Полный текст (705 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
هؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ــ
إلى الشرك، ولاسيّما في مواطن العبادة، كالمساجد ومحلات العبادة، فهذا الأمر أشد.
ثم قال ﷺ "أولئكِ شرار الخلّق عند الله" فدلّ على أن من بنى المسجد على القبر، أو صوّر الصور ونصبها؛ أنه من شرار الخلق. وشرار: جمع شر، وهو أفعل تفضيل، والمراد به: أشد الناس شرًّا، فدلّ على أن الذي يبني المساجد على القبور أنه أشد الناس شرًّا- والعياذ بالله-، وفي الحديث الآخر الذي سيأتي: "إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يبنون المساجد على القبور" لأنهم فتحوا للنّاس باب الشرك بهذا الفعل، وتسبّبوا في انحراف الأمة، وما حدث الشرك في هذه الأمة إلاّ بسبب البناء على القبور.
وأول من بنى على القبور في الإسلام- كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- هم: الشيعة، الفاطميون، ثمّ قلدهم من قلدهم من المنتسبين إلى السنّة من الصوفية وغيرهم، فبنيت المساجد على القبور في الأمصار.
ولا تزال الأمة الإسلامية تعاني من شر هذه القبور وفتنتها، وحدوث الشرك في الأمة، الذي لا يقره من يؤمن بالله ورسوله، لأنه شرك صُراح، وأصبحت هذه المساجد المبنية على القبور أوثاناً تُعبد من دون الله، ويظن أصحابها أن ذلك من الإسلام، وأن من أنكره فهو خارج عن الإسلام، كالذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ، فهم شرار الخلق، وإن كانوا يزعمون في أنفسهم أن ذلك إصلاح، وأنهم خير الخلق.
ثم ذكر الشيخ عبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية بعد الحديث وهي قوله: "فهؤلاء" يعني: اليهود والنصارى.
"جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل" فتنة القبور هي الغلو في القبور، وتعظيم القبور حتى تتخذ متعبدات، هذه فتنة عظيمة في الأمم السابقة وفي هذه الأمة.
والفتنة الثانية: فتنة التماثيل، وهي فتنة قديمة كما في قصة قوم نوح، فقوم نوح إنما وقع الشرك فيهم بسبب نصب التماثيل، ووقع الشرك في اليهود بسبب تمثال العِجل الذي عمله السامري، ووقع الشرك في النصارى بسبب نصب الصليب على
стр. 282
ولهما عنها قالت: لما نزل برسول الله ﷺ ؛ طَفِق يطرح خميصة له على وجهه، فقال: وهو كذلك:
ــ
صورة المسيح بزعمهم، ويُخشى أن يقع الشرك في هذه الأمة بسبب نصب التماثيل للعلماء والعباد الصالحين، فهذه فتنة عظيمة، حذّر منها النبي ﷺ .
قال: "ولهما" أي: البخاريّ ومسلم.
"عنها قالت: لما نُزل برسول الله " يعني:. نزل به الموت ﵊.
"طَفِقَ" طَفِقَ: من أفعال الشروع عند أهل اللغة، أي: جعل يفعل كذا.
"يطرح خميصة" أي: يضعها، والخميصة: كساء له أعلام، أي فيه خطوط.
"على وجهه" يغطّي وجهه ﷺ بها وهو في هذه الحالة.
"فإذا اغتم بها" أي: ضيّقت نفسه- ﵊.
"كشفها" من أجل أن يتنفّس.
"فقال- وهو كذلك-" يعني: في هذه الحالة الحرجة، لم يشتغل عن الدعوة إلى التّوحيد، وإنكار الشرك، ونصيحة الأمة، صلوات الله وسلامه عليه.
والمناسبة: أنه لما شعر بالموت خشي على أمته أن تفعل عند قبره ما فعل من قبلها من الأمم عند قبور الأنبياء والصالحين، فلم يترك الفرصة تذهب، وإنما استغلها بالنصيحة للأمة- ﵊.
فإذا كان النبي ﷺ يحذّر من الشرك وهو في هذه الحالة، فهذا دليل على أن التحذير من الشرك أمر متعيّن، وأنه يجب على الدعاة أن يهتموا بهذا الأمر اهتماماً بالغاً قبل غيره، قبل أن يحثوا النّاس على الصلاة والصيام، وترك الربا، وترك الزنا، وترك شرب الخمر، قبل ذلك ينهوهم عن الشرك، لاسيّما إذا كان واقعاً في الأمة، فالسكوت عنه من الغش للأمة، فلابد أن يُبدأ به، وأن يُعمل على إزالته قبل كل شيء، لأنه إذا صلحت العقيدة صلحت بقية الأعمال.
أما إذا فسدت العقيدة فلا فائدة في الأعمال كلها، ولو ترك الربا، وتصدق بماله، وصلى الليل والنهار، وصام الدهر، وحج، واعتمر، وعنده شيء من الشرك الأكبر، فإن أعماله تكون هباءً منثوراً، لا فائدة منها، أما إذا كان موحّداً خالياً من
стр. 283
"لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
يحذِّر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً. أخرجاه.
ــ
الشرك، فلو وقع في الكبائر، ولو وقع في الزنا، ووقع في الربا، ووقع في المحرمات التي دون الشرك، فإنه يُرجى له المغفرة، وإن عذب بذنوبه فإنه لا يخلد في النار وهو مؤمن موحد، حكمه حكم المؤمنين، ولابد له من دخول الجنة بتوحيده وإيمانه، وإن كان ضعيفاً، أما إذا كان عنده شرك أكبر، فهذا لا فائدة في أعماله، لو ترك المحرمات كلها، وأدى الواجبات كلها ولم يتجنب الشرك، فإنه لا فائدة في أعماله كلها.
فكيف إذاً نهتم بجوانب فرعية، أو جوانب جزئية، ونترك هذا الأمر الخطير يعجّ في جسم الأمة الإسلامية، ولا نحذّر منه، ولا ندعوا إلى تركه، ولا نسعى في إزالته عن الأمة؟؟ بحجة أننا نريد أن نجمع الأمة كما يقولون.
هذا هو صميم الدعوة، هذا هو الذي جاءت الرسل من أولهم إلى آخرهم للتحذير منه، كل رسول يقول لقومه: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ، لان العبادة لا تنفع مع وجود الشرك، فهذا أمر عظيم.
قوله ﷺ : "لعنة الله على اليهود والنصارى" اللعنة هي: الطرد والإبعاد من رحمة الله.
واليهود: الأمة المغضوب عليها، والنصارى: الأمة الضالة.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ المغضوب عليهم: اليهود، ومن اقتدى بهم من هذه الأمة، ممن علم ولم يعمل بعلمه، والضالون هم: النصارى الذين يعبدون الله على غير علم، بل بالبدع والمحدثاث والخرافات من النصارى وكل من اقتدى بهم.
"اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يعني: أمكنة للعبادة يصلون عندها، يدعون الله عندها، ظنًّا منهم أن العبادة عند القبور أفضل من العبادة في الأمكنة الأخرى، مع أن العبادة عند القبور لا تجوز، لأنها وسيلة إلى الشرك.
قالت عائشة ﵂: "يحذّر ما صنعوا" أي: أن الذي حمل النبي ﷺ على أن
يقول هذه الكلمة في هذه الحالة الحرِجة: أنه يحذّر أمته مما صنع اليهود والنصارى،
стр. 284
لئلا يفعلوا بقبر نبيهم ما فعل اليهود والنصارى مع قبور أنبيائهم. فالذي حمله على هذا تحذير هذه الأمة لئلا تعمل هذا العمل، فلا تتخذ القبور مساجد، سواء بُني عليها أو لم يُبن عليها، إذا بُني عليها فالأمر أشد، وإذا لم يُبن عليها، وصلّي عندها، ودعا عندها فكذلك، هذا من اتخاذها مساجد كما يأتي.
"ولو ذلك" أي: ولولا الخوف من أن يحصل عند قبره ﷺ مثل ما حصل عند قبور أنبياء بني إسرائيل.
"أبرز قبره" أي: لدفن في مكان بارز يراه الناس.
"ولكنه خَشي" بالفتح، أو "خُشي" بالضم.
"أن يتخذ قبره مسجداً" يعني: مكان صلاة ودعاء، كما فعل اليهود والنصارى عند قبور أنبيائهم.
فقطعاً لهذه الذريعة وسدًّا لهذا الباب دُفِنَ ﵊ في بيته في حجرة عائشة، داخل الجدران وتحت السقف، لا يراه أحد.
"ولا يزال- والحمد لله- في صيانة وأمانة، فلا يزال في بيته ﷺ محاطاً بالجدران لا يراه أحد، صيانة لقبره أن يُفعل عنده كما فعلت اليهود والنصارى عند قبور أنبيائهم.
هذه هي الحكمة في دفنه ﷺ في بيته، وعدم دفنه في المقبرة مع أصحابه في البقيع.
قال ابن القيم:
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثناً من الأوثان
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى اغترت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان
فدلّ ذلك على تحريم الغلو في القبور، والبناء عليها، واتخاذ بقاعها أمكنة للصلاة عندها، والدعاء عندها.
ويُستفاد من هذين الحديثين مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: تحريم البناء على القبور، لأن ذلك وسيلة إلى الشرك بالله ،
стр. 285
لأن القبر إذا بُني عليه بنيّة، أو جُعل عليه ستائر وزُخرف، فإن العوام والجهّال يفتتنون به، ويظنون أنه ما عُمل به هذا العمل إلاّ لأن فيه سراً، وأنه محل للعبادة والدعاء وطلب الحاجات -كما هو الواقع-، ولهذا كان هدي الإسلام في القبور أن الميت يُدفن في المقبرة العامة مع أموات المسلمين، ويُدفن في تراب قبره الذي حُفر منه، لا يزاد عليه، ويُرفع عن الأرض قدر شبر من التراب من أجل أن يعرف أنه قبر فلا يُداس، ولا يُبنى عليه شيء، هكذا كان قبر النبي وكانت قبور الصحابة في عهد رسول الله ﷺ ، وهذا هو هدي الإسلام في القبور، لا يُبنى عليها بنيّة، ولا يُكتب عليها، ولا تزخرف، ولا تجصّص، لأن هذه الأمور إذا فُعلت صارت وسيلة إلى الشرك، وقد أمر النبي ﷺ بهدم القبور المشرفة، فقال لعلي بن أبي طالب ﵁: "لا تدع قبراً مشرفاً [يعني: مرتفعاً] إلاّ سوّيته" يعني: هدمت ما عليه من البناء، حتى يصبح كسائر القبور لا يُلفت النظر، ولا يُفتتن به، فالقبور إذا كانت على الهدي الشرعي لا يُفتتن بها، أما إذا بُني على بعضها، وجصّص، وزُخرف، فإن النّاس سينصرفون إليه ولابد.
