Полный текст (1 255 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
«رجل: يا رسول الله! ولعراقنا. فقال رسول الله ﷺ : "بها الزلازل والفتن، ومنها يطلع قرن الشيطان» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن سالم عن أبيه ﵁: أن النبي ﷺ قال: «"اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مكتنا، وبارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا، وبارك لنا في صاعنا ومدنا". فقال رجل: يا رسول الله! وفي عراقنا. فأعرض عنه، فقال: "فيها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن ابن عمر ﵄ أيضا؛ قال: صلى رسول الله ﷺ الفجر، ثم أقبل على القوم، فقال: «"اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا". فقال رجل: والعراق يا رسول الله! قال: "من ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «دعا نبي الله ﷺ ، فقال: "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا". فقال رجل من القوم: يا نبي الله! وعراقنا. قال: "إن بها قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق» .
رواه الطبراني في "الكبير". قال المنذري والهيثمي: "ورواته ثقات".
وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يخرج إلى العراق، فقال له كعب الأحبار: "لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين! فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال".
стр. 142
ذكره في "الموطأ".
وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه؛ قال: "أراد عمر ﵁ أن يسكن العراق، فقال له كعب: لا تفعل؛ فإن فيها الدجال، وبها مردة الجن، وبها تسعة أعشار السحر، وبها كل داء عضال"؛ يعني: الأهواء.
قال الخطابي: " (القرن) : الأمة من الناس يحدثون بعد فناء آخرين، وقرن الحية: أن يضرب المثل فيما لا يحمد من الأمور".
نقله عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"؛ قال: "وقال غيره: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به. وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة. وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة؛ كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور؛ فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة".
قال الحافظ ابن حجر: "وعرف بهذا وهاء ما قاله الداوودي أن نجدا من ناحية العراق؛ فإنه توهم أن نجدا موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا والمنخفض غورا".
قلت: وقد تقدم ما رواه سالم عن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده يؤم العراق: "ها إن الفتنة هاهنا....» الحديث، وهذه الرواية فيها تعيين المراد مما أبهم في غيرها من الروايات؛ كقولهم: "وفي نجدنا "، وقولهم: "وفي مشرقنا"؛ فالمراد بذلك كله أرض العراق وما يليه من المشرق.
стр. 143
وقد وقع مصداق ذلك، فكان قتل عثمان ﵁ على أيدي أهل العراق ومن مالأهم من أجلاف أهل مصر، وبقتله انفتح باب الفتن إلى يوم القيامة. وكانت في العراق أيضا وقعة الجمل وصفين وقتل فيه الحسين بن علي ﵄ وأصحابه. وكانت فيه أيضا فتنة المختار وفتنة الحجاج وغير ذلك من الفتن العظيمة. وكذلك كانت فتنة بني العباس ودعاتهم في العراق وخراسان. وكذلك فتن الأهواء المضلة؛ فكلها ظهرت أول ما ظهرت بأرض العراق؛ كفتنة الخوارج، والرافضة، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، ثم انتشرت بعد ذلك في أرجاء الأرض، وآخر ذلك فتنة المسيح الدجال، وهي أعظم فتنة تكون على وجه الأرض، وقد جاء في بعض الأحاديث: أنه يخرج من خراسان، وفي بعضها: أنه يخرج من العراق، وستأتي الأحاديث بذلك في ذكر الدجال إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا؛ فيحتمل أنه ﷺ أراد بقوله: «قرني الشيطان» : أول الفتن وآخرها وما بين ذلك من الفتن العظيمة، ويحتمل أنه أراد بذلك فتنة الهرج وفتنة الأهواء المضلة. والله أعلم بمراد رسوله ﷺ .
باب
أمان الناس من الفتن في حياة عمر بن الخطاب ﵁
عن ربعي - وهو ابن حِراش - عن حذيفة ﵁؛ قال: كنا عند عمر ﵁، فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا. قال:
стр. 144
أنت لله أبوك. قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادًا كالكوز مُجْخِيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا؛ إلا ما أشرب من هواه» . قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسرا لا أبا لك؟ ! فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قلت: لا بل يكسر. وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت؛ حديثا ليس بالأغاليط.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو نعيم في "الحلية".
وعن أبي وائل شقيق بن سلمة عن حذيفة ﵁؛ قال: كنا عند عمر ﵁، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ قال: فقلت: أنا. قال: إنك لجريء، وكيف قال؟ قال: قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» . فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر. قال: فقلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ ! إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت: لا؛ بل يكسر. قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدا. قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم؛ كما يعلم أن دون غد الليلة؛ إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط. قال: فَهِبْنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله. فسأله، فقال: عمر.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه. وهذا لفظ مسلم.
стр. 145
وفي رواية أبي داود الطيالسي: "فقال عمر: فأخبرني عن الباب؛ يكسر كسرا أم يفتح فتحا؟ قال: بل يكسر كسرا. فقال عمر: إذا لا يغلق إلى يوم القيامة. قال أبو وائل: قلنا لمسروق: سل حذيفة عن الباب: من هو؟ فسأله؟ فقال: الباب عمر ".
وفي رواية للبخاري: "فقال: الباب عمر ".
وعن قدامة بن مظعون ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ أدرك عثمان بن مظعون وهو على راحلته وعثمان على راحلته على ثنية الأثاية من العرج، فقطعت راحلته راحلة عثمان وقد مضت راحلة رسول الله ﷺ أمام الركب، فقال عثمان بن مظعون: أوجعتني يا غلق الفتنة! فلما استسهلت الرواحل دنا منه عمر بن الخطاب، فقال: يغفر الله لك أبا السائب! ما هذا الاسم الذي سميتنيه؟ فقال: لا والله؛ ما أنا سميتكه، سماك رسول الله ﷺ ، هذا هو أمام الركب يقدم القوم، مررت يوما ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ ، فقال: «هذا غلق الفتنة (وأشار بيده) ، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين ظهرانَيكم» .
رواه: البزار، والطبراني.
وعن أبي ذر ﵁: أنه لقي عمر بن الخطاب ﵁، فأخذ بيده فغمزها، وكان عمر رجلا شديدا، فقال: أرسل يدي يا قفل الفتنة! فقال عمر: وما قفل الفتنة؟ ! قال: جئت رسول الله ﷺ ذات يوم ورسول الله ﷺ جالس وقد اجتمع عليه الناس، فجلست في آخرهم، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصيبكم فتنة ما دام هذا فيكم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الحافظ ابن حجر: "ورجاله ثقات". وقال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير السري بن يحيى، وهو ثقة ثبت،
стр. 146
ولكن الحسن البصري لم يسمع من أبي ذر فيما أظن".
وعن معاذ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال باب الفتنة مغلقًا عن أمتي ما عاش لهم عمر بن الخطاب، فإذا هلك عمر تتابعت عليهم الفتن» .
رواه الديلمي.
وروي: "أن عمر ﵁ دخل على أم كلثوم بنت علي ﵄، فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ ! قالت: هذا اليهودي - لكعب الأحبار - يقول: إنك باب من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله! ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه، فقال: يا أمير المؤمنين! والذي نفسي بيده؛ لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة. فقال: ما هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار؟ ! فقال: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم؛ تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مت اقتحموا".
رواه الخطيب في "الرواة عن مالك ".
وعن خالد بن الوليد ﵁؛ قال: "كتب إلي أمير المؤمنين - يعني عمر بن الخطاب ﵁ حين ألقى الشام بوانيه بثنية وعسلا، فأمرني أن أسير إلى الهند - والهند في أنفسنا يومئذ البصرة - قال: وأنا لذلك كاره. قال: فقام رجل، فقال: اتق الله يا أبا سليمان! فإن الفتن قد ظهرت. فقال: وابن الخطاب حي؟ ! إنما تكون بعده والناس بذي بليان وذي بليان، فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكانا لم ينزل فيه مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد، وتلك الأيام التي ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة، أيام الهرج، فنعوذ بالله أن تدركنا وإياكم تلك الأيام".
