Полный текст (1 255 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثكلته أمه، رجل قتل رجلًا متعمدًا، يجيء يوم القيامة آخذًا قاتله بيمينه (أو بيساره) ، وآخذًا رأسه بيمينه (أو شماله) ، تشخب أوداجه دمًا، في قبل العرش؛ يقول: يا رب سل عبدك فيم قتلني؟» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وهذا لفظ أحمد.
وعن سعيد بن جبير؛ قال: "سألت ابن عباس ﵄، فقال: لما نزلت التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ؛ قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرم الله، ودعونا مع الله إلها آخر، وأتينا الفواحش. فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ ؛ فهذه لأولئك.
قال: وأما التي في النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ .... الآية؛ قال: الرجل إذا عرف شرائع الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا؛ فجزاؤه جهنم، لا توبة له. فذكرت هذا لمجاهد، فقال: إلا من ندم".
رواه: الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وهذا لفظ أبي داود، وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بنحو رواية أبي داود، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن زيد بن ثابت ﵁؛ قال: "نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ ، بعد التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ؛ بستة أشهر ".
رواه: أبو داود، والنسائي.
стр. 107
وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «يخرج عنق من النار يتكلم؛ يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، ومن قتل نفسًا بغير حق، فينطوي عليهم، فيقذفهم في حمراء جهنم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في "الأوسط" بإسنادين؛ قال المنذري والهيثمي: "رواة أحدهما رواة الصحيح".
ورواه البزار، ولفظه: «يخرج عنق من النار يتكلم بلسان طلق ذلق، لها عينان تبصر بهما، ولها لسان تتكلم به، فتقول: إني أمرت بمن جعل مع الله إلهًا آخر، وبكل جبار عنيد، وبمن قتل نفسًا بغير نفس، فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام» .
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
رواه: الشيخان، وأبو داود، والنسائي.
(الموبقات) : هن المهلكات.
وقد جاء ذكر قتل النفس بغير حق مع الكبائر في عدة أحاديث عن النبي ﷺ .
فرواه: الإمام أحمد، والشيخان؛ من حديث أنس ﵁. ورواه: الإمام أحمد، والنسائي؛ من حديث أبي أيوب ﵁. ورواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم؛ من حديث عمير بن قتادة ﵁. ورواه ابن جرير، وابن مردويه؛ من حديث ابن عمر ﵄. ورواه ابن
стр. 108
مردويه عن عمرو بن حزم ﵁.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ؛ قال: «لا حرج إلا في قتل مسلم (ثلاث مرات) » .
رواه الطبراني.
قال ابن الأثير: "الحرج: الضيق، ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج: أضيق الضيق". انتهى.
وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لقي الله لا يشرك به شيئًا، لم يتند بدم حرام؛ دخل الجنة» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه.
وفي رواية أحمد؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس من عبد يلقى الله ؛ لا يشرك به شيئًا، لم يتند بدم حرام؛ إلا دخل الجنة، من أي أبواب الجنة شاء» .
ورواه الحاكم في "مستدركه"، وصححه الذهبي في "تلخيصه".
وعن جرير بن عبد الله ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات لا يشرك بالله شيئًا، ولم يتند بدم حرام؛ دخل من أي أبواب الجنة شاء» .
رواه الحاكم في "مستدركه".
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «إذا أصبح إبليس؛ بث جنوده، فيقول: من أضل اليوم مسلمًا؛ ألبسته التاج. قال: فيجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته. فيقول: يوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عق والديه. فيقول: يوشك أن يبرهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك. فيقول: أنت أنت. ويجيء هذا فيقول: لم»
стр. 109
«أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت. ويلبسه التاج» .
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه".
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه» .
رواه البخاري.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: "أخبر ﷺ أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة، وذلك لأن الفساد إما في الدين وإما في الدنيا، فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير حق، ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر". انتهى.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أعتى الناس على الله من قتل في حرم الله، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات.
(الذحول) : جمع ذحل؛ بفتح الذال وسكون الحاء.
قال ابن الأثير: "الذحل: الوتر، وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح ونحو ذلك، والذحل: العداوة أيضا". انتهى.
وعن عائشة ﵂؛ قالت: وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتابان: «إن أشد الناس عتوا: رجل ضرب غير ضاربه، ورجل قتل غير قاتله، ورجل تولى غير أهل نعمته، فمن فعل ذلك فقد كفر بالله ورسوله، ولا يقبل منه صرف ولا عدل» .
стр. 110
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي شريح العدوي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ومن أعتى الناس على الله تعالى من قتل غير قاتله، أو طلب بدم في الجاهلية من أهل الإسلام، ومن يصر عينيه في النوم ما لم تبصر» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
«وعن المقداد بن الأسود ﵁: أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار، فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله. أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﷺ : "لا تقتله ". قال: فقلت: يا رسول الله إنه قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟ قال رسول الله ﷺ : "لا تقتله؛ فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي.
«وعن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه؛ قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته. قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال لي: يا أسامة أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ . قال: قلت: يا رسول الله! إنما كان متعوذًا. قال: فقال: "أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ " قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي.
стр. 111
وفي رواية لمسلم: فقال رسول الله ﷺ : «أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ "» .
وقد رواه ابن إسحاق من حديث أسامة بن محمد بن أسامة عن أبيه عن جده أسامة ﵁ بنحوه، وزاد فيه: «فقلت: إني أعطي الله عهدًا أن لا أقتل رجلًا يقول لا إله إلا الله أبدًا. فقال: بعدي يا أسامة. فقلت: بعدك» .
