Полный текст (1 255 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
فصل
وقد أنكر أبو عبية النفخ في الصور، فقال في تعليقه على "النهاية" لابن كثير في (ص٢٤٣) ما نصه:
"القرن والصور والناقور معناها واحد، وهو البوق، والنفخ في الصور كناية عن إعلان البعث إلى الحياة الثانية، وليس ثمة نقر ولا نفخ، وإنما أريد من ذكر الصور والناقور تمثيل المعنى وتقريبه إلى الأذهان حتى يستقر فيها ولا يغيب عنها؛ لأن إعلان الناس بالحرب يكون عادة بالبوق، ولكون الحروب مملوءة بالأهوال، ولكون يوم القيامة مملوءا بأشد الشدائد وأثقلها؛ ناسب أن تصور الدعوة إلى البعث بالدعوة إلى الحرب، وهذا رأي فريق من علماء المسلمين".
وقال أبو عبية أيضا في (ص٢٤٤) تعليقا على أحاديث النفخ في الصور: "هذه الكلمات ليس عليها رواء النبوة ولا نورها، ولهذا؛ فهي مردودة".
والجواب أن يقال: قد تظاهرت النصوص من الكتاب والسنة على إثبات النفخ في الصور، وقد تقدم ذكرها في هذا الباب، ومنها النص في سورة النمل على نفخة الفزع، والنص في سورة الزمر على نفخة الصعق ونفخة القيام من القبور، والنص في سورة المدثر على النقر في الناقور، ونص النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي رواه مسلم وغيره على نفخة الصعق ونفخة القيام من القبور، وهذا مما يجب الإيمان به، ومن أنكر شيئا من ذلك أو شك فيه؛ فليس بمؤمن.
وقد ذكر الفقهاء في (باب المرتد) أن من جحد آية من كتاب الله تعالى؛ فهو مرتد.
وقال القرطبي: "والقرآن الذي جمعه عثمان ﵁ بموافقة
стр. 1087
الصحابة له لو أنكر بعضه منكر؛ كان كافرا، حكمه حكم المرتد؛ يستتاب، فإن تاب، وإلا؛ ضربت عنقه". انتهى.
وقال القاضي عياض في كتابه "الشفاء": "اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه أو سبهما أو جحده أو حرفا أو آية أو كذب به أو بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك أو شك في شيء من ذلك؛ فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ". انتهى.
ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن أبا عبية داخل في حكم الإجماع الذي ذكره القاضي عياض؛ لأنه قد صرح بنفي ما أثبته الله تعالى في كتابه من النقر في الناقور والنفخ في الصور، فينبغي له أن يبادر إلى الخروج من المأزق الذي أدخل نفسه فيه.
وأما قوله: "وهذا رأي فريق من علماء المسلمين".
فجوابه أن يقال: حاشا وكلا؛ فلا يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقول بهذا القول الباطل المعارض لنصوص القرآن والسنة، ومن قال بهذا القول الباطل؛ فليس من علماء المسلمين، وإنما هو من علماء أهل الزيغ والضلال، ومن أتباع الفريق الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
وأما قوله في أحاديث النفخ في الصور: "إن هذه الكلمات ليس عليها رواء النبوة ولا نورها، ولهذا؛ فهي مردودة".
فحوابه أن يقال: إن أحاديث النفخ في الصور أكثرها صحيح، ورواء النبوة ونورها ظاهر عليها كما لا يخفى على من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان،
стр. 1088
وقليل منها في أسانيدها ضعف، وهي تتقوى بالأحاديث الصحيحة، وكلها توافقها نصوص القرآن على إثبات النفخ في الصور، وفيها مع نصوص القرآن أبلغ رد على من نفى النفخ في الصور؛ كأبي عبية ومن نحا نحوه في معارضة النصوص وردها بغير حجة.
فصل
وقد قدح أبو عبية في حديث الصور الطويل الذي تقدم ذكر جملة من أوله.
فقال في (ص٢٥٢) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: "هذا الحديث بطوله وتفصيله وأسلوبه بعيد أن يصدر عن رسول الله ﷺ ، وبخاصة أنه تضمن مقاطع من القول أسقطناها؛ لبعدها عن أدب الدين وخلق الرسول ﵇، وليس يشفع له ولا يغري بقبوله كثرة رواته ولا تعدد طرقه".
وقال في (ص٢٥٣) : "على رغم ثبوت أسانيد مفرقاته (يعني: حديث الصور) ؛ فإن بعض هذه المفرقات تنفي نفسها عن أن تكون صحيحة النسبة إلى لسان رسول الله عليه أفضل الصلوات.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: من تأمل كلام أبي عبية على "النهاية"؛ عرف أنه من أبعد الناس عن معرفة الأحاديث، وأنه إنما يعلق عليها بما يوافق عقله ورأيه، ومن كان هكذا، وكان كلامه في الأحاديث بغير علم؛ فكلامه مردود عليه، ولا يلتفت إلى شيء منه.
يوضح ذلك الوجه الثاني: وهو أن أبا عبية قد تصرف في حديث الصور، فحذف جملة منه، زاعما أنها بعيدة عن أدب الدين وخلق الرسول ﷺ ، وقد
стр. 1089
أخطأ خطأ كبيرا في تصرفه في الحديث وحذفه منه ما لا يوافق عقله ورأيه، والجملة التي حذفها وقال عنها ما قال هي قوله في الحديث مخبرا عن الحوراء وزوجها: "لا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء؛ ما يفتر ذكره، ولا تشتكي قبلها؛ إلا أنه لا مني ولا منية"، وليس في هذه الجملة ما يخالف أدب الدين وخلق الرسول ﷺ كما قد توهم ذلك من قل نصيبه من العلم النافع.
وقد قال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ .
قال ابن جرير: "يقول: لم يمسهن إنس قبل هؤلاء الذي وصف جل ثناؤه صفتهم، وهم الذين قال فيهم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، ولا جان؛ يقال منه: ما طمث هذا البعير حبل قط؛ أي: ما مسه حبل. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: الطمث هو النكاح بالتدمية، ويقول: الطمث هو الدم، ويقول: طمثها: إذا دماها بالنكاح، وإنما عنى في هذا الموضع أنه لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل". ثم روى عن ابن عباس ﵄ قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ ؛ يقول: "لم يدمهن إنس ولا جان"، وعن عكرمة؛ قال: "الطمث: هو الجماع". وعن ابن زيد؛ قال: "لم يمسهن شيء إنس ولا غيره".
وعن مجاهد؛ قال: "لم يمسهن". انتهى.
وقال السيوطي في "الدر المنثور": "أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ ؛ قال: "لم يطأهن". وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ ؛ قال: "لم يجامعهن".
وقال البغوي: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ : لم يجامعهن، ولم يفترعهن، وأصله من الدم؛ قيل للحائض: طامث؛ كأنه قال: لم يدمهن بالجماع". انتهى.
