← Акыда

Акыда · id 8573

إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

«زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء» . رواه الشيخان. وعن كعب بن عجرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يدبر الرجل أمر خمسين امرأة» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه محمد بن عيسى الرملي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات". وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله! الله! وحتى تمر المرأة بقطعة النعل، فتقول: قد كان لهذه رجل مرة، وحتى يكون الرجل قيم خمسين امرأة، وحتى تمطر السماء ولا تنبت الأرض» . رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه البزار بنحوه. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". وقال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا عفان: حدثنا حماد عن ثابت عن أنس ﵁؛ قال: كنا نتحدث: أنه «لا تقوم الساعة حتى تمطر السماء ولا تنبت الأرض، وحتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد، وحتى إن المرأة لتمر بالنعل، فتنظر إليها، فتقول: لقد كان لهذه مرة رجل» . ذكره حماد مرة هكذا. وقد ذكره عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ لا يشك فيه. وقد قال أيضا: عن أنس عن النبي ﷺ فيما يحسب. إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه البزار وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجال الجميع ثقات".

стр. 1052

باب ما جاء في كثرة الروم في آخر الزمان عن المستورد الفهري ﵁: أنه قال لعمرو بن العاص ﵁: " «تقوم الساعة والروم أكثر الناس ". فقال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول. قال: أقول لك ما سمعت من رسول الله ﷺ . فقال له عمرو بن العاص: إن تكن قلت ذاك؛ إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأسرع الناس كرة بعد فرة، وإنهم لخير الناس لمسكين وفقير وضعيف، وإنهم لأحلم الناس عند فتنة، والرابعة حسنة جميلة، وإنهم لأمنع الناس من ظلم الملوك.» رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم. وقد رواه مسلم في "صحيحه" بزيادة، ولفظه: قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس ". فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ . قال: لئن قلت ذلك؛ إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك.» وفي رواية لمسلم نحوه، وقال فيه: فقال عمرو: لئن قلت ذلك؛ إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأجبر الناس عند مصيبة، وخير الناس لمساكينهم وضعفائهم. وعن عبد الرحمن بن جبير: «أن المستورد ﵁؛ قال: بينا أنا عند عمرو بن العاص، فقلت له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أشد الناس عليكم الروم، وإنما هلكتهم مع الساعة". فقال له عمرو: ألم أزجرك عن مثل هذا؟»

стр. 1053

رواه الإمام أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة، وقد حسن الترمذي حديثه، وروى له مسلم مقرونا بغيره، وبقية رجاله ثقات. وقد تقدم في أول كتاب الملاحم حديث ابن محيريز؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «فارس نطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعد هذا أبدا، والروم ذات القرون؛ كلما هلك قرن؛ خلفه قرن؛ أهل صخر، وأهل بحر، هيهات إلى آخر الدهر، هم أصحابكم ما دام في العيش خير» . رواه: ابن أبي شيبة، والحارث بن أبي أسامة مرسلا. والواقع يشهد له بالصحة. قال ابن الأثير في "النهاية": "فيه: "فارس نطحة أو نطحتين ثم لا فارس بعدها أبدا"؛ معناه: أن فارس تقاتل المسلمين مرة أو مرتين، ثم يبطل ملكها ويزول". انتهى. باب ما جاء في تأخير هذه الأمة خمس مائة عام عن أبي ثعلبة الخشني صاحب رسول الله ﷺ ﵁: أنه قال وهو بالفسطاط في خلافة معاوية ﵁، وكان معاوية أغزى الناس القسطنطينية، فقال: "والله؛ لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم، إذا رأيت الشام مائدة رجل واحد وأهل بيته؛ فعند ذلك فتح القسطنطينية". رواه الإمام أحمد موقوفا، وإسناده صحيح على شرط مسلم. وقد رواه أبو داود في "سننه"، والحاكم في "مستدركه"؛ عن أبي ثعلبة الخشني ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " «لن يعجز الله هذه»

стр. 1054

«الأمة من نصف يوم» . قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم ". قيل لسعد: وكم نصف ذلك اليوم؟ قال: خمس مائة سنة» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في "مستدركه"، ورجال أبي داود كلهم ثقات. باب ما جاء في أول الأرض خرابا عن جرير ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أسرع الأرض خرابا يسراها ثم يمناها» . رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه حفص بن عمر بن صباح الرقي، وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح". وعن قتادة؛ قال: لقي النبي ﷺ أبا ذر ﵁، فذكر الحديث، وفيه أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: «واعلم أن أسرع أرض العرب خرابا الجناحان؛ مصر والعراق» . رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أن فيه انقطاعا بين أبي ذر وقتادة. وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "أول الأرض خرابا

стр. 1055

الشام". رواه ابن أبي شيبة. وقد جاء ما يخالف هذا الأثر، فروى ابن عساكر عن عوف بن مالك ﵁: "تخرب الأرض قبل الشام بأربعين سنة". ذكره في "كنز العمال". وحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب بعده يعارضه. باب ما جاء في آخر القرى خرابا عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة» . رواه: الترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وعن عوف بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أما والله يا أهل المدينة؛ لتدعنها مذللة أربعين عاما للعوافي". قلنا: الله ورسوله أعلم. ثم قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما العوافي؟ ". قالوا: لا. قال: "الطير والسباع» . رواه: الإمام أحمد، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". ورواه عمر بن شبة بإسناد صحيح، ولفظه: قال: «دخل رسول الله ﷺ المسجد، ثم نظر إلينا، فقال: " أما والله؛ ليدعنها أهلها مذللة أربعين عاما»

