والبلاجيوكلاز وبلورات البازلت صغيرة، وتكثر به الثقوب والفجوات التي تنشأ نتيجة لخروج الغازات من اللافا أثناء برودتها على السطح، واللون الغالب في هذا الصخر هو اللون الرمادي الذي يميل أحيانًا إلى السواد أو الاخضرار. وهو شديد الصلابة، وكثيرًا ما يستفاد به في رصف الطرق في المناطق ذات التربة الطينية حيث توضع منه طبقة تحت الأسفلت لتكون بمثابة أساس صلب.
حجر الخفاف: وهو صخر ناري كثير الفراغات، ويتميز بخفته لدرجة أنه يطفو فوق الماء، وهو يتكون نتيجة لتصلب الفقاقيع التي تتكون على سطح اللافا أثناء برودتها وخروج الغازات منها على سطح الأرض. ويكون لون الخفاف مائلًا إلى السوداء إذا تكون من اللافا البازليتة القاعدية، ومائلًا إلى البياض أو الاحمرار إذا تكون من اللافا الحمضية.
ثانيًا: صخور الأعماق والصخور المتداخلة:
الجرانيت Granite: وهو صخر جوفي حمضي حيث يعتبر الكوارتز من أهم مكوناته، كما يعتبر الفلسبار كذلك من مكوناته الرئيسية، ويضاف إليهما واحد أو أكثر من معادن الميكا والهورنبلند والأرثوكلاز. وتوجد من الجرانيت عدة أنواع يختلف بعضها عن بعض على حسب اللون وحجم البلورات، ويتوقف لون الصخر عادة على لون الفلسبار الذي يدخل في تركيبه، فإذا كان ورديًّا فإن لون الصخر يكون مائلًا إلى الاحمرار، أما إذا كان لونه أبيض وكان الميكا أسود، فإن لون الصخر يكون رماديًّا. أما على أساس حجم البلورات فإن الجرانيت ينقسم إلى نوعين أحدهما دقيق الحبيبات Fine grained والثاني خشن Course grained.
والجرانيت شديد الصلابة جدًّا ويتميز بمقدرته على مقاومة عوامل التعرية؛ ولذلك فإنه من أصلح الصخور لبناء السدود على الأنهار ولصناعة التماثيل، وقد كان الفراعنة يستخدمونه فعلًا في عمل التماثيل والمسلات. ومع ذلك فإنه يتأثر بالتجوية، سواء في ذلك التجوية الآلية أو التجوية الكيمائية. وإن التجوية هي التي تؤدي بمرور الزمن إلى تفتت الصخر فتنفصل عنه في هذه الحالة المعادن المكونة له،
стр. 142
وتعتبر الرمال الصحراوية في مختلف العالم أكثر المواد الناتجة عن تجوية الجرانيت انتشارًا على سطح الأرض، وهي عبارة عن حبات كوارتزية متباينة الأحجام. وتعتبر المواد الطينية والصلصالية كذلك من أهم المواد التي تنتج عن تجوية هذا الصخر، وهي تنتج عادة من تحلل معادن الفلسبار التي تعتبر من أهم مركباته.
وتوجد في مختلف جهات العالم نطاقات كبيرة من المرتفعات التي تتكون من الصخور الجرانيتية وأغلبها كانت في الأصل تكوينات جوفية من نوع الباثوليت أو اللاكوكيث، ثم أدت حركات القشرة الأرضية وعوامل التعرية إلى ظهورها على السطح، ومن أمثلتها في إفريقيا معظم هضاب وسط القارة وجنوبها ومرتفعات البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء.
الفلسيت felsite: وهو غالبًا صخر متدخل، وتتكون منه كثير من القواطع Dykes والعتبات Sills، وهو يشبه الجرانيت في تركيبه، ولكن بلوراته دقيقة جدًّا حتى أنها لا ترى غالبًا إلا بالمجهر، وذلك بسبب التصلب السريع للمواد المنصهرة التي يتكون منها عند اندفاعها خلال الصخور الأخرى، حيث أنها تندفع بشكل أعمدة طولية قليلة السمك، كما يحدث عند تكون القواطع، أو بشكل طبقات رقيقة كما يحدث عند تكوين العتبات.
стр. 143
ثانياً: الصخور الرسوبية Sedimentary Rocks.
صفاتها العامة:
تغطي هذه الصخور حوالي ٧٥% من المساحة الكلية لليابس، ولكنها مع ذلك لا تمثل إلا ٥% فقط من حجم القشرة الأرضية؛ بينما يكون العكس بالنسبة للصخور النارية والمتحولة التي لا تظهر على السطح إلا في حوالي ٢٥% فقط من مساحة اليابس؛ بينما تمثل ٩٥% من تركيب القشرة. وتوجد هذه الصخور عادة في طبقات متتابعة؛ ولذلك فإنها تسمى كذلك بالصخور الطبقية Stratified Rocks، ويكون تتابعها عادة متفقًا مع ترتيب العصور التي تكونت
стр. 144
أثناءها بحيث يكون القديم منها تحت الأحدث منه، ومع ذلك فقد أدت الحركات الأرضية وعوامل التعرية إلى اختلال هذا التتابع في كثير من المناطق.
وتتميز الصخور الرسوبية بكثرة ما بها من حفريات Fossils، وهي البقايا والآثار الحيوانية والنباتية التي توجد في طبقاتها. وتعتبر هذه الحفريات من أهم وسائل دراسة الصخور؛ لأنها تبين بوضوح عمر الطبقات الصخرية، ونوع الظروف المناخية والنباتية والحيوانية التي كانت سائدة خلال العصر الذي تكونت فيه، وطبيعة المناطق التي أرسيت فيها من حيث كونها مناطق بحرية أو بحيرية أو وديان نهرية أو مناطق صحراوية أو جليدية. ولهذا السبب فإن دراسة تتابع الطبقات وترتيبها الزمني وما بها من حفريات تعتبر في الوقت الحضار علمًا مهمًا من علوم الجيولوجيا، وعلم دراسة الطبقات Stratigraph.
وتوجد الصخور الرسوبية في تراكيب Structures كثيرة ومتنوعة؛ ففي بعض هذه التراكيب تكون الطبقات محافظة على تتابعها الزمني وعلى امتدادها الأفقي نتيجة لعدم تعرضها للحركات الأرضية العنيفة؛ بينما يكون ترتيبها في بعضها الآخر مختلًا، إما نتيجة لحركات عنيفة أدت إلى زحف بعض الطبقات القديمة فوق طبقات أحدث منها أو بسبب إزالة بعض الطبقات بفعل عوامل التعرية. وعلى هذا الأساس تقسم تراكيب هذه الصخور إلى قسمين هما: تراكيب متوافقة Conformable، وتراكيب غير متوافقة Unconfoemable.
والمقصود بالتركيب المتوافق هو التركيب الذي تكون فيه الطبقات متتابعة أسفل إلى أعلى على حسب ترتيبها الزمني دون أن تختفي من بينها طبقات أي عصر من العصور، أما التركيب غير المتوافق فهو التركيب الذي لا تكون طبقاته متتابعة بنفس ترتيبها الزمني، أو الذي تختفي فيه طبقات عصر واحد أو أكثر. وأهم الظروف التي تؤدي إلى ذلك هي أن يتوقف الإرساب في المنطقة بعض الوقت؛ بينما تعمل عوامل التعرية على إزالة الطبقات العليا التي تمثل عصرًا من العصور أو أكثر، ثم يعود الإرساب من جديد فيؤدي إلى تراكم طبقات جديدة فوق السطح الذي
стр. 145
نحتته عوامل التعرية والذي يطلق عليه في هذه الحالة اسم سطح عدم التوافق Unconformitv Surtace "انظر شكل ٣١".