стр. 1090
وقال الراغب الأصفهاني: " (الطمث) : دم الحيض والافتضاض والطامث: الحائض، وطمث المرأة إذا افتضها، قال: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ ، ومنه استعير: ما طمث هذه الروضة أحد قبلنا؛ أي: ما افتضها، وما طمث الناقة جمل". انتهى.
وقال ابن الأثير في "النهاية": "يقال: طمثت المرأة تطمث طمثا إذا حاضت فهي طامث، وطمثت إذا دميت بالافتضاض، والطمث الدم والنكاح". انتهى.
وهذه الآية من سورة الرحمن توافق الجملة التي حذفها أبو عبية من حديث الصور، وفيها أبلغ رد عليه.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ .
قال ابن كثير في "تفسيره": "قال عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵄ وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله ﵎: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ؛ قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار". انتهى.
وقال ابن جرير في "تفسيره": "حدثنا يعقوب عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ؛ قال: شغلهم افتضاض العذارة. إسناده حسن".
وقال أيضا: "حدثنا ابن عبد الأعلى؛ قال: حدثنا المعتمر عن أبيه عن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ؛ قال: افتضاض الأبكار. إسناده صحيح".
стр. 1091
وقال أيضا: "حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد؛ قال: حدثنا أبي عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ؛ قال: افتضاض الأبكار. إسناده جيد".
وقال أيضا: "حدثنا الحسين بن علي الصدائي؛ قال: حدثنا أبو النضر عن الأشجعي عن وائل بن داود عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ؛ قال: في افتضاض العذارى. إسناده جيد".
وقال السيوطي في "الدر المنثور": "أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس ﵄: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ؛ قال: في افتضاض الأبكار. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ؛ قال: شغلهم افتضاض العذارى. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وقتادة مثله. وأخرج عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" عن ابن عمر ﵄؛ قال: إن المؤمن كلما أراد زوجة؛ وجدها عذراء. وأخرج البزار والطبراني في "الصغير" وأبو الشيخ في "العظمة" عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم؛ عادوا أبكارا» . قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": فيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي وهو كذاب".
قلت: وسيأتي حديث أبي هريرة الذي رواه ابن حبان في "صحيحه"، وهو يشهد لهذا الحديث ويقويه.
وهذه الآية من سورة يس مع تفسير ابن مسعود وابن عباس ﵄ وغيرهما من أكابر السلف توافق الجملة التي حذفها أبو عبية من حديث
стр. 1092
الصور، وفيها مع أقوال المفسرين أبلغ رد عليه.
وقد جاء ذكر جماع أهل الجنة لنسائهم في عدة أحاديث.
منها حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع". قيل: يا رسول الله! أويطيق ذلك؟ قال: "يعطى قوة مائة» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والترمذي من طريقه، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب". قال: "وفي الباب عن زيد بن أرقم ". وترجم عليه الترمذي بقوله: "باب ما جاء في صفة جماع أهل الجنة".
ومنها حديث زيد بن أرقم ﵁؛ قال «جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ ، فقال: يا أبا القاسم! تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ قال: "نعم؛ والذي نفسي بيده؛ إن الرجل ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع» .
رواه: الإمام أحمد، والدارمي، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح؛ غير ثمامة بن عقبة، وهو ثقة".
ومنها حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: «قيل: يا رسول الله! هل نصل (وفي رواية: هل نفضي إلى نسائنا) ؟ فقال: " والذي نفسي بيده؛ إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء» .
رواه الطبراني. قال الحافظ الضياء المقدسي: "وهذا عندي على شرط الصحيح"، نقله عنه الحافظ ابن كثير في "النهاية".
ومنها حيدث ابن عباس ﵄؛ قال: «قيل: يا رسول الله!»
стр. 1093
«أنفضي إلى نسائنا في الجنة كما نفضي إليهن في الدنيا؟ قال: "والذي نفسي محمد بيده؛ إن الرجل ليفضي بالغداة الواحدة إلى مائة عذراء» .
رواه: أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه زيد بن أبي الحواري، وقد وثق على ضعف، وبقية رجاله ثقات".
ومنها حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: «سئل النبي ﷺ : هل يمس أهل الجنة أزواجهم؟ قال: "نعم؛ بذكر لا يمل، وفرج لا يحفى، وشهوة لا تنقطع» .
رواه البزار.
وفي رواية عنده وعند الطبراني في "الأوسط" و"الصغير"؛ قال: «قيل: يا رسول الله! أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: "إي والذي نفسي بيده؛ إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء» .
قال الهيثمي: "ورجال هذه الرواية الثانية رجال الصحيح؛ غير محمد بن ثواب، وهو ثقة، وفي الرواية الأولى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو ضعيف بغير كذب، وبقية رجالها ثقات".
ومنها حديث أبي هريرة أيضا عن رسول الله ﷺ : «أنه قيل له: أنطأ في الجنة؟ قال: "نعم؛ والذي نفسي بيده؛ دحما دحما، فإذا قام عنها؛ رجعت مطهرة بكرا» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
ومنها حديث أبي أمامة ﵁؛ قال: «سئل رسول الله ﷺ أيجامع أهل الجنة؟ قال: "نعم؛ دحما دحما، ولكن لا مني ولا منية» .
رواه الطبراني.
стр. 1094
وفي رواية: سئل رسول الله ﷺ : «أيتناكح أهل الجنة؟ قال: "نعم؛ بذكر لا يمل، وشهوة لا تنقطع؛ دحما دحما» .
وفي رواية: «هل ينكح أهل الجنة؟ قال: "نعم، ويأكلون ويشربون» .
قال الهيثمي: "رواها كلها الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها وثقوا على ضعف في بعضهم".
قوله: (دحما) : قال ابن الأثير: "هو النكاح والوطء بدفع وإزعاج". انتهى.
ومنها حديث أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي ﵁؛ قال: «قلت: يا رسول الله! علام نطلع من الجنة؟ قال: "على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة". قال: قلت: يا رسول الله! أولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟ قال: "الصالحات للصالحين، تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذونكم؛ غير أن لا توالد» .
رواه: عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند" وفي كتاب "السنة"، والطبراني، والحاكم، وغيرهم.
وهذه الأحاديث توافق الجملة التي حذفها أبو عبية من حديث الصور، وفيها أبلغ رد عليه.
الوجه الثالث: أنه ليس في رواة حديث الصور كذاب ولا وضاع ولا من أجمع العلماء على ضعفه، وحيث لم يكن في رواته أحد من هؤلاء؛ فمن أكبر الخطأ قول أبي عبية فيه: إنه بعيد أن يصدر عن رسول الله ﷺ !