стр. 1056

«للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع» . وعن عوف أيضا ﵁: "تخرب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة". ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه الديلمي في "مسند الفردوس"". باب ما جاء في أول الأمم هلاكا عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قل الجراد في سنة من سني عمر ﵁ التي ولي فيها، فسأل عنه، فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكبا إلى اليمن وآخر إلى الشام وآخر إلى العراق يسأل: هل رئي من الجراد شيء أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها؛ كبر ثلاثا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله ألف أمة: ست مائة في البحر، وأربع مائة في البر، فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا هلكت؛ تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه» . رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه عبيد بن واقد القيسي، وهو ضعيف". باب ما جاء في أول الناس هلاكا عن أبي هريرة ﵁؛ قال: «أقبل سعد ﵁ إلى النبي ﷺ ، فلما رآه؛ قال رسول الله ﷺ : " إن في وجه سعد لخبرا". قال: قتل كسرى. قال: يقول رسول الله ﷺ : "لعن الله كسرى، وإن أول الناس هلاكا»

стр. 1057

«العرب، ثم أهل فارس» . رواه: الإمام أحمد، والبزار. قال الهيثمي: "وفيه داود بن يزيد الأودي، وهو ضعيف". باب ما جاء في هلاك العرب عن طلحة بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة هلاك العرب» . رواه: ابن أبي شيبة، والترمذي في "جامعه"، والبخاري في "التاريخ"، والحارس بن أبي أسامة، والطبراني، وابن عبد البر، وغيرهم. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب". باب ما جاء في أول العرب هلاكا عن ابن عباس ﵄؛ قال: "أول العرب هلاكا قريش وربيعة". قالوا: وكيف؟ قال: "أما قريش؛ فيهلكها الملك، وأما ربيعة؛ فتهلكها الحمية". رواه ابن أبي شيبة. وعن عمرو بن العاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أول الناس هلاكا قريش، وأول قريش هلاكا أهل بيتي» . رواه الطبراني.

стр. 1058

وعن أبي ذر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول الناس هلاكا قريش، وأول قريش هلاكا أهل بيتي» . ذكره صاحب "كنز العمال" وقال: "رواه ابن عساكر ". وعن عائشة ﵂؛ قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ وهو يقول: " يا عائشة! قومك أسرع أمتي بي لحاقا". قالت: فلما جلس؛ قلت: يا رسول الله! جعلني الله فداءك، لقد دخلت وأنت تقول كلاما ذعرني. فقال: "وما هو؟ ". قالت: تزعم أن قومي أسرع أمتك بك لحاقا! قال: "نعم". قالت: وعم ذاك؟ قال: "تستحليهم المنايا، وتنفس عليهم أمتهم". قالت: فقلت: فكيف الناس بعد ذلك أو عند ذلك؟ قال: "دبى يأكل شداده ضعافه حتى تقوم عليهم الساعة» . رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين. قال أبو عبد الرحمن - هو عبد الله ابن الإمام أحمد - في تفسير الدبى: "فسره رجل هو الجنادب التي لم تنبت أجنحتها". وفي رواية: قال النبي ﷺ : «يا عائشة! إن أول من يهلك من الناس قومك". قالت: قلت: جعلني الله فداءك؛ أبني تيم؟ قال: " لا، ولكن هذا الحي من قريش؛ تستحليهم المنايا، وتنفس عنهم، أول الناس هلاكا". قلت: فما بقاء الناس بعدهم؟ قال: "هم صلب الناس، فإذا هلكوا؛ هلك الناس» . فيه عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وعنها ﵂؛ قالت: «قلت: يا رسول الله! كيف هذا الأمر بعدك؟ قال: "في قومك ما كان فيهم خير". قلت: فأي العرب أسرع فناء؟ قال: "قومك". قلت: وكيف ذلك؟ قال: "يستحليهم الموت ويفنيهم الناس» .

стр. 1059

رواه نعيم بن حماد في "الفتن". وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أسرع قبائل العرب فناء قريش، ويوشك أن تمر المرأة بالنعل، فتقول: إن هذا نعل قرشي» . رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبزار ببعضه، والطبراني في "الأوسط"، وقال: "هذه"؛ بدل: "هذا". قال الهيثمي: "ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح". وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" موقوفا، ولفظه: قال أبو هريرة ﵁: "أول قبائل العرب فناء قريش، والذي نفسي بيده؛ أوشك الرجل أن يمر على النعل وهي ملقاة في الكناسة، فيأخذها بيده، ثم يقول: كانت هذه من نعال قريش في الناس". وعن عبد الرحمن بن شبل ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يذهب الليل والنهار حتى توجد النعل بالقمامة، فيقال: كأنها نعل قرشي» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم يسم ومن ضعفه الجمهور". قلت: وما قبله من الأحاديث الصحيحة يشهد له ويقويه. باب ما جاء في شر الليالي والأيام والشهور والأزمنة عن ابن مسعود ﵁؛ قال: "إن شر الليالي والأيام والشهور والأزمنة أقربها إلى الساعة". ذكره في "كنز العمال".