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" و "الأوسط". قال الهيثمي:
стр. 147
"ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف".
وقد ذكر هذا الأثر ابن كثير في "تاريخه" عن عزرة بن قيس؛ قال: "خطبنا خالد بن الوليد ﵁، فقال: إن أمير المؤمنين عمر بعثني إلى الشام، فحين ألقى بوانيه بثنية وعسلا؛ أراد أن يؤثر بها غيري ويبعثني إلى الهند. فقال رجل من تحته: اصبر أيها الأمير! فإن الفتن قد ظهرت. فقال خالد: أما وابن الخطاب حي؛ فلا، وإنما ذاك بعده".
وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن عزرة بن قيس: "أن رجلا قال لخالد بن الوليد ﵁: إن الفتن قد ظهرت. فقال: أما وابن الخطاب حي فلا؛ إنها إنما تكون بعده"، ثم ذكر بقيته بنحو ما تقدم في رواية أحمد والطبراني.
وروى: نعيم بن حماد في "الفتن"، وابن عساكر في "تاريخه"؛ عن عزرة بن قيس أيضا؛ قال: "قام رجل إلى خالد بن الوليد بالشام وهو يخطب، فقال: إن الفتن قد ظهرت. فقال خالد: أما وابن الخطاب حي فلا؛ إنما ذاك إذا كان الناس بذي بلى وذي بلى، وجعل الرجل يذكر الأرض ليس بها مثل الذي يفر إليها منه ولا يجده؛ فعند ذلك تظهر الفتن".
وروى ابن أبي شيبة عن طارق بن شهاب؛ قال: "جلد خالد بن الوليد ﵁ رجلا حدّا، فلما كان من الغد؛ جلد رجلا آخر حدّا، فقال رجل: هذه والله الفتنة؛ جلد أمس رجلا في حد، وجلد اليوم رجلا في حد. فقال خالد: ليس هذه بفتنة، إنما الفتنة أن تكون في أرض يعمل فيها بالمعاصي، فتريد أن تخرج منها إلى أرض لا يعمل فيها بالمعاصي، فلا تجدها".
قوله: "بوانيه" أي: خيره وما فيه من السعة والنعمة. قاله ابن الأثير وابن منظور في "لسان العرب". قال ابن منظور: "ويقال: ألقى عصاه وألقى بوانيه".
стр. 148
قال ابن الأثير: "و (البواني) في الأصل: أضلاع الصدر، وقيل: الأكتاف والقوائم، الواحدة: بانية".
وقوله: "بثنية": قال ابن منظور: "وفيه قولان: قيل: البثنية: حنطة منسوبة إلى بلدة معروفة بالشام من أرض دمشق (قال ابن الأثير: وهي ناحية من رستاق دمشق، يقال بها: البثنية) . والآخر: أنه أراد البثنية الناعمة من الرملة اللينة، يقال لها: بثنة، وتصغيرها بثينة، فأراد خالد أن الشام لما سكن وذهبت شوكته وصار لينا لا مكروه فيه خصبا كالحنطة والعسل؛ عزلني". قال: "والبثنة: الزبدة الناعمة؛ أي: لما صار زبدة ناعمة وعسلا صرفني؛ لأنها صارت تجبى أموالها من غير تعب".
وقوله: "بذي بليان وذي بليان": هذا مثل للبعد والتفرق.
قال ابن منظور في "لسان العرب": "وهو بذي بلي وبلي، وبلى وبلى، وبليان وبليان؛ بفتح الباء واللام: إذا بعد عنك حتى لا تعرف موضعه".
وقال صاحب "القاموس": "وهو بذي بلى؛ كـ (حتى) و (إلا) و (رضي) ويكسر، وبليان؛ محركة وبكسرتين مشددة الثالث: إذا بعد عنك حتى لا تعرف موضعه".
ثم ذكر ابن منظور عن أبي عبيد: أنه قال: "أراد تفرق الناس، وأن يكونوا طوائف وفرقا من غير إمام يجمعهم، وكذلك كل من بعد عنك حتى لا تعرف موضعه فهو بذي بلي، وهو من بل في الأرض: إذا ذهب، أراد ضياع أمور الناس بعده". وكذا قال ابن الأثير في "النهاية". قال ابن منظور: "وفيه لغة أخرى: بذي بليان؛ يعني: بكسر الباء واللام المشددة".
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "كان عمر بن الخطاب حائطا حصينا على الإسلام، يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فانثلم الحائط،
стр. 149
والناس يخرجون منه ولا يدخلون فيه".
رواه ابن وضاح.
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "ما بينكم وبين أن يرسل عليكم الشر فراسخ إلا موت عمر ".
رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن"، وابن عساكر في "تاريخه".
باب
ما جاء في سنة خمس وثلاثين وسنة سبعين
عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا. قال: قلت: أمما مضى أم مما بقي؟ قال: "مما بقي"» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن حبان في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية أبي داود الطيالسي والحاكم وبعض روايات أحمد: «فقال عمر: يا رسول الله! بما مضى أو بما بقي؟ قال: بما بقي» .
قال الخطابي: "دوران الرحى كناية عن الحرب والقتال، شبهها بالرحى الدوارة التي تطحن الحب؛ لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس، قال الشاعر يصف حربا:
فدارت رحانا واستدارت رحاهم ... سراة النهار ما تولى المناكب
стр. 150
وقال صعصعة بن صوحان جد الفرزدق: أتيت علي بن أبي طالب ﵁ حين رفع يده عن مرحى الجمل؛ يريد: حرب الجمل".
وقال ابن الأثير: "إن كان أراد سنة خمس وثلاثين من الهجرة؛ ففيها خرج أهل مصر وحصروا عثمان ﵁، وجرى فيها ما جرى، وإن كانت ستا وثلاثين؛ ففيها كانت وقعة الجمل، وإن كانت سبعا وثلاثين؛ ففيها كانت وقعة صفين".
وقوله: "وإن يقم لهم دينهم": قال الخطابي: "يريد بالدين هاهنا الملك؛ قال زهير:
لئن حللت بجو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك
يريد: ملك عمرو وولايته".
قال: "ويشبه أن يكون أريد بهذا ملك بني أمية وانتقاله عنهم إلى بني العباس، وكان ما بين أن استقر الأمر لبني أمية إلى أن ظهرت الدعوة بخراسان وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيهم نحوا من سبعين سنة". انتهى.
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن أبي إسحاق عن رجل عن ابن مسعود ﵁؛ قال: "إذا كانت سنة خمس وثلاثين حدث أمر عظيم، فإن تهلكوا فبالحري، وإن تنجوا فعسى، وإذا كانت سبعين رأيتم ما تنكرون".
باب
ما جاء في قتل عثمان ﵁ وظهور الفتن بسبب قتله
عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: «كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : "افتح له»
стр. 151
«وبشره بالجنة". ففتحت له؛ فإذا هو أبو بكر، فبشرته بما قال النبي ﷺ ، فحمد الله. ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : "افتح له وبشره بالجنة". ففتحت له؛ فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله. ثم استفتح رجل، فقال لي: "افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه". فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ ، فحمد الله، ثم قال: الله المستعان» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وهذا لفظ البخاري.
وعند مسلم: أن عثمان ﵁ قال: اللهم صبرا، أو: الله المستعان. وفي رواية لأحمد: فجعل يقول: اللهم صبرا حتى جلس......
