٤/١ ٣٦٥ يوم. وتنطلق الأرض في هذا الفلك بسرعة فائقة تبلغ حوالي ٣٠ كيلو مترا في الثانية "١٠٨٠٠ كيلو متر في الساعة".
وعلى الرغم من السرعة الفائقة التي تدور بها الأرض سواء حول نفسها أو في فلكها حول الشمس؛ فإننا لا نشعر بها لأن كل شيء عليها من صخور ومياه وهواء وحياة يتحرك في وقت واحد بنفس السرعة؛ ولكن من الممكن أن نلحظ هذا الدوران من الصور الفوتوغرافية التي أخذت طول الليل في المنطقة القطبية للنجم القطبي والنجوم القريبة منه "شكل ١٩"؛ فقد أظهرت الصور أن هذه النجوم قد دارت حول النجم القطبي الذي يشير إليه محور الأرض، فرسمت حوله مسالك دائرية، ولما كانت هذه النجوم لا تتحرك فعلًا بهذه الصورة فإن الخطوط الدائرية التي تبدو وكأنها سارت على طولها إنما سببها هو دوران الأرض حول محورها.
شكل "١٩" منظر السماء مصورة عند القطب وتبدو الأجرام السماوية وكأنها تدور بسرعة حول مركز السماء أي حول النجم القطبي
стр. 72
وعلى الرغم من دوران كل ما على الأرض نفسها في نفس اتجاه دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق؛ فإن حركة الرياح والتيارات البحرية قد تتحرر بعض الشيء من هذا الارتباط؛ ولكنها مع ذلك تظل متأثرة بدوران الأرض ولكن بنظام خاص؛ فالمعروف أن هذا الدوران يؤدي إلى انحراف الرياح إلى يمين اتجاهها في نصف الكرة الشمالي، وإلى يساره في نصفها الجنوبي على حسب قانون مشهور هو قانون فرل Ferrel,s Law، ويظهر نفس هذا التأثير كذلك على اتجاه التيارات البحرية في المحيطات الواسعة ولكن بصورة أقل وضوحًا منها بالنسبة للرياح.
وبما أن فلك الأرض حول الشمس أقرب إلى الشكل البيضاوي منه إلى الشكل الدائري؛ فإن له مركزين، شأنه في ذلك شأن أي شكل بيضاوي. ولذلك فإن الشمس قد توجد في أحد المركزين في بعض الأوقات ثم تنتقل إلى المركز الآخر في أوقات أخرى، على حسب ما يفرضه دوران الأرض نفسها، ونتيجة لذلك فإن الأرض قد تكون أقرب إلى الشمس في بعض الأوقات منها في أوقات أخرى، على حسب موقعها بالنسبة للمركز الذي تتواجد فيه الشمس. ومن المعروف أن الشمس في الوقت الحاضر تكون في وقت الانقلاب الشتوي "٢١ديسمبر" واقعة في المركز الأقرب إلى الأرض، ويبلغ البعد بينهما أدناه في أول يناير حيث يبلغ ١٤٦.٤ مليون كيلو متر، ويقال إن الشمس موجودة وقتئذ في نقطة الرأس Perihelion؛ بينما يحدث العكس في وقت الانقلاب الصيفي "٢١ يونيو" حيث تكون الشمس في المركز الأبعد عن الأرض، ويبلغ البعد بينهما أقصاه في أول يوليو حيث بلغ ١٥١.٢ مليون كيلو متر ويقال إن الشمس عندئذ موجودة في نقطة الذنب Aphelion١ "شكل ٢٠". وعلى الرغم من أن الأرض تكون في فصل الشتاء أقرب إلى الشمس بحوالي ٤٠٨ مليون كيلو متر وأن الأشعة الشمسية التي تصل إلى أعلى جو الأرض في هذا الفصل أكبر من التي تصل إليه في الصيف بجوالي ٧ % فإن هناك عوامل مختلفة أخرى تؤدي إلى إلغاء تأثير هذه
стр. 73
الزيادة؛ بل وإلى برودة فصل الشتاء، ومن أهمها شدة ميل أشعة الشمس في هذا الفصل مع قصر النهار، وخصوصًا كلما اتجهنا نحو القطبين، وكثرة ما يرتد إلى الفضاء من أشعة الشمس بواسطة السحب وغيرها من المواد العالقة دون أن يستفيد به جو الأرض١.
شكل "٢٠" البعد بين الأرض والشمس في الفصول المختلفة
وبالاضافة إلى ما تقدم فإن دورتي الأرض وميل محورها في اتجاه واحد باستمرار لها نتائج جغرافية وفلكية غاية في الأهمية بسبب علاقاتها المباشرة بكل المظاهر الطبيعية والحيوية على سطح الأرض. ويمكننا أن نلخص هذه المظاهر فيما يلي:
أ- تعاقب الفصول على مدار السنة.
ب- تتابع الليل والنهار وتباين طولهما.
стр. 74
ج- اختلاف الزمن في الأماكن الواقعة على خطوط طولية مختلفة.
стр. 75
تعاقب الفصول:
يرجع هذا التعاقب إلى دوران الأرض في فلكها حول الشمس وميل محورها مع بقاء هذا الميل ثابتًا في اتجاه واحد بزاوية قدرها ٢٣.٥ على الاتجاه العمودي على المستوى الذي يقع فيه هذا الفلك؛ فهذان العاملان هما اللذان يؤديان إلى هجرة الشمس هجرة ظاهرية على دائرة البروج، ما بين المدارين مما يجعلها تتعامد مرة في السنة في نهاية رحلتها نحو الشمال على مدار السرطان في ٢١ يونيو، وهو يوم الانقلاب الصيفي، ومرة أخرى في نهاية رحلتها نحو الجنوب على مدار الجدي في ٢١ ديسمبر، وهو الانقلاب الشتوي. وفي أثناء تعامدها على مدار السرطان يكون القطب الشمالي في أقرب وضع له إليها بينما يكون القطب الجنوبي في أبعد وضع له عنها، وهكذا يكون الفصل صيفًا في شمال خط الاستواء بينما يكون شتاءً في جنوبه "شكل ٢١".
"شكل ٢١" تعاقب الفصول
стр. 76
وفي أثناء تحرك الشمس الظاهري بين المدارين؛ فإنها تتعامد مرتين على كل العروض الواقعة بينهما؛ إلا أن الفترة التي تمر بين مرتي التعامد تبلغ أقصاها وهو ستة أشهر "٢١ مارس و ٢١ سبتمبر" على خط الاستواء ثم تتناقص تدريجيًّا كلما اتجهنا نحو القطبين حتى لا يكون هناك إلا مرة تعامد واحدة على كل مدار من المدارين. ومرتا تعامد الشمس على خط الاستواء هما المعروفتان باسم الاعتدالين.
