Полный текст (1 255 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
«يقول: الآن نبعث شاهدا عليك. فيتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد عليه؟ فيختم الله على فيه، ويقال لفخذه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظمه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه» .
قوله: "أي فل! "؛ أي: يا فلان. قال المنذري: "حذفت منه الألف والنون لغير ترخيم؛ إذ لو كان ترخيما؛ لما حذفت الألف". وقال ابن الأثير في "النهاية": "معناه: يا فلان! وليس ترخيما له؛ لأنه لا يقال إلا بسكون اللام، ولو كان ترخيما؛ لفتحوها أو ضموها". قال سيبويه: "ليست ترخيما، وإنما هي صيغة ارتجلت في باب النداء، وقد جاء في غير النداء؛ قال:
في لجة أمسك فلانا عن فل
فكسر اللام للقافية". وقال الأزهري: "ليس بترخيم فلان، ولكنها كلمة على حدة، فبنو أسد يوقعونها على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد، وغيرهم يثني ويجمع ويؤنث، وفلان وفلانة كناية عن الذكر والأنثى من الناس، فإن كنيت بهما عن غير الناس؛ قلت: الفلان والفلانة، وقال قوم: إنه ترخيم فلان، فحذفت النون للترخيم، والألف لسكونها، وتفتح اللام وتضم على مذهبي الترخيم". انتهى.
وقوله: "أسودك"؛ بتشديد الواو وكسرها؛ أي: أجعلك سيدا في قومك.
وقوله: "ترأس"؛ بفتح التاء وإسكان الراء وفتح الهمزة؛ أي: تصير رئيسا. قال ابن الأثير في "النهاية": "رأس القوم يترأسهم رئاسة إذا صار رئيسهم ومقدمهم".
وقوله: "وتربع"؛ بفتح التاء والباء الموحدة. قال ابن الأثير: "أي: تأخذ ربع الغنيمة؛ يقال: ربعت القوم أربعهم: إذا أخذت ربع أموالهم؛ مثل: عشرتهم أعشرهم؛ يريد: ألم أجعلك رئيسا مطاعا؛ لأن الملك كان يأخذ الربع
стр. 1157
من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه، ويسمى ذلك الربع: المرباع". انتهى.
الفائدة السادسة والعشرون: إثبات حوض النبي ﷺ في الدار الآخرة وقد تواترت الأحاديث بذلك.
قال ابن كثير في "النهاية": "ذكر ما ورد في الحوض النبوي المحمدي من الأحاديث المتواترة المتعددة من الطرق الكثيرة المتظاهرة، وإن رغمت أنوف كثيرة من المبتدعة المعاندة المكابرة القائلين بجحوده المنكرين لوجوده، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده، كما قال بعض السلف: من كذب بكرامة لم ينلها. ولو اطلع المنكر للحوض على ما سنورده من الأحاديث قبل مقالته؛ لم يقلها.
روي ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃؛ منهم: أبي بن كعب، وأنس بن مالك، والحسن بن علي، وحمزة بن عبد المطلب، والبراء بن عازب، وبريدة بن الحصيب، وثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وجندب بن عبد الله البجلي، وحارثة بن وهب، وحذيفة بن أسيد، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد لله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعتبة بن عبد السلمي، وعثمان بن مظعون، والمستورد، وعقبة بن عامر الجهني، والنواس بن سمعان، وأبو أمامة الباهلي، وأبو برزة الأسلمي، وأبو بكرة، وأبو ذر الغفاري، وأبو سعيد الخدري، وخولة بنت قيس، وأبو هريرة الدوسي، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة، وأم سلمة؛ ﵃ أجمعين، وامرأة حمزة عم الرسول ﷺ وهي من بني النجار ".
وقد ساق ابن كثير هذه الأحاديث مستوفاة من جميع طرقها سوى روايتي البراء بن عازب وخولة بنت قيس ﵂؛ فإنه لم يذكرهما، وقد أشار
стр. 1158
إلى رواية البراء بن عازب في بعض الروايات عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وزاد على ما تقدم ذكره خمسة أحاديث عن عمر بن الخطاب وسلمان الفارسي وسمرة بن جندب وسهل بن سعد وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵃، فمن أراد الوقوف على هذه الأحاديث؛ فليراجعها في كتاب "النهاية" لابن كثير.
وقد ذكر الهيثمي حديث خولة بنت قيس في "مجمع الزوائد"، وذكر أنها هي زوجة حمزة بن عبد المطلب ﵁، وذكر أيضا حديث البراء بن عازب ﵄، وساق جملة من الأحاديث التي ذكرها ابن كثير، وزاد معها أربعة أحاديث لم يذكرها ابن كثير، وهي عن أبي الدرداء وأبي مسعود والعرباض بن سارية وخولة بنت حكيم ﵃.
فهؤلاء مع ما ذكره ابن كثير اثنان وأربعون صحابيا رووا أحاديث الحوض عن النبي ﷺ .
الفائدة السابعة والعشرون: تطهير أهل الجنة من الطوف - وهو الغائط - ومن البول والأذى.
ويشهد لهذا ما رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد ضوء كوكب دري في السماء إضاءة؛ لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون؛ أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجاهرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، في طول ستين ذراعا» .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم أيضا، وأبو داود؛ عن جابر بن عبد الله
стр. 1159
رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون ولا يبزقون، طعامهم جشاء ورشح كرشح المسك» .