المسألة الثانية: في الحديث دليل على تحريم العبادة عند القبر، حتى ولو لم يُبْنَ عليه بنيّة، لا بدعاء، ولا بصلاة، ولا بذبح، ولا بنذر، ولا بغير ذلك، وإنما هدي الإسلام أن القبور تُزار من أجل السلام على الأموات، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، واتعاظ الزائر بأحوال الموتى، هذا هو هدي الإسلام في القبور، وأن لا تُهان القبور- أيضاً-، ولا تُمتهن، بل يُحافظ عليها، فلا تُهان ولا تُداس.
فهدي الإسلام وسط بين إفراط وتفريط، بين الغلو فيها، وبين التساهل في شأنها وإهانتها، يُحافظ عليها الإسلام، ولكنه لا يغلو فيها، هدي الإسلام هو الوسط في كل شيء- والحمد الله-، لأن من النّاس من يمتهن القبور، ويبني عليها المساكن، أو يجعلها محلاً للقمامات والقاذورات، أو بِدَوْسِ الأقدام عليها، أو مرور الحيوانات عليها، أو يقضون حوائجهم ويبولون عليها، وهذا حرام لا يقرّه الإسلام.
المسألة الثالثة: فيه دليل على تحريم نصب الصور من التماثيل وغيرها، لأن
стр. 286
ذلك وسيلة إلى الشرك بهذه الصور ولو على المدى البعيد، كما حصل لقوم نوح.
المسألة الرابعة: فيه دليل على أن النيّة الصالحة لا تسوغ العمل السيء، فهؤلاء إنما فعلوا هذا لظنهم أن فيه خيراً، وفيه تذكراً لأحوال هؤلاء الصالحين، أو إكراماً للصالحين- كما يقولون-، أو تخليداً لذكراهم، فهذا وإن كان قصدهم فيه حسناً، فإن هذا العمل غير مشروع لأنه يُفضي إلى الشرك في العبادة، والشارع جاء بسدّ الذرائع المُفضية إلى الشرك دون نظر إلى نيات أصحابها.
المسألة الخامسة: فيه دليل على جواز لعن الكفار وأصحاب الكبائر على وجه العموم، لأن النبي ﷺ لعن اليهود والنصارى، وهذا لعن على العموم، فلعن الكفار وأصحاب الكبائر على العموم لا بأس به لأجل التنفير في فعلهم، وأما لعن المعيّن ففيه خلاف.
المسألة السادسة: في الحديثين دليل على التحذير من التشبه بالنصارى، لأن البناء على القبور والصلاة عندها من هدي النصارى، ونحن منهيون عن هدي النصارى، ففي قول عائشة ﵂: "يحذّر ما صنعوا" دليل على النهي عن التشبه بالنصارى، ولاسيما في أمور العقيدة.
المسألة السابعة: أن الذين يبنون على القبور والذين يذهبون إليها للتعبد عندها هم شرار الخلق، لا أحد شرٌّ منهم، لأن معصيتهم فوق كل معصية، فالزاني وشارب الخمر والسارق أخف من الذي يبني على القبور، ولو كان زاهداً عابداً.
فالزاني والشارب- الذي يشرب الخمر- ومعه أصل التّوحيد وأصل العقيدة هذا خير من الذين يبنون على القبور، والذين يذهبون للعبادة عندها، وإن كانوا يبكون الليل والنهار، ويصومون، فهم شرار الخلق- والعياذ بالله-.
المسألة الثامنة: فيه دليل على أن المصورين هم شرار الخلق، لأن فعلهم هذا وسيلة إلى الشرك، ولأنه مضاهاة لخلق الله، قال الله تعالى في الحديث القدسي: "ومن اظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" يعني: المصورين، "فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة" لما وهذا تعجيز لهم، فدلّ على أن المصورين هم شرار الخلق، سواء كانوا يصورون ببناء التماثيل، أو يصورون بالرسم، أو يصورون بالتقاط الصور بالآلة
стр. 287
الفوتوغرافية، كل ذلك داخل في الوعيد والنهي الشديد، وأنهم شرار الخلق عند الله. ومن أخرج التصوير بالكمرة عن حكم التصوير المنهي عنه فليس له دليل ولا عبرة بقوله.
المسألة التاسعة: في الحديث دليل على وجوب الاهتمام بأمر العقيدة، والدعوة إليها قبل كل شيء من أنواع الفساد، نبدأ بإصلاح العقيدة قبل إصلاح الأمور الأخرى، لأن هذا منهج الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-.
المسألة العاشرة: في الحديث دليل على كمال حرصه ﷺ على أمته، ونصيحته لأمته، وأنه بلّغ البلاغ المبين حتى في آخر لحظة من حياته ﷺ ، بل في حالة حرِجة، وهي حالة الاحتضار.
المسألة الحادية عشر: فيه دليل على بيان الحكمة من دفنه ﷺ في بيته.
وعدم دفنه في المقبرة العامة، وأن ذلك لأجل الحفاظ على عقيدة المسلمين من الغلو في حقه ﷺ ، وأن يُفعل عند قبره كما فُعل عند قبور الأنبياء والصالحين في بني إسرائيل، هذا هو بيان الحكمة.
وهذا فيه بيان الإشكال الذي لا يزال يتردّد عند بعض الناس، ويقولون: إن مسجد الرسول مبني على القبر، فهذا دليل على جواز البناء على القبور بزعمهم.
ونقول: إن النبي ﷺ لم يدفن في المسجد، وإنما دفن في بيته خارج المسجد، والحكمة في ذلك ما ذكرته أم المؤمنين أنه خشي أن يتخذ مسجداً، فالبيت منفرد عن المسجد، وفي معزل عن المسجد، وإنما أدخل البيت في المسجد بعد عهد الخلفاء الراشدين في وقت الوليد بن عبد الملك؛ لما أراد أن يوسع المسجد عمّم التوسعة من جهة المشرق، فأدخل حجرة النبي ﷺ ، ولم يكن هذا بمشورة أهل العلم، وإنما هذا عمل الخليفة بدون مشورة أهل العلم، ولكن مع هذا فالبيت لا يزال على شكله وحيازته، والمسجد لا يزال على وضعه والحمد لله، وما يحصل من النّاس الجهّال إنما يكون في مسجد الرسول وليس عند القبر، لأن القبر بعيد عنهم، ومَصُون عنهم، ولا يرونه، ولهذا لما دعا النبي ﷺ ربه قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد" استجاب الله دعاءه، فصانه في بيته، ولهذا يقول العلامة ابن القيم:
стр. 288
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً.
ــ
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
يعني: صار القبر داخل الجدران، فلا يُرى أبداً، وذلك صيانة له عن الغلو ﵊.
قوله: "ولمسلم عن جُندب بن عبد الله" هو: جُندب بن عبد الله البَجَلي، رضي الله تعالى عنه.
"قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس" يحتمل أن المراد: خمس سنين، ويحتمل أن المراد: خمس ليال.
"وهو يقول: إني أبرأ إلى الله" البراءة معناها: نفي الشيء والابتعاد عنه، كما يقال: برأ القلم إذا قطعه وأبعد جزءا منه، فالبرء هو: البعد والانقطاع، فـ "أبرأ إلى الله" أي: ابتعد عن ذلك وأكرهه.
"أن يكون لي منكم خليل" من الصحابة، فليس له من الصحابة خليل، والسبب في ذلك، أن الله اتخذه خليلاً، والخُلّة لا تقبل الاشتراك، فلا يمكن أن يكون خليل الله وخليل أحد من الخلق، لأن الخُلّة لابد أن تكون لواحد، لا تقبل الاشتراك، والخُلّة هي أعلى درجات المحبة، كما قال الشاعر:
تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمّي الخليل خليلاً
وعباد الله وأنبياؤه كلهم يشتركون في المحبة، فالله يحب التوابين، ويحب المتطهرين ويحب المتقين، ويحب المحسنين، أما الخُلّة فهي لم تحصل إلاّ لاثنين فقط، هما: محمَّد ﷺ وإبراهيم، كما في قوله تعالى ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ ، أما بقية الأنبياء والمؤمنين فإن الله يحبهم ويحبونه كما جاءت بذلك النصوص لكن لم يتخذ الله منهم خليلاً.
ثمّ قال ﷺ : "ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً" يعني: على فرض لو صحّ لي وجاز لي أن أتخذ من أمتي خليلاً.
стр. 289
ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، إلاّ فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك".
ــ
"لاتخذت أبا بكر خليلاً" فهذا فيه فضيلة أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه-، وأنه أحب الناس إلى رسول الله ﷺ .
وأبو بكر كنيته، أما اسمه: فعبد الله بن عثمان، ولُقّب بالصديق لكثرة صدقه مع الله ومع رسوله ﷺ ومع عباد الله، فهو كثير الصدق، رضي الله تعالى عنه.
وفي قوله: "ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً" هذا فيه إشارة إلى استخلاف أبي بكر من بعده لأن الرسول ﷺ قال هذا في آخر حياته، كما أنه ﷺ في مرض موته أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ولما قيل له عن عمر؛ أبى وغضب، وأمر أن يُؤمر أبو بكر أن يصلّي بالناس، فهذا فيه إشارة إلى خلافته.
وفي ذلك رد على الرافضة الذين يُبغضون أبا بكر الصديق، ويطعنون في خلافته وخلافة إخوانه: عمر وعثمان، ويقولون: إن الخلافة لعلي بعد الرسول، وإنما الصحابة اغتصبوها، وظلموا عليًّا، هكذا يقولون- قبحهم الله-. فعلي رضي الله هو الخليفة الرابع وهذا بإجماع المسلمين.
ثمّ قال ﷺ : "ألا وإن من كان قبلكم "ألا": حرف تنبيه، "وإن من كان قبلكم يتخذون القبور مساجد" يعني أن اليهود والنصارى يغلون في قبور الأنبياء ويبنون عليها المساجد ويصلون عندها.
"ألا فلا تتخذوا القبور مساجد" كرّر كلمة "ألا" مرة ثانية لأجل التنبيه والتأكيد. ومعنى اتخاذها مساجد أي: مصليات.
ثمّ لم يقتصر على هذا، بل قال: "فإني أنهاكم عن ذلك" تأكيد بعد تأكيد، لأهمية هذا الأمر.
واتخاذ القبور مساجد على معنيين:
المعنى الأول: وهو المراد بهذا الحديث-: اتخاذها مصليات يُصلّى عندها وإن لم يُبن مسجد، كما يأتي.
стр. 290
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثمّ إنه لعن- وهو في السيّاق - من فعله.
والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يُبن مسجد، وهو معنى قولها: "خشي أن يتخذ مسجداً"، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً.
ــ
المعنى الثاني: أن يُبنى عليها مسجد كما حصل من اليهود والنصارى وكما حصل في القرون المتأخرة من هذه الأمة.
وأول من بني المساجد على القبور- كما يقول الشيَّخ: تقي الدين هم: الشيعة الفاطميون في مصر والمغرب، ثمّ قلّدهم الخرافيون الذين ينتسبون إلى أهل السنّة من الصوفية وغيرهم، وبنوا على القبور، وهذا إنما حدث بعد القرون المفضلة، التي أثنى عليها رسول الله ﷺ .
