Полный текст (1 255 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "فيظل يضحك": هو من صفات أفعاله التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها، كما لا سبيل إلا تشبيهها وتحريفها. وكذلك: "فأصبح ربك يطوف في الأرض": هو من صفات فعله؛ كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ ، و ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ ، «وينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» ، و «يدنو عشية عرفة فيباهي بأهل الموقف الملائكة» ، والكلام في الجميع صراط مستقيم إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل". انتهى.
الفائدة الخامسة: ذكر الصائحة، وهي النفخ في الصور، وقد تقدم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة في (باب النفخ في الصور) ؛ فلتراجع هناك.
الفائدة السادسة: جواز الإقسام بصفات الله تعالى، وانعقاد اليمين بها.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقوله: "فلعمر إلهك": هو قسم بحياة الرب ﷻ ، وفيه دليل على جواز الإقسام بصفاته، وانعقاد اليمين بها، وأنها قديمة، وأنه يطلق عليه منها أسماء المصادر ويوصف بها، وذلك قدر زائد على مجرد الأسماء، وأن الأسماء الحسنى مشتقة من هذه المصادر دالة عليها". انتهى.
الفائدة السابعة: ذكر موت الخلق إذا نفخ في الصور، وموت الملائكة أيضا، ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
стр. 1122
وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" في الكلام على حديث أبي رزين العقيلي ﵁: "لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح إلا هذا وحديث إسماعيل بن رافع الطويل وهو حديث الصور، وقد يستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ . انتهى.
وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات؛ إلا من شاء ربك» ...... الحديث.
رواه: الطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وهذا الحديث يؤيد ما جاء في حديث أبي رزين وحديث إسماعيل بن رافع من النص على موت الملائكة إذا نفخ في الصور، والله أعلم.
الفائدة الثامنة: إثبات انفراد الله تعالى بالبقاء بعد موت الخلق، ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
الفائدة التاسعة: ذكر إرسال المطر من عند العرش لينبت منه الخلق.
стр. 1123
ويشهد لهذا قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي تقدم في (باب النفخ في الصور) : «ثم ينفخ في الصور؛ فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورقع ليتا". قال: "وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله". قال: "فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله (أو قال: ينزل الله) مطرا كأنه الطل (أو: الظل) ، فتنبت منه أجساد الناس» ... الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
وفي "الصحيحين" واللفظ لمسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون ". قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، "ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل". قال: "وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عَجْب الذنب، ومنه يركب الخلق القيامة» .
وروى الطبراني والحاكم في "مستدركه" عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، والصور قرن؛ فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات، إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم أحد إلا في الأرض منه شيء". قال: "فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى (ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ". قال: "ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها، حتى تدخل فيه، ثم يقومون، فيحيون حياة رجل واحد قياما لرب العالمين» ... الحديث.
стр. 1124
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى: ابن جرير، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي، وغيرهم؛ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ حديث الصور الطويل، وفيه: «ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ الصعق، فيصعق أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا ... (الحديث وفيه:) ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر الله السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يوما، حتى يكون المطر فوقهم اثني عشر ذراعا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات الطراثيث (أو: كنبات البقل) » ... الحديث.
الفائدة العاشرة: إثبات البعث بعد الموت، والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة جدا، وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم على وقوع المعاد في ثلاث آيات من القرآن:
إحداهن: قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
والثانية: قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .
والثالثة: قوله تعالى في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
الفائدة الحادية عشرة: ظن الميت إذا بعث أنه لم يلبث إلا يسيرا، ويشهد لهذا:
стр. 1125
قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "يقول: يا رب! أمس اليوم": استقلال لمدة لبثه في الأرض، وكأنه لبث فيها يوما، فقال: أمس، أو بعض يوم، فقال: اليوم؛ يحسب أنه حديث عهد بأهله، وأنه إنما فارقهم أمس أو اليوم". انتهى.
الفائدة الثانية عشرة: أن الصحابة ﵃ كانوا يخوضون في دقائق المسائل، ويسألون النبي ﷺ عما أشكل عليهم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟! "، وإقرار رسول الله ﷺ له على هذا السؤال؛ رد على من زعم أن القوم لم يكونوا يخوضون في دقائق المسائل ولم يكونوا يفهمون حقائق الإيمان بل كانوا مشغولين بالعمليات، وأن أفراخ الصابئة والمجوس من الجهمية والمعتزلة والقدرية أعرف
стр. 1126
منهم بالعمليات، وفيه دليل على أنهم كانوا يوردون على رسول الله ﷺ ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات، فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم، وقد أورد عليه ﷺ الأسئلة أعداؤه وأصحابه: أعداؤه للتعنت والمغالبة، وأصحابه للفهم والبيان وزيادة الإيمان، وهو يجيب كلا عن سؤاله؛ إلا ما لا جواب عنه؛ كسؤالهم له عن وقت الساعة. وفي هذا السؤال دليل على أنه سبحانه يجمع أجزاء العبد بعدما فرقها. وينشئها نشأة أخرى، ويخلقه خلقا جديدا؛ كما سماه في كتابه كذلك في موضعين: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ ، و ﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ ".
قلت: وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ .
