ألا أحدثكم بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ؛ فإن تسليمكم ليبلغني أين كنتم" رواه في "المختارة".
ــ
بيته، في حجرة عائشة، وفي أحد الجدران فُرْجَة، أي: نَقْبٌ في الجدار، رآه هذا الرجل، فصار يتردد، ويأتي ويدخل من هذه الفُرْجَة، ويدعو عند قبر النبي ﷺ ، فلما رآه علي بن الحسين ﵀ نهاه عن ذلك، قال له: لا تفعل هذا، لا تتردد على قبر الرسول، ولا تدع عنده. وهذا من إنكار المنكر، ولاسيما ما يؤدي إلى الشرك.
فالتردّد على قبر الرسول والدعاء عنده من وسائل الشرك به، فيجب إنكاره، ولذلك أنكر علي بن الحسين على هذا الرجل ونهاه.
ثمّ لم يكتف بهذا، بل بين الدليل والحجة على هذا الإنكار، فقال: "ألا أحدثكم حديثاً سمعته عن أبي" يعني: الحسين ﵁ "عن جدَّي" يعني: علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً" هذا مثل ما في حديث أبي هريرة السابق ومعنى اتخاذ القبر عيداً: بأن يُتردّد عليه، ويجتمع عنده لأجل الدعاء أو التبرك أو الصلاة على الرسول ﷺ .
فهذا مثل حديث أبي هريرة الذي قبله إلاَّ أنه زاد عليه: الإنكار على من يأتي ويدعو عند قبر الرسول ﷺ ، فهو يعد مفسّراً لحديث أبي هريرة، يبين معنى اتخاذه عيداً، وأنه يكون في الدعاء عنده، والتردّد عليه.
ثم قال: "رواه في المختارة" المختارة: كتاب اسمه: الأحاديث الجياد المختارة" ومؤلفه هو: عبد الله بن محمَّد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي، ألّف هذا الكتاب، وجمع فيه الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين، فهو كالمستدرك، لكنها أحسن من "مستدرك الحاكم".
ما يُستفاد من الآية الكريمة ومن الحديثين:
أولاً: يستفاد من الآية: امتنان الله على هذه الأمة ببعثة هذا الرسول ﷺ ، وهي نعمة عظيمة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو
стр. 317
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ، هذه أعظم منّة على الخلق، لأنه ببعثة هذا الرسول واتباعه خرجوا من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن النار إلى الجنة.
المسألة الثانية: في الآية دليل على صفات عظيمة من صفاته ﷺ :
الصفة الأولى: ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ .
الثانية: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ .
الثالثة: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ .
الرابعة: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ﴾ .
الخامسة: ﴿رَحِيمٌ﴾ .
خمس صفات من صفاته ﷺ .
المسألة الثالثة: في الحديث دليل على أنه ﷺ قد سدّ الطريق المُفضية إلى الشرك، بمقتضى هذه الصفات العظيمة التي ذكرها الله جل وعلا فيه، ولهذا جاء في الحديث أنه ﷺ قال: "ما تركت شيئاً مما يقربكم إلى الله إلاَّ وبينته لكم، وما تركت شيئاً يُبعدكم عن الله إلاَّ وبينته لكم" أو كما قال ﷺ ، ويقول أبو ذر: "لقد توفي رسول الله وما طائر يقلب جناحيه إلاَّ وذكر لنا منه علماً، علمه من علمه، وجهله من جهله"، والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ ، فلا يمكن أنه يترك النّاس ولا يبين لهم أعظم خطر عليهم وهو الشرك.
المسألة الرابعة: حديث أبي هريرة يدلّ على وجوب العناية بالبيوت- بيوت المسلمين- وعمارتها بالعبادة، وإبعاد وسائل الشر عنها، وهذه مسألة عظيمة يجب التنبه لها في هذا الزمان أكثر من غيره.
المسألة الخامسة: فيه أن القبور لا تصلح للصلاة عندها من مفهوم حديث أبي هريرة، فدلّ على أن القبور لا تصلح للصلاة عندها، وللدعاء، ولا للعبادة، وإنما هذا إما أن يكون في بيوت المسلمين إذا كان نافلة وإما أن يكون في بيوت الله المساجد إذا كان فريضة.
المسألة السادسة: في حديث أبي هريرة النهي عن التردد على قبره ﷺ ، والقيام
стр. 318
أو الجلوس عنده، والدعاء والصلاة ﷺ ، لأن هذا من اتخاذه عيداً، فقد نهى عنه رسول الله ﷺ .
المسألة السابعة: في حديث أبي هريرة أن الرسول سدّ الطريق المُفضية إلى الشرك، بنهيه عن اتخاذ قبره عيداً، لأن هذا من وسائل الشرك، ومن الطرق الموصلة إلى الشرك.
المسألة الثامنة: في حديث أبي هريرة مشروعية الصلاة عليه ﷺ في أي مكان.
المسألة التاسعة: في الحديث النهي عن التردّد على قبر الرسول ﷺ من أجل الصلاة عليه والسلام عليه، لأن هذا وسيلة إلى الشرك، ومن اتخاذه عيداً، ولهذا ما كان الصحابة ﵃ كلما دخلوا المسجد يذهبون إلى قبر الرسول ليسلموا عليه أو يصلوا عليه، أبداً، إنما يفعلون هذا إذا جاءوا من سفر فقط، لأنك إذا أكثرت التردّد عليه صار من اتخاذه عيداً.
المسألة العاشرة: في حديث علي بن الحسين ﵀ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، لأنه لما رأى هذا الرجل وما يفعله من وسائل الشرك لم يسكت على هذا، بل نهاه عن ذلك، وحذّره من ذلك، وكان في ذلك الخير والبركة لهذه الأمة.
المسألة الحادية عشرة: في الحديث دليل على أن من أنكر شيئاً أو أمر بشيء فإنه يُطالب بالدليل، لأن علي بن الحسين لما نهى هذا الرجل ذكر له الدليل عن رسول الله ﷺ ، من أجل إقامة الحجة، ومن أجل معرفة الحق بدليله، وهذا منهج من مناهج الدعوة: أن الداعية إلى الله إذا أمر بشيء أو نهى عن شيء يذكر الدليل ويوضحه للناس من أجل أن يقتنعوا، ومن أجل أن تقوم الحجة على المخالف.
المسألة الثانية عشرة: في عموم الآية والحديثين أن النبي ﷺ سدّ الطرق المُفضية إلى الشرك، وهو الشاهد للباب من الآية والحديثين.
المسألة الثالثة عشرة: في الحديثين دليل على أن الرسول ﷺ تبلغه صلوات أمته عليه في أي مكان كانوا من الأرض، وهذا مما يحث المسلمين على الإكثار من الصلاة والسلام عليه، لأن هذا يبلغه ﷺ ، وقد قال ﷺ : "من صلّى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشراً".
стр. 319
وفي الصلاة على الرسول ﷺ أُلّفت كتب، منها-أو من أحسنها- كتاب: "جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام" للإمام ابن القيم، فهو كتاب جيد في هذا الموضوع، حيث جمع فيه الأدلة وفقهها، وما تدل عليه، وبسط الكلام في هذا.
أما الكتب التي أُلفت في الصلاة والسلام عليه، والتبرّك به، والتوسل به، مثل كتاب "دلائل الخيرات"، ومثل كتب الخرافيين؛ فهذه يجب الحذر منها، وإن سموها كتب الصلاة على الرسول ﷺ ، فإنهم دسوا فيها من الشرور والفتن والشركيّات الشيء الكثير- والعياذ بالله-.
وكذلك صلاة الفاتح عند التيجانية- أيضاً- هي من الأمور المحدثة، وفيها غلو في حقه ﷺ ، وهي صلاة لا دليل عليها من كتاب الله ولا من سنة نبيه ﷺ ، إنما من أراد أن يعرف أحكام الصلاة عليه وأدلتها مع الأمانة العلمية فيراجع كتاب "جلاء الأفهام" للإمام ابن القيّم، هذا هو الكتاب الذي يستفيد منه طالب العلم، ويأمن من الدسّ الذي في الكتب الأخرى.
стр. 320
[الباب الثالث والعشرون:]
*بابُ ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
ــ
قوله ﵀: "باب ما جاء" أي: من الأدلة في الكتاب والسنّة.
"أن بعض هذه الأمة" يعني: وليس كلها، فالأمة لا تجتمع على ضلالة- ولله الحمد-، بل يبقى فيها من يثبت على الحق، كما قال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله "، فهذه الأمة لا تضل كلها، وإنما يضل الكثير، ولكن يبقى من هذه الأمة من يثبت على الحق إلى أن تقوم الساعة. فهذا من فضل الله ورحمته.
ولهذا قال المصنف ﵀: "أن بعض هذه الأمة"، وهذا من دقة فقهه ﵀، وعدم تسرعه في الأحكام، بخلاف الذين يكفرون عوام الأمة كما عليه بعض الكتاب المعاصرين.
"يعبد الأوثان" أي: يشرك بالله ، والأوثان- كما سبق-: جمع وثن، والمراد به: كل ما عبد من دون الله من صنم، أو قبر، أو حجر، أو شجر، أو جن، أو إنس، كله يسمّى وثناً؛ فالوثن كل ما عبد من دون الله؛ مأخوذ من وثن بالمكان إذا ثبت وبقي فيه.
وقصد الشَّيخ ﵀ من هذه الترجمة: الرد على من زعم أنه لا يقع في هذه الأمة شرك، وهم عباد القبور يقولون: هذا الذي نعمله ليس بشرك، لأن هذه الأمة لا يقع فيها شرك؟ وإنما هو من باب التوسل بالصالحين، أو محبة الصالحين، أو ما أشبه ذلك من الأعذار الباردة.
وهذه مقالة المشركين الأولين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ ، لكن هؤلاء- والعياذ بالله- يقرأون القرآن ولا يفقهون معناه، أو يعرفون معناه، ويغالطون ويكابرون تبعاً لهواهم.
стр. 321
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ .
............................................................................................
ــ
قال: "وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ، هذا استفهام تقرير، أي: قد رأيت وعلمت يا محمَّد.
" ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ﴾ " أي: حظّاً من الكتاب فالنصيب: الحظ؛ والمراد بهم اليهود، لأن الله أعطاهم التوراة التي أنزلها على موسى- ﵊ من عند الله، فهو كتاب عظيم من عند الله.
وهذا من باب الإنكار عليهم، لأن المفروض أن الذي أوتي نصيباً من الكتاب وعلم الحق يجب عليه أن يعمل به: فكونهم يخالفون الحق - وعندهم الكتاب- هذا دليل على غِلظ كفرهم وعنادهم.
" ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ﴾ " أي: يصدقون بالجبت، وهو الشرك، أو السحر، أو الساحر، أو الكاهن، أو الشيطان، كل ذلك يسمى جبتاً.