وروى: الإمام أحمد أيضا، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"؛ عن زيد بن أرقم ﵁؛ قال: «أتى النبي ﷺ رجل من اليهود، فقال: يا أبا القاسم! ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ وقال لأصحابه: إن أقر لي بهذه خصمته. قال: فقال رسول الله ﷺ : "بلى، والذي نفسي بيده؛ إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع". قال اليهودي: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة. قال: فقال النبي ﷺ : "حاجة أحدهم عرق يفيض من جلودهم مثل ريح المسك، فإذا البطن قد ضمر» .
ورواه الطبراني والبزار أيضا. قال الهيثمي: "ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح؛ غير ثمامة بن عقبة، وهو ثقة".
الفائدة الثامنة والعشرون: حبس الشمس والقمر يوم القيامة.
ويشهد لهذا ما رواه البخاري في "صحيحه" عن عبد الله الداناج؛ قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «الشمس والقمر مكوران يوم القيامة» .
ورواه البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم، ولفظه: عن عبد الله الداناج؛ قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن، فجلس إليه، فحدث؛ قال: حدثنا أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة ". فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك»
стр. 1160
«عن رسول الله ﷺ ، وتقول: وما ذنبهما؟!»
الفائدة التاسعة والعشرون: إثبات الجزاء بالحسنات والسيئات. والقرآن والسنة مملوآن من الأدلة على ذلك.
الفائدة الثلاثون: إثبات وجود الجنة والنار. والقرآن والسنة مملوآن من الأدلة على ذلك.
قال ابن كثير في "النهاية": "والجنة والنار موجودتان الآن؛ فالجنة معدة للمتقين، والنار معدة للكافرين؛ كما نطق بذلك القرآن العظيم، وتواترت بذلك الأخبار عن رسول رب العالمين. وهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة المتمسكين بالعروة الوثقى، وهي السنة، إلى قيام الساعة؛ خلافا لمن زعم أن الجنة والنار لم تخلقا بعد، وإنما تخلقان يوم القيامة. وهذا القول صدر ممن لم يطلع على الأحاديث المتفق على إخراجها في "الصحيحين" وغيرهما من كتب الإسلام المعتمدة المشهورة بالأسانيد الصحيحة والحسنة مما لا يمكن دفعه ولا رده لتواتره واشتهاره". انتهى.
الفائدة الحادية والثلاثون: ذكر أبواب الجنة وأبواب النار وما بين كل بابين من بعد المسافة.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ .
стр. 1161
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ .
وروى: مالك، وأحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله؛ دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة؛ دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة؛ دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد؛ دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام؛ دعي من باب الريان". فقال أبو بكر ﵁: والله يا رسول الله؛ ما على أحد من ضرورة من أيها دعي؛ فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم؛ وإني أرجو أن تكون منهم» .
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون» .
وفي "صحيح مسلم " عن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ (أو: فيسبغ) الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية؛ يدخل من أيها شاء» .
ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي بنحوه. قال الترمذي: "وفي الباب عن أنس وعقبة بن عامر ".
قلت: وحديث عقبة بن عامر ﵁ الذي أشار إليه الترمذي قد
стр. 1162
رواه الإمام أحمد في "مسنده".
وروى الإمام أحمد أيضا عن عمر ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من مات يؤمن بالله واليوم الآخر؛ قيل له: ادخل الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية شئت» .
والأحاديث في ذكر أبواب الجنة وأنها ثمانية كثيرة.
وأما أبواب النار؛ فقد تقدم ذكر النص من القرآن على أنها سبعة.
وروى: الإمام أحمد، والترمذي؛ عن ابن عمر ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل سيفه على أمتي (أو قال: أمة محمد) » .
قال الترمذي: "حديث غريب".
وقد جاء في ذكر المسافة بين أبواب الجنة أحاديث مختلفة في ألفاظها، وقد جمع ابن القيم رحمه الله تعالى بين بعضها بجمع حسن؛ قال في الكلام على حديث أبي رزين العقيلي ﵁.
"وقوله: "ما بين البابين مسيرة سبعين عاما": يحتمل أن يريد به أن بين الباب والباب هذا المقدار، ويحتمل أن يريد بالبابين المصراعين، ولا يناقض هذا ما جاء من تقديره بأربعين عاما؛ لوجهين:
أحدهما: أنه لم يصرح فيه راويه بالرفع، بل قال: "ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاما".
والثاني: أن المسافة تختلف باختلاف سرعة السير فيها وبطئه، والله أعلم".
стр. 1163
الفائدة الثانية والثلاثون: إثبات نعيم الجنة. والأدلة على ذلك من القرآن والسنة كثيرة جدا يشق حصرها.
الفائدة الثالثة والثلاثون: إثبات الجماع في الجنة، وقد تقدم إيراد الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة في الفصل الثاني من الفصول التي في آخر (باب النفخ في الصور) ؛ فلتراجع هناك.
الفائدة الرابعة والثلاثون: أنه ليس في الجنة توالد.
وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء؛ قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله في نساء الجنة: "غير أن لا توالد": قد اختلف الناس؛ هل تلد نساء أهل الجنة على قولين، فقالت طائفة: لا يكون فيها حبل ولا ولادة، واحتجت هذه الطائفة بهذا الحديث وبحديث آخر - أظنه في "المسند" - وفيه: (غير أن لا مني ولا منية".
قلت: هذا الحديث رواه الطبراني في "الكبير" من حديث أبي أمامة ﵁، وتقدم في الفصل الثاني بعد (باب النفخ في الصور) .
"وأثبتت طائفة من السلف الولادة في الجنة، واحتجت بما رواه الترمذي في "جامعه" من حديث أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة؛ كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي» . قال الترمذي: "حسن غريب، ورواه ابن ماجه ".