ثم نقل الشَّيخ ﵀ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "فقد نهى عنه في آخر حياته" يعني: قبل أن يموت بخمس- كما في حديث جُندب-.
"ثم إنه لعن- وهو في السياق-" في سياق الموت، كما في حديث عائشة الذي سبق: أنه ﷺ لما نزل به جعل يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك- يعني: في هذه الحالة الحرِجة-: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قالت عائشة ﵂: يحذّر ما صنعوا، ولولا ذلك لأُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يتخذ مسجداً.
قال الشيخ: "فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً" لأنهم معصومون عن ذلك ﵃، ولا يمكن ذلك أبداً في حقهم، بل لم تبن المساجد في القرون الأربعة كلها، لأن القرون الأربعة أثنى عليها رسول الله ﷺ بقوله: "خيركم قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم"، فإذا كانت القرون الأربعة لم يبن فيها على القبور مساجد فكيف يُبنى في عهد الصحابة الذين هم القرن الأول، رضي الله تعالى عنهم؟، فدلّ على أن المراد باتخاذها مساجد: تحرّي الصلاة عندها ظنًّا أن
стр. 291
وكل موضع قُصد الصلاة فيه فقد اتُّخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً كما قال ﷺ : "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً".
ــ
الصلاة عندها فيها مزيّة، وأنها يُستجاب الدعاء عندها، لأن ذلك وسيلة من وسائل الشرك، والنبي ﷺ نهى عن الصلاة عند القبور، واتخاذها مساجد سدًّا لذريعة الشرك، لأنه إذا صُلّي عندها، ودُعِيَ عندها، فإن ذلك يتطوّر وتُدعى من دون الله، وتُعبد من دون الله، كما حصل عند الأضرحة الآن حيث صارت تُعبد من دون الله؛ فيُذبح لها، وينذر لها، ويُستغاث بالموتى، ويُتمرّغ على تُربتها، ويُعكف عندها، ويُطاف حولها كما يُطاف بالكعبة، كل ذلك لأن الباب فُتح لما بُني عليها.
ثمّ قال ﵀: "وكل موضع قُصدت الصلاة فيه" أي: كل موضع يُتردّد عليه ويصلى فيه، سواء كان عنده قبر أو ليس عنده قبر "فقد اتَّخذ مسجداً" وإن لم يُبن، ولو كان صحراء فهو يسمّى مسجداً، يعني: مكان صلاة ومكان سجود.
"بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً" حتى لو لم يُبْنَ عليه.
"كما قال ﷺ : "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" يعني: صالحة للصلاة فيها.
فدلّ على أن المكان الذي يُصلى فيه يسمى مسجداً، سواءٌ قُصد أو لم يُقصد، سواءٌ بُني عليه أولم يُبن.
فالحاصل؛ أن معنى اتخاذ القبور مساجد يشمل معنيين:
المعنى الأول: الصلاة عندها وإن لم يُبن مسجد، وهذا هو المعنى المراد من الأحاديث.
والمعنى الثاني: بناء المساجد فيها والقِباب، وهذا- أيضاً- منهي عنه، فإن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: "لا تدع قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته" يعني: إلاّ هدمته، وسوّيته بالأرض، لأن هذا يفتن الناس، ويصبح وسيلة من وسائل الشرك.
стр. 292
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعاً: "إن من شرار النّاس من تُدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد". رواه أبو حاتم في صحيحه.
ــ
ثمّ قال: "ولأحمد" أي: لأحمد بن حنبل ﵀.
"بسند جيد، عن ابن مسعود مرفوعاً" إلى النبي ﷺ ، يعني: وليس من كلام ابن مسعود، وإنما هو من كلام الرسول ﷺ .
"إن من شرار النّاس" شرار جمع: شر، وشر أفعل تفضيل، بمعنى أشر، أي: أشدّ الناس شرًّا.
"الذين تدركهم الساعة" أي: قيام الساعة، وذلك عند نفخة الصعق التي يموت بها الخلق- إلاّ من شاء الله-، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ صعقوا أي: ماتوا مرة واحدة من أثر الصعقة، إذا نفخ إسرافيل في الصورة النفخة الأولى صعق كل الأحياء، إلاّ من استثنى الله بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ ، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وهذه نفخة البعث. الأولى نفخة الموت، والثانية: نفخة البعث، ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور مرّة ثانية، فيقومون من قبورهم أحياء يمشون: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ، وهذا بقدرة الله ، فهاتان نفختان: نفخة الصعق، ونفخة البعث.
وهناك نفخة ثالثة ذكرها الله في آخر سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ فهذه نفخة الفزع، وبعض العلماء -كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- يرون أن النفخات ثلاثة:
نفخة الفزع، وهي المذكورة في سورة النمل.
ونفخة الموت. ونفخة البعث. وهما المذكورتان في سورة الزمر.
وبعض العلماء يرى أنه ليس هناك إلاّ نفختان: نفخة الصعق، ونفخة البعث، ونفخة الصعق هذه عندهم هي نفخة الفزع، يفزعون ثمّ يموتون.
فالذين يحضرون هذا الحدث الهائل- وهو: نفخة الصعق- هم شرار الناس، لأن المؤمنين يموتون قبل ذلك، كما قال ﷺ : "لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله، الله" لأنه إذا كان فيها من يقول: الله، الله، ويذكر الله فالحياة تبقى في
стр. 293
هذه الدنيا، لأن ذكر الله والتّوحيد والعبادة عِمارة لهذه الأرض، فإذا فُقد ذلك أستحق أهلها العقوبة، فيحصل بذلك الموت العام.
أما قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله" فالمراد بذلك أنهم يموتون قبل ذلك، يقبض الله أرواحهم قبل ذلك بريح يرسلها الله تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ولا يحضرون هذا الحدث المروّع، رحمة من الله تعالى بهم.
يُستفاد من هذين الحديثين مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: يُستفاد من الحديثين إثبات المحبة الله ، وأنها صفة من صفاته، وأنه يحب أولياءه ورسله، ويحب عباده المؤمنين، وهذه صفة من صفاته اللائقة بجلاله، كما يُبغض الكافرين والمنافقين، ويكره، ويمقت، ويغضب، ويرضى، ويضحك، كل هذه من صفاته ، وهي صفات لائقة به جلّ وعلا.
وهذا مذهب أهل السنّة والجماعة أنهم يثبتون ما جاء في الكتاب والسنّة من صفاته الذاتية، ومن صفاته الفعلية على ما يليق بجلاله، ومن ذلك: أثبات المحبة، وأنه يحب. وتكرّر ذكر محبته لعباده في آيات كثيرة: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ، ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) ﴾ ، إلى غير من الآيات والأحاديث التي تثبت أن الله يحب عباده المؤمنين.
المسألة الثانية: في الحديث دليل على أن الخُلّة أعلى درجات المحبة، ولذلك لم تحصل إلاّ للخليلين: محمد وإبراهيم- عليهما الصلاة والسلام-، أما بقية الأنبياء والصالحين فإن الله يحبهم، لكن لم تصل محبتهم إلى مرتبة الخُلّة.
وكذلك النبي ﷺ يحب أصحابه؛ فيحب عائشة، ويحب أبا بكر، ويحب عمر، وقال لمعاذ: "يا معاذ إني أحبك" فهو يحب أصحابه- ﵊، أما الخُلّة فإنه لم يخالل أحداً منهم حتى ولا أبا بكر، لأن الخُلّة لا تقبل الاشتراك، فلم
стр. 294
تكن إلاّ لله خالصة، فهذا فيه دليل على أن الخُلّة أعلى درجات المحبة. وقولا بعض الصحابة: خليلي رسول الله هذا من قبل الصحابي لا من قبل الرسول ﷺ .
المسألة الثالثة: فيه دليل على فضل الخليلين: محمَّد وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام-، حيث نالا هذه المرتبة التي لم ينلها أحد غيرهم.
المسألة الرابعة: في الحديث دليل على فضل أبي بكر الصدّيق، لأن الرسول ﷺ قال: " لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً" فهذا فيه فضيلة أبي بكر، وفيه إشارة إلى استخلافه من بعده.
المسألة الخامسة: في الحديث دليل على تحريم الصلاة عند القبور، وبناء المساجد عليها، لأن قوله ﷺ : "فلا تتخذوا القبور مساجد" يشمل المعنيين: الصلاة المجردة عن البناء، أو مع البناء على القبر، كله من اتخاذها مساجد، وذلك سدًّا لذريعة الشرك، لا كما يقوله من قل فهمه أو أراد التضليل ممن زعم أن العلة هي: نجاسة المكان، فهذه علة غير صحيحة، لأن المكان ليس فيه نجاسة. أو من قال: المراد لا يصلي فوق القبر.
المسألة السادسة: في الحديث دليل على بطلان الصلاة عند القبور، أو في المساجد المبنيّة على القبور، لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك، والنهي يقتضي الفساد عند الأصوليين، فالذي يصلي عند القبر صلاته غير صحيحة، فعليه أن يعيد الفريضة، لأن صلاته عند القبر أو في المسجد المبني على القبر غير صحيحة، لأنها صلاة منهي عنها، والصلاة المنهي عنها غير مشروعة، فهي لا تصحّ.
المسألة السابعة: في الحديث دليل على أن الذين يتخذون القبور مساجد شرار الخلق، فالذين يفعلون هذا الفعل سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من المنتسبين إلى الإسلام هم شر الخلق، لا أحد شر منهم، والعياذ بالله.
المسألة الثامنة: أن الحديث يدل على أن الساعة لا تقوم على أهل الإيمان، وإنما تقوم على الكفار، لأن أهل الإيمان من خير الناس، وليسوا شر الناس،
стр. 295
فلا تقوم عليهم الساعة، وإنما يموتون قبل ذلك، تُقبض أرواحهم كما دلّت على ذلك الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ ، وأن الله يُرسل ريحاً قبل قيام الساعة تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، فلا يبقى في الأرض إلاّ الكفّار وشرار الخلق، يتهارجون كما تتهارج الحُمُر، لأنهم ليس عندهم دين، ولا خلق، ولا مروءة.
стр. 296
[الباب الحادي والعشرون:]
* بابُ ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيّرها أوثاناً تعبد من دون الله
ــ
قوله ﵀: "باب ما جاء" أي: من الوعيد.
"إن الغلو في قبور الصالحين" الغلو تقدم لنا معناه، وهو: الزيادة عن الحد المشروع.
والغلو في قبور الصالحين هو: الزيادة في تعظيمها، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك، لأن المشروع في قبور الصالحين- وقبور المسلمين عموماً- احترامها، وعدم إهانتها، وصيانتها عن الأذى، وزيارتها للسلام على الأموات، والدعاء لهم، والاعتبار بأحوالهم، هذا هو المشروع، أما الغلو فهو قصدها للتبرّك، أو الدعاء عندها، أو الصلاة عندها رجاء الإجابة، هذا هو الغلو، لأن هذا لم يشرعه الله ولا رسوله، ولأنه وسيلة إلى الشرك.
"يصيّرها" أي: يجعلها في المستقبل، وعلى امتداد الزمان.