"شكل ٣١" مراحل حدوث عدم التوافق في الطبقات الرسوبية
ميل الطبقات Dip of Strata: المقصود بميل الطبقات هو امتدادها في مستوى غير أفقي؛ فعلى الرغم من أن الطبقات تظل في كثير من التراكيب محتفظة باتجاهها الأفقي حتى بعد تعرضها لبعض الحركات الأرضية مثل الحركات الرأسية؛ فإن هذه الحركات تؤدي في أغلب الحالات إلى تغيير هذا الاتجاه بحيث تصبح معظم الطبقات مائلة على المستوى الأفقي. وتتباين درجات الميل من موضع إلى آخر على حسب نوع الحركات الأرضية ودرجة تأثر الطبقات الصخرية بها،
стр. 146
وتحسب درجة ميل أي طبقة بمقدار الزاوية التي تصنعها هذه الطبقة مع المستوى الأفقي، وهذه هي التي تعرف باسم زاوية الميل Angle of Dip وهي تقاس بواسطة جهاز خاص هو جهاز قياس الميل، أو الكلينو متر Clinometer ويجب ألا تخلط بين ميل الطبقات وانحدار سطح الأرض Slope؛ فكثيرًا ما تكون الطبقات أفقية في مناطق سطحها شديد الانحدار، أو تكون مائلة في مناطق سطحها أفقي. ويطلق تعبير "مضرب الطبقة Strike of Stratum" على الخط الأفقي المتعامد على اتجاه ميل هذه الطبقة، وإن كان جزءًا أو جانبًا من هذه الطبقة ظاهرًا على السطح فيطلق عليه تعبير "مكشف الطبقة Outcrop of St" ويتوقف اتساع مكاشف الطبقات على العلاقة بين اتجاه مليها واتجاه انحدار سطح الأرض؛ فإذا كانت الطبقات مائلة في نفس اتجاه انحدار السطح فإن مكاشفها تكون متسعة، أما إذا كانت مائلة في الاتجاه المعاكس لاتجاه الانحدار فإن مكاشفها تكون ضيقة، وخصوصًا إذا كانت متعامدة على السطح المنحدر "انظر شكل ٣٢".
الأسطح الطباقية Bedding Planes:
ويقصد بها الأسطح التي تلتقي عندها الطبقات المتجاورة. ويكون السطح الطبقي واضحًا إذا كانت الطبقتان المتجاورتان مختلفتين في التركيب اختلافًا واضحًا؛ كأن تكون إحداهما مكونة من حجر رملي والثانية من حجر جيري أو طيني. ومن الواضح أن الأسطح الطبقية تمثل سطوحًا قديمة لقيعان بحار أو بحيرات أو أرضًا يابسة قبل أن تتغطى بالرواسب التي كونت الطبقات التي فوقها.
الطباقية الكاذبة False Bedding:
ويقصد بها انقسام الطبقة الواحدة بواسطة أسطح مستعرضة؛ بحيث تبدو كأنها مكونة من طبقات متتالية، ويحدث ذلك على الشواطئ بسبب المد والجزر أو بسبب التيارات البحرية أو بسبب تغير قوتها؛ ولذلك فقد يطلق على هذه الظاهرة كذلك اسم طباقية التيار Current Bedding، ومن الممكن أن تحدث الطباقية الكاذبة كذلك بسبب تغير اتجاه الرياح وقوتها، "انظر شكل ٣٤".
стр. 147
أنواع الرواسب Types of Sediments or Deposits:
من الواضح أن تنوع الصخور الرسوبية يتوقف قبل كل شيء على تنوع الرواسب التي كونتها. وتتنوع الرواسب فيما بينها نتيجة لعوامل كثيرة من أهمها الطرق التي نشأت بها هذه الرواسب، والعوامل التي تدخلت في عمليات الترسيب والظروف التي تمت فيها هذه العمليات.
شكل "٣٢" ميل الطبقات
شكل "٣٣" العلاقة بين انحدار سطح الأرض وميل الطبقات واتساع مكاشفها
شكل "٣٤" طباقية كاذبة.
стр. 148
فعلى أساس الطرق التي نشأت بها فإن هذه الرواسب تقسم عمومًا إلى ثلاثة أنواع هي:
١- الرواسب التي نشأت بطريقة كيمائية مثل الأملاح التي تترسب من المحاليل المختلفة مثل ملح الطعام والجبس والنطرون.
٢- الرواسب التي نشأت بطريقة عضوية، وتشمل كل الرواسب التي نشأت من أصل نباتي أو حيواني في البر أو في البحر، حتى ولو كانت فقد فقدت في الوقت الحاضر كل صلة لها بالكائنات الحية وتحولت إلى مواد صخرية مثل معظم الصخور الجيرية والفحم الجيري.
٣- الرواسب التي نشأت بطريقة آلية، وتشمل الرواسب التي نشأت نتيجة لعمليات التجوية الآلية وما ينتج عنها من تفكيك للصخور وتفتيتها.
أما على أساس العوامل والظروف التي تدخلت في علميات الترسيب فإن الرواسب تنقسم إلى مجموعتين كبيرتين هما:
١- رواسب بحرية
٢- رواسب قارية
أولًا: الرواسب البحرية Marine Deposits
وهي تشمل جميع الرواسب التي تتراكم في قاع البحار والمحيطات، وهي تختلف فيما بينها تبعًا لعوامل متعددة أهمها: عمق المياه، ودرجة ملوحتها، ونوع المواد التي تصل إليها من اليابس المحيط بها، وحركات المد والجزر والأمواج والتيارات البحرية، والحياة الحيوانية والنباتية التي تعيش فيها، ويمكن تقسيمها عمومًا إلى ثلاثة أنواع هي:
١- الرواسب الشاطئية Coastal deposits:
وهي غالبًا رواسب خشنة تتكون من الرمال والحصى وربما بعض الأحجار المصقولة والمائلة للاستدارة كما هي الحال أمام كثير من السواحل الصخرية، وقد كانت حركات المياه هي
стр. 149
السبب في صقلها واستدارتها. ويتناقص حجم الرواسب الشاطئية كلما توغلنا في البحر بعيدًا عن الشاطئ، وتتميز هذه الرواسب عمومًا بكثرة ما يختلط بها من بقايا نباتية وحيوانية، وبأنها لا توجد في طبقات ظاهرة؛ وإنما توجد مختلطة بعضها ببعض. ويقتصر وجودها عمومًا على الرف القاري، وتكاد تختفي في الأعماق التي تزيد عن ٢٠٠ متر.
٢- رواسب البحار العميقة:
وهي تتدرج من الرواسب الشاطئية وتوجد في الأعماق التي تزيد على ٢٠٠ متر، وتتكون في جملتها من مواد ناعمة تزداد في دقة حبيباتها كلما ابتعدنا عن الساحل، ومصدرها الرئيسي هو الرواسب الدقيقة التي تحملها الأنهار والرياح من اليابس، والتي تظل بسبب دقتها عالقة بالمياه لمسافات كبيرة داخل البحر، ثم تترسب نحو القاع ببطء شديد، وتختلط بها بعض المواد العضوية ولكنها أقل منها في الرواسب الشاطئية، كما أنها تتناقص كلما زاد العمق وزاد البعد عن الشاطئ.
وتتميز الأعماق السحيقة من المحيطات، وهي الأعماق التي تزيد على ثلاثة آلاف متر بوجود رواسب مجهرية من نوع خاص يطلق عليها اسم الأوز Ooze. وهي مكونة في جملتها من خلايات حيوانية مجهرية وبقايا كائنات حية دنيئة مضافًا إليها بقايا الحيوانات التي تعيش عند السطح وتترسب بقاياها نحو القاع بعد موتها.