قالت الطائفة الأولى: هذا لا يدل على وقوع الولادة في الجنة؛ فإنه علقه بالشرط، فقال: "إذا اشتهى"، وحكمه لا يشتهى. وهذا تأويل إسحاق بن راهويه، حكاه البخاري عنه.
стр. 1164
قالوا: والجنة دار خلود؛ لا موت فيها، فلو توالد فيها أهلها على الدوام والأبد؛ لما وسعتهم، وإنما وسعتهم الدنيا بالموت.
وأجابت الطائفة الأخرى عن ذلك كله، وقالت: أداة (إذا) إنما تكون لمحقق الوقوع لا المشكوك فيه، وقد صح أن الله ينشئ للجنة خلقا يسكنهم إياها بلا عمل منهم. قالوا: وأطفال المسلمين أيضا فيها بغير عمل، وأما حديث سعتها؛ فلو رزق كل واحد عشرة آلاف من الولد؛ لوسعتهم؛ فإن أدناهم من ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام. انتهى.
وقد ذكر ابن كثير في "النهاية" رواية الحاكم عن أبي سعيد ﵁؛ قال: «قيل: يا رسول الله! أيولد لأهل الجنة؟ فإن الولد من تمام السرور؟ فقال: "نعم؛ والذي نفسي بيده؛ ما هو إلا كقدر ما يتمنى أحدكم، فيكون حمله ورضاعه وشبابه» .
قال ابن كثير: "وهذا السياق يدل على أن هذا أمر يقع؛ خلافا لما حكاه البخاري والترمذي عن إسحاق بن راهويه أن ذلك محمول على أنه لو أراد ذلك ولكن لا يريده، ونقل عن جماعة من التابعين كطاوس ومجاهد وإبراهيم وغيرهم أن الجنة لا يولد فيها، وهذا صحيح، وذلك أن جماعهم لا يقتضي ولدا كما هو الواقع في الدنيا، فإن الدنيا دار يراد منها بقاء النسل لتعمر، وأما الجنة فالمراد منها بقاء اللذة، ولهذا؛ لا يكون في جماعهم مني يقطع لذة جماعهم، ولكن إذا أحب أحدهم الولد؛ وقع ذلك كما يريد، قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ". انتهى.
الفائدة الخامسة والثلاثون: ترك الجواب لمن سأل عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ .
стр. 1165
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ ... الآية.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ .
ولما «قال جبريل للنبي ﷺ : أخبرني عن الساعة؛ قال ﷺ : " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "يا رسول الله! ما أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ ": لا جواب لهذه المسألة؛ لأنه إن أراد أقصى مدة الدنيا وانتهائها؛ فلا يعلمه إلا الله، وإن أراد أقصى ما نحن منتهون إليه بعد دخول الجنة والنار؛ فلا تعلم نفس أقصى ما ينتهى إليه من ذلك، وإن كان الانتهاء إلى نعيم وجحيم، ولهذا لم يجبه النبي ﷺ ". انتهى.
الفائدة السادسة والثلاثون: المبايعة على التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومفارقة المشركين، ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ .
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول»
стр. 1166
«الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» .
وروى: الإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم؛ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وروى: الإمام أحمد، وابن ماجه، والدارقطني أيضا؛ عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ نحوه أيضا.
وروى: النسائي، والدارقطني، والحاكم؛ عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضا.
إلى غير ذلك من الأحاديث في مبايعة المشركين على التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
وأما مفارقة المشركين؛ فهي واجبة مع القدرة.
قال الشيخ الموفق في كتاب "المغني": "الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تجب عليه، وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار؛ فهذا تجب عليه الهجرة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ .
وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضروب الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب.
الثاني: من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها: إما لمرض، أو إكراه على
стр. 1167
الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم؛ فهذا لا هجرة عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ، ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها.
والثالث: من تستحب له ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر، فتستحب له؛ ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة". انتهى.
قال في "الفروع": "وذكر ابن الجوزي أنها تجب عليه؛ أي: على هذا الضرب الأخير". قال: "وأطلق ذلك". انتهى.
وهذا الذي ذكره ابن الجوزي جيد قوي يدل عليه ظاهر القرآن والأحاديث التي سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
أما القرآن؛ فإن الله تعالى لم يعذر عن الهجرة إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، ولو كان للقوي القادر على إظهار دينه في دار الكفر عذر؛ لعذره الله تعالى كما عذر المستضعفين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ ؛ فقطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فدل على أنه لا عذر لأحد في ترك الهجرة؛ إلا للمستضعفين الذين نص الله عليهم في سورة النساء.
وأما الأحاديث:
فمنها ما رواه أبو داود عن سمرة بن جندب ﵁؛ قال: أما بعد، قال رسول الله ﷺ : «من جامع المشرك وسكن معه؛ فإنه مثله» .
стр. 1168
ورواه الترمذي معلقا بصيغة الجزم، فقال: وروى سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم؛ فهو مثلهم» .
ورواه الحاكم في "مستدركه" موصولا من حديث الحسن عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم؛ فليس منا» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ".
وظاهر هذا الحديث العموم لكل من جامع المشركين وساكنهم اختيارا منه لذلك لا اضطرارا وعجزا.
ومنها ما رواه: أبو داود، والترمذي؛ عن جرير بن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين". قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال: "لا تراءى ناراهما» .
ورواه الطبراني في "الكبير"، والبيهقي، ولفظهما: قال: «من أقام مع المشركين؛ فقد برئت منه الذمة» .
وفي هذا الحديث والحديث قبله وعيد شديد لمن جامع المشركين وساكنهم اختيارا.