стр. 1095
الوجه الرابع: أن جماعة من أكابر المحدثين رووا هذا الحديث كما سيأتي ذكره في كلام ابن كثير، ولم يقل أحد منهم: إنه بعيد أن يصدر عن رسول الله ﷺ ، ولو كان فيه ما يقتضي الرد لردوه.
الوجه الخامس: أن أكثر ما قيل في هذا الحديث أنه غريب جدا، وأن في بعض ألفاظه نكارة، وأن في إسناده من تكلم فيه، وهذا لا يقتضي رده بالكلية، ولا أن يقال فيه: إنه بعيد أن يصدر عن رسول الله ﷺ .
الوجه السادس: قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق حديث الصور في "تفسيره" من رواية الطبراني: "هذا حديث مشهور، وهو غريب جدا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة".
وساقة أيضا في "النهاية" من رواية أبي يعلى الموصلي، ثم قال: "هذا حديث مشهور، رواه جماعة من الأئمة في كتبهم؛ كابن جرير في "تفسيره"، والطبراني في "المطولات"، وغيرها، والحافظ البيهقي في "كتاب البعث والنشور"، والحافظ أبى موسى المديني في "المطولات" أيضا من طرق متعددة عن إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد تكلم فيه بسببه، وفي بعض سياقاته نكارة واختلاف".
قال: " وإسماعيل بن رافع المدني ليس من الوضاعين، وكأنه جمع هذا الحديث من طرق وأماكن متفرقة، فجمعه وساقه سياقة واحدة، فكان يقص به على أهل المدينة، وقد حضره جماعة من أعيان الناس في عصره، ورواه عنه جماعة من الكبار؛ كأبي عاصم النبيل، والوليد بن مسلم، ومكي بن إبراهيم، ومحمد بن شعيب بن شابور، وعبدة بن سليمان، وغيرهم".
قال: "وقال شيخنا الحافظ المزي: وقد رواه عن إسماعيل بن رافع الوليد بن سليمان، وله عليه مصنف بين شواهده من الأحاديث الصحيحة. وقال
стр. 1096
الحافظ أبو موسى المديني بعد إيراده له بتمامه: وهذا الحديث وإن كان فيه نكارة وفي إسناده من تكلم فيه؛ فعامة ما فيه يروى مفرقا من أسانيد ثابتة". انتهى. باختصار.
وأما قوله: "وعلى رغم ثبوت أسانيد مفرقاته (يعني: حديث الصور) ؛ فإن بعض هذه المفرقات تنفي نفسها عن أن تكون صحيحة النسبة إلى لسان رسول الله عليه أفضل الصلوات".
فجوابه أن يقال: لا يخفى ما في كلام أبي عبية من المكابرة والجراءة على رد الأحاديث الثابتة التي تشهد لحديث الصور وتقويه، وفي مكابرته وجراءته على ردها دليل على استهانته بالأحاديث الثابتة وقلة مبالاته بها، ومن كان هكذا؛ فهو على شفا هلكة.
ويقال أيضا: كل حديث ثبت إسناده؛ فنسبته إلى النبي ﷺ صحيحة، ويجب على كل مسلم قبوله: لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، ولا يجوز رده؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ .
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد؛ أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه؛ رددنا على الله أمره، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ".
وقال الموفق أبو محمد المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد": "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا؛ نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل:
стр. 1097
خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇، فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها ... وأشباه ذلك مما صح به النقل". انتهى.
فصل
وقد اختلفت أقوال العصريين في قيام الساعة؛ فبعضهم صرح بإنكار النفخ في الصور؛ كما تقدم عن أبي عبية، وهذا القول كفر لا شك فيه؛ لما فيه من تكذيب ما أخبر الله به في آيات كثيرة من كتابه، وتكذيب ما ثبت عن النبي ﷺ في ذلك.
وقد تقدم ذكر النصوص من القرآن والسنة على أن قيام الساعة إنما يكون بالنفخ في الصور وهي حجة على كل مبطل.
فصل
وسلك محمد عبده ومن وافقه مسلكا في قيام الساعة، فزعم أن قيامها يكون بتصادم كوكبين في حال سيرهما.
قال في تفسيره لسورة الانشقاق: "وانشقاق السماء مثل انفطارها، وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد الله خراب هذا العالم الذي نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم؛ كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما، فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام، وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام واختل نظامها حال ظهوره" انتهى كلامه.
стр. 1098
والجواب أن يقال: هذا من القول في كتاب الله بغير علم، ومن تفسير القرآن بالرأي الفاسد، وهو من جنس ما تقدم عن أبي عبية؛ لأنه يتضمن إنكار النفخ في الصور.
وقد قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية) في الرد على محمد عبده: "واستفدنا من كلامه أن هلاك هذا الكون وانفطار السماء وانشقاقها وظهور الغمام يكون بتصادم كوكبين في حال سيرهما وغير ذلك من المعاني المخترعة التي لم يسبق إليها أحد من المسلمين غيره؛ فهو لا يؤمن بما آمن به المؤمنون من أن اختلال العالم وهلاكه يكون بنفخ إسرافيل في الصور الذي أخبر الله به في كتابه العزيز وأخبر به أيضا رسول الله ﷺ في صحيح الأحاديث واجتمعت الأمة على ذلك؛ فهو من المعلوم من الدين بالضرورة؛ فمنكره يكفر". انتهى.
فصل
وسلك أحمد بن محمد بن الصديق الغماري في كتابه "مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية" مسلكا آخر في قيام الساعة، فزعم أن قيامها يكون بسبب القنابل الذرية والهيدروجينية.
قال في كتابه المذكور: "ومن تلك القنابل التي تلقيها الطائرات للعذاب ما ظهر حديثا من القنابل الذرية والهيدروجينية القوية المفعول، ولها آية تخصها من بين أنواع القنابل الأخرى، وقال تعالى في أشراط الساعة: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ ؛ فإن أهل الدنيا - وهم الكفار -، وإن ظنوا بما تيسر لهم من المخترعات أنهم قادرون عليها إصلاحا وعمارة وتزيينا وهدما وتخريبا؛ لم يقو عندهم هذا الظن حتى حصل عندهم القطع أو كاد بأنهم
стр. 1099
قادرون عليها إلا بعد حصولهم على القنابل الذرية والطاقة الذرية كما هو معلوم، وبهذا يعلم أن الساعة قريبة جدا، وأن ظهور أشراطها الكبرى كالمهدي وعيسى ﵉ منتظر من يوم لآخر.
وقد يكون المراد من قوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ : أنه سيسلط أصحاب هذه القنابل بعضهم على بعض، فيتحاربون بها، ويكون ذلك سببا في خراب الدنيا، وجعلها حصيدا كما قال الله تعالى، وكما يصفه الواصفون لمفعول هذه القنابل التي يبدون منها تخوفهم العظيم على الدنيا بأسرها، ولكن لا تقع هذه الحروب المؤدية إلى ما قال الله تعالى إلا بعد خروج المهدي، ونزول عيسى لقتل الدجال، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة.... وغير ذلك مما صحت به الأخبار، ومما هو واقع لا محالة". انتهى كلامه.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن كلامه على الآية من سورة يونس وتطبيقها على القنابل الذرية والهيدروجينية لم يسبقه إليه أحد، وهو من القول في كتاب الله بغير علم وذلك من أعظم المحرمات ومن كبائر الإثم.
