← Акыда

Акыда · id 8565

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

صالح الفوزان

Полный текст (705 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ، دليل على كفر الساحر، حيث نفي فلاحه، والمؤمن يفلح ولو كان إيمانه ضعيفاً، ولو لم يكن عنده إلاَّ ذرّة من الإيمان فإنه يُفلح، وإن عُذِّب، والله نفى عن الساحر الفلاح مطلقاً، فدلّ على أنه كافر، والعياذ بالله. هذه المسألة الأولى، وهي مسألة مهمة جدًّا، ذكرنا فيها الأدلة التي تدلّ على كفر الساحر. وكفر الساحر مطلقاً كما ذكر الشارح هو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد؛ يرون كفر الساحر، وقد سبقهم جمع من الصحابة. والإمام الشافعي يقول: "نقول للساحر: صف لنا سحرك، فإن وصفه بما يُقتضى الكفر فهو كافر، وإلاَّ فلا". ولكن هذا المذهب مرجوح، لأنه لا يمكن السحر إلاَّ بالتعاون مع الشياطين، والخضوع لهم، وحينئذ يكون كافراً. الفائدة الثانية: في الحديث دليل على وجوب قتل الساحر قتل ردّة، لأنه صحّ عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ : عمر وحفصة وجُنْدب، ولم يظهر لهم مخالف من الصحابة، فدلّ على وجوب قتله، لأنه مرتدّ، والمرتدّ يجب قتله لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه"، وقوله ﷺ : "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة" فالساحر من هذا القسم الأخير التارك لدينه المفارق لجماعة المسلمين. فيجب قتله. الفائدة الثالثة: في هذه الآثار دليل على أنه يُقتل ولا يُستتاب، لأنه لم يذكر في هذه الآثار أن الصحابة استتابوه، وإنما فيها أنهم قتلوه، ولم يذكر أنهم استتابوه. وأيضاً إذا تاب في الظاهر فعلم السحر لا يزول من قلبه، فهو وإن أظهر التوبة فإنه يُقتل في كل حال، لأن التوبة لا تزيل السحر من قلبه بعدما تعلّمه، ومن أجل دفع فساده، لأنه قد يُظهر التوبة وهو غير صادق، بل من أجل أن يتّقي القتل. قال الشارح: "هذا قول الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد".

стр. 352

والقول الثاني -وهو قول الشافعي-، ورواية عن أحمد-: أنه يُستتاب كغيره من المرتدّين، لأن المشرك يُستتاب، فالساحر- أيضاً- يُستتاب. ولكن الرأي الأول أرجح، فيُقتل ولا يُستتاب لِغِلَظ ردّته، ولأجل كفِّ شرِّه عن المسلمين، ولأنه يُظهر التوبة ويخدع النّاس. لكن إن كان صادقاً في توبته فهذا فيما بينه وبين الله، أما الحد فلا يسقط عنه. وهذا حكمه في الدنيا. وعلى كل حال؛ أمر السحر أمرٌ خطير. وفي هذا الزمان كثر شرّ السحرة، وصاروا يستعملون السحر من أجل ابتزاز أموال الناس، واللعب عليهم، وأمر الأموال أخف من أمر العقيدة، وإن كانت الأموال شيئاً مهمًّا يجب الحفاظ عليه، ولكن العقيدة أهمّ، ووجود السحرة في المجتمعات الإسلامية وباء خطير فتَّاك، يجب علاجه، ويجب القضاء عليه. فالسحرة في العالم في هذا الزمان يقيمون نوادي، يجتمعون فيها، ومؤتمرات يعقدونها من أجل إهلاك البشر، وتعاظَم شرّهم وخطرهم، فيجب على المسلمين أن يحذروا منهم غاية الحذر، ويجب على من علم بوجود ساحر في البلد أن يبلِّغ ولاة الأمور عنه. ولا يجوز الذهاب إلى السحرة وتصديق السحرة، فالسحرة مثل الكُهَّان أو شرّ من الكُهَّان، وقد قال النبي ﷺ : "من أتى كاهناً لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً"، وقال ﷺ : "من أتى كاهناً أو عرّافاً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ "، والسحر من الطاغوت ومن الجبت- كما سبق-، وهو شرّ من الكِهانة. وإذا كان الكاهن يجب على المسلمين هجره والابتعاد عنه، وأن من أتاه لا تُقبل صلاته أربعين يوماً، ومن صدقه يكفر بما أنزل على محمَّد ﷺ ، فكيف يذهب بعض النّاس إلى السحرة والمشعوذين، وقد يأمرونه بالشرك، فيأمرونه بالذبح لغير الله؟! فالأمر خطير جدًّا فيجب على المسلمين أن يحذروا من هذا البلاء، ومن هذا الوباء، وهذا الخطر؛ أن لا يتفشَّى بين المسلمين.

стр. 353

[الباب الخامس والعشرون:] * باُب بيان شيء من أنواع السحر ــ مناسبة هذا الباب بعد الباب الذي قبله ظاهرة، لأنه في الباب الذي قبله بَيّن ما جاء من الأدلة في كتاب الله وسنّة رسوله في حكم السحر وحكم الساحر، فتطلَّعت الأنظار إلى أن يعرف النّاس ما هو السحر، وما هي أنواعه حتى يتجنّبوه. ومن ثَمّ يتعيّن على العلماء وطلبة العلم أن يبيّنوا للناس الحق والباطل، أن يبينوا للناس الحق وأدلّته، وأن يبيّنوا للناس الباطل وأدلّته وأنواعه؛ من أجل أن يأخذوا بالحق على بصيرة، وأن يتركوا الباطل على بصيرة، وإلاَّ فإنه إذا لم يبيّن الحق والباطل التبس على الناس، وظنوا الحق باطلاً والباطل حقّاً. ومن هنا يتعيّن على الدعاة وعلى الخطباء في المساجد وعلى المدرِّسين أن يعتنوا بهذا الأمر، وأن يبيّنوا للناس أمور عقيدتهم، وأمور دينهم. ومما حمل المصنِّف- أيضاً- ﵀ على عقد هذا الباب: أن هناك خوارق تجري على أيدي بعض النّاس خارجة عن الأسباب المعروفة، مثل: المشي على الماء، والطَّيَران في الهواء، والإخبار عن الأشياء الغائبة، وإحضار الشيء البعيد. وهذه الخوارق إن جرت على أيدي الصالحين فهي كرامات من الله ، والكرامات ثابتة عند أهل السنّة والجماعة، تجري على أيدي الصالحين إكراماً لهم من الله ، وقد تجري على أيدي الكفرة، والفسّاق، والمنافقين، فتكون هذه الخوارق شيطانية، يفتِنون بها الناس، ويلبِّسون بها على الناس، وهي إما سحر، وإما بسبب استخدام هؤلاء الفسّاق للشياطين، فيخدمهم الشياطين بهذه الأمور التي ليست من مقدور بني آدم، وإما أن لها أسباباً خفيّة لم تظهر للنّاس من حِيَل، يعملونها. فمن أجل التباس الحق بالباطل في هذه الخوارق أراد الشَّيخ أن يعقد هذا الباب ليبيّن أن هذه الخوارق من السحر، وليست من الكرامات. فيجب أن نعرف هذا الباب، والفرق بين الكرامات وخوارق الشيطان، لئلا يلتبس الأمر، ولئلا يتخذ المخرِّفون والمنحرفون الخوارق الشيطانية دليلاً على الولاية لله ، فيعبدون هؤلاء من دون الله .

стр. 354

قال أحمد: حدّثنا محمَّد بن جعفر، حدّثنا عوف، وحدّثنا حَيَّان بن العلاء، حدّثنا قَطَن بن قَبِيصة، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العِيافة والطَّرْق والطِّيَرة من الجبت". ال عوف: العِيافة: زجر الطير. والطَّرْق: الخطُّ يُخطُّ بالأرض. والجبت: قال الحسن: رنّة الشيطان. إسناده جيّد. ــ قوله: "قال أحمد: حدَّثنا محمَّد بن جعفر" المراد به: غُنْدُر. "حدثنا عوف " هو: عوف بن أبي جميلة، المسمى بعوف الأعرابي، إمام ثقة مشهور. "حدثنا حيان بن العلاء" حيان- بالياء المثنّاة- بن العلاء، بصريٌّ مقبول. "حدثنا قَطَن بن قَبِيصة" قَطَن بن قَبِيصة تابعي، بصري ثقة. "عن أبيه": قَبِيصة بن المُخَارق الهلالي، صحابي معروف. "أنه" يعني: قبيصة- ﵁. "سمع النبي ﷺ قال: " إن العِيافة والطَّرْق والطِّيَرة من الجبت". وتفسير هذه الألفاظ مروي عن: "عوف"، وهو: عوف بن أبي جميلة، المسمى بعوف الأعرابي؛ أحد رواة هذا الحديث. قال: "العيافة: زَجْر الطير" ومعناه: التشاؤم بأصواتها وأسمائها ومسارها. "والطَّرْق: الخطُّ يخطّ في الأرض" من أجل استطلاع الأمور الغائبة، وهي طريقة جاهلية، وهم لا يعلمون بها الغيب بذاتها، وإنما الشياطين هي التي تأتي لهم بما يريدون إذا تقرّبوا إليهم بالعبادة، وكفروا بالله ، لأن الشياطين تريد إضلال بني آدم مهما استطاعت. قوله: "قال الحسن " هو الحسن البصري إمام التابعين. "الجبت: رنّة الشيطان" أي: صوت الشيطان، وصوت الشيطان يشمل أشياء كثيرة، منها: الأغاني والمزامير، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ . وصوت الشيطان: كل كلام باطل، وكل كلام كفر أو شرك. فهذا فيه بيان الشيء من أنواع السحر:

стр. 355

ولأبي داود والنسائي وابن حبّان في "صحيحه" المسند منه. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس شُعبة من النجوم، فقد اقتبس شُعبة من السحر، زاد ما زاد" رواه أبو داود، وإسناده صحيح. ــ فالعِيافة نوع من أنواع السحر. والطَّرْق نوع من أنواع السحر. والطِّيَرة نوع من أنواع السحر. كلها من أنواع السحر؛ لأنها من الجبت، والجبت السحر كما سبق، فالسحر إذاً كلمة عامة تجمع شروراً كثيرة، إما قولية، وإما عمليّة. ثم قال المصنِّف ﵀: "إسناده جيّد" أي: إسناد الإمام أحمد جيد، لأن رواته ليس فيهم أحد مجروح. قال: "وروى أبو داود والنسائي وابن حيان في صحيحه المسنَدَ منة" أي: رووا أصل الحديث، دون التفسير المذكور الذي ذكره عوف. "وأبو داود"، هو الإمام المشهور، سليمان بن الأشعث، صاحب السنن المشهورة بسنن أبي داود وهي إحدى السنن الأربع. "والنسائي" هو: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، الإمام الجليل، صاحب "السنن الكبرى" إحدى السنن الأربع. "وابن حبّان في صحيحه" ابن حبّان هو: أبو حاتم، محمَّد بن حبان البُسْتي، صاحب الصحيح المسمّى بـ"صحيح ابن حبان". قال: "وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس شُعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" رواه أبو داود، وإسناده صحيح". قوله ﷺ : "من اقتبس شُعبة" يعني: تعلَّم. والشُّعبة: الطائفة أو القطعة. "من النجوم" يعني: من علم التنجيم. والتنجيم معناه: اعتقاد أن النجوم تؤثِّر في الكون،- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- هو: نسبة الحوادث الأرضيّة إلى الأحوال الفلكيّة.