"أوثاناً تعبد" الأوثان: جمع وثن، والوثن ما عُبد من دون الله من قبر، أو شجر، أو حجر، أو بقاع، أو غير ذلك، أما الصنم فهو: ما عُبد من دون الله وهو على صورة إنسان أو حيوان، كما كان قوم إبراهيم يعبدون التماثيل: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) ﴾ ، والتماثيل جمع تمثال، وهو: ما كان على صورة إنسان، أو حيوان هذا هو الفرق بين الوثن والصنم، وقد يراد بالصنم الوثن، والعكس.
والشارع ﵀ يقول: إذا ذكر أحدهما شمل الآخر، إذا ذكر الصنم فقط دخل فيه الوثن، وإذا ذُكر الوثن فقط دخل فيه الصنم، أما إذا ذُكرا جميعاً افترقا في المعنى، فصار الصنم: ما كان على شكل تمثال، وأما الوثن فيراد به: ما عبد من دون الله من الشجر، والحجر، والقبور والصور وغير ذلك، ولم يكن على صورة تمثال، فبينهما عموم وخصوص مطلق، يجمعها أنها تُعبد من دون الله .
стр. 297
روى مالك في "الموطأ" أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".
ــ
قال "روى مالك" هو: مالك بن أنس إمام دار الهجرة واحد الأئمة الأربعة المجتهدين: الذين هم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد أصحاب المذاهب الأربعة الباقية.
وهناك مذاهب لأهل السنّة، لكن انقرضت، مثل:. مذهب سفيان الثوري، ومذهب ابن جرير الطبري.
فمالك هو أحد الأئمة الأربعة المقلَّدين، وهو إمام جليل، يسمى بإمام دار الهجرة -يعني: المدينة-، ويسمى عالم المدينة، واشتهر في وقته، حتى قيل: لا يُفتى ومالك في المدينة، وذلك لعظيم منزلته وثقة النّاس به، ﵀ رحمة واسعة.
"في الموطأ" الموطأ: كتاب أَلَّفَه مالك في الحديث والفقه، حيث يذكر فيه الأحاديث ويذكر فقهها، وما يؤخذ منها، فهو كتاب عظيم من الكتب التي جمعت بين الفقه والحديث، ومرجع من مراجع الأمة الإسلامية، شرحه علماء كثيرون، لكن أشهر شروحه: "التمهيد" لابن عبد البر، وشرحه أبو الوليد الباجي في كتابه: "المنتقى"، وشرحه الزُّرقاني- أيضاً-، وشرحه السيوطي، وله شروح كثيرة، لكن أشهرها وأعظمها وأكثرها فائدة هو: كتاب: "التمهيد" للإمام ابن عبد البر النَّمَري ﵀.
سُمي الموطأ من التوطئة وهي: التسهيل والتقريب، لأنه ﵀ سهَّله للناس، ووطّأه للناس بترتيبه وتبويبه، حتى أصبح سهلاً، هذا معنى تسميته بالموطأ.
"إن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد" هذا دعاء من الرسول ﷺ ، دعا به ربه أن يصون قبره من الغلو به، كما حصل لقبور الأنبياء السابقين من اليهود والنصارى حيث غلوا في قبور أنبيائهم، فقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد" فدلّ على أن الغلو في القبر يصيّره وثناً، وهذا الشاهد من الحديث للباب، ولكن الله حماه ولله الحمد، حماه بأن دفن في بيته، ومُنع النّاس من الوصول إليه وسيبقى مصوناً- بإذن الله- استجابة لدعوة رسوله ﷺ ، ودفن في بيته من أجل هذا، كما مر قول عائشة: "ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خُشي أن يُتخذ مسجداً" فدفنه ﷺ في بيته له سرٌّ عظيم، هو: صيانته من قصد النّاس له بالدعاء، والصلاة عنده، والتبرّك به، يقول ابن القيم ﵀:
стр. 298
فأجاب ربُ العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
والمشروع: السلام عليه من غير مكوث عنده وطول قيام ولا تكرر زيارة كما كان الصحابة يفعلون ذلك:
فقد كان ابن عمر يقف- إذا جاء من سفر- مقابل وجه النبي ﷺ فيقول: السلام عليك يا رسول الله، ثمّ يتأخر إلى جهة الشرق قليلاً فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، ثمّ يتأخر قليلاً فيقول: السلام عليك يا أبت، ثمّ ينصرف.
وهكذا كان عمل المسلمين عند السلام على الرسول ﷺ وعلى صاحبيه ﵄، ما كانوا يجلسون، وما كانوا يتردّدون، حتى إن الصحابة في المدينة ما كانوا كلما دخلوا إلى المسجد راحوا يسلمون على الرسول، لأن هذا يُعتبر من الغلو، إنما كانوا يسلمون على الرسول إذا جاءوا من سفر- كما فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه-، فالصحابة يأتون إلى المسجد، ويتردّدون عليه للصلاة، ولطلب العلم، وللاعتكاف فيه، لكن ما كانوا كلما دخلوا ذهبوا يسلمون على الرسول ﷺ ، لأنهم عرفوا أن هذا من الغلو الذي حذّر منه النبي ﷺ ، وهم أعلم النّاس وافقه النّاس بمقاصد الرسول. ومن أجل ذلك ما كانوا يتردّدون على القبر، حتى إن مالكاً ﵀، كان يكره أن يقول الإنسان: زرت قبر الرسول ﷺ ، لأن زيارة قبر الرسول ﷺ لم يرِد بها دليل خاص، والأحاديث المروية في زيارة قبره كلها موضوعة أو ضعيفة شديدة الضعف، لم يثبت منها شيء، وإنما تدخل زيارة قبره ﷺ في عموم قوله ﷺ : "زوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة"، فزيارة قبره تدخل في عموم زيارة القبور التي أمر بها النبي ﷺ ، أما أنه ورد لفظ خاص بزيارة قبر الرسول ﷺ ، فهذا لم يثبت أبداً، كما نبّه على ذلك الحفاظ؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن حجر، وابن عبد الهادي، وغيرهم من الأئمة الحفاظ.
ولابن عبد الهادي كتاب مستقل اسمه: "الصارم المنكي في الرد على السبكي" تناول الأحاديث التي استدل بها السبكي على مشروعية السفر لزيارة قبر الرسول ﷺ ، فبين ما فيها من المقال واحداً واحداً، حتى أتى على آخرها.
فهذا الكتاب- الصارم المنكي- كتاب نفيس جدًّا، يحتاجه طالب العلم،
стр. 299
ولابن جرير بسنده: عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) ﴾ قال: "كان يَلُتُّ لهم السّويق، فمات، فعكفوا على قبره".
ــ
ليتسلح به ضد الخرافيين الذي يحتجون بهذه الأحاديث التي لا تصلح للاحتجاج.
ثمّ قال ﷺ : "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" تحذير بعد تحذير، حيث سبق عدة مرات أن الرسول ﷺ لعن اليهود والنصارى وهو في سياق الموت لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ يحذّر ما صنعوا، وقال- قبل أن يموت بخمس-: "ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد إلاَّ فلا تتخذوا القبور مساجد" وهنا يقول: "اشتد غضب الله". "غضب الله" والغضب صفة من صفاته فالله يغضب، كما أنه يفرح ويضحك ويحب، كما جاءت بذلك النصوص، وكل هذه الصفات تليق بجلاله، ليس كغضب المخلوق، ولا كفرح المخلوق، ولا كضحك المخلوق، ويحب كما يليق بجلاله لا كمحبة المخلوق.
ونُثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله من الصفات من غير تحريف ولا تأويل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فنُثبت أن الله يغضب، وأنه يشتدّ غضبه، وأنه يمقت، والمقت أشد الغضب: ﴿لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، فالله يمقت بمعنى: أنه يشتد غضبه.
وهذا فيه أن من جعل القبر مسجداً فقد اتخذه وثناً يُعبد.
ودلّ على أن هذه الأضرحة المبنية على القبور التي يُطاف بها الآن، وينذر لها، ويُذبح لها، ويُستغاث بها أوثان، لا فرق بينها وبين اللاّت والعزّى ومناة الثالثة الأخرى، وإن سموها مساجد، أو سموها مقامات للصالحين، فالتسمية لا تغير المعنى، فهي أوثان كما سماها الرسول ﷺ .
ثم قال: "ولابن جرير" ابن جرير هو: الإمام الجليل، إمام المفسرين، محمَّد بن جرير الطبري، صاحب كتاب "التفسير" الذي أصبح مرجعاً للمفسرين الذين جاءوا من بعده، فأعظم التفاسير هو تفسير ابن جرير، أما تفاسير أهل الكلام وأهل المنطق فليس مرجعها كتب أهل السنّة، بل مرجعها قواعد المنطق وعلم الكلام،
стр. 300
مثل: "تفسير الرازي" و"تفسير الزمخشري" وفيها من الخلط، وفيها مر الشر الشيء الكثير، وإن كان فيها فوائد، "تفسير الزمخشري" فيه فوائد لغوية، وأسرار بلاغية، وبيان لتفسير الألفاظ من جهة اللغة، فهو جيد من هذه الناحية، ولكنه من ناحية العقيدة ومن ناحية التأويل يشتمل على كثير من الشر والقول بخلق القرآن، فهو من هذه الناحية تفسير مختلط، لا يصلح أن يطالع فيه إلاَّ طالب العلم المتأصّل من أجل أن يأخذ ما فيه من الفوائد، ويترك ما فيه من الأباطيل، أما المبتدئ والجاهل فلا يصلح أن يطالع في تفسير الزمخشري.
وأما: "تفسير الرازي" فهو أكثر شيئاً شرًّا من: "تفسير الزمخشري" لأنه كله جدل وافتراضات، وأحياناُ يأتي بإشكالات ولا يُجيب عليها.
إنما التفاسير الموثوقة هي التفاسير المبنية على كلام الله على قواعد التفسير المعروفة: تفسير القرآن بالقرآن، أو تفسير القرآن بالسنّة، أو تفسير القرآن بأقوال الصحابة، أو تفسير القرآن بمقتضى اللغة العربية، هذه وجوه التفسير.
أما أن يُدخل فيها علم الكلام وعلم المنطق، فهذا ليس من التفسير.
فأوثق التفاسير هو: "تفسير ابن جرير" وكذلك: "تفسير ابن كثير"، وكذلك: "تفسير البغوي" هذه كتب موثوقة، تنهج منهج السلف، وتفسر القرآن بالوجوه المعروفة التي هي وجوه التفسير الصحيحة، وما عداها ففيه خلط.
وكل مفسر له اتجاه، بعضهم يتجه إلى النحو كأبي حيّان، وبعضهم يتجه إلى البلاغة كالزمخشري، وبعضهم يتجه إلى الأحكام الفقهية كالقرطبي.
قال: "عن سفيان" سفيان هذا يحتمل أنه: سفيان بن عيينة، الإمام المشهور، ويحتمل أنه: سفيان الثوري، وهذا هو الذي رجّحه الشارح.