وعن نافع بن عبد الحارث ﵁؛ قال: «خرجت مع رسول الله ﷺ حتى دخل حائطًا، فقال: "أمسك علي الباب". فجاء حتى جلس على القف ودلى رجليه، فضرب الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر. قال: "ائذن له وبشره بالجنة ". فدخل، فجلس مع رسول الله ﷺ على القف، ودلى رجليه في البئر. ثم ضرب الباب، فقلت: من هذا؟. قال: عمر. قلت: يا رسول الله! هذا عمر. قال: "ائذن له وبشره بالجنة". ففعلت، فجاء، فجلس مع رسول الله ﷺ على القف، ودلى رجليه في البئر. ثم ضرب الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان. قلت: يا رسول الله! هذا عثمان. قال: "ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء". فأذنت له وبشرته بالجنة، فجلس مع رسول الله ﷺ على القف، ودلى رجليه في البئر» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح".
قال ابن كثير: "هكذا وقع في هذه الرواية، فيحتمل أن أبا موسى ونافع بن عبد الحارث كانا موكلين بالباب أو أنها قصة أخرى ".
стр. 152
وقد رواه الإمام أحمد عن عفان عن وهيب عن موسى بن عقبة: سمعت أبا سلمة ولا أعلمه إلا عن نافع بن عبد الحارث: «أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا، فجلس على قف البئر، فجاء أبو بكر، فاستأذن، فقال لأبي موسى: "ائذن له وبشره بالجنة". ثم جاء عمر، فقال: "ائذن له وبشره بالجنة". ثم جاء عثمان، فقال: "ائذن له وبشره بالجنة وسيلقى بلاء» .
قال ابن كثير: "وهذا السياق أشبه من الأول، على أنه قد رواه النسائي من حديث صالح بن كيسان عن أبي الزناد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن نافع بن عبد الحارث عن أبي موسى الأشعري. فالله أعلم". انتهى.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: «كنت مع النبي ﷺ في حش من حشان المدينة، فاستأذن رجل، فقال: "ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه"؛ فإذا هو عثمان ﵁، فجعل يقول: اللهم صبرًا؛ حتى جلس. فقلت: أين أنا. فقال: "أنت مع أبيك» .
رواه البخاري في "التاريخ الكبير" بإسناد صحيح، ورواه الإمام أحمد بزيادة ونقص.
ورواه الطبراني، ولفظه: قال: «كنت عند النبي ﷺ بحش من حشان المدينة، فجاء رجل، فاستأذن، فقال: "قم فائذن له وبشره بالجنة". فقمت فأذنت له؛ فإذا هو أبو بكر، فبشرته بالجنة، فجعل يحمد الله حتى جلس. ثم جاء رجل فاستأذن فقال: "قم فائذن له وبشره بالجنة". فقمت فأذنت له؛ فإذا هو عمر، فأذنت له وبشرته بالجنة، فجعل يحمد الله حتى جلس. ثم جاء خفيض الصوت، فقال: "قم فائذن له وبشره بالجنة في بلوى تصيبه". فقمت فأذنت له؛ فإذا هو عثمان، فبشرته بالجنة على بلوى تصيبه، فقال: اللهم صبرًا؛ حتى جلس. قلت: يا رسول الله! فأين أنا؟ قال: "أنت مع أبيك» .
стр. 153
قال الهيثمي: "بعض رجال الطبراني وأحمد رجال الصحيح".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «وقف رسول الله ﷺ بالأسواف وبلال معه، فدلى رجليه في البئر وكشف عن فخذيه، فجاء أبو بكر يستأذن، فقال: "يا بلال! ائذن له وبشره بالجنة ". فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ ، ودلى رجليه في البئر، وكشف عن فخديه. ثم جاء عمر يستأذن، فقال: "ائذن له يا بلال وبشره بالجنة ". فدخل فجلس عن يسار رسول الله ﷺ ، ودلى رجليه في البئر، وكشف عن فخديه. ثم جاء عثمان يستأذن، فقال: "ائذن له يا بلال وبشره بالجنة على بلوى تصيبه". فدخل عثمان، فجلس قبالة رسول الله ﷺ ، ودلى رجليه في البئر، وكشف عن فخديه» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير شيخ الطبراني علي بن سعيد، وهو حسن الحديث".
(الأسواف) : موضع بالمدينة شامي البقيع.
وعن زيد بن أرقم ﵁؛ قال: «بعثني رسول الله ﷺ فقال: "انطلق حتى تأتي أبا بكر، فتجده في بيته جالسًا محتبيًا، فقل له: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول لك: أبشر بالجنة. ثم انطلق حتى تأتي الثنية، فتلقى عمر فيها على حمار تلوح صلعته، فقل له: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول لك: أبشر بالجنة، ثم انطلق حتى تأتي السوق، فتلقى عثمان فيها يبيع ويبتاع، فقل له: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد". فانطلقت إلى أبي بكر، فوجدته في بيته جالسًا محتبيًا كما قال رسول الله ﷺ ، فقلت له: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة. فقال: وأين رسول الله ﷺ ؟ قلت: في مكان كذا وكذا. فقام إليه. ثم أتيت الثنية؛ فإذا فيها عمر على حمار تلوح صلعته كما قال رسول الله ﷺ ،»
стр. 154
«فقلت: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة. فقال: وأين رسول الله ﷺ ؟ قلت: في مكان كذا وكذا. فانطلق. ثم انطلقت حتى أتيت السوق، فلقيت عثمان فيها يبيع ويبتاع كما قال رسول الله ﷺ ، فقلت: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد. فقال: وأين رسول الله ﷺ ؟ فأخذ بيدي، فجئنا جميعًا حتى أتينا رسول الله ﷺ ، فقال له عثمان: يا رسول الله! إن زيدًا أتاني فقال: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد؛ فأي بلاء يصيبني يا رسول الله؟ ! والذي بعثك بالحق ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك. فقال: "هو ذاك» .
رواه الطبراني في "الأوسط" و "الكبير"، وزاد فيه: «إن الله مقمصك قميصًا، فإذا أرادك المنافقون على خلعه؛ فلا تخلعه» . قال الهيثمي: "فيه عبد الأعلى بن أبي المساور، وقد ضعفه الجمهور، ووثق في رواية عن يحيى بن معين، والمشهور عنه تضعيفه..... وقد رواه البيهقي بنحوه، وقال: عبد الأعلى ضعيف".
وعن قيس بن أبي حازم عن أبي سهلة عن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : «"ادعوا لي بعض أصحابي ". قلت: أبو بكر؟ قال: "لا". قلت: عمر؟ قال: "لا". قلت: ابن عمك علي؟ قال: "لا". قالت: قلت: عثمان؟ قال: "نعم". فلما جاء قال: "تنحي". فجعل يساره ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر فيها؛ قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ ! قال: لا؛ إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدًا، وإني صابر نفسي عليه» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد جيد، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
стр. 155
وروى الترمذي طرفا من آخره، ولفظه: عن قيس: حدثني أبو سهلة؛ قال: قال لي عثمان يوم الدار: «إن رسول الله ﷺ قد عهد إلي عهدا؛ فأنا صابر عليه» .
ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه ابن ماجه عن قيس بن أبي حازم عن عائشة ﵂؛ قال رسول الله ﷺ في مرضه: «"وددت أن عندي بعض أصحابي". قلنا: يا رسول الله! ألا ندعو لك أبا بكر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عمر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عثمان؟ قال: "نعم". فجاء، فخلا به، فجعل النبي ﷺ يكلمه ووجه عثمان يتغير» . قال قيس: فحدثني أبو سهلة مولى عثمان: أن عثمان بن عفان ﵁ قال يوم الدار: " «إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا فأنا صائر إليه (وفي رواية: وأنا صابر عليه) » . قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم.
إسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه.
وعن النعمان بن بشير ﵄ عن عائشة ﵂؛ قالت: «أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن عفان، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فلما رأينا إقبال رسول الله ﷺ على عثمان؛ أقبلت إحدانا على الأخرى، فكان من آخر كلمة أن ضرب منكبه وقال: "يا عثمان! إن الله عسى أن يلبسك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه؛ فلا تخلعه حتى تلقاني (ثلاثًا) » . فقلت لها: يا أم المؤمنين فأين كان هذا عنك؟ ! قالت: نسيته، والله ما ذكرته.