الوجه الثاني: أن الآية من سورة يونس ليست واردة في أشراط الساعة كما زعمه الغماري، وليس فيها دلالة على وجود القنابل الذرية والهيدروجينية بوجه من الوجوه، وإنما هي مثل ضربه الله تعالى لسرعة زوال الدنيا وانقضائها، ولا خلاف بين المفسرين في هذا.
الوجه الثالث: أن خراب الدنيا بأسرها وقيام الساعة لا يكون على أيدي بني آدم بتفجير القنابل القوية المفعول كما قد توهمه الغماري، وكما يظنه كثير من أهل زماننا ممن قل نصيبهم من العلم النافع، وإنما يكون ذلك بالنفخ في الصور كما أخبر الله تعالى بذلك في آيات كثيرة من القرآن وأخبر به رسول الله
стр. 1100
صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، وقد ذكرت الآيات والأحاديث في ذلك في أول الباب، ومنها يعلم أن خراب الدنيا وقيام الساعة إنما يكون بالنفخ في الصور وهو أمر سماوي لا صنع للبشر فيه، ويعلم أيضا بطلان ما يتخرصه المتخرصون أن خراب الدنيا وقيام الساعة يكون بفعل بني آدم أو بتصادم بعض الكواكب.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الله تعالى قال: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ، وإذا كان أهل السماوات يفزعون من النفخ في الصور ويصعقون؛ فهل يقول عاقل: إن مفعول القنابل الذرية والهيدروجينية يصل إلى السماوات السبع، فيفزع أهلها ويصعقون؟! وهل يقول عاقل: إن أهل السماوات يفزعون ويصعقون بسبب تصادم كوكبين؟! كلا؛ لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل، وإنما يقوله المعتوهون الذين يتكلمون في أمور الكون من غير شعور.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الكفار ليسوا أهل الدنيا دون المؤمنين كما قد زعمه الغماري، وليس في الآية من سورة يونس ما يدل على ما ذهب إليه الغماري، وإنما أهل الدنيا جميع أهل الأرض من مؤمن وكافر، وأما تخصيص الكفار بأنهم أهل الدنيا دون المؤمنين فلا شك أنه من القول في كتاب الله بغير علم.
باب
ما جاء في صفة يوم القيامة
عن ابن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين؛ فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ،»
стр. 1101
« ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ » .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
فصل
وقد أسقط أبو عبية حديث أبي رزين لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي من "النهاية" لابن كثير، وقال في (ص٢٧٣) ما نصه: "بين الحديث المذكور: "ما من أمتي أو من الأمة عبد...." إلخ، وبين قول المؤلف: "قال الوليد بن مسلم " كلام كثير أسقطناه لعدم صحة محتواه، ولظهور كذبه في صياغته ودلالته".
والجواب أن يقال: مراده بالكلام الكثير الذي أسقطه وقال عنه ما قال: هو الحديث الطويل عن أبي رزين العقيلي ﵁ في ذكر قيام الساعة وذكر البعث والنشور.
وقد ذكرت قريبا أن أبا عبية كان جريئا على رد الأحاديث التي تخالف عقله ورأيه، ولقد أخطأ خطأ كبيرا في إسقاطه حديث أبي رزين العقيلي وقدحه فيه بغير حجة، وأنا أذكر هاهنا حديث أبي رزين ﵁، وأذكر بعده كلام الحفاظ فيه، وأبين صحة محتواه وما يشهد له من الآيات والأحاديث إن شاء الله تعالى.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل في "زوائد المسند": "كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير: كتبت إليك بهذا الحديث، وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك؛ فحدث بذلك
стр. 1102
عني؛ قال: حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي؛ قال: حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري القبائي من بني عمرو بن عوف عن دَلْهَم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر. قال دلهم: وحدثنيه أبي الأسود عن عاصم بن لقيط: «أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله ﷺ ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قال لقيط: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ ، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبا، فقال: " أيها الناس! ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لأسمعكم، ألا فهل من امرئ بعثه قومه، فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله ﷺ ؟ ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال، ألا إني مسؤول: هل بلغت؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا، ألا اجلسوا".
قال: فجلس الناس، وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره؛ قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أني أبتغي لسقطه. فقال: "ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله (وأشار بيده") . قلت: وما هي؟ قال: "علم المنية؛ قد علم منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المني حين يكون في الرحم؛ قد علمه ولا تعلمون، وعلم ما في غد وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مشفقين، فيظل يضحك، قد علم أن غِيَرَكم إلى قريب". قال لقيط: لن نعدم من رب يضحك خيرا. "وعلم يوم الساعة".
قلت: يا رسول الله! علمنا مما تعلم الناس وما تعلم؛ فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحد من مذحج التي تربو علينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها. قال: "تلبثون ما لبثتم، ثم يتوفى نبيكم ﷺ ، ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعث الصائحة، لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك ، فأصبح ربك يطيف في الأرض،»
стр. 1103
«وخلت عليه البلاد، فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش، فلعمر إلهك؛ ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلفه من عند رأسه، فيستوي جالسا، فيقول ربك: مهيم؟ لما كان فيه. يقول: يا رب! أمس، اليوم. ولعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله".
فقلت: يا رسول الله! كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟! قال: "أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله؛ الأرض أشرفت عليها وهي مَدَرَة بالية، فقلت: لا تحيا أبدا، ثم أرسل ربك عليها السماء، فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة، ولعمر إلهك؛ لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم، فتنظرون إليه وينظر إليكم".
قال: قلت: يا رسول الله! وكيف نحن ملء الأرض وهو شخص واحد ننظر إليه وينظر إلينا؟! قال: "أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله ، الشمس والقمر آية منه صغيرة، ترونهما ويريانكم ساعة واحدة، لا تضارون في رؤيتهما، ولعمر إلهك؛ لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم، لا تضارون في رؤيتهما".
قلت: يا رسول الله! فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: "تعرضون عليه بادية له صفحاتكم، لا تخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء، فينضح قبلكم بها، فلعمر إلهك؛ ما تخطئ وجه أحدكم منها قطرة، فأما المسلم؛ فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر؛ فتخطمه بمثل الحمم الأسود، ألا ثم ينصرف نبيكم ﷺ ويفرق على أثره الصالحون، فيسلكون جسرا من النار، فيطأ أحدكم الجمر، فيقول: حس! يقول ربك أو أنه ألا فتطلعون على حوض الرسول على أظمأ ناهلة قط رأيتها؛ فلعمر إلهك؛ ما يبسط أحد منكم يده؛ إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا".