الفائدة الثالثة عشرة: ذكر الدليل على إحياء الموتى وجمعهم بعد التفرق، وضرب المثل لذلك بإحياء الأرض بعد موتها، والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة جدا.
الفائدة الرابعة عشرة والخامسة عشرة: إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد، وأن حكم الشيء حكم نظيره.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين العقيلي: "وقوله: "أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله": فيه إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد، والقرآن مملوء منه، وفيه أن حكم الشيء حكم نظيره، وأنه سبحانه إذا كان قادرا على شيء؛ فكيف تعجز قدرته عن نظيره ومثله؟! فقد قرر الله سبحانه أدلة المعاد في كتابه أحسن تقرير وأبينه وأبلغه وأوصله إلى العقول والفطر، فأبى أعداؤه الجاحدون إلا تكذيبا له وتعجيزا له وطعنا في حكمه، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا". انتهى.
الفائدة السادسة عشرة: إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع:
стр. 1127
أما الكتاب:
فقول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
وقوله تعالى في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ .
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه يومئذ".
قال ابن كثير: "وهذا الذي قاله الشافعي رحمه الله تعالى في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنان الفاخرة". انتهى.
وقد روي عن الإمام مالك والإمام أحمد رحمهما الله تعالى نحو قول الشافعي:
فأما الإمام مالك؛ فقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أخرج أبو العباس السراج في "تاريخه" عن الحسن بن عبد العزيز الجروي - وهو من شيوخ البخاري -: سمعت عمرو بن أبي سلمة يقول: سمعت مالك بن أنس، وقيل له: يا أبا عبد الله! قول الله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ؛ يقول قوم: إلى ثوابه. فقال: كذبوا؛ فأين هم عن قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ؟! ". انتهى.
وأما الإمام أحمد؛ فقال أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة": "حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي؛ قال: حدثنا الفضل بن زياد؛ قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغه عن رجل أنه قال: إن الله عز وجل
стр. 1128
لا يرى في الآخرة، فغضب غضبا شديدا، ثم قال: من قال إن الله لا يرى في الآخرة؛ فقد كفر، عليه لعنة الله من كان من الناس، أليس الله جل ذكره قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، وقال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ؟! وهذا دليل على أن المؤمنين يرون الله ".
وقال الآجري أيضا: "حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي؛ قال: حدثنا حنبل بن إسحاق بن حنبل؛ قال: سمعت أبا عبد الله يقول: قالت الجهمية: إن الله لا يرى في الآخرة، قال الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ، فلا يكون هذا إلا أن الله يرى، وقال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ؛ فهذا النظر إلى الله ، والأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ : «إنكم ترون ربكم» بروايات صحيحة وأسانيد غير مدفوعة، والقرآن شاهد أن الله يرى في الآخرة". انتهى.
وروى ابن جرير عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ؛ قال: "يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية".
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ .
قال البغوي في قوله: وزيادة: "وهي النظر إلى وجه الله الكريم، هذا قول جماعة؛ منهم: أبو بكر الصديق، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت ﵃، وهو قول الحسن وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحاك والسدي ". انتهى.
وقال ابن كثير: "وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي
стр. 1129
بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس ﵃، وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف". انتهى.
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ .
قال البغوي في "تفسيره": "قال جابر وأنس ﵄: هو النظر إلى وجه الله الكريم".
وقال ابن كثير في "تفسيره": "وقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ كقوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ، وقد تقدم في "صحيح مسلم " عن صهيب بن سنان الرومي أنها النظر إلى وجه الله الكريم، وروى البزار وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي عن عثمان بن عمير أبي اليقظان عن أنس بن مالك ﵁ في قوله : ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ؛ قال: يظهر لهم الرب في كل جمعة" انتهى.
وقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ .
قال أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة": "اعلم رحمك الله أن عند أهل العلم باللغة أن اللقي هاهنا لا يكون إلا معاينة؛ يراهم الله ويرونه، ويسلم عليهم ويكلمهم ويكلمونه" انتهى.
وأما السنة:
ففي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: «أن الناس قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ ". قالوا: لا يا رسول الله! قال: "فهل تضارون»
стр. 1130
«في الشمس ليس دونها سحاب؟ ". قالوا: لا يا رسول الله! قال: "فإنكم ترونه كذلك» .... الحديث.
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟ قلنا: لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما» ... الحديث.
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن جرير بن عبد الله ﵁؛ قال: «كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، وقال: " إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس؛ فافعلوا» .
وروى: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"؛ «عن أبي رزين العقيلي ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله! أكلنا يرى ربه مخليا به يوم القيامة؟ قال: "نعم". قلت: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: "يا أبا رزين! أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به؟ ". قلت: بلى. قال: "فالله أعظم، إنما هو خلق من خلق الله (يعني: القمر) ؛ فالله أجل وأعظم» .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم؛ «عن صهيب ﵁: أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ، وقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ ". قال: "فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب»
стр. 1131
«إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم» .