стр. 1060

ويشهد له ما رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي؛ عن أنس ﵁: أنه قال: «لا يأتي عليكم زمان؛ إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم» ، سمعته من نبيكم ﷺ . قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة". رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". باب ما جاء أنه يكون قبل الساعة مائة سنة لا يعبد الله فيها عن بريدة ﵁ مرفوعا: «لا تقوم الساعة حتى لا يعبد الله في الأرض قبل ذلك بمائة سنة» . ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه: ابن جرير، والحاكم في "تاريخه". باب ما جاء في بقاء الأشرار بعد الأخيار عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "إن للأشرار بعد الأخيار عشرين ومائة سنة، لا يدري أحد من الناس متى يدخل أولها". رواه ابن أبي شيبة.

стр. 1061

باب فيمن تقوم عليهم الساعة عن عبد الله - وهو ابن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم. وعنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد» . رواه الإمام أحمد. وروى البخاري منه قوله: «من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء» . وعن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» . رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه الحارث بن عبد الله الأعور، وهو ضعيف جدا، ووثقه ابن معين ". قلت: والحديث قبله يشهد له ويقويه. وعن معاوية ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا يزداد الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا يزداد المال إلا إفاضة، ولا يزداد الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» .

стр. 1062

رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله وثقوا، وفيهم ضعف". وقد رواه الحاكم في "مستدركه" مختصرا، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» . رواه: ابن ماجه، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "ولا الدين إلا إدبارا"، وإسناد كل منهما ضعيف، وما قبله عن معاوية وأبي أمامة ﵄ يشهد له ويقويه. وعن عبد الرحمن بن شماسة المهري؛ قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، «فقال عبد الله: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء؛ إلا رده عليهم"، فبينما هم على ذلك؛ أقبل عقبة بن عامر ﵁، فقال له مسلمة: يا عقبة! اسمع ما يقول عبد الله. فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا؛ فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال عصابة من أمتي؛ يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم؛ حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك". فقال عبد الله: أجل؛ "ثم يبعث الله ريحا كريح المسك، مسها مس الحرير؛ فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإيمان؛ إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة» . رواه مسلم. وعن النواس بن سمعان ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة..... الحديث، وفي آخره: «فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحا»

стр. 1063

«طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر؛ فعليهم تقوم الساعة» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح". وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: "يبعث الله ريحا فيها زمهرير بارد؛ لا تدع على وجه الأرض مؤمنا؛ إلا مات بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على شرار الناس". رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". قال الحاكم: "وكذلك روي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو ". وعن علباء السلمي ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة إلا على حثالة من الناس» . رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض، فيبقى فيها عجاجة لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا» . رواه الإمام أحمد مرفوعا وموقوفا، ورجالهما رجال الصحيح. ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "فيبقى فيها عجاج"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين إن كان الحسن سمعه من عبد الله بن عمرو "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

стр. 1064

وعنه ﵁؛ قال: "لا تقوم الساعة حتى يبعث الله ريحا لا تدع أحدا في قلبه مثقال ذرة من تقى أو نهى إلا قبضته، ويلحق كل قوم بما كان يعبد آباؤهم في الجاهلية، ويبقى عجاج من الناس؛ لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، يتناكحون في الطرق كما تتناكح البهائم، فإذا كان ذلك؛ اشتد غضب الله على أهل الأرض، فأقام الساعة". رواه الحاكم في "مستدركه"، ولم يتكلم عليه، ولم يتكلم عليه الذهبي. وعنه ﵁؛ قال: "إن من آخر أمر الكعبة أن الحبش يغزون البيت، فيتوجه المسلمون نحوهم، فيبعث الله عليهم ريحا إثرها شرقية، فلا يدع الله عبدا في قلبه مثقال ذرة من تقى؛ إلا قبضته، حتى إذا فرغوا من خيارهم؛ بقي عجاج من الناس؛ لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، وعمد كل حي إلى ما كان يعبد آباؤهم من الأوثان، فيعبده، حتى يتسافدوا في الطرق كما تتسافد البهائم، فتقوم عليهم الساعة، فمن أنبأك عن شيء بعد هذا؛ فلا علم له". رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد على شرطهما موقوف"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". باب ما جاء أن الساعة تقوم على أولاد الزنى عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «خروج الدابة بعد طلوع الشمس من مغربها، فإذا خرجت؛ لطمت إبليس وهو ساجد، ويتمتع المؤمنون في الأرض بعد ذلك أربعين سنة؛ لا يتمنون شيئا؛ إلا أعطوه ووجدوه، ولا جور، ولا ظلم، وقد أسلم الأشياء لرب العالمين طوعا وكرها، حتى إن السبع»

стр. 1065

«لا يؤذي دابة ولا طيرا، ويلد المؤمن فلا يموت، حتى يتم الأربعين سنة بعد خروج دابة الأرض، ثم يعود فيهم الموت، فيمكثون كذلك ما شاء الله، ثم يسرع الموت في المؤمنين؛ فلا يبقى مؤمن، فيقول الكافر: قد كنا مرعوبين من المؤمنين، فلم يبق منهم أحد، وليس تقبل منهم توبة، فيتهارجون في الطرق تهارج البهائم، يقوم أحدهم بأمه وأخته وابنته، فينكحها وسط الطريق، يقوم عنها واحد وينزو عليها آخر، لا ينكر ولا يغير، فأفضلهم يومئذ من يقول: لو تنحيتم عن الطريق؛ كان أحسن، فيكونون كذلك، حتى لا يبقى أحد من أولاد النكاح، ويكون أهل الأرض أولاد السفاح، فيمكثون كذلك ما شاء الله، ثم يعقر الله أرحام النساء ثلاثين سنة؛ لا تلد امرأة، ولا يكون في الأرض طفل، ويكونون كلهم أولاد الزنى، شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة» . رواه الحاكم في "مستدركه". قال الذهبي: "وهو موضوع". قلت: ولبعضه شواهد، ولا سيما ما ذكر فيه من التناكح في الطريق. باب لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله!» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن". وفي رواية لأحمد ومسلم: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله! الله!» . وفي رواية لأحمد: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله» .