" ﴿وَالطَّاغُوتِ﴾ " في اللغة: مأخوذ من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد؛ والمراد به هنا: ما تجاوز به العبد حدّه من معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة"الله، كله طاغوت.
ويقول العلامة ابن القيم: "الطواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسة: إبليس- لعنه الله- ومن عُبد وهو راض. ومن دعا النّاس إلى عبادة نفسه. ومن ادعى شيئاً من علم الغيب. ومن حكم بغير ما أنزل الله".
" ﴿وَيَقُولُونَ﴾ " أي: يقول هؤلاء اليهود.
" ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " وهم مشركوا قريش ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ أي: هؤلاء الكفار أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أي: منهج الكفار أهدى من منهج المسلمين المتبعين لمحمد ﷺ . وهذا وهم عندهم الكتاب، ويعرفون الحق من الباطل.
وسبب ذلك: أن الرسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وبايعه الأنصار من الأوس والخزرج، وصارت للمسلمين دولة عظيمة في المدينة، اغتاظ اليهود الذين
стр. 322
كانوا في المدينة من المسلمين، وضاقوا بهم ذرعًا، فذهب كعب بن الأشرف وحيّي بن أخطب إلى المشركين في مكة يستنجدونهم على قتال الرسول ﷺ وأصحابه، فانتهز المشركون الفرصة وقالوا: أنتم أهل كتاب، تعرفون الحق من الباطل، بينوا لنا أنحن أهدى أم محمّد؟، فقالوا: وما أنتم وما محمّد؟ يعني: بينوا لنا صفتكم وصفة محمّد-، قالوا: محمَّد صنبور مبتور، قطّع أرحامنا وسب آلهتنا. ونحن نذبح الكوم، ونطعم الحجيج، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، ونصل الأرحام. يصفون أنفسهم بهذه الصفات.
ومحمد قطع أرحامنا، وتبعه سراق الحجيج من غفار.
قالوا: أنتم خيرٌ وأهدى سبيلاً.
والشاهد من الآية للباب: أنه إذا كان في اليهود من يؤمن بالجبت والطاغوت فسيكون في هذه الأمة من يفعل ذلك تشبّهاً بهم، لأن الرسول ﷺ خبر أنه يكون في هذه الأمة من يتشبه باليهود والنصارى، ومن ذلك: التشبه بهم في الإيمان بالجبت والطاغوت.
وكذلك يوجد في هذه الأمة من يمجّد الكفار، وينتقّص المسلمين، كما كان اليهود يقولون: ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ، فمن النّاس من يثني اليوم على دول الكفر والإلحاد، ويصفهم بصفات الكمال والعظمة، ويتنقص المسلمين، ويصفهم بالتأخر والرجعية، إلى آخره، فهذا شيء موجود.
فدلّ على أن هذه الأمة يقع فيها ما وقع في اليهود من الإيمان بالجبت والطاغوت، ومن الشرك بالله .
وكل ما وقع في اليهود أو في النصارى فإنه سيقع في هذه الأمة من بعض أفرادها أو طوائفها من يفعله تشبّهاً بهم، فها هي الأضرحة، والبناء على القبور، والطواف بها، وإقامة الموالد، والاستغاثة بالأموات، والذبح والنذر لهم موجود، كما كان في اليهود.
وهذا الشاهد من الآية للترجمة.
стр. 323
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ .
ــ
قال: "وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ تمام الآية: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ، هذه الآية في الرد على الذين يسخرون من المسلمين ومن دينهم من اليهود والنصارى والوثنيين.
يقول تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: أخبركم والاستفهام هنا المراد به: التقرير والتوبيخ.
" ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ ": الذي زعمتم فينا.
" ﴿مَثُوبَةً﴾ " منصوب على التمييز، يعني جزاء عند الله .
" ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ﴾ " أي: طرده وأبعده من رحمته بسبب كفره، وهو أنتم أيها اليهود والنصارى.
" ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ " والغضب ضد الرضا، فالله جلّ وعلا يرضى عق عباده المؤمنين ويغضب على الكافرين، وغضبه لا يقوم له شيء، والمغضوب عليهم هم الذين عندهم علم ولم يعملوا به، لأنهم عصوا الله على بصيرة.
" ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ " مسخهم قردة وخنازير، بسبب كفرهم.
والشاهد في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ دلّ على أن في أهل الكتاب من يعبد كل الطاغوت، فلا بد أن يكون في هذه الأمة من يتشبّه بهم ويعبد الطاغوت.
فالآية الأولى فيها: أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، وهذه الآية فيها أن فيهم من عبد الطاغوت، فلا بد أن يكون من هذه الأمة من يتشبّه بهم في ذلك.
قال: "وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ هذا في قصة أصحاب الكهف، وذلك أن جماعة من الفِتيان في الزمان القديم آمنوا بالله، وأنكروا ما عليه أهل بلدهم من الشرك بالله، فلما ماتوا بنى قومهم عليهم مسجداً لأجل التبرك بهم.
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ فقالوا: هؤلاء رجال
стр. 324
عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟، قال: "فمن؟ " أخرجاه.
ــ
صالحون، فيهم بركة، فيهم خير، نبني عليهم مسجداً من أجل التبرُّك بهم، والصلاة عندهم، والدعاء عندهم، لأنهم من أولياء الله، ونفّذوا ذلك بقوة السلطة لا بقوة الحجة، لأنهم غلبوا على أمرهم، أي: تمكنوا من تنفيذ ما أرادوا بقوتهم.
فالشاهد من الآية: أنه كان في أول الخليقة من يبني المساجد على القبور، فلا بدّ أن يكون في هذه الأمة من يبني المساجد على القبور، تشبُّهاً بهم، وقد وقع هذا، ووُجِد في هذه الأمة من يبني المساجد على القبور، فدلّ على وقوع الشرك في هذه الأمة كما وقع في الأمم السابقة عن طريق التشبُّه والمحاكاة.
قوله: "عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن،" سبق أن اللاّم هذه لام قسم، فهي على تقدير: والله لتتّبعن، وأكّده بالنون الثقيلة.
"سنن" أي: طريق.
فالسَّنن- بالفتح-: الطريق، أما السُّنن- بالضم- فهي جمع: سنَّة، وهي الطرق. فمن قرأه سَنَن فالمراد به: الطريق، وهذا هو المشهور.
ومن قرأه سُنَن فالمراد به: جمع: سُنّة وهي: الطرق.
والمعنى واحد.
"حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة" حَذْوَ: منصوب على الحال، والقُذَّة: ريشة السهم الذي يُرمى به، والمعنى: تُشبونهم كما أشبهت ريشة السهم ريشة السهم الأخرى.
"حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه" الجُحر- بالضم- هو: السَّرَب الذي يكون في الأرض، ومنه جُحر الضب، لأنه يحفر جحراً من أعسر الجحور، ومع هذا لو دخله اليهود والنصارى لكان في هذه الأمة من يفعل ذلك تقليداً لهم.
وقد وقع ما أخبر به ﷺ ، فالتقليد والتشبه بالكفار قائم على قدم وساق بأتفه الأشياء وأحقر الأشياء، لا لشيء إلاَّ لأنهم يفعلونه، والمقلد يرى أنهم أهل العقول، وأنهم أهل التقدم والحضارة، فيقلدهم من أجل ذلك.
стр. 325
وهذا الحديث خبر بمعنى النهي، أي: لا تتشبّهوا بهم، ولا تقلّدوهم، وقد جاء النهي عن التشبّه بهم بقوله: "لا تشبّهوا باليهود والنصارى"، وقوله: "ومن تشبه بقوم فهو منهم".
والشاهد من هذا الحديث واضح: أنه يكون في هذه الأمة من يتشبّه باليهود والنصارى في كل شيء، واليهود والنصارى يعملون الشرك فلا بد أن يوجد في هذه الأمة من يعمل الشرك مثلهم سواء بسواء.
نعم، اليهود والنصارى بنوا على القبور، فيؤخذ في هذه الأمة من يبني على القبور تشبُّهاً بهم، والنصارى يعملون عيد المولد للمسيح ﵇ فيُوجد في هذه الأمة من يعمل عيد المولد لمحمد ﷺ تشبُّهاً بالنصارى.
كما وُجد في اليهود والنصارى من يحلق لحيته ويُوَفِّر شاربه، فوُجد من هذه الأمة من يحلق لحيته ويوفّر شاربه، إلى غير ذلك من أنواع التشبُّه التي لا تُحصى مصداقاً لقوله من باب التحذير والنهي: "لتتبعن سَنن من كان قبلكم حَذْو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه".
فالشاهد منه: أنه لا بد أن يوجد في هذه الأمة من يتشبّه باليهود والنصارى في الشرك بالله ، كما أنهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ فلا بدّ أن يوجد في هذه الأمة من يغلو بالأئمة، ويتخذهم أرباباً من دون الله، كما عند الصوفية الذين يتخذون رؤساء الطرق والمشايخ أرباباً من دون الله، يحلّلون ويحرّمون، ويقولون: المريد ينبغي أن يكون مع الشَّيخ كالميّت بين يدي غاسله. وكذلك من يتعصّب لشيخه ولو خالف الدليل إلى غير ذلك.
أما فقه هذه النصوص، فإنها تدلّ على مسائل كثيرة:
المسألة الأولى: في الآية الأولى دليل على أن من اليهود والنصارى من والطاغوت، الذي هو: الشرك، والسحر، والكِهانة، والطِّيرَة، والتّنجيم، والحكم بغير ما أنزل الله. فسيوجد في هذه الأمة من يؤمن بالجبت والطاغوت؛ تشبُّهاً بهم.
المسألة الثانية: في الآية دليل على أن الموافقة لهم في الظاهر تسمّى إيماناً
стр. 326
ولو لم يوافقهم في الباطن، لأن اليهود لما قالوا كفّار قريش: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً. هم في الباطن يعتقدون بُطلان هذا الكلام، لكنهم وافقوهم في الظاهر ليحصلوا على مناصرتهم لهم، ومع هذا سمّى الله هذا إيماناً بالجبت والطاغوت.
فالذي يمدح الكفر والكفار ولو بلسانه، ويفضّل الكفر والكفار على المؤمنين؛ يُعتبر مؤمناً بالجبت والطاغوت، ولو كان قلبه لا يوافق على هذا؛ ما لم يكن مُكرهاً، ففيه رد على مرجئة هذا العصر الذين يقولون: إن من تكلم بكلام الكفر لا يكفر حتى يعتقد بقلبه صحة ما يقول.
وهذه دقيقة عظيمة ذكرها الشَّيخ في المسائل، وهي عظيمة جداً.