стр. 356

وللنسائي من حديث أبي هريرة: "من عقد عُقْدة ثمّ نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلَّق شيئاً وُكِل إليه". ــ ولا تزال آثار هذه الخصلة الجاهلية في عصرنا الحاضر فيما يظفر عند المنجِّمين والذين يذهبون إليهم، وبما يُكتب في بعض الصُّحف والمجلاّت من أحوال البُرُوج، لأن نسبة هذه الأمور إليها في طلوعها أو غروبها، أو إلى الأفلاك في تحرُّكها؛ شرك بالله ، لأن الذي يدبِّر النجوم، ويدبِّر الأفلاك، ويدبِّر الكون كله هو الله ، فيجب أن نؤمن بذلك. أما النجوم، وأما الأفلاك، وأما جميع المخلوقات فليس لها تدبير، وليس لها إحداث شيء، أو جَلْبُ نفع، أو دفع ضر إلاَّ بإذن الله ، فالأمر يرجع كلّه إلى الله. ويجب على المسلم أن يعتمد على الله، وأن يتوكّل على الله، ولا يتأثّر بما يقوله المنجِّمون والفلكيُّون. أما تعلّم حساب منازل القمر من أجل معرفة مواقيت العبادات، ومواقيت الزراعة والبذور؛ فلا بأس به، وهذا ما يسمِّيه العلماء بعلم التَّسْيِير. وأما الاعتقاد بالنجوم بأنها تؤثِّر فهو علم التَّأْثير، وهو المحرّم. قوله: "فقد اقتبس شُعبة من السحر" وهذا هو الشاهد من الحديث للباب، حيث دلّ على أن التنجيم نوع من أنواع السحر، لأن كلاًّ من المنجِّم والساحر يدّعي علم الغيب الذي اختص الله تعالى بعلمه. وقوله: "زاد ما زاد" يعني: كل ما زاد من الاقتباس زاد من السحر، فمُقِلٌّ ومُسْتَكْثِر. فهذا تحذير من الرسول ﷺ . فالإنسان لا يجوز له أن يتعلم التنجيم الذي عليه المشركون، لأنه سحر وشرك بالله ، وادِّعاءٌ لعلم الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ الله . والنجوم إنما خُلقت لفوائد بيّنها الله في كتابه قال: "وللنسائي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من عقد عُقدة" هذا من عمل السحرة؛ يعقدون الخيوط ثمّ ينفثون فيها، والنفث هو: النفخ مع الرِّيق، ينفث فيها من ريقه الخبيث، لأنه متكيِّف بالشيطان، فريقه ممزوج بالخُبث وتأثير الشيطان.

стр. 357

وقد يضرّ من وُجّه إليه بإذن الله ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ . وقد أمر الله نبيّه بالاستعاذة منه في سورة الفلق، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) ﴾ ، ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ : السواحر، و ﴿الْعُقَدِ﴾ هي: العُقد التي في الخيوط. وقوله: "فقد سحر" يدل على أن هذا العمل سحر. وقوله: "ومن سحر فقد أشرك" هذا هو الشاهد من الحديث؛ أن من أنواع الشرك: عقد العُقد والنفث فيها بقصد السحر، لأن الساحر لا يتوصّل إلى سحره إلاَّ بالاستعانة بالشياطين، وإذا استعان بالشياطين فقد أشرك بالله . قوله: "ومن تعلّق شيئاً وُكِل إليه" أي: من اعتقد في شيء من دون الله أنه ينفع أو يضر وَكَله الله إلى ذلك الشيء. فمن اعتقد في السحرة والكُهّان والمشعوذين والمنجِّمين والأموات والأولياء أنهم ينفعون أو يضرُّون من دون الله وُكِل إليهم؛ عقوبةً له، وتخلّى الله عنه، وَوَكَله إلى هؤلاء الذين لا يملكون ضرًّا ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، ولا وتنقطع صلته بالله الذي بيده المُلْك، والذي بيده الخير، والذي يرحم عباده ويرزقهم، ويكلِه الله إلى هذه المخلوقات الضعيفة، لأنه اعتمد عليها، وتوكّل عليها، وخاف منها، ورجاها، فيوكل إليها. فمن ذهب إلى مشعوذ يريد منه العلاج والشفاء من المرض وَكَله الله ، ومن سأل كاهناً أو عرَّافاً عن شيء من الأشياء وَكَله الله إليه إذ اعتمد عليه. ومن توكّل على الله، وتعلّق بالله ، وخاف الله ورجاه فإن الله يتولّى أمره، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ ، فالذي يتوكّل على الله، ويؤمن بالله، ويعتمل! على الله؛ فإن الله يكفيه، ويصونه من شر عباده، قال تعالى ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ،. فمن توكّل على الله كفاه، ومن تركل على غير الله وَكَله الله إلى ضعيف، عاجز لا يُغني عنه من الله شيئاً، لا في الدّنيا ولا في الآخرة.

стр. 358

وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "ألا هل أنبئكم ما العَضْةُ؟ هي النميمة، القالة بين الناس" رواه مسلم. ــ أما في الدّنيا فيكِله الله إلى هؤلاء الذين يضلُّونه، ويُفسدون عقيدته، أو يوهِّمونه، ويتسلَّطون عليه حتى يعيش عيشة القلق والأوهام والضّعف والخَوَر. ولذلك نجد الخرافيّين والقبوريين دائماً في قلق، ودائماً في خوف، ودائماً في ذلّ، لأنهم تعلَّقوا بغير الله. أما في الآخرة فمعلوم مصيره إن لم يتب. ونجد الموحِّدين الصادقين في قوة وفي أمن، وفي سرور بال وراحة نفس وطُمأنينة، لأنهم توكّلوا على الله. ومن عبد الله وحده تولى الله أمره في الدُنيا والآخرة، ونجاه من العذاب، وأدخله الجنة. ومن عبد الشياطين والمخلوقين والقبوريين وغير ذلك وَكَله الله إليهم يوم القيامة، يقول لهم: اذهبوا إلى من كنتم تعبدونهم في الدنيا، وإذا ذهبوا إليهم تبرأوا منهم: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ ، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) ﴾ ، هذا في الدّنيا. وفي الآخرة: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) ﴾ ، وقت الحاجة ووقت الخطر كفروا بعبادتهم وتبرأوا منهم، فيذهبون إلى النار، لأنهم لم يعقدوا مع الله صلة تصلهم بالله ، ولم يعبدوا الله ويوحِّدوه، بل عبدوا غيره. قال: "وعن ابن مسعود" ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا هل أنبئكم ما العَضْةُ؟ "" العضه: السحر، أي: ما هو السحر؟. وهذا فيه التعليم وطريقة السؤال الجواب، لأن ذلك أوقع في النفس، إذا صار الشيء مهمًّا وخطيراً فإنه يُلقى على النّاس بطريق السؤال، من أجل أن يتنبّهوا. ثمّ قال ﷺ في الجواب: "هي النميمة" وهذا لبيان خطر النميمة، كأن النبي ﷺ حصر السحر فيها تحذيراً منها. ولماذا صارت النميمة بهذه الخطورة؟، لأن النميمة تعمل عمل السحر، فتفرِّق

стр. 359

ولهما عن ابن عمر ﵄ رسول الله ﷺ قال: " إن من البين لسحراً". ــ بيّن النّاس كما يفرِّق بينهم السحر، بل هي أشد، كما قال بعضهم: "يُفسد النمّام في ساعة ما يُفسده الساحر في سنة"، فالنميمة أشدّ تأثيراً من السحر، لأنها تفرِّق بين المسلمين والسحر إنما يؤثر فيمن وقع عليه. والنميمة معناها: نقل الحديث بين النّاس على وجة الوشاية والإفساد، يذهب إلى شخص فيقول له: إن فلاناً يسبُّك ويتنقَّصك، ويقول فيك كيت وكيت. ثمّ يغضب هذا الشخص على فلان. ثمّ يذهب إلى الثاني، ويقول: إن فلاناً يقول فيك كذا وكذا، ويسبّك، ويتنقّصك. فيغضب هذا على هذا، وهذا على هذا، ثمّ تقوم القطيعة بين الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه، وبين المسلم وأخيه المسلم، حتى ربّما تقوم الحروب الطاحنة بين النّاس بسبب النميمة. والنميمة من الكبائر، وقد بين النبي ﷺ أن النميمة من أسباب عذاب القبر، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ مرّ بقبرين فقال: "إنهما ليعذّبان، ما يعذّبان في كبير، أما إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله". فدلّ على أن النميمة تسبِّب عذاب القبر. وفي الحديث الصحيح: "لا يدخل الجنة نمّام" وفي رواية: "لا يدخل الجنة قتّات". والنمام ليس له حكم الساحر، فلا يكفر كما يكفر الساحر. وإنما النميمة محرَّمة كما يحرُم السحر، إلاَّ أن السحر كفر، والنميمة فسق. قال: "ولهما" أي للشيخين: البخاري ومسلم. "من حديث ابن عمر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحراً"" البيان هو: البلاغة والفصاحة، لأن النّاس يُصغون إلى المتكلِّم إذا كان فصيحاً في كلامه، وبليغاً في منطقه، بخلاف ما إذا كان ثَرْثَاراً، فإنهم لا يُصغون إلى كلامه، ويستثقلونه، ويملُّون من سماعه، فإن استعمل هذه القوّة البيانيّة في الخير والدفاع عن

стр. 360

الحق، والردّ على الباطل، فهو مأجور، أما إن استعملها بضدّ ذلك، فاستعملها في نُصرة الباطل، وهدم الحق فهو آثم، وهذا هو المذموم. والنبي ﷺ لم يذم البيان مطلقاً، وإنما ذم البيان الذي يقلب الحق باطلاً والباطل حقًّا، فإن البليغ الفصيح يستطيع بأسلوبه أن يزيّن للناس الباطل، وان يزوّره بكلامه حتى يظنّوه صحيحاً، ويستطيع أن يؤثِّر على الحق حتى يخيّل إلى النّاس أنه باطل. فالواجب على المسلم إذا أعطاه الله مقدرة في الكلام والمحاورة أن يستعمل هذا في طاعة الله ، وفي الدعوة إلى الخير، وترغيب النّاس في الخير، وتنفيرهم من الشرّ. أما أن يستعمله بضدّ ذلك بأن يستعمله بالكلام في أعراض العلماء الربانيين وتبديعهم، وتجهيلهم؛ فهذا من السحر. أو يستعمله في تزيين الشرك، وعبادة القبور، وتزيين البدع والخرافات والمحدثات؛ فهذا من السحر، لأن السحر يقلب الحق باطلاً والباطل حقًّا، كذلك البليغ الذي يستعمل فصاحته في الدعوة إلى الشر. وما ضلّ كثير من النّاس إلاَّ بسبب الدعاة البُلغاء المنحرفين إما في الإذاعات، وإما في الصحف، وإما فوق المنابر، وإما في مدرّجات الجامعات، إذا تكلموا استمالوا الحاضرين، وملئوا أدمغتهم بكلام مزوّر، حتى يخرجوا وهم يُبغضون الحق ويحبون الباطل- والعياذ بالله-، فهذا خطر عظيم. ما يًستفاد من هده الأحاديث: أولاً: في حديث قبيصة ﵁ أن العِيَافة والطَّرْق والطِّيُرة من الجبت، والجبت هو السحر، وكما سبق: أن الجبت كلمة عامة تشمل السحر، وتشمل الكهانة، وتشمل العِيَافة، وتشمل الخطّ يخطّ في الأرض. يعني: تشمل كل ما فيه ادّعاءٌ لعلم الغيب. ثانياً: في حديث ابن عباس تحريم تعلّم التنجيم، وأنه نوع من أنواع السحر. ثالثاً: في حديث أبي هريرة أن عقد الخيوط والنفث فيها بقصد التأثير

стр. 361

والإضرار بالنّاس أن هذا سحر، ومن سحر فقد أشرك، فالسحر نوع من أنواع الشرك، لأن الساحر يستعين بالشيطان، ويتقرّب إلى الشيطان، وهذا هو الشرك. رابعاً: في حديث أبي هريرة أن من تعلّق على السحرة والمشعوذين والدجّالين أنه يوكل إليهم، ويتخلى الله عنه، وإذا تخلى الله عنه وَوَكَله إلى غيره هلك. خامساً: في حديث ابن مسعود ﵁ تحريم النميمة، وأنها من الكبائر، وأنها نوع من أنواع السحر. سادساً: في حديث ابن عمر تحريم البلاغة التي تُستخدم لنصر الباطل والدعوة إليه، والتنفير من الحق، وتشويه الحق، وأن هذا نوع من أنواع السحر.

