، قد يشفع عندهم بدون أن يأذنوا، وهل الله أذن في الشفاعة في المشركين من المستحيل أن تقع، الشفاعة في مشرك أو كافر.
قال : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) ﴾ ، ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ، إذاً بطلت شفاعتهم من كل الوجوه الأربعة، فهي شفاعة باطلة، وإنما
стр. 245
وقال أبو هريرة له ﷺ : من أسعد النّاس بشفاعتك؟، قال: "من قال: لا إله إلاّ الله؛ خالصاً من قلبه".
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
ــ
الشفاعة الصحيحة هي الشفاعة التي يتوفر فيها شرطان: الشرط الأول: أن تكون بإذن الله. الشرط الثاني: أن تكون في أهل التّوحيد والإخلاص.
وفي حديث أبي هريرة لما سأل النبي ﷺ قال: من أسعد النّاس بشفاعتك يا رسول الله؟، قال: "لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث غيرك يا أبا هريرة لما أرى من حرصك على الحديث، أسعد النّاس بشفاعتي: من قال: لا إله إلاّ الله؛ خالصاً من قلبه".
فدلّ هذا الحديث على أن شفاعة الرسول ﷺ بعد إذن الله تعالى بها لا تكون إلاّ لأهل الإخلاص، لا تكون لأهل الشرك، وأهل الإخلاص هم: "من قال: لا إله إلاّ الله " أي: تلفّظ بها، "خالصاً من قلبه" لم يقلها بلسانه فقط، وإنما قالها عارفاً لمعناها، عاملاً بمقتضاها، معتقداً لها بقلبه.
أما الذي يقول: لا إله إلاّ الله، وهو لا يعرف معناها، ولا ما تدل عليه، أو يعرف معناها، ولكنه لا يعتقدها بقلبه، كحال المنافقين، فهذا لا تنفعه لا إله إلاّ الله، وليس له شفاعة عند الله ، إنما الشفاعة لأهل الإخلاص، وهم الذين ينطقون بهذه الكلمة مخلصين لله في قلوبهم ما تدل عليه هذه الكلمة من إفراد الله تعالى بالعبادة.
فدلّ هذا على أنه لا حظ لأهل الشرك في الشفاعة.
إذاً كل هؤلاء المشركون القدامى والمحدثون، هؤلاء الذين يأتون إلى القبور، ويجثون عندها على ركبهم، ويتمرّغون بجباههم على ترابها، ويذبحون لها، وينذرون لها، ويتمسحون بها، ويقولون: هؤلاء أولياء يشفعون لنا عند الله. هؤلاء كلهم محرومون من هذه الشفاعة، وفعلهم هذا تعب بلا فائدة، وضرر بلا منفعة، لأن هذا هو عين فعل المشركين السابقين.
стр. 246
وحقيقته: أن الله سبحانه يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليُكرمه وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أُثبتت الشفاعة بإذنه مواضع.
ــ
والآية: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ، عامة في الملائكة، وفي الأولياء، والصالحين، وغيرهم، كل من دُعي من دون الله ، فهو بهذه المثابة، لا يملك شيئاً ولا مثقال ذرة، ولا يشارك المالك، وليس هو ظهير للمالك، وليس هو شفيع عند المالك بشفاعة أهل الشرك، وأهل عبادة القبور، والأضرحة، والأشجار، والأحجار، والأصنام، وغيرها، هؤلاء لا حظ لهم في الشفاعة، كل هؤلاء القطعان الضائعة، هؤلاء الذين يأتون إلى هذه الأضرحة، وينفقون الأموال، ويضيعون الأوقات، كلهم لا حظ لهم في الشفاعة عند الله ، وإنما الشفاعة لأهل التّوحيد.
والسبب في جعل الله هذه الشفاعة أنها إكرام للشافع، يأذن الله لمن شاء من عباده أن يشفع إكراماً له، مثل ما يحصل لمحمد ﷺ في المقام المحمود، إكراماً له ﷺ ، ورحمة للمشفوع فيه إذا كان من أهل الشفاعة والرحمة، هذا هو الحكمة في جعل الله هذه الشفاعة، فالأمر لله .
وبهذا يتبيّن لنا معنى الآيتين الكريمتين مع بيان شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الكلام الواضح.
وأبو العباس كنية شيخ الإسلام ابن تيمية، واسمه: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، الحنبلي، الإمام المشهور. وليس له ولد.
وإنما يكنى أبا العباس من باب التكريم له، ويجوز أن يكنى الإنسان ولو لم يكن له ولد.
فالحاصل؛ أن هذه الآية الكريمة قد أبطلت ما يعتقده المشركون في معبوداتهم، وردّت عليهم ردًّا مفحماً: هل يستطيع المشركون أن يقولوا: إن معبوداتنا هذه تملك في السماوات أو في الأرض شيئاً؟ لا يستطيعون.
стр. 247
وقد بيَّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلاّ لأهل الإخلاص والتّوحيد". انتهى كلامه ﵀.