المسألة الثالثة: في الآية الثانية بيان أن في أهل الكتاب من عبد الطاغوت، بمعنى: أنه دعا غير الله، أو ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، فلا بد أن يكون في هذه الأمة من يعبد الطاغوت تشبُّهاً بهم.
ففيه الرد على من زعم أنه لا يقع في هذه الأمة شرك، لأن الحديث يدلّ على أنه يوجد من يتشبّه باليهود والنصارى في عبادة الطاغوت التي منها عبادة القبور والأضرحة، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله، ومنها الشيء الكثير الذي كله من عبادة الطاغوت.
المسألة الرابعة: في الآية الثانية دليل على ذكر عيوب المردود عليه، وذلك في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ففيه ذكر معائب المردود عليه حتى يَخْتَزِى ويُفْحَم في الخصومة.
المسألة الخامسة: في الآية رد على من يقول: إنه ينبغي ذكر محاسن المردود عليه وهو ما يسمونه بالموازنات.
وذكر محاسن الطوائف الضالّة والأشخاص الضالين من المبتدعة وغيرهم، ووجه الرد: أن الله ذكر في هذه الآية معايبهم، ولم يذكر لهم شيئاً من المحاسن.
ففي الآية ردٌّ صريح على هذه المقالة التي يراد منها السكوت عن البدع والخرافات أو ذكر محاسن المبتدعة والمخالفين للحق.
стр. 327
ولمسلم عن ثوبان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زَوَى ليَ الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها.
ــ
المسألة السادسة: في الآية الثالثة دليل على أنه كان في الأمم السابقة من يبني المساجد على القبور، فلا بد أن يوجد في هذه الأمة من يبني المساجد على القبور وقد وقع هذا.
ففيه ردٌّ على من زعم أنه لا يقع في هذه الأمة شرك، ووجه الرد: لأن بناء المساجد على القبور وسيلة إلى الشرك.
المسألة السابعة: في الحديث دليل على معجزة من معجزاته ﷺ ، حيث أخبر أنه سيكون في هذه الأمة من يتشبّه باليهود والنصارى، وقد وقع كما أخبر ﷺ .
المسألة الثامنة: في الحديث دليل على تحريم التشبّه باليهود والنصارى، لأن الحديث خبرٌ معناه النهي والإنكار على من فعل ذلك.
المسألة التاسعة: في الحديث دليل للتّرجمة: أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، لأن في اليهود والنصارى من يعبد الأوثان، فلا بد أن يوجد في هذه الأمة من يتشبّه بهم فيعبد الأوثان، كما هو واقع وحاصل في عبادة القبور والأضرحة الآن لا بكثرة وعلى مَسْمع من علماء المسلمين ومرأى ولم ينكر ذلك الكثير منهم، بل بعضهم أجازه وشجع عليه.
ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.
هذا حديث عظيم فيه أمور مخيفة، وفيه أخبار عظيمة، وفيه بشارة:
فقوله: "عن ثوبان، ثوبان هو: مولى رسول الله ﷺ ، والمولى معناه ث العتيق، لازم الرسول ﷺ ، وله فضائل كثيرة ﵁.
"أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زَوَى ليَ الأرض" يعني: جمعها، وحواها وطواها له ﷺ حتى صارت حجماً صغيراً، يرى النبي ﷺ أطرافه ما بعُد منها وما قرُب، والله قادر على كل شيء.
أو أن المراد- والله أعلم- أنه قوّى بصر رسوله ﷺ فصار يري كل الأرض مشارقها ومغاربها، كما حصل له ﷺ لما سأله المشركون عن بيت المقدس، حيث
стр. 328
وأُعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض.
ــ
قوّى بصر رسوله فصار ينظر إلى بيت المقدس وهو في مكّة يخطب في المشركين، ويصف لهم المسجد عن معاينة ومشاهدة، حتى ذكر لهم علاماته والأشياء التي يعرفونها فيه، وحتى إنه أخبرهم عن عيرهم التي في الطريق التي كانوا ينتظرونها، أخبرهم أين هي؟.
"فرأيت مشارقها ومغاربها" رأى المشرق والمغرب وجمعها لكثرة الطالع والغارب من الكواكب.
"وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زَوَى لي منها" بالبناء على الفاعل وهو الله ، أو "ما زُوِي لي منها" بالبناء للمفعول، والفاعل هو الله .
ولم يذكر ﷺ الشمال والجنوب من الأرض لقلة سكانها ولأن هذا لم تبلغه الفتوحات، وإنما الفتوحات امتدّت من المشرق إلى المغرب.
"وإن أمتي سيبلغ ملكها" هذا خبر عن المستقبل، وهو لا ينطق عن الهوى ﷺ .
ففيه دليل من أدلّة نبوّته ﷺ .
الدّليل الأول: زَوي الأرض له. هذا دليل على نبوّته.
الدليل الثاني: أنه أخبر عن ملك أمته، وأنه سيتّسع ويبلغ المشرق والمغرب في يوم أن كان ملك المسلمين في المدينة وما حولها فقط.
فهذا من علامات نبوّته ﷺ .
وقد وقع كما أخبر، فانتشرت الفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية وبني العباس حتى سقطت دولة الفُرْس بالمشرق، وسقطت دولة الروم بالمغرب، وامتدّ سلطان المسلمين في الشرق إلى أن وصل السّند، وفي المغرب إلى أن وصل إلى طَنْجَة في أقصى المغرب، بل امتدّ إلى أن وصل إلى جبال البَرَانِس وهي حدود فرنسا، حيث دخلت الأندلس في الخلافة الأمويّة في ملك المسلمين، وهذا مِصْداق لخبره ﷺ : "وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها".
"وأُعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض" المراد بالكنزين: الأموال النّفيسة، "الأحمر": الذهب، "والأبيض": الفضة، وهذا عبارة عن أموال الفرس والروم. فأموال الفرس من الذهب، وأموال الروم من الفضة، أو العكس، قولان في المسألة.
стр. 329
وإني سألت ربي لأمتي أن لا يُهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم.
وإن ربي قال: يا محمَّد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُرد، وإني أعطيتك لأمتك: أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من
ــ
وقد وقع ما أخبر به ﷺ ، فقد جيء بأموال الفرس والروم في خلافة عمر بن الخطاب، ووزّعت بين المسلمين في المدينة، حتى إنه جيء بتاج كسرى الذي يلبسه على رأسه، وجيء بسواريه الذين يلبسهما في يديه، وهذا مصداق ما أخبر به ﷺ .
وقوله: "وإني سألت ربي لأمتي" هذا من شفقته ﷺ بأمته.
"أن لا يهلكها بسنة بعامة" المراد بالسنة: الجُدْب، أي: لا يعمّ الجدب والقحط كل بلاد المسلمين، فتَهلك أموالهم وزروعهم وما يأكلون منه، فالسنّة المراد بها: الجَدْب كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ يعني: بالجَدْب.
دعا النبي ﷺ ربه أن لا يُنزل الجَدْب والقَحْط على أمة محمَّد كلهم، لأنه إذا نزل بهم كلهم هلكوا.
وقوله: "وأن لا يسلط عليهم عدَوّاً من سوى أنفسهم" يعني: من الكفار، أي: لا يسلط الكفار على المسلمين.
"فيستبيح بيضتهم" البيضة: الحوزة، يعني: لا يستبيح الكفار حوزة المسلمين وبلادهم، أو المراد بالبيضة اجتماع الكلمة. والمعنى عام ومعناه: لا يستبيح بلادهم وجماعتهم.
"وإن ربي قال: يا محمَّد" هذه إجابة الله لدعوة رسوله ﷺ .
"إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يردّ" إذا قدّر الله قدراً فلا بد من نفاذه، فأقدار الله نافذة في المسلمين والكفّار وعموم الناس، لا أحد يستطيع رد القضاء والقدر، فهذا فيه إثبات القدر، وأن قدر الله نافذ، لا يستطيع أحد رده.
"وإني أعطيتك لأمتك: أن لا أهلكهم بسنة بعامة" استجاب الله الدعوة الأولى مطلقاً، وأنه سبحانه لا ينزل قحطاً عامًّا للبلاد كلها، وإنما ينزل القحط في بعض البلاد دون بعض بخلاف الأمم السابقة، فإن الله ينزل القحط العام عليهم فيضرهم،
стр. 330
سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً، ويَسْبي بعضهم بعضاً".
ــ
كما حصل لقوم فرعون، أما هذه الأمة لكرامتها على الله فإن الله لا ينزل عليها القحط العام.
"وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً" استجاب الله له الدعوة الثانية استجابة معلّقة، يعني: ما دامت أمتك مجتمعة على الحق كلمتها واحدة، فإن الله لا يسلّط عليهم عدوًّا من الكفار، أما إذا حصل في الأمة افتراق كلمة، وحصل بينهم قتال فيما بينهم، وسبى بعضهم بعضاً، فحينئذ يعاقبهم الله ويسلط عليهم الكفّار.
قوله: "ولو اجتمع عليهم من بأقطارها" أي: إذا اجتمعت كلمة المسلمين، ولم يكن بينهم اختلاف ولا تقاتل فيما بينهم، فلو اجتمع أهل الأرض كلهم على قتال المسلمين أو أراد سلب شيء من ملكهم فلن يستطيعوا، وأما إذا اختلفوا فيما بينهم، وتقاتلوا فيما بينهم، وأخذ بعضهم أموال بعض، فإن الله يعاقبهم، ويسلّط عليهم الكفّار.
وقد حصل مصداق هذا، فإنه لما كانت الأمة مجتمعة في عهد أبي بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب، وأول خلافة أمير المؤمنين عثمان، وسلطان المسلمين ظاهر في الأرض، قد خافتهم الأمم، فصار الكفار يخافون من المسلمين.
ولما وقعت الفتنة بين المسلمين في خلافة عثمان- رضي الله تعالى عنه- بسبب اليهوديّ الذي ادّعى الإسلام وهو: عبد الله بن سبأ اليماني، وصار يحرّض المسلمين على الخليفة عثمان ذي النورين ﵁، واجتمع حوله من الأوباش وضعاف الإيمان من الشباب الطائش، اجتمعوا على هذه الطاغية، وفي النّهاية حاصروا عثمان ﵁ وقتلوه، ولما قتلوا عثمان عاقب الله المسلمين فجعل بأسهم بينهم، وسلّط عليهم عدّوهم.
وما زالت المداولات والحروب بين المسلمين بعضهم مع بعض وبين المسلمين والكفار.
стр. 331
رواه البَرْقاني في "صحيحه"، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلّين.