стр. 362

[الباب السادس والعشرون:] * بابُ ما جاء في الكهان ونحوهم ــ مناسبة هذا الباب لما قبله: أن ما قبله في بيان السحر وحكم الساحر، وبيان بعض أنواع السحر. وهذا في حكم الكُهّان، وذلك للتشابه بين الكُهّان والسحرة، لأن كلاًّ من السحر والكهانة عمل شيطاني يُنافي العقيدة ويضادّها. والشيخ ﵀ في هذا الكتاب يبيّن العقيدة الصحيحة، ويبيّن ما يضادّها من الشركيّات والكفريّات أو ينقصها من البدع والمحدثات. وهذه هي الطريقة الصحيحة المتمشِّية مع الكتاب والسنّة؛ أنه يبيّن الخير ويوضِّحه، ثمّ يبيّن ضدّه من الشر؛ من أجل أن يكون المسلم على حذر، لأنه لا يكفي أن الإنسان يعرف الخير فقط، بل لابد مع معرفته للخير أن يعرف الشر؛ من أجل أن يتجنّبه، وإلاَّ إذا لم يعرف الشر فإنه حريٌّ أن يقع فيه وهو لا يدري بل قد يظنه خيراً. فقوله: "باب ما جاء في الكُهّان ونحوهم " يعني: ومن كان مثلهم من العرّافين والرّمّالين وغير ذلك، لأن هذا باب يشمل كل ما هو من نوع الكِهانة. والكِهانة معناها: ادّعاء علم الغيب، بطرق شيطانية. فالكاهن هو: الذي يُخبر عن المغيبّات من الأشياء المستقبَلَة، والأشياء المفقودة والضالّة، بسبب أنه يخضع للشياطين، لأن الشياطين عندهم مقدرة ليست عند الإنس، فهم يرتفعون في الجوّ ويحاولون استراق السمع من السماء، ثمّ يُخبرون بما يسمعون من يخضع لهم من الإنس، ثمّ هذا الإنسي يأخذ الكلمة التي سُمعت من السماء، ويكذب معها مائة كذبة، من أجل أن يلبِّس على النّاس. ولا تُخبره الشياطين إلاَّ إذا أطاعهم، وكفر بالله ، وأشرك بالله، ونفّذ ما تمليه عليه الشياطين من الكفر والشرك، وإلاَّ فالشياطين لا تطيع المؤمن، الموحّد لأنه لا يطيعها، وإنما تطيع من يأتي على رغبتهم في الكفر بالله والشرك بالله. وكانت الكهانة سوقاً رائجة عند العرب في الجاهلية، وكان الكُهّان لهم شأن عند العرب، كل قبيلة لها كاهن يتحاكمون إليه، وكانت الشياطين تسترق السمع،

стр. 363

روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرّافاً فسأله عن شيء فصدّقه بما يقول، لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً". ــ وتُخبر به هؤلاء الكُهّان، فلما أراد الله بعثة نبيه محمداً ﷺ حُرست السماء بالشُّهب، ومنعوا من استراق السمع. كما قال تعالى حكاية عن الجن في أول سورة الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً (٩) ﴾ . فلما بعث الله نبيّه محمّداً ﷺ قَلّت الكِهانة عمّا كانت عليه في الجاهلية، وذلك لظهور الإسلام، ومعرفة الحق من الباطل، لكن لهم وجود مستمرّ إلى يومنا هذا. وكلما فشا الجهل في الأمة ظهر الكُهّان، وكلما كثر العلم والتمسك بالدين والعقيدة الصحيحة قلّ الكُهّان، أو انقرضوا. فالجهات التي فيها توحيد، وفيها إسلام صحيح، لا يوجد فيها كُهّان، وإن وُجدوا فإنهم لا يظهرون، ولا يُعرفون إلاَّ نادراً. أما المجتمعات الهمجيّة، والمجتمعات التي فشا فيها الجهل والخرافات، فإن الكُهّان يكثرون فيها، وتكون لهم سوق رائجة فيها، كما كانت لهم في الجاهلية. فمن أجل ذلك عقد الشَّيخ ﵀ هذا الباب في موضوع الكُهّان، وبيان حكمهم، وحكم من يأتي إليهم وحكم من يسألهم ويصدّقهم؛ من أجل أن يكون المسلمون على حذر منهم، وأن لا يغتروا بهم، ولو ظهروا للناس باسم أطبّاء أو معالجين أو أصحاب خِبرة، فإن هذه الأسماء أسماء خدّاعة، لا تغيّر الحقيقة، فالكاهن كاهن مهما تسمّى بالأسماء التي يستتر بها. قال: "روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ " ورد في رواية أخرى بأنها حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄. "عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرَّافاً" العرّاف قيل: هو الذي يُخبر عن الأمور الغائبة عن طريق الحَدْس والتّخمين والظّن. وقيل: هو الكاهن. فلا فرق بينهما -كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية-؛ أن العرَّاف اسم عام يدخل فيه كلّ من أخبر عن المغيّبات، سواء عن طريق الشياطين، أو عن طريق الحَدْس والتّخمين،

стр. 364

وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهناً فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ " رواه أبو داود. ــ أو عن طريق الخطّ في الرّمل، أو قراءة الكف والفِنْجَان، أو غير ذلك. "فصدَّقه بما يقول لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً" هذه اللَّفظة (فصدَّقه) ليست في صحيح مسلم، وإنما وردت في رواية الإمام أحمد في المسند، والذي في صحيح مسلم: "من أتى عرَّافاً لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً"، فالحكم مرتّب على مجيء العرَّاف فقط، لأن إتيان العرّاف والذهاب إليه جريمة ومحرم حتى ولو لم يصدِّقه. ولهذا لما سأل معاوية بن الحكم رسول الله ﷺ عن العرَّافين قال: "لا تأتهم" فالنبي ﷺ نهاه عن مجرّد إتيانهم. فهذا الحديث يدلّ على تحريم الذهاب إلى العرَّافين، حتى ولو لم يصدِّقهم، ولو قال: أنا أذهب من باب الإطلاع، فهذا لا يجوز. "لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً" في رواية: "أربعين يوماً وليلة". فدلّ هذا على شدّة عقوبة من يأتي العرَّاف، وأن صلاته لا تُقبل عند الله، ولا ثواب له عند الله فيها، وإن كان لا يؤمر بالإعادة، لأنه صلّى في الظاهر، لكن فيما بينه وبين الله صلاته لا ثواب له فيها لأنها غير مقبولة. وهذا وعيد شديد يدلّ على تحريم الذهاب إلى العرَّافين مجرّد الذهاب، ولو لم يصدِّق، أما إذا صدّقهم فسيأتي في الأحاديث ما عليه من الوعيد الشديد، والعياذ بالله. قال: "وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهناً ... إلخ" هذا الحديث فيه شيئاًن: الشيء الأول: المجيء إلى الكاهن. والشيء الثاني: تصديقه بما يخبر به من أمر الكِهانة. وحكمه: أنه يكون كافراً بما أنزل على محمَّد ﷺ ، لأنه لا يجتمع التصديق بما أنزل على محمَّد والتصديق بما عند الكُهّان من عمل الشياطين. ضدّان لا يجتمعان، لا يمكن أن يصدِّق بالقرآن ويصدِّق بالكِهانة.

стр. 365

وللأربعة والحاكم- وقال: صحيح على شرطهما- عن أبي هريرة: "من أتى عرَّافاً أو كاهناً فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ ". ولأبي يعلى بسند جيّد عن ابن مسعود مثله موقوفاً. ــ وظاهر هذا أنه يخرج من الملّة. وعن أحمد روايتان في نوع هذا الكفر: رواية أنه كفر أكبر يُخرج من الملّة. ورواية أنه دون ذلك. وفيه قول ثالث: وهو التوقّف، وأن يُقرأ الحديث كما جاء من غير أن يفسِّر بالكفر الأكبر أو الكفر الأصغر، فنقول ما قاله الرسول ﷺ ويكفي. ولكن الظاهر- والله أعلم- هو القول الأول؛ أنه كفر يُخرج من الملّة، لأنه لا يجتمع التصديق بالقرآن والتصديق بالكهانة، لأن الله أبطل الكِهانة، وأخبر أنها من عمل الشياطين، فمن صدّقها وصوّبها كان كافراً بالله كفراً أكبر. هذا هو الظاهر من الحديث. قال: "وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما- عن أبيص هريرة: من أتى عرَّافاً أو كاهناً ... الخ" في هذا الحديث جمع بين الاثنين: العرَّاف والكاهن، فإذا جُمع بينهما فالكاهن هو: الذي يُخبر عن المغيّبات بسبب ما تُلقيه عليه الشياطين. وأما العرّاف فهو الذي يُخبر عن المغيّبات بسبب الحَدْس والتّخمين والخطّ في الأرض، وما أشبه ذلك. فإذا ذُكر الاثنان جميعاً صار لكل واحد معنى. أما إذا ذُكر الكاهن وحده دخل فيه العرّاف، وإذا ذُكر العراف وحده دخل فيه الكاهن. قال: "ولأبي يعلى" أبو يعلى هو: أبو يعلى الموصلي، الإمام الحافظ. "بسند جيّد عن ابن مسعود مثله" أي: مثل حديث أبي هريرة: "من أتى عرَّافاً أو كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ " إلاَّ أنه موقوف على ابن مسعود، ولم يُرفع إلى النبي ﷺ ، والموقوف: ما كان من كلام الصحابي. فهذا يؤيّد ما سبق.