وروى: ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي: يا أهل الجنة (بصوت يسمع أولهم وآخرهم) ! إن الله وعدكم الحسنى وزيادة؛ فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن »
وروى: ابن جرير أيضا، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"؛ عن كعب بن عجرة ﵁ عن النبي ﷺ في «قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: " النظر إلى وجه الرحمن »
وروى: ابن جرير أيضا، وابن أبي حاتم، «عن أبي بن كعب ﵁، أنه سأل رسول الله ﷺ عن قول الله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: " الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله »
وقد تقدم قريبا حديث أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يسأل عن الورود؛ قال: «نحن يوم القيامة على كذا فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد؛ الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك» ... الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة".
وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه» .
стр. 1132
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» .
وروى: الإمام أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، وأبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة"؛ عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ؛ قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وزوجاته ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية (ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ) » .
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر في أزواجه وخدمه وسرره، وإن أفضل أهل الجنة منزلة لمن ينظر في وجه الله تعالى كل يوم مرتين» .
ورواه أيضا بنحوه، وزاد: "ثم تلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ؛ قال: البياض والصفاء. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ؛ قال: ينظر كل يوم في وجه الله ".
قال الحاكم: "هذا حديث مفسر في الرد على المبتدعة". انتهى.
قال أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة": "تواترت الأخبار الصحاح عن النبي ﷺ بالنظر إلى وجه الله ، فقبلها أهل العلم أحسن قبول". انتهى.
وقال ابن كثير في تفسير سورة القيامة: "وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها".
стр. 1133
وقال أيضا: "قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ". انتهى.
وأما الإجماع؛ فقال ابن كثير في تفسير سورة القيامة بعدما ساق بعض الأحاديث في رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة؛ قال: "وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام". انتهى.
الفائدة السابعة عشرة: إثبات صفة النظر لله ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» .
وجاء في عدة أحاديث: أن الله لا ينظر إلى من جر ثوبة خيلاء، وأنه لا ينظر إلى المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، وأنه لا ينظر إلى من منع ابن السبيل فضل الماء، ولا إلى رجل حلف على سلعة بعد العصر كاذبا، ولا إلى رجل بايع إماما فإن أعطاه وفي له وإن لم يعطه لم يف له، ولا إلى متبرئ من والديه راغب عنهما، ولا إلى متبرئ من ولده، ولا إلى رجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم، ولا إلى شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر، ولا إلى العاق لوالديه، ولا إلى المرأة المترجلة، ولا إلى الديوث.
فدلت الآية الكريمة والأحاديث الصحيحة على أن الله تعالى ينظر إلى
стр. 1134
من لم يتصف بشيء مما ذكر في الآية والأحاديث التي أشرنا إليها.
وقد روى: ابن ماجه، وابن أبي حاتم، والبغوي؛ عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أهل الجنة في نعيمهم؛ إذ طلع عليهم نور، فرفعوا رؤوسهم؛ فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة؛ فذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ؛ قال: فينظر إليهم وينظرون إليه؛ فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينطرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» .
الفائدة الثامنة عشرة: إطلاق الشخص على الله تعالى.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد؟! "؛ قد جاء هذا في هذا الحديث وفي قوله في حديث آخر: "لا شخص أغير من الله"، والمخاطبون بهذا؛ قوم عرب يعلمون المراد منه، ولا يقع في قلوبهم تشبيهه سبحانه بالأشخاص، بل هم أشرف عقولا وأصح أذهانا وأسلم قلوبا من ذلك، وحقق ﷺ وقوع الرؤية عيانا برؤية الشمس والقمر تحقيقا لها ونفيا لتوهم المجاز الذي يظنه المعطلون". انتهى.
وقد قال البخاري في (كتاب التوحيد) من "صحيحه": "باب قول النبي ﷺ : «لا شخص أغير من الله» ، وقال عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك: لا شخص أغير من الله".
وهذا الذي علقه البخاري قد رواه مسلم في "صحيحه"، فقال: حدثني عبيد الله بن عمر القواريري وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدري واللفظ لأبي كامل؛ قالا: حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة عن
стр. 1135
المغيرة بن شعبة ﵁؛ قال: «قال سعد بن عبادة ﵁: لو رأيت رجلا مع امرأتي؛ لضربته بالسيف؛ غير مصفح عنه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "أتعجبون من غيرة سعد؛ فوالله؛ لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك؛ بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك؛ وعد الله الجنة» .
ثم قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير بهذا الإسناد مثله، وقال: "غير مصفح"، ولم يقل: "عنه".
وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن عبيد الله بن عمر القواريري ومحمد بن أبي بكر المقدمي: أخبرنا أبو عوانة (فذكره) .
وإسناده عن عبيد الله بن عمر أحد أسانيد مسلم، والآخر على شرط الشيخين.
ورواه أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن عبد الملك: (فذكره) .
وإسناده إسناد مسلم.
ورواه الإمام أحمد في "مسنده"، فقال: حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد: حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك: (فذكره) .
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الدارمي في "سننه"، فقال: حدثنا ابن أبي عدي: حدثنا عبيد الله
стр. 1136
ابن عمرو عن عبد الملك بن عمير: (فذكره بنحوه) .
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وهذا الحديث الصحيح من الأحاديث التي تتلقى بالقبول وتمر كما جاءت، وهو أبلغ لما جاء في حديث أبي رزين ﵁ من إطلاق الشخص على الله تعالى.