стр. 1066

ورواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"؛ بهذا اللفظ، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن عبد الله - وهو ابن مسعود ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله» . رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". قال ابن كثير رحمه الله تعالى في "النهاية": "وفي معنى قوله ﷺ : «حتى لا يقال في الأرض: الله، الله!» قولان: أحدهما: أن معناه أن أحدا لا ينكر منكرا، ولا يزجر أحد أحدا إذا رآه قد تعاطى منكرا وغيره، فعبر عن ذلك بقوله: «"حتى لا يقال: الله! الله!» ؛ كما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو: "فيبقى فيها عجاجة؛ لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا". والقول الثاني: حتى لا يذكر الله في الأرض، ولا يعرف اسمه فيها، وذلك عند فساد الزمان، ودمار نوع الإنسان، وكثرة الكفر والفسوق والعصيان، وهذا كما في الحديث الآخر: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله» ، وكما تقدم في الحديث الآخر: أن الشيخ الكبير يقول: أدركت الناس وهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يتفاقم الأمر ويتزايد الحال، حتى يترك ذكر الله في الأرض، وينسى بالكلية؛ فلا يعرف فيها، وأولئك الأشرار شر الناس وعليهم تقوم الساعة". انتهى. والقول الثاني هو الصواب، وهو يتضمن القول الأول أيضا؛ لأنه إذا ترك

стр. 1067

ذكر الله في الأرض، ونسي بالكلية، فلم يعرف؛ فمن لازم ذلك ترك إنكار المنكرات، وترك الزجر لمن يتعاطى شيئا منها. والله أعلم. باب ما جاء في سوق الناس إلى المحشر عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات ... (فذكر الحديث، وفيه:) ونار تخرج من قعر عدن، تسوق (أو: تحشر) الناس؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن إلا النسائي. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وفي رواية لمسلم: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم» . وفي رواية أبي داود: «وآخر ذلك تخرج نار من اليمن من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر» . وقد تقدم هذا الحديث بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) . قال ابن كثير في "النهاية": "وهذه النار تسوق الموجودين في آخر الزمان من سائر أقطار الأرض إلى أرض الشام منها، وهي بقعة المحشر والمنشر". انتهى. وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات (فذكر الحديث وفيه ... ) : ونار تخرج من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر، تحشر الذر والنمل» .

стр. 1068

رواه: الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن عمر ﵁: أنه قال: "تخرج من أودية بني علي نار تقبل من قبل اليمن؛ تحشر الناس، تسير إذا ساروا، وتقيم إذا أقاموا، حتى إنها لتحشر الجعلان، حتى تنتهي إلى بصرى، وحتى إن الرجل ليقع فتقف حتى تأخذه". رواه ابن أبي شيبة. وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ستخرج نار من حضرموت (أو: من نحو بحر حضرموت) قبل يوم القيامة تحشر الناس". قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: "عليكم بالشام» . رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ﵄". قال: "وفي الباب عن حذيفة بن أسيد وأنس وأبي هريرة وأبي ذر ﵃". وقد علق أبو عبية في (ص٢٥٧) من "النهاية" على قول ابن كثير: "وإن أرض الشام هي بقعة المحشر والمنشر"، فقال ما نصه: "هذا الكلام الذي يحدد أرض المحشر لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، بل إن في القرآن الكريم ما ينقضه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ ؛ فأين أرض الشام إذا؟! ". والجواب أن يقال: قد دل القرآن والسنة على أن أرض الشام هي أرض المحشر:

стр. 1069

فأما الدليل من القرآن؛ فقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ ... الآية، وأهل الكتاب هم بنو النضير، أجلاهم النبي ﷺ من المدينة إلى أذرعات من أرض الشام. «قال ابن عباس ﵄: "من شك أن أرض المحشر هاهنا (يعني: الشام) ؛ فليقرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ . قال لهم رسول الله ﷺ : "اخرجوا". قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر» . رواه ابن أبي حاتم. وعن الحسن؛ قال: لما «أجلى رسول الله ﷺ بني النضير؛ قال: "هذا أول الحشر، وإنا على الأثر» . رواه: ابن جرير، وابن أبي حاتم. وقال الكلبي: "إنما قال: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ ؛ لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل الكتاب من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب ﵁". قال مرة الهمداني: "كان أول الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر ". وقال قتادة: "كان هذا أول الحشر، والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا". وأما الدليل من السنة؛ فعن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول لنا: «إنكم تحشرون إلى بيت المقدس، ثم تجتمعون يوم»