ثانيًا: الرواسب القارية Confinental Deposits:
وهي تشمل جميع الرواسب التي تتراكم على سطح القارات، بما في ذلك الرواسب التي تتراكم في قاع البحيرات أو في مجاري الأنهار، وهي تنقسم على أساس العوامل التي تدخلت في ترسيبها إلى أربعة أنواع هي:
١- رواسب هوائية Eolain deposits:
وهي الرواسب التي تحملها الرياح وتلقي بها عندما تهدأ سرعتها، وهي تتكون في جملتها من أتربة ورمال تختلف أحجامها على حسب قوة الرياح. ومن أمثلتها الرمال التي تتكون منها الكثبان الرملية والأتربة التي تتكون منها بعض أنواع التربة مثل تربة اللويس
стр. 150
Loess. وكلما صغرت أحجام حبات هذه الرواسب استطاعت الرياح أن تحملها إلى مسافات أبعد؛ فالمعروف مثلًا أن تربة اللويس التي توجد في شمال الصين قد تكونت من الأتربة التي نقلتها الرياح من شرق أوروبا وغرب آسيا.
٢- رواسب فيضية Alluvial deposits:
وتشمل الرواسب التي تحملها وترسبها المياه الجارية، وتتوقف أحجامها على سرعة المياه؛ فهي تتراوح بين الحبيبات الصلصالية الدقيقة التي يمكن أن تظل عالقة بالمياه البطيئة أو الراكدة والأحجار الكبيرة التي يمكن أن تدفعها السيول الجارفة على منحدرات الجبال إلى السهول المجاورة. ومن أهم ما تتميز به الرواسب الفيضية أنها ترسب دائمًا بترتيب معين بحيث ترسب المواد الثقيلة أولًا ثم ترسب فوقها المواد الأخف منها بالتوالي، كما أنها ترسب بنفس الترتيب على طول مجرى النهر أو السيل حيث تتناقص أحجامها بالتدريج كلما تناقصت سرعة جريان الماء.
٣- رواسب بحيرية Lacustrine depits:
وهي تشمل رواسب البحيرات المالحة ورواسب البحيرات العذبة، وتتكون الأولى في جملتها من الأملاح التي تترسب نتيجة لتبخر المياه، أما الثانية فتتكون عادة من مواد طينية وصلصالية ناعمة تشبه رواسب الأنهار البطيئة جدًّا.
٤- رواسب جليدية Glacial deposits:
وتشمل جميع الرواسب التي يحملها الجليد عن زحفه على سطح الأرض، ثم يرسبها عندما يأخذ في الانصهار، وأشهر أنواعها هي الركامات الجليدية Moraines. وأهم ما يميزها أنها لا توجد غالبًا بترتيب واضح؛ بل تختلط فيها الرواسب الناعمة بالرواسب الخشنة وقطع الأحجار أو الكتل الصخرية. ويتميز الجليد عن غيره من عوامل نقل الرواسب مثل الرياح والمياه الجارية بأنه يستطيع أن ينقل كتلًا صخرية كبيرة إلى مسافات بعيدة جدًّا. ومثال ذلك الكتل الصخرية الضخمة التي يطلق عليها اسم Erratics "أو الصخور الشاردة" وهي كتل صخرية ضخمة نقلها الجليد مسافات بعيدة وألقى بها في مناطق ذات تركيب صخري مختلف؛ بحيث تبدو هذه الكتل غريبة فوقه، ومن أمثلة هذه الرواسب كذلك الرواسب المعروفة باسم الصلصال
стр. 151
الجلاميدى Boulder Clay، وهو عبارة عن كتل مكونة من طحين صخري Rock Flower، يشبه الصلصال في دقة حبيباته، وتختلط به كثير من الأحجار، وينشأ هذا الدقيق نتيجة لاحتكاك الجليد بالصخور التي يزحف فوقها أو جوارها أثناء انحداره على جوانب الجبال.
تماسك الرواسب وتكون الصخور:
تظل المواد الرسوبية عمومًا مفككة بعد ترسيبها؛ إلا إذا طرأ عليها ما يؤدي إلى تماسكها، وعندئذ تتكون منها الصخور التي تتباين فيما بينها على حسب نوع الرواسب والطريقة التي تماسكت بها، ويحدث هذا التماسك بطريقة أو أكثر من الطرق الآتية:
١- ترسيب مواد لاصقة بين حبات المواد الرسوبية، والمقصود بالمواد اللاصقة هو المواد الدقيقة التي يمكن أن تملأ الفراغات التي بين حبات الرواسب فتؤدي إلى تماسكها. والمواد التي تصلح لهذا الغرض كثيرة ومتنوعة ومن أمثلتها الجير والطين والصلصال وأكاسيد بعض المعادن مثل أكاسيد الحديد وغيرها. ويعتبر ترسيب مثل هذه المواد ضروريًّا جدًّا لتماسك الرواسب الخشنة مثل الرمل والحصى. وتتوقف كثير من صفات الصخر على نوع المواد التي تؤدي إلى تماسك حباته؛ فالرمال التي تتماسك حباتها بواسطة الجير يتكون منها ما يعرف بالحجر الرملي الجيري، أما التي تتماسك حباتها بواسطة أكسيد الحديد فيتكون منها ما يعرف بالحجر الرملي الحديدي، والأول منهما أقل صلابة من الثاني.
٢- وقوعها تحت الضغط بسبب تراكم بعضها فوق بعض أو تراكم رواسب أخرى فوقها؛ ولكن هذا العامل لا يكفي وحده لتماسك الرواسب الخشنة؛ بينما يكفي لتماسك الرواسب الدقيقة مثل الرواسب الطينية والصلصالية.
٣- جفافها وخروج المياه من بين حباتها بسبب التبخر أو نتيجة للضغط، كما يحدث للرواسب الطينية والصلصالية؛ لأن تجفيف مثل هذه المواد يكفي لالتصاق بعضها ببعض وتحولها إلى أحجار طينية، ولكنها تكون عادة قليلة الصلابة.
стр. 152
أمثلة للأنواع الرئيسية من الصخور الرسوبية:
تنقسم هذه الصخور إلى ثلاث مجموعات رئيسية هي: الصخور الجيرية، والصخور الرملية والصخور الطينية. وقد يحدث أحيانًا أن يكون الصخر مكونًا من خليط من مواد متباينة بحيث يصعب ضمه إلى أي مجموعة من هذه المجموعات، ومثل هذه الصخر يوضع ضمن مجموعة خاصة تعرف باسم "المجموعات الصخرية Conglomerates"، وفيها يختلط الطين بالرمل والحصى وغيرها.
أولًا: الصخور الجيرية Caleareous Rocks or Limestones
تعتبر هذه الصخور من أهم المكونات الصخرية لقشرة الأرض، وتوجد منها نطاقات عظيمة السمك والاتساع في كل القارات، وقد يصل سمكها في بعض المناطق إلى بضعة كيلو مترات، ويكفي للدلالة على ذلك أنها هي التي تتكون منها معظم سلاسل الجبال الانثنائية القديمة والحديثة في العالم، كما أنها توجد في نطاقات أخرى عظيمة الاتساع على سواحل كل البحار والمحيطات الحالية وفي المناطق التي كانت تشغلها بحار قديمة.
وتتميز هذه الصخور عمومًا بأنها تذوب في الأحماض، ولهذا فإنها تذوب -ولو ببطء شديد- في مياه الأمطار التي تحمل عند سقوطها بعض ثاني أكسيد الكربون من الجو؛ ولذلك فإن كثيرًا من مناطقها تشتهر بكثرة كهوفها وأنهارها السفلية، وغير ذلك من المظاهر التي يطلق عليها عمومًا تعبير "المظاهر الكارستية Carsitc Features" "نسبة إلى منطقة من هذا النوع هي منطقة كارست في جبال الألب الدينارية في غرب يوجوسلافيا"، وقد أصبحت الصخور الجيرية لهذا السبب من أعظم خزانات المياه الجوفية في بعض البلاد.