стр. 77
تتابع الليل والنهار وتباين طولهما:
إن تتابع الليل والنهار هو النتيجة المباشرة لكروية الأرض ولدورانها حول محورها أمام الشمس مرة واحدة كل يوم؛ ولكن إذا فرض وكان محور الأرض عموديًّا على مستوى فلكها حول الشمس لكان طول الليل وطول النهار متساويين باستمرار على مدار السنة في كل مكان على سطحها؛ ولذلك فإن ميل المحور على هذا المستوى هو المسئول عن التباين الذي نعرفه في طول الليل والنهار في كل العروض ما عدا منطقة خط الاستواء الذي يتساوى فيها طولهما طوال السنة تقريبًا؛ فباستثناء هذه المنطقة نجد أن طول نهار الصيف يزيد دائمًا عن طول ليله؛ بينما يزيد طول ليل الشتاء عن طول نهاره في كل العالم. ويتزايد الفرق بينهما تدريجيًّا خلال الصيف كلما اقتربنا من يوم الانقلاب الصيفي١ Summer Solstice، وخلال الشتاء كلما اقتربنا من يوم الانقلاب الشتوي Winter Solstice، وذلك فإن أطول نهار وأقصر ليل في السنة يكونان في يوم ٢١ يونيو في نصف الكرة الشمالي، وهو تاريخ الانقلاب الصيفي؛ بينما يكون أقصر نهار وأطول ليل في نفس النصف في يوم ٢١ ديسمبر وهو تاريخ الانقلاب الشتوي. ويتزايد الفرق بينهما تدريجيًّا كلما بعدنا عن خط الاستواء نحو القطبين، ففي يوم الانقلاب الصيفي مثلًا يكون طول النهار عند خط الاستواء ١٢ ساعة، ثم يزيد إلى ١٥ ساعة عند خط عرض ٤٠ شمالًا و ٢٠ ساعة عند خط عرض ٦٣ و ٢٤ ساعة عند الدائرة القطبية، أي يكون هذا اليوم عندها كله نهارًا، ثم يتزايد عدد الأيام التي تكون كلها نهارًا
стр. 78
حتى تصل إلى شهر كامل عند خط عرض ٦٧ ْ وأربعة أشهر عند خط عرض ٦٨ ْ ثم ستة أشهر عند القطب الشمالي نفسه، وفي هذا الوقت يكون القطب الشمالي في أقرب وضع له إلى الشمس ويدور هو والمنطقة المحيطة به باستمرار في ضوء الشمس؛ بينما يكون القطب الجنوبي في أبعد وضع له عنها ويدور هو والمنطقة المحيطة به باستمرار في المنطقة التي لا تصلها أشعة الشمس طول الستة أشهر، ويحدث عكس ذلك تمامًا في فصل الشتاء.
أما في فصلي الربيع والخريف، وهما فصلا الاعتدالين فتكون الشمس متعامدة على خط الاستواء، وعندئذ يكون الليل والنهار متساويين تقريبًا في كل العروض، ويكون طول كل منهما ١٢ ساعة، ويحدث الاعتدال الربيعي١ Spring Equinox عندما تصل الشمس إلى خط الاستواء أثناء هجرتها الظاهرية نحو الشمال، ويكون ذلك في ٢١ مارس بينما يحدث الاعتدال الخريفي Autumm Equinox عندما تصل الشمس إلى هذا الخط أثناء هجرتها الظاهرية نحو الجنوب. ويكون ذلك في ٢٢ أو ٢٣ سبتمبر.
стр. 79
اليوم النجمي Sidereal day واليوم الشمسي Solar day:
قبل أن ننهي كلامنا على تتابع الليل والنهار نتيجة لدوران الأرض حول نفسها يحسن أن نحدد هنا المقصود بتعبيرين فلكيين مشهورين هما " اليوم النجمي" "واليوم الشمسي "؛ فالمقصود باليوم النجمي هو المدة التي تنقضي بين ظهور نجم من النجوم في سمت الرأس في ليلتين متتاليتين، وهي تمثل الوقت الذي تستغرقه الكرة الأرضية في الدوران حول محورها مرة واحدة، ومقدارها ٢٣ ساعة و ٥٦ دقيقة و ٤ ثوان، أما اليوم الشمسي فهو المدة التي تنقضي بين ظهور الشمس في أعلى وضع لها "الزوال" في يومين متتاليين، وهو يبلغ ٢٤ ساعة، أي يزيد عن اليوم النجمي بمقدار ٣ دقائق و ٥٦ ثانية.
وعلى الرغم من أن اليوم النجمي هو الذي يبين المدة الحقيقية التي تستغرقها الأرض في إتمام دورة حول نفسها بالضبط؛ فإنه لا يهم إلا الفلكيين، أما
стр. 80
اليوم الشمسي فهو الذي يهمنا في كل الدراسات وكل مظاهر الحياة لأنه يمثل محصلة العلاقة الواقعة بين دوران الأرض حول نفسها وبين حركة الشمس الظاهرية. أما السبب في زيادة طول اليوم الشمسي بمقدار ٣ دقائق و ٥٦ ثانية عن اليوم النجمي فيرجع إلى أنه في الوقت الذي تدور فيه الأرض حول محورها فإن الشمس نفسها تكون سائرة في رحلتها الظاهرية عبر البروج. ولذلك فإن الأرض تحتاج إلى زيادة دورتها قليلا بقدر درجة واحدة لكي تلحق بها وتصل إلى نفس الموقع الذي كانت فيه تحتها مباشرة. والوقت الذي تستغرقه الأرض لإتمام هذه الزيادة هو ٣ دقائق و ٥٦ ثانية وبتكرار هذه العملية كل يوم فإن مجموع الزيادات التي تتجمع في سنة كاملة يكون معادلًا لدورة كاملة بالضبط من دوران الأرض حول نفسها. ومعنى ذلك أنه على الرغم من أن عدد أيام السنة كما نعرف هو ٤/١ ٣٦٥ يوم فإن عدد الدورات التي تتمها الأرض فعلا في هذه المدة هو ٤/١ ٣٦٦ دورة.