وقد قال عبد الله ابن الإمام أحمد في "مسند" أبيه: قال عبيد الله القواريري: "ليس حديث أشد على الجهمية من هذا الحديث: قوله: «لا شخص أحب إليه مدحة من الله » .
الفائدة التاسعة عشرة: أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى، ويشهد لهذا.
قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ .
وقد تواتر عن النبي ﷺ : أنه قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله» .
رواه: مالك، وأحمد، والشيخان، وأهل السنن؛ من حديث عائشة ﵂. ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي؛ من حديث جابر بن عبد الله ﵄. ورواه: مالك، وأحمد، والشيخان، وأهل السنن؛ من حديث ابن عباس ﵄. ورواه: الشيخان، والنسائي؛ من حديث أبي
стр. 1137
مسعود البدري ﵁. ورواه: الشيخان، والنسائي؛ من حديث ابن عمر ﵄. ورواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. ورواه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. ورواه: البخاري، والنسائي؛ من حديث أبي بكرة ﵁. ورواه النسائي من حديث النعمان بن بشير ﵄. ورواه النسائي من حديث قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁. ورواه النسائي من حديث أبي هريرة ﵁.
الفائدة العشرون: إثبات العرض على الله يوم القيامة، ويشهد لهذا:
قوله الله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ ... الآية.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا ابن ماجه؛ عن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نوقش الحساب عذب ". قالت: فقلت: أفليس قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ؟! قال: "ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة؛ عذب» .
وروى الإمام أحمد عن وكيع عن علي بن علي بن رفاعة عن الحسن عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعندها»
стр. 1138
«تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» .
وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر - وهو ابن أبي شيبة - عن وكيع: (فذكره بمثله) .
ورواه ابن أبي الدنيا عن أبي نصر التمار: حدثنا عقبة الأصم عن الحسن؛ قال: سمعت أبا موسى الأشعري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (فذكره بنحوه) .
ورواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع عن علي بن علي عن الحسن عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان؛ فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة؛ فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله» .
قال الترمذي: "ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ".
وقد رواه بعضهم عن علي بن علي - وهو الرفاعي - عن الحسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ .
قال ابن كثير في "النهاية": "وقد وقع في "مسند أحمد " التصريح بسماعه منه، وقد يكون الحديث عنده عن أبي موسى وأبي هريرة، والله أعلم".
قال: "وأما الحافظ البيهقي؛ فرواه من طريق مروان الأصفر عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود من قوله مثله سواء". انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بعدما نقل كلام الترمذي الذي تقدم ذكره: "وأخرجه البيهقي في "البعث" بسند حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفا". انتهى.
стр. 1139
الفائدة الحادية والعشرون: إثبات صفة اليد لله تعالى.
والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفة اليد لله تعالى؛ إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تحريف ولا تعطيل، والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة:
أما الكتاب:
فقول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ .
وأما السنة:
فروى: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المقسطين عند الله»
стр. 1140
«يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» .
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «لما خلق الله الخلق؛ كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي» .
وعن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان ثلث الليل الباقي؛ يهبط الله إلى السماء الدنيا، ثم تفتح أبواب السماء، ثم يبسط يده، فيقول: هل من سائل يعطى سؤله؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجالهما رجال الصحيح".
وروى: مالك، وأحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا النسائي؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «احتج آدم وموسى ﵉، فقال موسى: يا آدم! أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى! أنت اصطفاك الله بكلامه (وقال مرة: برسالته) ، وخط لك بيده؛ أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ ". قال: "حج آدم موسى حج آدم موسى» .
هذا لفظ إحدى روايات أحمد، ونحوه للبخاري.
وفي رواية لأحمد: أن رسول الله ﷺ قال: «لقي آدم موسى، فقال: أنت آدم الذي خلقك الله بيده» ..... الحديث.
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" من طريق أبيه.
وروى ابن حبان في "صحيحه «عن أبي ذر ﵁؛ قال: قلت:»
стр. 1141
«يا رسول الله! كم الرسل؟ قال: "ثلاث مائة وثلاثة عشر جما غفيرا". قلت: يا رسول الله! من كان أولهم؟ قال: " آدم ﵇". قلت: يا رسول الله! أنبي مرسل؟ قال: "نعم؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا» .
وروى ابن حبان أيضا عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله آدم، ونفخ فيه الروح؛ عطس، فقال: الحمد لله ... (الحديث، وفيه:) وقال الله جل وعلا ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت. فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها؛ فإذا فيها آدم وذريته» .... الحديث.
وروى مالك في "الموطأ" عن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية» ....... الحديث.
ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان في "صحيحه"؛ من طريق مالك، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وفي "الصحيحين" و"سنن" أبي داود وابن ماجه عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» .
هذا لفظ إحدى روايات مسلم.
وفي رواية له «عن عبيد الله بن مقسم: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر رضي»
стр. 1142
«الله عنهما كيف يحكي رسول الله ﷺ ؟ قال: " يأذخ الله سماواته وأرضيه بيديه، ويقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، ويقول: أنا الملك "، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟» !
وروى: البخاري، وابن ماجه أيضا؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك؛ أين ملوك الأرض» .
وفي "صحيح البخاري " أيضا، و"مسند الإمام أحمد "، و"سنن ابن ماجه "؛ عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار". وقال: "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده". وقال: "عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان؛ يخفض ويرفع» .