وترجع الصخور الجيرية في جملتها إلى أصل عضوي؛ فقد تكون معظمها نتيجة لتراكم القواقع وعظام الحيوانات البحرية المختلفة بكميات كبيرة في قيعان البحار خلال العصور الجيولوجية المختلفة؛ فمن المعروف أن معظم الحيوانات البحرية لها قدرة كبيرة على استخلاص الجير من ماء البحر لاستخدامه في بناء عظامها أو محاراتها. وإلى جانب ذلك فقد نشأت بعض الصخور الجيرية بطريقة
стр. 153
كيميائية نتيجة لترسيب الجير من الماء الذي يكون حاملًا لبعض منه؛ إلا أن الصخور التي تتكون بهذه الطريقة لا توجد إلا في أماكن محدودة جدًّا. وهي تتميز عن الصخور الجيرية العادية بأنها تكون في أغلب الأحيان متبلورة. ومن أشهر أنواعها أعمدة الاستالاكتيت Stalacites والاستالاجميت Statagmites١، والتي توجد في كهوف مناطق الصخور الجيرية. وتكوينات الترافرتين Travertine الجيرية التي تترسب حول فوهات بعض العيون التي يكون بعض الجير مذابًا في مياهها.
والصخور الجيرية في جملتها بيضاء اللون إلا إذا اختلطت بمواد أخرى ملونة مثل الطين أو أكاسيد الحديد. وهي تتباين فيما بينها تباينًا كبيرًا في درجة الصلابة؛ فمنها ما هو شديد الصلابة، مثل الدولوميت ومنها ما هو هش جدًّا مثل الطباشير، وفيما يلي وصف مختصر لبعض الصخور الجيرية المشهورة.
الطباشير Chalk:
وهو حجر ناصع البياض قليل الصلابة، وتوجد منه طبقات عظيمة السمك والامتداد في جهات مختلفة من العالم، ويرجع تكوينه عمومًا إلى العصر الكريتاسي "الطباشيري". وهو مكون من محارات مجهرية لكائنات بحرية خاصة كانت عظيمة الانتشار في البحار الدافئة خلال العصر الكريتاسي، وتعرف باسم فورامينيفرا Foraminefera. وليس الطباشير الذي يستخدم في الكتابة إلا نوعًا من أنواع الأحجار الطباشرية "انظر شكل ٣٦".
الحجر الجيري النوموليتي Nummulitic Limestone:
وهو أشد صلابة من الطباشير، وأهم مميزاته أنه مكون من محارات مستديرة متماسكة تشبه في مظهرها قطع النقود المعدنية. وقد تكونت أغلب طبقاته خلال عصر الأيوسين الذي يشتهر لهذا السبب باسم عصر النوموليت. وهو يظهر في بعض الأماكن على منحدرات جبال المقطم وفي الهضاب المطلة على وادي النيل ابتداءًا من جنوب القاهرة حتى مدينة قنا "انظر شكل ٣٧".
стр. 154
شكل "٣٥" الأعمدة الهابطة "استالاكيت" والأعمدة الصاعدة "استالاجميت" في أحد كهوف مناطق الصخور الجيرية
الحجر الجيري الأوليتي "أو المحبب" Oolitie Limestone
وهو نفس الحجر الذي يطلق عليه أحيانًا اسم الحجر الجيري البطارخي؛ لأنه يتكون من حبات الرمل الجيرية المستديرة التي تشبه بيض السمك، وتتكون كل حبة من هذه الحبات من نواة دقيقة جدًّا من الرمل أو فتات القواقع، وتحيط بها طبقات رقيقة
стр. 155
جدًّا من الجير الذي يترسب فوقها على دفعات نتيجة لتكرار تبللها بالماء المحمل بالجير ثم تبخر هذا الماء، وهذه الحبات هي التي تتكون منها الرمال البحرية الجيرية، وهي رمال خشنة مختلفة عن الرمال الصحراوية الكوارتزية. وتعمل الرياح في كثير من المناطق على توزيع هذه الرمال أو تجميعها في سلاسل من الكثبان التي تمتد على طول بعض الشواطئ. وقد تتماسك رمال هذه الكثبان بمرور الزمن نتيجة لترسيب الجير بين حباتها؛ فتتحول بالتدريج إلى الحجر الجيري الأوليتي. وهو يتميز بمقدرته الكبيرة على خزن المياه؛ ولذلك فإنه يعتبر مصدرًا مهمًا للمياه الجوفية في المناطق الساحلية؛ فعلى طول الساحل الشمالي لصحراء مصر العربية وشمال ليبيا مثلًا يعتمد الأهالي اعتمادًا أساسيًّا في حياتهم على المياه المخزونة في طبقات هذا الحجر. وتكون هذه المياه غالبًا قريبة من السطح. ويمكن الوصول إليها بحفر آبار تتراوح أعماقها بين مترين وأربعة أمتار.
الدولوميت Dolomite:
وهو حجر جيري مكون من اختلاط الجير "كربونات الكالسيوم" بكربونات الماغنسيوم بنسب متعادلة تقريبًا. وهو يتكون غالبًا في مناطق البحيرات والمستنقعات التي تحتوي مياهها على كربونات الماغنسيوم؛ إذ أن هذه المياه تؤثر على الصخور الجيرية المجاورة لها فتحل كربونات الماغنسيوم محل قسم من كربونات الكالسيوم.
الصخور المرجانية:
وهي صخور جيرية صلبة تتكون في بعض البحار المدارية الضحلة بواسطة حيوان المرجان Coral. وهي في جملتها عبارة عن المساكن التي يبينها هذا الحيوان لنفسه من الجير الذي يستخلصه من ماء البحر، وهي توجد عادة متجمعة في مستعمرات كبيرة تزيد أحجامها بالتدريج ببناء مساكن جديدة وبتراكم هياكل الحيوانات المرجانية التي تموت فيها أو حولها. وهذه المستعمرات هي التي تشتهر باسم "الشعاب المرجانية Coral Reefs".
ويشترط لحياة المرجان عدة شروط أهمها:
أن تكون المياه ضحلة بحيث لا يزيد عمقها عن ٥٠ مترًا، وأن تكون دافئة بحيث لا تقل درجة حرارتها عن ٢٠ ْ مئوية، وألا تصل إليها من اليابس مياه عذبة مختلطة بالرواسب الطينية.
стр. 156
"شكل ٣٦" قواقع الفورامينيفرا التي يتكون منها الحجر الطباشيري كما تبدو تحت المجهر
"شكل ٣٧" حجر جيري نوموليتي
стр. 157
ويعتبر البحر الأحمر من أحسن الأمثلة لهذا النوع من البحار؛ ولذلك فإن سواحله تكتنفها كثير من الشعاب المرجانية، وهي من الأخطار التي تتعرض لها الملاحة أمام هذه السواحل. ومع ذلك فإن أكثر نطاق من الشعاب المرجانية في العالم هو النطاق الذي يمتد لمسافة ١٥٠٠ كيلو متر في غرب المحيط الهادي في اتجاه شمالي جنوبي تقريبًا بالقرب من السواحل الشمالية الشرقية لاستراليا. وهذا النطاق هو الذي اشتهر باسم "الحاجز المرجاني العظيم Great Barrier Reef، ويبلغ عرضه في المتوسط حوالي ١٨ كيلو مترًا.
وقد تكونت في بعض المواضع الضحلة في المحيطين الهادي والهندي سلاسل من الجزر المرجانية التي تكونت من الشعاب التي بناها على حافات بعض الجبال، التي توجد في قاع المحيط، والتي تقترب قممها من سطح الماء؛ بحيث تتكون فوقها مناطق بحرية ضحلة، وتتكون من هذه الشعاب حلقات من الجزر التي تتوزع على الأطراف الخارجية لهذه القمم. ويطلق على كل حلقة من هذه الحلقات اسم الأتول Atoll أي الجزر الحلقية، وهي تحصر بداخلها مناطق بحرية ضلحة.