وسفيان الثّوريّ إمام جليل في علم الحديث وفي علم الفقه، وله مذهب مستقلّ، لكنه انقرض.
"عن منصور" منصور هو: منصور بن المعتمر، إمام جليل وثقة.
"عن مجاهد" مجاهد بن جَبْر، التابعي الجليل، من أكبر تلاميذ عبد الله بن عباس- رضي الله تعالى عنهما-، وهو الذي يقول: "عرضت المصحف على ابن
стр. 301
وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: "كان يَلُتُّ السّويق للحاجّ".
وعن ابن عباس ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج " رواه أهل السنن.
ــ
عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كل آية، وأسأله عن معناها" هذا هو مجاهد بن جَبْر، من أكبر أئمة المفسرين، ومن أكبر تلاميذ عبد الله بن عباس- رضي الله تعالى عنهما-.
"في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) ﴾ " هذه أسماء أصنام العرب.
اللاّت في الطائف، والعزى في مكّة عند عرفات، ومناة على طريق المدينة بالمشلّل عند قُدَيْد، كان يُحرِم منها المشركون إذا جاءوا للحج. والشاهد من ذلك: اللاّت.
"قال: كان يَلُتُّ لهم السّويق " ولَتُّ السويق هو: خلطه بالسمن.
كان هذا الرجل يعمل هذا العمل من أجل إطعام النّاس، يعني: يُحسن إلى النّاس، فأحبوه، وتعلقت قلوبهم به، لأنه يبذل الطعام، فلما مات عكفوا على قبره حتى صار وثناً.
"فمات، فعكفوا على قبره " دل على أن الغلو في قبور الصالحين يصيّرها أوثاناً تُعبد من دون الله، لان اللاّت رجل صالح ما صار قبره وثناً إلاَّ بسبب الغلو فيه، والعكوف عند قبره.
"وكذا قال أبو الجوزاء" وأبو الجوزاء هو: سفيان بن عبد الله الرَّبَعي.
"عن ابن عباس قال: كان يَلُتُّ السّويق للحاج" هذا مثل رواية ابن جرير، في أن اللات اسم رجل غلو في قبره حتى صار وثناً يعبد.
قال: "وعن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ "" اللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله .
ومعنى "لعن رسول الله": دعا عليهم باللعنة.
فهذا فيه دليل على لعن أصحاب الكبائر.
"زائرات القبور" أي: النساء اللاتي تزور القبور.
стр. 302
فدلّ هذا على تحريم زيارة النساء للقبور، وهذا مذهب الجمهور أهل العلم، أنه لا يجوز للنساء أن تزور القبور لهذا الحديث.
قال العلماء: لأن المرأة ضعيفة، فإذا رأت قبر قريبها من ابنها، أو أبيها، أو أخيها، أو زوجها، فإنها لا تملك نفسها من النياحة ومن الجزع.
وأيضاً: المرأة عورة، فإذا ذهبت إلى المقابر واختلطت بالرجال حصل من ذلك فواحش وزنى وشر، لأنها فتنة، كما هو الواقع الآن عند الأضرحة من اختلاط النساء بالرجال، وما يحصل من المفاسد.
وذهب بعض العلماء إلى جواز زيارة النساء -للقبور أخذاً من عموم قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكر بالآخرة" قالوا: هذا لفظ عام يدخل فيه الرجال والنساء.
والجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن قوله: "فزوروها" هذا الخطاب للرجال، وخطاب الرجال لا تدخل فيه النساء.
الوجه الثاني: أنه على فرض أن هذا الخطاب عام للرجال والنساء، فإنه مخصوص بهذا الحديث.
واحتجّوا- أيضاً- بأن عائشة ﵂ زارت قبر أخيها عبد الرحمن. قالوا: فهذا دليل على جواز زيارة النساء للقبور.
والجواب عن ذلك: أن فعل عائشة هذا محمول على أنها لم يبلغها النهي، ولو بلغها النهي لم تكن لتخالف رسول الله ﷺ .
والجواب الثاني: وعلى فرض أنها بلغها هذا الحديث، فهذا اجتهاد منها، ولا شك أن الحجة في حديث رسول الله ﷺ لا في اجتهاد المجتهدين.
فبناءً على ذلك فالقول الصحيح الراجح هو: منع النساء من زيارة القبور، وأن كان بعض الباحثين في هذا العصر أظهر هذه المسألة وكتب فيها، وأباح للنساء زيارة القبور، فهذا قول مرجوح، ولم يأت بجديد وإنما أثار هذه المسألة فقط، ولا يجوز
стр. 303
لطالب العلم أنه يتتبّع المسائل الغريبة ويذهب يثيرها من جديد، ويبعثها على النّاس من جديد، لما يترتب على ذلك من المفاسد.
قوله: "زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج" أما لعنه المتخذين عليها المساجد فهذا سبق في قوله ﷺ : "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وأما لعنة المتخذين عليها السّرج، فالمراد بذلك: إضاءة المقبرة بالأنوار. لأن هذا وسيلة إلى الغلو في القبور، ويُفضي إلى الشرك، فإن هذا يجلب إليها أنظار النّاس والجُهّال، ثمّ يزورونها، ويتردّدون عليها، ثمّ يؤول هذا إلى الشرك، فلا يجوز أن تُضاء المقابر، بل تُجعل المقابر خالية من الإضاءة، وإذا احتاج النّاس إلى دفن ميّت في الليل فإنهم يأخذون معهم سراجاً، كما فعل النبي ﷺ والصحابة عند الدفن بالليل.
وفي هذه النصوص فوائد عظيمة:
الفائدة الأولى: أن الغلو في قبور الأنبياء يصيّرها أوثاناً تُعبد من دون الله بدليل قوله ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد".
ومن الغلو فيها: اتخاذها مساجد، كما قال ﷺ : "اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يعني: مصليات، يصلون عندها رجاء الإجابة.
الفائدة الثانية: أن الله سبحانه صان قبر رسوله ﷺ ، وأجاب دعاءه، فحفظ من الغلو فيه، وأحيط بالجُدارن التي تمنع الوصول إليه، بل تمنع رؤيته والوصول إليه، كل ذلك من أجل منع الغلو في قبره ﷺ .
الفائدة الثالثة: فيه أن العكوف على قبور الصالحين يصيّرها أوثاناً تُعبد من دون الله، كما حصل لقبر اللاّت، فإنه صار وثناً بسبب العكوف عنده بعد موته، كما أن الشرك حصل في قوم نوح بسبب الغلو في الصالحين، فسياسة إبليس- لعنه الله - واحدة مع الأولين والآخرين، يأتي النّاس من باب الغلو في الصالحين.
الفائدة الرابعة: فيه الردّ على من زعم أن البناء على قبور الصالحين من محبة
стр. 304
الصالحين، ويقولون: أنتم لا تبنون على قبور الصالحين لأنكم تبغضون الصالحين.
ففي هذا الحديث وهذه الآية ردٌّ عليهم وأن البناء على قبورهم والغلو فيها ليس من محبتهم، وإنما هو من اتخاذهم أوثاناً تُعبد من دون الله.
الفائدة الخامسة: في الحديث دليل على تحريم زيارة النساء للقبور، وهو مخصِّص لقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"، فالرسول ﷺ في أول الأمر منع من زيارة القبور مطلقاً للرجال والنساء، لأنهم كانوا حديثي عهد بالشرك وبالجاهلية، فمنعهم من زيارة القبور خشية من أن يترسّب فيهم شيء من أمور الجاهلية عند القبور، فلما استقر التّوحيد في قلوبهم، وعرفوا التّوحيد، أَذِن للرجال في زيارة القبور خاصة، ومنع النساء، لأن المحذور باق في حقهن.
الفائدة السادسة: في الحديث دليل على تحريم إضاءة المقابر بالأنوار، بأي وسيلة، سواء كان بالسُّرج، أو كان بالكهرباء، أو غير ذلك، كل أنواع الإضاءة على حسب الأزمنة ممنوعة، والواجب أن تكون القبور خالية من الإضاءة، لأن الإضاءة وسيلة إلى اتخاذها أوثاناً، والرسول ﷺ لعن من فعل ذلك، لأنه وسيلة إلى الشرك.
стр. 305
[الباب الثاني والعشرون:]
* بابُ ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التّوحيد وسدّه إلى طريق يوصل إلى الشرك
ــ
هذا الباب عقده الشَّيخ ﵀ في بيان حماية المصطفى ﷺ لجناب التّوحيد، والأبواب التي قبله- أيضاً- هي في حماية التّوحيد، لكن الأبواب التي قبله عامة، وما في هذا الباب أمور خاصة، وإلاَّ كل الأبواب السابقة: الغلو في الصالحين، وبناء المساجد على القبور، والغلو في القبور، كل هذا من الوسائل المُفضية إلى الشرك، وقد نهى النبي ﷺ عنها سدّاً للطريق الموصِّل إلى الشرك، وهذه الأبواب كلها في موضوع واحد.
ولا تعجبوا من كون الشَّيخ كرّر هذه الأبواب واحداً بعد واحد، لأن هذه المسألة عظيمة، فالشرك إنما حصل في هذه الأمة بسبب الفتنة في القبور والغلو فيها، وبسبب الغلو في الصالحين، والغلو في الرسول ﷺ ، فالشرك إنما حصل في هذه الأمة بسبب هذه الأمور، منذ أن بُنيت المساجد على القبور، ومنذ أن ظهر التصّوف في هذه الأمة، والشرك يكثر ويتعاظم في هذه الأمة، من رحم الله ، فالأمر خطير جدًّا، ولذلك كرّر الشَّيخ ﵀ في هذا الموضوع، وأبدى وأعاد، لأنه هو المرض الذي أصاب الأمة في أجل أن ينبه العلماء، وينبه المسلمين على هذا الخطر الشديد ليقوموا بعلاجه، والدعوة إلى التّوحيد، ونفي الشرك من هذه الأمة، وإلاَّ إن سكت العلماء عن هذا الأمر فإنه يتعاظم، وبالتالي في النّهاية يكثر الجهل، وتعتبر هذه الأمور من الدين، ويعتبر من نهى عنها من الخارجين عن الدين كما حصل الآن؛ أن من ينكر هذه الأمور، وينبه النّاس إلى خطرها، ويدعو إلى التّوحيد يرمونه بأنه متشدد، وأنه خارج عن الأمة، لأن الأمة عندهم هم عباد القبور، ومن أنكر عبادة القبور صار خارجاً عن الأمة، وهذا من قلب الحقائق -والعياذ بالله-، فالدين الذي جاءت به الرسل هو إخلاص العبادة لله ، هذا هو الدين.
أما عبادة القبور فهي دين أبي جهل وأبي لهب ودين المشركين، ليست في دين الرسل- عليهم الصلاة والسلام-، ولكن إذا ظهر الجهل، وظهر إتباع الهوى حصل في الأمة ما حصل من جعل هذه الأمور الشركية من الدين، وجعل التّوحيد هو الخروج عن الدين، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
стр. 306
وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ الآية.
............................................................................................
