← Акыда

Акыда · id 8565

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

صالح الفوزان

Полный текст (705 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وحقيقته: أن الله سبحانه يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليُكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أُثبتت الشفاعة بإذنه مواضع. ــ والآية: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ، عامة في الملائكة، وفي الأولياء، والصالحين، وغيرهم، كل من دُعي من دون الله ، فهو بهذه المثابة، لا يملك شيئاً ولا مثقال ذرة، ولا يشارك المالك، وليس هو ظهير للمالك، وليس هو شفيع عند المالك بشفاعة أهل الشرك، وأهل عبادة القبور، والأضرحة، والأشجار، والأحجار، والأصنام، وغيرها، هؤلاء لا حظ لهم في الشفاعة، كل هؤلاء القطعان الضائعة، هؤلاء الذين يأتون إلى هذه الأضرحة، وينفقون الأموال، ويضيعون الأوقات، كلهم لا حظ لهم في الشفاعة عند الله ، وإنما الشفاعة لأهل التّوحيد. والسبب في جعل الله هذه الشفاعة أنها إكرام للشافع، يأذن الله لمن شاء من عباده أن يشفع إكراماً له، مثل ما يحصل لمحمد ﷺ في المقام المحمود، إكراماً له ﷺ ، ورحمة للمشفوع فيه إذا كان من أهل الشفاعة والرحمة، هذا هو الحكمة في جعل الله هذه الشفاعة، فالأمر لله . وبهذا يتبيّن لنا معنى الآيتين الكريمتين مع بيان شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الكلام الواضح. وأبو العباس كنية شيخ الإسلام ابن تيمية، واسمه: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، الحنبلي، الإمام المشهور. وليس له ولد. وإنما يكنى أبا العباس من باب التكريم له، ويجوز أن يكنى الإنسان ولو لم يكن له ولد. فالحاصل؛ أن هذه الآية الكريمة قد أبطلت ما يعتقده المشركون في معبوداتهم، وردّت عليهم ردًّا مفحماً: هل يستطيع المشركون أن يقولوا: إن معبوداتنا هذه تملك في السماوات أو في الأرض شيئاً؟ لا يستطيعون.

стр. 247

وقد بيَّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلاّ لأهل الإخلاص والتّوحيد". انتهى كلامه ﵀. ــ هل يستطيعون أن يقولوا: إنها شريكة لله؟، لا يستطيعون. هل يستطيعون أن يقولوا: إنها تعين الله في تدبير الملك؟، لا يستطيعون. هل يستطيعون أن يقولوا إنها تشفع عند الله بغير إذنه؟، لا يستطيعون. هل يستطيعون أن يقولوا: إن الشفاعة تنفع المشركين وتنفع الكفار؟ لا يستطيعون. كل هذا لا يستطيعونه أبداً. هل أحد منهم عارض هذه الآية، وقال: إن معبوداتنا تملك، أو أنها شريكة لله، أو أنها معينة لله، أو أنها تشفع عنده بغير إذنه؟، ما أحد يستطيع أن يعارض كلام الله ، لأن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولكن إذ عميت البصائر، وصار الناس يعملون على حسب أهوائهم، وحسب التقاليد الفاسدة؛ حينئذٍ يقعون في المهالك، يقعون فيما وقعوا فيه. ولو سألت أي خرافي أو أي مشرك من عباد الأضرحة قلت له: أجب عن هذه الآيات؟. ما استطاع الجواب. وإذا لم يستطع الجواب، تبيّن أنه مكابر، وأن عمله باطل. كان الواجب على من يدّعي الإسلام، ويشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله؛ الواجب أن يرجع إلى القرآن، وأن يتدبرّ القرآن، وأن يعمل به، وأن يراجع سنة الرسول ﷺ ، ويعمل بها، ولا يذهب مع التقاليد الفاسدة، أو يتبع ما كان عليه الناس، أو الدعاوى الباطلة أن هذه القبور تنفع، أو أن هؤلاء الأموات ينفعون من دعاهم، أو من تقرّب إليهم، هذا كله إذا عُرِضَ على الكتاب والسنّة تبيّن بطلانه. نعم، قد يقع لهؤلاء الذين يدعون الأولياء أو القبور أن تحصل لهم حاجاتهم التي طلبوها، لكن هذا لا يدل على صحة ما هم عليه، لأنهم قد يُعطون ما طلبوا من باب الفتنة، ومن باب الاستدراج، أو أنه يصادف ذلك قضاءً وقدراً من الله سبحانه وتعالى

стр. 248

في إعطائهم هذا الشيء، فيظنون أنه بسبب القبور، وهو في الواقع بقضاء الله وقدره، فحصول المطلوب لا يدل على صحة الطلب، إنما الاحتجاج يكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لا بالعادات، والتقاليد، والحكايات، والمنامات، والخرافات، أو أن فلاناً قد حصل له كذا، فلان ذهب إلى القبر الفلاني، فلانة ذهبت إلى القبر الفلاني فحملت، هذا ليس بدليل أبداً، لأن إعطاء الإنسان شيئاً مما يحتاج إليه، لا يدل على صحة ما ذهب إليه، أو ما فعل من الشرك والعادات السيئة. يقول شيخ الإسلام: "قد يرون عند القبور أو يسمعون عند القبور من يكلمهم، أو يخرج عليهم من القبر ويقول: أنا فلان الذي تطلب، وأنا أقضي حاجتك. يتمثل لهم الشيطان، ليس هو الميت، وإنما هو الشيطان، يتمثل لهم بصورة الميت، ويخاطبهم، وقد يجلب لهم شيئاً مما يطلبون من بعيد، وهو شيطان يريد أن يضلهم، ويريد أن يهلكهم، وأن يغرر بهم". فحصول المقصود لا يدل على صحة العمل، وكذلك كونهم يشاهدون الشخص الذي بصورة الميت، أو يسمعون كلاماً يكلمهم، كل هذا ليس بحجة، لأن هذه أعمال شيطانية، يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت، أو يكلمهم بصوت الميت، أو هو شيطان يريد أن يضلهم عن سبيل الله، أو يعطيهم بعض الحوائج، لأن الشيطان يستطيع أن يسير إلى الأمكنة البعيدة، وحمل الأشياء والمجيء بها، وتحضيرها، والجن يتعاونون على هذا الشيء ويحضرون مطلوب هؤلاء، ويعطونهم إياه. الحاصل؛ أنها كلها أعمال شيطانية، لأنها مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذه من البلايا، يعني: كونهم يحتجّون بأن فلاناً شفي لما ذهب إلى القبر، فلانة حملت لما ذهبت إلى القبر، فلان أعطي كذا وكذا، وهذا ليس بحجة أبداً. هذا فتنة وابتلاء وامتحان، وهو من أعمال الشياطين. قد يقولون: إنه رأى الميّت في الرؤيا، وأنه قال له كذا وكذا، والرؤيا هذه من الشيطان، الشيطان قد يأتي النائم ويكلمه، أو يتمثل له بصورة من يعرف من الأموات، يأتيه في الرؤيا وهو شيطان، لأنه ليس كل رؤيا تكون صحيحة، الرؤيا على ثلاثة أقسام:

стр. 249

رؤياً هي حديث نفس، وأضغاث أحلام، لا أصل لها. والقسم الثاني: من الشيطان، جاءه فقال له في الرؤيا: اعمل كذا، أو اطلب كذا، أو اذهب إلى كذا، وهي رؤيا شيطانية، خصوصاً إذا كان الإنسان نام على غير ورد؛ لم يقرأ آية الكرسي عند النوم، ولم يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين عند النوم، فإنه يتسلط عليه الشيطان من أجل أن يضله، أو من أجل أن يكدّر عليه نومه، ويزعجه، لأنه يأتيه بمزعجات، يرى أشياء يكرهها. القسم الثالث: هي الرؤيا الصحيحة، وهي التي تجري على يد المَلَك، هذه الرؤيا الصحيحة وليس فيها تضليل، وإنما فيها خير، وهي جزء من النبوّة- كما في الحديث-، وهي من المبشرات، لكن هذه لا تحصل إلاّ لأهل الإيمان في الغالب، وقد تحصل الرؤيا للكفار لحكمة يريدها الله ، كما حصلت للملك في قصة يوسف ﵇، والملك كان كافراً، هذه رؤيا صحيحة جرت لكافر لأمر أراد الله، وهو: الإرهاص ليوسف ﵇ من أجل أن يكرمه الله بتأويل هذه الرؤيا، ويتبيّن عمله وفضله، ثمّ يُخرج من السجن، ثمّ يصل إلى درجة المُلك. الحاصل؛ أن الرؤيا، لا يُعتمد عليها في العبادات لأن العبادات ولاسيّما التّوحيد- لا يُبنى إلاَّ على دليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ ، أو إجماع المسلمين، أما المنامات والرؤى والحكايات هذه كلها لا تُبنى عليها الأحكام الشرعية. لو جاءك واحد في الرؤيا وقال لك: صلِّ كذا وكذا من الصلوات، أو صُم، لم يجز العمل بهذه الرؤيا، لأن التشريع انتهى، ما هناك دليل إلاّ من الكتاب أو السنّة، فليس هناك تشريع بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ولاسيّما في أمور التّوحيد، وأمور العقيدة، فهؤلاء الذين شرّعوا في أمور العقيدة، فبنوا الأضرحة على القبور، والرسول ينهى عن ذلك، وطافوا بها، وتقربوا إليها، كل هذا مناف للكتاب والسنّة، لأن الله لم يشرَع لنا هذه الشركيّات، وهذه الخرافات، وهذه البِدْعيّات والمحدثات.

стр. 250

[الباب الثامن عشر:] *باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية. وفي الصحيح عن ابن المسيّب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب ــ غرض المصنّف ﵀ من عقد هذا الباب: الردّ على الذين غلو في النبي ﷺ ، وعلى المشركين الذين يتعلّقون بالأولياء والصالحين، يدعونهم من دون الله، ويستغيثون بهم، لأنه إذا كان رسول الله ﷺ لم يملك لعمه أبي طالب شيئاً، وأنه نُهي عن الاستغفار له، ففي حق غير النبي ﷺ من باب أولى، فدلّ ذلك على أنه ﷺ لا يُدعى من دون الله، ولا يُطلب منه شيء من الأمور التي لا يقدر عليها إلاّ الله، لأنه لم يملك هذا لعمه أبي طالب مع حرصه على نفعه، وعاتبه الله بقوله: " ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ "، وبقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ، فإذا كان هذا في حق النبي ﷺ ، وهو أفضل الخلق، دلّ على أنه لا يُدعى من دون الله، ولا يُطلب منه شيء من الأمور التي لا يقدر عليها إلاّ الله، فغيره من باب أولى من الأولياء، والصالحين، وأصحاب الأضرحة، مهما بلغوا من الصلاح، ومهما بلغوا من المكانة في الدين، فإنهم لا يُطلب منهم إلاّ ما يقدرون عليه من أمور الدنيا، إذا كانوا على قيد الحياة، أما أمور الهداية، وأمور قضاء الحاجات التي لا يقدر عليها إلاّ الله من شفاء المرضى، وإنزال المطر، وجلب الأرزاق، وإعطاء الأولاد، هذا كله لا يُطلب إلاّ من الله ، ولا يطلب من غير الله، لا من نبي، ولا من ولي، ولا من أي مخلوق، ومن طلبه من غير الله فهو مشرك الشرك الأكبر المخرج من الملّة. فهذا غرض المصنّف ﵀ من عقد هذا الباب. قال: "في الصحيح" يعني: في الصحيحين صحيح البخاريّ وصحيح مسلم. "عن ابن المسيّب" هو: سعيد بن المسيّب بن حَزَن بن أبي وهب المخزومي، أحد أكابر التابعين، وكان له منزلة في العلم عظيمة، فهو من أكبر علماء التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين انتهت إليهم الفتوى في الدّنيا في زمانهم.