ــ
صحيح أنها قامت دولة بني أمية بعد ذلك وانتشر الإسلام، ودولة بني العباس، ولكن لم تخل الأمة من اقتتال ومن فتن فيما بينها، إلى أن جاءت الداهية الدهياء في آخر خلافة بني العباس، فغزا التّتار بلاد المسلمين، واستباحوا عاصمة المسلمين بغداد، وقتلوا الخليفة العباس، وقتلوا من المسلمين مئات الألوف، واحرقوا -كتب المسلمين- وألقوها في نهر دِجلة حتى تغير الماء بمداد الكتب، وتسلّلوا إلى بقية البلاد، وحصل من الحروب الطاحنة ما سجّله التاريخ.
ما وكذلك الصليبيّون زحفوا على المسلمين واستولوا على الأندلس، وزحفوا إلى بلاد الشام واستولوا على بيت المقدس، وبقي بيت المقدس حوالي مائة سنة تحت أيدي الصليبيّين، حتى جاء صلاح الدين الأيوبي ﵀، فخلّص بيت المقدس من أيدي الصليبيّين.
ولا يزال الخلاف وتسلط الكفار على المسلمين إلى وقتنا هذا، بل في وقتنا هذا اشتدّ فيه الأمر، والسبب في هذا هو اختلاف المسلمين فيما بينهم، كما في هذا الحديث: "حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً" ويسبي بعضهم بعضاً" فإذا حصل للمسلمين هذا سلّط الله عليهم الكفار بسبب الاختلاف، واستباحة حرمة المسلمين فيما بينهم، هذا يقتل هذا، وهذا يسبي هذا، مع أنهم إخوة مسلمون.
والواجب على المسلمين أن يكونوا أمة واحدة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) ﴾ ، ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ ، ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ، فالاختلاف عذاب، وسبب لتسلّط الكفار، والاجتماع رحمة وقوة وعزّة للمسلمين ولن يحصل الاجتماع إلاَّ تحت عقيدة التّوحيد.
قوله: "رواه البَرْقاني في صحيحه" البَرْقاني هو: أبو بكر محمَّد الخوارزمي الشافعي، وكتابه يسمّى بالمسند الصحيح، جمع فيه الأحاديث الصحيحة، ويقول: أنه جمع فيه أحاديث الصحيحين وزاد عليهما ما صح عنده من الأحاديث.
стр. 332
"وزاد" يعني: على رواية مسلم.
أن الرسول ﷺ قال: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" هذا سبب آخر، السبب الأول: الاختلاف بينهم. السبب الثاني: وجود دعاة الفتنة، ودعاة الضّلال. فهؤلاء سبب آخر لهلاك المسلمين، وسبب لتفرق كلمتهم، وتسلط العدوّ عليهم، بأن يكون هناك دعاة ضلال، ودعاة فتنة، ودعاة فُرقة، وتحريش بين المسلمين، كما حصل من الداعية الخبيث الأول عبد الله بن سبأ.
والأئمة جمع: إمام، والإمام هو القدوة الذي يُقتدى به في الخير أو الشر.
فإذا كانت القدوة من أهل الضلال ضلّت الأمة، وحصل فيهم الشر، ويراد بهم الأمراء الضالون، والعلماء الضالون، والعُبّاد الضالون، والدُّعاة الضالون، كل هؤلاء من الأئمة المضلّين، فإذا قاد الأمة هؤلاء قادوها إلى الهلاك، أما إذا قاد الأمة دعاة الحق قادوها إلى الصلاح والسلامة.
ففي قوله: "أخاف على أمتي الأئمة المضلين" مفهومه؛ أن الأئمة المصلحين خير للأمة، يجمعون كلمتها، ويصلحون عقيدتها، ويردونها إلى منهج السلف الصالح، ويحصل بهم الخير.
أما دعاة الضلال فإنهم يصدونها عن الحق، ويدعونها إلى خلاف منهج السلف.
والآن فيما بيننا ظهر من يزهّد في منهج السلف ويعتبره من الأمور الرجعية، ومن الأمور القاصرة، ويريد من المسلمين أن ينهجوا مناهج حديثة، ابتكرها جهّال أو ضُلاّل، يريدون أن الدعاة يسيرون على هذا المنهج المبتكر المحدث، ويتركون منهج السلف الصالح الذي فيه الخير، وفيه الصلاح والفلاح، هذا ظهر وقد أخبر ﷺ أنه يكون في هذه الأمة دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها، قالوا: صفهم لنا يا رسول الله، قال: "هم قوم من جِلْدَتنا، ويتكلمون بألسنتنا" فلنحذر من هؤلاء غاية الحذر.
لا نجاة لنا إلاَّ بإتباع دعاة الصلاح الذين يدعون إلى منهج السلف الصالح وإلى إتباع الكتاب والسنّة، هؤلاء هم الخير على الأمة.
стр. 333
وإذا وُضع عليهم السيف لم يُرفع إلى يوم القيامة. ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فِئَام من أمتي الأوثان.
ــ
أما من أراد بالأمة خلاف ذلك، وابتكر لها منهجاً أو خطّط لها تخطيطاً جديداً يخالف منهج السلف، فهذا لا يريد للأمة خيراً سواءً كان متعمداً أو لم يتعمّد.
وأخطر ما على الأمة الآن الدعاة الجُهّال الذين لا يعرفون العلم، ويدعون النّاس بجهل وضلال، أو الدعاة المغرضون الذين يعرفون الحق لكنهم معرضون، يريدون صرف الأمة عن جادّة الصواب.
الحاصل، أن الأمة على خطر من هؤلاء، فعلينا أن نتنبّه لهذا الأمر، وأن نعالج هذا الأمر قبل أن يستحفل.
قوله: "وإذا وضع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة" كذلك خاف عليهم النبي ﷺ أنه إذا بدأ القتال بين المسلمين فإنه لا يُرفع إلى يوم القيامة، وهذه بليّة أخرى.
البليّة الأولى: تسلُّط الكفار على المسلمين.
والبليّة الثانية: إذا وقع القتال بين المسلمين فإنه لا يُرفع إلى يوم القيامة عقوبة لهم.
وذلك حصل كما أخبر به ﷺ فإنه لما قُتل الخليفة الراشد أمير المؤمنين عثمان فإنه لا يزال القتال مستمرًّا بين المسلمين، وسيستمر إلى يوم القيامة. ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله كما أخبر النبي ﷺ .
قوله: "ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ من أمتي بالمشركين" الحي: المراد به: القبيلة، ومعنى يلحق: يتبع؛ إما بأن يذهبوا إلى بلادهم ويسكنوا معهم ويكونوا من دولتهم، وإما بأن يبقوا في بلاد المسلمين ولكن يكونون على منهج الكفار ويرتدّون عن الإسلام.
ووقع هذا كما أخبر به ﷺ ، ففيهم من ذهب إلى بلاد الكفار وثم يرجع وصار يوافق الكفار في أمورهم الدينية، ويجري عليهم حكمهم وهو مختار للإقامة بينهم. وفيهم من بقي في بلاد المسلمين ويعتنق مذاهب الكفر من شيوعية وبعثية وقومية وغير ذلك، وهؤلاء لحقوا بالمشركين في قلوبهم وعقائدهم كما أخبر ﷺ وإن لم يلحقوا بهم في أبداًنهم.
стр. 334
وإنه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون، كلّهم يزعم أنه نبيّ. وأنا خاتم النبيّين، لا نبي بعدي.
ــ
قوله: "وحتى تعبد فِئام من أمتي الأوثان" الفِئام: الجماعات، والأوثان: كل ما عبد من دون الله.
وقد وقع ما أخبر به ﷺ ، فعَبَدت جماعات من هذه الأمة القبور والأضرحة، واعتبروا هذا هو الدين الصحيح، وسموا دين التّوحيد الصحيح دين الخوارج.
وهذا مع ما قبله هو الشاهد من هذا الحديث للباب.
وفيه رد على من زعم أن هذه الأمة لا يقع فيها شرك، ووجه الرد: لأن الرسول ﷺ أخبر- وهو الصادق المصدوق- أنه لا بدّ أن تعبد جماعات وليسوا أفراداً من هذه الأمة الأوثان.
وقوله ﷺ : "وإنه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون كلّهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيّين، لا نبي بعدي"، هذا فيه إخبار منه ﷺ بظهور المتنبِّئين الكَذَبَة الذين يدعون النبوة.
وقد حصل ما أخبر به ﷺ ، وأول من ظهر في حياته ﷺ اثنان:
مُسَيْلِمة الكذّاب في اليمامة، والأسود العَنْسي في اليمن.
أما الأسود العَنْسي فقد قتله المسلمون قبل موت النبي ﷺ .
وأما مُسَيْلِمة الكذّاب فإنه قد تبعه قوم من أهل اليمامة، ولما بُويع أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- بالخلافة بعد وفاة الرسول ﷺ جهّز له الصديق جيشاً من المسلمين من المهاجرين والأنصار بقيادة خالد بن الوليد اليمامة، وحصل قتال شديد جدًّا، وقُتل فيه من المسلمين ومن أفاضلهم ومن قُرّاء القرآن العدد الكثير، ولكن في النّهاية قَتل الله مُسَيْلِمة الكذّاب على يد المسلمين في خلافة أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه-، وأراح الله المسلمين من شرِّه.
ثم ظهر طُليحة الأسدي وادّعى النبوّة، وظهرت سَجَاح التميمية وادّعت النبوة، ولكن الله منّ على طُلَيحة فتاب إلى الله ، وجاهد في سبيل الله، وتوفّي على الإسلام، وكذلك سَجَاح تابت إلى الله .
ثمّ ظهر المختار بن أبي عُبيد الثقفي في خلافة عبد الملك بن مروان، وادّعى النبوّة، وقتله الله على أيدي المسلمين.
стр. 335
ولا يزال المتنبئون الكذَبَة يظهرون بين الحين والآخر، إلى أن ظهر منذ سنين رجل في الباكستان يسمّى غلام أحمد القادياني، ادّعى النبوّة، وتَبِعه قوم، وصار له أتباع الآن يسمّون القاديانية، وقد كفّرهم المسلمون، ونبذوهم- ولله الحمد-.
وقوله ﷺ : "وأنا خاتم النبيّين، لا نبيّ بعدي" هذا كما قال الله : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، والخاتم- بفتح التاء-: الذي يختم على الشيء فلا يزاد فيه، يقال: ختم الكتاب، يعني: وضع الختم عليه بحيث لا يُزاد فيه، وختم الكيس، بمعنى أنه أغلقه بحيث لا يُزاد فيه ولا يُنقص، فالرسول ﷺ ختم الأنبياء، بمعنى انه هو آخرهم، ولا يأتي بعده نبي.