قال: قلت: يا رسول الله! فبم نبصر؟ قال:»
стр. 1104
«"بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال".
قال: قلت: يا رسول الله! فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال: "الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها؛ إلا أن يعفو".
قال: قلت: يا رسول الله! فما الجنة وما النار؟ قال: "لعمر إلهك؛ إن للنار لسبعة أبواب، ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، وإن للجنة لثمانية أبواب، ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما".
قلت: يا رسول الله! فعلام نطلع من الجنة؟ قال: "على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن، وبفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة".
قلت: يا رسول الله! أولنا فيها أزواج؟ أو منهن مصلحات؟ قال: "الصالحات للصالحين، تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذذن بكم؛ غير أن لا توالد". قال لقيط: فقلت: أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ فلم يجبه النبي ﷺ .
قلت: يا رسول الله! علام أبايعك؟ قال: فبسط النبي ﷺ يده، وقال: "على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزيال المشرك، وأن لا تشرك بالله إلها غيره". قلت: وأن لنا ما بين المشرق والمغرب. فقبض النبي ﷺ يده، وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه. قال: قلت: نحل منها حيث شئنا، ولا يجني امرؤ إلا على نفسه. فبسط يده، وقال: "ذلك لك، تحل حيث شئت، ولا يجني عليك إلا نفسك".
قال: فانصرفنا عنه، ثم قال: "إن هذين لعمر إلهك من أتقى الناس في الأولى والآخرة". فقال له كعب بن الخدرية أحد بني بكر بن كلاب: من هم يا رسول الله؟ قال: "بنو المنتفق أهل ذلك". قال: فانصرفنا، وأقبلت عليه، فقلت: يا رسول الله! هل لأحد ممن مضى من خير في جاهليتهم؟ قال: قال رجل من عرض قريش: والله؛ إن أباك المنتفق لفي النار. قال: فلكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمه مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا»
стр. 1105
«رسول الله! ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله! وأهلك؟ قال: "وأهلي، لعمر الله؛ ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك؛ فقل: أرسلني إليك محمد؛ فأبشر بما يسؤوك؛ تجر على وجهك وبطنك في النار".
قال: قلت: يا رسول الله! ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وكانوا يحسبون أنهم مصلحون؟ قال: "ذلك لأن الله بعث في آخر كل سبع أمم (يعني: نبيا) فمن عصى نبيه؛ كان من الضالين، ومن أطاع نبيه؛ كان من المهتدين» .
وقد رواه عبد الله أيضا في "كتاب السنة" والطبراني بنحوه. قال الهيثمي: "وأحد طريقي عبد الله إسنادها متصل ورجالها ثقات، والإسناد الآخر وإسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط أن لقيطا ". انتهى كلام الهيثمي.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق يعقوب بن عيسى عن عبد الرحمن بن المغيرة، فذكره بنحوه، ثم قال: "هذا حديث جامع في الباب صحيح الإسناد، كلهم مدنيون، ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي في "تلخيصه"، فقال: " يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري ضعيف". انتهى.
ولم يتكلم الذهبي في أحد من رواته سوى يعقوب بن عيسى، وهو في إسناد الحاكم وحده، وقد وافقه إبراهيم بن حمزة الزبيري على رواية الحديث عن عبد الرحمن بن المغيرة، وإبراهيم ثقة؛ كما سيأتي بيان ذلك في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى؛ فروايته للحديث تؤيد رواية يعقوب بن عيسى وتشهد لها بالصحة. والله أعلم.
وقد روى البخاري في "تاريخه الكبير" طرفا من أوله تعليقا بصيغة الجزم، فقال في ترجمة دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي ما نصه: "قال ابن حمزة: حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد
стр. 1106
الرحمن؛ قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم السمعي الأنصاري عن دلهم بن الأسود عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر؛ قال دلهم: وحدثني أبي عن عاصم: «أن لقيطا خرج وافدا إلى النبي ﷺ ؛ قال: قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب؟ فقال: "ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله» .
قوله: " عبد الرحمن بن القاسم السمعي "؛ صوابه: عبد الرحمن بن عياش السمعي، وقد ذكره البخاري على الصواب في ترجمة عبد الرحمن، فقال ما نصه: " عبد الرحمن بن عياش الأنصاري، يعد في أهل المدينة، عن دلهم بن الأسود، سمع منه عبد الرحمن بن المغيرة ". وقال في ترجمة الأسود ما نصه: " الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق عن عمه لقيط، روى عنه ابنه دلهم، يعد في أهل الحجاز". انتهى.
وقد أشار البخاري إلى حديث أبي رزين ﵁ فيما ذكره الترمذي في "جامعه" في (باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة) ؛ فقد روى فيه عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة؛ كان حمله ووضعه وسنه في ساعة ما يشتهي» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وقد اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: في الجنة جماع ولا يكون ولد، هكذا يروى عن طاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي، وقال محمد: قال إسحاق بن إبراهيم في حديث النبي ﷺ : «إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة؛ كان في ساعة كما يشتهي» . ولكن لا يشتهي. قال محمد: وقد روي عن أبي رزين العقيلي عن النبي ﷺ «أن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد» . انتهى كلام الترمذي.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "زاد المعاد" في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "هذا حديث كبير جليل، تنادي جلالته
стр. 1107
وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة، لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتج بهما في الصحيح، احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم، وتلقوه بالقبول، وقابلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحد منهم فيه، ولا في أحد من رواته، فممن رواه: الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في "مسند أبيه" وفي "كتاب السنة"، ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في "كتاب السنة" له، ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في "كتاب المعرفة"، ومنهم حافظ زمانه ومحدث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في كثير من كتبه، ومنهم الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في "كتاب السنة"، ومنهم الحافظ ابن الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده حافظ أصبهان، ومنهم الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه، ومنهم حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم.
وقال ابن منده: "روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين جماعة من الأئمة؛ منهم: أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل، ولم ينكره أحد، ولم يتكلم في إسناده، بل رووه على سبيل القبول والتسليم، ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة. هذا كلام أبي عبد الله بن منده ". انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
وقال أيضا في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح": "وأما حديث أبي
стр. 1108
رزين الذي أشار إليه البخاري؛ فهو حديثه الطويل، ونحن نسوقه بطوله، نجمل به كتابنا؛ فعليه من الجلالة والمهابة ونور النبوة ما ينادي على صحته".
ثم ساقه ابن القيم، وقال بعد سياقه: "هذا حديث كبير مشهور".