стр. 251

الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل، فقال له: "يا عم، قل: لا إله إلاّ الله؛ كلمة أحاجّ لك بها عند الله". ــ وأبوه المسيّب بن حَزَن، صحابي، وجده الحَزَن- أيضاً- صحابي، فهو من كبار التابعين، وأبوه وجده صحابيّان. "عن أبيه" المسيّب. "قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة" معناه: قارب الوفاة، وليس المراد أنه نزل به الموت، لأنه إذا نزل الموت بالمحتضر، وبلغت الروح الغرغرة لا تُقبل منه توبة، كما جاء في الحديث: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" فالمراد بهذا- والله أعلم- أنه لما حضرته الوفاة وظهرت عليه علامات الموت قبل أن تبلغ روحه الغرغرة، وقبل أن يأتي الوقت الذي لا تُقبل منه التوبة. ويَحتمل أنه حضرته الوفاة يعني: بلغ نزع الروح، فيكون هذا خاصًّا بأبي طالب، وأما غيره فإذا وصل إلى هذا الحد فإنه لا تُقبل منه توبة. والله اعلم. وأبو طالب هو: أبو طالب بن عبد المطّلب عم الرسول ﷺ ، كَفَل الرسول ﷺ بعد موت جدّه عبد المطّلب، وبقي أبو طالب حول الرسول ﷺ قبل البعثة وبعد البعثة، يدافع عنه، ويحميه، إلى سنة ثمان من البعثة، وهو لم يفارقه، يدافع عنه، ويحميه من أذى قومه، ويصبر معه على مضايقات المشركين، وبذل معه شيئاً كثيراً، وحرص النبي ﷺ على هدايته، لعلّ الله أن ينقذه من النار، ومن ذلك أنه لما حضرته الوفاة جاء إليه، وهذا من حرصه ﷺ على الدعوة إلى الله خصوصاً مع أقاربه، ففيه حرصه ﷺ على الدعوة إلى الله، وصبره على ذلك. "وعنده عبد الله بن أبي أمية المخزومي، وأبو جهل" المخزومي، أما عبد الله بن أبي أمية فقد منّ الله عليه بالإسلام فأسلم، وأما أبو جهل عمرو بن هشام - قبّحه الله- فهذا ألدّ أعداء الإسلام، وأعظم الذين آذوا رسول الله ﷺ ، وسمّاه رسول الله ﷺ : "فرعون هذه الأمّة"، وقُتل يوم بدر، وهو الذي قاد المشركين إلى بدر، وهو الذي حرّضهم على رسول الله ﷺ ، فقُتل مع صناديد قريش في غزوة بدر كافراً- والعياذ بالله-.

стр. 252

فقالا له: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟، فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلاّ الله. ــ "فقال له" أي: قال النبي ﷺ لأبي طالب. "يا عم" هذا فمه استعطاف. "قل: لا إله إلاّ الله" يعني: انطق بهذه الكلمة، معتقداً لها بقلبك. "كلمة أحاج لك بها عند الله" "كلمة" منصوب على أنه بدل من: لا إله إلاّ الله، لأن لا إله إلاّ الله في محل نصب، مقول القول، وكلمة بدل منها، وبدل المنصوب منصوب، لأنه أحد التوابع الأربع. "أحاج لك بها عند الله" يعني: أشهد لك بها عند الله يوم القيامة، من أجل نجاتك من النار، و"أحاج" مجزوم على أنه جواب الأمر، وحرّك بالفتح من أجل التقاء الساكنين، وإلاّ أصله: أحاجج، فأدغمت الجيم في الجيم فصارت أحاج، التقى ساكنان، فحرّك بالفتح للتخلّص من التقاء الساكنين. بيّن له ﷺ فائدة ذلك، ترغيباً له. ففيه أن الداعية إلى الله يبيّن للناس الترغيب، يرغّبهم في الخير، ويبيّن لهم العواقب الحسنة إن استجابوا، ويحذرهم من العواقب الوخيمة إن لم يستجيبوا، فالداعية يبشر وينذر. ولكن جلساء السوء- والعياذ بالله- تسببوا في شقاوة هذا الرجل: "فقالا له" قال: أبو جهل وعبد الله بن أمية لأبي طالب معارضين لرسول الله ﷺ : "أترغب عن ملة عبد المطّلب؟ " أي: أتترك ملّة أبيك؟، وهذا من إثارة النخوة الجاهلية، والحميّة الجاهلية، وهي: التعصّب الممقوت، وأتيا بالحجة الملعونة، وهي: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ، وهذه يحتج بها المشركون، إذا جاءتهم الرسل قالوا: نحن وجدنا آباءنا على هذا، لا نقدر أن نترك دين آبائنا ونتبعكم. وفرعون لما جاءه موسى وهارون ﵉ قال: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ ، يحتج عليهم بما كانت عليه القرون الأولى من الكفر والشرك، فهي حجة مطّردة عند المشركين، الاحتجاج بما عليه النّاس، والآباء، والأجداد، وهذه الحجة حالت بين كثير من النّاس وبين الإيمان- والعياذ بالله- إلاّ من هداه الله.

стр. 253

فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . ــ "فأعاد عليه رسول الله ﷺ " هذا فيه: أن الداعية لا ييأس، أي: طلب منه أن يقول: لا إله إلاّ الله. "فأعادا عليه" أعاد عليه الرّجلان، قولتهم القبيحة: "أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ ". فعند ذلك أخذته الحميّة الجاهلية، فقال: "هو على ملة عبد المطلّب". "هو" هذا ضمير الغائب، يَحتمل أن الرّاوي صرفه، ولم يقل: أنا، من باب كراهة هذا اللّفظ. وجاء في بعض الروايات:"أنا على ملّة عبد المطلب". "وأبى أن يقول: لا إله إلاّ الله" ومات- والعياذ بالله- على الشرك. فعند ذلك النبي ﷺ من شفقته على عمه، ولما رأى أنه مات على الشرك، وكان منه في حياته من النُّصرة والتأييد قال: "لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك" هذا كله من كمال شفقته ﷺ ، ومن مجازاته على المعروف، ووفائه ﷺ . "فأنزل الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ " نهاه الله عن ذلك، ونهى المؤمنين، لأن المسلمين لما رأوا رسول الله ﷺ يستغفر لعمّه قالوا: إذاً نستغفر لموتانا، فأنزل الله هذه الآية. ﴿مَا كَانَ﴾ أي: لا يليق ولا ينبغي، وهذا خبر معناه: النهي والتحذير. " ﴿لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ " المشرك لا يجوز الاستغفار له ولا التّرحّم عليه إذا مات على الشرك، وكذلك في حالة الحياة فالمشرك لا يستغفر له وهو حي، ولا يُترحّم عليه، وإنما يطلب له الهداية، يُقال: اللهم اهده، أما الاستغفار والترحّم فإنه لا يجوز للمشركين، لا أحياءً ولا أمواتاً، لأنه لا تجوز محبتهم وموالاتهم ما داموا على الشرك، وإبراهيم ﵇ استغفر لأبيه لأنه وعده أن يستغفر له، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ . "وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ " ﴿إِنَّكَ﴾ أيها الرسول،

стр. 254

﴿لا تَهْدِي﴾ لا تملك هداية " ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ " من أقاربك وعمك، والمراد بالمحبة هنا: المحبة الطبيعية، ليست المحبة الدينيّة، فالمحبة الدينيّة لا تجوز للمشرك، ولو كان أقرب الناس: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ، فالمودة الدينيّة لا تجوز، أما الحب الطبيعي فهذا لا يدخل في الأمور الدينيّة. ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فنفى عن نبيه محمَّد ﷺ أنه يملك الهداية لأحد، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) ﴾ . فإن قلت: أليس الله جل وعلا قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، فأثبت في هذه الآية أن الرسول يهدي إلى صراط مستقيم؟. فالجواب عن ذلك: أن الهداية هدايتان: هداية يملكها الرسول ﷺ ، وهداية لا يملكها. أما الهداية التي يملكها الرسول فهي: هداية الإرشاد والدعوة والبيان ويملكها كل عالم يدعو إلى الخير. أما الهداية المنفيّة فهي: هداية القلوب، وإدخال الإيمان في القلوب، فهذه لا يملكها أحد إلاّ الله . فنحن علينا الدعوة، وهداية الإرشاد والإبلاغ، أما هداية القلوب فهذه بيد الله ، لا أحد يستطيع أن يوجد الإيمان في قلب أحد إلاّ الله ، هذا هو الجواب عن الآيتين الكريمتين. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فلا يضع هداية القلب إلاّ فيمن يستحقّها، أما الذي لا يستحقّها فإن الله يحرمه منها، والله عليم حكيم جلّ وعلا، ما يُعطي هداية القلب لكل أحد، وإنما يُعطيها سبحانه من يعلم أنه يستحقّها، وأنه أهل لها، أما الذي يعلم منه أنه ليس أهلا لها، ولا يستحقّها، فإن الله يحرمه منها، ومن ذلك حرمان أبي طالب، حرمه الله من الهداية لأنه لا يستحقّها، فلذلك حرمه منها، والحرمان له أسباب: ومنها: التعصّب للباطل، وحميّة الجاهلية تسبّبان أن الإنسان لا يوفّقه الله جل

