Полный текст (1 255 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
«تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وإنه سيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه.
باب
ما جاء في أئمة السوء ومن يغشاهم من الناس
عن أبي رافع؛ قال: أخبرني ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنه لم يكن نبي قط إلا وله ومن أصحابه حواري وأصحاب يتبعون أثره ويقتدون بهديه، ثم يأتي من بعد ذلك خوالف أمراء، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد.
وزاد مسلم: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» . قال أبو رافع: فحدثته عبد الله بن عمر، فأنكره علي، فقدم ابن مسعود فنزل بقناة، فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده، فانطلقت معه، فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث، فحدثنيه كما حدثته ابن عمر.
وعن عطاء بن يسار (وهو قاضي المدينة) ؛ قال: سمعت ابن مسعود ﵁ وهو يقول: قال رسول الله ﷺ : «سيكون أمراء من بعدي؛ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده» .
قال عطاء: فحين سمعت الحديث منه انطلقت إلى عبد الله بن عمر، فأخبرته، فقال:
стр. 212
أنت سمعت ابن مسعود يقول هذا (كالمدخل عليه في حديثه) ؟ قال عطاء: فقلت: هو مريض؛ فما يمنعك أن تعوده؟ قال: فانطلق بنا إليه! فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث قال: فخرج ابن عمر وهو يقلب كفه وهو يقول: ما كان ابن أم عبد يكذب على رسول الله ﷺ .
رواه: الإمام أحمد مختصرا، وابن حبان في "صحيحه"، وهذا لفظه.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا يفعلون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولن يرد علي الحوض» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار. وهذا لفظ أحمد.
ولفظ البزار: قال: خرج النبي ﷺ وفي المسجد تسعة نفر، أربعة من الموالي وخمسة من العرب، فقال: «إنها ستكون عليكم أمراء، فمن أعانهم على ظلمهم، وصدقهم بكذبهم، وغشي أبوابهم؛ فليس مني، ولست منه، ولن يرد علي الحوض، ومن لم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم؛ فهو مني، وأنا منه، وسيرد علي الحوض» .
قال الهيثمي: "فيه إبراهيم بن قعيس، ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وعن كعب بن عجرة ﵁؛ قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن تسعة، خمسة وأربعة؛ أحد العددين من العرب والآخر من العجم، فقال: «اسمعوا! هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء؛ من دخل عليهم، فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني، ولست منه، وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم، ولم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني، وأنا منه، وسيرد علي الحوض» .
стр. 213
رواه: الترمذي، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب".
وفي رواية للترمذي: قال: قال لي رسول الله ﷺ : «أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن غشي أبوابهم أو لم يغش ولم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وقد رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده"، ولفظه: قال: دخل علينا رسول الله ﷺ المسجد، فقال: «من هاهنا! هل تسمعون؟ إنه يكون بعدي أمراء يعملون بغير طاعة الله، فمن شركهم في عملهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني، ولست منه، ومن لم يشركهم في عملهم، ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني، وأنا منه» .
وعن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: «"أعاذك الله من إمارة السفهاء". قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: "أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم؛ فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون علي حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم؛ فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون علي حوضي"» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار. قال المنذري: "ورواتهما محتج بهم في الصحيح". وقال الهيثمي: "رجالهما رجال الصحيح".
ورواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم
стр. 214
في "مستدركه"؛ بنحوه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «يكون أمراء يغشاهم غواش (أو حواش) من الناس، يكذبون ويظلمون، فمن دخل عليهم، فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني، ولست منه، ومن لم يدخل عليهم، ولم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني، وأنا منه» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى وابن حبان في "صحيحه".
وفي رواية أبي يعلى وابن حبان: «فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فأنا منه بريء» . زاد ابن حبان: «وهو مني بريء» .
وعن النعمان بن بشير ﵄؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء، ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء أمر، فقال: «ألا إنه سيكون بعدي أمراء يظلمون ويكذبون؛ فمن صدقهم بكذبهم، ومالأهم على ظلمهم؛ فليس مني، ولا أنا منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يمالئهم على ظلمهم؛ فهو مني، وأنا منه» .