وأما لفظ خاتِم- بالكسر- فهو: اسم فاعل، فالنبي ﷺ هو خاتِم النبيّين، أي: الذي كمّلهم وانتهى به عددهم، فلا يُبعث نبي بعد رسول الله ﷺ إلى أن تقوم الساعة، كما أن شريعته لا تُنسخ إلى أن تقوم الساعة، وأرسله الله إلى العالمين كافّة: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ ، أرسله إلى العالم كافّة ﵊، إلى العرب والعجم، والجن والإنس ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ، وأنزل عليه شريعة كاملة، شاملة لكل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة.
فالذي يدّعي النبوة بعد محمَّد ﷺ فهو كافر، لأنه مكذِّب لله، لأن الله قال: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، ومكذِّب لرسول الله في قوله: "أنا خاتم النبيين" ومكذِّب لإجماع المسلمين، لأن المسلمين أجمعوا على أنه لا نبيّ بعد محمَّد ﷺ .
فإن قال قائل: "ليس المسيح عيسى بن مريم ينزل في آخر الزمان كما تواتر ذلك في الأحاديث؟.
قلنا: نعم، ينزل في آخر الزمان، ولكن لا ينزل بشريعة جديدة، وإنما ينزل ليعمل بشريعة محمَّد ﷺ ، فهو يُعتبر مجدِّداً من المجدِّدين، ومصلحاً من المصلحين، يحكم بشريعة الإسلام، ويتبع محمداً ﷺ ، فنزول عيسى ﵇ لا يختلف مع قوله ﷺ : "أنا خاتم النبيين" وقول الله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، لأنه لا ينزل بشريعة، ولا ينزل على أنه نبي يُبعث إلى الناس، وإنما ينزل على أنه حاكم بشريعة محمَّد ﷺ ، وتابع لمحمد ﵊.
стр. 336
ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎".
ــ
ثم قال مبشراً لأمته بعد هذه الأخبار المروِّعة: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق" يعني: مع هذه الحوادث العظيمة، وهذا الابتلاء العظيم، ووقوع الشرك، ووقوع اللَّحاق بالمشركين من بعض القبائل وتسلّط الكفّار، وقلّة أهل الحق، وكثرة أهل الباطل، مع هذا يبقي في هذه الأمة بقية صالحة إلى أن يأتي أمر الله ﵎.
والطائفة في الأصل الجماعة. والمراد هنا من كان على الحق ولو كان واحداً. بدليل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ وهو واحد.
"على الحق ظاهرين" يعني: غالبين.
"لا يضرّهم من خذلهم" مع هذه الشرور كلها، وهذه الفتن كلها، هذه الطائفة لا تتضرّر، بل تبقى على الحق الذي بُعث به محمَّد ﷺ ، ولم يعيّن ﷺ عددها، ولم يعيّن مكانها، لأن العدد قد يقلّ وقد يكثر، وكذلك المكان قد تكون تارة في المشرق، وتارة في المغرب، وتارة في العرب، وتارة في العجم، المهم أنها تبقى هذه الطائفة من الأمة، لتبقى حجّة الله على خلقه.
وقد قال أهل العلم- كالإمام أحمد وغيره-: "إن هذه الطائفة هم أهل الحديث"، أي: الذي يتمسّكون بسنّة الرسول ﷺ ، كما قال ﷺ لما ذكر افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة-: "كلها في النار إلاَّ واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله؟، قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"، فهم أهل الحديث الذين يتمسّكون بحديث الرسول ﷺ ، ولا يتمسّكون بالآراء والأقوال وعلم الكلام والمنطق.
فهم الطائفة المنصورة وهم الفرقة الناجية وهم أهل الحديث وهم أهل السنّة والجماعة، لا كما يقول بعض المعاصرين: إن الفرقة الناجية غير الطائفة المنصورة، وهذا تفريق بغير علم.
وقوله: "حتى يأتي أمر الله" المراد بأمر الله ما يكون في آخر الزمان من قبض
стр. 337
أرواح أهل الإيمان، حين يبعث الله ريحًا طيّبة في آخر الزمان قبل قيام الساعة فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى شرار الناس، وحينئذ تقوم الساعة.
ما يستفاد من هذا الحديث:
هذا الحديث يدلّ على مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: في هذا الحديث دلائل من دلائل النبوة، وهي:
أولا: قوله ﷺ : "إن الله زَوَى ليَ الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها".
ثانياً: قوله ﷺ : "سيبلغ ملك أمتي ما زُوِيَ لي منها،.
ثالثاً: إخباره ﷺ بأن هذه الأمة إذا افترقت وتقاتلت يتسلّط عليها العدّو. وقد وقع ما أخبر به ﷺ .
رابعاً: إخباره ﷺ عن وقوع الشرك في أمته. وقد وقع ما أخبر ول ﷺ .
خامساً: إخباره بظهور المتنبّئين الكَذَبَة. وقد وقع ما أخبر به ﷺ ، فلا يزال المتنبئون الكَذَبَة يظهرون بين الحين والآخر، لكن منهم من له شوكة، ومنهم من ليس له شوكة.
سادساً: إخباره ﷺ ببقاء الطائفة المنصورة على الحق. وقد وقع ما أخبر به ﷺ ، فلا تزال هذه الأمة- ولله الحمد- يبقى فيها من أهل الصلاح والإصلاح من يبقى بهم هذا الدين، وتقوم به حجّة الله على العالمين، مع اشتداد الغُربة، وعظيم الكُرْبة، ولكنهم يصبرون، ويثبتون على الحق.
المسألة الثانية: في هذا الحديث كمال شفقته ﷺ بأمته، حيث دعا لهم ﷺ بهذه الدعوات المباركات العظيمة، واستجاب الله له.
المسألة الثالثة: في هذا الحديث أن تفرّق الأمة وتناحرها فيما بينها سبب لتسلُّط العدوّ عليها، وأن اجتماعها وتوحّدها على الحق سبب لمنع الكفّار من الاستيلاء على شيء من بلادها.
المسألة الرابعة: في الحديث دليل على خطر الأئمة المضلّين، أي: القيادات الفاسدة من الأمراء والعلماء والعبّاد والدعاة الفاسدين، أما الأئمة المصلحون فهؤلاء خير على الأمة وصلاح لها.
стр. 338
المسألة الخامسة: في الحديث دليل على أنه إذا وقع في هذه الأمة قتال فيما بينهم أنه سيستمرّ إلى أن تقوم الساعة، ولا يُرفع، ولكن يكثر ويقل أحياناً.
المسألة السادسة: في الحديث دليل فيما ترجم له المصّنف ﵀ من وقوع الشرك والردّة في بعض هذه الأمة، فهذا شاهد لقول المصنِّف: "باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان".
المسألة السابعة: في الحديث دليل على خَتْم النبوة به ﷺ ، وأن من ادّعى النبوة بعده فهو كافر، لأنه مكذِّب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين ولما عُلم بالدين بالضرورة.
المسألة الثامنة: في الحديث دليل على بقاء الفرقة الناجية المنصورة، مع كثرة الفتن والمحن والشرور، فإن الله لا يُخلي الأرض من الدعاة إلى الحق القائمين عليه من الأئمة المصلحين.
стр. 339
[الباب الرابع والعشرون:]
* باب ما جاء في السحر
ــ
مناسبة هذا الباب للأبواب السابقة: أن الشَّيخ ﵀ في الأبواب السابقة ذكر أنواعاً من الشرك، ووسائل الشرك.
ولما كان السحر نوعاً من أنواع الشرك عقد له هذا الثالث؟ لأن السحر لا يمكن الوصول إليه إلاَّ عن طريق الشياطين، فالسحرة يخضعون للشياطين، ويستعينون بهم في سحرهم، وهذا شرك بالله .
والسحر في اللغة هو: كل ما لَطُفَ وخَفِيَ سببه، ومنه سُمّي السَّحَر سَحَراً في آخر الليل، لأنه خفيٌّ وكل ما لَطُف يعني: دقّ، وخَفِيَ سببه عن النّاس يُسمّى سحراً في اللغة، ومنه قوله ﷺ : "إن من البيان لسحراً" البيان معناه: الكلام البليغ، لأنه يستميل النفوس ويؤثّر فيها كما يؤثر السحر، إلاَّ أنه ليس حراماً وكذلك النميمة، سُميّت سحراً١ لأنها تعمل عمل السحر في الإفساد بين الناس، وأحداث البغضاء في القلوب، وإن لم تكن سحراً في الحقيقة، لكنها سحر لغوي، هذا تعريف السحر في اللغة.
أما تعريفه في الشرع: فالسحر عبارة عن عزائم ورُقى وعُقد يؤثر في بدن المسحور بالقتل أو بالمرض، أو بالإخلال بعقله، أو يفرِّق بين الزوجين، أو يأخذ الزوج عن زوجته فلا يستطيع الوصول إليها، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) ﴾ يعني: السواحر.
فالساحر يعقد العقد بالخيط ثمّ ينفث فيها من ريقه، ويستعين بالشيطان، ويؤثِّر هذا بإذن الله في المسحور إما قتلاً، وإما مرضاً، وإما تفريقاً بينه وبين حبيبه، وإما أن يمنعه عن زوجته فلا يستطيع الوصول إليها.
وقد سُحر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢، وأثر فيه السحر، وصار- ﵊ يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، ورقاه جبريل فبرئ بإذن الله.
стр. 340
فالسحر له حقيقة، ويؤثر في بدن المسحور، ولكنه لا يؤثِّر إلاَّ بإذن الله القدريّ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ ، أي: إذن الله القدريّ الكونيّ.
وقد ذكر العلماء أن السحر المحرم على نوعين:
سحر حقيقي، وهو هذا الذي ذكرنا.
والنوع الثاني: سحر نخييلي، ليس له حقيقة، وإنما هو خيال وشعوذة، وهو ما يسمّى بالقُمْرة، فالساحر يخيِّل للناس شيئاً وهو ليس حقيقة، كأن يخيِّل للناس أنه دخل في النار، وليس كذلك، أو يخيِّل للناس أنه يمشي على حبل، وهو ليسق كذلك، أو يخيِّل للناس أن السيارة تمشي على بطنه، وليس كذلك، أو يخيِّل للناس أنه يطعن نفسه بالسلاح ولا يؤثِّر فيه، وليس كذلك، والحقيقة أنه عمل شيئاً من التخيل والقُمْرة فأثر على الأبصار. كما قال الله تعالى ني قوم فرعون: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ، فسحروا الأعين فقط، وذلك بما يعملونه من الحِيَل، ويجعلون في العِصِيّ التي معهم مواد تحرّكها، وتجعل العصى كأنها حيّة، وهي ليست كذلك كما قال تعالى عن موسى ﵇: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ، حيث حشوها بشيء من الزِّئْبق وشيء من الأمور التي لا يراها الناس، وظنوا أنها تتحرك.
وأنكرت المعتزلة النوع الأول، مع أن النوع الأول هو الخطير، وقالوا: السحر كله تخييلي.