стр. 255

وعلا، فمن تبيّن له الحق ولم يقبله فإنه يعاقب بالحرمان -والعياذ بالله-، يعاقب بالزّيغ والضلال، ولا يقبل الحق بعد ذلك، فهذا فيه الحثّ على أن من بلغه الحق وجب عليه أن يقبله مباشرة، ولا يتلكّأ ولا يتأخر، لأنه إن تأخر فحريّ أن يُحرم منه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ . وهذا الحديث مع الآية يدلان على مسائل عظيمة: المسألة الأولى: فيه مشروعية الدعوة إلى الله ، فإن الرسول ﷺ أتى عمه وهو في سياق الموت، من أجل ماذا؟، من أجل الدعوة إلى الله ، ففيه: الدعوة إلى الله، وأن الداعية لا ييأس، ولا يقنط من القبول، أو يكسل عن مواصلة الدعوة، ويقول: النّاس ما هم بقابلين، النّاس ما فيهم خير، الإنسان يدعو إلى الله، من قَبِل فالحمد لله، ومن لم يقبل قامت عليه الحجّة، وحصل الأجر للداعية. المسألة الثانية: في الحديث دليل على مشروعية عيادة المريض المشرك من أجل دعوته إلى الله ، فإن الرسول عاد عمه وهو مشرك من أجل دعوته إلى الله. المسألة الثالثة: - وهي مهمة جدًّا-: أن من قال: لا إله إلاّ الله فإنه يُقبل منه، ويُحكم بإسلامه، ما لم يظهر منه ما يُناقض هذه الكلمة من قول أو فعل، فإن ظهر منه ما يناقض هذه الكلمة حُكم بردّته، أما ما لم يظهر منه ما يناقض هذه الكلمة، فإنه يُحكم بإسلامه، فإن كان صادقاً فيما بينه وبين الله، فهو مسلم حقًّا، وإن كان كاذباً فيما بينه وبين الله فهو منافق، أمره إلى الله ، أما نحن فليس لنا إلاّ الظاهر. المسألة الرابعة: في الحديث دليل على أن الأعمال بالخواتيم، فأبو طالب عاش على الكفر والشرك، لكنه لو قال: لا إله إلاّ الله عند الوفاة، واستجاب للرسول ﷺ لختم له بالإسلام، فدلّ على أن الأعمال بالخواتيم، وهذا يصدقه قول الرسول ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" فالأعمال بالخواتيم.

стр. 256

المسألة الخامسة: فيه التحذير من جلساء السوء، ماذا جرّ على أبي طالب هؤلاء الجلساء، ومات على الكفر بسبب مشورتهما- والعياذ بالله-. المسألة السادسة: في الحديث ردٌّ على من زعم إسلام أبي طالب من الشيعة والخرافيين لأن آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلاّ الله. المسألة السابعة: وهي عظيمة جدًّا: تفسير لا إله إلاّ الله كما يقول الشيخ ﵀، وأن معناها: ترك عبادة غير الله، لأن أبا جهل وزميله فهما أنه إذا قال: لا إله إلاّ الله فقد ترك ملّة عبد المطّلب، وأن لا إله إلاّ الله ليست مجرّد كلمة تُقال، وإنما هي كفر بالطّاغوت وإيمان بالله ، بخلاف ما يعتقده كثير من الخرافيين في هذا الزمان، يقولون: لا إله إلاّ الله، ويقولون: يا حسين، ويا فلان، ويذبحون للموتى، ويستغيثون بهم، وهم يقولون: لا إله إلاّ الله!!، بل لهم أوراد صباحية ومسائية يقولونها بالمئات، ثم يذبحون للضريح ويطوفون به، ويستغيثون به. فدلّ على أن أبا جهل أفهم منهم بمعنى لا إله إلاّ الله، لأن أبا جهل فهم أن معنى لا إله إلاّ الله: ترك عبادة الأوثان، وهؤلاء ما فهموا هذا، ما فهموا أن لا إله إلاّ الله معناها؛ ترك عبادة القبور، وهذا من الفقه العظيم، وهذه هي العقيدة الصحيحة، والداعي إلى الله يجب أن يفهم هذا الفقه، لأن هذا هو فقه الدعوة. المسألة الثامنة: فيه الردّ على المرجئة، الذين يقولون: إن الإيمان هو مجرّد المعرفة أو الاعتقاد، فإذا عرف الإنسان بقلبه أو اعتقد أنه لا إله إلاّ الله وأن محمّداً رسول الله، ولو لم يعمل؛ فإنه يكون مسلماً، لأن الأعمال ليست شرطاً في الإيمان، بل مجرّد المعرفة أو الاعتقاد بالقلب يكفي عندهم، وهذا باطل، لأنها لم تعتبر معرفة أبي طالب لرسالة النبي ﷺ ، لم تعتبر إسلاماً، والله تعالى قال عن المشركين: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ ، فهم يعرفون أنه رسول الله، لكن الكبر والحمية الجاهلية، جعلتهم لا يقبلون الدعوة، مع أنهم يعرفونها بقلوبهم، والله جل وعلا حكى عن موسى ﵇ أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا

стр. 257

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، ففرعون عارف بقلبه صحّة ما جاء به موسى، ولكن منعه الكبر والمعاندة، وقال تعالى عن المشركين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ ، وأيضاً قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ ، فاليهود يعرفون أنه رسول الله - أيضاً- كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يعرفون أنه رسول الله. وكان أبو طالب يعرف أنه رسول الله، وصرّح بهذا في قصائده، يقول: "ولقد علمت أن دين محمَّد ... من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار مسبة ... لرأيتني سمحاً بذاك مبيناً" فالذي منعه هو ما جاء في هذا الحديث: أبى أن يقول: لا إله إلاّ الله وقال: "وهو على ملّة عبد المطلب"، وهو يعرف أنه رسول الله. المسألة التاسعة: فيه تحريم الاستغفار للمشركين، والترحّم عليهم، وموالاتهم، ومحبتهم، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) ﴾ . المسألة العاشرة: فيه التحذير من التعصّب لدين الآباء والأجداد إذا كان يخالف ما جاءت به الرسل، فإن الذي حمل أبا طالب على ما وقع فيه هو التعصّب لدين عبد المطّلب، وأنه سبب لسوء الخاتمة- والعياذ بالله-، فليحذر المسلم من هذا. الواجب على المسلم أن يقبل الحق ولو خالف ما عليه آباؤه وأجداده، أما إذا كان آباؤه وأجداده على حق، فأتباعهم حق، ويوسف ﵇ يقول: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ . فإتباع الآباء والأجداد على الحق مشروع.

стр. 258

المسألة الحادية عشرة: وهي المقصودة بالذات من عقد هذا الباب، وهي: الردّ على المشركين الذين يتعلّقون بالأولياء والصالحين، ويدعونهم من دون الله، لأنه إذا كان الرسول ﷺ لم يملك لعمه أبي طالب الهداية فغيره من باب أولى، وهذه هي المناسبة للتّرجمة. والله تعالى أعلم.

стр. 259

[الباب التاسع عشر:] *باب ما جاء في أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ . ــ قال الشيخ ﵀: "باب ما جاء" يعني: ما ورد من الأدلة من أن "سبب كفر بني آدم" السبب في اللغة: ما يُتوصّل به إلى الشيء، ولذلك سمّي الحبل سبباً، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني: فليمدد بحبل إلى السماء. أما السبب عند الأصوليين فهو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. "كفر بني آدم" يعني: كفرهم بالله . "وتركهم" بالجر عطفاً على كفر المضاف إليه، لأن المعطوف على المجرور مجرور. "دينهم" دينهم منصوب على المفعوليّة، لأن المصدر إذا أضيف أو دخلت عليه "ألـ" فإنه يعمل عمل فعله. "هو الغلو في الصالحين" الغلو في اللغة: هو الزيادة عن الحد، يقال:. غلى القدر إذا زاد ومنه يقال: غلى السعر؛ إذا زاد في الأسواق، فالغلو في اللغة: هو الزيادة عن الحد. أما في الشرع: هو الزيادة عن الحد المشروع، يسمّى غلوًّا، ويسمّى طُغياناً. والغلو في الصالحين، هو: الزيادة في مدحهم، ورفعهم فوق مكانتهم؛ بأن يُجعل لهم شيءٌ من العبادة. قال: "وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ " المراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى، سُمّوا بأهل الكتاب: لأن الله سبحانه أنزل على أنبيائهم الكتب. اليهود أنزل الله على نبيهم موسى ﵇ التوراة. والنصارى أنزل الله على نبيهم عيسى- ﵊ الإنجيل، فلذلك سُمّوا أهل الكتاب فَرْقاً بينهم وبين الأُميّيّن والوثنيّين الذين لا كتاب لهم.

стр. 260

وهذا فيه تنبيه على أن المطلوب منهم أن يتقيّدوا بالكتاب الذي أنزل عليهم، وعدم مجاوزته، وهو تنبيه لكل عالم بأن يلتزم الاعتدال. " ﴿لا تَغْلُوا﴾ " هذا نهي من الله تعالى لهم عن الغلو، لأن الغلو أن يكون في شخص، أو يكون في دين. والغلو في الشخص هو: المبالغة في مدحه، ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله فيها. وأما الغلو في الدين فهو: الزيادة عن الحد المشروع في العبادات، في مقاديرها، أو في كيفيّتها، كما في قصة الثلاثة الذي جاءوا يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا بها كأنهم تقالّوها، ولكنهم قالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ وقد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر؟، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، قال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء [يعني: يتبتّل] ، وفي رواية: لا أكل اللحم [من باب التّقشّف وحِرمان النفس] . هذا غلو أيضاً، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال لهم: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟، أما والله إني لأرجو أن أكون أعرفكم بالله ، وأخشاكم لله، وإني أصلّي وأنام، أصوم وأفطر، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منّي"، هذا غلو نهى عنه الرسول ﷺ ، وأمر بالتّوسّط وعدم الغلو. ولما لُقطت له- ﵊ حصى الجمار أمثال حصى الخَذْف - يعني: أكبر من الحِمَّص بقليل- أخذها ﷺ في كفّه وقال: "أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو". واليهود والنصارى غلو في أنبيائهم، وغلو في دينهم- أيضاً-، غلو في أنبيائهم، حيث قالت النصارى للمسيح: ابن الله، فرفعوه فوق منزلة البشرية إلى منزلة الربوبية ويسمُّونه الرب. وأما اليهود فقد غلوا في عزير، قالوا: هو ابن الله. وكذلك النصارى غلو في دينهم فابتدعوا الرهبانية، وهي: التّبتّل والتّعبدّ، ولزوم الصّوامع، وعدم الخروج منها، رهبانية ابتدعوها، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ ، هذا من الغلو في الدين، قال تعالى: ﴿لا