ــ
قوله: "باب ما جاء في حماية المصطفى" المصطفى معناه: المختار، من الصفوة، أصله: مصتفى بالتاء، ثم أُبدلت التاء طاء، فصار مصطفى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ يعني: يختار، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) ﴾ ، أي: المختارين، ومنهم: نبينا محمَّد ﷺ ، بل هو خيرهم وأفضلهم، فهو المصطفى ﷺ ، اختاره الله للرسالة، والقيام بدعوته على فترة من الرسل، وهو خاتم النبيين ﷺ .
وقوله: "جناب التّوحيد" الجناب هو: الجانب، فالجناب والجانب بمعنى واحد، أي: حمايته ﷺ حدود التّوحيد من أن يدخل عليه الشرك بسبب وسائل الشرك والتساهل فيها، فالرسول ﷺ حمى حدود التّوحيد حماية بليغة، بحيث أنه نهى عن كل سبب أو وسيلة توصِّل إلى الشرك، ولو كانت هذه الوسيلة في أصلها مشروعة كالصلاة، فإذا فُعلت عند القبور، فهو وسيلة إلى الشرك، ولو حسُنت نية فاعلها، فالنية لا تبرّر ولا تزكي العمل إذا كان يؤدي إلى محذور، والدعاء مشروع، ولكن إذا دعى عند القبر، فهذا ممنوع، لأنه وسيلة إلى الشرك بهذا القبر، هذا سدّ الوسائل.
فالرسول نهى عن الصلاة عند القبور، ونهى عن الدعاء عند القبور، ونهى عن البناء على القبور، ونهى عن العكوف عند القبور، واتخاذ القبور عيداً، إلى غير ذلك، كل هذا من الوسائل التي تُفضي إلى الشرك، وهي ليست شركاً في نفسها، بل قد تكون مشروعة في الأصل، ولكنها تؤدي إلى الشرك بالله ، ولذلك منعها ﷺ .
قال: "وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ وتمام الآية: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، هذه الآية في ختام سورة التوبة.
قوله تعالى: " ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ " اللاّم لام القسم، تدلّ على قسم مقدّر، تقديره: والله لقد جاءكم، وقد حرف تحقيق. والخطاب للعرب خاصة، وهو للناس
стр. 307
...........................................................................................
ــ
عامة- أيضاً، لكن للعرب خاصة لأن الرسول عربي، بُعث بلسانهم، فالمنة عليهم به أعظم.
" ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ " أيها المسلمون عمومًا والعرب خصوصاً.
" ﴿رَسُولٌ﴾ " الرسول هو: من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه.
وأما النبي فهو: من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه.
هذا التعريف المشهور عند أهل العلم، ويذكره المفسرون عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ، من سورة الحج، يذكرون هناك تعريف الرسول وتعريف النبي، والفرق بينهما، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، وأشهرها كتابه: "النبوات": "الرسول من أوحي إليه بشرع، بخلاف النبي فإن النبي يبعث بشريعة من قبله، كأنبياء بني إسرائيل، يُبعثون بالدعوة إلى التوراة التي نزلت على موسى ﵇".
وقد يوحى إلى النبي وحي خاص في بعض القضايا، لكن الغالب أنه يُبعث بشريعة سابقة، كأنبياء بني إسرائيل، أما الرسول فإنه يُبعث بشريعة مستقلّة.
والمراد بتبليغه هنا: الجهاد والإلزام، أي: أُمر أن يُلزم النّاس بإتباعه، ويجاهدهم على ذلك، خلاف النبي فإنه يؤمر بالتبليغ، بمعنى: تعليم النّاس شرع من قبله وإفتائهم فيه. وهذا مأمور به غير الأنبياء، حتى العلماء.
فالتبليغ الذي معناه التعليم والإفتاء، وبيان الحلال والحرام والحق من الباطل، هذا مأمور به كل من عنده علم، إنما المراد بالتبليغ هنا: التبليغ الخاص الذي هو الإلزام، والجهاد على ذلك. والنبي أيضاً يجاهد. لكن يجاهد على شرع من قبله.
" ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ " أي: من جنسكم من العرب، تعرفون لسانه، ويخاطبكم بما تعرفون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ، فهذا من نعمة الله أن جعل هذا الرسول عربيًّا يتكلم بلغتنا، ولم يجعله أعجمياً لا نفهم ما يقول، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ .
فمن رحمة الله أن جعل هذا الرسول يتكلم بلغتنا، ونعرف نسبه، ونعرف لغته،
стр. 308
ولم يكن أجنبياً لا نعرفه، أو يكن أعجمياً لا نفهم لغته، هذا من تمام النعمة على هذه الأمة، ولم يكن من الملائكة، وهم جنس آخر من غير بني آدم، بل هو من جنسنا، ويتكلم بلغتنا.
" ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ " أي: شاقٌّ.
" ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ " العنت معناه: العتب والمشقّة، ومعناه: أن الرسول ﷺ يشق عليه ما يشق على أمته، وكان يحب لهم التسهيل دائماً، ولهذا كان ﷺ يجب أن يأتي بعض الأعمال ولكنه يتركها رحمة بأمته خشية أن يشق عليهم، ومن ذلك: صلاة التراويح، فإنه صلاها بأصحابه ليالي من رمضان، ثم تخلف عنهم في الليلة الثالثة أو الرابعة، فلما صلّى الفجر، بيّن لهم ﷺ أنه لم يتخلّف عنهم إلاَّ خوف أن تُفرض عليهم صلاة التراويح، ثمّ يعجزوا عنها، هذا من رحمته وشفقته بأمته.
وقال ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، فلم يمنعه من ذلك إلاَّ خوف المشقة على أمته، وكان يحب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، ولكنه خشي المشقة على أمته ﵊.
وهكذا كل أوامره-، يراعي فيها التوسيع على الأمة، وعدم المشقة، لا يحب لهم المشقة أبداً، ويحب لهم دائماً التيسير عليهم، ولذلك جاءت شريعته سمحة سهلة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ .
ولما ذكر الإفطار في رمضان للمسافر والمريض ذكر أنه شرع ذلك من أجلا التسهيل: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .
هذا من صفة هذا الرسول ﷺ أنه يحب التيسير لأمته، ويكره المشقة عليها.
" ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ " وخاصة.
" ﴿رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ " الرأفة هي: شدّة الشفقة، ﴿رَحِيمٌ﴾ يعني: عظيم الرحمة بأمته ﷺ ، أما بالكفّار فإنه كان شديداً على الكفّار، كما وصفه الله تعالى بذلك: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ، وكما قال الله : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: رحماء، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني:
стр. 309
يتصفون بالغلظة والشدة على الكافرين، لأنهم أعداء لله وأعداء لرسوله، فتناسبهم الشدة والغلظة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ لأنهم كفار، لا تأخذكم بهم الرحمة والشفقة فلا تقاتلونهم، بل قاتلوهم، واقتلوهم، ما داموا مصرين على الكفر: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، الكافر ليس له جزاء إلاَّ القتل إذا أصر على الكفر، أو يخضع لحكم الإسلام ويدفع الجزية صاغراً، هذا في الدنيا. وأما في الآخرة فله النار -والعياذ بالله-، وهذا أشد من القتل، لأنه عدو لله، وعدو لرسوله، وعدو لدينه، فلا تناسب معه الرحمة والشفقة.
فهذه الآية الكريمة مناسبة إيراد الشَّيخ ﵀ قي هذا الباب: أنه إذا كان الرسول ﷺ متصفاً بهذه الصفات التي هي أنه: عربي، يتكلم بلساننا ونفهم لغته، وأنه يشق عليه ما يشق علينا، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، فهل يليق بمن هذه صفاته أن يترك الأمة تقع في الشرك الذي يُبعدها عن الله، ويُسبب لها دخول النار؟، هل يليق بمن هذه صفاته أن يتساهل بأمر الشرك؟، أو أن يتركه ولا يهتم بالتحذير منه، ى لأن هذا هو أعظم الخطر على الأمة؟ وهذا هو الذي يشق على الأمة، لأنه يفسد عليها حياتها، ولا يجعل لها مستقبلاً عند الله ، لأن المشرك مستقبله النار، ليس له مستقبل إلاَّ العذاب، فهل يليق بهذا الرسول الذي هذه صفاته أن يتساهل في أمر الشرك؟، لا، بل اللاّئق به أن يبالغ أشد المبالغة في حماية الأمة من الشرك، وقد فعل ﷺ ، فقد سد كل الطرق الموصلة إلى الشرك بالأحاديث التي مرت في الأبواب السابقة.
هناك ناس الآن يقولون: لا تذكروا الشرك، ولا تذكروا العقائد، يكفي التسمّي بالإسلام، لأن هذا ينفّر النّاس ويفرق الناس، اتركوا كلاًّ على عقيدته، دعونا نجتمع ولا تفرقونا.
يا سبحان الله، نترك الشرك ولا نتكلم في أمر التّوحيد من أجل أن نجمع الناس؟!!.
стр. 310
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات.
ــ
وهذا الكلام باطل من وجوه:
أولاً: لا يمكن اجتماع النّاس إلاَّ على العقيدة الصحيحة.
وثانياً: ما الفائدة من الاجتماع على غير عقيدة، هذا ماذا يؤدي إليه؟، لا يؤدي إلى نتيجة أبداً.
فلا بد من الاهتمام بالعقيدة، ولابد من تخليصها من الشرك، ع ولا بد من بيان التّوحيد، حتى يحصل الاجتماع الصحيح على الدين، لا يجتمع النّاس إلاَّ على التّوحيد، لا يوحد النّاس إلاَّ كلمة: لا إله إلاَّ الله؛ قولاً وعملاً واعتقاداً.
هذا هو الذي جمع العرب على عهد الرسول ﷺ ، وجعلهم أمة واحدة هو الذي يجمعهم في آخر الزمان، أما بدون ذلك فلا يمكن الاجتماع مهما حاولتم، فلا تتعبوا أنفسكم أبداً، وهذا من الجهل أو من المغالطة.
فالتّوحيد ليس هو الذي يفرق الناس، بل العكس؛ الذي يفرق النّاس هو الشرك، والعقائد الفاسدة، والبدع والمنهجيات هذه هي التي تفرق الناس، أما التّوحيد والإتباع للرسول ﷺ فهذا هو الذي يوحد الناس، كما وحّدهم في أول الأمر، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلاَّ ما أصلح أولها.
قوله: (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً" الحديث) .
ثلاث كلمات قالها ﷺ في هذا الحديث:
الكلمة الأولى: قوله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً" يعني: لا تعطلوا البيوت من ذكر الله، ومن صلاة النافلة، وتلاوة القرآن، لأنها إذا عُطلت صارت مثل القبور، لأن القبور ليس فيها عمل، خاوية خالية، حفر مظلمة، إلاَّ من نورها الله عليه بنور الإيمان الذي سبق لهم في الحياة الدنيا.