هذا لفظ البخاري. ورواه الإمام أحمد أيضا ومسلم مختصرا.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن النواس بن سمعان ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: «الميزان بيد الرحمن؛ يرفع أقواما ويخفض آخرين إلى يوم القيامة، وقلب ابن آدم بين أصابع الرحمن: إذا شاء أقامه، وإذا شاء أزاغه". وكان النبي ﷺ يقول: "يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك» .
وقد رواه ابن ماجه بنحوه. قال في "الزوائد": "وإسناده صحيح".
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد إذا تصدق»
стр. 1143
«من طيب؛ تقبلها الله منه، وأخذها بيمينه، ورباها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة، فتربو في يد الله (أو قال: في كف الله) حتى تكون مثل الجبل؛ فتصدقوا» .
هذا لفظ إحدى روايات أحمد.
والأحاديث في إثبات صفة اليد لله تعالى كثيرة جدا، وفيما ذكرته هاهنا كفاية إن شاء الله تعالى.
الفائدة الثانية والعشرون: إثبات صفة الفعل لله تعالى.
والقرآن مملوء من الأدلة على إثبات صفات الأفعال لله تعالى، وكذلك السنة، والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفات الأفعال لله تعالى إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تحريف ولا تعطيل.
الفائدة الثالثة والعشرون: تبييض وجوه المسلمين يوم القيامة وتسويد وجوه الكافرين.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
قال ابن عباس ﵄: "تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة".
وروى الترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، والبزار من حديث السدي؛ عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في «قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ ؛ قال: "يدعي أحدهم، فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ".
»
стр. 1144
«قال: "فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا، حتي يأتيهم، فيقول لهم: أبشروا؛ فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر؛ فيعطى كتابه بشماله، مسودا وجهه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا على صورة آدم، ويلبس تاجا من نار، فيراه أصحابه، فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا، اللهم لا تأتنا بهذا". قال: "فيأتيهم، فيقولون: اللهم أخزه، فيقول: أبعدكم الله؛ فإن لكل رجل منكم مثل هذا» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
الفائدة الرابعة والعشرون: إثبات الصراط ومرور الخلق عليه.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ .
وقد روى الإمام أحمد عن أبي سمية؛ قال: اختلفنا هاهنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا، ثم ينجي الله الذي اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله ﵄، فقلت: إنا اختلفنا في ذلك الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا. فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتا؛ إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حت إن للنار (أو قال: لجهنم) ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا» .
قال الهيثمي: "رجاله ثقات". وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى الحاكم أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يرد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق،»
стр. 1145
«ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحلة، ثم كشد الرجل، ثم كمشيه» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي؛ عن أبي هريرة ﵁: «أن الناس قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر الحديث بطوله، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم؛ فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ ". قالوا: نعم. قال: "فإنها مثل شوك السعدان؛ غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، تخطف الناس بأعمالهم؛ فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم المخردل ثم ينجو» ...... الحديث.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان أيضا؛ عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم.... (فذكر الحديث بطوله، وفيه:) ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم". قيل: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: "دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق والريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب؛ فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم» ...... الحديث.
وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة وحذيفة ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : «يجمع الله ﵎ الناس ... (الحديث، وفيه:) وترسل»
стр. 1146
«الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال؛ تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط؛ يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل؛ فلا يستطيع السير إلا زحفا". قال: "وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به؛ فمخدوش ناج، ومكدوس في النار» .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، وعبد الله ابن الإمام أحمد؛ عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يسأل عن الورود، فقال: «نجيء نحن يوم القيامة على كذا فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد: الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك". قال: "فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون» ...... الحديث.
وروى الإمام أحمد أيضا عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «ولجهنم جسر أرق من الشعرة، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك يأخذان من شاء الله، والناس عليه كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: رب سلم سلم، فناج مسلم، ومخدوش، ومكور في النار على وجهه» .
قال الهيثمي: "فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وروى الإمام أحمد أيضا عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «يحمل الناس على الصراط يوم القيامة، فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع»
стр. 1147
«الفراش في النار، فينجي الله تعالى برحمته من يشاء» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". قال: "رواه الطبراني في "الصغير" و"الكبير" بنحوه، ورواه البزار أيضا، ورجاله رجال الصحيح".
وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حد السيف المرهف مدحضة مزلة عليه كلاليب من نار تخطف بها؛ فممسك يهوي فيها ومصروع، ومنهم من يمر كالبرق فلا ينشب ذلك أن ينجو، ثم كالريح فلا ينشب ذلك أن ينجو، ثم كجري الفرس، ثم كسعي الرجل، ثم كرمل الرجل، ثم كمشي الرجل» ... الحديث.
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ غير عاصم، وقد وثق ".
وروى الحاكم في "مستدركه" عن أبي الزعراء عن عبد الله بن مسعود ﵁ حديثا طويلا قال فيه: «ثم يؤمر بالصراط، فيضرب على جهنم، فيمر الناس كقدر أعمالهم زمرا كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك، حتى يمر الرجل سعيا، ثم مشيا، ثم يكون آخرهم رجلا يتلبط على بطنه". قال: "فيقول: أي رب! لماذا أبطأت بي؟ فيقول: لم أبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك» .... الحديث.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في موضع من "تلخيصه"، وقال في موضع آخر: "ما احتجا بأبي الزعراء ".