ــ
هل يستطيعون أن يقولوا: إنها شريكة لله؟، لا يستطيعون.
هل يستطيعون أن يقولوا: إنها تعين الله في تدبير الملك؟، لا يستطيعون.
هل يستطيعون أن يقولوا إنها تشفع عند الله بغير إذنه؟، لا يستطيعون.
هل يستطيعون أن يقولوا: إن الشفاعة تنفع المشركين وتنفع الكفار؟ لا يستطيعون. كل هذا لا يستطيعونه أبداً.
هل أحد منهم عارض هذه الآية، وقال: إن معبوداتنا تملك، أو أنها شريكة لله، أو أنها معينة لله، أو أنها تشفع عنده بغير إذنه؟، ما أحد يستطيع أن يعارض كلام الله ، لأن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولكن إذ عميت البصائر، وصار الناس يعملون على حسب أهوائهم، وحسب التقاليد الفاسدة؛ حينئذٍ يقعون في المهالك، يقعون فيما وقعوا فيه.
ولو سألت أي خرافي أو أي مشرك من عباد الأضرحة قلت له: أجب عن هذه الآيات؟. ما استطاع الجواب. وإذا لم يستطع الجواب، تبيّن أنه مكابر، وأن عمله باطل.
كان الواجب على من يدّعي الإسلام، ويشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله؛ الواجب أن يرجع إلى القرآن، وأن يتدبرّ القرآن، وأن يعمل به، وأن يراجع سنة الرسول ﷺ ، ويعمل بها، ولا يذهب مع التقاليد الفاسدة، أو يتبع ما كان عليه الناس، أو الدعاوى الباطلة أن هذه القبور تنفع، أو أن هؤلاء الأموات ينفعون من دعاهم، أو من تقرّب إليهم، هذا كله إذا عُرِضَ على الكتاب والسنّة تبيّن بطلانه.
نعم، قد يقع لهؤلاء الذين يدعون الأولياء أو القبور أن تحصل لهم حاجاتهم التي طلبوها، لكن هذا لا يدل على صحة ما هم عليه، لأنهم قد يُعطون ما طلبوا من باب الفتنة، ومن باب الاستدراج، أو أنه يصادف ذلك قضاءً وقدراً من الله سبحانه وتعالى
стр. 248
في إعطائهم هذا الشيء، فيظنون أنه بسبب القبور، وهو في الواقع بقضاء الله وقدره، فحصول المطلوب لا يدل على صحة الطلب، إنما الاحتجاج يكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لا بالعادات، والتقاليد، والحكايات، والمنامات، والخرافات، أو أن فلاناً قد حصل له كذا، فلان ذهب إلى القبر الفلاني، فلانة ذهبت إلى القبر الفلاني فحملت، هذا ليس بدليل أبداً، لأن إعطاء الإنسان شيئاً مما يحتاج إليه، لا يدل على صحة ما ذهب إليه، أو ما فعل من الشرك والعادات السيئة.
يقول شيخ الإسلام: "قد يرون عند القبور أو يسمعون عند القبور من يكلمهم، أو يخرج عليهم من القبر ويقول: أنا فلان الذي تطلب، وأنا أقضي حاجتك. يتمثل لهم الشيطان، ليس هو الميت، وإنما هو الشيطان، يتمثل لهم بصورة الميت، ويخاطبهم، وقد يجلب لهم شيئاً مما يطلبون من بعيد، وهو شيطان يريد أن يضلهم، ويريد أن يهلكهم، وأن يغرر بهم".
فحصول المقصود لا يدل على صحة العمل، وكذلك كونهم يشاهدون الشخص الذي بصورة الميت، أو يسمعون كلاماً يكلمهم، كل هذا ليس بحجة، لأن هذه أعمال شيطانية، يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت، أو يكلمهم بصوت الميت، أو هو شيطان يريد أن يضلهم عن سبيل الله، أو يعطيهم بعض الحوائج، لأن الشيطان يستطيع أن يسير إلى الأمكنة البعيدة، وحمل الأشياء والمجيء بها، وتحضيرها، والجن يتعاونون على هذا الشيء ويحضرون مطلوب هؤلاء، ويعطونهم إياه.
الحاصل؛ أنها كلها أعمال شيطانية، لأنها مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذه من البلايا، يعني: كونهم يحتجّون بأن فلاناً شفي لما ذهب إلى القبر، فلانة حملت لما ذهبت إلى القبر، فلان أعطي كذا وكذا، وهذا ليس بحجة أبداً. هذا فتنة وابتلاء وامتحان، وهو من أعمال الشياطين.
قد يقولون: إنه رأى الميّت في الرؤيا، وأنه قال له كذا وكذا، والرؤيا هذه من الشيطان، الشيطان قد يأتي النائم ويكلمه، أو يتمثل له بصورة من يعرف من الأموات، يأتيه في الرؤيا وهو شيطان، لأنه ليس كل رؤيا تكون صحيحة، الرؤيا على ثلاثة أقسام:
стр. 249
رؤياً هي حديث نفس، وأضغاث أحلام، لا أصل لها.