وهذا غير صحيح، لأنه لو كان كذلك لما أثّر في المسحور ولما قتل المسحور، ولما أمرضه، ولما فرّق بينه وبين زوجه، فدلّ على أنه حقيقي، وعمل شيطاني، لأنه عُقد وعزائم، ولهذا يقول تعالى لنبيه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) ﴾ ، إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) ﴾ فدل على أنه حقيقي.
والذي ذكره الشَّيخ في هذا الباب من النصوص على نوعين:
النوع الأول: في حكم السحر.
والنوع الثاني: في حكم الساحر.
стр. 341
وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ .
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ .
قال عمر: "الجبت: السحر. والطاغوت: الشيطان".
وقال جابر: "الطواغيت: كُهَّان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حيٍّ واحد".
ــ
قال: "وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ " أي: اليهود، لأن الآية في سياق الآيات التي تتحدّث عن اليهود، أي: تحققوا.
" ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ " أي: استبدل السحر بالتوراة.
" ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ " أي: الساحر ليس له نصيب من الجنة.
وهذا دليل على أنه كافر، فالسحر كفر بالله ، وذلك من عدة مواضع في الآية:
أولاً: قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ .
ثانياً: قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا﴾ أي: الملكان ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ .
ثالثاً: قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أي: السحر ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ، أي: نصيب من الجنة.
قال المصنِّف- رحمه الله تعالى-: " وقوله ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ " ثمّ ذكر تفسير الجبت والطاغوت بقوله: "قال عمر: الجبت: السحر" فاليهود يؤمنون بالسحر، وهو كفر بالله .
"والطاغوت: الشيطان " أي: هو رأس الطواغيت، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، كما سبق.
في قوله: "وقال جابر: الطواغيت: كُهَّان تنزل عليهم الشياطين، في كل حيٍّ منهم واحد" الكاهن هو الذي يدّعي علم الغيب، وكانوا في الجاهلية يتخذون حُكّاماً من الكهّان، يحكمون بين الناس.
стр. 342
وكان هؤلاء الكُهَّان تنزل عليهم الشياطين التي تسترق السمع، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) ﴾ ، وكما جاء في الحديث أن مسترق السمع قد يسمع الكلمة من السماء فيُلقيها على الكاهن، فيكذب الكاهن معها مائة كذبة، فيصدِّقه النّاس بسبب هذه الكلمة التي سُمعت من السماء.
فالكاهن هو: الذي يخبر النّاس عن المُغَيّبات، بسبب أنه يسأل الشياطين، وتُخبره الشياطين عن الأشياء الغائبة، والأشياء المسروقة والمفقودة، والأشياء البعيدة، فهو يخبر الناس، فيظنون أن هذا الكاهن يعلم الغيب، وهو ليس كذلك، لا يعلم الغيب، وإنما أخبرته الشياطين بأشياء غائبة، لأن الشياطين لهم قدرة على الطيران السريع، والوصول إلى الأمكنة البعيدة، حتى إنهم يصعدون إلى السحاب، ويطيرون في الآفاق، فهم يجوبون الآفاق بسرعة، فيأتون بالأخبار ويُخبرون الكهّان، ويرون الأشياء المغيبة في البيوت أو في الأمكنة، لأنهم يدخلون بعض البيوت، وعندهم مقدرة ليست عند الإنس، فإذا تقرّب إليهم الإنسي بما يريدون من الشرك والذبح لغير الله والسجود لهم؛ فإنهم يخدمونه بما يريد، فيظن الإنس أن هذا الكاهن عنده خبر من الغيب، وأنه له خاصّية، والحقيقة أن هذا كله من الشيطان.
وكانوا يحكِّمونهم في المنازعات والخصومات، وكان عند كل حي كاهن، يعني: عند كل قبيلة كاهن يحكم بينهم.
فلما جاء الإسلام أبطل الله ذلك كله، لكن لا يزال عند بعض البوادي والجهّال نوع من هذا الشيء، يسألون الكُهّان، ويحكّمونهم، ويرجعون إليهم وقد جاء في الحديث: "من أتى كاهناً أو عَرَّافاً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ "
فلا يجوز الذهاب إلى الكُهَّان والمشعوذين والدجّالين لا للعلاج، ولا للسؤال عن الأشياء الضائعة، ولا الأشياء الغائبة، وهذا كفر بما أنزل الله ، ولا يجوز إقرارهم وتركهم، بل يجب القضاء عليهم، وإراحة البلاد والعباد منهم، لأنهم دُعاة كفر وشرك، يُفسدون العقائد، ويأكلون أموال النّاس بالباطل ويُحدثون الشر في
стр. 343
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله، وما هنّ؟، قال: "الشرك بالله..........
ــ
الأمة، فلا يجوز تركهم وإقرارهم، فضلاً عن الذهاب إليهم وتصديقهم فيما يقولون، إنما هذا من عادات الجاهلية كما قال جابر ﵁.
فالكُهَّان لا يأتون بالأخبار من عند أنفسهم، وإنما جاءتهم بها الشياطين؛ لما عبدوهم من دون الله، وأطاعوهم في معصية الله، وتقرّبوا إليهم بالعبادة.
قال: "وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: اجتنبوا " أي: ابتعدوا، ولفظة: "اجتنبوا" أبلغ من: لا تفعلوا، لأن الاجتناب يعني: ترك الشيء وترك الأسباب الموصلة إليه.
"السبع" أي: المعاصي السبع.
"الموبقات" يعني: المهلكات.
"قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ " سألوه ﷺ : ما هي هذه السبع حتى نتجنبها؟، لأن الإنسان لا يمكن يتجنّب الشيء إلاَّ بعد أن يعرفه.
ففي هذا دليل على أنه يجب على المسلم أن يسأل عن الأمور المحرّمة، ويعرف الأمور الشركيّة، حتى يتجنبها.
وهناك من يقولون: علّموا النّاس التّوحيد واتركوا الكلام في الشرك، والكلام في المحرّمات، علِّموهم الخير فقط، ولا تبيّنوا لهم الشرك والأمور المحرّمة.
وهذا خداع من الشيطان، لأنه لا بد أن يعرف الإنسان الخير ويعرف الشر من أجل أن يعمل بالخير ويترك الشر، والله قدّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله فقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وكيف يكفر بالطاغوت وهو لا يعرفه؟، لا بدّ أن يعرفه من أجل أن يكفر به، إلاَّ إذا لم يعرفه ظنّه خيراً.
"قال: الشرك بالله" هذا أكبر الكبائر، وأعظم الموبقات، وأعظم ذنب عُصي الله به.
وما هو الشرك؟، الشرك هو عبادة غير الله ، بأن يصرف له شيئاً من العبادة
стр. 344
والسحرّ. وقتل النفس التي حرّم الله إلاَّ بالحق..........
ــ
إما دعاءاً أو استغاثة: كأن يقول: يا سيدي فلان أغثني اشفني من المرض، أو يذهبون إلى القبور والأضرحة ويقولون: يا سيدي فلان أنا بحسبك، أغثني، أو اشفني من المرض، أو اعطني ولداً، أو هب لي زوجة ... إلى آخره. وهذا شرك بالله ، لأنه دعاء لغير الله.
كذلك الذبح لغير الله، كان يذبح للقمر أو الضريح من أجل أن يُعطى ولداً، أو يُدفع عنه البلاء، أو يُشفى من المرض، ينذر للقبور، هذا هو الشرك بالله .
فليس الشرك مقصوراً على عبادة الأصنام، بل الشرك في كل ما صُرف لغير الله من العبادة أياً كان المصروف له، سواء كان صنماً أو قبراً أو شجراً أو حجراً أو غير ذلك.
والشرك لا يغفره الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ .
والمشرك لا يدخل الجنة أبداً، ومأواه النار، قال تعالى: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ، ﴿حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ يعني: منعه من دخولها منعاً باتاً، ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ مقرّه ومصيره الأبدي ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ .
ثم قال ﷺ : "والسحر" وهذا محل الشاهد من الحديث، لأن السحر كفر وشرك بالله ، وعطفه على الشرك من باب عطف الخاص على العام، وإلاَّ فالسحر نوع من أنواع الشرك، لكن الرسول ﷺ خصّه بالذكر، وعطفه على الشرك من باب عطف الخاص على العام من أجل الاهتمام بتجنبه.
"وقتل النفس التي حرّم الله إلاَّ بالحق" النفس التي حرم الله هي نفس المؤمن ونفس المعاهد، فالمؤمن عصم الله دمه وماله وعرضه، فلا يجوز الاعتداء عليه، قال ﷺ : "أُمرت أن أُقاتل النّاس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها، وحسابهم على الله "، وقال ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألاَّ هل بلغت؟ ".
فالمؤمن حرّم الله قتله بغير الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً
стр. 345
وأكل الربا........
ــ
فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (٩٣) ﴾ .
وكذلك الكافر المعاهَد، لا يجوز قتله، فقد جاء في الحديث: "من قتل معاهَداً لم يَرَحْ رائحة الجنة".
وقوله ﷺ : "إلاّ بالحق" أي: إلاَّ بسبب يبيح قتل المؤمن أو المعاهد، وقد بيّنه رسول الله ﷺ بقوله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث: الثّيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
و"الثيب الزاني" المراد به: المُحْصَن الذي تزوج ووطئ زوجته بنكاح صحيح، ثمّ زنى فإنه يُقتل، وكيفيّة قتله: أنه يُرجم بالحجارة حتى يموت، كما تواترت بذلك سنّة الرسول ﷺ ، وذلك حماية للأعراض.
"والنفس بالنفس" والمراد به: القصاص، إذا قتل مُكافِئاً له عمداً عدواناً، فإنه يُقتل قصاصاً، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) ﴾ ، وذلك حماية للأنفس.
"والتارك لدينه المفارق للجماعة" وهو المرتد، وهو الذي ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام، فهذا يُستتاب، فإن تاب ورجع إلى الإسلام وإلاَّ قُتل مرتداً، حماية للدين من العبث.
ثم قال ﷺ : "وأكل الربا" والربا لغة: الزيادة، والمراد به هنا: زيادة مخصوصة في مال مخصوص، وهي الأصناف التي حرم الرسول ﷺ الزيادة فيها بقوله: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، سواءً بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيفما شئتم إذا كان يداً بيد" وألحق جمهور العلماء بهذه الستة ما شابهها في العلة.
والربا من أكبر الكبائر بعد الشرك، قد توعّد الله عليه بأشد الوعيد، كما في آخر سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ
стр. 346
وأكل مال اليتيم. والتَّوَلِّي يوم الزَّحْف. وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
ــ
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ ، وقد لعن النبي ﷺ آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، فالربا من أعظم الكبائر بعد الشرك.