وعن صفوان بن محرز: أنه حدث «أن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة ابن الزبير، فقال: اجمع لي نفرا من إخوانك حتى أحدثهم، فبعث رسولا إليهم، فلما اجتمعوا جاء جندب وعليه برنس أصفر، فقال: تحدثوا بما كنتم تحدثون به، حتى دار الحديث، فلما دار الحديث إليه حسر البرنس عن رأسه، فقال: إني أتيتكم ولا أريد إلا أن أخبركم أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا من المسلمين إلى قوم من المشركين، وإنهم التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإن رجلًا من المسلمين قصد غفلته - قال: وكنا نحدث أنه أسامة بن زيد - فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله. فقتله، فجاء البشير إلى النبي ﷺ فسأله، فأخبره حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله، فقال: "لم قتلته؟ ". قال: يا رسول الله أوجع في المسلمين، وقتل فلانًا وفلانًا (وسمى له نفرًا) ، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله. قال رسول الله ﷺ : "أقتلته؟ ". قال: نعم. قال: "فكيف تصنع بـ (لا إله إلا الله) إذا جاءت يوم القيامة؟ ". قال: يا رسول الله استغفر لي. قال: "وكيف تصنع بـ (لا إله إلا الله) إذا جاءت يوم القيامة؟» .
стр. 112
رواه: مسلم.
وعن عقبة بن مالك الليثي ﵁؛ قال: «بعث رسول الله ﷺ سرية، فأغارت على قوم، فشذ من القوم رجل، فأتبعه رجل من السرية شاهرًا سيفه، فقال الشاذ من القوم: إني مسلم! فلم ينظر فيما قال، فقتله، فنمي الحديث إلى رسول الله ﷺ ، فقال فيه قولًا شديدًا، فبلغ القاتل، فبينا رسول الله ﷺ يخطب؛ إذ قال القاتل: والله ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل. قال: فأعرض رسول الله ﷺ عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته. ثم قال أيضًا: يا رسول الله! ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل. فأعرض عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته. ثم لم يصبر حتى قال الثالثة: والله يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل، فأقبل عليه رسول الله ﷺ تعرف المساءة في وجهه، فقال: إن الله أبى على من قتل مؤمنًا (ثلاثًا) » .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، وأبو يعلى، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير بشر بن عاصم الليثي، وهو ثقة".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: «بعث النبي ﷺ محلم بن جثامة مبعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ ، فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله! سن اليوم وغير غدًا. فقال عيينة: لا والله؛ حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي. فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال له النبي ﷺ : "لا غفر الله لك ". فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة؛ حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاءوا إلى النبي ﷺ ، فذكروا ذلك له، فقال: "إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم". ثم طرحوه»
стр. 113
«بين صدفي جبل، وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ ... الآية» .
«وعن عمران بن الحصين ﵄؛ قال: أتى نافع بن الأزرق وأصحابه، فقالوا: هلكت يا عمران! قال: ما هلكت. قالوا: بلى. قال: ما الذي أهلكني؟ قالوا: قال الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ . قال: قد قاتلناهم حتى نفيناهم، فكان الدين كله لله، إن شئتم حدثتكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ . قالوا: وأنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم؛ شهدت رسول الله ﷺ وقد بعث جيشًا من المسلمين إلى المشركين، فلما لقوهم قاتلوهم قتالًا شديدًا، فمنحوهم أكتافهم، فحمل رجل من لحمتي على رجل من المشركين بالرمح، فلما غشيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ إني مسلم. فطعنه فقتله، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! هلكت. قال: "وما الذي صنعت؟ (مرة أو مرتين) " فأخبره بالذي صنع، فقال له رسول الله ﷺ : "فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه! ". قال: يا رسول الله! لو شققت بطنه لكنت أعلم ما في قلبه؟ قال: "فلا أنت قبلت ما تكلم به، ولا أنت تعلم ما في قلبه". قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ ، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات، فدفناه، فأصبح على ظهر الأرض، فقالوا: لعل عدوًا نبشه! فدفناه، ثم أمرنا غلماننا يحرسونه، فأصبح على ظهر الأرض، فقلنا: لعل الغلمان نعسوا! فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا، فأصبح على ظهر الأرض، فألقيناه في بعض تلك الشعاب» .
رواه ابن ماجه، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وفي رواية له عن عمران بن الحصين ﵄؛ قال: «بعثنا رسول»
стр. 114
«الله ﷺ في سرية؛ فحمل رجل من المسلمين على رجل من المشركين (فذكر الحديث وزاد فيه:) فنبذته الأرض، فأخبر النبي ﷺ وقال: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه، ولكن الله أحب أن يريكم تعظيم حرمة لا إله إلا الله» .
إسناده حسن.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك! ما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك؛ ماله ودمه وأن نظن به إلا خيرًا» .
رواه ابن ماجه، وإسناده حسن.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقتل نفس ظلمًا؛ إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
باب
ما جاء فيمن أمر بقتل مسلم
عن مرثد بن عبد الله المزني عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ؛ قال: سئل رسول الله ﷺ عن القاتل والآمر؟ فقال: «قسمت النار سبعين جزءًا؛ فللآمر تسعة»
стр. 115
«وستون، وللقاتل جزء، وحسبه» .
رواه الإمام أحمد.
قال الهيثمي: "ورجاله رجال صحيح؛ غير محمد بن إسحاق، وهو ثقة، ولكنه مدلس".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله جزأ النار سبعين جزءًا، تسعة وستون للآمر، وجزء للقاتل، وحسبه» .
رواه الطبراني في "الصغير"، وفي إسناده ضعف.
وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «يؤتى بالقاتل والمقتول يوم القيامة، فيقول: أي رب! سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: أي رب! أمرني هذا. فيؤخذ بأيديهما جميعًا، فيقذفان في النار» .
رواه الطبراني.
قال الهيثمي: " رجاله كلهم ثقات".