стр. 81
اختلاف الزمن:
إن التغير الذي نلاحظه على الوقت كلما سافرنا شرقًا أو غربًا هو أحد النتائج المهمة لدوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق بسرعة ثابتة أمام الشمس، ويتوقف معدل تغير الزمن على السرعة التي تدور بها الأرض حول محورها. ويمكن قياس هذه السرعة بالمسافات أو بالدرجات؛ فحسابها بالمسافات يكون على أساس قسمة طول دائرة العرض على ٢٤ ساعة؛ ولكن نظرًا لأن طول دوائر العرض يتناقص من خط الاستواء نحو القطب فإن المسافة التي تقطعها أي نقطة على الدائرة الاستوائية أثناء دوران الأرض حول نفسها من الغرب إلى الشرق تزيد عن المسافة التي تقطعها أي نقطة على أي دائرة عرضية أخرى في نفس الزمن، وتتناقص المسافة بالتدريج كلما اتجهنا نحو القطبين؛ فبينما تقطع أي نقطة على الدائرة الاستوائية مسافة ٤٠٠٧٧ كيلو مترا "١٥.٠٠٠ ميل وهو طول هذا الخط في ٢٤ ساعة أي بسرعة ١٦٧٠ كيلو مترا في الساعة فإن أي نقطة على دائرة عرض ٦٠ ْ، التي يبلغ طولها حوالي نصف طول الدائرة الاستوائية تكون
стр. 82
سرعتها ٨٤٠ كيلو مترًا تقريبًا في الساعة فقط؛ لأن هذه الدائرة ستكمل دورتها كذلك في نفس المدة أي في ٢٤ ساعة. أما عند القطب نفسه فإن السرعة تكاد تنعدم، ولو فرض أن شخصًا كان واقفًا في هذه النقطة لمدة ٢٤ ساعة فكل ما سيحدث له أنه سيدور حول نفسه دورة واحدة في هذه المدة.
أما حساب السرعة بالدرجات فيعتمد على أساس أن كل دائرة من دوائر العرض مقسمة إلى ٣٦٠ ْ طولية وأن كل دائرة منها تكمل دورة كاملة كل ٢٤ ساعة. ومعنى ذلك أن سرعتها تكون ٦٥ ْ في الساعة أو درجة في كل ٤ دقائق، وهي سرعة واحدة على كل دوائر العرض؛ ولذلك فإنها هي المستخدمة في تحديد الزمن وفي حساب الفروق الزمنية بين أي مكان والأماكن الموجودة في شرقه والأماكن الموجودة في غربه حتى ولو كانت واقعة في عروض مختلفة وذلك على أساس إضافة ساعة لكل ١٥ ْ طولية أو ٤ دقائق لكل درجة واحدة إن كنا متجهين نحو الشرق أو طرحها إن كان متجهين نحو الغرب.
стр. 83
التوقيت المحلي والتوقيت القياسي:
ولكل مكان على سطح الأرض توقيت محلي خاص به. ويحسب هذا التوقيت بالنسبة لتوقيت جرينتش بعد أن يضاف إليه أو يطرح منه الفرق الزمني المناسب لخط طول المكان شرق خط جرينتش أو غربه، ويحسب هذا التوقيت عادة على أساس الوقت الذي تكون فيه الشمس في أعلى وضع لها في السماء وهو وقت الظهر أو الزوال. ويكون هذا الوقت دائمًا واحدًا في كل الأماكن الواقعة على خط طول واحد، وهذا هو السبب في تسمية خطوط الطول باسم Meridians. فهذه الكلمة مأخوذة من أصل لاتيني هو Meridies ومعناها Mid- day أي الظهر أو الزوال.
ولا يستخدم التوقيت المحلي غالبًا إلا لتحديد مواقيت الصلاة ومواقيت الصيام والافطار في البلاد الإسلامية، وفيما عدا ذلك؛ فإنه من غير العملي أن تستخدم كل مدينة أو كل قرية في الدولة الواحدة توقيتها المحلي في شئون الحياة العامة لما يترتب على ذلك من اضطراب في تنسيق أعمال الدولة ومواصلاتها
стр. 84
الداخلية والخارجية، ولذلك فقد رؤي توحيد التوقيت في نطاقات متتابعة، أو في الدولة الواحدة. وأصبح هناك ما يعرف بالتوقيت "أو الزمن" القياسي Standard time. وبمقتضاه اتفق على تقسيم سطح الكرة الأرضية إلى نطاقات طولية يشغل كل منها ١٥ ْ طولية ابتداءً من خط جرينتش؛ بحيث يستخدم في كل نطاق منها توقيت موحد هو التوقيت الزوالي لأحد خطوط الطول التي تقطعه وصرف النظر عن الفروق المحلية بداخله. ومعنى ذلك أن الفرق الزمني بين أي نطاق والنطاق المجاور له هو ساعة واحدة١. ولكن على الرغم من أن هذا التوقيت القياسي هو المتفق عليه دوليًّا فإن كثيرًا من الدول لا تتقيد به لأهداف قومية أو لأسباب تتعلق بمساحتها أو موقعها، والمعتاد هو أن تختار الدولة خط طول عاصمتها أو إحدى مدنها الأخرى أو أحد مراصدها الكبرى أساسًا لتوقيتها الموحد. فمصر مثلًا تسير على توقيت خط طول مرصد حلوان قرب القاهرة، وفرنسا تسير على توقيت خط طول مرصد باريس، وبريطانيا تسير على جرينتيش، والهند على توقيت خط طول مرصد مدراس. وهكذا؛ إلا أن الدول ذات الامتداد الشاسع بين الشرق والغرب مثل الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وكندا وجدت أن توقيتًا قياسيًّا واحدًا ليس كافيًا لها فقسمت نفسها إلى أكثر من نطاق زمني واحد؛ سواء على أساس النطاقات القياسية المتفق عليها "كل ١٥ ْ طولية" أو على أساس أي تقسيم جغرافي آخر. ففي الولايات المتحدة توجد أربعة نطاقات زمنية، لكل منها توقيته القياسي؛ ففي الشرق يستخدم توقيت خط طول ٧٥ ْ غربًا، وفي الوسط توقيت خط ٩٠ ْ غربًا، وفي إقليم الجبال توقيت خط ١٠٥ ْ، وفي الغرب توقيت خط ١٢٠ ْ. ويوجد في الاتحاد السوفيتي أكبر عدد من النطاقات الزمنية وهو أحد عشر نطاقًا، وتأتي بعدها كندا وبها ستة نطاقات، ويطبق مثل هذا التقسيم كذلك في المحيطات الواسعة، حيث يقوم البحارة
стр. 85
والمسافرون بتعديل ساعاتهم باستمرار كلما انتقلت الباخرة من نطاق زمني إلى الناطق المجاور له، أي كل ١٥ ْ طولية "شكل ٢٣".