قلت: ولحديثه هذا شواهد كثيرة من الأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها.
وقد جاء في ذكر الصراط أحاديث كثيرة سوى ما ذكرته هاهنا، وفيما ذكرته كفاية إن شاء الله تعالى.
стр. 1148
الفائدة الخامسة والعشرون: إثبات كلام الرب ﵎ لمن شاء في الدار الآخرة.
وقد جاء ذكره في حديث أبي رزين ﵁ في موضعين.
الأول: قوله: "فيقول ربك: مهيم".
والثاني: قوله: "يقول ربك : أو أنه".
وقد ثبت أيضا تكليم الرب ﵎ لبعض الرسل في الدنيا وتكليمه لبعض الشهداء في البرزخ.
فأما تكليمه لبعض الرسل في الدنيا:
فقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ .
إلى غير ذلك من الآيات في نداء الرب ﵎ لموسى ﵊.
وقد كلم الله ﵎ رسوله محمدا ﷺ ليلة الإسراء، وفرض عليه الصلوات الخمس بدون واسطة بينه وبينه، والأحاديث بذلك مذكورة في "الصحيحين" وغيرهما من وجوه كثيرة.
стр. 1149
وروى الإمام أحمد «عن أبي ذر ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله! أي الأنبياء كان أول؟ قال: " آدم ". قلت: يا رسول الله! ونبي كان؟ قال: "نعم؛ نبي مكلم» .
وروى الحاكم في "مستدركه «عن أبي أمامة ﵁: أن رجلا قال: يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: "نعم؛ معلم مكلم» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى ابن حبان في "صحيحه «عن أبي ذر ﵁؛ قال: "قلت: يا رسول الله! كم الرسل؟ قال: "ثلاث مائة وثلاثة عشر جما غفيرا". قلت: يا رسول الله! من كان أولهم؟ قال: "آدم ﵇". قلت: يا رسول الله! أنبي مرسل؟ قال: "نعم؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا» .
قوله: "قبلا": قال ابن الأثير في "النهاية". "أي: عيانا ومقابلة، لا من وراء حجاب، ومن غير أن يولي أمره أو كلامه أحدا من ملائكته". انتهى.
وروى: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة؛ عن النواس بن سمعان ﵁؛ قال قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله ﵎ أن يوحي بأمره؛ تكلم بالوحي، فإذا تكلم بالوحي؛ أخذت السماوات منه رجفة (أو قال: رعدة شديدة) من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السماوات؛ صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵇، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء؛ سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض» .
стр. 1150
وأما تكليم الرب لبعض الشهداء:
ففي "صحيح مسلم " عن مسروق؛ قال: سألنا عبد الله (يعني: ابن مسعود ﵁ عن هذه الآية: « ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ، فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟! ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا. قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة؛ تركوا» .
وروى: ابن مردويه، والبيهقي في "دلائل النبوة"؛ عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: «نظر إلي رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: "يا جابر! ما لي أراك مهتما؟ ". قال: قلت: يا رسول الله! استشهد أبي وترك دينا وعيالا. قال: فقال: "ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا (قال علي - وهو ابن المديني أحد رواته -: والكفاح: المواجهة) قال: سلني أعطك. قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية. فقال الرب : إنه قد سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون. قال: أي رب! فأبلغ من ورائي. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ . الآية.»
وقد رواه: الترمذي، وابن ماجه؛ بنحوه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وأما تكليم الرب ﵎ لمن شاء في الدار الآخرة؛ فقد ثبت أنه
стр. 1151
ينادي العباد عامة ويكلمهم، وثبت أنه يكلم الرسل، وجاء أنه يكلم العلماء، وثبت أنه يكلم المذنبين، وثبت أنه يكلم عموم المؤمنين في الجنة، وثبت أنه ينادي الكفار يوم القيامة ويكلمهم على سبيل التوبيخ والتقريع.
فأما نداؤه العباد عامة وتكليمه لهم:
ففي "مسند الإمام أحمد " عن عبد الله بن أنيس ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة (أو قال: العباد) عراة غرلا بهما". قال: قلنا: وما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك! أنا الديان! لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف؛ وإنما نأتي الله عراة غرلا بهما. قال: "بالحسنات والسيئات» .
قال الهيثمي: "رجاله وثقوا، ورواه الطبراني في "الأوسط" بنحوه". وقال الهيثمي أيضا في موضع آخر: "هو عند أحمد والطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن". وقال المنذري: "رواه أحمد بإسناد حسن".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الله العباد (أو قال: الناس) عراة غرلا بهما". قال: قلنا: ما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك! أنا الديان! لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى أقصه منه حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف ذا وإنما نأتي الله غرلا بهما؟! قال: "بالحسنات والسيئات". قال: وتلا رسول الله ﷺ :»
стр. 1152
« ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ » .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي "الصحيحين" واللفظ للبخاري عن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه» .
وأما تكليم الرب ﵎ للرسل:
فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ... الآية.