стр. 261

وفي الصحيح عن ابن عباس ﵁ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) ﴾ . ــ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ، وفي الآية الأخرى في سورة النساء يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً (١٧١) ﴾ . فكذلك الذين غلو في الصالحين من هذه الأمة حتى عبدوهم مع الله ، وجعلوا لهم شيئاً من الرّبوبيّة والألوهيّة، سواءً بسواء. قال: "في الصحيح" يعني: صحيح البخاريّ. "عن ابن عباس ﵁ في قول الله تعالى" يعني: في تفسير قوله تعالى: " ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) ﴾ "، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ... إلخ" قوم نوح لما نهاهم نبي الله نوح- ﵊ عن الشرك وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له؛ تواصوا فيما بينهم بهذه الوصية الكافرة: "وقالوا لا نذرن آلهتكم" يعني: لا تطيعوا نوحاً ﵇، لا تتركوا آلهتكم التي تعبدونها من دون الله. " ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ " هذه أسماء رجال صالحين، وكان هذا في الأوّل، لأن النّاس كانوا بعد آدم ﵇ على دين التّوحيد- كما قال ابن عباس-، كانوا على دين التّوحيد دين أبيهم آدم- ﵊ عشرة قرون، وكان هؤلاء الصالحون في هذا العهد- عهد التّوحيد-، فلما ماتوا - ويُروى: أنهم ماتوا في سنة واحدة- حزنوا عليهم حزناً شديداً، وبكوا عليهم، فاستغل الشيطان- لعنه الله- هذه العاطفة فيهم، وأشار عليهم بمشورة ظاهرها النصح، وباطنها الخديعة والمكر، أشار عليهم بأن يصوّروا تماثيلهم، يعني: يجعلوا لهم صوراً على شكل تماثيل، كل واحد له صورة، وأن ينصبوا هذه التماثيل على

стр. 262

قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت". ــ مجالسهم؛ من أجل أن ينشطوا على العبادة، إذا رأوهم تذكّروا حالتهم فنشطوا على العبادة، فهو جاءهم من باب النصح، وأشار عليهم بمشورة ظاهرها الخبر، وأن هذه وسيلة للنشاط على العبادة، والتقوى، والصلاح، والإقتداء بهؤلاء، إذا رأوا صورهم تذكّروا صلاحهم وحالتهم فاقتدوا بهم، هذا ظاهر نصيحته، ولكنه في الباطن يمكر بهم، لأنه يرمي إلى مرمى بعيد- لعنه الله-، ينظر إلى العواقب، إلى الأجيال القادمة، يؤسس هذا الأساس للأجيال القادمة، وإلاَّ فإنه يعرف أن هؤلاء- ما دام العلم موجوداً، وما دام أنهم على التّوحيد- لن يتركوا عبادة الله ، فقبلوا هذه المشورة لأن ظاهرها أنها خير، وابتدعوا هذه البدعة. وهذا دليل على أن البدع لا تجوز وإن كان ظاهرها الخير، وإن كانت نيّة أصحابها الخير. ابتدعوا هذه البدعة، وصوّروا هذه التماثيل على مجالس هؤلاء الصالحين ولم تُعبد في هذا الجيل، لأنهم على علم وعلى دين، لكن لما مات هذا الجيل، ونُسي العلم- وفي رواية: نُسِخ العلم بموت العلماء-، لأن الشيطان لا يتسلّط- في الغالب- مع وجود العلماء، لأن العلماء يكافحونه، ويردّون كيده، إنما يتسلّط عند عدم العلماء. "حتى إذا هلك أولئك، ونُسي العلم" يعني: بموت العلماء الذي يحذّرون من الشرك، "عُبدت" هذه الصور لأن الشيطان قال لهم: إن آباءكم ما نصبوا هذه الصور إلاّ من أجل أن يتقرّبوا إليها، ويسقون بها المطر، فصدّقوه في هذا. ومقالته لهذا الجيل المتأخِّر تخالف مقالته للجيل السابق، هذا من باب المكر، فصدّقوه في هذا فعبدوهم، ومن حينها حدث الشرك في الأرض، وغُيّر دين آدم ﵊ فبعث الله نبيّه نوحاً ﵇ أول الرّسل. وهذا أول شرك حدث في الأرض، وسببه هو الغلو في الصالحين ثمّ بعث الله

стр. 263

قال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا؛ عكفوا على قبورهم، ثمّ صوّروا تماثيلهم، ثمّ طال عليهم الأمد، فعبدوهم". ــ نبيّه نوحاً ﵇ ينهى عن ذلك، ويريد ردّهم إلى التّوحيد، ولكن لم يؤمن معه إلاّ القليل كما قال الله : ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ ، كما قال كفّار قريش لما نهاهم محمّد ﷺ عن الشرك: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ، لا تطيعوا محمّداً فدين المشركين واحد من قديم الزمان وحديثه. "قال ابن القيم" ابن القيّم هو: محمّد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، الإمام الجليل، الحافظ، صاحب المصنّفات المشهورة في التّوحيد والأصول والفقه ومختلف العلوم، وهو أكبر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيميّة- رحمهما الله- علماً وقدراً. قال: "لما ماتوا" يعني: لما مات هؤلاء الصالحون. وهذا تفسير وتوضيح لما قاله ابن عباس ﵁. "عَكَفوا على قبورهم" العُكوف هو: طول البقاء في المكان، ومنه: الاعتكاف في المساجد، كما عرّفه الفقهاء بأنه: لزوم مسجد لطاعة الله. "ثم صوّروا تماثيلهم" هذه خطوة ثانية. "ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم" هذه خطوة ثالثة. فهذه الآثار مع الآية الكريمة تدلّ على مسائل عظيمة: المسألة الأولى: تحريم الغلو في الصالحين، بمعنى ما ذكرناه في الغلو، وأنه يؤول إلى الشرك، فإن غلو قوم نوح في الصالحين آل بهم إلى الشرك- والعياذ بالله-، فهذا شاهد للتّرجمة: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين" وهذا ظاهر، فإن ما وقع في قوم نوح كان سببه الغلو في الصالحين. وفيه ردٌّ على عبّاد القبور اليوم، الذين يقولون: البناء على القبور من باب المحبة للصالحين. وكوننا نستغيث بهم، ونستشفع بهم، ونذبح لهم، وننذر لهم، ونتبرّك بتربتهم، هذا ليس من الشرك، هذا من باب محبة الصالحين. ويقولون: للذين ينكرون هذا أنتم تبغضون الصالحين. هكذا فسروا المحبة والبُغض، بأن

стр. 264

المحبة: عبادتهم، والبغض: ترك عبادتهم، هذا من انتكاس الفِطَر- والعياذ بالله-. فالآية والأثر يردّان عليهم، لأن هذا ليس من محبة الصالحين، وإنما هو من الغلو فيهم الذي يؤول إلى الشرك- والعياذ بالله-. المسألة الثانية: في هذه الآثار دليل على أن الغلو في الصالحين من سنّة اليهود والنصارى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ، فالغلو في الصالحين من سنة اليهود والنصارى، وليس من سنة المسلمين، فهؤلاء القبوريون سلفهم اليهود والنصارى، وبئس السلف. المسألة الثالثة: فيه التحذير من التصوير، ونشر الصور، لأن ذلك وسيلة إلى الشرك، فأول شرك حدث في الأرض هو بسبب الصور المنصوبة، وهذه إحدى علّتي تحريم التصوير، لأن التصوير ممنوع لعلّتين: العلّة الأولى: أنه وسيلة إلى الشرك. العلّة الثانية: أن فيه مُضاهاة لخلق الله . وقد قال تعالى كما في الحديث القدسي: "ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبّة، أو ليخلقوا شعيرة"، فالمصوّر يحاول أن يضاهي خلق الله تعالى بإيجاد الصورة، فلذلك يجعل لها أعضاء، ويجعل لها عينين، ويجعل لها أنفاً، ويجعل لها شفتين، ويجعل لها وجهاً، ويجعل لها يدين، ويجعل لها رجلين، يضاهي خلق الله، إلاّ أنه لا يقدر على نفخ الروح فيها، ويجعل الصورة على شكل ضاحكة، أو على شكل باكية، أو شكل مقطّبة الجبين، أو مسرورة، كل هذا مضاهاة لخلق الله، وإن كانوا يسمون هذا من باب الفنون، وهي فنون شيطانية، والجنون فنون، فتسميته من باب الفنون لا يسوغ عمله، والتصوير ملعون من فعله، ففيه: التحذير من التصوير ونصب الصور. لأن ذلك يؤول إلى الشرك بالله ، وهذا أعظم العلّتين في النهي عن التصوير ونصب الصور، لاسيّما صور المعظمين من الملوك والرؤساء ومن الصالحين والمشايخ إذا نُصبت فإن هذا يؤول إلى عبادتها، ولو على المدى البعيد، لأن الشيطان حاضر ويشغل الجهل والعواطف. المسألة الرابعة: في الآية والآثار دليل على تحريم البدع في الدين، وأنها

стр. 265

تؤول إلى الشرك، ولذلك قال العلماء: البدعة توصل إلى الشرك ولو على المدى البعيد. وهذه بدعة قوم نوح وصَّلت إلى الشرك، وهذا شيء واضح. المسألة الخامسة: فيه دليل على أن حسن النيّة لا يسوغ العمل غير المشروع، لأن قوم نوح نيّتهم حسنة، عندما صوّروا الصور يريدون النشاط على العبادة، وتذكر أحوال هؤلاء الصالحين، ولا قصدوا الشرك أبداً، وإنما قصدوا مقصداً حسناً، لكن لما كان هذا الأمر بدعة صار محرّماً لأنه يُفضي إلى الشرك ولو على المدى البعيد، فالنية الحسنة لا تسوغ العمل غير المشروع. المسألة السادسة: وهي عظيمة جداً: فيه بيان فضيلة وجود العلم والعلماء في النّاس، ومضرّة فقدهم، لأن الشيطان ما تجزّأ على الدعوة إلى الشرك مع وجود العلم ووجود العلماء، إنما تجزّأ لما فُقد العلم ومات العلماء، فهذا دليل على أن وجود العلم ووجود العلماء فيه خير كثير للأمة، وأن فقدهم فيه شر كثير. المسألة السابعة: فيه التحذير من مكر الشيطان، وأنه يُظهر الأشياء القبيحة بمظهر الأشياء الطيبّة حتى يغرِّر بالناس. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه يتدرّج بالناس شيئاً فشيئاً، لأنه تدرّج بقوم نوح من تذكّر العبادة والنشاط والمقصد الحسن، تدرّج بهم إلى المقصد السيء والشرك بالله . وليسو هذا مقصوراً على شيطان الجن، بل وشيطان الإنس كذلك يعمل هذا العمل، فدعاة السوء ودعاة الضلال- أيضاً- يمكرون بالأمة الإسلامية مثل ما يمكر الشيطان: ﴿شَيَطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ . المسألة الثامنة: فيه دليل على تحريم الغلو في قبور الصالحين،، فقول ابن القيم: "لما ماتوا عكفوا على قبورهم" فيه: التحذير من الغلو في قبور الصالحين، وذلك بالعكوف عندها، أو البناء عليها، أو غير ذلك من أي مظاهر الغلو، والنبي ﷺ حذّر من البناء على القبور، وحذّر ﷺ من الصلاة عند القبور، والدعاء عند القبور، لأن ذلك وسيلة إلى الشرك، وحذّر ﷺ من إسراج القبور، فقال: "لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسّرج" لأن هذا يغرّ العوام، ويقولون: ما عمل به هذا العمل إلاّ لأنه يضر أو ينفع، ولذلك أوصى النبي ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله عنه