стр. 158
"شكل ٣٨" الشعاب المرجانية في البحر الأحمر
стр. 159
ثانيًا: الصخور الرملية Sandstones
لا تقل هذه الصخور أهمية من تركيب القشرة الأرضية عن الصخور الجيرية؛ ولكنها تختلف عنها في نوع الرواسب التي كونتها؛ فبينما تتكون الصخور الجيرية عمومًا من رواسب بحرية فإن الصخور الرملية تتكون من رمال قارية كوارتزية متخلفة من تفتت الصخور النارية بفعل التجوية، ومع ذلك فإن تكون الحجر الرملي يلزم له دائمًا ترسيب مادة لاصقة بين حبات الرمل، مثل كربونات الكالسيوم "الجير" أو أكسيد الحديد أو السيليكا، ويستمد الحجر كثيرًا من صفاته من هذه المادة؛ ولذلك فقد تكونت منه أنواع متباينة مثل الحجر الرملي الجيري Calcareous Sandstone الذي تماسكت رماله بواسطة الجير، والحجر الرملي الحديدي Ierruginos S الذي تماسكت رماله بواسطة أكسيد الحديد
شكل "٣٩" تكوين صخور مرجانية على أطراف قمة جبلية المحاطة
شكل "٤٠" جزر مرجانية حلقية "أتول"
стр. 160
أكسيد الحديد، والحجر الرملي السيليكي Ciliceous S. الذي تماسكت رماله بواسطة السيليكا. وأقل هذه الأنواع صلابة هو الحجر الرملي الجيري، أما أشدها صلابة فهو الحجر الرملي الحديدي الذي يأخذ عادة لون أوكسيد الحديد الأحمر، ويتكون منه في مصر الجبل الأحمر، وهو جبل صغير موجود إلى الشرق من القاهرة. ونظرًا لشدة صلابة هذا الحجر فقد يطلق عليه أحيانًا اسم حجر الخراسان، وهو يستخدم بكثرة في رصف الطرق وفي صناعة أحجار الطواحين.
من أهم مميزات الصخور الرملية عمومًا أنها كبيرة المسام؛ ولذلك فإنها هي أكثر أنواع الصخور نفاذية للماء "Permeability" وأقدرها على تخزين كميات كبيرة منه. والواقع أن أعظم خزانات المياه الجوفية في العالم توجد في طبقات هذه الصخور. ومع ذلك فإن هذه الصخور تتباين فيما بينها تباينًا كبيرًا من حيث مقدرتها على نفاذية المياه وتجميعها. وتتوقف هذه المقدرة بصفة خاصة على حجم الحبة الرملية من ناحية وعلى وجود طبقة صماء تحتها لمنع تسرب مياهها إلى أسفل من ناحية أخرى. وكما كانت الحبات الرملية كبيرة كان الصخر أكثر نفاذية. وتنقسم الرمال عادة على أساس حجم حياتها إلى ثلاث درجات هي:
١- الرمال الناعمة Finc ويتراوح قطر حباتها بين ٠.٠٥ و ٠.١ ملليمتر.
٢- الرمال المتوسطة Meduim ويتراوح قطر حباتها بين ٠.١ و ٠.٧٥ ملليمتر.
٣- الرمال الخشنة Course ويتراوح قطر حباتها بين ٠.٧٥ و ٣.٥ ملليمتر.
ومعنى ذلك أن قطر حبات الرمل عمومًا يتراوح بين ٠.٠٥ و ٢.٥ ملليمتر؛ فإذا ما قل قطر الحبات عن ٠.٠٥ من المليمتر فإن الرواسب تعتبر من الرواسب الطينية أو الصلصالية، وإذا زاد قطرها عن ٢.٥ ملليمتر فإنها تدخل في باب الحصى.
стр. 161
ويعتبر الحجر الرملى النوبي Nubian Sandstone من أشهر أنواع الأحجار الرملية وأوسعها انتشارًا. وتمتد طبقاته تحت سطح الأرض في كل نطاق الصحراء الكبرى ونطاق السودان في إفريقية، وتواصل امتدادها كذلك في كل البلاد العربية تقريبًا في غرب آسيا. وتعتبر هذه الطبقات من أعظم خزانات المياه الجوفية في العالم، وهي المصدر الذي تستمد منه معظم واحات العالم العربي وشمال إفريقيا المياه اللازمة لعمرانها. ويتميز هذا الحجركذلك بشدة صلابته. وقد تكونت معظم طبقاته في أواخر الزمن الجيولوجي الأول وأوائل الزمن الجيولوجي الثاني.
الصخور الطينية Mudstones:
وهي صخور واسعة الانتشار في مناطق السهول الفيضية والوديان النهرية والبحيرات العذبة القديمة والحديثة، وأهم ما يميزها عن الصخور الرملية أنها دقيقة الحبيبات، ولا يزيد قطر حبيباتها عمومًا عن ٠.٠٥ من المليمتر "كما سبق أن ذكرنا". وأشد أنواع الطين Mud "أو الغرين Silt" نعومة هو الصلصال الذي لا يزيد قطر حبيباته عن ٠.٠٢ من المليمتر. ونظرًا لدقة حبيبات هذه الصخور بالنسبة للصخور الرملية؛ فإنها تكون أكثر منها مسامية More Porous بمعنى أن عدد المسام التي توجد في أي كتلة منها يكون أكبر بكثير من عدد المسام الموجودة في كتلة مساوية لها من الصخور الرملية، ومع ذلك فإن هذه المسام تكون دقيقة بدرجة لا تسمح للماء أو غيره من السوائل أن ينفذ خلالها أو أن يتجمع فيها، وعلى هذا الأساس فإن الصخور الطينية تكون عادة عديمة النفاذية حتى أنها تبدو صماء Unpermeable بينما تكون الصخور الرملية كبيرة النفاذ Permeable، على الرغم من أن الصخور الرملية أقل مسامية Less Porous من الصخور الطينية. ونظرًا لدقة حبيبات الطين فإنه يمكن أن يتماسك لمجرد وقوعه تحت الضغط أو لمجرد جفافه إن كان مبللًا. والصخور الطينية عمومًا قليلة الصلابة جدًّا إذا ما قورنت بمعظم الصخور الرسوبية الأخرى
стр. 162
وتحتوي المواد الطينية على مركبات من سيليكات الألومينيوم التي تتحلل من معادن الفلسبار "المستمدة من نفس الصخور" مثل الكوارتز والميكا. وتأخذ المواد الطينية ألوانًا مختلفة على حسب نوع الصخور التي استمدت منها ونوع المواد الأخرى التي تختلط بها؛ فقد يميل لونها إلى البياض إذا كانت مختلطة بمواد جيرية، أو إلى الاحمرار إذا اختلطت بها أكاسيد حديدية، أو إلى السواد أو الاخضرار إذا اختلطت بها أكاسيد منجنيزية أو مواد نباتية متحللة، أو الاصفرار إذا اختلطت بها رمال كوارتزية ناعمة. والمعروف أن مناطق التربات الطينية هي أهم مناطق الإنتاج الزراعي في العالم؛ ولكنها تتباين فيما بينها على حسب نوع المواد الأخرى التي تختلط بها فتقلل أو تزيد من خصوبتها، ومن أشهر أنواعها التربة السوداء التي تختلط بها كثير من المواد العضوية المتحللة، والتربة الحمراء التي تختلط بها أكاسيد حديدية، والتربة الصفراء التي تختلط بها الرمال. والواقع أن اختلاط التربة الطينية بنسبة من الرمال أمر ضروري لتسهيل نفاذ الماء فيها وتسهيل مهمة حرثها، وتوصف مثل هذه التربة بأنها تربة خفيفة، أما التربة الطينية التي تخلو من الرمال فتوصف بأنها تربة ثقيلة، وتكون فلاحتها صعبة نسبيًّا بسبب شدة تماسكها وعدم نفاذ الماء فيها.