وروى: الإمام أحمد، والبخاري؛ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أول من يدعى يوم القيامة آدم، فتراءى ذريته، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: يا رب! كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كل مائة تسعة وتسعين» ....." الحديث.
стр. 1153
وروى: الإمام أحمد، والشيخان واللفظ للبخاري؛ عن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم! فيقول لبيك ربنا وسعديك. فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار. قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه قال: تسع مائة وتسعه وتسعين» ....... الحديث.
وأما تكليم الرب ﵎ للعلماء:
فيروى الطبراني عن ثعلبة بن الحكم؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى للعلماء إذا جلس على كرسيه لفصل القضاء: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي» .
وأما تكليم ربك ﵎ للمذنبين:
فروى: الإمام أحمد، والشيخان، وغيرهم؛ عن ابن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك؛ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون؛ فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين» .
وأما تكليم الرب تبارم وتعالى لعموم المؤمنين في الجنة:
فقد روى: أبو داود الطيالسي، والطبراني؛ عن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن شئتم أنبأتكم بأول ما يقول الله للمؤمنين يوم القيامة وبأول ما يقولون". قالوا: نعم يا رسول الله! قال: "إن الله»
стр. 1154
« يقول للمؤمنين: هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا! فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا عفوك ورحمتك. فيقول: فإني قد أوجبت لكم رحمتي» .
قال الهيثمي: " رواه الطبراني بسندين أحدهما حسن".
وتقدم قريبا حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أهل الجنة في نعيمهم؛ إذ سطع عليهم نور، فرفعوا رؤوسهم؛ فإذ الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة! فذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ". قال: "فينظر إليهم وينظرون إليه؛ فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» .
رواه: ابن ماجه، وابن أبي حاتم، والبغوي.
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني؛ فلا أسخط عليكم بعده أبدا» .
والأحاديث في تكليم الرب ﵎ لأهل الجنة كثيرة.
وأما نداء الرب ﵎ للكفار يوم القيامة ومخاطبته لهم على سبيل التقريع والتوبيخ:
فقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .
стр. 1155
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ .
وروى الترمذي عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول له: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وتربع فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟! فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني» .
قال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب. ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب. وكذا فسر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ ؛ قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب". انتهى كلام الترمذي.
وقال ابن كثير في "النهاية": "هذا فيه صراحة عظيمة في تكليم الله تعالى ومخاطبته لعبده الكافر". انتهى.
وفي "صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يلقى العبد ربه، فيقول: أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث، فيقول: أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: أي رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع. فيقول: هاهنا إذا، ثم»
стр. 1156
«يقول: الآن نبعث شاهدا عليك. فيتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد عليه؟ فيختم الله على فيه، ويقال لفخذه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظمه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه» .
قوله: "أي فل! "؛ أي: يا فلان. قال المنذري: "حذفت منه الألف والنون لغير ترخيم؛ إذ لو كان ترخيما؛ لما حذفت الألف". وقال ابن الأثير في "النهاية": "معناه: يا فلان! وليس ترخيما له؛ لأنه لا يقال إلا بسكون اللام، ولو كان ترخيما؛ لفتحوها أو ضموها". قال سيبويه: "ليست ترخيما، وإنما هي صيغة ارتجلت في باب النداء، وقد جاء في غير النداء؛ قال:
في لجة أمسك فلانا عن فل
فكسر اللام للقافية". وقال الأزهري: "ليس بترخيم فلان، ولكنها كلمة على حدة، فبنو أسد يوقعونها على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد، وغيرهم يثني ويجمع ويؤنث، وفلان وفلانة كناية عن الذكر والأنثى من الناس، فإن كنيت بهما عن غير الناس؛ قلت: الفلان والفلانة، وقال قوم: إنه ترخيم فلان، فحذفت النون للترخيم، والألف لسكونها، وتفتح اللام وتضم على مذهبي الترخيم". انتهى.
وقوله: "أسودك"؛ بتشديد الواو وكسرها؛ أي: أجعلك سيدا في قومك.
وقوله: "ترأس"؛ بفتح التاء وإسكان الراء وفتح الهمزة؛ أي: تصير رئيسا. قال ابن الأثير في "النهاية": "رأس القوم يترأسهم رئاسة إذا صار رئيسهم ومقدمهم".
وقوله: "وتربع"؛ بفتح التاء والباء الموحدة. قال ابن الأثير: "أي: تأخذ ربع الغنيمة؛ يقال: ربعت القوم أربعهم: إذا أخذت ربع أموالهم؛ مثل: عشرتهم أعشرهم؛ يريد: ألم أجعلك رئيسا مطاعا؛ لأن الملك كان يأخذ الربع
стр. 1157
من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه، ويسمى ذلك الربع: المرباع". انتهى.
الفائدة السادسة والعشرون: إثبات حوض النبي ﷺ في الدار الآخرة وقد تواترت الأحاديث بذلك.
قال ابن كثير في "النهاية": "ذكر ما ورد في الحوض النبوي المحمدي من الأحاديث المتواترة المتعددة من الطرق الكثيرة المتظاهرة، وإن رغمت أنوف كثيرة من المبتدعة المعاندة المكابرة القائلين بجحوده المنكرين لوجوده، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده، كما قال بعض السلف: من كذب بكرامة لم ينلها. ولو اطلع المنكر للحوض على ما سنورده من الأحاديث قبل مقالته؛ لم يقلها.