стр. 366

الأحاديث كلها تدل على تحريم الذهاب إلى الكهان والعرّافين، وتصديقهم بما يقولون. فقد دلت هده الأحاديث على مسائل: المسألة الأولى: بُطلان الكِهانة ومشتقّاتها من العِرافة وغير ذلك من دعاوى علم الغيب، وأن هذا كله باطل، لأن الغيب لا يعلمه إلاَّ الله ، قال تعالى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾ ، والنبي ﷺ يقول الله عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ ، فالرسول لا يعلم الغيب إلاَّ ما علمه الله، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) ﴾ ، فقد يطلع الله أنبياءه على شيء من الغيب من أجل إقامة الحجّة على الخلق، وتكون معجزة لهذا الرسول. المسألة الثانية: في الحديث دليل على وجوب تكذيب الكُهّان ونحوهم، وأن لا يقع في نفس الإنسان أدنى شك في كذبهم، فمن صدّقهم، أو شك في كذبهم، أو توقّف؛ فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ ، لأنه يجب الجزم بكذبهم. المسألة الثالثة: فيه دليل على تحريم الذهاب إلى الكهّان ولو لم يصدِّقهم، وأنه إذا فعل ذلك لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً. المسألة الرابعة: فيه دليل على أن تصديق خبر الكُهّان كفر بما أنزل الله على رسوله محمَّد ﷺ ، والذي أنزل الله على رسوله هو الكتاب والسنّة. المسألة الخامسة: تدلّ هذه الأحاديث على وجوب معاقبة الكهان ومن يذهب إليهم من قِبَل ولاة الأمور، لأجل إراحة المسلمين من شرّهم، ووقاية المجتمع من خطرهم، لأن خطر الكُهّان في المجتمع خطر شديد يقضي على عقيدة التّوحيد، وينشر الخوف والرّعب بين الناس، لأن هؤلاء الكُهّان يُرهبون النّاس بما يقولون لهم من الكذب والوعيد والترهيب حتى يخيفوهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (٦) ﴾ ، يعني: خوفاً. فهؤلاء وجودهم في المجتمع يسبب الإرهاب، ويسبب التشويش على عقول الناس، والخوف، ويروِّجون الكذب والشر، حتى يُصبح النّاس في خوف وقلق

стр. 367

عن عمران بن حصين مرفوعًا: "ليس منا من تَطَيَّر أو تُطُيِّر له، أو تَكَهَّن أو تُكُهِّن له، أو سَحَر أو سُحِر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ " رواه البزار بإسناد جيد. ــ بسبب الكهّان، يأتونهم ويقولون لأحدهم: إن فلاناً عمل لك سحراً، أو ربطك، أو ربط فيك الجن، أو غير ذلك من أكاذيبهم وإرجافاتهم. قال: "وعن عمران بن حصبن مرفوعاً: "ليس منا من تطيّر أو تطيّر له" الطيرة: سيأتي لها باب خاص. وهذا الحديث كالذي سبقه، يدل على تحريم الكِهانة، والذهاب إلى الكهان، لأنهم يفسدون عقيدة من يذهب إليهم، وبعضهم ربما تظاهر بذكر اسم الله أو يصلي، أو غير ذلك، حتى يقول من رآه: رأيته يصلي، رأيته يذهب للمسجد. وما كل مَنْ يصلي يصير مسلماً، قد يصلي الإنسان ويزكِّي ويصوم ويحج وهو كافر، إذا فعل ذلك نفاقاً أو ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام، فالكاهن لو صلى ولو صام ولو حج، ولو تصدّق ولو زكّى لا تُقبل أعماله لأنه مشرك كافر، وكذلك الساحر. وبعضهم يقول: أنا انتفعت من ذهابي إلى هؤلاء، أنا كنت مريضاً وانتفعت، وحصول الحاجة أو حصول الغرض ليس دليلاً على الجواز، فقد يُعطى الإنسان حاجته من باب الفتنة ومن باب الاستدراج والاختبار، والعبرة في كونه دلّ الدليل الشرعي على جواز هذا الشيء أو على تحريمه هذا هو الشأن. والنبي ﷺ يقول: "ليس منّا من تكهّن أو تُكُهِّن له، أو سحر أو سُحر له"، ويقول: "ومن أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ ". ومعنى: "تكهّن" فعل الكهانة. ومعنى: "تُكُهِّن له" فعلت الكهانة من أجله بطلبه. فمن ذهب إلى الكهّان فله حالتان: الحالة الأولى: أن لا يصدِّقهم، ولكن يقول: أريد أن أرى ماذا عندهم؟. فهذا لا تُقبل له صلاةٌ أربعين يوماً، لأن ذهابه إليهم محرّم، فعوقب بأنه لا تُقبل له صلاةٌ أربعين يوماً، إلاَّ إذا ذهب إليهم من أجل التثبت في شأنهم مي أجل منعهم والقضاء على فسادهم.

стр. 368

ورواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن من حديث ابن عباس، دون قوله: "ومن أتى ... " إلى آخره. قال البغوي: "العرّاف: الذي يدّعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة، ونحو ذلك". ــ أما إذا صدّقهم فقد كفر بما أُنزل على محمَّد ﷺ ، فهو لا يرجع سالماً أبداً، ممّا يدل على تحريم الذهاب إلى الكُهّان والمشعوذين والمدجِّلين. وقوله "رواه البزّار بإسناد جيِّد" البزّار هو: أبو بكر أحمد البزّار،: صاحب "المسند" المعروف بـ "مسند البزّار"، وهو إمامٌ جليل، توفي على رأس القرن الثالث ﵀، ومسنده يعرف عند العلماء بـ "مسند البزّار". وقوله: "ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عبّاس" أي: روى الطبراني هذا الحديث الذي رواه عمران بن حُصين من حديث ابن عباس. "دون قوله: ومن أتى" إلى آخره" يعني: روى منه أوله: "ليس منا من تكهّن أو تُكُهِّن له، أو تطيّر أو تُطيِّر له، أو سحر أو سُحر له"، وبإسناد حسن، فهو يؤيِّد رواية البزّار عن عمران بن حُصين. ثم ذكر الشَّيخ ﵀ تفسير هذه الألفاظ التي وردتْ في الباب نقلاً عن "البغوي" وهو: الإمام الحافظ الجليل، محيي السنّة، الحسين بن مسعود البغوي، نسبة إلى "بَغْ" من بلاد المشرق، لأنها من حرفين، فإذا نُسب إلى اسم من حرفين تُزاد فيه (واو) فيقال: (بغوي) مثلاً. وهو: إمام جليل، سلفي العقيدة، وله مؤلَّفات جليلة، منها: "تفسير البغوي" المطبوع المعروف المتداوَل، وهو يشبه "تفسير ابن كثير" في التحقيق والأصالة وسلامة العقيدة، إلاَّ أنه أخصر من "تفسير ابن كثير"، ومنها: "شرح السنّة" الذي يتكوّن من حوالي أربعة عشر مجلّد، وقد طُبع والحمد لله، ومنها: "مصابيح السنّة" التي رتّبها وزاد عليها التِّبْريزي في كتاب "مِشْكاة المصابيح". فهو إمامٌ جليل ﵀، وهو من أئمة الشافعية ويُلقّب بمحيي السنّة، لأنه إمامٌ مجدِّد ﵀.

стр. 369

وقيل: هو الكاهن. والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير. وقال أبو العباس ابن تيمية: العرّاف: اسم للكاهن والمنجّم والرمّال ونحوهم؛ ممن يتكلّم في معرفة الأمور بهذه الطرق". ــ "العرّاف: الذي يدّعي معرفة الأمور بمقدِّمات يستدلُّ بها على المسروق ومكان الضالة، ونحو ذلك" وهذا من الشيطان، فالشياطين تأتيه بذلك، لكن يتظاهر بعمل أشياء يظن النّاس أنّ هذه الأشياء من الأمور المباحة، لكن هذه رموز فقط، وإلاَّ في الحقيقة هو يتعامل مع الشيطان، وإلاَّ ما الذي يدريه عن مكان المسروق، وما الذي يدريه عن مكان الضالّة لولا أنه يتعامل مع الجن ومع الشياطين. قال: "وقيل: هو: الكاهن" أي: العرَّاف والكاهن سواء، لأنّ كلاًّ منهما يخبر عن الأمور الغائبة بواسطة الشياطين، فكلهم عملاء للشياطين، وإنِ اختلفوا في الاسم، هذا عرّاف، وهذا كاهن، فالمعنى واحد، والمهنة واحدة، وهي ادّعاء علم الغيب، وإن اختلف اللفظ. "والكاهن هو: الذي يُخبر عن المغيِّبات في المستقبل" بسبب أن الشياطين تُخبره بما تعلَم ممّا لا يعلمه الإنسان، لأن الشياطين تدري عن أشياء لا يعرفها الناس، فيخبرون النّاس في مقابل إن النّاس يخضعون لهم، ويفعلون ما يطلبونه منهم من الشرك والكفر بالله ، ويتقرّبون إليهم، فإذا تقرّب الإنسي إلى الجنيّ بما يريد خدمه الجني بما يطلبه منه من الأمور الغائبة. "وقيل: هو الذي يُخبر عمّا في الضمير"يعني: عمّا في النفس، ولا يعلم ما في القلوب إلاَّ الله ، لكن الشيطان قد يعرف شيئاً من هواجس الإنسان، لأنه هو الذي يوسوس للإنسان، ولأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فيعرف الشيطان من الإنسان ما لا يعرفه الإنسان عن الإنسان. هذا تفسير البغوي ﵀. قال: "وقال أبو العبّاس ابن تيمية" أبو العبّاس هذه كنيته، وليس له ابن اسمه

стр. 370

العباس، لأنه لم يتزوّج ﵀، ولكن يجوز أنّ الإنسان يُكَنَّى بأبي فلان ولو لم يكن له ابن. وهو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، شيخ الإسلام، الإمام المجدِّد المشهور، الذي نفع الله بعلومه، ولا يزال نفعه مستمرَّاً ولله الحمد، وكتبه لا تزال موضع تنافُس طلاب العلم للحصول عليها والإطلاع عليها، وهذا ممّا كتبه الله من الكرامة لهذا العالم الجليل؛ لصدْق نيّته، وإخلاصه وجهاده في سبيل الله ، وصبره واحتسابه. قال: "العرّاف: اسم للكاهن والمنجِّم والرمّال ونحوهم " لأن كلمة العرّاف عامّة، يدخل تحتها كل من يدّعي معرفة المستقبل، سواءٌ بِكِهانة أو بتنجيم، أو بخط في الرمل، فكلهم يتعاملون مع الشياطين ويتقربون إليهم. ولهذا يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) ﴾ ، وهذا يدخل فيه الكاهن والمنجِّم والرمّال والعرّاف، كلهم يدخلون تحت كلمة ﴿أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ، وتتنزّل عليهم الشياطين، بخلاف الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- فإنهم تتنزّل عليهم الملائكة، ولهذا قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) ﴾ ، يعني: القرآن، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) ﴾ ، فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- تتنزّل عليهم الملائكة من الرحمن، وأما الكهّان فتتنزّل عليهم الشياطين. فهذا يشمل كل من يتكلّم في معرفة الأمور بهذه الطرق ممّن يُخبر عن هذه الأشياء بتلك الأمور التي يسمونها خطًّا في الرمل، إلى آخره. فهذا تفسير جامع. وأما اختلاف الوسائل؛ هذا يستعمل كذا، وذا يستعمل كذا فلا عبرة بها، لأن النتيجة وهي ادّعاء علم الغيب؛ نتيجة واحدة. والذي يهمنا النتيجة والحكم، فالنتيجة: الإخبار بعلم الغيب، وادعاء مشاركة الله في علم الغيب. والحكم: أن كل هؤلاء كفرة، لأنهم يدّعون مشاركة الله تعالى في صفة من أعظم صفاته وهي علم الغيب.