стр. 1070

«القيامة» . رواه: البزار، والطبراني. قال الهيثمي: "وإسناد الطبراني حسن". وقد تقدم في حديث عمر ﵁: أن النار التي تحشر الناس تنتهي إلى بصرى، وبصرى من أرض الشام. وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ في ذكر الحشر بالنار: أنهم قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: "عليكم بالشام". فهذا يدل على أن الشام هي أرض المحشر. وأما قول أبي عبية: "إن في القرآن ما ينقضه؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ ؛ فأين أرض الشام إذا؟! ". فجوابه أن يقال: إن الحشر إلى الشام يكون قبل يوم القيامة؛ تحشرهم النار من المشرق حتى تنتهي إلى أرض بصرى؛ كما تقدم في حديث عمر ﵁، وأرض الشام لا تزال باقية على حالها إلى يوم القيامة، فأما تبديل الأرض؛ فإنما يكون يوم القيامة، والناس إذا ذاك على الصراط؛ كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم " من حديث عائشة ﵂، وفي حديث ثوبان ﵁: أنهم في الظلمة دون الجسر. رواه مسلم. وفي "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد» . وهذا لا ينفي أن تكون أرض الشام بهذه الصفة يوم القيامة، حين تسير الجبال وتنسف عن وجه الأرض. والمقصود هاهنا أن اعتراض أبي عبية على ابن كثير لا وجه له، وهو مردود بما ذكرته من الآية والأحاديث. والله أعلم.

стр. 1071

باب ما جاء في نداء المنادي بين يدي الصيحة عن أبي سعيد ﵁: "ينادي مناد بين يدي الصيحة: يا أيها الناس! أتتكم الساعة. فيسمعها الأحياء والأموات، وينزل الله إلى السماء الدنيا، ثم ينادي مناد: لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار". ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه الديلمي ". وعن ابن عباس ﵄؛ قال: "يوشك الملطع أن يطلع". قيل له: وما المطلع؟ قال: "مناد ينادي الساعة، فما من حي ولا ميت إلا كأنما ينادي عند أذنه". ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: رواه الخطيب في "المتقن". وعن عقبة بن عامر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناد: أيها الناس! فيقبل الناس بعضهم على بعض؛ هل سمعتم؟ فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يشك، ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس! فيقول الناس: هل سمعتم؟ فيقولون: نعم. ثم ينادي: أيها الناس! أتى أمر الله فلا تستعجلوه". قال رسول الله ﷺ : "فوالذي نفسي بيده؛ إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أو يتبايعانه أبدا، وإن الرجل ليمدر حوضه فما يسقي فيه شيئا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدا، ويشتغل الناس» . رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه الطبراني بنحوه. قال

стр. 1072

الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير محمد بن عبد الله مولى المغيرة، وهو ثقة". وقال المنذري: رواه الطبراني بإسناد جيد رواته ثقات مشهورون". قوله: "يمدر حوضه": قال المنذري: "أي: يطينه؛ لئلا يتسرب منه الماء". انتهى. باب ما جاء أن الساعة تقوم نهارا عن أبي هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة إلا نهارا". ذكره صاحب "كنز العمال" ونسبه لأبي نعيم في "الحلية"، ونسبه في موضع آخر للحاكم، ولم أره في "المستدرك". والأحاديث الصحيحة في الباب بعده تشهد له وتقويه. باب ما جاء أن الساعة تقوم يوم الجمعة عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وقال: " حديث حسن صحيح". قال: "وفي الباب عن أبي لبابة وسلمان وأبي ذر وسعد بن عبادة وأوس بن أوس ". وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت عليه»

стр. 1073

«الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه» . رواه: مالك، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن أوس بن أبي أوس الثقفي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم `، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي". فقالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أَرِمْتَ (يعني: وقد بليت) ؟! قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن سعد بن عبادة ﵁: «أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ ، فقال: أخبرنا عن يوم الجمعة ماذا فيه من الخير؟ قال: " فيه خمس خلال: فيه خلق آدم، وفيه أهبط آدم، وفيه توفي آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله عبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه؛ ما لم يسأل مأثما أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا حجر إلا وهو يشفق من يوم الجمعة» . رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه كلام، وقد وثق، وبقية رجاله ثقات".

стр. 1074

وعن أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عنده، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا آتاه الله ﵎ إياه؛ ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا هن يشفقن من يوم الجمعة» . رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تقدم كلام الهيثمي فيه، وبقية رجالهما رجال الصحيح. وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «سيد الأيام عند الله يوم الجمعة، فيه خلق آدم أبوكم، وفيه دخل الجنة، وفيه خرج، وفيه تقوم الساعة» . رواه الطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "وفيه إبراهيم بن يزيد الجوزي، وهو ضعيف، وروي عن عبد الله بن سلام نحوه في حيدث طويل". انتهى. قلت: وما قبله من الأحاديث يشهد له ويقويه. وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: " «ما هلك قوم لوط؛ إلا في الأذان، ولا تقوم الساعة؛ إلا في الأذان» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير آدم بن علي، وهو ثقة". قال الطبراني: "معناه عندي - والله أعلم -: في وقت أذان الفجر، وهو وقت الاستغفار والدعاء". ذكره الهيثمي عنه في "مجمع الزوائد". وقد روى الطبراني عن ابن عمر ﵄ مرفوعا: «إن الساعة تقوم وقت الأذان للفجر من يوم الجمعة للنصف من شهر رمضان» .