قال: فأخبرته معاوية بن أبي سفيان، فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين: أن اكتبي إلي به، فكتبت إليه به كتابا.
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وهذا لفظ أحمد، ورواية
стр. 156
الترمذي مختصرة، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
ورواه الإمام أحمد أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن أبي قيس: حدثني النعمان بن بشير ﵄؛ قال: كتب معي معاوية إلى عائشة ﵂ كتابا، فدفعت إليها كتابه، فحدثتني أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول لعثمان: «إن الله لعله يقمصك قميصًا، فإن أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه (ثلاث مرات) » . قال النعمان: فقلت ك يا أم المؤمنين فأين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: يا بني! والله أنسيته.
إسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح، وفيه أن عائشة ﵂ قالت للنعمان بن بشير ﵄: ألا أحدثك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى. قالت: «إني عنده ذات يوم أنا وحفصة، فقال ﷺ : "لو كان عندنا رجل يحدثنا". فقلت: يا رسول الله! أبعث إلى عمر فيجيء فيحدثنا؟ قالت: فسكت. قالت: فدعا رجلًا، فأشار إليه بشيء دوننا، فذهب فجاء بعثمان، فأقبل عليه بوجهه، فسمعته يقول ﷺ : "يا عثمان إن الله يقمصك قميصًا، فإن أرادوك على خلعه؛ فلا تخلعه (ثلاثًا) » . قلت: يا أم المؤمنين! فأين كنت عن هذا الحديث؟ قالت: يا بني! أنسيته كأني لم أسمعه قط.
ورواه الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي عبد الله الجسري؛ قال: دخلت على عائشة ﵂، فذكر الحديث، وفيه أن النبي ﷺ قال: «يا عثمان! عسى أن يقمصك الله قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه؛ فلا تخلعه (ثلاث مرات) » . فقال لها النعمان بن بشير: يا أم المؤمنين! أين كنت عن
стр. 157
هذا الحديث؟ ! فقالت: نسيته ورب الكعبة حتى قتل الرجل.
وفي رواية عند الطبراني أيضا: "فما فجأني إلا وعثمان جاث على ركبتيه قائلا: أظلما وعدوانا يا رسول الله؟ ! فحسبت أنه أخبره بقتله".
قال الهيثمي: "أحد إسنادي الطبراني حسن".
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن كناسة الأسدي أبو يحيى: حدثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه؛ قال: بلغني أن عائشة ﵂؛ قالت: ما استمعت رسول الله ﷺ إلا مرة؛ فإن عثمان جاءه في نحر الظهيرة، فظننت أنه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه، فسمعته يقول: «إن الله ملبسك قميصًا تريدك أمتي على خلعه؛ فلا تخلعه» . فلما رأيت عثمان يبذل لهم ما سألوه إلا خلعه؛ علمت أنه عهد من رسول الله ﷺ الذي عهد إليه.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل، فقال: "يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلومًا". قال: فنظرت؛ فإذا هو عثمان بن عفان» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وعن موسى بن عقبة؛ قال: حدثني جدي أبو أمي أبو حبيبة: أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة ﵁ يستأذن عثمان في الكلام، فأذن له فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافًا". فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ ! قال: "عليكم بالأمين وأصحابه"، وهو يشير إلى عثمان بذلك» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد
стр. 158
ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وفي رواية الحاكم: قال: «عليكم بالأمير وأصحابه» .
ورواه الحاكم أيضا من حديث موسى ومحمد وإبراهيم بني عقبة؛ قالوا: حدثنا أبو أمنا أبو حسنة؛ قال: شهدت أبا هريرة.............. فذكره بنحو ما تقدم، وصححه هو والذهبي.
وعن عبد الله بن حوالة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «" يابن حوالة: كيف تفعل في فتن تخرج من أطراف الأرض كأنها صياصي بقر؟ ! " قلت: لا أدري؛ ما خار الله لي ورسوله. قال: "اتبعوا هذا" ورجل مقفي حينئذ، فانطلقت فسعيت، فأخذت بمنكبه، فأقبلت بوجهه إلى رسول الله ﷺ ؛ قلت: هذا؟ قال: "نعم". فإذا هو عثمان بن عفان» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجالهما رجال الصحيح".
وعن مرة البهزي ﵁؛ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة، فقال: «"كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر؟ ! " قالوا: نصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: "عليكم هذا وأصحابه (أو: اتبعوا هذا وأصحابه) " قال: فأسرعت حتى عييت، فأدركت الرجل، فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: "هذا ". فإذا هو عثمان بن عفان» .
رواه: الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه.
وعن أبي الأشعث الصنعاني: أن خطباء قامت بالشام، وفيهم رجال من أصحاب النبي ﷺ ، فقام آخرهم رجل يقال له: مرة بن كعب ﵁، فقال: «لولا حديث سمعته من رسول الله ﷺ ؛ ما قمت، وذكر الفتن فقربها، فمر رجل مقنع في ثوب، فقال: "هذا يومئذ على الهدى". فقمت إليه؛ فإذا هو»
стр. 159
«عثمان بن عفان، فأقبلت عليه بوجهه، فقلت: هذا؟ قال: "نعم» .
رواه: الترمذي، والحاكم، وهذا لفظ الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". قال: "وفي الباب عن ابن عمر وعبد الله بن حوالة وكعب بن عجرة ". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه الطبراني من حديث جبير بن نفير؛ قال: بينا نحن معسكرين مع معاوية ﵁ بعد قتل عثمان ﵁، فقام مرة بن كعب البهزي ﵁، فقال: أنا والله لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؛ ما قمت هذا المقام. فلما سمع معاوية ﵁ ذكر رسول الله ﷺ ؛ أجلس الناس؛ قال: «بينا نحن عند رسول الله ﷺ جلوس؛ إذ مر بنا عثمان بن عفان مترجلًا، فقال رسول الله ﷺ : "لتخرجن فتنة من تحت رجلي (أو من تحت قدمي) هذا، ومن اتبعه يومئذ على الهدى". فقمت حتى أخذت بمنكبي عثمان حتى بينته إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: هذا؟ قال: "نعم؛ هذا ومن اتبعه يومئذ على الهدى» . فقام عبد الله بن حوالة الأزدي من عند المنبر، فقال: إنك لصاحب هذا. قال: نعم. قال: أما والله إني حاضر ذلك المجلس، ولو كنت أعلم أن لي في الجيش مصدقا لكنت أول من تكلم به. قال الهيثمي: "رجاله وثقوا".
وعن كعب بن عجرة ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقربها وعظمها. قال: ثم مر رجل مقنع في ملحفة، فقال: "هذا يومئذ على الحق". قال: فانطلقت مسرعًا أو محضرًا، وأخذت بضبعيه فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: "هذا". فإذا هو عثمان بن عفان» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه.
وعن جابر ﵁: «أن رسول الله ﷺ ذكر فتنة، فقال أبو بكر: أنا»
стр. 160
«أدركها؟ فقال: "لا". فقال عمر: أنا يا رسول الله أدركها؟ قال: "لا". فقال عثمان: يا رسول الله! فأنا أدركها؟ قال: "بك يبتلون» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه ماعز التميمي، ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد، وبقية رجاله ثقات".
وعن عثمان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنك ستبتلى بعدي؛ فلا تقاتلن» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وشيخه غير منسوب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وقد رواه الحافظ الضياء المقدسي من طريق أبي يعلى وصححه".
وعن أبي عون الأنصاري: أن عثمان بن عفان ﵁ قال لابن مسعود ﵁: هل أنت منته عما بلغني عنك؟ فاعتذر بعض العذر، فقال عثمان: ويحك! إني قد سمعت وحفظت وليس كما سمعت، إن رسول الله ﷺ قال: «سيقتل أمير وينتزي منتز» . وإني أنا المقتول وليس عمر، إنما قتل عمر واحد وإنه يجتمع علي.
رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات؛ إلا أنه منقطع بين عثمان وأبي عون.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن ماجه.
وعن عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من نجا من ثلاث؛ فقد نجا (ثلاث مرات) : موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق يعطيه» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم في "مستدركه". قال الهيثمي:
стр. 161
"ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير ربيعة بن لقيط، وهو ثقة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عقبة بن عامر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من نجا منها؛ فقد نجا: من نجا عند موتي فقد نجا، ومن نجا عند قتل خليفة يقتل مظلومًا وهو مصطبر يعطي الحق من نفسه؛ فقد نجا، ومن نجا من فتنة الدجال فقد نجا» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه إبراهيم بن يزيد المصري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وعن عمر بن ربيعة: أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل إلى كعب الأحبار، فقال: "يا كعب! كيف تجد نعتي؟ ". قال: أجد نعتك قرنا من حديد. قال: "وما قرن من حديد؟ ! ". قال: أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم. قال: "ثم مه؟ ". قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة. قال: "ثم مه؟ ". قال: ثم يكون البلاء.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن ثمامة بن حزن القشيري؛ قال: «شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان ﵁، فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي. قال: فجيء بهما كأنهما جملان (أو كأنهما حماران) . قال: فأشرف عليهم عثمان ﵁، فقال: أنشدكم بالله والإسلام؛ هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله: "من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة "، فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر. قالوا: اللهم نعم. فقال: أنشدكم بالله والإسلام؛ هل تعلمون أن المسجد»
стр. 162
«ضاق بأهله، فقال رسول الله ﷺ : "من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة"، فاشتريتها من صلب مالي، وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين. قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم بالله والإسلام؛ هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم. ثم قال: أنشدكم بالله والإسلام؛ هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض. قال: فركضه برجله، فقال: "اسكن ثبير؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان". قالوا: اللهم نعم. قال: الله أكبر! شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد (ثلاثًا) » .
رواه: الترمذي، والنسائي، وعبد الله ابن الإمام أحمد، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". قال: "وقد روي من غير وجه عن عثمان ﵁ ".
وعن عبد الملك بن عمير عن ابن أخي عبد الله بن سلام؛ قال: "لما أريد عثمان ﵁؛ جاء عبد الله بن سلام ﵁، فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرتك. قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني؛ فإنك خارج خير لي منك داخل. قال: فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس، فقال: أيها الناس! إنه كان اسمي في الجاهلية فلان، فسماني رسول الله ﷺ عبد الله، ونزلت في آيات من كتاب الله، نزلت في: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ، ونزلت في: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ، إن لله سيفا مغمودا عنكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيكم؛ فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فوالله إن قتلتموه لتطردن جيرانكم الملائكة، ولتسلن سيف الله المغمود عنكم فلا يغمد إلى يوم القيامة. قال: فقالوا: اقتلوا اليهودي، واقتلوا عثمان ".
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب". قال: "وقد رواه شعيب بن
стр. 163
صفوان عن عبد الملك بن عمير عن ابن محمد بن عبد الله بن سلام عن جده عبد الله بن سلام ".
قلت: وهذه الرواية عند الطبراني من طريق عبد الملك بن عمير: أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام استأذن على الحجاج بن يوسف، فأذن له، فدخل وسلم، وأمر رجلين مما يلي السرير أن يوسعا له، فأوسعا له، فجلس، فقال له الحجاج: لله أبوك، أتعلم حديثا حدثه أبوك عبد الملك بن مروان عن جدك عبد الله بن سلام؟ قال: فأي حديث؟ قال: حديث المصريين حين حصروا عثمان. قال: قد علمت ذلك الحديث: "أقبل عبد الله بن سلام ﵁ وعثمان ﵁ محصور، فانطلق، فدخل عليه، فوسعوا له حتى دخل، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقال: وعليك السلام، ما جاء بك يا عبد الله بن سلام؟ ! قال: جئت لأثبت حتى أستشهد أو يفتح الله لك، ولا أرى هؤلاء القوم إلا قاتلوك، فإن يقتلوك فذاك خير لك وشر لهم. فقال عثمان: أسألك بالذي لي عليك من الحق؛ لما خرجت إليهم؛ خير يسوقه الله بك، وشر يدفعه الله بك. فسمع وأطاع، فخرج عليهم، فلما رأوه اجتمعوا وظنوا أنه قد جاءهم ببعض ما يسرون به، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد؛ فإن الله بعث محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا؛ يبشر بالجنة من أطاعه، وينذر بالنار من عصاه، وأظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، ثم اختار له المساكن، فاختار له المدينة، فجعلها دار الهجرة، وجعلها دار الإيمان، فوالله ما زالت الملائكة حافين بالمدينة منذ قدمها رسول الله ﷺ إلى اليوم، وما زال سيف الله مغمودا عنكم مذ قدمها رسول الله ﷺ إلى اليوم. ثم قال: إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق، فمن اهتدى؛ فإنما يهتدي بهدى الله، ومن ضل؛ فإنما يضل بعد البيان والحجة، وإنه لم يقتل نبي فيما مضى؛ إلا قتل به سبعون ألف مقاتل؛ كلهم يقتل به، ولا قتل خليفة قط؛ إلا
стр. 164
قتل به خمسة وثلاثون ألف مقاتل؛ كلهم يقتل به، فلا تعجلوا على هذا الشيخ بقتل، فوالله لا يقتله رجل منكم؛ إلا لقي الله يوم القيامة ويده مقطوعة مشلولة، واعلموا أنه ليس لوالد على ولد حق إلا لهذا الشيخ عليكم مثله. قال: فقاموا، فقالوا: كذبت اليهود، كذبت اليهود. فقال: كذبتم والله، وأنتم آثمون، ما أنا بيهودي، وإني لأحد المسلمين، يعلم الله بذلك ورسوله والمؤمنون، وقد أنزل الله في القرآن: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ، وقد أنزل الآية الأخرى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . قال: فقاموا، فدخلوا على عثمان فذبحوه كما يذبح الحلان. قال شعيب: فقلت لعبد الملك بن عمير: ما الحلان؟ ! قال: الحمل. قال: وقد قال عثمان لكثير بن الصلت: يا كثير! أنا والله مقتول غدا. قال: بل يعلي الله كعبك ويكبت عدوك. قال: ثم أعادها الثالثة، فقال مثل ذلك. قال: عم تقول يا أمير المؤمنين؟ ! قال: رأيت رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر، فقال لي: يا عثمان! أنت عندنا غدا، وأنت مقتول غدا؛ فأنا والله مقتول. قال: فقتل، فخرج عبد الله بن سلام إلى القوم قبل أن يتفرقوا، فقال: يا أهل مصر! يا قتلة عثمان! قتلتم أمير المؤمنين، أما والله؛ لا يزال عهد منكوث ودم مسفوح ومال مقسوم، لا سقيتم".
قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وعن عبد الله بن سلام ﵁: "أنه قال حين هاج الناس في أمر عثمان: أيها الناس! لا تقتلوا هذا الشيخ واستعتبوه؛ فإنه لن تقتل أمة نبيها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء سبعين ألفا منهم، ولن تقتل أمة خليفتها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء أربعين ألفا منهم، فلم ينظروا فيما قال، وقتلوه. فجلس لعلي في الطريق، فقال: أين تريد؟ فقال: أريد أرض العراق. قال: لا تأت
стр. 165
العراق، وعليك بمنبر رسول الله ﷺ . فوثب إليه أناس من أصحاب علي، وهموا به، فقال علي ﵁: دعوه؛ فإنه منا أهل البيت. فلما قتل علي ﵁؛ قال عبد الله لابن معقل: هذه رأس الأربعين، وسيكون على رأسها صلح، ولن تقتل أمه نبيها؛ إلا قتل به سبعون ألفا، ولن تقتل أمة خليفتها؛ إلا قتل به أربعون ألفا".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن عبد الرحمن بن جبير؛ قال: "سمع عبد الله بن سلام ﵁ رجلا يقول لآخر: قتل عثمان بن عفان، فلم ينتطح فيه عنزان. فقال ابن سلام ﵁: أجل؛ إن البقر والمعز لا تنطح في قتل الخليفة، ولكن ينتطح فيه الرجال بالسلاح، والله ليقتلن به أقوام إنهم لفي أصلاب آبائهم ما ولدوا بعد".