وعنه ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ : «يقعد المقتول بالجادة، فإذا مر به القاتل أخذه، فيقول: يا رب! هذا قطع علي صومي وصلاتي. قال: "فيعذب القاتل والآمر به» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه شهر بن حوشب، وقد وثق، وفيه ضعف".
قلت: قد وثقه أحمد وابن معين وحسبك بتوثيقهما، ووثقه أيضا العجلي والفسوي، وقال أبو زرعة: "لا بأس به"، وروى له مسلم مقرونا بغيره، واحتج به غير واحد، وعلى هذا فحديثه صحيح إن شاء الله.
стр. 116
باب
ما جاء فيمن أعان على قتل مسلم
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة؛ لقي الله مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، والأصبهاني، وزاد: "قال سفيان بن عيينة: هو أن يقول: اق؛ يعني: لا يتم كلمة اقتل".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة؛ كتب بين عينيه يوم القيامة: آيس من رحمة الله» .
رواه البيهقي.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرك في دم حرام بشطر كلمة؛ جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن خراش؛ ضعفه البخاري وجماعة، ووثقه ابن حبان وقال: ربما أخطأ، وبقية رجاله ثقات".
باب
النهي عن حضور قتل المسلم
عن خرشة بن الحر ﵁ وكان من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ ؛ قال: «لا يشهد أحدكم قتيلًا؛ لعله أن يكون قتل مظلومًا فتصيبه»
стр. 117
«السخطة» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني؛ إلا أنه قال: «فعسى أن يقتل مظلومًا، فتنزل السخطة عليهم، فتصيبه معهم» . قال المنذري: "رجال أحمد والبزار رجال الصحيح؛ خلا ابن لهيعة ". وقال الهيثمي: "فيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية رجال أحمد والطبراني رجال الصحيح".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقفن أحدكم موقفًا يقتل فيه رجل ظلمًا؛ فإن اللعنة تنزل على كل من حضر حين لم يدفعوا عنه، ولا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجل ظلمًا؛ فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه» .
رواه: الطبراني، والبيهقي. قال المنذري: "وإسناده حسن".
باب
ما يرجى للمقتول من الرحمة
عن عبد الرحمن بن سميرة؛ قال: كنت أمشي مع عبد الله بن عمر ﵄؛ فإذا نحن برأس منصوب على خشبة. قال: فقال: شقي قاتل هذا. قال: قلت: أنت تقول هذا يا أبا عبد الرحمن؟ ! قال: فشد يده من يدي، وقال أبو عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مشى الرجل من أمتي إلى الرجل ليقتله؛ فليقل هكذا؛ فالمقتول في الجنة، والقاتل في النار» .
رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح؛ خلا عبد الرحمن بن سميرة، وقد وثقه ابن حبان.
ورواه أبو داود في "سننه"، ولفظه: قال: كنت آخذا بيد ابن عمر رضي
стр. 118
الله عنهما في طريق من طرق المدينة؛ إذ أتى على رأس منصوب، فقال: شقي قاتل هذا. فلما مضى قال: وما أرى هذا إلا قد شقي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مشى إلى رجل من أمتي ليقتله؛ فليقل هكذا؛ فالقاتل في النار، والمقتول في الجنة» .
إسناده جيد، رواته رواة الصحيح؛ خلا عبد الرحمن بن سميرة، وهو ثقة.
ورواه الطبراني في "الأوسط"، ولفظه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مشى الرجل إلى الرجل، فقتله؛ فالمقتول في الجنة، والقاتل في النار» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال صحيح".
وفي رواية لأحمد: أن ابن عمر ﵄ رأى رأسا، فقال: قال رسول الله ﷺ : «ما يمنع أحدكم إذا جاء من يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم: القاتل في النار، والمقتول في الجنة» .
إسناده جيد.
«وعن سعيد بن زيد ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنا كقطع الليل المظلم - أراه قال: قد يذهب فيها الناس أسرع ذهاب - قال: فقيل: أكلهم هالك أم بعضهم؟ قال: "حسبهم (أو: بحسبهم) القتل» .
رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات.
ورواه أبو داود بإسناد جيد، ولفظه: «قال: كنا عند النبي ﷺ ، فذكر فتنة، فعظم أمرها، فقلنا (أو قالوا) : يا رسول الله! لئن أدركتنا هذه لتهلكنا! فقال رسول الله ﷺ : "كلا؛ إن بحسبكم القتل» . قال سعيد: فرأيت إخواني قتلوا.
ورواه ابن أبي شيبة بنحوه.
стр. 119
وعن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أمتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة عذاب؛ إنما عذابها في الدنيا: القتل، والبلابل، والزلازل» .
رواه الإمام أحمد وأبو داود، وفيه المسعودي: روى له البخاري تعليقا، ووثقه أحمد وابن معين وابن المديني، وذكر أحمد وأبو حاتم أنه تغير في آخر عمره، وبقية رواته ثقات.
وعن أبي بردة؛ قال: بينا أنا واقف في السوق في إمارة زياد؛ ضربت بإحدى يدي على الأخرى تعجبا، فقال رجل من الأنصار قد كانت لوالده صحبة مع رسول الله ﷺ : مما تعجب يا أبا بردة؟ قلت: أعجب من قوم دينهم واحد، ونبيهم واحد، ودعوتهم واحدة، وحجهم واحد، وغزوهم واحد؛ يستحل بعضهم قتل بعض. قال: فلا تعجب؛ فإني سمعت والدي أخبرني: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن أمتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذاب إنما عذابها في القتل والزلازل والفتن» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قلت: وفيه رجل لم يسم؛ ففي تصحيحهما له نظر.