قوله: "وأكل الربا" ليس المراد خصوص الأكل، وإنما كل الاستعمالات: من أكله ولبسه وإهدائه، إلى غيره، كل استعمالات الربا حرام، وكذلك من ادّخره عنده أو جعله رصيداً له في البنك.
وإنما ذكر الأكل لأنه غالب وجوه الانتفاع، وإلاَّ فكل وجوه استعمالات الريا محرّمة.
قال ﷺ : "وأكل مال اليتيم" المراد باليتيم: من مات أبوه وهو دون البلوغ، والواجب الإحسان إلى اليتيم، لأنه فقد أباه وعطفَه، فيجب على المسلمين أن يسدّوا محلّ والده بالإحسان إليه ورعايته، وإن كان له مال فيجب أن يحافظ عليه حتى يبلغ رشيداً، ويسلم له ماله بالتمام، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) ﴾ .
لأن اليتيم ضعيف لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، فإذا تسلّط عليه ظالم وأكل ماله فهذا من أعظم الظلم، وليس المراد خصوص الأكل، بل كل استعمالات مال اليتيم حرام، إلاَّ ما فيه مصلحة له.
قال ﷺ : "والتولِّي يوم الزحف" التولي يوم الزحف، هو: الفرار من القتال بين المسلمين والكفار إذا حضر المعركة.
فمن حضر المعركة بين المسلمين والكفار وهو يستطيع القتال فلا يجوز له أن ينصرف، بل يجب عليه أن يقاتل مع المسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) ﴾ .
قال ﷺ : "وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" المراد بالقذف: الرمي
стр. 347
وعن جندت مرفوعاً: "حَدّ الساحر ضربة بالسيف" رواه الترمذي، وقال: "الصحيح أنه موقوف".
ــ
بالفاحشة، من زنا أو لواط. والمراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا من الحرائر، ومثلهن الرجال العفيفون.
والواجب على المسلم أن يحفظ لسانه، ولا يرمي أحداً بالزنى، أو باللواط، وإذا قذفه ولم يُقم البيّنة فإنه يُجلد ثمانين جلدة، قال تعالي: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ .
والشاهد من هذا الحديث: أن الرسول ﷺ عدّ السحر من السبع الموبقات.
أما ما يُستفاد من هذه النصوص فهو كما يلي:
أولاً: يُستفاد من هذه النصوص تحريم تعلّم السحر، وتعليمه، والعمل به، وأنه من السبع الموبقات، وأنه من الإيمان بالجبت وأنه كفر يخرج من الملة.
ثانياً: في هذه النصوص الأمر بالابتعاد عن الكبائر خصوصاً، والمعاصي عموماً، وترك أسبابها، لأن كلمة "اجتنبوا" معناها: أن الإنسان يترك الأسباب الموصِّلة إلى الحرام.
ثالثاً: يُستفاد من الحديث أن الشرك أكبر الكبائر، لأن الرسول ﷺ بدأ به في هذا الحديث، فدلّ على أن الشرك بالله أكبر الكبائر.
قوله: "عن جُندب" قيل هو: جُندب بن عبد الله البَجَلي، وقيل غيره. والله أعلم.
"حدّ الساحر ضربه بالسيف" المعنى: أن حكم الساحر وجوب قتله، لأنه يُفسد في الأرض، كما قال تعالى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ، فالساحر مفسد في الأرض، يجب قتله، وأيضاً هو كافر، والكافر يجب قتله، إن كان كافراً أصلياً وجب قتله بكفره وإفساده، وإن كان مسلماً ثمّ استعمل السحر وجب قتله لردّته.
والسحر ناقض من نواقض الإسلام، كما ذكر ذلك الشَّيخ في نواقض الإسلام العشرة، قال: "ومنها تعلّم السحر، وتعليمه".
стр. 348
في صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة، قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁: "أن اقتلوا كل ساحر وساحرة"، قال: فقتلنا ثلاث سواحر.
وصحَّ عن حفصه ﵂: "أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقُتلت". وكذلك صح عن جندب.
قال أحمد: "صحّ عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ ".
ــ
قوله: "وفي صحيح البخاريّ: عن بَجَالة بن عَبَدة، قال: كتب عمر بن الخطاب" أمير المؤمنين، ثاني الخلفاء الراشدين، ﵃ أجمعين.
"أن اقتلوا كل ساحر وساحرة" فهذا يؤيِّد حديث جُنْدب: "حدّ الساحر: ضربه بالسيف".
إذا كان عمر بن الخطاب- أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين- كتب إلى الأمصار وإلى ولاته: "أن اقتلوا كل ساحر وساحرة" واشتهر ذلك، والنبي ﷺ يقول: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدييّن من بعدي"؛ إذاً فقتل الساحر دلّ عليه الحديث، وفعل عمر بن الخطاب.
وكان بَجَالة بن عَبَدة كاتباًَ لبعض الوُلاة، فهو يذكر ما وصلهم من عمر.
قال: "فقتلنا ثلاث سواحر" يعني: نفّذنا ما كتب به أمير المؤمنين، وسواحر: جمع ساحرة، وهي المرأة التي تتعاطى السحر.
قال: "وصحّ عن حفصة" هي: حفصة بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين ﵂.
"أنها أمرت بقتل جارية لها" أي: مملوكة لها.
"سحرتها"سحرت حفصة ﵂ فأمرت بقتلها.
وهذا أيضاً فعل صحابيّة، وهي أم المؤمنين، أمرت بقتل مملوكتها لما سحرت.
ولذلك "قال أحمد" هو أحمد بن حنبل، إمام أهل السنّة، والصابر على المحنة، أحد الأئمة الأربعة المشهورين في الإسلام الذين بقِيت مذاهبهم حيّة، وله من الفضائل ﵀ الشيء الكثير، وكُتب في مناقبه وترجمته مؤلّفات، كان إماماً في
стр. 349
السنّة، ومناصراً للحق، وصابراً على المحنة، حتى ثبّته الله، وثبّت به عقيدة المسلمين من الزيغ حينما امتُحن النّاس بالقول بخلق القرآن، فثبت، وصبر على الجلد، وعلى السجن، وعلى الإهانة حتى أظهره الله، ونشر به الحق.
قال: "صح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ " يعني: صح قتل الساحر عن عمر بن الخطاب، وحفصة أم المؤمنين، وجُنْدب، وهو جُنْدب بن كعب الأزدي الغامدي، وله قصة، وهي:
أن الوليد كان يلعب عنده ساحر، ومن جملة سحره أنه يُظهر للناس بأنه يقتل الرجل ثمّ يحييه، حيث يستعمل القُمْرة، أي: السحر التخييلي، فيخيّل إلى النّاس أنه يقطع رأس الرجل ثمّ يعيد الرأس مكانه، فيما يظهر للنّاس، فجاء جُنْدب بن كعب ﵁ مُخْفيًّا السيف، فلما وصله قطع رأسه، وقال: إن كان صادقاً فليحيي نفسه.
قتله غَيْرة على دين الله ، وتحدِّياً لهذا الساحر الذي يُحيي الموتى بزعمه، فبذلك بطلت هذه الحيلة الشيطانية، وانقشعت هذه القُمْرة، وتبيّن أنه كاذب.
ويُستفاد من هذه الآثار فوائد عظيمة:
الفائدة الأولى: كُفر الساحر، لأن الصحابة قتلوه، وما قتلوه إلاَّ لكفره.
هذا مع الآيات التي تدل على كفره، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ ، يعني: ما استعمل السحر كما يظن اليهود، فدلّ على أن استعمال السحر كفر، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ، يعني: سبب كفرهم أنهم ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فدلّ على أن تعليم السحر كفر.
وأن الله قال في الملكين: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى﴾ ينصحاه ﴿يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ يعني: نحن امتحان واختبار، فمن قبل السحر فهو كافر، ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ بتعلُّم السحر.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ يعني: من الملكين، ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ، هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يؤثِّر ويفرِّق بين المرء وزوجه بإحداث البغضاء، فهو دليل لمذهب أهل السنّة على أن السحر له حقيقة يؤثِّر، ولو لم يكن له حقيقة لم يؤثِّر البغضاء.
стр. 350
ثمّ قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ ، أي: القدري الكوني، لأن الإذن على نوعين:
النوع الأول: القدري الكوني، الذي تنتج عنه المقدَّرات، خيرها وشرّها.
والنوع الثاني: الإذن الشرعي المذكور في هذه الآية: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشرعه.
وهذا فيه: أن الإنسان يتوكّل على الله، ومن توكّل على الله كفاه شرّ السحرة وغيرهم، ولهذا أمر الله بالاستعاذة به من السحرة: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) ﴾ أي: من شر السواحر.
ثمّ قال جل وعلا: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ ، دلّ على أن تعلم السحر ضرر محض، ليس فيه مصلحة، لأن الأمور على خمسة أقسام:
ما كان ضرراً محضاً: ومنه السحر، والكفر والمعاصي.
النوع الثاني: ما كان مصلحة محضة، ليس فيه ضرر البتّة كالطاعات.
النوع الثالث: ما كان فيه مضرّة ومصلحة، لكن مضرّته أكثر من مصلحته.
النوع الرابع: ما كان مصلحته أكثر من ضرره، كالجهاد في سبيل الله على ما فيه من القتل والجراح.
النوع الخامس: ما تساوى ضرره ومصلحته.
الموضع الرابع: مما يدل عدى كفر الساحر: وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ أي: قد علم اليهود أن من تعلم السحر وعلمه ما له نصيب في الجنة، وهذا هو الكافر.
والموضع الخامس: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ﴾ ، قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ ، أي: تركوا السحر، وهذا دليل على أن السحر كفر ينافي الإيمان، لكنهم لم يتركوا السحر بل اتخذوه بدل الإيمان فكفروا.
فهده خمسة مواضع من هذه الآيات تدل على كفر الساحر، مع عمل الصحابة، وقتلهم للسحرة.
стр. 351
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ، دليل على كفر الساحر، حيث نفي فلاحه، والمؤمن يفلح ولو كان إيمانه ضعيفاً، ولو لم يكن عنده إلاَّ ذرّة من الإيمان فإنه يُفلح، وإن عُذِّب، والله نفى عن الساحر الفلاح مطلقاً، فدلّ على أنه كافر، والعياذ بالله.
هذه المسألة الأولى، وهي مسألة مهمة جدًّا، ذكرنا فيها الأدلة التي تدلّ على كفر الساحر.
وكفر الساحر مطلقاً كما ذكر الشارح هو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد؛ يرون كفر الساحر، وقد سبقهم جمع من الصحابة.
والإمام الشافعي يقول: "نقول للساحر: صف لنا سحرك، فإن وصفه بما يُقتضى الكفر فهو كافر، وإلاَّ فلا".