"شكل ٢٣" نطاقات الزمن
стр. 86
خط التاريخ الدولي International Date Line:
المقصود بهذا الخط هو خط الطول الذي يتغير عنده التاريخ؛ إما بتقديم يوم كامل أو تأخير يوم كامل عن التاريخ السابق لعبوره. وقد اتفق دوليًّا١على أن خط طول ١٨٠ ْ الذي يقطع المحيط الهادي من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه هو أصلح خط لهذا الغرض؛ حيث إن الفرق الزمني بين توقيته وتوقيت خط جرينتيش يبلغ في مجموعه ٢٤ ساعة أي يومًا كاملًا؛ لأن توقيته يسبق توقيت جرينتيش بمقدار ١٢ ساعة لو حسبناه بالسير شرقا، ويتأخر عنه بمثلها لو حسبناه بالسير غربا؛ ولذلك فإن المسافرين عبر المحيط الهادي يضطرون لتغيير اليوم أو
стр. 87
لإبقائه كما هو عند عبورهم لهذا الخط على حسب اتجاهم عند عبوره؛ فإن كانوا متجهين نحو آسيا فإنهم يسقطون من حسابهم يومًا كاملًا فإذا كان وصولهم إلى هذا الخط يوم جمعة؛ فإنهم يسقطون يوم السبت وينتقلون مباشرة إلى يوم الأحد أما إن كانوا متجهين نحو أمريكا فإنهم يكررون في يوم الجمعة نفسه دون تغيير.
وقد كان عدم تنبه بحارة ماجلان الذين بقوا على قيد الحياة بعد رحلتهم حول العالم إلى هذه الحقيقة هو السبب في حيرتهم عندما وصلوا إلى برشلونة في أسبانيا؛ فقد فوجئوا بأن يوم وصولهم إلى إسبانيا كان يوم ٨ سبتمبر سنة ١٥٢٢ في حين أنهم كانوا يعتقدون بحسابهم أنه يوم ٧ سبتمبر. ولو أنهم تنبهوا إلى ضرورة تغيير التاريخ عند عبورهم لخط طول ١٨٠ ْ لما حدث هذا الاختلاف.
ولما كان خط ١٨٠ ْ يمر في بعض المناطق في وسط بعض الأراضي الجزر التي تتبع دولًا معينة؛ فقد وجد أنه من المصلحة إجراء بعض التعديلات المحلية على اتجاه خط التاريخ الدولي حتى يطبق في مثل هذه الجزر أو الأراضي نفس التاريخ المطبق في الدولة التي تتصل بها أو التي تكون قريبة منها؛ ولهذا السبب نجد أن هذا الخط يتقوس نحو الشرق في منطقة بوغاز بهرج لكي يكون التاريخ المطبق في الطرف الشرقي لسيبيريا هو نفس التاريخ المطبق في الجانب الآسيوي وإلى الجنوب من ذلك ينحرف الخط مرة أخرى نحو الغرب لكي يكون التاريخ في كل جزر ألوشيان هو نفس تاريخ الجانب الأمريكي. وإلى الجنوب من خط الاستواء يتزحزح الخط نحو الشرق بنحو ٧.٥ ْ طولية. لكي يكون التاريخ في مجموعات جزر فيجي وتونجا وغيرها من الجزر الموجودة في نفس المنطقة هو نفس التاريخ الموجود في نيوزيلنده "انظر شكل ٢٤".
стр. 88
"شكل ٢٤" خط التاريخ الدولي
стр. 89
١-٤- أصل الأرض .
تمهيد:
كان من موضوع "أصل الأرض" من أعقد الموضوعات التي واجهت المفكرين منذ أن بدأت النهضة الأوربية في القرن الخامس عشر.
وعلى الرغم من التقدم العلمي الحديث وكثرة ما كتب في هذا الموضوع فإنه ما زال، وسيظل دائمًا، يتحدى الفكر البشري. وقد ظهرت خلال القرون الثلاثة الأخيرة آراء ونظريات عديدة حاولت الوصول إلى تفسير معقول للطريقة التي نشأ بها النظام الشمسي عمومًا، وكوكب الأرض بصفة خاصة. وعلى الرغم من أن بعض النظريات قد استندت إلى بعض الحقائق العلمية الحديثة؛ فإن كل النظريات دون استثناء قد عجزت عن تفسير بعض الحقائق المهمة الخاصة بالنظام الشمسي، ولم تظهر حتى الآن نظرية يمكنها أن تدعى بأنها نجحت في إعطاء التفسير المقنع لكل المظاهر المعروفة عن هذا النظام، والواقع أن أي نظرية من النظريات لا بد أن تنهار لو أنها تعارضت مع أية حقيقة من الحقائق الثابتة؛ مهما كانت الأسس العلمية التي استندت إليها هذه النظرية ومن أمثلة الحقائق المهمة التي يجب على أية نظرية أن تكون قادرة على تفسيرها ما يأتي:
١- دوران كل الكواكب السيارة حول الشمس في اتجاه واحد، ودورانها حول نفسها في اتجاه واحد كذلك.
٢- وجود الكواكب كلها في مستوى واحد.
٣- دوران أحد أقمار المشترِي وأحد أقمار زحل في اتجاه مضاد لاتجاه دوران بقية الأقمار.
٤- تقاطع فلك نبتون مع فلك بلوتو، على الرغم من أن أفلاك بقية الكواكب متوازية.
стр. 90
٥- كون المسافات التي تفصل بين الكواكب تتبع متوالية حسابية تقريبًا؛ بحيث تكون المسافة بين أي كوكب وجاره الأبعد منه عن الشمس ضعف المسافة بينه وبين جاره الأقرب إليها.
٦- البطء الشديد لدوران الشمس حول نفسها، بعكس دوران الكوكب حول نفسه، على الرغم من أن أغلب النظريات توحى بأن هذا الدوران كان يجب أن يكون أسرع من ذلك بكثير.
стр. 91
نظريات تفسير نشأة المجموعة الشمسية ونشأة الأرض
مدخل
...
نظريات تفسير نشأة المجموعة الشمسية ونشأة الأرض:
لن نتمكن هنا من ذكر كل النظريات التي وردت في هذا الموضوع، وسنكتفي بعرض مختصر لأهم النظريات وأشهرها. وسنقسمها على أساس الافتراضات الرئيسية التي بنيت عليها إلى مجموعتين هما:
أولًا: نظريات تفترض أن الشمس نشأت من جزئيات صلبة أو غازية كانت تسبح منذ الأزل بكثرة هائلة في الفضاء، وتجمعت بشكل سحب ضخمة من نوع السدم، ثم انفصلت الكواكب عنها في مرحلة تالية. وسنطلق على هذه النظريات تعبير "نظريات الجزئيات الكونية" والسدم ومن أشهرها:
١- نظرية الفيلسوف الألماني كانت Imanuel Kant سنة ١٧٥٥.