قال الفضل بن زياد: "سمعت أحمد رحمه الله تعالى يسأل عن معنى: «لا تراءى ناراهما» . فقال: لا تنزل من المشركين في موضع إذا أوقدت رأوا فيه نارك، وإذا أوقدوا رأيت فيه نارهم، ولكن تباعد عنهم".
ومنها ما رواه: الإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، والنسائي، وأبو
стр. 1169
يعلى؛ عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «لا تستضيئوا بنار المشركين» .
قال بعض العلماء: "معناه: لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم، وهاجروا من بلادهم".
وقال ابن الأثير: "معناه: لا تستشيروهم، ولا تأخذوا بآرائهم، جعل الضوء مثلا للرأي عند الحيرة".
قلت: وهذا القول مروي عن الحسن البصري.
وعنه أيضا: أنه قال: «نهى النبي ﷺ أن يستعان بالمشركين على شيء» .
والظاهر أن النهي يشمل الأمرين كليهما؛ فلا يجوز للمسلم مساكنة المشركين اختيارا ولا مشاورتهم والأخذ بآرائهم، والقول الأول أظهر، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : «لا تراءى ناراهما» ، وقوله في حديث الزهري الذي سيأتي ذكره: "وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب". والله أعلم.
ومنها ما رواه: الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم؛ عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملا أو يفارق المشركين إلى المسلمين» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ومنها ما رواه: الإمام أحمد، والنسائي؛ عن يزيد بن الشخير؛ قال: «بينا أنا مع مطرف بالمربد؛ إذ دخل رجل معه قطعة أدم؛ قال: كتب لي هذه رسول الله ﷺ ؛ فهل أحد منكم يقرأ؟ قال: قلت: أنا أقرأ. فإذا فيها: " من محمد النبي لبني زهير بن أقيش أنهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وفارقوا»
стр. 1170
«المشركين وأقروا بالخمس في غنائمهم وسهم النبي وصفيه؛ أنهم آمنون بأمان الله ورسوله» .
ومنها ما رواه النسائي عن جرير ﵁؛ قال: «بايعت رسول الله ﷺ على: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فراق المشركين» .
وفي رواية: «قال جرير ﵁: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم. قال: "أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين» .
ومنها ما رواه الحاكم في "مستدركه «عن أبي اليسر كعب بن عمرو ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع الناس، فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي؛ فأنت أعلم بالشرط. قال: "أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلم، وتفارق المشرك» .
ومنها ما رواه ابن جرير عن الزهري مرسلا: «أن رسول الله ﷺ أخذ على رجل دخل في الإسلام، فقال: "تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب» .
الفائدة السابعة والثلاثون: أنه لا يجني جان إلا على نفسه. ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾
стр. 1171
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
وروى الإمام أحمد «عن أبي رِمْثَة ﵁؛ قال: جئت مع أبي إلى النبي ﷺ ، فقال: "ابنك هذا؟ ". قلت: نعم. قال: "أتحبه؟ ". قلت: نعم. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه» . وزاد في بعض الروايات: قال: وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
وقد رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"؛ بنحوه.
وروى الإمام أحمد أيضا، وابن ماجه؛ «عن الخشخاش العنبري ﵁؛ قال: أتيت النبي ﷺ ومعي ابن لي؛ قال: فقال: "ابنك هذا؟ ". قال: قلت: نعم. قال: "لا يجني عليك ولا تجني عليه» .
وروى: الإمام أحمد، وابن ماجه أيضا؛ عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: «ألا لا يجني جان إلا على نفسه؛ لا يجني والد على ولده ولا مولود على والده» .
وروى ابن ماجه أيضا عن أسامة بن شريك؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجني نفس على أخرى» .
قال في "الزوائد": "إسناده صحيح".
وروى النسائي عن طارق المحاربي ﵁: «أن رجلا قال: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة الذين قتلوا فلانا في الجاهلية؛ فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه، حتى رأيت بياض إبطيه، وهو يقول: "لا تجني أم على ولد (مرتين) » .
ورواه ابن ماجه مختصرا، قال في "الزوائد": "إسناده صحيح ورجاله ثقات".
стр. 1172
وروى النسائي أيضا عن ثعلبة بن زهدم؛ قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب، فجاء ناس من الأنصار، فقالوا: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلانا في الجاهلية، فقال النبي ﷺ وهتف بصوته: " ألا لا تجني نفس على الأخرى» .
وروى الإمام أحمد عن أبي رمثة ﵁؛ قال: «قال رجل: يا رسول الله! هؤلاء بنو يربوع، قتله فلان. قال: " ألا لا تجني نفس على الأخرى» .
وروى الإمام أحمد أيضا عن سليم بن أسود عن رجل من بني يربوع؛ قال: «أتيت النبي ﷺ ، فقال له رجل: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين أصابوا فلانا. قال: فقال رسول الله ﷺ : " ألا لا تجني نفس على الأخرى» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
وروى البزار عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: " «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
الفائدة الثامنة والثلاثون: الثناء على من يستحق الثناء.
وقد أثنى الله ﵎ في كتابه على كثير من الأنبياء والصالحين من الأمم السالفة، وأثنى على رسوله ﷺ وعلى المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأثنى رسول الله ﷺ على كثير ممن يستحق الثناء، ومنهم أبو رزين العقيلي وصاحبه.
الفائدة التاسعة والثلاثون: فيه فضيلة لأبي رزين وصاحبه؛ حيث حلف النبي ﷺ أنهما من أتقى الناس في الأولى والآخرة.