وعن أبي بردة أيضا؛ قال: كنت عند عبيد الله بن زياد، فأتي برؤوس خوارج، فكلما مروا عليه برأس؛ قال: إلى النار. فقال له عبد الله بن يزيد: أولا تدري؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عذاب هذه الأمة جعل بأيديها في دنياها» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
стр. 120
وهذه الأحاديث تدل على أن المقتول ظلما ترجى له المغفرة؛ بخلاف القاتل، ومن قتل وكان حريصا على قتل صاحبه؛ فقد تقدمت الأحاديث الصحيحة أن كلا منهما في النار، وقد ذكرتها في باب تحريم قتال المسلمين، وهي لا تعارض بمثل هذه الأحاديث. والله أعلم.
باب
ما جاء في القتال على الملك وفيمن أعان على ذلك
عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «شر قتيل بين صفين أحدهما يطلب الملك» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عبد الأول أبو نعيم، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
«وعن ثروان بن ملحان؛ قال: كنا جلوسًا في المسجد، فمر علينا عمار بن ياسر، فقلنا له: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في الفتنة، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون بعدي قوم يأخذون الملك، يقتل عليه بعضهم بعضًا» . قال: قلنا له: لو حدثنا غيرك ما صدقناه. قال: فإنه سيكون.
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير ثروان، وهو ثقة".
وعن سعيد بن جبير؛ قال: "خرج علينا عبد الله بن عمر ﵄، فرجونا أن يحدثنا حديثا حسنا. قال: فبادرنا إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن! حدثنا عن القتال في الفتنة والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ . فقال: هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان محمد ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك".
стр. 121
رواه: الإمام أحمد، والبخاري.
وعن أبي المنهال؛ قال: "لما كان ابن زياد ومروان بالشام، ووثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية له من قصب، فجلسنا إليه، فأنشأ أبي يستطعمه الحديث، فقال: يا أبا برزة! ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ حتى بلغ بكم ما ترون هذه الدنيا التي أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله؛ إن يقاتل إلا على الدنيا".
رواه البخاري.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق عبد الله - وهو ابن المبارك -: أنبأنا عوف عن أبي المنهال عن أبي برزة الأسلمي ﵁؛ قال: "إن ذلك الذي بالشام (يعني: مروان) والله؛ إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن ذلك الذي بمكة (يعني: ابن الزبير) إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن الذين تدعونهم قراءكم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا". فقال له أبي: فما تأمرنا إذا؟ قال: "لا أرى خير الناس إلا عصابة ملبدة - وقال بيده - خماص البطون من أموال الناس خفاف الظهور من دمائهم".
وعن نافع عن ابن عمر ﵄: "أنه قال لرجل يسأله عن القتال مع الحجاج أو مع ابن الزبير؟ فقال له ابن عمر ﵄: مع أي الفريقين قاتلت فقتلت؛ ففي لظى".
стр. 122
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة بن اليمان ﵄: أنه قال: "اتقوا فرقتين تقتتلان على الدنيا؛ فإنهما يجران إلى النار جرا".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن نافع عن ابن عمر ﵄: "أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير؛ فقالا: إن الناس صنعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. فقالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله".
رواه البخاري.
وفي رواية له عن ابن عمر ﵄: "أن رجلا جاءه، فقال: يا أبا عبد الرحمن! ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إلى آخر الآية؛ فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا أخي! أغتر بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من أن أغتر بهذه الأمة التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ ..... إلى آخرها. قال: فإن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ . قال ابن عمر ﵄: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه: إما يقتلوه، وإما يوثقوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة".
وعن أبي ظبيان عن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في سرية (فذكر الحديث، وفي آخره) قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين؛ يعني: أسامة. قال: قال رجل: ألم يقل»
стр. 123
«الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ؟ فقال سعد ﵁: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة» .
رواه مسلم.
وعن ابن سيرين؛ قال: "لما قيل لسعد بن أبي وقاص ﵁: ألا تقاتل؛ فإنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟ قال: لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان، يعرف المؤمن من الكافر؛ فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
قلت: ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن قيس بن أبي حازم وعامر الشعبي؛ قالا: "قال مروان بن الحكم لأيمن بن خريم - يعني: الأسدي -: ألا تخرج فتقاتل معنا؟ فقال: إن أبي وعمي شهدا بدرا، وإنهما عهدا إلي أن لا أقاتل أحدا يقول: لا إله إلا الله، فإن أنت جئتني ببراءة من النار قاتلت معك. قال: فاخرج عنا. قال: فخرج وهو يقول:
ولست بقاتل رجلا يصلي ... على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلي إثمي ... معاذ الله من جهل وطيش
أأقتل مسلما في غير جرم ... فليس لنافعي ما عشت عيشي
" رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
стр. 124
وقد رواه أبو يعلى والطبراني من حديث عامر الشعبي، قال الهيثمي: "ورجال أبي يعلى رجال الصحيح؛ غير زكريا بن يحيى رحمويه، وهو ثقة".
وعن أبي عمران - وهو الجوني - قال: قلت لجندب: إني قد بايعت هؤلاء -يعني: ابن الزبير - وإنهم يريدون أن أخرج معهم إلى الشام. فقال: أمسك. فقلت: إنهم يأبون. قال: افتد بمالك. فقلت: إنهم يأبون إلا أن أضرب معهم بالسيف. فقال جندب: حدثني فلان أن رسول الله ﷺ قال: «يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة، فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ (قال شعبة: وأحسبه قال:) فيقول: علام قتلته؟ فيقول: قتلته على ملك فلان» . قال: فقال جندب: فاتقها.
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وقد روى النسائي المرفوع منه فقط، ورواته كلهم ثقات.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «يجيء الرجل آخذا بيد الرجل، فيقول: يا رب! هذا قتلني. فيقول الله له: لم قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العزة لك. فيقول: فإنها لي. ويجيء الرجل آخذا بيد الرجل، فيقول: إن هذا قتلني. فيقول الله له: لم قتلته. فيقول: لتكون العزة لفلان. فيقول: إنها ليست لفلان. فيبوء بإثمه» .