فهذا فيه العناية بالبيوت، بيوت المسلمين، وأن تُعمر بذكر الله، وبتلاوة
стр. 311
القرآن، وصلاة النافلة، والإكثار من ذكر الله، بل إن الرسول ﷺ أمر بأن تُجعل النوافل التي لا تُشرع لها الجماعة كلها في البيوت، أما الفرائض فإنها تكون في المساجد، وذلك لعمارة البيوت، لأنها إذا عمرت بذكر الله ابتعدت عنها الشياطين، ونشأ أهل البيوت من النساء والذرية والساكنين فيها على طاعة الله، وصارت هذه البيوت مدارس خير، يتخرج منها المسلم الموحد.
أما إذا كانت هذه البيوت خالية من ذكر الله، فإن أهلها يعيشون في الجهل، ويعيشون في الغفلة، ويصيرون مثل الموتى، فما بالكم إذا خلت البيوت من ذكر الله، وجُلب إليها وسائل الشر من الأفلام الخليعة، وجلب إليها الجهاز الذي يستقبل محطات التلفزيون من العالم بما فيها من فساد وخلاعة ومجون وكفر وإلحاد وشرور عظيمة، كلها تدخل في هذا البيت بواسطة هذا الجهاز الشيطاني الذي ينُصبه صاحب البيت ماذا تكون هذه البيوت؟، تكون بيوتاً للشيطان، لا تكون مقابر فقط، وإنما تكون مآوي للشياطين- والعياذ بالله-، ويتخرج منها أشرار من الذرية والنساء، يصاحبهم عدم الحياء، وعدم الغيرة، وحب الشر، والحرص على تنفيذ ما يرونه في هذه المبثوثات من الشرور، وفساد الأخلاق، وفساد الأمور، سيطبقون هذه الأمور التي يرونها ويشاهدونها، وتؤثر على أخلاقهم وعلى عفتهم، ويتكاسلون عن الصلاة، بل يضيعون الصلاة بسببها، ويقولون: هذا العالم المتحضر، انظروا إلى العالم ماذا يفعلون؟.
هذه هي الحياة، وهذه الحضارة، وهذا هو الرُّقي، نحن مشتغلون بأمور بعيدة عن الحياة.
سيقولون هذا شئتم أم أبيتم أيها الآباء، وأنتم السبب في هذا، أنتم المسئولون أمام الله يوم القيامة، الله قال لكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ، أنتم ما وقيتم أنفسكم، ولا وقيتم أهليكم من النار، بل جلبتم النار إلى بيوتكم.
اتقوا الله يا من ابتليتم بهذه الآلة الخبيثة؛ أزيلوها عن بيوتكم، فالرسول ﷺ يقول: "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً" وأمركم بالعناية بالبيوت، بأن تعمروها بطاعة الله،
стр. 312
وأخبر ﷺ أن الشيطان يفرّ من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة، وقال: "إنها لا تطيقها البَطَلَة" أي: الشياطين، أي لا تطيق سماع سورة البقرة، فتنبهوا لبيوتكم "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً" هذا فيه العناية بالبيوت المسلمة، وأن لا تُهمل، ولا تُجلب إليها وسائل الشر والتدمير الخلقي، بل يُعتنى بها غاية الاعتناء، يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيها.
كما أن في الحديث الحث على عمارة البيوت بذكر الله فيه النهي عن الصلاة عند القبور؛ من مفهوم الحديث، لأن الذي لا يصلى عنده هو القبر، فالبيت الذي لا يصلى فيه نافلة، ولا يُقرأ فيه قرآن، ولا يُدعى فيه صار مثل القبر، لأنه ممنوع من الصلاة عنده، والدعاء عنده، فالحديث يدل بمفهومه على منع الصلاة عند القبر، ومنع الدعاء عند القبور.
الكلمة الثانية، قوله ﷺ : "ولا تجعلوا قبري عيداً" العيد: اسم لما يعود ويتكرّر في اليوم أو في الأسبوع، أو في الشهر، أو في السنّة، سمي عيداً من العود، وهو التكرّر.
والعيد ينقسم إلى قسمين: عيد زماني، وعيد مكاني.
فالعيد الزماني المشروع: عيد الفطر، وعيد الأضحى، هذه أعياد الإسلام المشروعة. والعيد الزماني الممنوع: أعياد الموالد، فهي الأعياد الزمانية المحرمة، وأعياد الجاهلية التي كانوا يعملونها في الجاهلية، أعياد الفُرس: النيروز والمهرجان، وعيد الميلاد المسيحي، بل الميلاد النصراني ولا نقول المسيحي لأن الله برّأ المسيح من هذا، وإنما هو العيد النصراني، ومثله كل عيد فعله بعض المسلمين أو المنتسبين للإسلام مما لم يشرعه الله كعيد المولد للرسول، أو المولد للشيخ، أو الموالد للعظماء، أو لغير ذلك، كل هذه أعياد جاهلية، وهي أعياد زمانية جاهلية، لا يجوز عملها.
لأن الله شرع لنا عيدين: عيد الأضحى، وعيد الفطر، وكل عيد من هذين العيدين بعد أداء ركن من أركان الإسلام، فعيد الفطر بعد أداء ركن الصيام، وعيد الأضحى بعد أداء ركن الحج وهو الوقوف بعرفة، لأن الوقوف بعرفة هو الركن
стр. 313
الأعظم للحج كما قال النبي ﷺ "الحج عرفة" وما بعده من المناسك فهي تابعة له، فمن وقف بعرفة فقد أدّى الركن الأكبر للحج، ويتبعه بقية الأركان، أما من لم يقف بعرفة فقد فاته الحج، فلا فائدة من أنه يأتي ببقية الأركان، لأنه لم يأت بالأساس وهو الوقوف بعرفة، فجعل الله عيد الأضحى شكراً لله بعد أداء الركن الأعظم من أركان الحج، هذه أعياد الإسلام الزمانية.
أما الأعياد المكانية: فهي- أيضاً- تنقسم إلى قسمين:
أعياد شرعية، وأعياد محرّمة.
الأعياد الشرعية مثل الاجتماع في المساجد في اليوم والليلة خمس مرات، فهذا عيد مكاني مشروع.
كذلك الاجتماع في الأسبوع لصلاة الجمعة؛ هذا عيد الأسبوع عيد مكاني.
وكذلك من الأعياد المكانية المشاعر: المسجد الحرام، ومنى، وعرفة، ومزدلفة، التي يجتمع فيها المسلمون أيام الحج لأداء المناسك، هذه أعياد إسلامية مكانية.
أما الأعياد المكانية المحرمة، فهي: الاجتماع عند القبور، سواء قبر الرسول ﷺ أو قبر غيره، والسفر إلى القبور، والتردد على القبور من أجل الدعاء عندها، والصلاة عندها، ولهذا قال ﷺ : "لا تجعلوا قبري عيداً" أي: مكاناً للعبادة، تصلون عنده، وتدعون عنده، وترددون عليه. وهذا من حمايته ﷺ لجناب التّوحيد، ففيه شاهد للباب من حيث إن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ قبره عيداً، أي: مكاناً يُجتمع عنده للعبادة، فالعبادة لا تُشرع عند القبور، لا قبور الأنبياء والرسل، ولا قبور غيرهم من الأولياء والصالحين أبداً، فالمقابر ليست محلاً للعبادة، فمن تردد عليها، وجلس عندها، أو وقف عندها للتبرك بها، أو للدعاء عندها، أو للصلاة عندها أو سافر إليها فقد اتخذها عيداً جاهليًّا وعيداً محرماً، ولهذا لما جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله بأنه نذر أن ينحر إبلاً ببوانة- اسم مكان-، فقال له النبي صلى الله عليه وسل: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟ " قالوا: لا، قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " يعني: مكان لاجتماع أهل
стр. 314
الجاهلية، قالوا: لا، قال: "فأوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملكه ابن آدم" والشاهد منه: أنه قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " يعني: هل هذا المكان الذي خصّصته هل كان الجاهليون يخصّصونه؟، فدلّ على أن تخصيص مكان للعبادة لم يخصصه الله ولا رسوله أنه من أعياد الجاهلية، لا تجوز العبادة فيه أبداً، ومن ذلك: القبور، فالترّدد عليها، والجلوس عندها من أجل التبرّك بتربتها، أو من أجل الدعاء عندها، أو الصلاة عندها، كل هذا من اتخاذها عيداً، وهو وسيلة من وسائل الشرك.
كما هو واقع الآن عند الأضرحة مما لا يخفاكم، وتسمعون عنه في البلاد الأخرى التي بُليت بهذه الفتنة -والعياذ بالله-، ولم تجد من دعاة التّوحيد من يقوم بنصيحة المسلمين عنها والأمر بإزالتها.
نرجو الله أن يهيء للمسلمين من يقوم بإصلاح عقيدتهم، وإزاحة هذه الفتنة العظيمة عنهم، كما منّ على هذه البلاد- ولله الحمد- بهذه الدعوة المباركة التي أزاحت عنها هذه الأوثان الجاهلية.
نسأل الله أن يثبتنا وإياكم وإخواننا المسلمين على هذا الدين، وأن يتم علينا هذه النعمة، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وإلاَّ فنحن معرضون للفتنة، ولا نزكي أنفسنا، ولا نأمن أن نصاب بمثل ما أصيب به أولئك، إذا تساهلنا وغفلنا وتركنا الدعوة إلى الله وتركنا بيان التّوحيد والتحذير من الشرك فإنه يدب إلينا ما وقع في البلاد المجاورة لنا.
الكلمة الثالثة الواردة في هذا الحديث قوله ﷺ : "وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" هذا أمر بالصلاة عليه ﷺ ، وقد أمر الله بذلك في محكم كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) ﴾ ، أمرنا الله بالصلاة والسلام على رسوله ﷺ ، وذكر سبحانه أنه هو وملائكته يصلّون عليه.
والصلاة من الله: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى. والصلاة من الملائكة: الاستغفار ومن الآدميين الدعاء كما ذكر الإمام البخاري عن أبي العالية.
стр. 315
وعن علي بن الحسين ﵁: أنه رأى رجلاً يجيء عند فُرْجة عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال:.........................
ــ
وقوله: "صلّوا عليّ" هذا أمر يفيد الوجوب، فالصلاة على النبي ﷺ مشروعة ومتأكدة، وتجب في بعض المواضع.
فتجب في الخطبتين للجمعة والعيد وخطبة الاستسقاء، وتجب الصلاة على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير في الصلاة، وكذلك تجب الصلاة على رسول الله عند ذكره ﷺ ، وتستحب في بقية الأحوال، وكلما أكثر الإنسان من الصلاة على الرسول ﷺ كثر أجره، كما قال ﷺ : "من صلّى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشراً".
قوله: "فإن صلاتكم تبلغني" فالله جل وعلا وكّل بصلاة المصلين على النبي ﷺ من يبلغ الرسول إياها وهو في قبره ﷺ ، ففي أي مكان صليت عليه فإن صلاتك تبلغه ولو كنت في المشرق أو في المغرب، وهذا من آيات الله ، أنها تبلغه الصلاة عليه في قبره ﷺ ، وهذا من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلاَّ الله .
فقوله: "فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" أي: أينما كنتم في بر، أو في بحر، قريبين أو بعيدين، في المشرق أو المغرب.