ثم ذكر من رواه من الأئمة على سبيل القبول والتسليم بنحوه ما ذكره في "أعلام الموقعين"؛ قال: "وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقرؤوه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين، فلم ينكره أحد منهم، ولم يتكلم في إسناده، وكذلك أبو زرعة وأبو حاتم على سبيل القبول. وقال أبو الخير بن حمدان: هذا حديث كبير ثابت مشهور. وسألت شيخنا أبا الحجاج المزي عنه، فقال: عليه جلالة النبوة". انتهى.
وإذا علم هذا؛ فقد قال ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" بعد أن ساق حديث أبي رزين ﵁: "هذا حديث غريب جدا، وألفاظه في بعضها نكارة". انتهى.
وقوله هذا يخالفه فيه كثير من أكابر العلماء الذين تقدم ذكرهم في كلام ابن القيم، ولا سيما أبو عبد الله بن منده وأبو الخير بن حمدان وأبو الحجاج المزي وكذلك ابن القيم.
فأما قوله: "إنه حديث غريب": فإن أراد بذلك غرابة سنده؛ لكونه لم يرو إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي عن عبد الرحمن بن عياش السمعي عن دلهم بن الأسود عن أبيه؛ فغرابة سنده لا تؤثر فيه، وكم من حديث غريب الإسناد وهو مع ذلك أصل من أصول الدين؛ مثل حديث: «إنما الأعمال بالنيات» وغيره من الأحاديث التي لم ترو إلا من طريق واحد وهي مما يعتمد عليه في أصول الدين أو في فروعه.
стр. 1109
وإن أراد أنه غريب المتن؛ ففي ذلك نظر، وسأذكر ما يشهد له من الآيات والأحاديث الصحيحة إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: "وألفاظه في بعضها نكارة"؛ ففيه نظر أيضا، وقد تقدم قول ابن منده: إنه "رواه محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وقرؤوه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين فلم ينكره أحد منهم ولم يتكلم في إسناده، وكذلك أبو زرعة وأبو حاتم على سبيل القبول"، وكذلك أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، وهؤلاء الأكابر من أعلم الناس بعلل الأحاديث، ولو كان في حديث أبي رزين نكارة؛ لبينوها، ولم يسكتوا عنها ويقروها، والله أعلم.
وقد ساقه ابن كثير في "النهاية"، ولم يتكلم فيه بشيء، وقال في ذكر أبواب الجنة في "النهاية": "فأما حديث لقيط بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إن للنار سبعة أبواب؛ ما فيها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما» ؛ فإنه حديث مشهور". انتهى.
فصل
في شرح ما في حديث أبي رزين من الغريب
قوله: "يشرف عليكم أزلين": قال ابن الأثير: " (الأزل) : الشدة والضيق، وقد أزل الرجل يأزل أزلا؛ أي: صار في ضيق وجدب ". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: " (الأزل) ؛ بسكون الزاي: الشدة، والأزل على وزن كتف: هو الذي قد أصابه الأزل واشتد به حتى كاد يقنط ". انتهى.
وقوله: "وقد علم أن غيركم إلى قريب": (الغير) ؛ بكسر الغين وفتح
стр. 1110
الياء: تغير الحال وانتقالها من القحط والجدب إلى نزول الغيث وخروج النبات من الأرض.
وقوله: "ثم تبعث الصائحة"؛ أي: النفخ في الصور؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ .
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (ثم تبعث الصائحة) : هي صيحة البعث ونفخته ".
قلت: وفي هذا نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: «ثم تبعث الصائحة، لعمر إلهك؛ ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات» . وهذا صريح في أن الصيحة صيحة الصعق لا صيحة البعث. والله أعلم.
وقوله: "تهضب": قال ابن الأثير: "أي: تمطر، ويجمع على أهضاب ثم أهاضيب؛ كقول وأقوال وأقاويل".
وقوله: "حتى تخلفه من عند رأسه": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "هو من أخلف الزرع إذا نبت بعد حصاده، شبه النشأة الأخرى بعد الموت بإخلاف الزرع بعدما حصد، وتلك الخلفة من عند رأسه كما ينبت الزرع". انتهى.
ويقال: أخلف الأراك والسلم إذا أخرج الخلفة، وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف، وأخلف الخزامى؛ أي: طلعت خلفته من أصوله بالمطر.
وقوله: "فيستوي جالسا": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "هذا عند تمام خلقته وكمال حياته، ثم يقوم بعد جلوسه قائما، ثم يساق إلى موقف القيامة إما راكبا وإما ماشيا". انتهى.
وقوله: "فيقول ربك مَهْيَم"؛ أي: ما الأمر والشأن؟ قال ابن الأثير: "وهي
стр. 1111
كلمة يمانية، ومنه حديث لقيط: فيستوي جالسا، فيقول: رب مهيم".
وقوله: "في آلاء الله": قال ابن الأثير: " (الآلاء) : النعم". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (آلاؤه) : نعمه وآياته التي تعرف بها إلى عباده". انتهى.
وقوله: "وهي مدرة بالية"؛ أي: تراب يابس.
وقوله: "شربة واحدة": قال ابن الأثير: " (الشربة) ؛ بفتح الراء: حوض يكون في أصل النخلة وحولها، يملأ ماء لتشربه، ومنه حديث لقيط: ثم أشرفت عليها وهي شربة واحدة". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (الشربة) ؛ بفتح الراء: الحوض الذي يجتمع فيه الماء، وبالسكون: الحنطة؛ يريد أن الماء قد كثر، فمن حيث شئت تشرب، وعلى رواية السكون يكون قد شبه الأرض في خضرتها بالنبات بخضرة الحنطة واستوائها". انتهى.
وقوله: "فتخرجون من الأصواء": قال ابن الأثير: " (الأصواء) : القبور، وأصلها من الصوى: الأعلام، فشبه القبور بها".
وقوله: "لا تضارون في رؤيتهما": قال ابن الأثير: "يروى بالتشديد والتخفيف؛ فالتشديد بمعنى: لا تتخالفون ولا تتجادلون في صحة النظر إليه لوضوحه وظهوره، يقال: ضاره يضاره؛ مثل: ضره يضره". وقال الجوهري: "يقال: أضرني فلان: إذا دنا مني دنوا شديدا، فأراد بالمضارة: الاجتماع والازدحام عند النظر إليه، وأما التخفيف؛ فهو من الضير لغة في الضر، والمعنى فيه كالأول".
وقوله: "مثل الرَّيْطة البيضاء": قال ابن الأثير: " (الريطة) : كل ملاءة ليست بلفقين، وقيل: كل ثوب رقيق لين، والجمع ريط ورياط".
стр. 1112
وقوله: " بمثل الحمم الأسود": قال ابن الأثير: " (الحممة) : الفحمة، وجمعها حمم".
وقوله: "ثم ينصرف نبيكم": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "هذا انصراف من موقف القيامة إلى الجنة".