والقسم الثاني: من الشيطان، جاءه فقال له في الرؤيا: اعمل كذا، أو اطلب كذا، أو اذهب إلى كذا، وهي رؤيا شيطانية، خصوصاً إذا كان الإنسان نام على غير ورد؛ لم يقرأ آية الكرسي عند النوم، ولم يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين عند النوم، فإنه يتسلط عليه الشيطان من أجل أن يضله، أو من أجل أن يكدّر عليه نومه، ويزعجه، لأنه يأتيه بمزعجات، يرى أشياء يكرهها.
القسم الثالث: هي الرؤيا الصحيحة، وهي التي تجري على يد المَلَك، هذه الرؤيا الصحيحة وليس فيها تضليل، وإنما فيها خير، وهي جزء من النبوّة- كما في الحديث-، وهي من المبشرات، لكن هذه لا تحصل إلاّ لأهل الإيمان في الغالب، وقد تحصل الرؤيا للكفار لحكمة يريدها الله ، كما حصلت للملك في قصة يوسف ﵇، والملك كان كافراً، هذه رؤيا صحيحة جرت لكافر لأمر أراد الله، وهو: الإرهاص ليوسف ﵇ من أجل أن يكرمه الله بتأويل هذه الرؤيا، ويتبيّن عمله وفضله، ثمّ يُخرج من السجن، ثمّ يصل إلى درجة المُلك.
الحاصل؛ أن الرؤيا، لا يُعتمد عليها في العبادات لأن العبادات ولاسيّما التّوحيد- لا يُبنى إلاَّ على دليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ ، أو إجماع المسلمين، أما المنامات والرؤى والحكايات هذه كلها لا تُبنى عليها الأحكام الشرعية.
لو جاءك واحد في الرؤيا وقال لك: صلِّ كذا وكذا من الصلوات، أو صُم، لم يجز العمل بهذه الرؤيا، لأن التشريع انتهى، ما هناك دليل إلاّ من الكتاب أو السنّة، فليس هناك تشريع بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ولاسيّما في أمور التّوحيد، وأمور العقيدة، فهؤلاء الذين شرّعوا في أمور العقيدة، فبنوا الأضرحة على القبور، والرسول ينهى عن ذلك، وطافوا بها، وتقربوا إليها، كل هذا مناف للكتاب والسنّة، لأن الله لم يشرَع لنا هذه الشركيّات، وهذه الخرافات، وهذه البِدْعيّات والمحدثات.
стр. 250
[الباب الثامن عشر:] *باب قول الله تعالى
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية.
وفي الصحيح عن ابن المسيّب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب
ــ
غرض المصنّف ﵀ من عقد هذا الباب: الردّ على الذين غلو في النبي ﷺ ، وعلى المشركين الذين يتعلّقون بالأولياء والصالحين، يدعونهم من دون الله، ويستغيثون بهم، لأنه إذا كان رسول الله ﷺ لم يملك لعمه أبي طالب شيئاً، وأنه نُهي عن الاستغفار له، ففي حق غير النبي ﷺ من باب أولى، فدلّ ذلك على أنه ﷺ لا يُدعى من دون الله، ولا يُطلب منه شيء من الأمور التي لا يقدر عليها إلاّ الله، لأنه لم يملك هذا لعمه أبي طالب مع حرصه على نفعه، وعاتبه الله بقوله: " ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ "، وبقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ، فإذا كان هذا في حق النبي ﷺ ، وهو أفضل الخلق، دلّ على أنه لا يُدعى من دون الله، ولا يُطلب منه شيء من الأمور التي لا يقدر عليها إلاّ الله، فغيره من باب أولى من الأولياء، والصالحين، وأصحاب الأضرحة، مهما بلغوا من الصلاح، ومهما بلغوا من المكانة في الدين، فإنهم لا يُطلب منهم إلاّ ما يقدرون عليه من أمور الدنيا، إذا كانوا على قيد الحياة، أما أمور الهداية، وأمور قضاء الحاجات التي لا يقدر عليها إلاّ الله من شفاء المرضى، وإنزال المطر، وجلب الأرزاق، وإعطاء الأولاد، هذا كله لا يُطلب إلاّ من الله ، ولا يطلب من غير الله، لا من نبي، ولا من ولي، ولا من أي مخلوق، ومن طلبه من غير الله فهو مشرك الشرك الأكبر المخرج من الملّة.
فهذا غرض المصنّف ﵀ من عقد هذا الباب.
قال: "في الصحيح" يعني: في الصحيحين صحيح البخاريّ وصحيح مسلم.
"عن ابن المسيّب" هو: سعيد بن المسيّب بن حَزَن بن أبي وهب المخزومي، أحد أكابر التابعين، وكان له منزلة في العلم عظيمة، فهو من أكبر علماء التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين انتهت إليهم الفتوى في الدّنيا في زمانهم.
следующие страницы →