روي ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃؛ منهم: أبي بن كعب، وأنس بن مالك، والحسن بن علي، وحمزة بن عبد المطلب، والبراء بن عازب، وبريدة بن الحصيب، وثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وجندب بن عبد الله البجلي، وحارثة بن وهب، وحذيفة بن أسيد، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد لله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعتبة بن عبد السلمي، وعثمان بن مظعون، والمستورد، وعقبة بن عامر الجهني، والنواس بن سمعان، وأبو أمامة الباهلي، وأبو برزة الأسلمي، وأبو بكرة، وأبو ذر الغفاري، وأبو سعيد الخدري، وخولة بنت قيس، وأبو هريرة الدوسي، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة، وأم سلمة؛ ﵃ أجمعين، وامرأة حمزة عم الرسول ﷺ وهي من بني النجار ".
وقد ساق ابن كثير هذه الأحاديث مستوفاة من جميع طرقها سوى روايتي البراء بن عازب وخولة بنت قيس ﵂؛ فإنه لم يذكرهما، وقد أشار
стр. 1158
إلى رواية البراء بن عازب في بعض الروايات عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وزاد على ما تقدم ذكره خمسة أحاديث عن عمر بن الخطاب وسلمان الفارسي وسمرة بن جندب وسهل بن سعد وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵃، فمن أراد الوقوف على هذه الأحاديث؛ فليراجعها في كتاب "النهاية" لابن كثير.
وقد ذكر الهيثمي حديث خولة بنت قيس في "مجمع الزوائد"، وذكر أنها هي زوجة حمزة بن عبد المطلب ﵁، وذكر أيضا حديث البراء بن عازب ﵄، وساق جملة من الأحاديث التي ذكرها ابن كثير، وزاد معها أربعة أحاديث لم يذكرها ابن كثير، وهي عن أبي الدرداء وأبي مسعود والعرباض بن سارية وخولة بنت حكيم ﵃.
فهؤلاء مع ما ذكره ابن كثير اثنان وأربعون صحابيا رووا أحاديث الحوض عن النبي ﷺ .
الفائدة السابعة والعشرون: تطهير أهل الجنة من الطوف - وهو الغائط - ومن البول والأذى.
ويشهد لهذا ما رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد ضوء كوكب دري في السماء إضاءة؛ لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون؛ أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجاهرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، في طول ستين ذراعا» .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم أيضا، وأبو داود؛ عن جابر بن عبد الله
стр. 1159
رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون ولا يبزقون، طعامهم جشاء ورشح كرشح المسك» .
وروى: الإمام أحمد أيضا، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"؛ عن زيد بن أرقم ﵁؛ قال: «أتى النبي ﷺ رجل من اليهود، فقال: يا أبا القاسم! ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ وقال لأصحابه: إن أقر لي بهذه خصمته. قال: فقال رسول الله ﷺ : "بلى، والذي نفسي بيده؛ إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع". قال اليهودي: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة. قال: فقال النبي ﷺ : "حاجة أحدهم عرق يفيض من جلودهم مثل ريح المسك، فإذا البطن قد ضمر» .
ورواه الطبراني والبزار أيضا. قال الهيثمي: "ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح؛ غير ثمامة بن عقبة، وهو ثقة".
الفائدة الثامنة والعشرون: حبس الشمس والقمر يوم القيامة.
ويشهد لهذا ما رواه البخاري في "صحيحه" عن عبد الله الداناج؛ قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «الشمس والقمر مكوران يوم القيامة» .
ورواه البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم، ولفظه: عن عبد الله الداناج؛ قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن، فجلس إليه، فحدث؛ قال: حدثنا أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة ". فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك»
стр. 1160
«عن رسول الله ﷺ ، وتقول: وما ذنبهما؟!»
الفائدة التاسعة والعشرون: إثبات الجزاء بالحسنات والسيئات. والقرآن والسنة مملوآن من الأدلة على ذلك.
الفائدة الثلاثون: إثبات وجود الجنة والنار. والقرآن والسنة مملوآن من الأدلة على ذلك.
قال ابن كثير في "النهاية": "والجنة والنار موجودتان الآن؛ فالجنة معدة للمتقين، والنار معدة للكافرين؛ كما نطق بذلك القرآن العظيم، وتواترت بذلك الأخبار عن رسول رب العالمين. وهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة المتمسكين بالعروة الوثقى، وهي السنة، إلى قيام الساعة؛ خلافا لمن زعم أن الجنة والنار لم تخلقا بعد، وإنما تخلقان يوم القيامة. وهذا القول صدر ممن لم يطلع على الأحاديث المتفق على إخراجها في "الصحيحين" وغيرهما من كتب الإسلام المعتمدة المشهورة بالأسانيد الصحيحة والحسنة مما لا يمكن دفعه ولا رده لتواتره واشتهاره". انتهى.
الفائدة الحادية والثلاثون: ذكر أبواب الجنة وأبواب النار وما بين كل بابين من بعد المسافة.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ .
следующие страницы →