رواه النسائي بإسناد حسن.
وقد رواه ابن مردويه، وزاد في آخره: "قال: فيهوي في النار سبعين خريفا".
وعن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من شر الناس»
стр. 125
«منزلة عند الله يوم القيامة عبد أذهب آخرته بدنيا غيره» .
رواه ابن ماجه بإسناد حسن.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي على الناس زمان، يخير فيه الرجل بين العجز والفجور، فمن أدرك ذلك الزمان؛ فليختر العجز على الفجور» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى؛ عن شيخ عن أبي هريرة، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وقد رواه الحاكم من هذا الوجه من وجه آخر، وسمى المبهم فيه سعيد بن أبي خيرة، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
تسليط الظلمة على الظلمة
عن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يقول: أنتقم ممن أبغض بمن أبغض، ثم أصير كلا إلى النار» .
رواه الطبراني في "الأوسط"، وفي إسناده ضعف.
باب
النهي عن القتال في الفتنة
تقدم فيه أحاديث كثيرة في (باب ذكر الفتن والتحذير منها) ؛ فلتراجع. وتقدم أيضا في (باب القتال على الملك) أحاديث كثيرة في ذلك.
стр. 126
وعن حميد بن هلال؛ قال: "لما هاجت الفتنة؛ قال عمران بن حصين ﵄ لحجير بن الربيع العدوي: اذهب إلى قومك فانههم عن الفتنة. قال: إني لمغموز فيهم وما أطاع. قال: فأبلغهم عني وانههم عنها".
قال: "وسمعت عمران ﵃ يقسم بالله: لأن أكون عبدا حبشيا أسود في أعنز خصبات في رأس جبل أرعاهن حتى يدركني أجلي أحب إلي من أن أرمي أحد الصفين بسهم أخطأت أم أصبت".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن ابن مسعود ﵁؛ قال: "إذا وقع الناس في الفتنة، فقالوا: اخرج لك بالناس أسوة! فقل: لا أسوة لي بالشر".
رواه الطبراني:. قال الهيثمي: "وفيه حديج بن معاوية، وثقه أحمد وغيره، وضعفه جماعة".
قلت: لم ينص أحمد على توثيقه، وإنما ذكر المزي والذهبي وابن حجر وغيرهم عن أحمد: أنه قال فيه: "لا أعلم إلا خيرا "، وهذا ليس بتوثيق، وإنما هو إخبار عن كونه مستور الحال.
وعن يحيى بن حبان: أنه كان مع عبد الله بن عمر ﵄، وأن عبد الله بن عمر ﵄ قال له في الفتنة: لا ترون القتل شيئا؟ ! قال رسول الله ﷺ للثلاثة: «لا ينتجي اثنان دون صاحبهما» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير يحيى بن حبان، ووثقه ابن حبان ".
ومراد ابن عمر ﵄ تعظيم القتال في الفتنة، وأنه إذا كان رسول الله ﷺ نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يؤذيه؛ فكيف بقتال المسلمين وإراقة دمائهم؟ !
стр. 127
باب
النهي عن تكثير السواد في الفتن
عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من كثر سواد قوم؛ فهو منهم، ومن رضي عمل قوم؛ كان شريك من عمل به» .
رواه أبو يعلى.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وله شاهد عن أبي ذر ﵁ في "الزهد" لابن المبارك غير مرفوع".
وعن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود؛ قال: "قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس ﵄، فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس ﵄: أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ ، يأتي السهم، فيرمى به، فيصيب أحدهم، فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية ".
رواه البخاري.
وعن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض؛ يخسف بأولهم وآخرهم. قالت: قلت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ ! قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم» .
متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
قال المهلب: "في هذا الحديث أن من كثر سواد قوم في المعصية مختارا أن العقوبة تلزمه معهم".
стр. 128
وقال النووي: "في هذا الحديث من الفقه: التباعد من أهل الظلم، والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين؛ لئلا يناله ما يعاقبون به. وفيه أن من كثر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا ". انتهى.
باب
قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
عن مطرف - وهو ابن عبد الله بن الشخير - قال: قلنا للزبير ﵁: يا أبا عبد الله! ما جاء بكم؟ ! ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه؟ ! قال الزبير: "إنا قرأناها على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت".
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
وعن الحسن؛ قال: قال الزبير بن العوام ﵁: "نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع رسول الله ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ، فجعلنا نقول: ما هذه الفتنة؟ ! وما نشعر أنها تقع حيث وقعت".
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ؛ قال: "هي أيضا لكم".
رواه ابن جرير.
وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
стр. 129
قال: "أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب ".
رواه ابن جرير.
قال ابن كثير: "وهذا تفسير حسن جدا". قال: "والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم، وإن كان الخطاب معهم، هو الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن ". انتهى.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ : «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس» . فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟ ! فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف.
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فقال: «أحصوا لي كم يلفظ بالإسلام. فقلنا: يا رسول الله! أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة والسبعمائة. قال: "إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا ". فابتلينا، حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرًا» .
ورواه ابن أبي شيبة بهذا اللفظ.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "يشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان ﵁ من ولاية بعض أمراء الكوفة؛ كالوليد بن عقبة؛ حيث كان يؤخر الصلاة أو لا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرا ثم يصلي معه خشية من وقوع الفتنة. وقيل: كان ذلك حين أتم عثمان الصلاة في السفر، وكان بعضهم يقصر سرا وحده خشية الإنكار عليه. ووهم من قال: إن ذلك كان أيام قتل عثمان؛ لأن حذيفة لم يحضر ذلك.
стр. 130
وفي ذلك علم من أعلام النبوة؛ لما فيه من الإخبار بالشيء قبل وقوعه، وقد وقع أشد من ذلك بعد حذيفة في زمن الحجاج وغيره". انتهى.