رواه الإمام أحمد. قال المنذري: "وفي إسناده راو لم يسم، وبقيته ثقات محتج بهم في الصحيح". وقال الهيثمي نحو قول المنذري.
وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «إنه سيكون عليكم أمراء يظلمون ويكذبون؛ فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني، ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني، وأنا منه، وسيرد علي الحوض» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني في "الكبير" و "الأوسط". قال الهيثمي: "وأحد أسانيد البزار رجاله رجال الصحيح، ورجال أحمد كذلك".
стр. 215
وعن عبد الله بن خباب عن أبيه ﵁؛ قال: «كنا قعودا عند باب النبي ﷺ ، فخرج علينا، فقال: "اسمعوا! " قلنا: قد سمعنا. قال: "اسمعوا! " قلنا: قد سمعنا. قال: "إنه سيكون بعدي أمراء؛ فلا تصدقوهم بكذبهم، ولا تعينوهم على ظلمهم؛ فإنه من صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ لم يرد علي الحوض» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه". قال الهيثمي: "ورجال الطبراني رجال الصحيح؛ خلا عبد الله بن خباب، وهو ثقة".
قلت: وكذا رجال أحمد. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «"سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها". فقلت: يا رسول الله! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: "تسألني يابن أم عبد كيف تفعل؟ ! لا طاعة لمن عصى الله» .
رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله، ورجالهما ثقات. ورواه ابن ماجه بإسنادين؛ رجال أحدهما ثقات، وفي الآخر إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، وبقية رجاله ثقات.
وعن عبادة بن الصامت ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيلي أموركم بعدي رجال؛ يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون؛ فلا طاعة لمن عصى الله تعالى» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجالهما ثقات؛ إلا أن إسماعيل بن عياش رواه عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة".
стр. 216
ورواه الحاكم في "مستدركه" من طرق وصححه.
وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خذوا العطاء ما دام العطاء، فإذا صار رشوة على الدين؛ فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه؛ يمنعكم الفقر والحاجة، ألا إن رحى الإسلام دائرة؛ فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان؛ فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم؛ فإذا عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم. قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: "كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم؛ نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب؛ موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: " ويزيد بن مرثد لم يسمع من معاذ، والوضين بن عطاء وثقه ابن حبان وغيره، وبقية رجاله ثقات".
وعن عبادة بن الصامت ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"يكون عليكم أمراء؛ إن أطعتموهم أدخلوكم النار، وإن عصيتموهم قتلوكم ". فقال رجل: يا رسول الله! سمهم لنا لعلنا نحثو في وجوههم التراب. فقال رسول الله ﷺ : "لعلهم يحثون في وجهك ويفقؤون عينك» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه سنيد بن داود؛ ضعفه أحمد ووثقه ابن حبان وأبو حاتم الرازي، وبقية رجاله ثقات".
وقد رواه ابن أبي شيبة عن ميمون بن أبي حبيب؛ قال: "قال عبادة بن الصامت ﵁: أتمنى لحبيبي أن يقل ماله ويعجل موته. فقيل له، فقال: أخشى أن يدرككم أمراء إن أطعتموهم أدخلوكم النار، وإن عصيتموهم قتلوكم. فقال رجل: أخبرنا من هم حتى نفقأ أعينهم أو نحثو في وجوههم التراب؟ فقال: عسى أن تدركوهم فيكونوا هم الذين يفقؤون عينك
стр. 217
ويحثون في وجهك التراب".
وعن أبي سلالة الأسلمي ﵁: أن النبي ﷺ قال: «سيكون عليكم أئمة؛ يملكون أرزاقكم، يحدثونكم فيكذبون، ويعملون ويسيئون العمل، لا يرضون منكم حتى تحسنوا قبيحهم وتصدقوا كذبهم، فأعطوهم الحق ما رضوا به، فإذا تجاوزوا؛ فمن قتل على ذلك فهو شهيد» .
رواه: البخاري في "الكنى"، والطبراني، وابن السكن، وفيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف.