стр. 371

وقال ابن عباس في قوم يكتبون (أبا جاد) ، وينظرون في النجوم: "ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق". ــ قال الشَّيخ ﵀ "وقال ابن عبّاس في قوم يكتبون (أبا جاد) وينظرون في النجوم" (أبا جاد) المراد بها: حروف الجُمَّل، التي هي: (أبْجَدْ، هَوِّزْ، حُطِّيْ، كَلِمَنْ) إلى آخره، وهي حروف مقطّعة يكتبونها لتمييز الجمل، والمشعوذ إذا كتب هذه الحروف قال: يحدث كذا ويكون كذا. وهذه في الحقيقة طلاسِم. وهؤلاء هم الذين قال فيهم عبد الله بن عباس ﵁: "ما أرى مَنْ فعَل ذلك" أي: كتب هذه الحروف، ونظر في النجوم، وأخبر أنه سيحدث كذا وكذا. "له عند الله من خَلاق" أي: ليس له نصييبٌ من الجنّة عند الله ، ومعناه: أنه كافر، لأن الذي ليس له عند الله مِنْ خلاق هو الكافر، كما قال تعالى في السَّحَرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ . فهذا حكم عبد الله بن عبّاس ﵁ على أصحاب الطلاسم الذين يكتبون الحروف المقطّعة، وينظرون في النجوم، ويقولون: سيحدث كذا. فهذا من ادّعاء علم الغيب، وهو طريقة من طرق الكِهانة أو العِرافة أو التنجيم أو السحر، سمِّها ما شئت، لا يهمّنا الأسماء، الذي يهمّنا النتيجة والحكم الشرعي. أما الذي يكتب (حروف الجُمل) لتمييز الجُمَل فقط وهو تمييز الفقرات؛ فهذا لا بأس به، مثلاً يقول: الفقرة (أ) ، الفقرة (ب) ، الفقرة (ج) ، الفقرة (د) لا يدّعي به علم الغيب، وإنما يريد ترتيب الجمل فقط. والحاصل؛ أن هذا بابٌ عظيم؛ لأنه يعالج أمراضاً واقعة في العالم اليوم، لا أقول في العالم الكافر، لأنه ليس بعد الكفر ذنب، لكن في العالم الإسلامي، وربما يسمونه أعمالاً رياضية وفنوناً تشكيلية، ووُجود هذا الوباء؛ وباء السحرة والمشعوذين والدّجالين والكَهَنة والمنجِّمين، ويسمون هذا من باب الفنون، أو يسمونهم بأسماء تدلُّ على تبجيلهم، وعلى أنهم أصحاب علم، وأصحاب خبرة، أو أشد من ذلك يدّعون أنهم أولياء الله، وأنّ هذه كرامات تدلُّ على أنهم من أولياء الله، وهذه ليستْ كرامات، وإنما هي خوارق شيطانية، لأن الكرامات هي التي تجري على أيدي الصالحين، وليس لهم فيها تصرُّف منهم، وإنما هي من الله .

стр. 372

فالكرامات تجري على أيدي رجال صالحين مستقيمين على الكتاب والسنّة. والخوارق الشيطانية تجري على أيدي كفرة مشعوذين. وأيضاً الكرامات لا صنع للآدمي فيها، وإنما يجريها الله ، بخلاف هذه الخوارق الشيطانية، فهي حِيَل ومِهَن وحِرَف وتدجيل يعملونه هم، ويتظاهرون أمام النّاس أنه بسبب هذه الأشياء حصل ما حصل. وهو في الحقيقة إنما هو من عمل الشياطين الذين لا يراهم الناس. فالحاصل؛ أنّ هذا بابٌ عظيم، ويشتمل على علاج لمرض خطير يتفشّى الآن في العالم الإسلامي، وهو مرض الكهنة والسحرة والمنجِّمين والعرّافين؛ الذين صار لهم صوْلة وجولة في العالم، وأشدّ من ذلك إذا ادُّعِي أن هؤلاء من أولياء الله، وأنّ هؤلاء لهم كرامات، مع أنهم كفرة لا يصلون ولا يصومون ولا يتطهّرون من الجنابة!، وربما يقولون: هذا دليل على كرامتهم، وكونه لا يصلي لأنه وُضِعَتْ عنه التكاليف، ووصل إلى الله، والتكاليف هذه على النّاس العوام!! فالحاصل؛ أن هذا الباب إذا تأمّلته وجدت أن الشَّيخ ﵀ لم يكتبه من فراغ، وإنما كتبه ليعالِج به أمراضاً متفشِّية، وازدادت الآن بحكم تأخر الزمان، وبحكم فُشُوُّ الجهل، وبحكم تقارب العالم وارتباط بعضه ببعض، وسريان الشرور في العالم بسرعة. فيجب على طلبة العلم أن يتنبّهوا لهذه الأمور ويقوموا بالتحذير منها وإنكارها، لأن أكثر النّاس سُذَّج لا يعرفون هذه الأمور، فيغرِّرون بهم. وأيضاً هم محتاجون للعلاج من الأمراض، فيقولون: هذه فيها منافع، وفيها علاج، ولا يدرون أن المضار التي فيها أكبر من المنافع، إن كان فيها منافع أو يدخلونها في قسم الفنون والمهارات. فيجب على طلبة العلم أن يهتمُّوا بهذا الأمر وأن يتفهّموا هذا الأمر، ويتفقهوا فيه، ويعالجوا هذه الأمراض المتفشيِّة التي تقضي على العقيدة، وتقضي على دين الإسلام، والعياذ بالله.

стр. 373

[الباب السابع والعشرون:] * بابُ ما جاء في النُّشرة عن جابر: أن رسول الله ﷺ سئل عن النُّشرة؟ فقال: "هي من عمل الشيطان" رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود، وقال: سئل أحمد عنها؟، فقال: "ابن مسعود يكره هذا كله". ــ مناسبة هدا الباب لما قبله: أن الشَّيخ لَمّا ذكر في الأبواب السابقة السّحر وما جاء فيه، وذكر أنواعاً من السحر، وذكر ما يعمّ السحر وغيره من أعمال الشياطين؛ وهو الكِهانة والعِرافة وكل ما هو من هذا القبيل من الشعوذات؛ انتقل إلى بيان حكم النُّشرة، فقال: "باب ما جاء في النُّشرة" يعني: من الأحاديث والآثار التي تدلّ على حكمها في الشرع. وهذا في غاية المناسبة؛ لأن النّاس في حاجة إلى معرفة ذلك، لأن السحر موجود، ومن النّاس من يُبتلى به ويقع عليه السحر ويتضرّر به، والله تعالى ما أنزل داء إلاَّ أنزل له شفاء، علِمه مَنْ علِمه وجهله مَن جهِله، فلابد أن نعرف ما هو الدواء الصحيح للسحر، الدواء الذي لا يمس العقيدة، ونعرف- أيضاً ما يخالف العقيدة فنتجنّبه، وأيضاً: هناك من السحرة من يقول للناس: أنا أُعالج السحر، وأنا.. وأنا؛ فهذا أمرٌ واقع لابد من معرفته وبيان حكمه للناس. والنُّشرة- بضم النون وسكون الشين- مأخوذة من (النّشر) وهو التفريق؛ وهي - كما فسّرها الإمام ابن القيم-: حلّ السحر عن المسحور. وهي ضرب من العلاج، سمي نشرة: لأنه يُنشر به، أي: يزال ما أصاب المريض وما خامره من الداء. وقوله في حديث جابر: "أنّ رسول الله ﷺ سُئل عن النُّشرة" أي: النُّشرة المعهودة في الجاهلية، وهي التي كانت من عمل الشيطان. "فقال: "هي من عمل الشيطان" "، لأنها سحر، والسحر من عمل الشيطان- كما مرّ في الأبواب السابقة-.

стр. 374

وفي البخاري عن قتادة: قلت لابن المسيّب: رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته؛ أَيُحَلُّ عنه أو يُنْشَر؟، قال: "لا بأس به؛ إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم يُنَه عنه". ــ "رواه" الإمام "أحمد" في مسنده بسند جيِّد، وأبو داود" في سننه. "وقال" أي: أبو داود، لأن أبا داود من تلاميذ الإمام أحمد، وروى عنه كثيراً من المسائل في المذهب، ويوجد الآن مجلّد مطبوع اسمه "مسائل أبي داود" وهي المسائل التي رواها أبو داود من أجوبة الإمام أحمد على الأسئلة التي تَرِدُ عليه. "قال: سُئل أحمد عنها" يعني: عن النُّشرة؛ ما حكمها؟ "فقال: "ابن مسعود يكره هذا كله"" أي: يحرم النُّشرة، لأن السلف يريدون بالكراهة التحريم، والمراد النُّشرة التي هي من عمل الجاهلية. قال: "وفي البخاري" أي: في "صحيح البخاري". عن قَتادة هو: قتادة بن دِعامة السدوسي، نسبةً إلى جده سَدوس، وكان من أكبر علماء التابعين، ويُقال: إنه وُلد أكْمه يعني: ليس له عينان. وكان نادراً في الحفظ والذّكاء والفقه ﵀، حتى كان من كبار التّابعين. "قلت لابن المسيّب" المراد به: سعيد بن المسيّب، أحد أعلام التّابعين وأحد الفقهاء السبعة الذين اتتهت إليهم الفتوى في زمانهم، وهو عالِم المدينة وفقيهها. "رجلٌ به طِب" يعني: أنّ قتادة بن دِعامة سأل شيخه سعيد بن المسيّب عن رجل به طبّ. والطِّبّ معناه: السحر، يقال: مطبوب يعني: مسحور، قالوا: وهذا من باب التّفاؤل، لأنّ الطب معناه العلاج، كما يقولون للديغ: سليم، من باب التفاؤل بالشّفاء. "أو يؤخّذ عن امرأته" يؤخّذ: معناه: يُمنع عن جماع امرأته فلا يستطيع جماعها بسبب السّحر. "أَيُحَلُّ عنه أو يُنشر" يُحَل وينشَّر بمعنىً واحد، يعني: هل يجوز أن يحلّ عن هذا المطبوب أو هذا المؤخَّذ ما أصابه؟. فأجابه ابن المسيّب ﵀ بقوله: "لا بأس" لا بأس أن يحلّ عنه أو ينشّر.