стр. 266

وعن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجاه. ــ قال: "لا تدع قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته" المشرف: هو المرتفع بالبناء، "إلاَّ سوّيته" يعني: هدمت البناء الذي عليه، وكذلك نهى ﷺ عن تجصيص القبور، وطلائها بالجص، أو بالنورة، أو بالبويات، أو الألوان المزخرفة، لأن هذا يغرّ العوام، ويظنون أنه ما عمل به هذا العمل إلاّ لأنه له خاصية، ونهى ﷺ عن الكتابة على القبور، فلا يكتب على القبور اسم الميت، ولا تاريخ وفاته، ولا مكانته، فلا يقال: هذا قبر العالم الفلاني الذي عمل كذا وكذا، كل هذا لا يجوز، لأن هذا يغرر بالناس فيما بعد، ويقولون: ما كُتبت هذه الكتابة إلاّ لأن هذا الميّت له خاصيّة. كل هذه الأمور نهى عنها الشارع، لأنها وسائل إلى الشرك. والمشروع في القبور أن تُدفن كما كان على عهد النبي ﷺ تُدفن بترابها، وتُرفع عن الأرض قدر شبر بالتراب من أجل أن تُعرف أنها قبور فلا تُداس، ويجعل عليها نصائب من طرفيها لتحديد القبر، لأجل أن لا يوطأ، وما زاد عن ذلك فهو ممنوع. هكذا كانت القبور في عهد النبي ﷺ ، وهذه سنة النبي ﷺ في دفن الأموات. المسألة التاسعة: فيه أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة مشهورة، لأن عمل قوم نوح فيه مصلحة جزئية وهي: تذكر حالة الصالحين، لكن المفسدة أكبر من هذا، وهو أن ذلك يؤول إلى الشرك- والعياذ بالله-. قوله: "وعن عمر" المراد به: عمر بن الخطاب بن عمرو بن نُفَيْل العدوي القرشي، ثاني الخلفاء الراشدين، وأفضل هذه الأمة بعد أبي بكر الصدّيق، رضي الله تعالى عن الجميع. فهو عمر بن الخطاب الذي أعزّ الله به الإسلام والمسلمين، وفتح الله على يديه الفتوحات في المشرق والمغرب، حتى اتسعت رُقْعة الإسلام في الأرض، وله من الفضائل الشيء الكثير، رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعن جميع صحابة رسول الله والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. "أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُطْروني" هذا نهي منه ﷺ عن الإطراء في حقهّ،

стр. 267

والإطراء هو: زيادة المدح والمبالغة فيه، كما هي عادة بعض المدّاحين من الشعراء وغيرهم، وهذه صفة ذميمة، فإن كثرة المدح والزيادة في ذلك منهي عنها في حق الرسول ﷺ وفي حق غيره، ولكن في حق الرسول أعظم، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك والكفر، فإن الغلو في مدح الأنبياء يؤدي إلى الشرك، كما حصل للنصارى واليهود حينما غلو في الأنبياء. فمعنى قوله: "لا تُطروني" يعنني: لا تزيدوا في مدحي. "كما أطرت النصارى ابن مريم" النصارى المراد بهم: أتباع عيسى ﵇، قيل: سُمُّوا نصارى نسبة إلى البلد: الناصرة في فلسطين، أو من قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾ ، وهم أهل ملّة من الملل الكتابيّة، ويسمّون بالنصارى، أما أن يسمّوا بالمسيحيين- كما عليه النّاس الآن- فهذا غلط، لأنه لا يقال: المسيحيون إلاّ لمن اتبع المسيح ﵇، أما الذي لم يتبعه فإنه ليس مسيحيًّا، وإنما هو نصراني، فاسمهم في الكتاب والسنّة: النصارى. كما أن اليهود نفروا من الاسم الخاص بهم في الكتاب والسنّة وهو اليهود فسموا أنفسهم إسرائيل، وإسرائيل هو نبي الله يعقوب ﵊ فليسوا هم إسرائيل، وإنما هم اليهود. هذا هو اللفظ الموضوع لهم، الذي رُبطت به اللعنة والغضب من الله بسبب كفرهم بالله وعنادهم وتعنتّهم، فهم اليهود. نعم، يُقال: بنو إسرائيل- كما سمّاهم الله بذلك- لأنهم من ذرية يعقوب ﵇ في الغالب، وفيهم أناس يهود ليسوا من ذرية إسرائيل، لكن الغالب عليهم أنهم من بني إسرائيل. وعلى كل حال؛ لا يجوز أن يُقال: إسرائيل، وإنما يُقال: اليهود، أو يقال: بنوا إسرائيل. " كما أطرت النصارى" أي: كما غلت النصارى في مدح المسيح ﵇. "ابن مريم" يُنسب إلى أمه ﵍ لأنه ليس له أب، لأن الله خلقه من أم بلا أب بقوله: ﴿كُن﴾ ، فهو تكوّن بالكلمة من قوله: ﴿كُن﴾ ، ولذلك يُقال: (كلمة الله) ، لأنه تكوّن بها من غير أب، فتكوّن بأمر الله حين قال له: "كُن" فكان بأمر الله، هذا

стр. 268

سبب تسميته كلمة الله، والله قادر على كل شيء، فالله خلق آدم من غير أب ولا أم، خلقه من تراب بشراً سوياً، وخلق حوّاء من غير أم، خلقها من آدم: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ، وخلق عيسى أم بلا أب، وخلق سائر البشر من أم وأب، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ ، فإذا كنتم تعجبون من خلق عيسى من أم بلا أب، فآدم ﵇ أولى بالعجب، لأن الله خلقه من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، فلا غرابة في قدرة الله ، فالله قادر على كل شيء، لا تتحكّم فيه الأسباب، وإنما هو سبحانه يتحكّم في الأسباب والمخلوقات: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ، ولا حَجْر على قدرته . وكيف أطرت النصارى ابن مريم؟، قالوا: إنه ابن الله، أو هو الله، أو ثالث ثلاثة. ولا يزالون على هذه المقالة إلى الآن، في إذاعاتهم، وفي كتاباتهم. فسبب وقوعهم في هذا الكفر هو: الغلو- والعياذ بالله-، لأنهم لم يرتضوا أن يصفوا عيسى بأنه عبد الله ورسوله، وإنما زادوا وقالوا: إنه ابن الله جاء ليخلّص النّاس من الخطيئة، وقُتل وصُلب من أجل أن يخلّص النّاس من الخطيئة، ثمّ بعد قتله وصلبه قام وصعد إلى السماء. وهذا كذب مَحْضٌ، كذبه الله وردّه بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ، فالذي قُتل وصُلب هو شخص غير المسيح، ألقى الله شبه المسيح عليه، فقُتل وصُلب، لأنه خان ودلَّ الكفرة على مكان المسيح، أما المسيح فإنه رفعه الله إليه، ولهذا لم يجزموا أن الذي قتلوه هو المسيح: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ . فالحاصل؛ أن هذا هو غلو النصارى، أنهم مدحوا المسيح ورفعوه فوق منزلته، حتى عبدوه من دون الله، وادّعوا فيه الربوبية بسبب الغدو، وعيسى ﵇ يقول: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (٣١) ﴾ ، وفي يوم القيامة يتبرّأ من هؤلاء: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ، فالعبادة حق الله ليست حقاً لمخلوق، ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ ما ينبغي ولا يليق ولا يصح ﴿أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ لأن العبادة حق لله ، ثمّ ردّ ذلك

стр. 269

إلى الله ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ، والله يعلم أن عيسى لم يقل هذه المقالة، وإنما هذا من باب التوبيخ لهؤلاء، ثمّ قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ هذا تصديق للمسيح ﵇ على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، حينما يجتمع الأولون والآخرون يوم القيامة، فهذا مآلهم -والعياذ بالله-، وهذا موقف المسيح ﵊ في الدنيا والآخرة أنه عبد الله ورسوله، ليس له من الربوبية شيء، ولا يستحق من العبادة شيئاً، وإنما العبادة حق لله وحده لا شريك، وإذا كان المسيح ليس له حق في العبادة، ومحمد ﷺ ليس له حق في العبادة، وجميع الرسل، فكيف بغيرهم من الأولياء والصالحين. ففي هذا الحديث دليل على ما ساقه المصنّف من أجله، وهو أن الغلو في الصالحين يسبِّبُ كفرَ بني آدم وتركهم دينهم. وفي هذا شفقته ﷺ بأمته، حيث حذّرهم مما وقعت فيه النصارى. وفيه: النهي عن التشبّه بالكفار. ثمّ قال ﷺ : "إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" "إنما" هذه كلمة حَصْر، أي: أن شأني ومكانتي أنني عبد الله ، ليس لي من الربوبية شيء، والعبد لا يُغلى فيه ويُطرأ، ويُرفع فوق منزلته. "فقولوا: عبد الله ورسوله" أرشدنا ﷺ إلى أن نقول فيه الكلام الواقع واللاّئق به ﷺ ، وهو أنه عبد الله ورسوله. فدلّ هذا على أنه يُمدح ﷺ بصفاته من غير زيادة ومن غير نقص، وهي: العبودية والرسالة، والله جل وعلا وصف محمّداً بأنه عبد في كثير من الآيات، في مقام التنزيل قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (١) ﴾ ، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً (١) ﴾ ، وفي مقام الإسراء قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ، والمعراج في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)

стр. 270

فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) ﴾ ، وفي مقام التحدّي وصفه الله بالعبودية قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) ﴾ . ففي قوله: "عبد الله" ردٌّ على الغلاة الذين يغلون في حقه ﷺ . وفي قوله: "رسوله" ردٌّ على المكذبين الذين يكذّبون برسالته ﷺ ، والمؤمنون يقولون: هو عبد الله ورسوله. هذا وجه الجمع بين هذين اللّفظين، أن فيهما رداً على أهل الإفراط وأهل التفريط في حقه ﷺ . وفيه: ردٌّ على الذين غلو في مدحه ﷺ من أصحاب القصائد، كقصيدة البُردة والهمزية وغيرهما من القصائد الشركية التي غلت في مدحه ﷺ ، حتى قال البوصيري: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم فنسي الله . ثم قال: إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلاً وإلاّ قل يا زلة القدم يعني: ما ينجيه من النار يوم القيامة إلاّ الرسول. ثم قال: فإن من جودك الدّنيا وضرّتها ... ومن علومك علم اللّوح والقلم الدّنيا والآخرة كلها من جود النبي ﷺ ، أما الله فليس له فضل، هل بعد هذا الغلو من غلو؟؟. واللّوح المحفوظ والقلم الذي كتب الله به المقادير هذا بعض علم النبي ﷺ ، ونسي الله تماماً- والعياذ بالله-. وكذلك من نهج على نهج البردة ممن جاء بعده، وحاكاه في هذا الغلو، هذا كله من الغلو في مدح النبي ﷺ ومن الإطراء. أما المؤمنون فيمدحون الرسول ﷺ بما فيه من الصفات الحميدة والرسالة