وقوله: "ويفرق على أثره الصالحون". قال ابن القيم: "أي: يفزعون ويمضون على أثره". انتهى.
وقوله: "فيسلكون جسرا من النار". (الجسر) : هو الصراط المنصوب على متن جهنم.
وقوله: "فيقول: حس": قال ابن الأثير: "هي بكسر السين والتشديد، كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضه وأحرقه غفلة؛ كالجمرة، والضربة، ونحوهما". انتهى. قال الأصمعي: "وهي مثل أوّه".
وقوله: "يقول ربك : أو أنه": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "قال ابن قتيبة: فيه قولان: أحدهما أن يكون (أنه) بمعنى نعم، والآخر أن يكون الخبر محذوفا، كأنه قال: أنتم كذلك، أو أنه على ما تقول". انتهى.
وقوله: "على أظمأ ناهلة قط" قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (الناهلة) : العطاش الواردون الماء؛ أي: يردونه أظمأ ما هم عليه، وهذا يناسب أن يكون بعد الصراط؛ فإنه جسر النار، وقد وردوها كلهم، فلما قطعوه؛ اشتد ظمؤهم إلى الماء، فوردوا حوضه ﷺ كما وردوه في موقف القيامة" انتهى.
وقوله: "يطهره من الطوف": قال ابن الأثير: " (الطوف) : الحدث من الطعام، والمعنى: أن من شرب تلك الشربة طهر من الحدث والأذى". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (الطوف) : الغائط، وفي الحديث: «لا يصلي»
стр. 1113
«أحدكم وهو يدافع الطوف والبول» . انتهى.
وقوله: "وتحبس الشمس والقمر"، وفي بعض الروايات: "وتخنس الشمس والقمر". قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أي: يختفيان ويحبسان ولا يريان، والانخناس: التواري والاختفاء، ومنه قول أبي هريرة: "فانخنست منه"". انتهى.
وقوله: "وزيال المشرك": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أي: مفارقته ومعاداته، فلا يجاوره ولا يواليه؛ كما جاء في الحديث الذي في "السنن": "لا تراءى ناراهما"؛ يعني: المسلمين والمشركين". انتهى.
فصل
وإذا علم أن حديث أبي رزين لا مطعن فيه بوجه من الوجوه؛ فليعلم أيضا أنه قد اشتمل على ثلاث وأربعين فائدة مهمة، منها ما يشهد له القرآن والأحاديث الصحيحة، ومنها ما يشهد له القرآن فقط، ومنها ما تشهد له الأحاديث الصحيحة فقط:
الفائدة الأولى: أن رسول الله ﷺ مسؤول يوم القيامة عن تبليغ الرسالة، ولهذا قال ﷺ في حديث أبي رزين ﵁: «ألا إني مسؤول هل بلغت؟» .
ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ .
قال البغوي في "تفسيره": ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ يعني: الأمم عن إجابتهم الرسل، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استعلام؛ يعني: نسألهم
стр. 1114
عما عملوا فيما بلغتهم الرسل، ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عن الإبلاغ". انتهى.
وقال ابن كثير في "تفسيره": "يسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ ؛ قال: عما بلغوا". انتهى.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄؛ قال: "يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين عما بلغوا".
وروى أيضا عن مجاهد والسدي نحوه.
الفائدة الثانية: ذكر مفاتيح الغيب الخمس التي استأثر الله بعلمها.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
وفي "مسند الإمام أحمد " من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ » .
ورواه البخاري في "صحيحه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم أحد ما يكون في غد، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر» .
стр. 1115
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «مفاتيح الغيب خمس: لا يعلم ما تضع الأرحام أحد إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، وما تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» .
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث عمر بن محمد بن زيد: أنه سمع أباه محمدا يحدث عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ؛ قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ » .
ورواه البخاري مختصرا، ولفظه: قال النبي ﷺ : «مفاتيح الغيب خمس، (ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ) » .
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث سالم بن عبد الله عن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ : أنه قال: «مفاتيح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ » .
ورواه أبو داود الطيالسي بنحوه مختصرا.
وفي "مسند الإمام أحمد " أيضا من حديث عمرو بن مرة؛ قال: سمعت عبد الله بن سلمة يقول: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .»
قال: قلت له: أنت سمعته من عبد الله؟ قال: نعم؛ أكثر من خمسين مرة.
стр. 1116
وقال ابن كثير في "تفسيره": "إسناده حسن على شرط السنن ولم يخرجوه"، وقال الهيثمي: "رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح". بلبلبللل
وفي "الصحيحين" و"مسند الإمام أحمد " و"سنن ابن ماجه " عن أبي هريرة ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ : يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟! ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها؛ فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس؛ فذاك من أشراطها؛ وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان، فذاك من أشراطها؛ في خمس لا يعلمهن إلا الله (ثم تلا ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ » .
وفي "سنن النسائي " عن أبي هريرة وأبي ذر ﵄: «أن جبريل قال للنبي ﷺ : يا محمد! أخبرني متى الساعة؟ قال: فنكس فلم يجبه شيئا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئا، ورفع رأسه فقال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها علامات تعرف بها: إذا رأيت الرعاء البهم يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة العراة ملوك الأرض، ورأيت المرأة تلد ربها؛ خمس لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ » .
وفي "مسند الإمام أحمد " عن ابن عباس ﵄: «أن جبريل قال للنبي ﷺ : حدثني متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ » .
стр. 1117
في إسناده شهر بن حوشب، وهو ثقة، وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات.
وفي "مسند الإمام أحمد " أيضا عن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ : متى الساعة يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ » .
في إسناده شهر بن حوشب، وقد تقدم الكلام فيه، وبقية رجاله ثقات.
وفي "المسند" أيضا عن بريدة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ » .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
وفي "المسند" أيضا «عن رجل من بني عامر: أنه قال للنبي ﷺ : هل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: "قد علمني الله خيرا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله : الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ ... » (الآية) ".
قال ابن كثير في "تفسيره": "إسناده صحيح".
الفائدة الثالثة: الرد على الذين يدعون علم المغيبات في المستقبل، وربما ادعى بعضهم علم ما يكون بعد ملايين السنين، فيصدقه الجهال، وينشرون كذبه وجهله في جرائدهم ومجلاتهم.
ومن هذا الباب ما يذاع في كثير من الإذاعات من الإخبار عما سيكون في
стр. 1118
المستقبل من الغيوم والأمطار والرياح أو عدم ذلك، ويسمون هذه الأخبار النشرات الجوية، وهي من تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه.
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ... الآية.
وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث في مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله ﵎، فمن ادعى علم شيء منها؛ فقد نازع الله فيما استأثر بعلمه، ومن نازع الله فيما استأثر به؛ فقد تعرض للوعيد الشديد.
كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله سبحانه: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري؛ فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في جهنم» .
ورواه مسلم في "صحيحه" عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : «العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني؛ عذبته» .