стр. 375

ورويَ عن الحسن؛ أنه قال: "لا يحل السحر إلاَّ ساحر". قال ابن القيم: "النُّشرة: حلّ السحر عن المسحور، وهي نوعان: حلٌّ بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان. وعليه يحمل قول الحسن. فيتقرّب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب؛ فيبطل عمله عن المسحور. ــ وقوله: "إّنما يريدون به الإصلاح" أي: حلّ السحر يراد به االإصلاح، بخلاف السحر نفسه فإنّما يُراد به الضّرر، أما حلّه فيُراد به الإصلاح وإزالة المرض عن الإنسان. "فأمّا ما ينفع فلم يُنْهَ عنه" أي: أنّ الشارع جاء بإباحة ما ينفع وتحريم ما يضرّ، والنُّشرة من القسم الثني، أي: من الشيء النّافع. قوله: "ورويَ عن الحسن" الحسن هو: ابن أبي الحسن البصري، أحد أعلام التّابعين بالفقه والعلم والوَرع والعبادة- ﵀. وقوله: "لا يحلّ السحر إلاَّ ساحر" هذا يتّفق مع الحديث ومع قول ابن مسعود، ويختلف مع قول ابن المسيب. قوله: "قال ابن القيم: "النُّشرة حلّ السحر عن المسحور، وهي نوعان". جمع ابن القيم- ﵀ بين هذا الحديث وهذه الآثار في كتابه: "زاد المعاد" فقال: "وهي نوعان: أحدهما: حلٌّ بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يُحمل قول الحسن" يعني: في قوله السابق: "لا يحلّ السحر إلاَّ ساحر" وقصده: حلّ السحر بسحر مثله، وهذه هي النُّشرة التي سُئل عنها رسول الله ﷺ . "قوله: "فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب" النّاشر هو: الذي يعمل النُّشرة. والمنتشر هو: الذي تُعمل له النُّشرة، كلٌّ منهما- المريض والساحر- يتقرّب إلى الشيطان بما يحبّه، فيخضعان له، فيطيعانه فيما يريده منهما من الشرّك والكفر بالله ، وفعل المحرّمات، فيبطل الشيطان عمله عن المسحور، لأنّ السحر من عمل الشيطان، وذلك في مقابل إفساد دينهم وعقيدتهم. فهذا هو الممنوع. فلا يجوز لمن أصابه السحر أن يذهب إلى السحرة، لأنّه إذا ذهب إلى السّحرة

стр. 376

والثاني: النُّشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة. فهذا جائز". ــ فإنه حينئذ يتقرّب إلى الشيطان بما يحبّ، وحينئذ يُزيل الشيطان عمله عن المسحور، لكن بعدما يفسد عقيدته ودينه، فيخسر الدّنيا والآخرة. قال الإمام ابن القيم: "والثاني: النُّشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة؛ فهذا جائز" أي: النّوع الثّاني من النُّشرة: حلّ السحر بغير السّحر ممّا أباحه الله ، فالله ما أنزل داء إلاَّ أنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله، والسحر داء ولابد أن الله أنزل له شفاء والرقية المباحة أنواع: النوع الأول: حلُّ السحر "بالرقية" بأن يُقرأ على المسحور من كتاب الله ، فتُقرأ عليه الفاتحة التي هي أعظم الرقى، ويقرأ عليه الآيات التي تتعلّق بذكر السحر وإبطاله، مثل قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) ﴾ ، وفي سورة يونس: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) ﴾ ، وفي سورة طه: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) ﴾ . هذه الآيات من سورة الأعراف ومن سورة يونس ومن سورة طه، يقرأها الرّاقي على المسحور بقلب حاضر وتوكّل على الله ، وحسن ظنّ بالله، واعتقاد أنّ الله يشفي هذا المريض. ثم على المقروء عليه أن يعتقد هذه العقيدة؛ فيرجو الشفاء من الله، ويثق بالله ، ويتوكّل عليه، ويعتقد أنّ كلام الله جل وعلا فيه الشّفاء. فإذا حصل هذا التوجه إلى الله والتوكّل عليه من الرّاقي والمرقي حصلت النتيجة بلا شكّ ولا رَيْب. وإنّما تتخلّف النتيجة إذا تخلّف اعتقاد الإنسان، أو غفل عن ذلك. النوع الثاني: حلّ السِّحر "بالتعوذات"، وهي الأدعية التي وردت عن

стр. 377

النبي ﷺ ، فإننا نذكر بعضاً منها: "أعيذك بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلَق"، أُعيذك بكلمات الله التامّة من كلّ شيطان وهامّة ومن كلّ عين لامّة"، "أُعيذك بكلمات الله التّامّات التي لا يجاوزهنّ بَرّ ولا فاجر، من شرّ ما خلق وذَرَأ وبرأَ، ومن شرّ طوارق اللّيل والنهار، إلاَّ طارقاً يطرق بخير يا رحمن"، "باسم الله أرقيك، من كلّ داء يؤذيك، من شر كلّ نفس وعين حاسد، الله يشفيك"، "باسم الله، أذهب البأس ربّ النّاس، واشفه أنت الشّافي لا شفاء إلاَّ شفاءُك، شفاء لا يغادر سقماً"، "ربّنا الله الذي في السّماء، تقدّس اسمك، أمرُك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت ربّ الطيّبين، أنزل رحمةً من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا المرض. فيبرأ بإذن الله". هذه هي التعوّذات. النوع الثالث: الرقية بـ "الأدوية المباحة" فهناك أدوية مباحة يُذهب الله بها السّحر، يعرفها الحُذّاق وأهل التجربة وأهل العقيدة السليمة تنفع بإذن الله في إزالة السحر، مع ذكر الله، ومع التعوّذ، ومع الرّقية، ومع قراءة القرآن، فإذا اجتمعت هذه الأمور المباحة نفع الله بها، لكن بشرط حسن الظنّ بالله واعتقاد أن الشّفاء من الله . فالحاصل؛ أنّ النشرة كما ذكر ابن القيِّم: منها شيء محرّم، وهي النّشرة التي كانت تُعمل في الجاهليّة، وهي ما يعمله السحرة. ومنها شيء مباح وهي النشرة الشرعية، لكن يشترط لها أن يتولاها من يوثق بعلمه ودينه، لا أن يتولاها أصحاب المطامع الدنيوية، أو المشعوذين الذين يفسدون عقائد الناس، ويرهبونهم بالكذب والتدجيل. انتهى الجزء الأول ويليه بإذن الله تعالى الجزء الثاني، وأوله: "باب ما جاء في التطيّر"

стр. 378

المجلد الثاني [الباب الثامن والعشرون:] * باب ما جاء في التطيُّر ــ قول الشيخ ﵀: "باب ما جاء في التطيُّر" أي: ما ورد في التطيُّر من الوعيد، وبيان أنه شرك. ومناسبة هذا الباب لِمَا قبله: أنّ فيه بيان نوع من أنواع الشرك والاعتقاد الباطل المُخِلُّ بالتّوحيد. وكان الشيخ ﵀ يذكُر في هذا الكتاب حقيقة التّوحيد وما يناقضه أو ينقِّصه من العقائد والأقوال والأفعال الباطلة، ومن ذلك: التطيُّر. والتطيُّر مصدر: تطيّر تطيُّراً وطِيَرة، وهو: التشاؤم بالأشياء، واعتقاد أنه يصيب الإنسان منها شيء من الشر. وأصله مأخوذٌ من الطير، لأنهم كانوا في الجاهلية يتشاءمون بالطيور وفي طَيَرانها؛ إذا رأوها تطير على جهةٍ مخصوصة عندهم تشاءموا بها، ورجعوا عمّا عزموا عليه من الأسفار أو الزيجات أو غيرها، ثمّ عَمَّ هذا وصاروا يتطيّرون بكل شيء، فيتطيّرون بالبِقاع، ويتطيّرون بالآدمييِّن، ويتطيّرون بالبهائم، ويتطيّرون بكل شيء. لكن أصل التطيُّر مأخوذٌ من الطير؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يتطيّرون من الطير في حركاتها وطيَرانها وتحريكها لأجنحتها واتّجاهاتها في الطَيران، إلى غير ذلك. فهو عقيدة جاهلية، بل إنه موجود في الأمم القديمة؛ فهؤلاء قوم فرعون تطيّروا بموسى ومن معه، يعني: تشاءموا بموسى ﵇ وبمن معه من المسلمين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ الحسنة المراد بها هنا: الخصْب والأرزاق ونزول الأمطار، ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ استحقيناها على الله بأفعالنا، فنحن نستحقُّ هذا، ولا يعترفون أنه فضلٌ من الله تعالى، بل ينسبون هذا إلى استحقاقهم، وأنهم حصلوا على هذه الشيء بسبب أنهم ناسٌ أهل خير، فما يصيبهم من الحسنات قي السنين يقولون: هذا بسبب أفعالنا، وبسبب صفاتنا، وبسبب كسبنا وكدِّنا، جحدوا نعمة الله عليهم.

стр. 379

وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ــ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ المراد بالسيئة هنا: الجدْب، وانحباس الأمطار، وشُحُّ الآبار، وتلف الثمار. فإنهم ينسبون هذا إلى موسى ﵇، ومنْ معه من المؤمنين، فيقولون هذا الذي أصابنا بسببهم، فيتطيّرون بخير النّاس- والعياذ بالله-. والحق أنّ موسى ومن معه من المؤمنين هم سبب الخيرات، وهم سبب البركات، لأن الرسل- عليهم الصلاة والسلام- يُصلحون في الأرض بالطاعات فتنزل الخيرات، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) ﴾ . فالمؤمنون هم سبب الخير لا سبب الشر كما يظنه أهل الجاهلية، إنما سبب الشر هم العُصاة والمشركون والكَفَرة، فما يصيب أهل الأرض من الكوارث والمصائب إنما هو بسبب العُصاة، وما يصيبها من الخيرات فهو بفضل الله، وسببه أهل الطاعات وأهل الصلاح والتقوى؛ ولهذا إذا خَلَت الأرض من الصالحين في آخر الزمان تقوم القيامة وتخرب الدنيا، "ولا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله، الله"، و"لا تقوم الساعة إلاَّ على شرار الخلق". فإذا خلت الأرض من الصالحين قامت القيامة، أما ما دام الصالحون موجودين فإن الله ينزل على أهل الأرض الخيرات والبركات بسبب وجودهم، عكس ما يعتقده آل فرعون من التطيُّر بالرسل- عليهم الصلاة والسلام-. وكذلك ثمود، تطيّروا بصالح ﵇ لَمّا دعاهم إلى الله . من ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ . وكذلك أهل القرية الذين ذكرهم الله في سورة "يس" لَمّا جاءتهم الرسل قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ يعني: تشاءمنا بكم، وما جئتمونا بخير، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هدّدوا الرسل وقالوا: ما رأينا منكم إلاَّ الشرّ

стр. 380

وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) ﴾ الآية. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى، ولا طَيرة، ولا هامة، ولا صفر" أخرجاه. ــ فرد عليهم الرسل: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: ما أصابكم فأنتم سببه، لأن سببه الذنوب والمعاصي التي تصدُر منكم والكفر، فأنتم السبب، ونحن سبب الخير، نحن رسلٌ من عند الله جئناكم، لو أطعتمونا لحصلتم على الخير؛ فهذا ردٌ عليهم، فهذا فيه: بيان أن الشر والشؤم سببه المعاصي والكفر والشرك بالله. وكذلك المشركون تطيّروا بمحمد ﷺ خاتم الرسل وأفضل الرسل، تطيّروا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ ، ﴿تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني: خير وخصب ونبات وزروع وخيرات، يقولون: هذه من عند الله، نعم، صحيح أنها من عند الله، الله هو الذي أنزلها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ : قحطٌ جدْب شُحٌّ في الأرزاق ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ بسببك يا محمد، وبسبب أتباعك، ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ كلٌّ بقضاء الله وقدره، الخصب والخيرات والجدب والقحط كله من عند الله وبقضائه وقدره، ولكن الخصب والخيرات سببها الطاعات، وأما الجدْب والقَحْط وانحباس الأمطار فسببه المعاصي والسيّئات، فالسبب من قِبل بني آدم وأما المقدِّر فهو الله تعالى، هو الخالق وهو الموجِد ، ويعطي كلاًّ على حسب عمله؛ المحسِن يحسن إليه، والمسيء يعاقبه إذا شاء ، فالأمر كله بيد الله. فالحاصل؛ أن التطيُّر عادةٌ جاهلية، ذكرها الله عن الأمم الكافرة من قوم فرعون، وثمود، وأصحاب ياسين، وأهل الجاهلية الذين بُعث إليهم رسول الله ﷺ ولم يؤمنوا به، بل تطيّروا به. وهذه العادة الجاهلية لا تزال في النّاس إلى أن تقوم الساعة. قوله ﷺ : "لا عدوى" المراد بالعدوى: انتقال المرض من شخص إلى شخص، أو من بهيمة إلى بهيمة، أو من مكان إلى مكان.