رواه محمد بن عائذ، وذكره ابن كثير في "تاريخه".
وعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: "قال رجل لما قتل عثمان: لا ينتطح فيه عنزان. قلت: بلى وتفقأ فيها عيون كثيرة".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
وعن قيس بن عباد؛ قال: سمعت عليا ﵁ يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة، فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال له رسول الله ﷺ : «ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة» ، وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد. فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس فسألوني البيعة، فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه. ثم جاءت عزيمة فبايعت؛ فلقد قالوا: يا أمير المؤمنين! فكأنما صدع
стр. 166
قلبي، وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن محمد بن حاطب: أنه قال لعلي ﵁: إنا قادمون المدينة والناس سائلونا عن عثمان؛ فماذا نقول فيه؟ قال: فتكلم عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر فقالا وقالا، فقال لهما علي: يا عمار! ويا محمد! تقولان: إن عثمان استأثر وأساء الإمرة، وعاقبتم والله فأسأتم العقوبة، وستقدمون على حكم عدل يحكم بينكم. ثم قال: "يا محمد بن حاطب! إذا قدمت المدينة، وسئلت عن عثمان؟ قل: كان والله من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين، وعلى الله فليتوكل المؤمنون".
رواه الحاكم في "مستدركه".
وعن ميمون بن مهران: أنه ذكر أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ما يسرني أني أخذت سيفي في قتل عثمان وأن لي الدنيا وما فيها ".
رواه الحاكم في "مستدركه".
وعن طلق بن خشاف؛ قال: "وفدنا إلى المدينة لننظر فيم قتل عثمان، فانطلقت حتى أتيت عائشة ﵂، فسلمت عليها، فردت السلام وقالت: من الرجل؟ قلت: من أهل البصرة. قالت: ومن أي أهل البصرة؟ قلت: من بكر بن وائل. فقالت: ومن أي بكر بن وائل؟ فقلت: من بني قيس بن ثعلبة. فقالت: من آل فلان؟ فقلت لها: يا أم المؤمنين! فيم قتل عثمان أمير المؤمنين؟ قالت: قتل والله مظلوما، لعن الله قتلته، أقاد الله من ابن أبي بكر به، وساق الله إلى أعين بني تميم هوانا في بيته، وأراق الله دماء ابني بديل على ضلالة، وساق الله إلى الأشتر سهما من سهامه. فوالله؛ ما من القوم رجل إلا
стр. 167
أصابته دعوتها".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير طلق، وهو ثقة".
وقد روى البخاري في "التاريخ الكبير" طرفا منه، وهو قول عائشة في عثمان: "إنه قتل مظلوما، ولعن الله قتلته".
وعن محمد بن سيرين: "أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة وكعبا ركبا سفينة في البحر، فقال محمد: يا كعب! أما تجد سفينتنا هذه في التوراة كيف تجري؟ قال: لا؛ ولكن أجد فيها رجلا أشقى الفتية من قريش، ينزو في الفتنة نزو الحمار؛ فاتق لا تكن أنت هو". قال ابن سيرين: "فزعموا أنه كان هو".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره".
ذكره ابن كثير في "تاريخه" عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة، وقد رواه: ابن أبي شيبة مختصرا، وابن عساكر في "تاريخه" مطولا بنحو ما ذكر هاهنا.
وعن محمد بن سيرين: أن حذيفة ﵁ قال: "اللهم إن كان قتل عثمان بن عفان خيرا؛ فليس لي فيه نصيب، وإن كان قتله شرا فأنا منه بريء، والله لئن كان قتله خيرا ليحلبنه لبنا، وإن كان قتله شرا ليمتص به دما".
стр. 168
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن أبي عبد الله البحراني: "أن حذيفة بن اليمان ﵄ في مرضه الذي هلك فيه كان عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته، ففتح عينيه، فسألهما؟ فقالا خيرا. فقال: إن شيئا تسرانه دوني ما هو بخير! قال: قتل الرجل (يعني: عثمان) . قال: فرجع، ثم قال: اللهم إني كنت من هذا الأمر بمعزل، فإن كان خيرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، وإن كان شرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، اليوم تغيرت القلوب يا عثمان. الحمد لله الذي سبق بي الفتن قادتها وعلوجها".
رواه محمد بن عائذ، وذكره ابن كثير في "تاريخه".
وعن الحسن؛ قال: لما حضر حذيفة الموت؛ قال: "الحمد لله الذي سبق بي الفتنة قادتها وعلوجها".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن قتادة عن أبي موسى الأشعري ﵁: أنه قال: "لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالا، فاحتلبت به الأمة دما".
رواه الحسن بن عرفة، ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أنه منقطع بين قتادة وأبي موسى.
وعن قيس بن أبي حازم؛ قال: سمعت سعيد بن زيد ﵁ يقول: "لقد رأيتني وإن عمر موثقي على الإسلام، ولو انقض أحد مما فعلتم بعثمان كان محقوقا أن ينقض".
رواه البخاري، وفي رواية: "ولو أن أحدا ارفض للذي صنعتم بعثمان؛ لكان محقوقا أن يرفض ".
стр. 169
ومعنى (ارفض) : زال من مكانه، ومعنى (انقض) : سقط.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وإنما قال ذلك سعيد لعظم قتل عثمان، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ".
وعن زهدم الجرمي؛ قال: "خطب ابن عباس ﵄، فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء".
رواه محمد بن سعد، وذكره ابن كثير في "تاريخه"، قال: "وقد روي من غير هذا الوجه عنه".
باب
ما جاء في واقعة الجمل ومسير عائشة ﵂ إلى العراق
عن مطرف - وهو ابن عبد الله بن الشخير - قال: قلت للزبير ﵁: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ ! قال الزبير: "إنا قرأناها على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ، لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت".
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، وقد تقدم ذكره وذكر ما رواه الحسن عن الزبير في ذلك.
وعن قيس بن أبي حازم؛ قال: " جاء الزبير ﵁ إلى عمر ﵁ يستأذنه في الغزو. فقال عمر: اجلس في بيتك، فقد غزوت مع رسول الله ﷺ ". قال: "فردد ذلك عليه، فقال عمر في الثالثة أو التي تليها: اقعد في
стр. 170
بيتك؛ فوالله إني لأجد بطرف المدينة منك ومن أصحابك أن تخرجوا فتفسدوا على أصحاب محمد ﷺ ".
رواه: البزار، والحاكم في "مستدركه"، وصححه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، وتكون بينهما مقتلة عظيمة، ودعواهما واحدة» .
متفق عليه.
وعن الشعبي؛ قال: "قالت عائشة ﵂ لأبي بكر ﵁: إني رأيت بقرا تنحر حولي. قال: إن صدقت رؤياك قتلت حولك فئة".
رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن"، وابن أبي الدنيا.
وعن مسروق؛ قال: "قالت لي عائشة ﵂: إني رأيتني على تل وحولي بقر تنحر. فقلت لها: لئن صدقت رؤياك لتكونن حولك ملحمة. قالت: أعوذ بالله من شرك، بئس ما قلت. فقلت لها: فلعله إن كان أمرا سيسوؤك. فقالت: والله لئن أخر من السماء أحب إلي من أن أفعل ذلك ... " الحديث. رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: " لو حدثتكم أن أمكم تغزوكم أتصدقوني؟ ! ". قالوا: أوحق ذلك؟ ! قال: "نعم".