стр. 1075

قال ابن كثير في "النهاية": "وهذا غريب يحتاج إلى دليل". وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "ما هذه؟ ". قال: هذه الجمعة، فضلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع؛ اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب له، وهو عندنا يوم المزيد ... (فذكر الحديث، وفي آخره:) وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة» . رواه الإمام الشافعي في "مسنده"، وفي إسناده ضعف، ولبعضه شواهد مما تقدم من الأحاديث الصحيحة. وعن أبي سلمة؛ قال: كان أبو هريرة ﵁ يحدثنا عن رسول الله ﷺ : أنه قال: " إن في الجمعة ساعة (فذكر الحديث") . قلت: والله؛ لو جئت أبا سعيد! فسألته؟ فذكر الحديث، ثم خرجت من عنده، فدخلت على عبد الله بن سلام، فسألت عنها؟ فقال: «خلق الله آدم يوم الجمعة، وأهبط إلى الأرض يوم الجمعة، وقبضه يوم الجمعة، وفيه تقوم الساعة؛ فهي آخر ساعة» ....". الحديث. رواه: الإمام أحمد، والبزار. قال الهيثمي: "ورجالهما رجال الصحيح". باب أن الساعة تأتي بغتة قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ .

стр. 1076

وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ . وقال تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ . باب ما جاء في قيام الساعة قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ . وقال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ . وقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ .

стр. 1077

وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ . وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ . وقد تقدم قريبا حديث عقبة بن عامر ﵁، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «فوالذي نفسي بيده؛ إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أو يتبايعانه أبدا، وإن الرجل ليمدر حوضه فما يسقي فيه شيئا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدا، ويشتغل الناس» . رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه الطبراني بنحوه. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير محمد بن عبد الله مولى المغيرة، وهو ثقة". وقال المنذري: "رواه الطبراني بإسناد جيد رواته ثقات مشهورون". وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» . رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن حبان في "صحيحه". وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: قال: «تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم، والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم، والرجل يلط في حوضه فما يصدر حتى تقوم» . قوله: "يليط حوضه"؛ أي: يطينه.

стр. 1078

باب النفخ في الصور قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾

стр. 1079

﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ . وقال تعالى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ . قال ابن عباس ﵄: " (الناقور) : الصور". ذكره البخاري في صحيحه. ورواه: ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه. وهكذا قال: مجاهد، والشعبي، وزيد بن أسلم، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ . قال ابن عباس ﵄: "الراجفة: النفخة الأولى، والرادفة:

стр. 1080

النفخة الثانية". ذكره البخاري في "صحيحه". ورواه: ابن جرير. وابن أبي حاتم، وابن المنذر. وهكذا قال: مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغير واحد. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . قال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ : "لعله اسم للنفخة في الصور". وقال البغوي في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ : "يعني: صيحة القيامة، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع؛ أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها". انتهى. وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين؛ لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما، فيبعث الله عيسى ابن مريم، كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان؛ إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل؛ لدخلته عليه حتى تقبضه". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ ؛ قال: "فيبقي شرار الناس، في خفة الطير وأحلام السباع؛ لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرونا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك؛ دارٌّ رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا". قال: "وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله". قال: "فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله (أو قال: ينزل الله) مطرا كأنه الطل»

стр. 1081

« (أو: الظل) ، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى؛ فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس! هلم إلى ربكم، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ". قال: "ثم يقال: أخرجوا بعث النار. فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين. قال: فذاك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي. قال الجوهري: " (الليت) ؛ بالكسر: صفحة العنق، وهما ليتان". وقال ابن منظور في "لسان العرب": "وفي الحديث: «ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا» ؛ أي: أمال صفحة عنقه". انتهى. وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو في طائفة من أصحابه، فقال: «إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض؛ خلق الصور، فأعطاه إسرافيل؛ فهو واضعه على فيه، شاخصا ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر". قلت: يا رسول الله! وما الصور؟ قال: "قرن". قلت: كيف هو؟ قال: "عظيم، والذي بعثني بالحق؛ إن عظم دارة فيه كعرض السماوات والأرض؛ ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين؛ يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ! فينفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطيلها ولا يفتر، وهي التي يقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ... (الحديث بطوله، وفيه:) ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فيصعق أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله» . رواه: ابن جرير، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي، وغيرهم. وهو معروف بحديث الصور، وسيأتي الكلام فيه بعد ذكر كلام أبي عبية

стр. 1082

فيه إن شاء الله تعالى. وعن أبي هريرة أيضا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان» . رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه": "على شرط مسلم ". وعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ ؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟! ". فقال أصحاب رسول الله ﷺ : كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» . رواه: الإمام أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني. قال ابن كثير: "هو حديث جيد". وقال الهيثمي: "فيه عطية العوفي، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين". قلت: قد حسن الترمذي حديثه كما سيأتي. وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث عطية عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ ؛ قال: رسول الله ﷺ : «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى بسمعه متى يؤمر؟! ". قال أصحاب رسول الله ﷺ : كيف نقول يا رسول الله؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» . وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر أن»