٢- نظرية العالم الفرنسي لابلاس Laplace سنة ١٧٩٦،وهي التي اشتهرت باسم النظرية السديمية.
٣- النظرية الحديثة التي اقترحها الباحث الأمريكي ويبل L. W hipple سنة ١٩٤٨ وأطلق عليها اسم نظرية سحابة الغبار.
ثانيًا: نظريات تفترض أن الشمس كانت موجودة منذ الأزل ثم انفصلت عنها الكواكب بطريقة أو بأخرى، ومن أهمها النظريات التي تفترض "مع اختلاف التفاصيل" أن انفصال الكواكب قد حدث نتيجة لحدوث مد شديد في سطح الشمس بسبب جاذبية نجم آخر أضخم منها أثناء مروره على مقربة منها.
стр. 92
وسنطلق على هذه النظريات عمومًا اسم "نظريات المد الغازي" أو "المد النجمي"، ومن أشهرها النظريات الآتية:
١- نظرية الكويكبات Planitesimal Hypothesis، التي اقترحها العالمان الأمريكيان تشمبرلين Chamberlain ومولتون Moulton سنة ١٩٠٥.
٢- النظرية التي أوردها العالمان البريطانيان جينز وجيفريز Jeans & Jeffreys، وهي في الواقع عبارة عن تعديل لنظرية الكويكبات بقصد تجنب بعض الانتقادات التي وجهت إليها.
стр. 93
أولاً: نظرية الجزيئات الكونية والسدم .
١- نظرية كانت:
يقول كانت: إن المجموعة الشمسية نشأت في الأصل من جزيئات صلبة كانت تسبح منذ الأزل في الفضاء بكميات مهولة، وكانت الجزيئات في حركة مستمرة؛ مما أدى إلى كثرة تصادمها وتزايد حرارتها حتى تحولت بالتدريج إلى كتلة ملتهبة، ثم أخذت هذه الكتلة تنكمش ويصغر حجمها بقوة الجاذبية، كما بدأت في نفس الوقت تأخذ حركة دورانية حول نفسها. وكانت سرعة دورانها صغيرة في أول الأمر؛ ولكنها أخذت في التزايد بسبب استمرار تناقص حجمها حتى أصبحت هذه الكتلة خاضعة لقوتين متعارضتين، الأولى هي قوة جاذبيتها والثانية هي قوة الطرد التي نشأت من دورانها حول نفسها. وقد أخذت قوة الطرد في التزايد تبعًا لتزايد سرعة الدوران مما أدى إلى انبعاج الحزام الأوسط الخارجي للكتلة، وكان هذا الانبعاج شديدًا لدرجة أدت إلى انفصال حلقات متتالية منه واندفاعها بعيدًا عن الكتلة الأصلية، ووصلت كل حلقة منها إلى البعد الذي تتساوى عنده قوة الطرد التي أبعدتها مع قوة جذب الكتلة لها، وبهذه الطريقة توزعت الحلقات حول هذه الكتلة وبدأت تدور حول نفسها، وقد أدى دورانها حول نفسها إلى اندماجها وتكورها فتكونت منها الكواكب، وقد ساعدها على ذلك أنها لم تكن
стр. 94
قد تصلبت بعد بل كانت لا تزال في حالة شبه غازيّة، وقبل أن يتم تصلبها انفصلت عنها بنفس الطريقة حلقات صغيرة تكونت منها الأقمار.
ولكن هذه النظرية واجهت اعتراضات كثيرة أهمها:
١- أنها تتعارض مع الحقيقة المعروفة عن البطء الشديد لدوران الشمس حول نفسها؛ فلو سلمنا بأن سرعة دوران الكتلة الأصلية حول نفسها كانت تتزايد باستمرار بسبب تناقص حجمها "نتيجة لاندماجها وانفصال الكواكب عنها"؛ فقد كان المفروض أن تكون السرعة الحالية لدوران الشمس حول نفسها كبيرة جدًّا، وهذا مخالف للواقع.
٢- أنها لا تعطي تفسيرًا معقولًا لتولد الحركة الدورانية في الكتلة السديمة؛ إذ لا يعقل أن تكون عمليتي التصادم والتجاذب بين جزيئات المادة الكونية هي السبب في تولد هذه الحركة.
٢- نظرية لابلاس "السديمية" Nebular Hypothesis:
ليست هذه النظرية في الواقع إلا تطويرًا لنظرية "كانت". وأهم فارق بينهما أن لابلاس لا يجد داعيًا للافتراض بأن المادة الأزلية الأولى كانت عبارة عن جزيئات صلبة باردة ثم تحولت إلى سديم ملتهب؛ وإنما يفترض أنها كانت منذ البداية سديمًا ضخمًا يدور حول نفسه، وبهذا الافتراض تجنب لابلاس أحد الانتقادات التي وجهت إلى تفسير "كانت" لتكوين السديم واكتسابه للحركة الدورانية حول نفسه، ومع ذلك فإن نظرية لابلاس واجهت نفس النقد الذي واجهته نظرية كانت بخصوص عجزها عن تفسير بطء الحركة الدورانية للشمس حول نفسها. فلو فرضنا صحة ما افترضه لابلاس من أن السديم الأزلي كان يدور حول نفسه منذ البداية فلا بد أن سرعة دورانه كانت ستزداد باستمرار نتيجة لتناقص حجمه، وبناء على ذلك فقد كان المفروض أن تكون سرعة دوران الكتلة التي بقيت بعد انفصال الكواكب والتي كونت الشمس كبيرة، وهذا مخالف للحقيقة.
стр. 95
٣- نظرية سحابة الغبار Dust- Cloud Hypothesis:
وهي من أحدث النظريات التي وردت في تفسير نشأة المجموعة الشمسية وقد اقترحها الباحث الأمريكي ويبل Whipple في سنة ١٩١٨ "١" وهي من أساسها امتداد لنظرية الجزيئات الكونية التي جاء بها كانت وللنظرية السديمية التي جاء لابلاس؛ ولكنها تتميز عنهما بأن صاحبها حاول أن يدعمها ببعض نتائج البحث العلمي الحديث، وهو ما لم يكن متوفرًا لكل من كانت ولابلاس.