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، وابن عساكر في "تاريخه".
وعنه ﵁: أنه قال لرجل: "ما فعلت أمك؟ ". قال: قد ماتت قال: "أما إنك ستقاتلها". فعجب الرجل من ذلك حتى خرجت عائشة.
стр. 171
رواه ابن أبي شيبة.
وعن خيثمة بن عبد الرحمن؛ قال: "كنا عند حذيفة ﵁، فقال بعضنا: حدثنا يا أبا عبد الله ما سمعت من رسول الله ﷺ . قال: لو فعلت لرجمتموني". قال: "قلنا: سبحان الله! أنحن نفعل ذلك؟! قال: أرأيتكم لو حدثتكم أن بعض أمهاتكم تأتيكم في كتيبة كثير عددها شديد بأسها؛ صدقتم به؟ قالوا: سبحان الله! ومن يصدق بهذا؟ ! ثم قال حذيفة: أتتكم الحميراء في كتيبة، يسوقها أعلاجها، حيث تسوء وجوهكم. ثم قام فدخل مخدعا".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن زيد بن وهب؛ قال: "بينا نحن حول حذيفة ﵁؛ إذ قال: كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيكم ﷺ فرقتين يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ ! فقلنا: يا أبا عبد الله! وإن ذلك لكائن؟ ! فقال بعض أصحابه: يا أبا عبد الله! فكيف نصنع إن أدركنا ذلك الزمان؟ قال: انظروا الفرقة التي تدعو إلى أمر علي فالزموها؛ فإنها على الهدى".
رواه البزار. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن علي بن أبي طالب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنه سيكون بعدي اختلاف أو أمر، فإن استطعت أن تكون السلم؛ فافعل» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند"، ورواته ثقات.
وعن أبي رافع ﵁: أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: «إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر. قال: أنا يا رسول الله؟ قال: "نعم". قال: أنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكن إذا كان ذلك؛ فارددها إلى مأمنها» .
стр. 172
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: «ذكر النبي ﷺ خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال لها: "انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت" ثم التفت إلى علي، وقال: "يا علي! إن وليت من أمرها شيئًا؛ فارفق بها» .
رواه: الحاكم، والبيهقي. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وقال ابن كثير: "هذا حديث حسن غريب جدا".
قلت: وله شاهد مما قبله وما بعده.
وعن قيس بن أبي حازم: «أن عائشة ﵂ لما نزلت على الحوأب؛ سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول لنا: "أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب؟ ! ". فقال لها الزبير: ترجعين؟ عسى الله أن يصلح بك بين الناس» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبزار، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه".
قال الحافظ ابن حجر: "وسنده على شرط الصحيح".
وقال الهيثمي: "رجال أحمد رجال الصحيح".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ لنسائه: «ليت شعري! أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فينبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثم تنجو بعدما كادت؟ !» .
رواه البزار. قال الهيثمي والحافظ ابن حجر: "رجاله ثقات". ورواه أيضا ابن أبي شيبة بنحوه.
стр. 173
(الأدبب) : بهمزة مفتوحة ودال ساكنة ثم موحدتين الأولى مفتوحة.
قال ابن الأثير: "أراد الأدب، فأظهر الإدغام لأجل الحوأب، والأدب: الكثير وبر الوجه". قال: "والحوأب: منزل بين مكة والبصرة".
قلت: وهو بفتح الحاء وسكون الواو وبعدها همزة ثم موحدة. وفي رواية لأحمد: أنه من مياه بني عامر.
وعن عمير بن سعيد؛ قال: "كنا جلوسا مع ابن مسعود وأبو موسى عنده، وأخذ الوالي رجلا فضربه وحمله على جمل، فجعل الناس يقولون: الجمل الجمل. فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن! هذا الجمل الذي كنا نسمع؟ ! قال: فأين البارقة".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
(البارقة) : السيوف؛ يريد أن الجمل الذي كانوا يسمعون عنه يكون عنده مقتلة تبرق فيها السيوف؛ أي: تلمع عند الضرب بها، وليس هذا به.
وعن الحسن - وهو البصري - عن أبي بكرة ﵁؛ قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، لما بلغ النبي ﷺ أن فارسا ملكوا ابنة كسرى؛ قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ الترمذي؛ قال: «لقد عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله ﷺ ، لما هلك كسرى؛ قال: "من استخلفوا؟ " قالوا: ابنته. فقال النبي ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» . قال: فلما قدمت عائشة - يعني: البصرة - ذكرت قول رسول الله، فعصمني الله به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
стр. 174
ورواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه، ورواه أيضا من وجه آخر، ولفظه: قال: لما كان يوم الجمل؛ أردت أن آتيهم أقاتل معهم، حتى ذكرت حديثا سمعته رسول الله ﷺ : أنه بلغه أن كسرى أو بعض ملوك الأعاجم مات فولوا أمرهم امرأة، فقال رسول الله ﷺ : «لا يفلح قوم تملكهم امرأة» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقد تقدم أن البخاري رواه، ولكن بغير هذا اللفظ.
وقد رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن عن أبيه عن أبي بكرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» .
عيينة وأبوه كل منهما ثقة.
وروى: ابن أبي شيبة، والبزار، والبيهقي؛ بإسناد ضعيف عن أبي بكرة ﵁: أنه قيل له: ما منعك أن تقاتل مع أهل البصرة يوم الجمل؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم هلكى لا يفلحون، قائدهم امرأة، قائدهم في الجنة» .
قال ابن كثير: "وهذا منكر جدا".
وروى عمر بن شبة من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن: أن عائشة ﵂ أرسلت إلى أبي بكرة ﵁، فقال: إنك لأم، وإن حقك لعظيم، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» .
وعن عبد الله بن زياد الأسدي؛ قال: "لما سار طلحة والزبير وعائشة ﵃ إلى البصرة؛ بعث علي ﵁ عمار بن ياسر وحسن بن علي ﵄، فقدما علينا الكوفة، فصعدا المنبر، فكان الحسن بن
стр. 175
علي فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل من الحسن، فاجتمعنا إليه، فسمعت عمارا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك تعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي".
رواه البخاري.
وعن أبي وائل؛ قال: "قام عمار ﵁ على منبر الكوفة، فذكر عائشة، وذكر مسيرها، وقال: إنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكنها مما ابتليتم".
رواه: الإمام احمد، والبخاري، وهذا لفظه.
وعن أبي وائل أيضا؛ قال: "كنت جالسا مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار ﵃، فقال أبو مسعود: ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه؛ غيرك، وما رأيت منك شيئا منذ صحبت رسول الله ﷺ أعيب عندي من استسراعك في هذا الأمر. قال عمار: يا أبا مسعود! وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئا منذ صحبتما رسول الله ﷺ أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر. فقال أبو مسعود - وكان موسرا -: يا غلام! هات حلتين، فأعطى إحداهما أبا موسى والأخرى عمارا، وقال: روحا فيه إلى الجمعة".
رواه: الإمام احمد، والبخاري.
وعن أبي يزيد المدينى؛ قال: "قال عمار بن ياسر ﵁ لعائشة ﵂ لما فرغوا من الجمل: ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليكم (يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ . فقالت: أبو اليقظان؟ قال: نعم. قالت: والله إنك - ما علمت - لقوال بالحق. قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك".
стр. 176
رواه ابن جرير. قال الحافظ ابن حجر: "وسنده صحيح".
وعن هشام وقيس وعن عائشة ﵂؛ قالت: "وددت أني كنت ثكلت عشرة مثل الحارث بن هشام وأني لم أسر مسيري مع ابن الزبير ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن محمد بن قيس؛ قال: "ذكر لعائشة ﵂ يوم الجمل. قالت: والناس يقولون: يوم الجمل؟ ! قالوا: نعم. قالت: وددت أني كنت جلست كما جلس أصحابي، وكان أحب إلي أن أكون ولدت من رسول الله ﷺ بضع عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ومثل عبد الله بن الزبير ".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه أبو معشر نجيح، وهو ضعيف يكتب حديثه، وبقية رجاله ثقات".