стр. 1173
ومن فضائل أبي رزين أيضا ما رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن وكيع بن عدس عن أبي رزين ﵁؛ قال: «كان النبي ﷺ يكره أن يسأل، فإذا سأله أبو رزين؛ أعجبه» .
وإنما كان يعجبه سؤال أبي رزين لأنه كان رجلا عاقلا.
وقد روى: الإمام أحمد بإسناد صحيح، ومسلم، والترمذي؛ عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع» .
وأسئلة أبي رزين للنبي ﷺ في حديثه الطويل وفي غيره من الأحاديث المروية عنه تدل على كبر عقله.
الفائدة الأربعون: حسن الأدب مع الأكابر، وذلك أن النبي ﷺ لما قال لأبي رزين ﵁: "إن أباك المنتفق لفي النار". قال أبو رزين: فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله! وأهلك؟! وهذا من حسن أدب أبي رزين ﵁ مع النبي ﷺ ؛ حيث أتى في سؤاله بكلمة عامة، ولم يواجه النبي ﷺ بصريح اسم أبيه.
الفائدة الحادية والأربعون: القطع لكل مشرك بالنار، ويدل على ذلك:
قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
стр. 1174
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان؛ عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ أمر بلالا فنادى في الناس: "إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة» .
وفي "صحيح البخاري " أيضا عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا رب! إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين» .
وفي "مستدرك الحاكم " عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة، فلتقطعنه النار؛ يريد أن يدخله الجنة". قال: "فينادى: إن الجنة لا يدخلها مشرك، ألا إن الله قد حرم الجنة على كل مشرك» .... الحديث.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "فيه دليل على أن من مات مشركا؛ فهو في النار، وإن مات قبل البعثة؛ لأن المشركين قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقبحه والوعيد عليه بالنار لم يزل معلوما من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنا بعد قرن؛ فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب
стр. 1175
بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها؛ فالمشرك يستحق العذاب لمخالفته دعوة الرسل، والله أعلم" انتهى.
الفائدة الثانية والأربعون: سماع أهل القبور كلام الأحياء، ويستفاد ذلك من قول النبي ﷺ لأبي رزين ﵁: «حيثما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي أو دوسي من مشرك؛ فقل: أرسلني إليك محمد، فأبشرك بما يسؤوك؛ تجر على وجهك وبطنك في النار» ، ولو كان الأموات لا يسمعون كلام الأحياء؛ لما كان النبي ﷺ يأمر أبا رزين ﵁ أن يبشر من يمر عليه من أموات المشركين بالنار، فدل أمره ﷺ لأبي رزين على أن الأموات يسمعون كلام الأحياء.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين ﵁: "وقوله: "حيثما مررت بقبر كافر فقل: أرسلني إليك محمد ". هذا إرسال تقريع وتوبيخ لا تبليغ أمر ونهي، وفيه دليل على سماع أهل القبور كلام الأحياء وخطابهم لهم". انتهى.
ويشهد لما جاء في حديث أبي رزين ﵁ ما رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي؛ عن ابن عمر ﵄ قال: «وقف رسول الله ﷺ على القليب يوم بدر، فقال: "يا فلان! يا فلان! هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ أما والله إنهم الآن ليسمعون كلامي» ..... الحديث.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا ابن ماجه؛ عن أنس بن مالك ﵁ عن أبي طلحة ﵁: «أن رسول الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم؛ أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر»
стр. 1176
«اليوم الثالث؛ أمر براحلته، فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فلان ابن فلان! ويا فلان ابن فلان! أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؛ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ". قال: فقال عمر ﵁: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده؛ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» .
وروى الإمام أحمد أيضا عن أنس ﵁؛ قال: «كنا مع عمر ﵁ بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت حديد البصر، فرأيته، فجعلت أقول لعمر: أما تراه؟ قال: سأراه وأنا مستلق على فراشي. ثم أخذ يحدثنا عن أهل بدر؛ قال: إن كان رسول الله ﷺ ليرينا مصارعهم بالأمس؛ يقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى. قال: فجعلوا يصرعون عليها. قال: قلت: والذي بعثك بالحق؛ ما أخطؤوا تيك، كانوا يصرعون عليها، ثم أمر بهم، فطرحوا في بئر، فانطلق إليهم، فقال: (يا فلان! يا فلان! هل وجدتم ما وعدكم الله حقا؛ فإني وجدت ما وعدني الله حقا". قال عمر: يا رسول الله! أتكلم قوما قد جيفوا؟ قال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن؛ لا يستطيعون أن يجيبوا» .
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وروى: الإمام أحمد أيضا، ومسلم؛ عن أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا، ثم أتاهم، فقام عليهم، فقال: "يا أمية بن خلف! يا أبا جهل بن هشام! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؛ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا". قال: فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول الله! أتناديهم بعد ثلاث؟! وهل يسمعون؟! يقول»
стр. 1177
«الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ . فقال: "والذي نفسي بيده؛ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا» .
الفائدة الثالثة والأربعون: أن طاعة الأنبياء هداية ومعصيتهم ضلالة، وهذا معلوم من الدين بالضرورة.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ .
وقال تعالى بعد ذكره لبعض المرسلين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ .
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وهذه الفوائد المهمة هي التى احتوى عليها حديث أبي رزين ﵁، وزعم أبو عبية عدم صحتها وظهور الكذب في صياغة الحديث ودلالته، وهذا من أقبح المكابرة والمجادلة بالباطل لإدحاض الحق، نعوذ بالله من زيغ القلوب وانتكاسها.
فصل
وقال أبو عبية في (ص٢٩٥) على قول الله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ ؛ قال: "أي: رافع درجات من يطيعونه ويستجيبون لأمره".