وروى ابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" عن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله سبحانه: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في النار» .
فليحذر المتعاطون لعلم المغيبات التي استأثر الله بعلمها من هذا الوعيد الشديد.
الفائدة الرابعة: إثبات صفة الضحك لله تعالى، والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفة الضحك لله تعالى كما يليق بجلاله، وبذلك جاءت السنة
стр. 1119
المطهرة.
ففي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: «أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أصابني الجهد. فأرسل إلى نسائه، فلم يجد عندهن شيئا. فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله؟ ". فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله! فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئا. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء؛ فنوميهم، وتعالي، فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ ، فقال: "ضحك الله الليلة (أو: عجب) من فعالكما» .
وروى ابن أبي الدنيا عن أنس ﵁ نحوه، وفيه ذكر الضحك بغير شك.
وفي "الصحيحين" أيضا واللفظ لمسلم عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «آخر من يدخل الجنة رجل يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة...." الحديث. وفي آخره أن الله تعالى يقول له: "يا ابن آدم! أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ ". فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم ضحكت؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ . فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: "من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر» .
وفي "الصحيحين" أيضا من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: فذكر الحديث بطوله في رؤية الرب، وذكر الحشر والقضاء بين العباد، وفي آخره ذكر آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وفيه أنه «لا يزال يدعو الله»
стр. 1120
«حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك الله منه؛ قال: ادخل الجنة» .
وفي "الصحيحين" أيضا واللفظ لمسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة". قالوا: كيف يا رسول الله؟! قال: "يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر، فيهديه إلى الإسلام، ثم يجاهد في سبيل الله، فيستشهد» .
وروى: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن ماجه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة"؛ عن أبي رزين العقيلي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره". قال: قلت: يا رسول الله! أو يضحك الرب؟! قال: "نعم". قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرا» .
وروى: الإمام أحمد أيضا، ومسلم في "صحيحه"، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"؛ من حديث أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يسأل عن الورود؛ قال: «نحن يوم القيامة على كذا فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك» ... الحديث.
وروى: الإمام أحمد، وابنه عبد الله في "كتاب السنة"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة"؛ عن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يتجلى لنا ربنا يوم القيامة ضاحكا» .
إلى غير ذلك من الأحاديث في إثبات صفة الضحك لله تعالى، وفيها أبلغ رد على الجهمية ومن نحا نحوهم من أهل البدع.
стр. 1121
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "فيظل يضحك": هو من صفات أفعاله التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها، كما لا سبيل إلا تشبيهها وتحريفها. وكذلك: "فأصبح ربك يطوف في الأرض": هو من صفات فعله؛ كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ ، و ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ ، «وينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» ، و «يدنو عشية عرفة فيباهي بأهل الموقف الملائكة» ، والكلام في الجميع صراط مستقيم إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل". انتهى.
الفائدة الخامسة: ذكر الصائحة، وهي النفخ في الصور، وقد تقدم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة في (باب النفخ في الصور) ؛ فلتراجع هناك.
الفائدة السادسة: جواز الإقسام بصفات الله تعالى، وانعقاد اليمين بها.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقوله: "فلعمر إلهك": هو قسم بحياة الرب ﷻ ، وفيه دليل على جواز الإقسام بصفاته، وانعقاد اليمين بها، وأنها قديمة، وأنه يطلق عليه منها أسماء المصادر ويوصف بها، وذلك قدر زائد على مجرد الأسماء، وأن الأسماء الحسنى مشتقة من هذه المصادر دالة عليها". انتهى.
الفائدة السابعة: ذكر موت الخلق إذا نفخ في الصور، وموت الملائكة أيضا، ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
стр. 1122
وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" في الكلام على حديث أبي رزين العقيلي ﵁: "لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح إلا هذا وحديث إسماعيل بن رافع الطويل وهو حديث الصور، وقد يستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ . انتهى.
وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات؛ إلا من شاء ربك» ...... الحديث.
رواه: الطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وهذا الحديث يؤيد ما جاء في حديث أبي رزين وحديث إسماعيل بن رافع من النص على موت الملائكة إذا نفخ في الصور، والله أعلم.
الفائدة الثامنة: إثبات انفراد الله تعالى بالبقاء بعد موت الخلق، ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
الفائدة التاسعة: ذكر إرسال المطر من عند العرش لينبت منه الخلق.
стр. 1123
ويشهد لهذا قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي تقدم في (باب النفخ في الصور) : «ثم ينفخ في الصور؛ فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورقع ليتا". قال: "وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله". قال: "فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله (أو قال: ينزل الله) مطرا كأنه الطل (أو: الظل) ، فتنبت منه أجساد الناس» ... الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
وفي "الصحيحين" واللفظ لمسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون ". قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، "ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل". قال: "وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عَجْب الذنب، ومنه يركب الخلق القيامة» .
وروى الطبراني والحاكم في "مستدركه" عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، والصور قرن؛ فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات، إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم أحد إلا في الأرض منه شيء". قال: "فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى (ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ". قال: "ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها، حتى تدخل فيه، ثم يقومون، فيحيون حياة رجل واحد قياما لرب العالمين» ... الحديث.
стр. 1124
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى: ابن جرير، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي، وغيرهم؛ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ حديث الصور الطويل، وفيه: «ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ الصعق، فيصعق أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا ... (الحديث وفيه:) ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر الله السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يوما، حتى يكون المطر فوقهم اثني عشر ذراعا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات الطراثيث (أو: كنبات البقل) » ... الحديث.
الفائدة العاشرة: إثبات البعث بعد الموت، والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة جدا، وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم على وقوع المعاد في ثلاث آيات من القرآن:
إحداهن: قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
والثانية: قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .
والثالثة: قوله تعالى في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
الفائدة الحادية عشرة: ظن الميت إذا بعث أنه لم يلبث إلا يسيرا، ويشهد لهذا:
стр. 1125
قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "يقول: يا رب! أمس اليوم": استقلال لمدة لبثه في الأرض، وكأنه لبث فيها يوما، فقال: أمس، أو بعض يوم، فقال: اليوم؛ يحسب أنه حديث عهد بأهله، وأنه إنما فارقهم أمس أو اليوم". انتهى.
الفائدة الثانية عشرة: أن الصحابة ﵃ كانوا يخوضون في دقائق المسائل، ويسألون النبي ﷺ عما أشكل عليهم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟! "، وإقرار رسول الله ﷺ له على هذا السؤال؛ رد على من زعم أن القوم لم يكونوا يخوضون في دقائق المسائل ولم يكونوا يفهمون حقائق الإيمان بل كانوا مشغولين بالعمليات، وأن أفراخ الصابئة والمجوس من الجهمية والمعتزلة والقدرية أعرف
следующие страницы →