стр. 381

والمرض يتعدّى من محل إلى محل، ويتعدّى من المريض إلى السليم، ويتعدّى من الجربى إلى الصحيحة، هذا شيءٌ موجود. والرسول ﷺ لا ينفي هذا، وإنما ينفي العدوى التي كان يعتقدها أهل الجاهلية من أنّ المرض يتعدّى بنفسه بدون تقدير الله ، فالعدوى وهي: انتقال المرض من محل إلى محل بسبب قرب الصحيح من المريض، والمقدر لها هو الله تعالى، فقد يقرُب الصحيح من المريض ولا يصيبه شيء، وقد يقرُب ويُصاب، والسبب: أن هذا راجعٌ إلى الله، إن شاء انتقل هذا المرض، وإنْ شاء لم ينتقل، فمجرّد مقاربة المريض أو القدوم على المحل الموبوء هذا سبب، أما التأثُّر فهو بيد الله ، فقد يدخل الإنسان في الأرض الموبوءة ولا يصاب، وقد يورِد الممرض على المُصح ولا يُصاب، قد ينام المريض بجانب الصحيح ولا يصاب، وقد يصاب، فما وجه التفريق بين الحالتين؟ وجه التفريق: أن هذا راجعٌ إلى مشيئة الله تعالى. أما أهل الجاهلية فلا يفرِّقون بل عندهم: أن كل من قارب المرض- أو كل من قارب المريض- أنه يُصاب، ولا ينسبون هذا إلى قضاء الله وقدره، ولا يتوكّلون على الله ، ويفرِطون في التشاؤم والتطيُّر وانتقال العدوى، ويعملون أعمالاً تُضحك. فقوله ﷺ : "لا عدوى" يعني: على ما كان يعتقده أهل الجاهلية، أما أنّ العدوى تحصُل بإذن الله فهذا أمرٌ واقع، ولهذا نهى ﷺ عن مخالطة المجذوم، ونهى ﷺ عن القدوم على الأرض الموبوءة، ونهى من كان في أرض فيها وباء أن يخرج منها ومن كان خارجها لا يدخل فيها، لأن هذه أسبابٌ لانتشار المرض، والامتناع عنها أخذٌ بالأسباب الواقية، والإقدام عليها إلقاءٌ إلى التَّهْلُكة، والله نهى عن ذلك، إلاَّ من قَوِيَ إيمانه وتوكُّله على الله تعالى؛ فهذا قد يُقدم على الوباء ويخالط المرضى ولا يصاب، لأنه متوكِّلٌ على الله ، لكن هذا لا يكون إلاَّ لأهل الإيمان القوي، أما أهل الإيمان الضعيف فهؤلاء يبتعدون عن هذه المواطن لئلا يصابوا، ثمّ تسوء عقيدتهم.

стр. 382

والإقدام على محلاَّت الخطر من الإلقاء إلى التهلُكة، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، إلاَّ إذا كان هناك مصلحة راجحة من الإقدام على هذه الأمور فيُقدم عليها، أما إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة فالأخذ بالأسباب الواقية أحسن، وإذا كان هناك مصلحة راجحة فالإقدام أحسن، على حسب الأحوال. وقوله: "ولا طَيرة" هذا نفيٌ معناه: النهي، يعني: لا تتطيّروا، وإنْ كان الإنسان يجد في نفسه شيئاً فلا يمنعه ما يجد في نفسه من المُضي والعزم، لأن إيمانه يسوقه، بخلاف ضعيف الإيمان فإن التشاؤم يتغلّب عليه فيتراجع، ويكون هذا من الخلل في العقيدة، وضعف التوكُّل على الله . وإذا وجدت في نفسك تشاؤماً أو كراهية فتوكّل على الله وأقدِم. والطيرة ليس لها أصل، بخلاف العدوى، وإنما هي من الشيطان، فهي تخيُّلٌ من الإنسان بسبب وسوسة الشيطان. فالتطيُّر ليس له أصل، ومن وجد في نفسه شيئاً من الكراهية فليتوكّل على الله وليعزم، ولا ترده الطيَرة عن مقصوده. وقوله ﷺ : "ولا هامَة" الهامة: طائر يسمّى البومة، وكان العرب يتشاءمون به إذا وقع على بيت أحدهم قال: نعى إليَّ نفسي أو أحداً من أهلي. كانوا يتشاءمون بها، ويقولون: البوم لا يقع إلاَّ على الخراب. فهذا من عقيدة الجاهلية. وبعض أهل الجاهلية يزعمون أنه إذا قُتل القتيل ولم يؤخذ له بالثأر فإنه يخرج منه طائر يسمّى الهامة، ويصوِّت: أسقوني، أسقوني" يعني: خذوا بالثأر، ولهذا يقول الشاعر: يا عمرو إن لم تدع ذمي ومثلبتي أضربك حتى تقول الهامة أسقوني قوله ﷺ : "ولا صَفَر" هذا فيه قولان لأهل العلم: القول الأول: أن المراد بالصفر: شهر صفر، لأنهم كانوا في الجاهلية يتشاءمون بهذا الشهر، فلا يتزوّجون فيه، ولا يسافرون، ولا يتاجرون، ويعتقدون أنه شهرٌ مشؤوم.

стр. 383

وزاد مسلم: "ولا نوء، ولا غول ". ــ فردّ عليهم النبي ﷺ بأنه ليس هناك صفر مشؤم، وإنما صفرٌ شهر من أشهر الله، ليس فيه شؤم ولا شرٌّ. فهذا فيه: إبطال لتشاؤمهم بشهر صفر. والقول الثاني: أن المراد بصفر: مرض يكون في المعدة، يزعمون أنه يُعْدي غير المصاب به. ولكن سواءٌ قيل هذا أو هذا، كله منفي سواء تشاءموا من الشهر أو تشاءموا من المرض، كله لا أصل له، فليس في الشهر شؤم ولا في المرض،. وإنما الأمراض بيد الله ، هو الذي ينزلها، وهو الذي يرفعها، هو الذي يُمرض، وهو الذي يشفي ، لا دخل للشهور، ولا دخل لغيرها في هذا الأمر. قوله: "أخرجاه" أي: أخرجه البخاري ومسلم. ومناسبة الحديث للباب ظاهرة حيث إنه قال: "ولا طيرة"، ففيه: النهي عن الطيّرة. قوله: "زاد مسلم" أي: في روايته، يعني: زاد على الأربعة المذكورة فصارت "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، ولا نوء، ولا غول" فصارت ستة أشياء. والنوء المراد به: أحد الأنواء، وهو: النجم، لأنهم كانوا يعتقدون أنّ نزول الأمطار وهُبوب الرياح بسبب طلوع النجوم، ويُسندون هذا اإلى النجوم والكواكب، وهذا من اعتقاد الجاهلية، لأن نزول الأمطار وحصول الرياح وغير ذلك إنما هو بقضاء الله وقدره، أما هذه النجوم وهذه الكواكب فإنها لا تُحْدِثُ شيئاً، نعم، وقت طلوع النجم وقت للمطر بإذن الله، أو هبوب الرياح، هذا من ناحية الوقت لا من ناحية الخلق والإيجاد، فهي لا توجِد ولا تسبب ولا تحدِث، ولكن يكون طلوعها وقتاً لنزول الأمطار إذا شاء الله، وقد يطلع النجم ولا يحصل مطر، وهذا راجع إلى مشيئة الله وقدره، فقد يكون هناك مواقيت للأمطار ولا ينزل مطر، قد يكون هناك مواقيت لهبوب الرياح ولا تهب الريح لأن هذا بيد الله ، وكم من بلاد كانتْ تنزل عليها الأمطار صيفاً وشتاءً، وامتنع عنها المطر وأجدبتْ، كما تسمعون الآن بما يسمونه بالجفاف في بلاد كانتْ تدوم عليها الأمطار، فإذا أراد الله مَنَعَه

стр. 384

وحَبَسَهُ منعه وحبسه، وبلاد مجدبة قاحلة يابسة يسوق الله إليها المطر فتمطر فتهتز بالنبات والزهور، هذا بيد الله ، فنزول المطر لا تصرُّف لأحد فيه لا النجوم ولا غير النجوم. وسيأتي مزيد بيان للتنجيم في "باب بيان ما جاء في التنجيم". ولَمّا صلى النبي ﷺ صلاة الفجر بأصحابه يوم الحديبية على إِثّر سماء كانت من الليل قال ﷺ : "أتدرون ماذا قال ربكم؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب. وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذاك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب"، فالذي ينسب الأمطار إلى الكواكب أو الأنواء مشركٌ بالله. أما الذي يقول: إن الأنواء وقت للأمطار، فلا شيء فيه، لأن الله جعل للأشياء مواقيت، قد تحصل في هذه المواقيت وقد لا تحصل. فالحاصل؛ أن هذا حديثٌ عظيم، جمع فيه النبي ﷺ كثيراً من عقائد الجاهلية وأبطلها ونفاها، وقرّر ﷺ عقيدة التّوحيد. وقوله ﷺ : "ولا غول" - بضم الغين-: أحد الغيلان، والغيلان من أعمال شياطين تتشكّل أمام النّاس في الفلوات، خصوصاً إذا استوحش الإنسان تتشكّل أمامه أشياء تضله عن الطريق، إما بإنْ يرى أمامه ناراً تتنقّل، أو أصواتاً يسمعها، أو غير ذلك، ولهذا يقول ﷺ : "إذا تغوّلت الغيلان فبادروا بالأذان" بمعنى: أنه إذا تغوّل الغول أمامك فبادر إلى ذكر الله، فإن ذكر الله يطرد الشيطان، فإذا ذكرت الله أو تلوت القرآن ذهب عنك هذا العمل الشيطاني. فالنبي ﷺ نفى هذا- أيضاً-. وكانوا في الجاهلية يعتقدون في هذه الغيلان أنها تُحدِث لهم شرًّا، والنبي ﷺ نفى هذا، وقال: لا أصل لها، وهي أعمال شيطانية لا تضر أحداً إلاَّ بإذن الله، وذكر لها علاجاً شافياً وهو: ذكر الله. فهذه أمراضٌ جاهلية عالجها النبي ﷺ ﵊.