وتوجد الصخور الطينية في الطبيعة في طبقات يتباين سمكها على حسب كمية المواد الطينية المترسبة وتغير ظروف الإرساب من وقت إلى آخر؛ فإذا ترسبت المواد الطينية بكميات كبيرة في فترات طويلة ولم تتغير ظروف الإرساب تغيرًا يذكر خلال كل فترة من هذه الفترات فإن الطبقة المتكونة تكون عظيمة السمك، أما إذا حدث الترسيب في فترات قصيرة تفصل بينها فترات يتوقف فيها الإرساب، أو إذا كانت ظروف الإرساب كثيرة التغير؛ فإن الطبقات المتكونة تكون عادة رقيقة؛ بل إنها قد تكون في بعض الحالات رقيقة جدًّا بدرجة تجعلها أشبه بالأوراق المتلاصقة. ويتكون منها في هذه الحالة نوع خاص من الحجر الطيني يطلق عليها اسم الحجر الطيني الورقي أو الصفائحي Shale.
стр. 163
ثالثاً: الصخور المتحولة Metamorphic Recks.
المقصود بهذه الصخور هي الصخور التي كانت في الأصل صخورًا نارية أو رسوبية ولكنها تعرضت لظروف مختلفة عن الظروف التي نشأت فيها فأعيد تبلورها وتحولت إلى صخور جديدة تختلف في بعض صفاتها الرئيسية "مثل درجة الصلابة وشكل البلورات وترتيبها" عن الصخور الأصلية التي تحولت منها؛ بل وكثيرًا ما تضاف إليها أثناء عملية التحول مواد معدنية جديدة لم تكن موجودة في الصخر الأصلي.
وأهم العوامل التي تسبب التحول Metamorphism هي الحرارة الشديدة إما بمفردها أو مع الضغط الشديد، وعلى هذا الأساس يقسم التحول إلى نوعين رئيسيين هما:
١- التحول بالحرارة Thermal Metamorohism:
ويحدث نتيجة لتعرض الصخور إلى حرارة شديدة تؤدي إلى انصهارها أو حرقها ثم إعادة تبلورها، ويحدث هذا عندما تندفع في وسط هذه الصخور كتل نارية مثل الباثوليث واللاكوليث والسدود. وقد يؤدي هذا التحول إلى تكوين معادن جديدة في الصخر. وخصوصًا في أجزائه الملاصقة للكتلة النارية. وتتوقف كمية التحول ودرجته على تركيب الصخر المتحول نفسه وعلى حجم الكتلة النارية المندفعة في وسط ومقدار ما يوجد بها من محاليل؛ إذ إن وجود مثل هذه المحاليل يساعد على التحول وعلى تكوين المعادن الجديدة. وتتميز الصخور التي تتحول بهذه الطريقة بكبر بلوراتها، ولذلك فإن نسيجها يكون غالبًا محببًا. ومن أمثلتها الرخام الذي يتحول من الحجر الجيري، والكوارتزيت الذي يتحول من الكوارتز.
٢- التحول بالحرارة والضغط معًا:
إن هذا النوع من التحول أكثر حدوثًا من التحول بالحرارة وحدها، وهو يحدث في نطاقات واسعة، ولذلك فإنه يعرف كذلك بالتحول الإقليمي. ومع ذلك فإن كمية الصخور المتحولة ودرجة تحولها تتوقف على شدة الحرارة وشدة الضغط اللذين تتعرض لهما الصخور وعلى
стр. 164
كمية المياه والمحاليل التي تساعد الصخور على التحول عندما تختلط بها. ويكون التحول بهذه الطريقة غالبًا أشد من التحول بالحرارة وحدها لأنه يؤدي إلى إعادة بلورة الصخر أو تكوين معادن جديدة فيه فحسب بل يؤدي في نفس الوقت إلى إعادة ترتيب بلوراته وترتيب معادنه في نظام جديد يتفق مع الظروف الجديدة. وقد يؤدي أيضًا إلى خروج بعض عناصره، ولذلك فإن الصخر الذي يتحول بهذه الطريقة يكون غالبًا مختلفًا اختلافًا يكاد يكون تامًا عن الصخر الأصلي الذي تحول
ويرتبط هذا النوع من التحول بحركات القشرة الأرضية، وخصوصًا حركات الانثناء التي تتعرض بسببها طبقات الصخور للضغط الشديد الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع درجة حرارتها. والصفة الغالبة في الصخور المتحولة بالضغط والحرارة معًا هي أن نسيجها يكون صفائحيًّا بسبب الضغط الذي يؤدي إلى ترتيب البلورات في صفوف وطبقات متوازية تقريبًا، ومن أهم الصخور المتحولة التي تتكون بهذه الطريقة النيس الذي يتحول غالبًا من الصخور النارية؛ إلا أنه قد يتحول كذلك من الصخور الرسوبية، ثم الشيست الذي يتحول من الصخور النارية، ثم الأردواز الذي يتحول عادة من الصخور الطينية.
أمثلة للصخور المتحولة المشهورة:
١- النيس Gneiss:
وهو في الغالب متحول من الصخور النارية وخصوصًا من الجرانيت؛ ولكنه قد يكون متحولًا في بعض الأحيان من الصخور الرسوبية، ويكون تركيبه المعدني عادة متشابهًا مع تركيب الصخر الذي تحول منه. ويكون نسيجه خشنًا بسبب كبر بلوراته نسبيًّا، وتكون هذه البلورات في بعض أنواع هذا الصخر مرتبة في طبقات أو صفوف متصلة أو متقطعة. وقد تكون كل طبقة أو كل صف من الصفوف مكونة من معدن واحد من المعادن التي تدخل في تركيب الصخر؛ ففي النيس المتحول من الجرانيت مثلًا نجد صفوفًا من الميكا متعاقبة مع صفوف أخرى من الكوارتز والفلسبار ويسمى النيس عادة باسم الصخر الذي
стр. 165
تحول منه، أو باسم المعدن السائد فيه؛ فهناك مثلًا نيس جرافيت، ونيس مسكوفيت "نسبةإلى الميكا السوداء"، ونيس هورنبلند وهكذا.
٢- الشيست Schist:
وهو يشبه النيس في أنه متحول غالبًا من الصخور النارية. وقد اشترك في تحوله عاملا الضغط والحرارة الشديدان؛ ولكنه يتميز عن النيس بصغر بلوراته التي تكون مرتبة في صفائح متلاصقة يمكن فصل بعضها عن بعض على طول سطوح متوازية، وتوجد من هذا الصخر أنواع يختلف بعضها عن بعض على حسب نوع الصخر الذي تحول منه، وعلى حسب المعادن السائدة فيه؛ فمنه على سبيل المثال شيست الميكا وفيه تسود الميكا التي تظهر في صفائح واضحة ذات سطوح متوازية، وشيست الهورنبلند، وشيست الجرافيت. وعلى أي حال فإن الصخر يكون مكونًا من أكثر من معدنين من هذه المعادن.
٣- الأردواز Slate:
وهو متحول من الصخور الطينية، ويختلف لونه تبعًا لاختلاف ألوان هذه الصخور؛ فمنه الأردواز الأسود وهو النوع الشائع، ومنه الأردواز الأحمر والأخضر. وهو مكون من طبقات رقيقة يلتصق بعضها ببعض على طول سطوح متوازية. وهو يتشقق على طول هذه السطوح، ويدل ترتيب طبقاته على أن تحوله قد حدث بسبب الحرارة والضغط معًا، وهو ذو نسيج حبيبي دقيق، ويمكن استخدامه في أغراض كثيرة مثل صناعة السبورات وألواح الكتابة وتغطية سقوف المباني في الأقاليم المطيرة.