стр. 1178
والجواب أن يقال: هذا القول، وإن قال به بعض المفسرين؛ فهو موافق لقول المعطلة الذين ينفون علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه، والصواب ما قاله ابن كثير في تفسيره هذه الآية؛ قال:
"يقول الله تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها؛ كما قال تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ . انتهى.
فالآية من أدلة علو الله على خلقه، لا من أدلة رفع الدرجات لأوليائه وأهل طاعته.
فصل
وقال أبو عبية في (ص٣٢٨) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: " مجيء الله يوم القيامة هو مجاز عن مجيء أمره بالفصل بين العباد يوم الدين، وهو مجاز مرسل".
وقال مثل ذلك في (ص٣٣١ و٣٧٣) .
والجواب أن يقال: هذا القول خلاف الصواب، والصحيح أن الرب ﵎ يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه:
كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ .
стр. 1179
قال ابن كثير في "تفسيره": " ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ؛ يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ ، فيقول: «أنا لها أنا لها» ، فيذهب عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود؛ كما تقدم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا" انتهى.
وقال ابن كثير أيضا في تفسير قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ ؛ قال: "وذلك كائن يوم القيامة" انتهى.
وقال البغوي على قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ : "بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة" انتهى.
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ : "يعني: يوم القيامة؛ لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" انتهى.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن أنيس ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة (أو قال: العباد) عراة غرلا بهما". قال: قلنا: وما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك! أنا الديان! لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى»
стр. 1180
«أقصه منه، حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة غرلا بهما؟ قال: "بالحسنات والسيئات» .
قال الهيثمي: "رجاله وثقوا، ورواه الطبراني في "الأوسط" بنحوه".
وقال الهيثمي أيضا في موضع آخر: "هو عند أحمد والطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن".
فصل
وقد روى: الإمام أحمد، ومسلم؛ عن ثوبان ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: «إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم» ...... الحديث.
وقد صحف أبو عبية هذا الحديث، فقال في (ص٣٤٣) ما نصه: «أذود عنه الناس لأهل اليمن» ، ثم قال أبو عبية: «هذا تمثيل للحيلولة بين من ليسوا من أهل اليمن وبين مقام الإكرام والرحمة يوم القيامة» .
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن تصحيفه للحديث وكلامه عليه على وفق تصحيفه هو بلا شك من تحريف الكلم عن مواضعه، والأولى لأبي عبية أن لا يتكلم في معنى الأحاديث؛ لأنه أجنبي عنها، لا يعرفها، ولا يعرف معانيها، وإنما يتكلم عليها بما يوافق عقله ورأيه.
وقد قال النووي في "شرح مسلم ": "قوله ﷺ : «أذود الناس لأهل اليمن، أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم» ؛ معناه: أطرد الناس عنه؛ غير أهل اليمن؛ ليرفض على أهل اليمن، وهذه كرامة لأهل اليمن في تقديمهم في الشرب منه؛
стр. 1181
مجازاة لهم بحسن صنيعهم وتقدمهم في الإسلام، والأنصار من اليمن، فيدفع غيرهم حتى يشربوا؛ كما دفعوا في الدنيا عن النبي ﷺ أعداءه والمكروهات، ومعنى (يرفض عليهم) ؛ أي: يسيل عليهم" انتهى.
و (عقر الحوض) ؛ بضم العين وإسكان القاف؛ قال النووي: "هو موقف الإبل من الحوض إذا وردته، وقيل: مؤخره" انتهى.
وقد أثنى رسول الله ﷺ على أهل اليمن، فقال: «أتاكم أهل اليمن: أرق أفئدة، وألين قلوبا؛ الإيمان يمان، والحكمة يمانية» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
وقد جاء من اليمن أمداد كثيرة في خلافه أبي بكر وعمر ﵄، وذهب كثير منهم على الثغور يجاهدون في سبيل الله تعالى، وسكن كثير منهم في الأمصار مع الصحابة يتعلمون منه العلم ويعلمونه، وكان فيهم كثير من أكابر الفقهاء والمحدثين، وفيهم حكماء وعباد كثيرون، ولما كانوا متصفين بالصفات الحميدة؛ ناسب أن يقدموا في الشرب من حوض النبي ﷺ ، وأن يذاد عنهم من ليس مثلهم. والله أعلم.
الوجه الثاني: أن الظاهر من كلام أبي عبية أنه لا يؤمن بحوض النبي ﷺ في الدار الآخرة، ولهذا زعم أن ذود النبي ﷺ عن الحوض لأهل اليمن تمثيل للحيلولة بين من ليسوا من أهل اليمن وبين مقام الإكرام والرحمة يوم القيامة؛ يعني: وليس بذود عن الحوض على الحقيقة!
وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يثبتون للنبي ﷺ حوضا في الدار الآخرة يرد عليه المؤمنون من هذه الأمة، ويمنع منه من ليس بمؤمن.
стр. 1182
وقد تواترت الأحاديث بإثبات الحوض النبوي، وتقدم بيان ذلك في الفائدة السادسة والعشرين من فوائد حديث أبي رزين العقيلي ﵁، وقد أنكر الحوض كثير من أهل البدع، ولا عبرة بخلافهم، وقد جاء الإخبار عن المنكرين للحوض في الحديث الذي رواه عبد الرزاق في "مصنفه" بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ وهو يقول: «إنه سيخرج بعدكم قوم يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بالحوض، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بقوم يخرجون من النار» .