وقول من قال: إن ذلك كان أيام قتل عثمان ﵁؛ محتمل؛ لأن حذيفة ﵁ بقي بعد قتل عثمان ﵁ أربعين يوما أو نحوها. والله أعلم.
باب
قول الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾
عن جابر ﵁؛ قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ ؛ قال رسول الله ﷺ : "أعوذ بوجهك"، قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ ؛ قال: "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ؛ قال رسول الله ﷺ : "هذا أهون (أو: هذا أيسر) » .
رواه: البخاري، والنسائي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن مردويه، وابن حبان في "صحيحه".
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁؛ قال: «أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل، فصلى ركعتين، وصلينا معه، وناجى ربه طويلا؛ قال: سألت ربي ثلاثًا: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة، وابن حبان.
стр. 131
وعن جابر بن عتيك ﵁: أنه قال: «جاءنا عبد الله بن عمر ﵄ في حرة بني معاوية (قرية من قرى الأنصار) ، فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله ﷺ في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم. فأشرت إلى ناحية منه. فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ فقلت: نعم. فقال: أخبرني بهن. فقلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها. قال: صدقت؛ فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة» .
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: «خرجت مع رسول الله ﷺ إلى حرة بني معاوية. قال: فصلى ثماني ركعات، فأطال فيهن، ثم التفت إلي، فقال: "حبستك يا حذيفة؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "إني سألت الله ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًا من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني» .
رواه: ابن إسحاق، وابن مردويه من طريقه.
وعن جابر بن عتيك ﵁؛ قال: «سأل رسول الله ﷺ في مسجد بني معاوية ثلاثًا، فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة: سأله أن لا يهلك أمته جوعًا وأن لا يظهر عليهم عدوًا فأعطيهما، وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها» .
رواه الطبراني بإسناد فيه ضعف.
«وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقيل لي: خرج قبل. قال: فجعلت لا أمر بأحد؛ إلا قال: مر قبل، حتى مررت، فوجدته قائما يصلي. قال: فجئت حتى قمت خلفه. قال: فأطال الصلاة، فلما قضى»
стр. 132
«صلاته؛ قلت: يا رسول الله! قد صليت صلاة طويلة. فقال رسول الله ﷺ : إني صليت صلاة رغبة ورهبة، إني سألت الله ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أمتي غرقًا فأعطاني، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوًا ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها علي» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه. ورواته كلهم ثقات.
وعن أبي مالك الأشجعي عن نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه - وكان من أصحاب الشجرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى والناس حوله صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود. قال: فجلس يوما فأطال الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض: أن اسكتوا؛ إنه ينزل عليه، فلما فرغ قال له بعض القوم: يا رسول الله! لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض أنه ينزل عليك. قال: لا؛ ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله فيها ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدوًا يستبيحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعًا وأن لا يذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها» . قال أبو مالك: فقلت له: أبوك سمعها من النبي ﷺ ؟ قال: نعم، سمعته يقول إنه سمعها من رسول الله ﷺ عدد أصابعي هذه العشر الأصابع.
رواه: ابن جرير، وابن مردويه، والبزار، والطبراني؛ بأسانيد، قال الهيثمي: "ورجال بعضها رجال الصحيح؛ غير نافع بن خالد ". وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد.
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات، فلما انصرف؛ قال: إني صليت صلاة رغبة ورهبة، وسألت ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يبتلي»
стр. 133
«أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعًا فأبى علي» . رواه: الإمام أحمد، والنسائي. ورواته كلهم ثقات.
وعن خباب بن الأرت ﵁؛ قال: «وافيت رسول الله ﷺ في ليلة صلاها كلها حتى كان مع الفجر، فسلم رسول الله ﷺ من صلاته، فقلت: يا رسول الله! لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها. فقال رسول الله ﷺ : "أجل؛ إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يظهر علينا عدوًا من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن حبان في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". قال: "وفي الباب عن سعد وابن عمر ﵃ ".
وعن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك: أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبرقاني في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
стр. 134
وزاد أحمد وأبو داود وابن ماجه والبرقاني: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» .
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بهذه الزيادة، وبزيادة أكثر منها، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن شداد بن أوس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين: الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا ممن سواهم فيهلكهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا وبعضهم يقتل بعضًا وبعضهم يسبي بعضًا» . قال: وقال النبي ﷺ : «إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي؛ لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة» .
رواه: الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه أيضا: ابن جرير، والبزار، وابن مردويه.
وعن أبي بصرة الغفاري ﵁: «أن رسول الله ﷺ قال: سألت»
стр. 135
«ربي أربعًا، فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوًا من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض؛ فمنعنيها» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. وفيه راو لم يسم.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «سألت ربي لأمتي أربع خلال، فمنعني واحدة وأعطاني ثلاثًا: سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وقد رواه: ابن أبي حاتم، وابن مردويه؛ بنحوه.
ورواه ابن مردويه أيضا مختصرا، ولفظه: «سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًا من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاني، وسألته أن لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعني» .
ورواه البزار بنحوه.
وعن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «سألت ربي ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. فقلت: يا رب! لا تهلك أمتي جوعًا. فقال: هذه لك. قلت: يا رب! لا تسلط عليهم عدوًا من غيرهم (يعني: أهل»
стр. 136
«الشرك) فيجتاحهم. قال: ذلك لك. قلت: يا رب! لا تجعل بأسهم بينهم. قال: فمنعني هذه» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه أبو حذيفة الثعلبي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «دعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع الله عنهم ثنتين، وأبي علي أن يرفع عنهم ثنتين: دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين: القتل والهرج» .
رواه ابن مردويه.
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «تزعمون أني من آخركم وفاة، ألا وإني من أولكم وفاة، وستتبعوني أفنادًا، يضرب بعضكم رقاب بعض» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، وابن حبان في "صحيحه".
قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح".
وقد رواه ابن عساكر في "تاريخه" بنحوه، قال في "كنز العمال": "ورجاله ثقات".
وعن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
رواه: أبو يعلى، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجالهما ثقات".
وعن سلمة بن نفيل السكوني ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ستأتوني أفنادًا يفني بعضكم بعضًا» ... الحديث.
стр. 137
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والبزار، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ وهو يوحى إليه، فقال: «إني غير لابث فيكم ولستم لابثين بعدي إلا قليلًا، وستأتوني أفنادًا يفني بعضكم بعضًا، وبين يدي الساعة موتان شديد، وبعده سنوات الزلازل» .
باب
ابتداء ظهور الفتن من العراق وكثرتها فيه وفيما يليه من المشرق
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم» .
رواه: الإمام أحمد والشيخان، والترمذي.
وعن نافع عن ابن عمر ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: «ألا إن الفتنة هاهنا، ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وفي رواية لمسلم عن نافع عن ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ قام عند باب حفصة، فقال بيده نحو المشرق: الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان؛ قالها مرتين أو ثلاثا» . وقال عبيد الله بن سعيد - وهو أحد شيوخ مسلم - في روايته: «قام رسول الله ﷺ عند باب عائشة» . ورواه الإمام
стр. 138
أحمد، وقال: «كان قائما عند باب عائشة» .
وقد رواه: مالك، وأحمد، والبخاري؛ من حديث عبد الله بن دينار: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: «قال رسول الله ﷺ ، وأشار بيده نحو المشرق فقال: "ها إن الفتن من هاهنا، إن الفتن من هاهنا، إن الفتن من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» .
هذا لفظ إحدى روايات أحمد.
ورواه: الإمام أحمد أيضا، والشيخان، والترمذي؛ من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ : أنه قام إلى جنب المنبر، فقال: «الفتنة هاهنا الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان (أو قال: قرن الشمس) » .
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: أن رسول الله ﷺ قال وهو مستقبل المشرق: «ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» .
وفي رواية الترمذي: قام رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: «هاهنا أرض الفتن (وأشار إلى المشرق) حيث يطلع قرن الشيطان (أو قال: قرن الشمس) » .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم أيضا؛ من حديث حنظلة (وهو ابن أبي سفيان المكي) ؛ قال: سمعت سالما يقول: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: «سمعت رسول الله ﷺ يشير بيده نحو المشرق ويقول: ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع الشيطان قرنيه» .
هذا لفظ أحمد.
وفي رواية له أخرى عن حنظلة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر
стр. 139
رضي الله عنهما؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده يؤم العراق: ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا (ثلاث مرات) من حيث يطلع قرن الشيطان» .
وفي هذه الرواية فائدة جليلة، وهي البيان بأن منشأ الفتن من جهة العراق لا من جهة نجد التي هي أرض العرب؛ ففيها رد على من زعم من الزنادقة أن المراد بذلك أرض العرب.
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم أيضا؛ من حديث عكرمة بن عمار عن سالم عن ابن عمر ﵄؛ قال: «خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة ﵂، فقال: رأس الكفر هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان؛ يعني: المشرق» .
ورواه مسلم أيضا من حديث ابن فضيل عن أبيه؛ قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر ﵄ يقول: يا أهل العراق! ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الفتنة تجيء من هاهنا (وأومأ بيده نحو المشرق) ، من حيث يطلع قرنا الشيطان» ، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ .
وعن أبي مسعود البدري ﵁ يبلغ به النبي ﷺ ؛ قال: «من هاهنا جاءت الفتن (نحو المشرق) ، والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر عند أصول أذناب الإبل والبقر، في ربيعة ومضر» .
رواه البخاري.
وعن ابن عون عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال:
стр. 140
«اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: وفي نجدنا. قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا". قالوا: وفي نجدنا. قال: "هنالك الزلازل والفتن، منها (أو قال: بها) يطلع قرن الشيطان» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث عبد الرحمن بن عطاء عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا (مرتين) . فقال: رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : من هنالك يطلع قرن الشيطان، ولها تسعة أعشار الشر» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ غير عبد الرحمن بن عطاء، وهو ثقة، وفيه خلاف لا يضر".
وقد رواه الطبراني في "الأوسط"، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «"اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا". فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله! فقال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا". فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله! فقال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، إن من هنالك يطلع قرن الشيطان، وبه تسعة أعشار الكفر، وبه الداء العضال» .
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث بشر بن حرب: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"اللهم بارك لنا في مدينتا، وفي صاعنا، ومدنا، ويمننا، وشامنا". ثم استقبل مطلع الشمس فقال: "من هاهنا يطلع قرن الشيطان، من هاهنا الزلازل والفتن» .
وعن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن عمر ﵁؛ قال: إن النبي ﷺ قال: «"اللهم بارك في صاعنا وفي مدنا"، فرددها ثلاث مرات، فقال»
стр. 141
«رجل: يا رسول الله! ولعراقنا. فقال رسول الله ﷺ : "بها الزلازل والفتن، ومنها يطلع قرن الشيطان» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن سالم عن أبيه ﵁: أن النبي ﷺ قال: «"اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مكتنا، وبارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا، وبارك لنا في صاعنا ومدنا". فقال رجل: يا رسول الله! وفي عراقنا. فأعرض عنه، فقال: "فيها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن ابن عمر ﵄ أيضا؛ قال: صلى رسول الله ﷺ الفجر، ثم أقبل على القوم، فقال: «"اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا". فقال رجل: والعراق يا رسول الله! قال: "من ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «دعا نبي الله ﷺ ، فقال: "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا". فقال رجل من القوم: يا نبي الله! وعراقنا. قال: "إن بها قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق» .