والحقيقة العلمية التي بنى ويبل عليها نظريته هي أن الفضاء الكوني ليس فارغًا تمامًا كما كان يظن من قبل؛ ولكنه يحتوي على كميات من غبار ميكروسكوبي مبعثر على مسافات متباعدة جدًّا لدرجة يبدو معها الفضاء وكأنه فارغ تمامًا، ولكن بالنظر إلى ضخامة هذا الفضاء بصورة لا يتصورها العقل فإن الغبار المبعثر فيه يكفي لبناء ملايين النجوم؛ حتى أنه ليقدر مثلًا أن الغبار المبعثر في سكة التبانه وحدها يكفي لبناء مائة ألف مليون نجم في حجم الشمس. وجزيئات هذا الغبار متناهية في الدقة، ولا يزيد قطر الواحدة منها عن ١/٥٠.٠٠٠ من البورصة، ومع ذلك فقد تبين من تحليل بعضها أنها مكونة من معظم العناصر المعروفة لنا، ومنها الأيدروجين والهيليوم والأكسوجين والنيتروجين والكربون وغيرها، كما تبين أنها تتجمع أحيانًا ببطء شديد تحت ظروف خاصة فتتكون منها في بعض المواضع سحب ضخمة جدًّا، وأصلح الأماكن لتجميعها بهذا الشكل هي الأماكن التي يضعف فيها ضوء النجوم؛ لأن الضغط الضوئي يستطيع "على الرغم من ضآلته المتناهية" أن يحرك الغبار الميكروسكوبي بعيدًا عن مصدر الضوء.
стр. 96
وعلى أساس هذا الرأي فإن جزيئات الغبار الكوني تميل للتجمع ببطء شديد حيثما يضعف الضوء، وتتكون منها في البداية سحب صغيرة، ولكن هذه السحب لا تلبث أن تنمو بسرعة لأن ظلها يساعد على تجمع الغبار حولها؛ فإذا لم يطرأ على هذه السحب أي طارئ يشتت غبارها كأن يمر بوسطها نجم ضوؤه بالغ الشدة فإنها تستمر في النمو ويتزايد حجمها كما تتزايد في نفس الوقت درجة كثافتها وجاذبيتها حتى تصل إلى درجة يصبح معها ضغط الضوء عاجزًا عن تشتيتها، ويرى ويبل أن السحابة التي تصل إلى هذه الحالة يكون غبارها كافيًا لبناء نجم في حجم الشمس وتكون منتشرة في منطقة قدرها حوالى ٩٠٠٠ مليون كيلو متر "وهو ما يعادل البعد بين الأرض والشمس ٦٠ ألف مرة". وفي هذه الحالة يبدأ ترسيب غبار السحابة نحو مركزها بقوة جاذبيتها، وتكون عملية الترسيب بطيئة في أول الأمر ولكنها تتزايد تدريجيًّا كلما انكمشت السحابة واندمجت جزيئاتها؛ حيث أن الاندماج يؤدي إلى تزايد مستمر في درجة حرارتها حتى تتحول بمرور السنين إلى نجم ملتهب. وهذه هي الطريقة التي تكونت بها الشمس. وقد حافظت الشمس على حرارتها نتيجة للتفاعلات الذرية القوية التي أخذت تتولد في باطنها بسبب حرارته البالغة الشدة.
أما عن دوران الشمس حول نفسها وبطء هذا الدوران فيفسرهما ويبل بأن هذا الدوران لم يبدأ إلا في المراحل النهائية لتكوين الشمس؛ ففي المراحل الأولى لعمليات الترسيب نشأت في السحابة تيارات كثيرة متعارضة لم تساعد على تكوين أي حركة دورانية، ولكن هذه التيارات أخذت تتناقص فاختفت معظم التيارات المتعارضة ولم يبق منها إلا تيارات رئيسية متجهة نحو المركز، وهذه التيارات هي التي ساعدت على بدء الحركة الدورانية البطيئة.
ويرى ويبل أن الكواكب السيارة قد نشأت من نفس سحابة الغبار التي نشأت منها الشمس وذلك في المراحل الأولى لعمليات الترسيب. ففي هذه المراحل انسلخت من هذه السحابة سحابات صغيرة، وكانت هذه السحابات منتشرة على طول التيار الرئيسي في السحابة الكبرى، فكان لذلك مرتبة على
стр. 97
صف واحد تقريبًا، وقد أخذت كل سحابة منها تنمو باجتذاب غبار جديد إليها، كما بدأت كل منها تكتسب حركة دورانية حول نفسها وحول مركز السحابة الكبرى "بتأثير دورانها حول نفسها"، وكانت سرعة دوران كل منها متناسبة مع حجمها ومع مدى تأثرها بتيارات هذه السحابة. وقد تخلفت السحابات الصغيرة في أماكنها بعد أن انحصرت عنها السحابة الكبرى نتيجة لانكماشها السريع، وعندما كانت هذه السحابة تنحصر عن إحدى السحابات الصغيرة كانت الأخيرة تبدأ في التحول إلى كوكب مستقل، والمفروض بناء على هذا، أن يكون الكوكب بلوتو، وهو أبعد الكواكب عن الشمس، وهو أول الكواكب ظهورًا ثم جاءت بعده الكواكب الأقرب فالأقرب وهكذا.
وكما أن تزايد سرعة الترسيب والانكماش في السحابة الكبرى هو المسئول عن اشتداد حرارتها والتهابها فإن نفس هاتين العمليتين قد نتج عنهما التهاب الكواكب، ومع ذلك فقد كانت حرارتها أقل بكثير من حرارة السحابة الأصلية، ولهذا فلم تحدث بها تفاعلات ذرية تؤدي إلى تجدد التهابها واستمرار انصهارها، كما حدث في السحابة الأصلية؛ فأخذ سطحها يبرد بالتدريج وتحولت إلى أجسام معتمة بينما بقي باطن بعضها محتفظًا بحرارته.
وعلى أساس هذه النظرية فإن ويبل يرى أن العمليات التي أدت إلى تكوين المجموعة الشمسية ما زالت مستمرة حتى الآن لتكوين نظم نجمية جديدة في الكون، كما يعتقد أن هذه النظرية يمكنها أن تفسر كثيرًا من الحقائق المعروفة عن المجموعة الشمسية مثل بطء دوران الشمس حول نفسها وتوزيع الكواكب حولها في مستوى واحد.