стр. 1083

«ينفخ؟! ". قال: قلنا: يا رسول الله! فما نقول يومئذ؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» . رواه ابن حبان في "صحيحه" من حيدث الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد. ورواه: الإمام أحمد، والترمذي؛ من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". قال: "وقد روي من غير وجه هذا الحديث عن عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ نحوه". وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي صالح عن أبي سعيد، ولكن في إسناده أبو يحيى التيمي؛ قال الذهبي: "واهٍ". وعن زيد بن أرقم ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى السمع متى يؤمر؟! ". قال: فسمع ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، فشق عليهم، فقال رسول الله ﷺ : "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل» . رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "رجاله وثقوا على ضعف فيهم". وعن أبي مرية عن النبي ﷺ (أو عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ ؛ قال: «النفاخان في السماء الثانية، رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب (أو قال: رأس أحدهما بالمغرب ورجلاه بالمشرق) ، ينتظران متى يؤمران ينفخان في الصور فينفخان» . رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "رواه أحمد على شك: فإن كان عن أبي مرية؛ فهو مرسل، ورجاله ثقات، وإن كان عن عبد الله بن عمرو؛ فهو متصل مسند، ورجاله ثقات". وقال المنذري: "رواه أحمد بإسناد جيد هكذا على الشك في إرساله أو اتصاله".

стр. 1084

وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان» . رواه: ابن ماجه، والبزار، والحاكم، وفي إسناد ابن ماجه حجاج بن أرطاة وعطية العوفي، وكلاهما ضعيف، وفي إسناد البزار والحاكم خارجة بن مصعب الخراساني، وهو ضعيف". وعن عبد الله بن الحارث؛ قال: «كنت عند عائشة ﵂ وعندها كعب الحبر، فذكر إسرافيل، فقالت عائشة ﵂: يا كعب! أخبرني عن إسرافيل؟ فقال كعب: عندكم العلم. قالت: أجل. قالت: فأخبرني؟ قال: له أربعة أجنحة؛ جناحان في الهواء، وجناح قد تسربل به، وجناح على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي؛ كتب القلم، ثم درست الملائكة، وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه، وقد نصب الأخرى، فالتقم الصور، محني ظهره، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور. فقالت عائشة ﵂: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول» . رواه الطبراني في "الأوسط". قال المنذري والهيثمي: "إسناده حسن". وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: "يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، والصور قرن، فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات؛ إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم أحد إلا في الأرض منه شيء". قال: "فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى"، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ . قال: "ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى

стр. 1085

جسدها، حتى تدخل فيه، ثم يقومون، فيحيون حياة رجل واحد قياما لرب العالمين......" الحديث. رواه: الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: «قال أعرابي: يا رسول الله! ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، فقال: "عن عبد الله "، ولم يقل: " ابن عمرو ". وعن مجاهد: أنه قال: "الصور كهيئة البوق". ذكره البخاري في "صحيحه". ورواه عبد بن حميد بإسناده عن مجاهد: أنه قال: "الصور شيء كهيئة البوق". وعن أوس بن أبي أوس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه نفخة الصور، وفيه الصعقة؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي". قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟! فقال: "إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وهذا لفظه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

стр. 1086

فصل وقد أنكر أبو عبية النفخ في الصور، فقال في تعليقه على "النهاية" لابن كثير في (ص٢٤٣) ما نصه: "القرن والصور والناقور معناها واحد، وهو البوق، والنفخ في الصور كناية عن إعلان البعث إلى الحياة الثانية، وليس ثمة نقر ولا نفخ، وإنما أريد من ذكر الصور والناقور تمثيل المعنى وتقريبه إلى الأذهان حتى يستقر فيها ولا يغيب عنها؛ لأن إعلان الناس بالحرب يكون عادة بالبوق، ولكون الحروب مملوءة بالأهوال، ولكون يوم القيامة مملوءا بأشد الشدائد وأثقلها؛ ناسب أن تصور الدعوة إلى البعث بالدعوة إلى الحرب، وهذا رأي فريق من علماء المسلمين". وقال أبو عبية أيضا في (ص٢٤٤) تعليقا على أحاديث النفخ في الصور: "هذه الكلمات ليس عليها رواء النبوة ولا نورها، ولهذا؛ فهي مردودة". والجواب أن يقال: قد تظاهرت النصوص من الكتاب والسنة على إثبات النفخ في الصور، وقد تقدم ذكرها في هذا الباب، ومنها النص في سورة النمل على نفخة الفزع، والنص في سورة الزمر على نفخة الصعق ونفخة القيام من القبور، والنص في سورة المدثر على النقر في الناقور، ونص النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي رواه مسلم وغيره على نفخة الصعق ونفخة القيام من القبور، وهذا مما يجب الإيمان به، ومن أنكر شيئا من ذلك أو شك فيه؛ فليس بمؤمن. وقد ذكر الفقهاء في (باب المرتد) أن من جحد آية من كتاب الله تعالى؛ فهو مرتد. وقال القرطبي: "والقرآن الذي جمعه عثمان ﵁ بموافقة

стр. 1087

الصحابة له لو أنكر بعضه منكر؛ كان كافرا، حكمه حكم المرتد؛ يستتاب، فإن تاب، وإلا؛ ضربت عنقه". انتهى. وقال القاضي عياض في كتابه "الشفاء": "اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه أو سبهما أو جحده أو حرفا أو آية أو كذب به أو بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك أو شك في شيء من ذلك؛ فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ". انتهى. ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن أبا عبية داخل في حكم الإجماع الذي ذكره القاضي عياض؛ لأنه قد صرح بنفي ما أثبته الله تعالى في كتابه من النقر في الناقور والنفخ في الصور، فينبغي له أن يبادر إلى الخروج من المأزق الذي أدخل نفسه فيه. وأما قوله: "وهذا رأي فريق من علماء المسلمين". فجوابه أن يقال: حاشا وكلا؛ فلا يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقول بهذا القول الباطل المعارض لنصوص القرآن والسنة، ومن قال بهذا القول الباطل؛ فليس من علماء المسلمين، وإنما هو من علماء أهل الزيغ والضلال، ومن أتباع الفريق الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . وأما قوله في أحاديث النفخ في الصور: "إن هذه الكلمات ليس عليها رواء النبوة ولا نورها، ولهذا؛ فهي مردودة". فحوابه أن يقال: إن أحاديث النفخ في الصور أكثرها صحيح، ورواء النبوة ونورها ظاهر عليها كما لا يخفى على من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان،