وفي هذا الحديث دليل على أنه ليس للصلاة عليه عند قبره خاصية، بل إذا قصد الإنسان القبر لأجل الصلاة عليه فهذا منهي عنه، لكن إذا قصد قبره للسلام عليه ويصلى عليه فهذا مشروع، فتسلم وتصلي على الرسول عند قبره إذا قدمت من سفر، أما أن تقصده من أجل أن تجلس أو تقف وتصلي عليه دائماً فهذا غير مشروع، لأنه مطلوب منك الصلاة والسلام عليه في أي مكان.
قال: "عن علي بن الحسين" أحد أعلام التابعين، وهو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وجدّته فاطمة بنت الرسول ﷺ ، وأبو جدّته هو رسول الله ﷺ ، فهو من بيت النبوّة، وهو يلقب بزين العابدين، وهو من كبار أئمة التابعين، رضي الله تعالى عنه.
"أنه رأى رجلاً يجيء إلى فُرْجَة كانت عند قبر النبي ﷺ " قبر الرسول ﷺ في
стр. 316
ألا أحدثكم بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ؛ فإن تسليمكم ليبلغني أين كنتم" رواه في "المختارة".
ــ
بيته، في حجرة عائشة، وفي أحد الجدران فُرْجَة، أي: نَقْبٌ في الجدار، رآه هذا الرجل، فصار يتردد، ويأتي ويدخل من هذه الفُرْجَة، ويدعو عند قبر النبي ﷺ ، فلما رآه علي بن الحسين ﵀ نهاه عن ذلك، قال له: لا تفعل هذا، لا تتردد على قبر الرسول، ولا تدع عنده. وهذا من إنكار المنكر، ولاسيما ما يؤدي إلى الشرك.
فالتردّد على قبر الرسول والدعاء عنده من وسائل الشرك به، فيجب إنكاره، ولذلك أنكر علي بن الحسين على هذا الرجل ونهاه.
ثمّ لم يكتف بهذا، بل بين الدليل والحجة على هذا الإنكار، فقال: "ألا أحدثكم حديثاً سمعته عن أبي" يعني: الحسين ﵁ "عن جدَّي" يعني: علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً" هذا مثل ما في حديث أبي هريرة السابق ومعنى اتخاذ القبر عيداً: بأن يُتردّد عليه، ويجتمع عنده لأجل الدعاء أو التبرك أو الصلاة على الرسول ﷺ .
فهذا مثل حديث أبي هريرة الذي قبله إلاَّ أنه زاد عليه: الإنكار على من يأتي ويدعو عند قبر الرسول ﷺ ، فهو يعد مفسّراً لحديث أبي هريرة، يبين معنى اتخاذه عيداً، وأنه يكون في الدعاء عنده، والتردّد عليه.
ثم قال: "رواه في المختارة" المختارة: كتاب اسمه: الأحاديث الجياد المختارة" ومؤلفه هو: عبد الله بن محمَّد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي، ألّف هذا الكتاب، وجمع فيه الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين، فهو كالمستدرك، لكنها أحسن من "مستدرك الحاكم".
ما يُستفاد من الآية الكريمة ومن الحديثين:
أولاً: يستفاد من الآية: امتنان الله على هذه الأمة ببعثة هذا الرسول ﷺ ، وهي نعمة عظيمة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو
стр. 317
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ، هذه أعظم منّة على الخلق، لأنه ببعثة هذا الرسول واتباعه خرجوا من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن النار إلى الجنة.
المسألة الثانية: في الآية دليل على صفات عظيمة من صفاته ﷺ :
الصفة الأولى: ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ .
الثانية: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ .
الثالثة: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ .
الرابعة: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ﴾ .
الخامسة: ﴿رَحِيمٌ﴾ .
خمس صفات من صفاته ﷺ .
المسألة الثالثة: في الحديث دليل على أنه ﷺ قد سدّ الطريق المُفضية إلى الشرك، بمقتضى هذه الصفات العظيمة التي ذكرها الله جل وعلا فيه، ولهذا جاء في الحديث أنه ﷺ قال: "ما تركت شيئاً مما يقربكم إلى الله إلاَّ وبينته لكم، وما تركت شيئاً يُبعدكم عن الله إلاَّ وبينته لكم" أو كما قال ﷺ ، ويقول أبو ذر: "لقد توفي رسول الله وما طائر يقلب جناحيه إلاَّ وذكر لنا منه علماً، علمه من علمه، وجهله من جهله"، والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ ، فلا يمكن أنه يترك النّاس ولا يبين لهم أعظم خطر عليهم وهو الشرك.
المسألة الرابعة: حديث أبي هريرة يدلّ على وجوب العناية بالبيوت- بيوت المسلمين- وعمارتها بالعبادة، وإبعاد وسائل الشر عنها، وهذه مسألة عظيمة يجب التنبه لها في هذا الزمان أكثر من غيره.
المسألة الخامسة: فيه أن القبور لا تصلح للصلاة عندها من مفهوم حديث أبي هريرة، فدلّ على أن القبور لا تصلح للصلاة عندها، وللدعاء، ولا للعبادة، وإنما هذا إما أن يكون في بيوت المسلمين إذا كان نافلة وإما أن يكون في بيوت الله المساجد إذا كان فريضة.
المسألة السادسة: في حديث أبي هريرة النهي عن التردد على قبره ﷺ ، والقيام
стр. 318
أو الجلوس عنده، والدعاء والصلاة ﷺ ، لأن هذا من اتخاذه عيداً، فقد نهى عنه رسول الله ﷺ .
المسألة السابعة: في حديث أبي هريرة أن الرسول سدّ الطريق المُفضية إلى الشرك، بنهيه عن اتخاذ قبره عيداً، لأن هذا من وسائل الشرك، ومن الطرق الموصلة إلى الشرك.
المسألة الثامنة: في حديث أبي هريرة مشروعية الصلاة عليه ﷺ في أي مكان.
المسألة التاسعة: في الحديث النهي عن التردّد على قبر الرسول ﷺ من أجل الصلاة عليه والسلام عليه، لأن هذا وسيلة إلى الشرك، ومن اتخاذه عيداً، ولهذا ما كان الصحابة ﵃ كلما دخلوا المسجد يذهبون إلى قبر الرسول ليسلموا عليه أو يصلوا عليه، أبداً، إنما يفعلون هذا إذا جاءوا من سفر فقط، لأنك إذا أكثرت التردّد عليه صار من اتخاذه عيداً.
المسألة العاشرة: في حديث علي بن الحسين ﵀ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، لأنه لما رأى هذا الرجل وما يفعله من وسائل الشرك لم يسكت على هذا، بل نهاه عن ذلك، وحذّره من ذلك، وكان في ذلك الخير والبركة لهذه الأمة.
المسألة الحادية عشرة: في الحديث دليل على أن من أنكر شيئاً أو أمر بشيء فإنه يُطالب بالدليل، لأن علي بن الحسين لما نهى هذا الرجل ذكر له الدليل عن رسول الله ﷺ ، من أجل إقامة الحجة، ومن أجل معرفة الحق بدليله، وهذا منهج من مناهج الدعوة: أن الداعية إلى الله إذا أمر بشيء أو نهى عن شيء يذكر الدليل ويوضحه للناس من أجل أن يقتنعوا، ومن أجل أن تقوم الحجة على المخالف.
المسألة الثانية عشرة: في عموم الآية والحديثين أن النبي ﷺ سدّ الطرق المُفضية إلى الشرك، وهو الشاهد للباب من الآية والحديثين.
المسألة الثالثة عشرة: في الحديثين دليل على أن الرسول ﷺ تبلغه صلوات أمته عليه في أي مكان كانوا من الأرض، وهذا مما يحث المسلمين على الإكثار من الصلاة والسلام عليه، لأن هذا يبلغه ﷺ ، وقد قال ﷺ : "من صلّى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشراً".
стр. 319
وفي الصلاة على الرسول ﷺ أُلّفت كتب، منها-أو من أحسنها- كتاب: "جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام" للإمام ابن القيم، فهو كتاب جيد في هذا الموضوع، حيث جمع فيه الأدلة وفقهها، وما تدل عليه، وبسط الكلام في هذا.
أما الكتب التي أُلفت في الصلاة والسلام عليه، والتبرّك به، والتوسل به، مثل كتاب "دلائل الخيرات"، ومثل كتب الخرافيين؛ فهذه يجب الحذر منها، وإن سموها كتب الصلاة على الرسول ﷺ ، فإنهم دسوا فيها من الشرور والفتن والشركيّات الشيء الكثير- والعياذ بالله-.
وكذلك صلاة الفاتح عند التيجانية- أيضاً- هي من الأمور المحدثة، وفيها غلو في حقه ﷺ ، وهي صلاة لا دليل عليها من كتاب الله ولا من سنة نبيه ﷺ ، إنما من أراد أن يعرف أحكام الصلاة عليه وأدلتها مع الأمانة العلمية فيراجع كتاب "جلاء الأفهام" للإمام ابن القيّم، هذا هو الكتاب الذي يستفيد منه طالب العلم، ويأمن من الدسّ الذي في الكتب الأخرى.
стр. 320
[الباب الثالث والعشرون:]
*بابُ ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
ــ
قوله ﵀: "باب ما جاء" أي: من الأدلة في الكتاب والسنّة.
"أن بعض هذه الأمة" يعني: وليس كلها، فالأمة لا تجتمع على ضلالة- ولله الحمد-، بل يبقى فيها من يثبت على الحق، كما قال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله "، فهذه الأمة لا تضل كلها، وإنما يضل الكثير، ولكن يبقى من هذه الأمة من يثبت على الحق إلى أن تقوم الساعة. فهذا من فضل الله ورحمته.
ولهذا قال المصنف ﵀: "أن بعض هذه الأمة"، وهذا من دقة فقهه ﵀، وعدم تسرعه في الأحكام، بخلاف الذين يكفرون عوام الأمة كما عليه بعض الكتاب المعاصرين.
"يعبد الأوثان" أي: يشرك بالله ، والأوثان- كما سبق-: جمع وثن، والمراد به: كل ما عبد من دون الله من صنم، أو قبر، أو حجر، أو شجر، أو جن، أو إنس، كله يسمّى وثناً؛ فالوثن كل ما عبد من دون الله؛ مأخوذ من وثن بالمكان إذا ثبت وبقي فيه.
وقصد الشَّيخ ﵀ من هذه الترجمة: الرد على من زعم أنه لا يقع في هذه الأمة شرك، وهم عباد القبور يقولون: هذا الذي نعمله ليس بشرك، لأن هذه الأمة لا يقع فيها شرك؟ وإنما هو من باب التوسل بالصالحين، أو محبة الصالحين، أو ما أشبه ذلك من الأعذار الباردة.
وهذه مقالة المشركين الأولين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ ، لكن هؤلاء- والعياذ بالله- يقرأون القرآن ولا يفقهون معناه، أو يعرفون معناه، ويغالطون ويكابرون تبعاً لهواهم.
следующие страницы →