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأن فيه إخبارا عن أمر غيبي، وذلك لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
تنبيه
ما في هذا الفصل هو آخر ما وقفت عليه من أباطيل أبي عبية التي علقها على الجزء الأول من "النهاية" لابن كثير، ولم أقف على الجزء الثاني، ولا يبعد أن يكون فيه كثير من التعاليق الباطلة كما كان في الجزء الأول؛ فليحذر طلبة العلم خاصة وغيرهم عامة من النظر في تعاليقه؛ فإنها مشحونة بالأباطيل، وجدير بها أن تؤثر على الناظر بما يضره في علمه وعقيدته.
خاتمة
في ذكر مآل الخلق بعد قيام الساعة
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ .
стр. 1183
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾
стр. 1184
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
والآيات في ذكر مآل السعداء إلى الجنة ومآل الأشقياء إلى النار كثيرة جدا.
وقد قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء (ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ، وقرأ: ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ".
стр. 1185
رواه: ابن المبارك في "الزهد"، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقال أسباط عن السدي في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ ؛ قال: "في قراءة عبد الله: (ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم) ، وكان عبد الله يقول: والذي نفسي بيده؛ لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل الناء في النار (ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
رواه ابن جرير.
وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄: "إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين".
رواه ابن أبي حاتم.
وقال سعيد بن جبير: "يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
رواه ابن أبي حاتم.
وقال عكرمة: "إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وهي الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر، إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل الجنة؛ فينطلق بهم إلى الجنة، فكانت قيلولتهم في الجنة، وذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
стр. 1186
رواه ابن أبي حاتم.
وقال إبراهيم النخعي: "كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار؛ فذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
رواه: ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو نعيم في "الحلية".
فصل
في ذكر أهل الجنة وأهل النار
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
وعن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁: أنه سمع النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ ". قالوا: بلى. قال ﷺ : "كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله؛ لأبره". ثم قال: "ألا أخبركم بأهل النار؟ ". قالوا: بلى. قال: "كل عتل جواظ مستكبر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه، وهذا لفظ مسلم. وفي رواية له: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بأهل»
стр. 1187
«الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ زنيم متكبر» . وفي رواية لأحمد نحوه، وقال: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ جعظري مستكبر» .
ورواه أبو داود السجستاني، ولفظه: «لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري» ؛ قال: "والجواظ الغليظ الفظ".
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «ألا أخبركم بأهل النار وأهل الجنة؟ أما أهل الجنة؛ فكل ضعيف متضعف، أشعث ذي طمرين، لو أقسم على الله؛ لأبره، وأما أهل النار؛ فكل جعظري جواظ جماع مناع ذي تبع» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو حسن الحديث، وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ ؛ قال: «إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "هم الضعفاء المظلومون، ألا أخبركم بأهل النار؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "كل شديد جعظري، هم الذين لا يألمون رؤوسهم» .
رواه أبو داود الطيالسي.
стр. 1188
وقد رواه الإمام أحمد مختصرا، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل سفيه جعظري» .
قال الهيثمي: "وفيه البراء بن عبد الله وهو ضعيف".
قلت: وما قبله يشهد له ويقويه.
وعن ابن غنم ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة الجواظ والجعظري والعتل الزنيم» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وإسناده حسن؛ إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي ﷺ ".
وعن علي بن رباح؛ قال: بلغني عن سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: «يا سراقة! ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ ". قال: بلى يا رسول الله! قال: "أما أهل النار؛ فكل جعظري جواظ مستكبر، وأهل الجنة؛ فالضعفاء المغلوبون» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أن فيه راويا لم يسم". وقال المنذري: "رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" بإسناد حسن، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ".
قال المنذري: " (العتل) ؛ بضم العين والتاء وتشديد اللام: هو الغليظ الجافي، و (الجواظ) ؛ بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة: هو الجموع المنوع، وقيل: الضخم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين" انتهى.
وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": " (العتل) : الغليظ الجافي الذي لا ينقاد على الخير، و (الزنيم) : الدعي الملصق بالقوم وليس منهم، وقيل: هو اللئيم".
стр. 1189
وقال في: "النهاية": " (العتل) : هو الشديد الجافي والفظ الغليظ من الناس، و (الزنيم) : هو الدعي في النسب الملحق بالقوم وليس منهم؛ تشبيها له بالزنمة، وهو شيء يقطع من أذن الشاة، ويترك معلقا بها، وهي أيضا هنة مدلاة في حلق الشاة كالملحقة بها، و (الجواظ) : الجموع المنوع، وقيل: الكثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين، و (الجعظري) : الفظ الغليظ المتكبر، وقيل: هو الذي ينتفج بما ليس عنده، وفيه قصر" انتهى.
و (المتنفج) : هو المفتخر بما ليس عنده.
وعن عياض بن حمار المجاشعي ﵁: أن رسول الله قال ذات يوم في خطبته: " (فذكر الحديث، وفيه قال:) «وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال". قال: "وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْر له الذين هم فيكم تبعا لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك (وذكر البخل أو الكذب) ، والشنظير الفحاش» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وهذا لفظه.
قوله: «لا زبر له» . قال ابن الأثير في "النهاية": "أي: لا عقل له يزبره وينهاه عن الإقدام على ما لا ينبغي، و (الشنظير الفحاش) : هو السيئ الخلق". انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم. فقال الله للجنة: أنت رحمتي؛ أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي؛ أعذب»
стр. 1190
«بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار؛ فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله، فتقول: قط، قط، قط؛ فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، وأما الجنة؛ فإن الله ينشئ لها خلقا» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي.