رواه الطبراني في "الكبير". قال المنذري والهيثمي: "ورواته ثقات".
وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يخرج إلى العراق، فقال له كعب الأحبار: "لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين! فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال".
стр. 142
ذكره في "الموطأ".
وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه؛ قال: "أراد عمر ﵁ أن يسكن العراق، فقال له كعب: لا تفعل؛ فإن فيها الدجال، وبها مردة الجن، وبها تسعة أعشار السحر، وبها كل داء عضال"؛ يعني: الأهواء.
قال الخطابي: " (القرن) : الأمة من الناس يحدثون بعد فناء آخرين، وقرن الحية: أن يضرب المثل فيما لا يحمد من الأمور".
نقله عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"؛ قال: "وقال غيره: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به. وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة. وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة؛ كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور؛ فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة".
قال الحافظ ابن حجر: "وعرف بهذا وهاء ما قاله الداوودي أن نجدا من ناحية العراق؛ فإنه توهم أن نجدا موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا والمنخفض غورا".
قلت: وقد تقدم ما رواه سالم عن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده يؤم العراق: "ها إن الفتنة هاهنا....» الحديث، وهذه الرواية فيها تعيين المراد مما أبهم في غيرها من الروايات؛ كقولهم: "وفي نجدنا "، وقولهم: "وفي مشرقنا"؛ فالمراد بذلك كله أرض العراق وما يليه من المشرق.
стр. 143
وقد وقع مصداق ذلك، فكان قتل عثمان ﵁ على أيدي أهل العراق ومن مالأهم من أجلاف أهل مصر، وبقتله انفتح باب الفتن إلى يوم القيامة. وكانت في العراق أيضا وقعة الجمل وصفين وقتل فيه الحسين بن علي ﵄ وأصحابه. وكانت فيه أيضا فتنة المختار وفتنة الحجاج وغير ذلك من الفتن العظيمة. وكذلك كانت فتنة بني العباس ودعاتهم في العراق وخراسان. وكذلك فتن الأهواء المضلة؛ فكلها ظهرت أول ما ظهرت بأرض العراق؛ كفتنة الخوارج، والرافضة، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، ثم انتشرت بعد ذلك في أرجاء الأرض، وآخر ذلك فتنة المسيح الدجال، وهي أعظم فتنة تكون على وجه الأرض، وقد جاء في بعض الأحاديث: أنه يخرج من خراسان، وفي بعضها: أنه يخرج من العراق، وستأتي الأحاديث بذلك في ذكر الدجال إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا؛ فيحتمل أنه ﷺ أراد بقوله: «قرني الشيطان» : أول الفتن وآخرها وما بين ذلك من الفتن العظيمة، ويحتمل أنه أراد بذلك فتنة الهرج وفتنة الأهواء المضلة. والله أعلم بمراد رسوله ﷺ .
باب
أمان الناس من الفتن في حياة عمر بن الخطاب ﵁
عن ربعي - وهو ابن حِراش - عن حذيفة ﵁؛ قال: كنا عند عمر ﵁، فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا. قال:
стр. 144
أنت لله أبوك. قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادًا كالكوز مُجْخِيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا؛ إلا ما أشرب من هواه» . قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسرا لا أبا لك؟ ! فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قلت: لا بل يكسر. وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت؛ حديثا ليس بالأغاليط.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو نعيم في "الحلية".
وعن أبي وائل شقيق بن سلمة عن حذيفة ﵁؛ قال: كنا عند عمر ﵁، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ قال: فقلت: أنا. قال: إنك لجريء، وكيف قال؟ قال: قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» . فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر. قال: فقلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ ! إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت: لا؛ بل يكسر. قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدا. قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم؛ كما يعلم أن دون غد الليلة؛ إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط. قال: فَهِبْنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله. فسأله، فقال: عمر.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه. وهذا لفظ مسلم.
стр. 145
وفي رواية أبي داود الطيالسي: "فقال عمر: فأخبرني عن الباب؛ يكسر كسرا أم يفتح فتحا؟ قال: بل يكسر كسرا. فقال عمر: إذا لا يغلق إلى يوم القيامة. قال أبو وائل: قلنا لمسروق: سل حذيفة عن الباب: من هو؟ فسأله؟ فقال: الباب عمر ".
وفي رواية للبخاري: "فقال: الباب عمر ".
وعن قدامة بن مظعون ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ أدرك عثمان بن مظعون وهو على راحلته وعثمان على راحلته على ثنية الأثاية من العرج، فقطعت راحلته راحلة عثمان وقد مضت راحلة رسول الله ﷺ أمام الركب، فقال عثمان بن مظعون: أوجعتني يا غلق الفتنة! فلما استسهلت الرواحل دنا منه عمر بن الخطاب، فقال: يغفر الله لك أبا السائب! ما هذا الاسم الذي سميتنيه؟ فقال: لا والله؛ ما أنا سميتكه، سماك رسول الله ﷺ ، هذا هو أمام الركب يقدم القوم، مررت يوما ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ ، فقال: «هذا غلق الفتنة (وأشار بيده) ، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين ظهرانَيكم» .
رواه: البزار، والطبراني.
وعن أبي ذر ﵁: أنه لقي عمر بن الخطاب ﵁، فأخذ بيده فغمزها، وكان عمر رجلا شديدا، فقال: أرسل يدي يا قفل الفتنة! فقال عمر: وما قفل الفتنة؟ ! قال: جئت رسول الله ﷺ ذات يوم ورسول الله ﷺ جالس وقد اجتمع عليه الناس، فجلست في آخرهم، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصيبكم فتنة ما دام هذا فيكم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الحافظ ابن حجر: "ورجاله ثقات". وقال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير السري بن يحيى، وهو ثقة ثبت،
следующие страницы →