وعن أبي برزة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن بعدي أئمة إن أطعتموهم أكفروكم، وإن عصيتموهم قتلوكم، أئمة الكفر ورؤوس الضلالة» . رواه الطبراني.
وعن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري؛ قال: "أتى رجل فنادى ابن مسعود ﵁، فأكب عليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن متى أضل وأنا أعلم؟ قال: إذا كانت عليك أمراء إذا أطعتهم أدخلوك النار، وإذا عصيتهم قتلوك ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "هذا موقوف صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "لا تزالون بخير ما لم يكن عليكم أمراء لا يرون لكم حقا إلا إذا شاؤوا ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁: أنه قال: "يكون أمراء يعذبونكم ويعذبهم الله".
стр. 218
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁: أنه قال: "ليكونن عليكم أمراء لا يزن أحدهم عند الله يوم القيامة قشرة شعيرة".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
ورواه نعيم بن حماد في "الفتن"، ولفظه: قال: "لا تقوم الساعة حتى يقوم على الناس من لا يزن قشر شعيرة يوم القيامة".
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ؛ قال: «سيكون بعدي أئمة؛ يعطون الحكمة على منابرهم، فإذا نزلوا نزعت منهم، وأجسادهم شر من الجيف» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه سعد بن مسلمة؛ ضعفه الجمهور ووثقه ابن حبان، وقال: يخطئ، وليث مدلس".
وعن كعب بن عجرة ﵁؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «إنها ستكون عليكم أمراء من بعدي؛ يعظون بالحكمة على منابر، فإذا نزلوا اختلست منهم، وقلوبهم أنتن من الجيف» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : «ليأتين على الناس زمان يكون عليهم أمراء سفهاء؛ يقدمون شرار الناس، ويظهرون بخيارهم، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، خلا عبد الرحمن
стр. 219
ابن مسعود، وهو ثقة".
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: «ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها» (والباقي بمثله) .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة ووزراء فسقة وقضاة خونة وفقهاء كذبة، فمن أدرك ذلك الزمان منكم فلا يكونن لهم جابيًا ولا عريفًا ولا شرطيًا» .
رواه الطبراني في "الصغير " و "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه داود بن سليمان الخراساني؛ قال الطبراني: لا بأس به، ومعاوية بن الهيثم لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
وعن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأمناء خونة، وقراء فسقة، سمتهم سمة الرهبان، وليس لهم رغبة (أو قال: رعة، أو قال: زعة) ، فيلبسهم الله فتنة غبراء مظلمة، يتهوكون فيها تهوك اليهود في الظلم» .
رواه البزار. قال الهيثمي: "وفيه حبيب بن عمران الكلاعي، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح ". انتهى.
وقد رواه: البخاري في "التاريخ الكبير"، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" مختصرا موقوفا.
قوله: "وليس لهم رغبة"؛ أي: في الخير. "أو قال: رعة"؛ بكسر الراء؛ أي: ورع عن المحرمات. "أو قال: زعة"؛ بكسر الزاي؛ أي: وازع يمنعهم من مخالفة الأوامر وارتكاب النواهي.
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي»
стр. 220
«بيده لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء وأعوانًا خونة، وعرفاء ظلمة، وقراء فسقة؛ سيماهم سيما الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيفتح الله لهم فتنة غبراء مظلمة، فيتهاوكون، والذي نفس محمد بيده لينقضن الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال: الله، الله» .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة........... (فذكر الحديث وفيه:) وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقة؛ إذا لبسوا مسوك الضأن، قلوبهم أنتن من الجيفة وأمر من الصبر، يغشيهم الله فتنة يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة» . رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «سيكون بعدي سلاطين، الفتن على أبوابهم كمبارك الإبل، لا يعطون أحدًا شيئًا إلا أخذوا من دينه مثله» .
رواه الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وإسناده ضعيف جدا.