قوله: "وسقطهم": قال ابن الأثير في "جامع الأصول": " (السقط) في الأصل: المزدرى به، ومنه السقط لرديء المتاع". وقال في "النهاية": " (سقطهم) ؛ أي: أرذالهم وأدوانهم".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى بينهما: إنك الجنة رحمتي؛ أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي؛ أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد.
وفي رواية له: أن رسول الله ﷺ قال: «افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: أي رب! يدخلني الجبابرة والملوك والعظماء والأشراف. وقالت الجنة: أي رب! يدخلني الفقراء والضعفاء والمساكين. فقال ﵎ للنار: أنت عذابي؛ أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي؛ وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما النار؛ فيلقى فيها أهلها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يأتيها ﵎، فيضع قدمه عليها، فتزوى، وتقول: قدني، قدني. وأما الجنة؛ فتبقى ما شاء الله أن تبقى، ثم ينشئ الله لها خلقا بما يشاء» .
وعن عمران بن حصين وابن عباس ﵃؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء» .
стр. 1191
رواه البخاري في (باب فضل الفقر) من "كتاب الرقاق" عن عمران وابن عباس معا. وكذا رواه: أبو داود الطيالسي، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". ورواه البخاري أيضا في مواضع أخر عن عمران بن حصين ﵄ وحده. ورواه: أبو داود الطيالسي أيضا، ومسلم؛ من حديث ابن عباس ﵄ وحده. ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵄ في مسند ابن عباس ومن حديث عمران بن حصين ﵄ في مسند عمران.
ورواه الطبراني في "الأوسط" عن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ ؛ قال: «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الضعفاء والفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح، غير الضحاك بن يسار، وقد وثقه ابن حبان ".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء» .
رواه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله في "المسند". قال المنذري والهيثمي: "وإسناده جيد، ورواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «اطلعت في النار فوجدت أكثر أهلها النساء، واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده على شرط الشيخين.
وعن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «قمت على باب الجنة؛ فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون»
стр. 1192
«إلا أصحاب النار؛ فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار؛ فإذا عامة من دخلها النساء» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
(الجد) ؛ بفتح الجيم: الحظ والغنى.
وعن عمران بن حصين ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أقل ساكني الجنة النساء» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته حين كسفت الشمس: «ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء". قالوا: بم يا رسول الله! قال: "بكفرهن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئا؛ لقالت: ما رأيت منك خيرا قط» .
رواه: مالك، وأحمد، والشيخان.
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم، ثم مضى، حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن، فقال: " تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم". فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير» ... الحديث.
رواه: مسلم، والنسائي.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا»
стр. 1193
«معشر النساء! تصدقن ولو من حليتكن، فإنكن أكثر أهل جهنم". فقالت امرأة ليست من علية النساء: وبم يا رسول الله نحن أكثر أهل جهنم؟ قال: "لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» ... الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «يا معشر النساء! تصدقن وأكثرن الاستغفار؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار ". فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» ... الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «إن رسول الله ﷺ خطب الناس فوعظهم، ثم قال: " يا معشر النساء! تصدقن؛ فإنكن أكثر أهل النار". فقالت امرأة منهن: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: "لكثرة لعنكن؛ يعني: وكفركن العشير» ......" الحديث.
وعن أبي سعيد ﵁؛ قال: «خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: " يا معشر النساء! تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار". فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» ... الحديث.
رواه: البخاري، ومسلم.
стр. 1194
وعن حكيم بن حزام ﵁؛ قال: «أمر رسول الله ﷺ النساء بالصدقة، وحثهن عليها، وقال: " تصدقن؛ فإنكن أكثر أهل النار". فقالت امرأة منهن: لم ذاك يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن اللعن، وتسوفن الخير، وتكفرن العشير» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵄؛ قالت: «خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: " يا معشر النساء! تصدقن ولو من حليكن؛ فإنكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم من طريقه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، وتفرد مسلم بإخراجه مختصرا"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وقد رواه البخاري والنسائي مختصرا.
وعن أبي راشد الحبراني؛ قال: قال عبد الرحمن بن شبل ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الفساق هم أهل النار". قيل: يا رسول الله! ومن الفساق؟ قال: "النساء". قال رجل: يا رسول الله! أولسن أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا؟ قال: "بلى، ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن، وإذا ابتلين لم يصبرن» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وقال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي راشد الحبراني وهو ثقة". انتهى.
وقد رواه الإمام أحمد من حديث زيد بن سلام عن جده؛ قال: كتب معاوية ﵁ إلى عبد الرحمن بن شبل ﵁: أن علم الناس ما سمعت من رسول الله ﷺ . فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " (فذكر الحديث، وفيه: ثم قال:) «إن الفساق هم أهل النار". قالوا: يا رسول الله! ومن»
стр. 1195
«الفساق؟ قال: "النساء". قالوا: يا رسول الله! ألسن أمهاتنا وبناتنا وأخواتنا؟ قال: "بلى، ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن، وإذا ابتلين لم يصبرن» .
رجاله رجال الصحيح.
وعن أبي بن كعب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " «عرضت علي النار، وأكثر من رأيت فيها النساء؛ إن ائتمن أفشين، وإن سألن ألحفن، وإن سئلن بخلن، وإن أعطين لم يشكرن» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى الإمام أحمد أيضا عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ نحوه.
فصل
في ذكر الأعمال التي تقرب من الجنة
والأعمال التي تقرب من النار
قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «لما خلق الله الجنة والنار؛ أرسل جبرئيل إلى الجنة، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها". قال: "فجاءها، فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها". قال: "فرجع»
следующие страницы →