стр. 385

ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل"، قالوا: ما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة". ــ وهذه الأحاديث والآثار في موضوع حكم الطيرَة، والفرق بينهما وبين الفأل، وبيان ما تُعالَج به الطيرة. فقوله ﷺ في حديث أنس ﵁: "لا عدوى" العدوى سبق الكلام فيها، وأن معناها: انتقال المرض من شخص إلى شخص بحكم مقاربته له، أو ملامسته له، ونحو ذلك. ولذلك كان أهل الجاهلية يعملون أعمالاً فظيعة خوفاً من العدوى، والرسول ﷺ نفى ذلك، وأمر باتّخاذ الأسباب الواقية مع التوكُّل على الله . فقوله: "لا عدوى" يعني: على ما كان تعتقده الجاهلية، وإنما العدوى بأمر الله ومشيئته، فإذا توكلت على الله، وآمنت بالله، وقوِيَ يقينك بالله، واتخذت الأسباب التي أمر الله بها؛ فحينئذ تكون قد فعلت المشروع، والتوكل ليس معناه أنك تترك الأسباب، بل تأخذ بالأسباب الواقية، ولا تقْدم على البلد الذي فيه الوباء، ولا تخرج منه إذا وقع وأنت فيه، ولا تخالط الممرضين وأنت تقدر على الابتعاد عنهم، إلاَّ إذا دعت الضرورة إلى ذلك، بأن كان المريض ليس له أحدٌ يعالجه، والمصاب ليس له أحد يعالجه ويقوم بشؤونه؛ فتوكل على الله وقُم بمعالجة المريض، وقُم بخدمته وتوكّل على الله ، وأنت مأجور، فالله جل وعلا إذا علم من نيّتك الإيمان والإخلاص كفاك ، أما ما دمت في غنىٌ عن مخالطته فلا حاجة بك إلى مخالطته، فأنت لا تُقدِم عليه من باب أخذ الأسباب. وقوله ﷺ : "ويعجبني الفأل" الفأل: تأميل الخير. والطيرة: تأميل الشر. وتأميل الخير مطلوب، والطيرة ممنوعة لأن الطيرة سوء ظنٍّ بالله، والفأل حسن ظنٍّ بالله جل وعلا. فإذا سمع الشخص كلمة طيِّبة انشرح صدره، أو رأى شخصاً طيِّباً جاء إليه انشرح صدره وأمّل خيراً، وأحسن الظن بالله ، فهذا أمرٌ طيِّب، ولهذا

стр. 386

ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذُكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: "أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلاَّ أنت، ولا يدفع السيئات إلاَّ أنت، ولا حول ولا قوة إلاَّ بك". وعن أبي مسعود مرفوعاً: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلاّ ... ، ولكن الله يذهبه بالتوكل" رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود. ــ كان الفأل يعجب الرسول ﷺ ، فإذا سمع ﷺ اسماً حسناً، أو كلمة طيبة، أو مرّ بمكان طيّب، انشرح صدره ﷺ من حسن الظن بالله جل وعلا. ولِمّا أقبل سُهيل بن عمرو في قصة الحديبية ليتفاوض مع الرسول ﷺ ، ورآه مقبلاً قال ﷺ : "سُهِّل لكم من أمركم"، وكان كما أمّل الرسول ﷺ ، فكان مجيئه سبب خير. قوله. "فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل" إلخ فيه ما تعالج به الطيرة وهو هذا الدعاء الذي ذكره. وفي حديث ابن مسعود قال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك" كرِّر هذا مرّتين أو ثلاثاً تأكيداً، وقد قدّمنا بيان معنى كونها شركاً. قوله: "وما منّا إلاّ ... ولكن الله يُذهبه بالتوكُّل" هذا من كلام ابن مسعود، يقول: يقع في قلوبنا شيء من الطَيرة، فإذا رأى الإنسان شيئاً يكرهه يقع في نفسه شيء، لأنه لا يقدر على ردِّ هذا، وهذا لا يؤاخذ عليه الإنسان، كما قال ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدَّثتْ بها أنفسها ما لم تتكلّم أو تعمل"، فكونه يقع في نفس الإنسان شيءٌ إذا رأى شيئاً يكرهه، أو يخاف شيئاً ثمّ لا يتأثر ولا يتصرّف تصرُّفاً يخالف ما شرعه الله؛ لا يؤاخذ على هذا. "ولكن الله يُذهبه بالتوكُّل" هذا هو العلاج، فالمؤمن يتوكل على الله ولا يضره ما وقع في نفسه، ويذهب بإذن الله إذا توكّل على الله. فهذا إشارةٌ إلى ما تُعالجَ به الطيَرة أيضاً وهو: التوكُّل على الله سبحانه

стр. 387

ولأحمد من حديث ابن عمرو: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك"، قالوا: فما كفارة ذلك؟، قال: "أن تقولوا: اللهم لا خير إلاَّ خيرك، ولا طير إلاّ طيرك، ولا إله غيرك ". وله من حديث الفضل بن العباس: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردّك". ــ وتعالى، ثم المُضي وعدم التردُّد، فإن تأثر بالطيَرة التي وقعتْ في نفسه وقعد عن الخروج، أو فرّ من المكان الذي تطيّر منه؛ فهذا هو الطيَرة المذمومة، لأنها أثّرْت فيه فمضى أو رجع. وقوله: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك" فيه أن التطير الذي يرد ويمنع الإنسان عن حاجته شرك. وقوله ﷺ : "الطيرة: ما أمضاك أو ردّك" "ما أمضاك" يعني، ما نفّرك من المكان، أو من الشخص، أو من المرئي الذي رأيته، وفررْت منه تأثراً بالطيْرة فهو شرك. "أو ردّك" أي: عن حاجتك، كأن تريد أن تسافر ولَمّا رأيت الثعلب أو الغراب أو فلاناً الذي تكره قلت: هذا سفر ليس بحسن أو طيّب. ورجعت عنه وهذا هو التطيُّر، وهو شرك. والواجب عليك حينما حصل لك هذا الشيء وكرهته في نفسك أن ترفضه متوكِّلاً على الله تعالى وأنْ تمضيَ في حاجتك. ثم بيّن ﷺ ما تُعالجَ به الطيَرة، وهو ثلاثة أمور: الأمر الأول:- وهو الأصل-: التوكُّل على الله ، وأنه لا يأتي بالخير ولا يدفع الشر إلاّ هو ، وهو الذي يأتي بالخير ويدفع الشر، وهو الذي يضرُّ وينفع، وهو الذي يتصرف في الكون فإذا توكّل على الله فإن الطيرة لا تضره. الأمر الثاني: أنْ يمضيَ في حاجته التي أرادها، ولا يرجع عنها بسبب الطيَرة. الأمر الثالث: الدعاء، بأن يدعوَ الله بالدعاء الذي أرشد إليه النبي ﷺ ، وهو أن يقول: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلاَّ أنت، ولا يدفع السيّئات إلاَّ أنت، ولا حول

стр. 388

ولا قوة إلاَّ بك" وهذا دعاءٌ عظيم، فيه توكُّل على الله، رفيه اعتراف بأن الذي يأتي بالحسنات ويدفع السيّئات هو الله تعالى وليست الطيَرة، وأنه لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، لا أحد يحوِّل من حال إلى حال إلاَّ الله ، ولا أحد يقوى على شيء إلاَّ بقوة الله . والدعاء الثاني: "اللهم لا خير إلاَّ خيرك، ولا طير إلاَّ طيرك، ولا إله غيرك" "لا خير إلاَّ خيرك" أي: لا أحد يجلب الخير إلاَّ الله . "ولا طير إلاَّ طيرك" لا يصيبك شيء إلاَّ بإذن الله وقدره ومشيئته، وبسبب ذنوبك. "ولا إله غيرك" لا معبود بحقٍّ سواك، وهذا اعتراف بالتّوحيد ونفي للشرك. فالحاصل؛ أن الطيرة تُعالج بهذه الأمور الثلاثة: أولاً: التوكُّل على الله. ثانياً: المضي وعدم التأثر بها، ولا تظهر على تصرُّفاتك، وما كأنها وُجدت. والثالثة: أن تدعوَ بهذه الدعوات الواردة في الأحاديث، فإذا دعوتَ الله بهذه الدعوات فإن الله يعافيك من الطيرة ويُمدُّك بإعانته ونصره وتوفيقه. والله تعالى أعلم.

стр. 389

[الباب التاسع والعشرون:] * باب ما جاء في التنجيم قال البخاري في "صحيحه": قال قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأوّل غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلّفٌ ما لا علم له به" انتهى. ــ قال الشيخ ﵀: "الباب ما جاء في التنجيم" أي: ما ورد من الأدلة على تحريم ذلك، والنهي عنه. والتنجيم المراد به: اعتقاد أن للنجوم تأثيراً في الحوادث وما يجرى في هذا الكون، وقد يُراد بالتنجيم معاني أُخَر يأتي تفصيلها. وهذا اعتقادٌ قديم كان في قوم نُمرود، الذين بُعث إليهم الخليل إبراهيم- ﵊، وهم الصابئة الذين يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل وبيوت العبادة، يعتقدون أنها تدبِّر أمر العالم، ولا يزال هذا الشر موجوداً في العالم. قوله: "قال البخاري في صحيحه" هذا الحديث يُعتبر من البخاري ﵀ من التعليق، والتعليق هو: أن يذكُر الأثر بدون إسناد، فإذا قال: (قال فلان) بدون إسناد؛ فهذا يسمُّونه بالتعليق، وهو على نوعين عند البخاري: النوع الأول: تعليقٌ بصيغة الجزم، مثل هذا الأثر: "قال قتادة"، (قال فلان) . النوع الثاني: تعليقٌ بغير صيغة الجزم، كأنْ يقول: (يُروى عن فلان) ، فهذا يسمّى تعليقاً بغير صيغة الجزم، وهو أقل درجة من الأول. وقد جاء الحافظ ابن حجر ﵀ فذكر أسانيد هذه المعلّقات التي علقها "البخاري" في صحيحه واستقصاها في كتاب سمّاه "تغليق التعليق"، يتكوّن من ثلاثة مجلّدات ضخمة، وقد طبع الكتاب والحمد لله. قوله: "قال قتادة" قتادة هو ابن دِعامة السدوسي، الإمام الجليل في التفسير والحديث وغيره. "خلق الله هذه النجوم لثلاث "يعني: لثلاث حِكَم.

стр. 390

الفائدة الأولى: "زينة للسماء" كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ لأنها سُرُج تتلألأ، قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) ﴾ . الفائدة الثانية: "رجوماً للشياطين "وذلك لأن الشياطين يحاولون استراق السمع من الملائكة في السماء، وبأتون بما يسترقونه إلى الكُهّان من بني آدم، ولكن الله جل وعلا حفِظ السماء بهذه الشهب التي تنطلق من هذه الكواكب فتُحرِق هذا المارد فتُهلكه، خصوصاً عند بعثة محمد ﷺ فإنها حُرست السماء بالشهب، كما قال تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) ﴾ ، استغربوا هذه الحراسة وهذه الشهب، وكان ذلك مُؤْذِناً ببعثة محمد ﷺ ، ولكن بقي من هذا شيء لكنه قليل. الفائدة الثالثة: "علامات يُهتَدى بها" قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) ﴾ ، فالله جعل للمسافرين علامات يستدلُّون بها في الأرض وعلامات في السماء. والعلامات التي في الأرض: السبل والفِجاج والطرق التي جعلها الله في الأرض والجبال والأعلام الواضحة، وأما في السماء فهي: النجوم والشمس والقمر، فالنّاس يستدلُّون بسيرهم في الطرق، ولاسيما في البحار التي ليس فيها جبال وليس فيها علامات وكذلك في الليل، يسيرون على النجوم، ينظرون إلى النجوم ويعرفون بها الجِهات، فيسيرون إلى الجهة التي يريدونها، وكذلك يُستدل بهذه النجوم والشمس والقمر على القِبْلة في الصلاة، لانهم إذا نظروا إلى هذه النجوم عرفوا الجهات واهتدوا إلى جهة القبلة. فهذا من حكمة الله من خلق هذه النجوم، خلقها لهذه النجوم. أما من أراد أن يزيد على هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها الله في كتابه فكما قال قتادة: "فمن تأول غير ذلك أخطأ"، لان الله لم يخلقها لهذا، لأنه أراد أن يحمِّلها شيئاً لم تُخلق من أجله، كأن يعتقد فيها أنها تدلُّ على حوادث في الأرض، أو
следующие страницы →