стр. 1088

وقليل منها في أسانيدها ضعف، وهي تتقوى بالأحاديث الصحيحة، وكلها توافقها نصوص القرآن على إثبات النفخ في الصور، وفيها مع نصوص القرآن أبلغ رد على من نفى النفخ في الصور؛ كأبي عبية ومن نحا نحوه في معارضة النصوص وردها بغير حجة. فصل وقد قدح أبو عبية في حديث الصور الطويل الذي تقدم ذكر جملة من أوله. فقال في (ص٢٥٢) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: "هذا الحديث بطوله وتفصيله وأسلوبه بعيد أن يصدر عن رسول الله ﷺ ، وبخاصة أنه تضمن مقاطع من القول أسقطناها؛ لبعدها عن أدب الدين وخلق الرسول ﵇، وليس يشفع له ولا يغري بقبوله كثرة رواته ولا تعدد طرقه". وقال في (ص٢٥٣) : "على رغم ثبوت أسانيد مفرقاته (يعني: حديث الصور) ؛ فإن بعض هذه المفرقات تنفي نفسها عن أن تكون صحيحة النسبة إلى لسان رسول الله عليه أفضل الصلوات. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال: من تأمل كلام أبي عبية على "النهاية"؛ عرف أنه من أبعد الناس عن معرفة الأحاديث، وأنه إنما يعلق عليها بما يوافق عقله ورأيه، ومن كان هكذا، وكان كلامه في الأحاديث بغير علم؛ فكلامه مردود عليه، ولا يلتفت إلى شيء منه. يوضح ذلك الوجه الثاني: وهو أن أبا عبية قد تصرف في حديث الصور، فحذف جملة منه، زاعما أنها بعيدة عن أدب الدين وخلق الرسول ﷺ ، وقد

стр. 1089

أخطأ خطأ كبيرا في تصرفه في الحديث وحذفه منه ما لا يوافق عقله ورأيه، والجملة التي حذفها وقال عنها ما قال هي قوله في الحديث مخبرا عن الحوراء وزوجها: "لا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء؛ ما يفتر ذكره، ولا تشتكي قبلها؛ إلا أنه لا مني ولا منية"، وليس في هذه الجملة ما يخالف أدب الدين وخلق الرسول ﷺ كما قد توهم ذلك من قل نصيبه من العلم النافع. وقد قال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ . قال ابن جرير: "يقول: لم يمسهن إنس قبل هؤلاء الذي وصف جل ثناؤه صفتهم، وهم الذين قال فيهم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، ولا جان؛ يقال منه: ما طمث هذا البعير حبل قط؛ أي: ما مسه حبل. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: الطمث هو النكاح بالتدمية، ويقول: الطمث هو الدم، ويقول: طمثها: إذا دماها بالنكاح، وإنما عنى في هذا الموضع أنه لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل". ثم روى عن ابن عباس ﵄ قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ ؛ يقول: "لم يدمهن إنس ولا جان"، وعن عكرمة؛ قال: "الطمث: هو الجماع". وعن ابن زيد؛ قال: "لم يمسهن شيء إنس ولا غيره". وعن مجاهد؛ قال: "لم يمسهن". انتهى. وقال السيوطي في "الدر المنثور": "أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ ؛ قال: "لم يطأهن". وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ ؛ قال: "لم يجامعهن". وقال البغوي: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ : لم يجامعهن، ولم يفترعهن، وأصله من الدم؛ قيل للحائض: طامث؛ كأنه قال: لم يدمهن بالجماع". انتهى.

стр. 1090

وقال الراغب الأصفهاني: " (الطمث) : دم الحيض والافتضاض والطامث: الحائض، وطمث المرأة إذا افتضها، قال: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ ، ومنه استعير: ما طمث هذه الروضة أحد قبلنا؛ أي: ما افتضها، وما طمث الناقة جمل". انتهى. وقال ابن الأثير في "النهاية": "يقال: طمثت المرأة تطمث طمثا إذا حاضت فهي طامث، وطمثت إذا دميت بالافتضاض، والطمث الدم والنكاح". انتهى. وهذه الآية من سورة الرحمن توافق الجملة التي حذفها أبو عبية من حديث الصور، وفيها أبلغ رد عليه. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ . قال ابن كثير في "تفسيره": "قال عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵄ وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله ﵎: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ؛ قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار". انتهى. وقال ابن جرير في "تفسيره": "حدثنا يعقوب عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ؛ قال: شغلهم افتضاض العذارة. إسناده حسن". وقال أيضا: "حدثنا ابن عبد الأعلى؛ قال: حدثنا المعتمر عن أبيه عن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ؛ قال: افتضاض الأبكار. إسناده صحيح".
следующие страницы →