وعن أبي قبيل عن معاوية بن أبي سفيان ﵄: أنه صعد المنبر يوم الجمعة، فقال في خطبته: إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه. فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثانية قال مثل ذلك. فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثالثة قال مثل مقالته. فقام إليه رجل ممن حضر المسجد، فقال: كلا، إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا. فنزل معاوية، فأرسل إلى الرجل، فأدخله، فقال القوم: هلك الرجل. ثم دخل الناس فوجدوا الرجل معه على السرير، فقال معاوية للناس: إن هذا أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 221
يقول: «سيكون بعدي أمراء؛ يقولون ولا يرد عليهم، يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة» ، وإني تكلمت أول جمعة، فلم يرد علي أحد، فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثانية، فلم يرد علي أحد، فقلت في نفسي: إني من القوم، ثم تكلمت في الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل، فرد علي، فأحياني أحياه الله.
رواه: الطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «إنه سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، ألا فصل الصلاة لوقتها، ثم ائتهم: فإن كانوا قد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك، وإلا صليت معهم، فكانت لك نافلة» .
رواه: أبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن. وقال الترمذي: "حديث حسن". قال: "وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت ﵄".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «"كيف بكم إذا أتت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها؟ ". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال: "صل الصلاة لميقاتها، واجعل صلاتك معهم سبحة» .
رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه مرفوعا. ورواه: الإمام أحمد، ومسلم؛ موقوفا.
وعن عبادة بن الصامت ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنها ستكون عليكم بعدي أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها. فقال رجل: يا رسول الله! أصلي معهم؟ قال:»
стр. 222
«"نعم؛ إن شئت» .
رواه: أبو داود، وابن ماجه.
وعن قبيصة بن وقاص ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «تكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة؛ فهي لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلة» .
رواه أبو داود.
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: «قلت: يا رسول الله! إنا كنا بشر، فجاءنا الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: "نعم". قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ". قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ ! قال: "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك؛ فاسمع وأطع» .
رواه مسلم.
وعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ : أنه قال: «يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وأبو داود، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وزاد أحمد: «وقالوا: يا رسول الله! أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا لكم الخمس» .
стр. 223
وعند مسلم: قال: «لا؛ ما صلوا» . ثم قال: أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: "إنها ستكون عليكم أمراء يدعون من السنة مثل هذه، فإن تركتموها جعلوها مثل هذه، فإن تركتموها؛ جاؤوا بالطامة الكبرى".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
ورواه الحاكم في "مستدركه" بأبسط من هذا، ولفظه قال: "يكون عليكم أمراء يتركون من السنة مثل هذا (وأشار إلى أصل إصبعه) ، وإن تركتموهم؛ جاؤوا بالطامة الكبرى، وإنها لم تكن أمة إلا كان أول ما يتركون من دينهم السنة، وآخر ما يدعون الصلاة، ولولا أنهم يستحيون ما صلوا".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون عليكم أمراء هم شر من المجوس» .
رواه الطبراني في "الصغير" و "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ خلا مؤمل بن إهاب، وهو ثقة".
وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قال: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم عند ذلك (وفي رواية: أفلا ننابذهم بالسيف) ؟ قال: "لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة، لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا»
стр. 224
«من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «ألا أخبركم بخيار أمرائكم وشرارهم؟ خيارهم الذين تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم، وشرار أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» .
رواه الترمذي، وقال: "حديث غريب".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون عليكم أمراء تطمئن إليهم القلوب، وتلين لهم الجلود، ثم يكون عليكم أمراء تشمئز منهم القلوب، وتقشعر منهم الجلود. فقال رجل: أنقاتلهم؟ قال: "لا؛ ما أقاموا الصلاة"» .
رواه الإمام أحمد.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كانت أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم؛ فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاؤكم، وأموركم إلى نسائكم؛ فبطن الأرض خير لكم من ظهرها» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنها ستكون بعدي أثره وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» .
стр. 225
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي.
وفي رواية لأحمد: «إنه سيكون عليكم أمراء وترون أثرة» . وفي رواية له: «إنها ستكون فتن وأمور تنكرونها» . والباقي بنحوه.
باب
ما جاء في بني أمية وما في زمانهم من الفتن
عن حذيفة ﵁: أنه قال: "ليكونن بعد عثمان اثنا عشر ملكا من بني أمية ". قيل له: خلفاء؟ قال: "بل ملوك".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعوذوا بالله من رأس السبعين، ومن إمارة الصبيان» .