وعن قتادة؛ قال: «"لما ولى الزبير ﵁ يوم الجمل؛ بلغ عليًا ﵁، فقال: لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولى. وذلك أن النبي ﷺ لقيهما في سقيفة بني ساعدة، فقال: "أتحبه يا زبير؟ ". فقال: وما يمنعني؟ ! قال: "فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له؟ ! "» . قال: "فيرون أنه إنما ولى لذلك".
رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وهو مرسل صحيح الإسناد.
وعن أبي جرو المازني؛ قال: «شهدت عليًا والزبير ﵄ حين تواقفا، فقال له علي: يا زبير! أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنك تقاتلني وأنت ظالم"؟ ! قال: نعم. ولم أذكر إلا في موقفي هذا» . ثم انصرف.
стр. 177
رواه: أبو يعلى، والبيهقي؛ بإسناد ضعيف.
وعن يزيد الفقير عن أبيه وعن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي عن أبيه - دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه - قالا: «لما دنا علي وأصحابه من طلحة والزبير، ودنت الصفوف بعضها من بعض؛ خرج علي ﵁ وهو على بغلة رسول الله ﷺ ، فنادى: ادعوا لي الزبير بن العوام؛ فإني علي، فدعي له الزبير، فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال علي: يا زبير! نشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله ﷺ ونحن في مكان كذا وكذا، فقال: "يا زبير! تحب عليًا؟ ". فقلت: ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني؟ ! فقال: "يا علي! أتحبه؟ ". فقلت: يا رسول الله! ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني؟ فقال: "يا زبير! أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له". فقال الزبير: بلى، والله؛ لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله ﷺ ، ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك.» فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله بن الزبير، فقال: ما لك؟ فقال: ذكرني علي حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: «لتقاتلنه وأنت ظالم له» ؛ فلا أقاتله. فقال: وللقتال جئت؟ ! إنما جئت لتصلح بين الناس ويصلح الله بك هذا الأمر. قال: قد حلفت أن لا أقاتله. قال: فأعتق غلامك خير وقف حتى تصلح بين الناس. فأعتق غلامه، ووقف، فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه.
رواه البيهقي. قال ابن كثير: "وهو غريب".
وعن عبد الرحمن بن أبزى؛ قال: "انتهى عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة ﵂ يوم الجمل وهي في الهودج، فقال: يا أم المؤمنين! أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان، فقلت: ما تأمريني؟ فقلت: الزم عليا؟ فسكتت. فقال: اعقروا الجمل! فعقروه، فنزلت أنا وأخوها محمد، فاحتملنا هودجها، فوضعناه بين يدي علي، فأمر بها، فأدخلت بيتا".
стр. 178
رواه ابن أبي شيبة، قال الحافظ ابن حجر: "وسنده جيد".
وعن عمرة بنت عبد الرحمن؛ قالت: "لما سار علي ﵁ إلى البصرة؛ دخل على أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂ يودعها، فقالت: سر في حفظ الله وفي كنفه؛ فوالله إنك لعلى الحق والحق معك، ولولا أني أكره أن أعصي الله ورسوله ﷺ ؛ فإنه أمرنا ﷺ أن نقر في بيوتنا؛ لسرت معك، ولكن والله لأرسلن معك من هو أفضل عندي وأعز علي من نفسي، ابني عمر ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي سعيد التيمي عن أبي ثابت مولى أبي ذر؛ قال: كنت مع علي ﵁ يوم الجمل، فلما رأيت عائشة ﵂ واقفة؛ دخلني بعض ما يدخل الناس، فكشف الله عني ذلك عند صلاة الظهر، فقاتلت مع أمير المؤمنين، فلما فرغ ذهبت إلى المدينة، فأتيت أم سلمة ﵂، فقلت: إني والله ما جئت أسأل طعاما ولا شرابا ولكني مولى لأبي ذر. فقالت: مرحبا. فقصصت عليها قصتي، فقالت: أين كنت حين طارت القلوب مطائرها؟ قلت: إلى حيث كشف الله ذلك عني عند زوال الشمس. قالت: أحسنت؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد، وأبو سعيد التيمي هو عقيصاء: ثقة مأمون، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قلت: عقيصاء اسمه دينار: قال النسائي: "ليس بالقوي". وقال البخاري: "يتكلمون فيه". وذكر الذهبي في "الميزان" عن الدارقطني أنه قال: "متروك الحديث". وقال السعدي: "غير ثقة". وذكر ابن حجر في "لسان
стр. 179
الميزان" عن ابن معين أنه قال: "ليس بشيء". وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": "متروك الحديث".
وعلى هذا ففي تصحيح الحاكم والذهبي لهذا الحديث نظر، والله أعلم.
وعن جري بن سمرة؛ قال: "لما كان من أهل البصرة الذي كان بينهم وبين علي بن أبي طالب ﵁؛ انطلقت حتى أتيت المدينة، فأتيت ميمونة بنت الحارث ﵂، وهي من بني هلال، فسلمت عليها، فقالت: ممن الرجل؟ قلت: من أهل العراق. قالت: من أي أهل العراق؟ قلت: من أهل الكوفة. قالت: من أي أهل الكوفة؟ قلت: من بني عامر. قالت: مرحبا؛ قربا على قرب، ورحبا على رحب، فمجيء ما جاء بك؟ قلت: كان بين علي وطلحة الذي كان، فأقبلت فبايعت عليا. قالت: فالحق به؛ فوالله ما ضل ولا ضل به؛ حتى قالتها ثلاثا".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير جري بن سمرة، وهو ثقة".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: كنا عند بيت النبي ﷺ في نفر من المهاجرين والأنصار، فقال: «ألا أخبركم بخياركم؟ ". قالوا: بلى. قال: "الموفون المطيبون، إن الله يحب الخفي التقي". قال: ومر علي بن أبي طالب ﵁، فقال: "الحق مع ذا، الحق مع ذا» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وسيأتي حديث سعد بن أبي وقاص وأم سلمة ﵄ بنحوه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.
وعن قيس بن عباد؛ قال: "قال علي ﵁ لابنه الحسن بن علي
стр. 180
يوم الجمل: يا حسن! ليت أباك مات منذ عشرين سنة. قال: فقال له الحسن: يا أبت! قد كنت أنهاك عن هذا. قال: يا بني! لم أر أن الأمر يبلغ هذا".
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعن محمد بن حاطب: "أن الحسن بن علي ﵄؛ قال: يا أبت! قد كنت أنهاك عن هذا المسير؛ فغلبك على رأيك فلان وفلان. قال: قد كان ذاك يا بني، ولوددت أني مت قبل هذا بعشرين سنة".
رواه الحاكم في "مستدركه".
باب
ما جاء في وقعة صفين وقتل عمار بن ياسر ﵁
عن حرملة بن عمران؛ قال: سمعت يزيد بن أبي حبيب يحدث محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي؛ قال: "اصطحب قيس بن خرشة وكعب ذو الكتابين (يعني: كعب الأحبار، وإنما سماه ذا الكتابين لأنه قرأ التوراة والقرآن) ، حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ساعة، فقال: لا إله إلا الله؛ ليهراقن من دماء المسلمين بهذه البقعة شيء لا يهراق ببقعة من الأرض. فغضب قيس، ثم قال: وما يدريك يا أبا إسحاق ما هذا؟ هذا من الغيب الذي استأثر الله به! فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا وهو مكتوب في التوراة التي أنزل الله على موسى ما يكون عليه وما يخرج فيه إلى يوم القيامة".
رواه: الحسن بن سفيان في "مسنده"، والطبراني، وابن عبد البر في "الاستيعاب"، وهو مرسل.
وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا»
следующие страницы →