стр. 98
نظريات المد الغازي:
من الواضح أن البحث عن أصل المجموعة الشمسية كلها أمر بالغ التعقيد؛ ولذلك فإن بعض الباحثين رأوا أن يختصروا المشكلة وأن يفترضوا أن الشمس نفسها كانت موجودة منذ الأزل وأن يحاولوا تفسير كيفية انفصال الكواكب السيارة عنها وأشهر النظريات التي وردت في هذا المجال النظرية التي اقترحها
стр. 99
العالمان الأمريكيان "تشمبرلين ومولتون"، والتي اشتهرت باسم نظرية الكويكبات وملخصها كما يلي:
стр. 100
نظرية الكويكبات:
يقول صاحبا هذه النظرية وهما تشمبرلين ومولتون: إن الكواكب السيارة نشأت من أجزاء من سطح الشمس كانت قد تمددت وانبعجت عندما مر بالقرب منها نجم آخر أكبر منها؛ فقد أدت قوة جاذبية هذا النجم إلى حدوث مد في سطح الشمس المقابل له، وحدثت في نفس الوقت انفجارات عنيفة في سطح الشمس بسبب التفاعلات التي تحدث بداخلها، وقد أدت قوة الجاذبية النجمية مع قوة الطرد الناجمة عن الانفجارات المذكورة إلى انفصال الأجزاء الممتدة عن الشمس؛ ولكنها ظلت مع ذلك متأثرة بجاذبيتها أما النجم الآخر فقد كان تأثيره آخذًا في التناقص بسبب ابتعاده، ومع ذلك فقد ظلت جاذبيته تؤثر بعض الوقت تأثيرًا محدودًا في الأجزاء التي انفصلت عن الشمس، وهذا التأثير هو الذي أعطي للأجزاء المنفصلة حركة دورانية حول الشمس وحول نفسها. ولم تكن هذه الأجزاء قد تصلبت بعد؛ ولذلك فإنها تفككت أثناء دورانها وتحولت إلى أجزاء صغيرة بدأ كل منها يتصلب بعيدًا عن الآخر، وتكونت منها كويكبات عديدة إلا أن الكوكيبات الكبيرة استطاعت بقوة جاذبيتها أن تجمع حولها بالتدريج الكوكيبات الأصغر إلى أن تكونت منها في النهاية الكواكب السيارة المعروفة ومنها الأرض.
وكما هو الحال بالنسبة لباقي النظريات التي تعرضت لبحث هذا الموضوع؛ فقد تعرضت هذه النظرية لانتقادات كثيرة؛ لأنها عجزت عن تفسير بعض الحقائق المهمة، مثل وجود الكواكب السيارة كلها في مستوى واحد، وتناسب الأبعاد التي تفصلها عن بعضها وعن الشمس. كما عجزت عن تفسير تزايد كثافة المواد التي تتكون منها الأرض كلما تعمقنا نحو مركزها؛ فلو أنها نشأت كما تقول النظرية مع تجمع الكويكبات الصغيرة حول أحد الكويكبات الكبيرة فإنها لن تتمكن من إعطاء تفسير مقنع لترتيب المواد التي يتكون منها كوكب مثل الأرض الذي تتزايد كثافة مواده بوضوح كلما تعمقنا نحو مركزه
стр. 101
نظرية جيمس جيتر وهارولد جيفريز
...
نظرية جيمس جيتر H. Jeffreys:
هذه النظرية ليست في الواقع إلا تعديلًا لنظرية الكويكبات؛ ففي سنة ١٩٢٩ حاول هذان العالمان البريطانيان أن يتجنبا بعض أوجه النقص في هذه النظرية؛ فقالا: إنه ليس هناك داع للافتراض بأن الأجزاء التي انفصلت عن الشمس كانت صغيرة في أول الأمر وأنها كانت قد بردت قبل أن تتجمع لتكون الكواكب، وافترضنا بدلًا من ذلك أن يكون قد انفصل عن الشمس لسان طويل يصل إلى البعد الذي يدور فيه فلك أبعد الكواكب عنها وهو نبتون، وقد كان هذا اللسان سميكًا في الوسط ويتناقص سمكه نحو الطرفين؛ فلما تقطع بعد ذلك وتكونت منه الكواكب كان من الطبيعي أن يكون أكبر الكواكب في الوسط وأن تتوزع حوله الكواكب الأصغر بالترتيب تقريبًا، وهذا يتفق إلى حد كبير مع ما هو معروف عن توزيع الكواكب السيارة حول الشمس "شكل ٢٥".
وعلى الرغم من أن هذا التعليل يمكن أن يفسر عددًا من المظاهر العامة للمجموعة الشمسية ومنها توزيع الكواكب السيارة حول الشمس على حسب أحجامها فإنه ظل عاجزًا عن تفسير بعض الحقائق الأخرى المعروفة، ومن أهمها البطء الشديد لدوران الشمس حول نفسها ثم الاختلاف الكبير بين تركيب الشمس وتركيب معظم الكواكب؛ فالشمس مكونة عمومًا من عناصر غازية خفيفة مثل الأيدروجين والهيليوم؛ بينما تتركب الأرض ومعظم الكواكب الأخرى من مواد معدنية مثل الحديد والألومنيوم، ولذلك فقد تعرض رأي جينز وجيفريز لكثير من النقد، وظهرت غيره آراء أخرى ما زالت هي أيضًا محلًا للنقد والجدل.
стр. 102
شكل "٢٥" تصور تقريبي للسان الذي افترض جينز وجيفريز أنه انفصل عن الشمس، وعلاقة ذلك بتوزيع الكواكب حسب أحجامها.
стр. 103
٢ مقدمة في الفيزيوغرافيا .
٢-١- عمر الكرة الأرضية وتركيبها .
عمر الكرة الأرضية:
على الرغم من أن مشكلة تحديد الطريقة التي نشأت بها الأرض مازالت شديدة التعقيد؛ فإن مشكلة تحديد عمر الأرض ربما تكون أقل تعقيدًا منها بكثير. وذلك لأن الأساليب الحديثة المستخدمة في تحديد عمر المواد القديمة قد ساعد على تحديد عمر أقدم صخور القشرة الأرضية، ولو بصورة تقريبية، ومن أهم الأساليب التي استخدمت لهذا الغرض أسلوب التحليل الراديومي، وعلى أساس الأبحاث التي أجريت حتى الآن يقدر الجيولوجيون أن عمر أقدم صخور القشرة الأرضية يبلغ حوالي ثلاثة آلاف مليون سنة. ومما لا شك فيه أن التطورات التي مرت بها الكرة الأرضية نفسها قبل أن تتكون هذه الصخور قد استغرقت بضعة ملايين أخرى من السنين. وعلى هذا الأساس؛ فإن بعض الكتاب يقدرون المدة التي انقضت منذ أن بدأت المرحلة الأولى لتكوين الأرض حتى الآن بنحو ١٢ ألف مليون سنة١.