رواه: الإمام أحمد، والبزار. قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير كامل بن العلاء، وهو ثقة".
وعن عمير بن هانئ؛ قال: قال أبو هريرة ﵁: "اللهم لا تدركني سنة ستين". قال: فتوفي فيها أو قبلها بسنة.
رواه يعقوب بن سفيان وغيره.
ورواه: علي بن معبد، وابن أبي شيبة؛ من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ رفعه: «"أعوذ بالله من إمارة الصبيان". قالوا: وما إمارة الصبيان؟ قال: "إن أطعتموهم هلكتم، وإن عصيتموهم أهلكوكم» .
قال الحافظ ابن حجر: " (هلكتم) ؛ أي: في دينكم، و (أهلكوكم) ؛ أي: في دنياكم؛ بإزهاق النفس، أو بإذهاب المال، أو بهما".
стр. 226
قال: "وفي رواية ابن أبي شيبة: أن أبا هريرة كان يمشي في السوق ويقول: "اللهم لا تدركني سنة ستين، ولا إمارة الصبيان " ".
قال: "وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة - يعني: الآتي ذكرهم في حديث أبي هريرة - كان في سنة ستين، وهو كذلك؛ فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها، وبقي إلى سنة أربع وستين، فمات، ثم ولي ولده معاوية، ومات بعد أشهر ". انتهى.
ورواه ابن أبي شيبة أيضا، ولفظه: قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب: إمارة الصبيان، إن أطاعوهم أدخلوهم النار، وإن عصوهم ضربوا أعناقهم".
وقد رواه البيهقي، ولفظه: قال: كان أبو هريرة ﵁ يمشي في سوق المدينة وهو يقول: "اللهم لا تدركني سنة الستين، ويحكم! تمسكوا بصدغي معاوية، اللهم لا تدركني إمارة الصبيان".
وعن الشعبي؛ قال: لما رجع علي ﵁ من صفين؛ قال: "أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنه لو قد فقدتموه لقد رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كالحنظل".
رواه البيهقي، وهو مرسل.
وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" من حديث الشعبي عن الحارث الأعور؛ قال: سمعت عليا ﵁ يقول: "لا تكرهوا إمارة معاوية، والذي نفسي بيده ما بينكم وبين أن تنظروا إلى جماجم الرجال تندر عن كواهلها كأنها الحنظل؛ إلا أن يفارقكم معاوية ".
الحارث فيه كلام، وبقية رواته ثقات.
وقد رواه ابن أبي شيبة من حديث الحارث عن علي ﵁ بنحوه.
стр. 227
قال البيهقي: " علي وأبو هريرة إنما يقولان هذا لشيء سمعاه من رسول الله ﷺ ".
وعن أبي يزيد المديني؛ قال: قام أبو هريرة ﵁ على منبر رسول الله ﷺ دون مقام رسول الله ﷺ بعتبة، فقال: "ويل للعرب من شر قد اقترب، ويل لهم من إمارة الصبيان؛ يحكمون فيهم بالهوى ويقتلون بالغضب".
رواه أبو بكر بن مالك، وذكره ابن كثير في "تاريخه".
وعن أبي هريرة أيضا ﵁: أنه قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب، أظلت ورب الكعبة أظلت، والله لهي أسرع إليهم من الفرس المضمر السريع، الفتنة العمياء الصماء المشبهة؛ يصبح الرجل فيها على أمر ويمسي على أمر، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ولو أحدثكم بكل الذي أعلم لقطعتم عنقي من هاهنا (وأشار إلى قفاه) . ويقول: اللهم لا تدرك أبا هريرة إمرة الصبيان".
رواه ابن أبي شيبة.
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «يهلك أمتي هذا الحي من قريش. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "المراد بالأمة هنا: أهل ذلك العصر ومن قاربهم، لا جميع الأمة إلى يوم القيامة. وقوله: "لو أن الناس اعتزلوهم": محذوف الجواب، وتقديره: لكان أولى بهم، والمراد باعتزالهم: أن لا يداخلوهم، ولا يقاتلوا معهم، ويفروا بدينهم من الفتن. ويؤخذ من هذا
стр. 228
الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية؛ فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك. قال ابن وهب عن مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا، وقد صنع ذلك جماعة من السلف". انتهى.