ولكن هذا المذهب مرجوح، لأنه لا يمكن السحر إلاَّ بالتعاون مع الشياطين، والخضوع لهم، وحينئذ يكون كافراً.
الفائدة الثانية: في الحديث دليل على وجوب قتل الساحر قتل ردّة، لأنه صحّ عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ : عمر وحفصة وجُنْدب، ولم يظهر لهم مخالف من الصحابة، فدلّ على وجوب قتله، لأنه مرتدّ، والمرتدّ يجب قتله لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه"، وقوله ﷺ : "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة" فالساحر من هذا القسم الأخير التارك لدينه المفارق لجماعة المسلمين. فيجب قتله.
الفائدة الثالثة: في هذه الآثار دليل على أنه يُقتل ولا يُستتاب، لأنه لم يذكر في هذه الآثار أن الصحابة استتابوه، وإنما فيها أنهم قتلوه، ولم يذكر أنهم استتابوه.
وأيضاً إذا تاب في الظاهر فعلم السحر لا يزول من قلبه، فهو وإن أظهر التوبة فإنه يُقتل في كل حال، لأن التوبة لا تزيل السحر من قلبه بعدما تعلّمه، ومن أجل دفع فساده، لأنه قد يُظهر التوبة وهو غير صادق، بل من أجل أن يتّقي القتل.
قال الشارح: "هذا قول الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد".
стр. 352
والقول الثاني -وهو قول الشافعي-، ورواية عن أحمد-: أنه يُستتاب كغيره من المرتدّين، لأن المشرك يُستتاب، فالساحر- أيضاً- يُستتاب.
ولكن الرأي الأول أرجح، فيُقتل ولا يُستتاب لِغِلَظ ردّته، ولأجل كفِّ شرِّه عن المسلمين، ولأنه يُظهر التوبة ويخدع النّاس.
لكن إن كان صادقاً في توبته فهذا فيما بينه وبين الله، أما الحد فلا يسقط عنه. وهذا حكمه في الدنيا.
وعلى كل حال؛ أمر السحر أمرٌ خطير.
وفي هذا الزمان كثر شرّ السحرة، وصاروا يستعملون السحر من أجل ابتزاز أموال الناس، واللعب عليهم، وأمر الأموال أخف من أمر العقيدة، وإن كانت الأموال شيئاً مهمًّا يجب الحفاظ عليه، ولكن العقيدة أهمّ، ووجود السحرة في المجتمعات الإسلامية وباء خطير فتَّاك، يجب علاجه، ويجب القضاء عليه.
فالسحرة في العالم في هذا الزمان يقيمون نوادي، يجتمعون فيها، ومؤتمرات يعقدونها من أجل إهلاك البشر، وتعاظَم شرّهم وخطرهم، فيجب على المسلمين أن يحذروا منهم غاية الحذر، ويجب على من علم بوجود ساحر في البلد أن يبلِّغ ولاة الأمور عنه.
ولا يجوز الذهاب إلى السحرة وتصديق السحرة، فالسحرة مثل الكُهَّان أو شرّ من الكُهَّان، وقد قال النبي ﷺ : "من أتى كاهناً لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً"، وقال ﷺ : "من أتى كاهناً أو عرّافاً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ "، والسحر من الطاغوت ومن الجبت- كما سبق-، وهو شرّ من الكِهانة.
وإذا كان الكاهن يجب على المسلمين هجره والابتعاد عنه، وأن من أتاه لا تُقبل صلاته أربعين يوماً، ومن صدقه يكفر بما أنزل على محمَّد ﷺ ، فكيف يذهب بعض النّاس إلى السحرة والمشعوذين، وقد يأمرونه بالشرك، فيأمرونه بالذبح لغير الله؟! فالأمر خطير جدًّا
فيجب على المسلمين أن يحذروا من هذا البلاء، ومن هذا الوباء، وهذا الخطر؛ أن لا يتفشَّى بين المسلمين.
стр. 353
[الباب الخامس والعشرون:]
* باُب بيان شيء من أنواع السحر
ــ
مناسبة هذا الباب بعد الباب الذي قبله ظاهرة، لأنه في الباب الذي قبله بَيّن ما جاء من الأدلة في كتاب الله وسنّة رسوله في حكم السحر وحكم الساحر، فتطلَّعت الأنظار إلى أن يعرف النّاس ما هو السحر، وما هي أنواعه حتى يتجنّبوه.
ومن ثَمّ يتعيّن على العلماء وطلبة العلم أن يبيّنوا للناس الحق والباطل، أن يبينوا للناس الحق وأدلّته، وأن يبيّنوا للناس الباطل وأدلّته وأنواعه؛ من أجل أن يأخذوا بالحق على بصيرة، وأن يتركوا الباطل على بصيرة، وإلاَّ فإنه إذا لم يبيّن الحق والباطل التبس على الناس، وظنوا الحق باطلاً والباطل حقّاً.
ومن هنا يتعيّن على الدعاة وعلى الخطباء في المساجد وعلى المدرِّسين أن يعتنوا بهذا الأمر، وأن يبيّنوا للناس أمور عقيدتهم، وأمور دينهم.
ومما حمل المصنِّف- أيضاً- ﵀ على عقد هذا الباب: أن هناك خوارق تجري على أيدي بعض النّاس خارجة عن الأسباب المعروفة، مثل: المشي على الماء، والطَّيَران في الهواء، والإخبار عن الأشياء الغائبة، وإحضار الشيء البعيد.
وهذه الخوارق إن جرت على أيدي الصالحين فهي كرامات من الله ، والكرامات ثابتة عند أهل السنّة والجماعة، تجري على أيدي الصالحين إكراماً لهم من الله ، وقد تجري على أيدي الكفرة، والفسّاق، والمنافقين، فتكون هذه الخوارق شيطانية، يفتِنون بها الناس، ويلبِّسون بها على الناس، وهي إما سحر، وإما بسبب استخدام هؤلاء الفسّاق للشياطين، فيخدمهم الشياطين بهذه الأمور التي ليست من مقدور بني آدم، وإما أن لها أسباباً خفيّة لم تظهر للنّاس من حِيَل، يعملونها.
فمن أجل التباس الحق بالباطل في هذه الخوارق أراد الشَّيخ أن يعقد هذا الباب ليبيّن أن هذه الخوارق من السحر، وليست من الكرامات.
فيجب أن نعرف هذا الباب، والفرق بين الكرامات وخوارق الشيطان، لئلا يلتبس الأمر، ولئلا يتخذ المخرِّفون والمنحرفون الخوارق الشيطانية دليلاً على الولاية لله ، فيعبدون هؤلاء من دون الله .
стр. 354
قال أحمد: حدّثنا محمَّد بن جعفر، حدّثنا عوف، وحدّثنا حَيَّان بن العلاء، حدّثنا قَطَن بن قَبِيصة، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العِيافة والطَّرْق والطِّيَرة من الجبت".
ال عوف: العِيافة: زجر الطير. والطَّرْق: الخطُّ يُخطُّ بالأرض.
والجبت: قال الحسن: رنّة الشيطان. إسناده جيّد.
ــ
قوله: "قال أحمد: حدَّثنا محمَّد بن جعفر" المراد به: غُنْدُر.
"حدثنا عوف " هو: عوف بن أبي جميلة، المسمى بعوف الأعرابي، إمام ثقة مشهور.
"حدثنا حيان بن العلاء" حيان- بالياء المثنّاة- بن العلاء، بصريٌّ مقبول.
"حدثنا قَطَن بن قَبِيصة" قَطَن بن قَبِيصة تابعي، بصري ثقة.
"عن أبيه": قَبِيصة بن المُخَارق الهلالي، صحابي معروف.
"أنه" يعني: قبيصة- ﵁.
"سمع النبي ﷺ قال: " إن العِيافة والطَّرْق والطِّيَرة من الجبت".
وتفسير هذه الألفاظ مروي عن: "عوف"، وهو: عوف بن أبي جميلة، المسمى بعوف الأعرابي؛ أحد رواة هذا الحديث.
قال: "العيافة: زَجْر الطير" ومعناه: التشاؤم بأصواتها وأسمائها ومسارها.
"والطَّرْق: الخطُّ يخطّ في الأرض" من أجل استطلاع الأمور الغائبة، وهي طريقة جاهلية، وهم لا يعلمون بها الغيب بذاتها، وإنما الشياطين هي التي تأتي لهم بما يريدون إذا تقرّبوا إليهم بالعبادة، وكفروا بالله ، لأن الشياطين تريد إضلال بني آدم مهما استطاعت. قوله:
"قال الحسن " هو الحسن البصري إمام التابعين.
"الجبت: رنّة الشيطان" أي: صوت الشيطان، وصوت الشيطان يشمل أشياء كثيرة، منها: الأغاني والمزامير، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ .
وصوت الشيطان: كل كلام باطل، وكل كلام كفر أو شرك.
فهذا فيه بيان الشيء من أنواع السحر:
стр. 355
ولأبي داود والنسائي وابن حبّان في "صحيحه" المسند منه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس شُعبة من النجوم، فقد اقتبس شُعبة من السحر، زاد ما زاد" رواه أبو داود، وإسناده صحيح.
ــ
فالعِيافة نوع من أنواع السحر.
والطَّرْق نوع من أنواع السحر.
والطِّيَرة نوع من أنواع السحر.
كلها من أنواع السحر؛ لأنها من الجبت، والجبت السحر كما سبق، فالسحر إذاً كلمة عامة تجمع شروراً كثيرة، إما قولية، وإما عمليّة.
ثم قال المصنِّف ﵀: "إسناده جيّد" أي: إسناد الإمام أحمد جيد، لأن رواته ليس فيهم أحد مجروح.
قال: "وروى أبو داود والنسائي وابن حيان في صحيحه المسنَدَ منة" أي: رووا أصل الحديث، دون التفسير المذكور الذي ذكره عوف.
"وأبو داود"، هو الإمام المشهور، سليمان بن الأشعث، صاحب السنن المشهورة بسنن أبي داود وهي إحدى السنن الأربع.
"والنسائي" هو: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، الإمام الجليل، صاحب "السنن الكبرى" إحدى السنن الأربع.
"وابن حبّان في صحيحه" ابن حبّان هو: أبو حاتم، محمَّد بن حبان البُسْتي، صاحب الصحيح المسمّى بـ"صحيح ابن حبان".
قال: "وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس شُعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" رواه أبو داود، وإسناده صحيح".
قوله ﷺ : "من اقتبس شُعبة" يعني: تعلَّم. والشُّعبة: الطائفة أو القطعة.
"من النجوم" يعني: من علم التنجيم.
والتنجيم معناه: اعتقاد أن النجوم تؤثِّر في الكون،- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- هو: نسبة الحوادث الأرضيّة إلى الأحوال الفلكيّة.