وقد أظهرت الأبحاث التي أجريت على أقدم صخور القشرة، "أي الصخور التي يبلغ عمرها ثلاثة آلاف مليون سنة" أن بعض هذه الصخور من نوع الصخور الرسوبية وأن بعضها يحتوي على رواسب حصوية وعلى ظاهرات أخرى تدل على أنها رواسب مائية٢.
وفي هذا دليل على أن مياه البحار كانت موجودة منذ ذلك الوقت على سطح الأرض؛ أي أن البحار كانت هى الأخرى معاصرة لتكون أقدم الصخور.
стр. 104
عمر الحياة على الأرض:
على الرغم من أن صخور القشرة الأرضية ومياه المحيطات كانت قد وجدت بالفعل منذ حوالي ثلاثة آلاف مليون سنة، كما سبق أن ذكرنا؛ فإن الحياة لم تبدأ إلا بعد ذلك بمئات الملايين من السنين، ولكن ليس من السهل تحديد زمن ظهورها لأول مرة في أبسط صورها؛ وذلك لعدم وجود أي حفريات يمكن أن تساعد على تحديد هذا الزمن. وترجع أقدم الأدلة الحفرية التي تم العثور عليها في الصخور القديمة إلى حوالي ٥٠٠ مليون نسمة؛ فمنذ ذلك الوقت ظهرت الكائنات ذات الخلية الواحدة وهي الأميبا، وليست هذه الكائنات بالتأكيد هي بداية الحياة لأنها تعتبر كائنات متطورة جدًّا بالنسبة لكائنات أخرى ظهرت وتطورت قبل ذلك خلال مئات الملايين من السنين حتى وصلت إلى الأميبا. وكانت هذه الكائنات الحية عبارة عن فيروسات Viruses ويعتبر التطور الذي تم في الفيروسات إلى الأميبا تطورًا ضخمًا جدًّا وغاية في التعقيد؛ فعلى الرغم من أن الأميبا ذات خلية واحدة إلا أنها تمثل في الواقع كائنًا حيوانيًّا متكاملًا، وأنها تمثل ذلك كذلك الوحدة الأصلية التي تطورت منها كل الكائنات الحيوانية حتى وصلت إلى أرقى الدرجات المعروفة في الوقت الحاضر. وبنفس الطريقة جاء تطور الحياة النباتية على الأرض؛ فعلى الرغم من أن الفطريات Algae هي أقدم الكائنات الحية النباتية المعروفة وأبسطها فلا بد أنها تطورت خلال عشرات الملايين من السنين قبل ظهورها من كائنات نباتية أخرى أبسط منها.
стр. 105
وبغض النظر عن الكائنات الحية الحيوانية والنباتية التي سبقت ظهور الأميبا والفطريات، والتي لا يعرف عنها شيء يستحق الذكر لعدم وجود حفريات تدل عليها؛ فإن تطور الحياة بعد ذلك قد مر في أدوار طويلة جدًّا استغرقت في مجموعها الخمسمائة مليون سنة الأخيرة من تاريخ الكرة الأرضية، وقد قسم الجيولوجيون هذه المدة إلى أزمنة أو أحقاب طويلة Eras وقسموا كل زمن منها إلى عصور Ages أقصر نسبيًّا. ويمثل كل زمن وكل عصر من هذه الأزمنة والعصور مرحلة خاصة من مراحل التطور التي مر بها سطح الأرض سواء في أشكاله التضاريسية أو مظاهره المناخية والحيوية "جدول٢". ويلاحظ أن طول الأزمنة والعصور يتناقص كلما تقدم الزمن، ويرجع ذلك إلى تزايد التعقيد في مظاهر الحياة وزيادة الأدلة على تطورها مما يسمح بتكوين صورة عنها أكثر تفصيلًا من الصور التي يمكن تكوينها عن الأزمنة والعصور الأقدم، وكلما توغلنا في القدم تناقصت الأدلة التي تدلنا على تطور الحياة إلا بشكل عام. وفضلًا عن ذلك فإن التطورات التي حدثت في العصور الجيولوجية الأحدث هي التي تظهر آثارها واضحة المظاهر الحالية لسطح الأرض وما عليه من مظاهر حيوية مختلفة من أهمها ظهور النوع البشري.
стр. 106
تركيب الكرة الأرضية
مدخل
...
تركيب الكرة الأرضية:
من المعروف أن الكرة الأرضية ليست كاملة الاستدارة؛ ولكنها مفلطحة قليلًا عند القطبين ومنعجة قليلًا عند خط الاستواء، ولهذا السبب فإن طول قطرها الموصل بين القطبين ينقص بنحو ٤٣ كيلو مترًا "٢٦.٧" ميل عن طول قطرها الاستوائي، كما أن محيطها المار بهما ينقص بنحو ٧٧ كيلو مترًا، ٤٢ ميلًا عن محيطها الاستوائي، وهذه الأطوال هي:
القطر الاستوائي ١٢.٧٥٧ كيلو مترًا "٧٩٢٦.٧ ميل"
القطر الواصل بين القطبين ١٢.٧١٤ كيلو مترًا "٧٩٠٠ ميل"
المحيط الاستوائي ٤٠.٠٧٧ كيلو مترًا "٢٤٩٠٢ ميل"
المحيط المار بالقطبين ٤٠.٠٠٠ كيلو مترًا "٢٤٨٦٠ ميل"
стр. 107
والذي يهمنا في موضوع الجغرافيا الطبيعية للأرض بصفة خاصة هو أغلفتها الطبيعية الظاهرية التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا، ولو بدرجات متباينة بكل المظاهر الطبيعية والحيوية والبشرية على سطحها. وهذه الأغلفة هي:
стр. 108
١- الغلاف الصخري-الليذوسفير Lithosphere:
ويشمل كل النطاق الصخري الذي يغطي الباطن، وهو غلاف غير محدود تمامًا؛ ولكنه يتفق عمومًا مع ما يسمى بقشرة الأرض. "كلمة ليذوس أصلها يوناني قديم ومعناها صخر". ويبلغ سمكه حوالي ٤٠ كيلو مترًا. وهو يرتكز على الباطن الذي يعرف باسم الباريسفير.
стр. 109
٢- الغلاف المائي الهيدروسفير Hydrosphere:
ويشمل كل المياه المالحة والعذبة التي توجد على سطح الأرض أو في صخورها أو في هوائها. وأعظمها على الإطلاق هي مياه البحار والمحيطات التي تغطي حوالي ٧١% من السطح الكلي للكرة الأرضية.
стр. 110
٣- الغلاف الجوي Atmosphere:
وهو الغلاف الغازي الذي يحيط بالكرة الأرضية إحاطة تامة، ويتراوح سمكه بين ٢٠٠ و ٣٠٠ كيلو متر من سطح البحر.