٤- الرخام Marble:
وهو متحول من الحجر الجيري بسبب الحرارة الشديدة التي يتعرض لها عندما تندفع بين طبقاته مواد جوفية منصهرة؛ ولذلك فإنه يوجد حول السدود والعتبات واللاكوليث وغيرها من تكوينات الصخور النارية المتدخلة؛ حيث يؤدي اندفاع المواد المنصهرة إلى انصهار الصخور الجيرية الملاصقة لها وإلى تبلورها أثناء برودتها وتحولها إلى صخر متبلور جديد هو الرخام. وتكون البلورات مكونة عمومًا من حبيبات الكالسيت وقد تكون هذه الحبيبات دقيقة جدًّا في بعض أنواع الجرانيت بحيث لا تسهل رؤيتها بالعين المجردة؛ بينما تكون في بعضها الآخر كبيرة لدرجة تعطي للصخر نسيجًا خشنًا نقيًّا. واللون الغالب في الرخام هو
стр. 166
اللون المائل إلى البياض إذا كان نقيًّا، ولكنه قد يوجد كذلك بألوان أخرى تميل إلى السواد أو الاخضرار أو الاحمرار إذا ما اختلطت به شوائب ملونة مثل أكاسيد المنجنيز أو الحديد. وهو يشبه الحجر الجيري في أنه يتفاعل مع حامض الهيدروكلوريك، وتنطلق منه فقاعات من ثاني أكسيد الكربون عند حدوث هذا التفاعل.
٥- الكوارتزيت Quartizite:
وهو متحول من الحجر الرملي بطريقة مشابهة للطريقة التي يتحول بها الحجر الجيري إلى رخام؛ أي نتيجة لاندفاع مواد جوفية منصهرة بين تكويناته؛ حيث يؤدي ذلك إلى انصهار الصخر وإعادة تبلوره، وفي هذه الحالة تتماسك حبات الكوراتز تماسكًا شديدًا جدًّا بواسطة السيليكا التي تترسب بينها، ويكون الصخر لهذا السبب شديد الصلابة جدًّا، وإذا حدث فيه كسر؛ فإن الكسر يخترق حبات الكوارتز نفسها بسبب شدة تماسكها، وذلك بخلاف الصخر الرملي الذي إذا كسر فإن الكسر يتوزع حول هذه الحبات. ويميل الكوارتزيت عادة إلى البياض إلا إذا اختلطت به شوائب ملونة تعطيه ألوانًا أخرى مثل الأسود والأحمر.
стр. 167
اليابس والماء من سطح الكرة الأرضية
المحيطات والقارات كمرتبة من مراتب التضاريس
مدخل
...
٢-٣-اليابس والماء من سطح الكرة الأرضية.
المحيطات والقارات كمرتبة من مراتب التضاريس:
إن كلمة تضاريس Orography أو Relief بمعناها العام تشمل كل ما على سطح الأرض من ارتفاعات وانخفاضات أيًّا كان أحجامها وأشكالها، وعلى هذا الأساس فإن كثيرًا من الجغرافيين يدخلون القارات والمحيطات ضمن مظاهر التضاريس ويعتبرون أنها هي أكبر المظاهر التضاريسية، ومنها تتدرج هذه المظاهر إلى المظاهر الأصغر حتى تصل إلى أصغر الأشكال التي يمكن أن نجدها في مواضع صغيرة على سطح الأرض. ومن أمثلتها التموجات التي تظهر على سطح الرمال أو التجاويف والنتوءات الصغيرة التي توجد على سطح الصخور. ونظرًا لهذا التفاوت الكبير بين كل هذه المظاهر والأشكال من حيث أحجامها والعوامل التي ساهمت في نشأتها وتطورها؛ لم يعد من السهل دراستها كلها في باب واحد؛ ولذلك فإن الجغرافيين يقسمونها عادة إلى ثلاث مراتب هي:
стр. 168
١- تضاريس المرتبة الأولى:
وتشمل كتل اليابس من ناحية وأحواض المحيطات والبحار الكبرى من ناحية ثانية.
стр. 169
٢- تضاريس المرتبة الثانية:
وتشمل المظاهر الرئيسية التي توجد ضمن تضاريس المرتبة الأولى وأهمها الجبال والهضاب والسهول والأحواض النهرية والبحيرات والبحار الداخلية. وهذه المظاهر هي التي تقصدها عادة عند الكلام على التضاريس، وتعتبر دراستها من أهم الموضوعات الجغرافية؛ لأنها تعتبر من أهم المظاهر الطبيعية لسطح الأرض فحسب؛ بل لأنها تدخل كذلك بطرق مباشرة وغير مباشرة في كل النواحي الجغرافية الأخرى. سواء منها ما هو طبيعي مثل المناخ والنبات وتصريف المياه، أو ما هو بشري مثل
стр. 170
الإنتاج الزراعي والمواصلات وتوزيع السكان وتخطيط الحدود وغير ذلك من مظاهر الحياة البشرية.
стр. 171
٣- تضاريس المرتبة الثالثة:
وتشمل جميع الأشكال الصغيرة التي توجد في داخل تضاريس المرتبة الثانية بما في ذلك أصغر الأشكال وأدق التفاصيل التي تسببها العوامل الجوية، وحركة الرياح أو المياه الجارية أو الجليد، وهذه الأشكال هي التي يختص بدراستها وتحليلها علم الجيومورفولوجيا Geomorphology الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر ثم أخذ يتطور بسرعة حتى أصبح يحتل في الوقت الحاضر مركزًا مهمًا بين العلوم الجغرافية بصفة عامة وعلوم الجغرافيا الطبيعية بصفة خاصة.
وعلى الرغم من أن ما نقصده عادة عن الكلام على التضاريس هو تضاريس اليابس فقط؛ فليس معنى ذلك أن قيعان البحار والمحيطات خالية من مثل هذه التضاريس؛ إذ أنها تحتوي على كثير من المظاهر التضاريسية الكبيرة والمتباينة، ومن بينها كثير من الأخاديد العميقة والجبال المرتفعة. وكل ما هنالك هو أنها تكون غالبًا مغمورة تحت سطح الماء وليست لها علاقات مباشرة بمظاهر الجغرافيا الطبيعية أو البشرية على سطح اليابس، وهذا هو ما يبعدها غالبًا عن مجال الدراسات الجغرافية في الوقت الحاضر.
стр. 172
بعض فرضيات نشأة المحيطات والقارات
مدخل
...
بعض فرضيات نشأة المحيطات والقارات:
كما أن نشأة الكرة الأرضية ما زالت محلًا للجدل؛ فإن نشأة القارات والمحيطات مازالت هي الأخرى لمثل هذا الجدل، وأهم الفرضيات التي وردت بهذا الخصوص هي:
стр. 173
١- الفرضية التتراهيدية Tetrahedral Hypothesis:
ومعناها فرضية الشكل الهرمي، وصاحبها هو الباحث البريطاني لوذيان جرين Lothian Green الذي اقترحها سنة ١٨٧٥ وملخصها هو أن سطح الكرة الأرضية يتفق في مظهره
стр. 174
العام مع شكل هرم ثلاثي قاعدته في الشمال ورأسه في الجنوب، وأن القارات تحتل الحافات والأركان البارزة للهرم؛ بينما تحتل المحيطات جوانبه المسطحة. وقد لقيت هذه النظرية عند ظهورها قبولًا لدى كثير من الباحثين لأنهم:
١- وجدوا فيها لا تفسيرًا معقولًا للشكل العام الذي تأخذه معظم القارات، وهو شكل المثلثات التي تقع رءوسها في الجنوب، وقواعدها في الشمال، وهو ما يبدو واضحًا بصفة خاصة بالنسبة لقارات إفريقيا وأمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية.