стр. 271

وقال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو". ــ والعبودية، كما أرشد إلى ذلك النبي ﷺ ، كما عليه شعراء الرسول ﷺ الذين مدحوه وأقرّهم، مثل: حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زُهير، وعبد الله بن رواحة، وغيرهم من شعراء الرسول ﷺ الذين مدحوه بصفاته ﷺ ، وردوا على الكفّار والمشركين. هذا هو المدح الصحيح المعتدل، الذي فيه الأجر وفيه الخير، وهو وصفه ﷺ بصفاته الكريمة من غير زيادة ولا نُقصان. ثم قال المصنّف ﵀: "وقال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو"، هكذا ذكره المصنف ﵀ من غير أن يذكر راويه، ومن غير أن يعزوه إلى مخرِّج من أصحاب الكتب، بل جعل مكان ذلك بياضاً. والحديث رواه ابن عباس، وخرّجه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وابن ماجه في سننه. وهذا حصل في مُنْصَرَفه ﷺ في حجة الوداع من مزدلفة إلى منى من أجل رمي جمرة العقبة، ولما كان في الطريق بين مزدلفة ومنى قال لابن عباس: "التقط لي الحصى"، فلقط له سبع حصيات مثل حصى الخَذَف، وهي الصغار التي تُخْذَف على رؤوس الأصابع، وهي أكبر من الحِمَّص بقليل، فأخذها ﷺ بيده الكريمة، ثمّ نفضها والناس ينظرون إليه، ثمّ قال ﷺ : "أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو"، وهذا يدل على أن الواجب علينا أن نتقيد بالعبادة كما جاءت. فـ "إياكم" هذه كلمة تحذير. "والغلو" تقدم معناه، وهو: الزيادة على الحد المشروع، وهذا لا يجوز، وهو مردود وهلاك، بل نتقيّد بضوابط العبادة كما جاءت في سنة رسول الله ﷺ ، وليس لنا تدخّل في تحديد العبادة ومواقيتها وصفاتها، وهيئاتها، وإنما يتبع في هذا ما دلّ عليه الدليل من كتاس الله وسنة رسوله ﷺ ، علينا الامتثال فقط.

стр. 272

"فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" مثل النصارى غلو في عيسى ﵇، يعني: فأخرجهم الغلو من الدين إلى الكفر- والعياذ بالله- فهلكوا، وهم يريدون النجاة، لكن لما كانت طريقتهم غير مشروعة لم تحصل لهم النجاة، وإنما حصل لهم الهلاك، فكل أحد يريد النجاة من غير أن يسلك طريقها فإنه هالك، لا نجاة إلاّ بإتباع الرسول ﷺ ، مهما كلّف الإنسان نفسه إذا خالف منهج الرسول ﷺ فإنه غالٍ وهالك، وهو مشابه لمن كان قبلنا من الغلاة. ففي هذا: التحذير من الغلو في العبادات، والغلو في الأشخاص، والغلو في كل شيء، فالغلو في كل شيء ممنوع، والمثل يقول: "كل شيء جاوز حدّه انقلب إلى ضده"، كل غلو فهو طريق هلاك، وإنما طريق النجاة هو الاعتدال والاستقامة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ . وما هلكت الخوارج والمعتزلة وعلماء الكلام إلاّ بسبب غلوهم. فالخوارج عندهم عبادة عظيمة، حتى إن الصحابة يحقرون صلاتهم إلى صلاتهم، وعندهم قراءة للقرآن كثيرة، لكنهم لم يقتصروا على المشروع، زادوا -والعياذ بالله- حتى هلكوا، وكل من فعل هذا فإنه يهلك، والتجربة موجودة، وما وصل أحد من المتنطّعين والغلاة إلى النتيجة المطلوبة أبداً، وإنما يكون سبيلهم الهلاك في الدّنيا والآخرة. فهذا مما يحذّر منه في هذا الزمان، لأن ظاهرة الغلو والتّنطع كثرت إلاّ من رحم الله ، وذلك لما فشا الجهل في الناس جاء الغلو وجاءت المخالفات بتزيين شياطين الإنس والجن. فالواجب علينا أن نحذر من هذا، وأن نلزم طريق الاستقامة في كل شيء. أما المعتزلة فغلوا في تنزيه الله، حتى نفو صفات الله التي وصف بها نفسه. والممثلة غلو في إثبات الصفات، حتى شبّهوا الخالق بالمخلوق، فغلو في ذلك، فَضَلّوا -والعياذ بالله-. وأهل السنّة والجماعة توسطوا؛ فأثبتوا لله الأسماء والصفات كما جاءت، تنزيهاً بلا تعطيل، هذا نفي للغلو في التنزيه، وإثباتاً بلا تمثيل، هذا نفي للغلو في الإثبات، فهم توسطوا.

стр. 273

ولمسلم عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطّعون" قالها ثلاثاً. ــ أما المعتزلة فهم غلو في التنزيه حتى نفو الصفات. والممثلة غلو في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه، تعالى الله عما يقولون. والخوراج والمعتزلة غلوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى خرجوا على أئمة المسلمين، ومن أصولهم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى: الخروج على الأئمة. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرمطلوب، ولكن في حدود الشريعة، قال ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه" فجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب حسب الاستطاعة، ولم يأمر بالخروج على الولاة، ونقض البيعة، والتفريق بين المسلمين، وهذه طريقة المعتزلة والخوراج. والخوارج خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وانتهى بهم الأمر إلى أن قتلوه ﵁، هذا كله بسبب الغلو، بزعمهم أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فسبب لهم هذا الهلاك، وهذا مصداق قوله ﷺ "فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو". فالغلو هلاك في الدّنيا، وهلاك في الآخرة، ولا يأتي بخير أبداً، ودين الله بيّن الغالي فيه والجافي عنه، دين الله وسط: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ ، وسط بين الغلو وبين الجفاء، وهذه الأمة عدول خيار، ليس فيهم غلو، وليس فيهم جفاء، وإنما فيهم الاعتدال، هذا هو طريق النجاة دائما وأبداً. قال "ولمسلم" يعني روى الإمام مسلم ﵀ في صحيحه. "عن ابن مسعود" عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، الصحابي الجليل، والعالم الكبير، الذي يُعد من أكابر علماء الصحابة، وإليه المرجع في الفتوى، ورواية الحديث، وغير ذلك، فهو من أكابر الصحابة، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، رضي الله تعالى عنه، وكان- أيضاً- من أشد الناس تحذيراً من البدع

стр. 274

"والغلو" ومواقفه من المبتدعة مشهورة، وكلماته رضي الله تعالى عنه في ذلك مأثورة. "أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا" المتنطعون: جمع متنطع، وأصل التنطع هو التقعّر في الكلام إظهاراً للفصاحة، هذا هو أصل التنطع في اللغة. والمراد هنا: التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال، والتنطع في العبادة. والتنطع في الكلام معناه: أن يتكلم الإنسان بالكلمات الغريبة من اللغة التي لا يفهمها الناس، فيأتي بأسلوب وألفاظ من وحشي اللغة لا يعرفها النّاس. وكذلك من التنطع في الكلام: أن يخاطب الحاضرين بأشياء لا يفهمونها، فالنّاس بحاجة إلى أن يبيّن لهم عقيدتهم وعبادتهم وطهارتهم ومعاملاتهم، ثمّ يذهب يتكلم في أشياء بعيدة عنهم، بل بعيدة من مجتمعهم، يتكلم في أمور السياسة، والأمور البعيدة، وأمور الدول، وأمور وسائل الإعلام، وأمور بعيدة، العوام لا يعرفون منها شيئاً، ولا يستفيدون منها شيئاً، ويخرجون من عنده بجهلهم، لا يعرفون أمور دينهم، بل منهم من لا يعرف كيف يصلي، منهم من لا يعرف كيف يتوضأ، ومنهم من لا يعرف كيف يغتسل من الجنابة، فيخرجون بجهلهم، وما انتفعوا بهذا الكلام البعيد الغريب عن أسماعهم.. هذا من التنطع. وغرض المتكلم أن يبيّن للناس أنه فاهم، وأنه مثقّف ولو على حساب الحاضرين، ولو ما فهموا، ولو ما عرفوا شيئاً. وهذا من التنطع. والمطلوب من الخطيب والمحاضر والمتكلم والمدرس: أن يتكلم في حدود ما يفهمه الحاضرون، وما هم بحاجة إليه في أمور دينهم، وفي أمور معاملاتهم وأخلاقهم، هذا هو المطلوب. وأن يكون قصده نفع الحاضرين، وتعليم الحاضرين، لا يكون قصده إظهار شخصيته، وإظهار فصاحته، فهذا هالك كما قال النبي ﷺ : "هلك المتنطعون". فلنحذر من هذا حينما نتكلم في درس، حينما نخطب في الجمعة، أو عيد أو استسقاء، حينما نلقي محاضرة، علينا أن نراعي حالة الحاضرين، وأن نأتي من

стр. 275

الكلام بما يفهمونه، وما يستفيدون منه، وأيضاً يكون بأسلوب سهل، لا نتعمّد المجيء بأساليب لا يفهمونها، وكلمات لا يفهمونها، بل يختار الموضوع المناسب، والأسلوب المناسب، واللغة التي يفهمونها. هذا الذي يريد الخير للناس، ويريد تعليم الناس. أما الذي يريد أن يُظهر نفسه على حساب الناس، فهذا هو المتنطع، وهذا لا يفيد شيئاً، ويَخرج كما دخل من غير فائدة. فعلينا أن نتنبّه لذلك، لئلا نكون من المتنطعين في الكلام. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: "حدثوا النّاس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ ". أما التنطع في الاستدلال فهو: طريقة أهل الكلام وأهل المنطق الذين عدلوا عن الاستدلال بالكتاب والسنّة إلى الاستدلال بقواعد المنطق، ومصطلحات المتكلمين. والمنطق هذا من أين جاء؟، وقواعد المنطق من أين جاءت؟، جاءت من اليونان، استجلبوها واستعملوها في الإسلام، وتركوا الاستدلال بالكتاب والسنّة، وقالوا: إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، وإنما الذي يفيد اليقين هو الأدلة العقلية - بزعمهم-، فبذلك هلكوا. الواجب أن يكون الاستدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين والقياس الصحيح كما عليه علماء أهل السنّة والجماعة، ولهذا يقول الإمام الشافعي ﵀: "حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال، وأن يطاف بهم في القبائل، وأن يقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنّة واشتغل بعلم الكلام". فمن هؤلاء من يترك كلام الله وكلام رسوله ويأتي بقواعد المنطق، حتى في العقائد وهو ما يسمونه الآن علم التّوحيد، يسمون علم المنطق، وعلم الكلام: علم التّوحيد، ولذلك وقعوا في الهلاك، وضلوا وأضلوا، وقد انتهى أمرهم إلى الحيرة، كما شهد بذلك أكابرهم، وبعضهم عند الوفاة أشهد الحاضرين بأنه مات وهو

стр. 276

لا يعرف شيئاً، مع أنه أفنى عمره في علم الكلام والجدل والمنطق، هذا مآل المتنطعين- والعياذ بالله-، وشهاداتهم على أنفسهم موجودة، مما يدل على صدق قول الرسول ﷺ : "هلك المتنطعون". أما التنطع في العبادة فهو كما سلف، هو: أن يزيد الإنسان في العبادة على الحد المشروع، وهذه رهبانية النصارى، أما الحد المشروع فهو كما قال ﷺ : "أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، ومن رغب عن سنتي فليس مني" هذا هو الاعتدال، وأما التبتّل وعدم التزوج، والصيام دائماً ولا يُفطر، والصلاة كل الليل ولا ينام، هذا كله من الغلو ومن التنطع الذي يَهْلك صاحبه كما هلكت النصارى في رهبانيتهم، والنبي ﷺ حذّر من الغلو، وحذّر من رهبانية النصارى، وأمر بالاعتدال والتوسط، وقال: "هذا الدين متين، ولن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ ، وقال ﷺ : "إن المنبتّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى" والمنبت هو: الذي يكلّف نفسه بالسير ولا يستريح ولا يريح راحلته، هذا ينبت، يعني: ينقطع وتموت راحلته، ويقف في وسط الطريق: "فلا ظهراً أبقى" لأن راحلته ماتت، ولا أرضاً قطع لأن المسافة باقية. أما لو أخذ الطريق على مراحل، وشيئاً فشيئاً، وأراح نفسه، وأراح راحلته لقطع الطريق، وبلغ المقصود ولهذا قال ﷺ : "أوغلوا فيه برفق". فالحاصل؛ أن التنطع في العبادة هو: الزيادة فيها عن الحد المشروع، والمطلوب أن الإنسان يتوسط في العبادة من غير زيادة، ومن غير نقصان. ونبيّن هنا ما يُستفاد من هذه الأحاديث لاختصار: المسألة الأولى: التحذير من الغلو في مدحه ﷺ ، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك، كما أدى بالنصارى إلى الشرك. المسألة الثانية: فيه الرد على أصحاب المدائح النبوية التي غلوا فيها في حقه ﷺ ، كصاحب البردة، وغيره. المسألة الثالثة: فيه النهي عن التشبه بالنصارى، لقوله: "كما أطرت النصارى ابن مريم".

стр. 277

.................................................................................... ــ ومن الغلو في حقه ﷺ : إحياء المولد كل سنة، لأن النصارى يحيون المولد بالنسبة للمسيح على رأس كل سنة من تاريخهم، فبعض المسلمين تشبّه بالنصارى فأحدث المولد في الإسلام بعد مضي القرون المفضلة، لأن المولد ليس له ذكر في القرون المفضلة كلها، وإنما حدث بعد المائة الرابعة، أو بعد المائة السادسة لما انقرض عهد القرون المفضلة، فهو بدعة، وهو من التشبه بالنصارى. المسألة الرابعة: فيه مشروعية مدحه ﷺ بصفاته الكريمة: عبد الله، ورسوله، الداعي إلى الله، بلّغ البلاغ المبين، جاهد في الله حق جهاده، كل هذا من صفاته ﷺ ؛ فذكره طيّب. المسألة الخامسة: يُستفاد من ذلك: كمال شفقته ﷺ على أمته، وأنه حذّرها من الإطراء في حقه ﷺ ، وحذّرها من الغلو، وحذّرها من التنطع. ثلاثة أساليب جاء بها ﷺ : الإطراء والغلو والتنطع. نوّعها ﷺ من باب التأكيد والتحذير من الغلو. المسألة السادسة: فيه أن من نهى عن شيء فإنه يذكر البديل الصالح عنه إن كان له بديل، فإنه ﷺ لما نهاهم عن الإطراء قال: "إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" هذا البديل الصالح. المسألة السابعة: في الحديث: النهي عن الغلو في العبادات، ومنها حصى الجمار، قال فيها ﷺ : "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو"، والغلو في العبادات، هو: الزيادة فيها عن الحد المشروع: كميّة وكيفيّة ووقتاً، إلى غير ذلك، نحن لا نُحدث شيئاً من عند أنفسنا. والبدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة حقيقية، وبدعة إضافية. البدعة الحقيقية: إذا أُحدث شيء لا أصل له، مثل المولد والتبرك بالآثار. والإضافية: أن نُحدِث للعبادة المشروعة وقتاً أو صفة لم يشرعها الله ورسوله، كما لو قلنا: ليلة النصف من شعبان يصلون النّاس ويتهجّدون، أو نصوم النصف من شعبان. فالصيام مشروع، وقيام الليل مشروع، لكن إذا حدّدناه بوقت لا دليل عليه فهذا

стр. 278

بدعة إضافية، لأن أصل العبادة مشروع، ولكن تقييدها بوقت محدّد، منه إضافة إلى العبادة وهي غير مشروعة، فهذه بدعة تسمى إضافية. ذكر الله مشروع؛ التسبيح والتهليل والتكبير، لكن إذا قلنا للناس: سبِّحوا ألف تسبيحة، كبروا ألف تكبيرة، قولوا: كذا ألف مرة بدون دليل. فهذا يُعتبر بدعة إضافية. المسألة الثامنة: فيه التحذير من التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال، والتنطع في العبادة، وعرفنا بماذا يكون التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال، والتنطع في العبادة. المسألة التاسعة: فيه تكرار النصيحة حتى ترسخ وتثبت، لأن النبي ﷺ كرّر قوله: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً، من أجل أن ترسخ هذه النصيحة، وتثبت في قلوب السامعين. والله تعالى أعلم.

стр. 279

[الباب العشرون:] باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ ــ قال المؤلف ﵀: "باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده" لما ذكر المؤلف ﵀ في الباب الذي قبل هذا: التحذير من الغلو في الصالحين، وأنه سبب لكفر بني آدم، وتركهم دينهم، ذكر في هذا الباب الغلو في قبورهم، لأنه نوع من الغلو فيهم. والتغليظ معناه: بيان شدّة الأمر، خلاف التسهيل أو التخفيف. "فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح" عبد الله بدعاء الله عند القبر رجاء الإجابة، يظن أن الدعاء في هذا المكان سبب للإجابة، أو بالصلاة، يظن أن الصلاة عند القبر سبب للإجابة، أو الذبح عند القبر، وإن كان الفاعل يعبد الله بهذه العبادات ولكنه فعلها عند القبر رجاء أن تُقبل، وأن العبادة عند القبر لها مزية عن العبادة في مكان آخر، فهذا مبني على ظن فاسد، لأن القبور ليست مكاناً للعبادة، وأن العبادة عندها وإن كانت خالصة لله فإنها سبب للشرك، ولهذا حذّر النبي ﷺ من العبادة عند القبور سدًّا للذريعة. أما إذا كان يدعو القبر، ويستغيث بالميت؛ فهذا شرك أكبر. وأما إذا كان يعبد الله مخلصاً له العبادة لكن عند القبر، فهذا وسيلة إلى الشرك، وطريق إلى الشرك، فهو محرّم، فكيف إذا عبده؟ والذي عليه القبوريون اليوم، أنهم يعبدون القبور صراحة؛ ويستغيثون بها، ويذبحون لها، وينادون الموتى: المدد يا فلان، المدد يا بدوي، المدد يا علي، يطلبون منهم المدد صراحة، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، ويصرفون لهم أنواعاً من العبادة، فهم داخلون فيمن عبد القبر.

стр. 280

في الصحيح عن عائشة: أن أم سلمة ﵂، ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح؛ بنوا على قبره مسجداً، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شِرار الخلق عند الله". ــ قال: "في الصحيح" يعني: في الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم. "عن عائشة" أم المؤمنين، بنت أبي بكر الصديق. "أن أم سلمة" اسمها: هند بنت أبي أمية المخزومية، القرشية، زوج أبي سلمة، هاجرت هي وزوجها أبو سلمة الهجرتين: الهجرة إلى الحبشة، والهجرة إلى المدينة، وتوفي أبو سلمة ﵁ في المدينة، فتزوجها رسول الله ﷺ فصارت من أمهات المؤمنين- رضي الله تعالى عنها-. "أنها ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها في أرض الحبشة" الكنيسة هي معبد النصارى الذي يجتمعون فيه يوم الأحد لعبادتهم. أما الصومعة فهي معبد خاص لفرد من النصارى يخلو فيه، وينقطع عن الدنيا. فالصومعة للأفراد من النصارى، وأما الكنيسة فهي للجميع. "وما فيها من الصور"يعني: من صور الصالحين. "أولئكِ" بالكسر خطاب لأم سلمة، ويجوز الفتح: "أولئكَ" خطاب للمذكر، ولكن الكسر أشهر، لأنه يخاطب امرأة. " أولئكِ إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح" هذا شك من الراوي: هل قال الرسول ﷺ رجل أو عبد، وهذا من تحرّيهم ﵃ في الرواية، وأنه لم يجزم باللّفظ الذي قاله النبي ﷺ . "بنوا على قبره مسجداً" أي: مصلى، فالمراد بالمسجد هنا: المصلى والمتعبَّد، يعني: اتخذوا عليه كنيسة يتعبّدون فيها، فسمي مسجدا. " وصوّروا فيه تلك الصور" أي: صور الصالحين، ينصبونها في هذا المكان، من باب الغلو في الصالحين وتخليد شخصياتهم، واتخاذ التماثيل تخليداً للشخصيات من هذا الباب، هو من باب تعظيم الصالحين، أو تعظيم العظماء، ولو كانوا من غير الصالحين كالرؤساء والسلاطين والملوك، وهذا لا يجوز في الإسلام، لأنه وسيلة