٢- أنها تتمشى مع نظرية من النظريات الهندسية المعروفة، وهي أن النسبة بين مساحة قشرة أي جسم وحجمه تنخفض إلى أصغر رقم لها إذا كان هذا الجسم كرويًّا؛ فإذا ما أخذ حجم هذا الجسم في التناقص لأي سبب من الأسباب مع بقاء مساحة قشرته ثابتة فإن شكله يأخذ في التغير وتتزايد تبعًا لذلك النسبة بين مساحة قشرته وحجم جسمه. وآخر شكل يمكن أن يتحول إليه هذا الجسم هو شكل الهرم الثلاثي؛ فمن المعروف أن الهرم الثلاثي هو الشكل الهندسي الذي تتمثل فيه أعلى نسبة بين مساحة القشرة والحجم. وعلى هذا الأساس يعتقد صاحب النظرية أن حجم الكرة الأرضية ظل يتناقص بسبب البرودة لمدة طويلة بعد أن كانت قشرتها قد بردت وثبتت مساحتها تقريبًا، وكان لا بد لهذه القشرة أن تتجعد لتتلاءم مع تناقص الحجم وانتهى الأمر بتحولها إلى ما يشبه الهرم الثلاثي. وبعد أن تكونت المياه على سطح الكرة كان من الطبيعي أن تتجمع فوق الأسطح المنخفضة للهرم فتكونت منها المحيطات؛ بينما ظلت الحافات البارزة جافة وتكونت منها القارات التي كانت متسعة في الشمال بسبب امتدادها مع الحافات الثلاث لقاعدة الهرم وضيقة في الجنوب بسبب تناقص حجم الهرم كلما اتجهنا نحو قمته "انظر الشكلين ٤١، ٤٢".
стр. 175
فرضية لابويرث G Lapwoth:
إن رأي هذا الباحث "البريطاني" يشبه رأي لوذيان جرين صاحب النظرية التتراهيدية من حيث الفكرة المبدئية التي بني عليها، وهي أن الأرض كانت في أول أمرها حارة رخوة ثم أخذت تبرد
стр. 176
شكل "٤١" توزيع اليابس والماء على سطح الكرة الأرضية على حسب النظرية التيتراهيدية.
شكل "٤٢" العلاقة بين الكرة والهرم إذا وضع أحدهما داخل الآخر.
بالتدريج، وترتب على ذلك تناقص حجمها وتقلص قشرتها؛ ولكن لابويرث لا يرى مبررًا للاعتقاد بأن هذا التقلص أدى إلى إعطاء القشرة أي شكل هندسي معين؛ وإنما أدى إلى تجعدها بغير نظام خاص، كما يحدث لثمرة التفاح، عندما تجف وتتجعد قشرتها. فبنفس الطريقة تجعدت قشرة الأرض فانخفضت أجزاء من سطحها، وشغلتها البحار والمحيطات، بينما بقيت أجزاؤه الأخرى مرتفعة فتكونت منها القارات.
стр. 177
ويمكننا أن نتفهم رأي لابويرث إذا لاحظنا أن أعماق المحيطات وارتفاعات الجبال لا تمثل في الحقيقة إلا تجاعيد بسيطة جدًّا لو نظرنا إليها بمقاييس الكرة الأرضية؛ فإذا كان الفرق بين أعلى قمة على اليابس وأعمق بقعة في المحيطات هو ٢٠ كيلو مترًا تقريبًا، فإن هذا الفرق يمثل ١٢٧٥٠/٢٠ أو ٦٣٧.٥/١
تقريبًا من قطر الكرة الأرضية، فلو أننا مثلنا هذه الكرة بدائرة قطرها ٦٣٧.٥ سنتيمتر فإن الخط الذي يمثل محيطها يجب أن يكون سمكه سنتيمترًا واحدًا على الأكثر, والمفروض هو أن تكون كل المرتفعات وكل المنخفضات الموجودة على سطح الكرة الأرضية ممثلة بداخله. وهكذا فإن النسبة بين تجاعيد سطح الأرض وحجمها لا تكاد تختلف في الواقع عن النسبة بين تجاعيد التفاحة وحجمها.
стр. 178
فرضية زولاس Sollas:
يختلف رأي هذا الباحث الفرنسي اختلافًا جوهريًّا عن الرأيين السابقين؛ فعلى الرغم من أنه يتفق معهما في أن الكرة الأرضية كانت في أول أمرها رخوة؛ فإنه يرى أن السبب في تجعد سطحها يرجع إلى تباين الضغط الجوي الذي كان واقعًا على أجزائها المختلفة عند بدء تكونها. فقد كانت بعض المناطق واقعة تحت ضغط مرتفع وبعضها الآخر تحت ضغط منخفض، ونظرًا لأنها كانت لا تزال رخوة نوعًا ما؛ فقد هبطت المناطق التي وقعت تحت الضغط المرتفع وتكونت منها المحيطات؛ بنيما بقيت المناطق التي وقعت تحت الضغط المنخفض مرتفعة وتكونت منها القارات.
والخلاصة أن نشأة القارات والمحيطات ما زالت الآن محلًا للمناقشة شأنها في ذلك شأن نشأة الأرض نفسها، وذلك على الرغم من أن الباحثين اعتمدوا في محاولاتهم لتفسير نشأة المحيطات والقارات على حقائق ملموسة مثل شكل السواحل وأعماق المحيطات، وأنواع الرواسب التي توجد في هذه الأعماق ومقارنتها بالرواسب القديمة التي توجد على اليابس؛ بينما لم تستند النظريات التي تعرضت لتفسير نشأة الأرض إلى حقائق علمية ملموسة من هذا النوع.
стр. 179
نظرية الزحف القاري Continental Drift:
على الرغم من أن اليابس والماء كانا، كما ذكرنا، موجودين جنبًا إلى جنب على سطح الكرة الأرضية منذ أقدم العصور الجيولوجية؛ فإن توزيعهما كان يتعرض لتغيرات كبيرة خلال بعض العصور نتيجة لعوامل مختلفة، من أهمها حركات الزحف التي يعتقد بعض الباحثين أنها حدثت لكتل اليابس، والتي بلغت أشدها أثناء الزمن الجيولوجي الثاني. وكان الباحث الألماني الفريد فيجينر Alfred Wegener هو أول من تكلم سنة ١٩٢٢ عن احتمال حدوث مثل هذا الزحف واقترح عندئذ نظريته التي اشتهرت باسم "نظرية الزحف القاري". وعلى الرغم من أن هذه النظرية لم تصادف قبولًا عند بعض الباحثين؛ فإنها ما زالت حتى الآن محتفظة بعظم أهميتها؛ لأنها تتمشى مع الحقائق المعروفة عن تركيب القشرة الأرضية، كما أنها تستطيع أن تفسر بعض أشكال السواحل المتقابلة على جوانب المحيطين الأطلسي والهندي، وأن تفسر كذلك بعض أوجه التشابه في التركيب الجيولوجي، وفي بعض المظاهر الحفرية في بعض المناطق المتقابلة على جانبي هذين المحيطين.
وعلى أساس هذه النظرية يرى فيجنر أن اليابس كله كان متجمعًا خلال الزمن الجيولوجي الأول في كتلة واحدة وأطلق عليها اسم "بانجي Pangae" وقد كانت تضم قارتين رئيسيتين هما قارة جندوانا Gondwana في الجنوب وقارة لوراسيا Laurasia في الشمال. وكانت توجد بداخل هذه الكتلة بحار داخلية من أهمها بحر تيتيس Tethys الذي يمتد عمومًا بين الشرق والغرب وكان القسم الأكبر من كتلة بانجي واقعًا جنوب خط الاستواء حتى أنه كات يمتد حتى القطب الجنوبي. وفي أواسط الزمن الجيولوجي الثاني أخذت قارتا جندوانا ولوراسيا في التمزق نتيجة لحدوث سلسلة من الانكسارات على أطرافها، وبدأت أجزاء كبيرة منها في الزحف بعيدًا عن الكتلتين الأصليتين على طول هذه الانكسارات. وقد سارت حركات الزحف في ثلاثة اتجاهات رئيسية أحدها نحو الشمال، والثاني نحو الشرق، والثالث نحو الغرب.