стр. 281

هؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. ــ إلى الشرك، ولاسيّما في مواطن العبادة، كالمساجد ومحلات العبادة، فهذا الأمر أشد. ثم قال ﷺ "أولئكِ شرار الخلّق عند الله" فدلّ على أن من بنى المسجد على القبر، أو صوّر الصور ونصبها؛ أنه من شرار الخلق. وشرار: جمع شر، وهو أفعل تفضيل، والمراد به: أشد الناس شرًّا، فدلّ على أن الذي يبني المساجد على القبور أنه أشد الناس شرًّا- والعياذ بالله-، وفي الحديث الآخر الذي سيأتي: "إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يبنون المساجد على القبور" لأنهم فتحوا للنّاس باب الشرك بهذا الفعل، وتسبّبوا في انحراف الأمة، وما حدث الشرك في هذه الأمة إلاّ بسبب البناء على القبور. وأول من بنى على القبور في الإسلام- كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- هم: الشيعة، الفاطميون، ثمّ قلدهم من قلدهم من المنتسبين إلى السنّة من الصوفية وغيرهم، فبنيت المساجد على القبور في الأمصار. ولا تزال الأمة الإسلامية تعاني من شر هذه القبور وفتنتها، وحدوث الشرك في الأمة، الذي لا يقره من يؤمن بالله ورسوله، لأنه شرك صُراح، وأصبحت هذه المساجد المبنية على القبور أوثاناً تُعبد من دون الله، ويظن أصحابها أن ذلك من الإسلام، وأن من أنكره فهو خارج عن الإسلام، كالذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ، فهم شرار الخلق، وإن كانوا يزعمون في أنفسهم أن ذلك إصلاح، وأنهم خير الخلق. ثم ذكر الشيخ عبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية بعد الحديث وهي قوله: "فهؤلاء" يعني: اليهود والنصارى. "جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل" فتنة القبور هي الغلو في القبور، وتعظيم القبور حتى تتخذ متعبدات، هذه فتنة عظيمة في الأمم السابقة وفي هذه الأمة. والفتنة الثانية: فتنة التماثيل، وهي فتنة قديمة كما في قصة قوم نوح، فقوم نوح إنما وقع الشرك فيهم بسبب نصب التماثيل، ووقع الشرك في اليهود بسبب تمثال العِجل الذي عمله السامري، ووقع الشرك في النصارى بسبب نصب الصليب على

стр. 282

ولهما عنها قالت: لما نزل برسول الله ﷺ ؛ طَفِق يطرح خميصة له على وجهه، فقال: وهو كذلك: ــ صورة المسيح بزعمهم، ويُخشى أن يقع الشرك في هذه الأمة بسبب نصب التماثيل للعلماء والعباد الصالحين، فهذه فتنة عظيمة، حذّر منها النبي ﷺ . قال: "ولهما" أي: البخاريّ ومسلم. "عنها قالت: لما نُزل برسول الله " يعني:. نزل به الموت ﵊. "طَفِقَ" طَفِقَ: من أفعال الشروع عند أهل اللغة، أي: جعل يفعل كذا. "يطرح خميصة" أي: يضعها، والخميصة: كساء له أعلام، أي فيه خطوط. "على وجهه" يغطّي وجهه ﷺ بها وهو في هذه الحالة. "فإذا اغتم بها" أي: ضيّقت نفسه- ﵊. "كشفها" من أجل أن يتنفّس. "فقال- وهو كذلك-" يعني: في هذه الحالة الحرجة، لم يشتغل عن الدعوة إلى التّوحيد، وإنكار الشرك، ونصيحة الأمة، صلوات الله وسلامه عليه. والمناسبة: أنه لما شعر بالموت خشي على أمته أن تفعل عند قبره ما فعل من قبلها من الأمم عند قبور الأنبياء والصالحين، فلم يترك الفرصة تذهب، وإنما استغلها بالنصيحة للأمة- ﵊. فإذا كان النبي ﷺ يحذّر من الشرك وهو في هذه الحالة، فهذا دليل على أن التحذير من الشرك أمر متعيّن، وأنه يجب على الدعاة أن يهتموا بهذا الأمر اهتماماً بالغاً قبل غيره، قبل أن يحثوا النّاس على الصلاة والصيام، وترك الربا، وترك الزنا، وترك شرب الخمر، قبل ذلك ينهوهم عن الشرك، لاسيّما إذا كان واقعاً في الأمة، فالسكوت عنه من الغش للأمة، فلابد أن يُبدأ به، وأن يُعمل على إزالته قبل كل شيء، لأنه إذا صلحت العقيدة صلحت بقية الأعمال. أما إذا فسدت العقيدة فلا فائدة في الأعمال كلها، ولو ترك الربا، وتصدق بماله، وصلى الليل والنهار، وصام الدهر، وحج، واعتمر، وعنده شيء من الشرك الأكبر، فإن أعماله تكون هباءً منثوراً، لا فائدة منها، أما إذا كان موحّداً خالياً من

стр. 283

"لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذِّر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً. أخرجاه. ــ الشرك، فلو وقع في الكبائر، ولو وقع في الزنا، ووقع في الربا، ووقع في المحرمات التي دون الشرك، فإنه يُرجى له المغفرة، وإن عذب بذنوبه فإنه لا يخلد في النار وهو مؤمن موحد، حكمه حكم المؤمنين، ولابد له من دخول الجنة بتوحيده وإيمانه، وإن كان ضعيفاً، أما إذا كان عنده شرك أكبر، فهذا لا فائدة في أعماله، لو ترك المحرمات كلها، وأدى الواجبات كلها ولم يتجنب الشرك، فإنه لا فائدة في أعماله كلها. فكيف إذاً نهتم بجوانب فرعية، أو جوانب جزئية، ونترك هذا الأمر الخطير يعجّ في جسم الأمة الإسلامية، ولا نحذّر منه، ولا ندعوا إلى تركه، ولا نسعى في إزالته عن الأمة؟؟ بحجة أننا نريد أن نجمع الأمة كما يقولون. هذا هو صميم الدعوة، هذا هو الذي جاءت الرسل من أولهم إلى آخرهم للتحذير منه، كل رسول يقول لقومه: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ، لان العبادة لا تنفع مع وجود الشرك، فهذا أمر عظيم. قوله ﷺ : "لعنة الله على اليهود والنصارى" اللعنة هي: الطرد والإبعاد من رحمة الله. واليهود: الأمة المغضوب عليها، والنصارى: الأمة الضالة. ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ المغضوب عليهم: اليهود، ومن اقتدى بهم من هذه الأمة، ممن علم ولم يعمل بعلمه، والضالون هم: النصارى الذين يعبدون الله على غير علم، بل بالبدع والمحدثاث والخرافات من النصارى وكل من اقتدى بهم. "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يعني: أمكنة للعبادة يصلون عندها، يدعون الله عندها، ظنًّا منهم أن العبادة عند القبور أفضل من العبادة في الأمكنة الأخرى، مع أن العبادة عند القبور لا تجوز، لأنها وسيلة إلى الشرك. قالت عائشة ﵂: "يحذّر ما صنعوا" أي: أن الذي حمل النبي ﷺ على أن يقول هذه الكلمة في هذه الحالة الحرِجة: أنه يحذّر أمته مما صنع اليهود والنصارى،

стр. 284

لئلا يفعلوا بقبر نبيهم ما فعل اليهود والنصارى مع قبور أنبيائهم. فالذي حمله على هذا تحذير هذه الأمة لئلا تعمل هذا العمل، فلا تتخذ القبور مساجد، سواء بُني عليها أو لم يُبن عليها، إذا بُني عليها فالأمر أشد، وإذا لم يُبن عليها، وصلّي عندها، ودعا عندها فكذلك، هذا من اتخاذها مساجد كما يأتي. "ولو ذلك" أي: ولولا الخوف من أن يحصل عند قبره ﷺ مثل ما حصل عند قبور أنبياء بني إسرائيل. "أبرز قبره" أي: لدفن في مكان بارز يراه الناس. "ولكنه خَشي" بالفتح، أو "خُشي" بالضم. "أن يتخذ قبره مسجداً" يعني: مكان صلاة ودعاء، كما فعل اليهود والنصارى عند قبور أنبيائهم. فقطعاً لهذه الذريعة وسدًّا لهذا الباب دُفِنَ ﵊ في بيته في حجرة عائشة، داخل الجدران وتحت السقف، لا يراه أحد. "ولا يزال- والحمد لله- في صيانة وأمانة، فلا يزال في بيته ﷺ محاطاً بالجدران لا يراه أحد، صيانة لقبره أن يُفعل عنده كما فعلت اليهود والنصارى عند قبور أنبيائهم. هذه هي الحكمة في دفنه ﷺ في بيته، وعدم دفنه في المقبرة مع أصحابه في البقيع. قال ابن القيم: ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثناً من الأوثان فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران حتى اغترت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان فدلّ ذلك على تحريم الغلو في القبور، والبناء عليها، واتخاذ بقاعها أمكنة للصلاة عندها، والدعاء عندها. ويُستفاد من هذين الحديثين مسائل عظيمة: المسألة الأولى: تحريم البناء على القبور، لأن ذلك وسيلة إلى الشرك بالله ،

стр. 285

لأن القبر إذا بُني عليه بنيّة، أو جُعل عليه ستائر وزُخرف، فإن العوام والجهّال يفتتنون به، ويظنون أنه ما عُمل به هذا العمل إلاّ لأن فيه سراً، وأنه محل للعبادة والدعاء وطلب الحاجات -كما هو الواقع-، ولهذا كان هدي الإسلام في القبور أن الميت يُدفن في المقبرة العامة مع أموات المسلمين، ويُدفن في تراب قبره الذي حُفر منه، لا يزاد عليه، ويُرفع عن الأرض قدر شبر من التراب من أجل أن يعرف أنه قبر فلا يُداس، ولا يُبنى عليه شيء، هكذا كان قبر النبي وكانت قبور الصحابة في عهد رسول الله ﷺ ، وهذا هو هدي الإسلام في القبور، لا يُبنى عليها بنيّة، ولا يُكتب عليها، ولا تزخرف، ولا تجصّص، لأن هذه الأمور إذا فُعلت صارت وسيلة إلى الشرك، وقد أمر النبي ﷺ بهدم القبور المشرفة، فقال لعلي بن أبي طالب ﵁: "لا تدع قبراً مشرفاً [يعني: مرتفعاً] إلاّ سوّيته" يعني: هدمت ما عليه من البناء، حتى يصبح كسائر القبور لا يُلفت النظر، ولا يُفتتن به، فالقبور إذا كانت على الهدي الشرعي لا يُفتتن بها، أما إذا بُني على بعضها، وجصّص، وزُخرف، فإن النّاس سينصرفون إليه ولابد. المسألة الثانية: في الحديث دليل على تحريم العبادة عند القبر، حتى ولو لم يُبْنَ عليه بنيّة، لا بدعاء، ولا بصلاة، ولا بذبح، ولا بنذر، ولا بغير ذلك، وإنما هدي الإسلام أن القبور تُزار من أجل السلام على الأموات، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، واتعاظ الزائر بأحوال الموتى، هذا هو هدي الإسلام في القبور، وأن لا تُهان القبور- أيضاً-، ولا تُمتهن، بل يُحافظ عليها، فلا تُهان ولا تُداس. فهدي الإسلام وسط بين إفراط وتفريط، بين الغلو فيها، وبين التساهل في شأنها وإهانتها، يُحافظ عليها الإسلام، ولكنه لا يغلو فيها، هدي الإسلام هو الوسط في كل شيء- والحمد الله-، لأن من النّاس من يمتهن القبور، ويبني عليها المساكن، أو يجعلها محلاً للقمامات والقاذورات، أو بِدَوْسِ الأقدام عليها، أو مرور الحيوانات عليها، أو يقضون حوائجهم ويبولون عليها، وهذا حرام لا يقرّه الإسلام. المسألة الثالثة: فيه دليل على تحريم نصب الصور من التماثيل وغيرها، لأن
следующие страницы →