وعن عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد؛ قال: أخبرني جدي؛ قال: كنت جالسا مع أبي هريرة ﵁ في مسجد النبي ﷺ بالمدينة ومعنا مروان، قال أبو هريرة ﵁: سمعت الصادق المصدوق ﷺ يقول: «هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش» . فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة. فقال أبو هريرة ﵁: لو شئت أن أقول: بني فلان وبني فلان؛ لفعلت. فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام، فإذا رآهم غلمانا أحداثا قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم؟ قلنا: أنت أعلم.
رواه البخاري.
ورواه الإمام أحمد من حديث عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص: أخبرني جدي سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش» . قال مروان وهو معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئا: فلعنة الله عليهم غلمة. قال: أما والله لو أشاء أن أقول: بني فلان وبني فلان؛ لفعلت. قال: فكنت أخرج مع أبي وجدي إلى بني مروان بعدما ملكوا، فإذا هم يبايعون الصبيان، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة. قال لنا: عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الذي سمعت أبا هريرة يذكر؛ إن هذه الملوك يشبه بعضها بعضا.
ورواه: الإمام أحمد أيضا، وأبو داود الطيالسي، والحاكم في "مستدركه"؛ من حديث مالك بن ظالم عن أبي هريرة ﵁: أنه حدث مروان بن الحكم؛ قال: حدثني حبي أبو القاسم الصادق المصدوق ﷺ : «أن»
стр. 229
«هلاك أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية لأحمد: قال: سمعت رسول الله ﷺ أبا القاسم الصادق المصدوق يقول: «إن هلاك أمتي (أو فساد أمتي) رؤوس أمراء أغيلمة سفهاء من قريش» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "هذه الرواية تخصص رواية أبي زرعة عن أبي هريرة بلفظ: «يهلك الناس هذا الحي من قريش» ، وأن المراد بعض قريش، وهم الأحداث منهم، لا كلهم، والمراد أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله، فتفسد أحوال الناس، ويكثر الخبط بتوالي الفتن، وقد وقع الأمر كما أخبر ﷺ ". انتهى.
قال ابن الأثير: "الأغيلمة: الصبيان، ولذلك صغرهم".
قال ابن حجر: "وقد يطلق الصبي والغليم بالتصغير على الضعيف العقل والتدبير والدين، ولو كان محتلما، وهو المراد هنا؛ فإن الخلفاء من بني أمية لم يكن فيهم من استخلف وهو دون البلوغ، وكذلك من أمروه على الأعمال؛ إلا أن يكون المراد بالأغيلمة أولاد بعض من استخلف فوقع الفساد بسببهم، فنسب إليهم، والأولى الحمل على أعم من ذلك".
قلت: وقد تقدم في رواية أحمد أنهم يبايعون الصبيان، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة، وإذا حمل الحديث على العموم؛ دخل فيه الصغار في السن والصغار في الدين والعقل والتدبير. والله أعلم.
وقال الحافظ ابن حجر: "يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين، مع
стр. 230
أن الظاهر أنهم من ولده، فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه؛ ليكون أشد في الحجة عليهم لعلهم يتعظون، وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد، أخرجها الطبراني وغيره، غالبها فيه مقال، وبعضها جيد، ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك". انتهى.
وعن عمران بن حصين ﵄؛ قال: أخبرني أعرابي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «"ما أخاف على قريش إلا أنفسها". قلت: ما لهم؟ قال: "أشحة بجرة، وإن طال بك عمر لتنظرن إليهم يفتنون الناس، حتى يرى الناس بينهم كالغنم بين الحوضين، إلى هذا مرة وإلى هذا مرة» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، خلا بلال بن يحيى العبسي، وهو ثقة".
وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «"إني لا أخشى على قريش إلا أنفسها". قلت: وما هو؟ قال: "أشحة بجرة، إن طال بك عمر رأيتهم يفتنون الناس حتى يرى الناس بينهم كالغنم بين الحوضين، مرة إلى هذا ومرة إلى هذا» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
قال الجوهري: " (البجر) ؛ بالتحريك: خروج السرة ونتوها وغلظ أصلها".
وقال ابن الأثير وابن منظور: " (بجرة) : جمع باجر، وهو العظيم البطن، يقال: بجر يبجر بجرا فهو أبجر وباجر، وصفهم بالبطانة ونتو السرر، ويجوز أن يكون كناية عن كنزهم الأموال واقتنائهم لها، وهو أشبه بالحديث؛ لأنه قرنه بالشح، وهو أشد البخل". انتهى.
وعن بشير بن أبي عمرو الخولاني: أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه: أنه
стр. 231
سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون خلف من بعد الستين سنة؛ أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيًا، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر» . قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به.
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، والحاكم في "مستدركه". قال ابن كثير: "وإسناده جيد قوي". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي عبيدة بن الجراح ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال أمر أمتي قائمًا بالقسط حتى يكون أول من يلثمه رجل من بني أمية يقال له يزيد» .
رواه: أبو يعلى، والبزار. قال الهيثمي: "ورجال أبي يعلى رجال الصحيح؛ إلا أن مكحولا لم يدرك أبا عبيدة ".
قلت: وقد رواه يعقوب بن سفيان من حديث مكحول عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه.
وعن أبي العالية؛ قال: كنا بالشام مع أبي ذر ﵁، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أول رجل يغير سنتي رجل من بني فلان» . فقال يزيد بن أبي سفيان: أنا هو؟ قال: "لا".
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن أبي الدرداء ﵁: أنه قال: "إذا قتل الخليفة الشاب من
стр. 232
بني أمية بين الشام والعراق مظلوما؛ لم تزل طاعة مستخف بها، ودم مسفوك على وجه الأرض بغير حق"؛ يعني: الوليد بن يزيد.
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن عبد الله بن موهب: أنه كان عند معاوية بن أبي سفيان ﵄، فدخل عليه مروان، فكلمه في حاجته، فقال: اقض حاجتي يا أمير المؤمنين! فوالله إن مؤنتي لعظيمة، أصبحت أبا عشرة وأخا عشرة وعم عشرة. فلما أدبر مروان وابن عباس ﵄ جالس مع معاوية على سريره، فقال معاوية: أنشدك الله يابن عباس! أما تعلم أن رسول الله ﷺ قال: «إذا بلغ بنو أبي الحكم ثلاثين رجلًا؛ اتخذوا مال الله بينهم دولًا، وعباد الله خولًا، وكتاب الله دغلًا، فإذا بلغوا سبعة وتسعين وأربعمائة؛ كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة» . فقال ابن عباس ﵄: اللهم! نعم. قال: وذكر مروان حاجة له، فرد مروان عبد الملك إلى معاوية، فكلمه فيها، فلما أدبر عبد الملك؛ قال معاوية: أنشدك الله يابن عباس! أما تعلم أن رسول الله ﷺ ذكر هذا، فقال: أبو الجبابرة الأربعة؟ فقال ابن عباس ﵄: اللهم! نعم.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وحديثه حسن". وقال ابن كثير: "فيه غرابة ونكارة شديدة، وابن لهيعة ضعيف".
قلت: قد روى له مسلم وابن خزيمة في "صحيحيهما" مقرونا بغيره، وروى له البخاري في عدة مواضع من "صحيحه" مقرونا بغيره، ولكنه لم يسمه، قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": "وهو ابن لهيعة لا شك فيه"، وحسن ابن عدي والهيثمي حديثه، وكذا حسن له ابن كثير في "البداية والنهاية" في ذكر ورقة بن نوفل، ووثقه أحمد بن صالح، وعلى هذا فأوسط الأقوال في حديثه أن يكون من قبيل الحسن. والله أعلم.
стр. 233
قال ابن الأثير: " (الدول) : جمع دولة؛ بالضم، وهو ما يتداول من المال، فيكون لقوم دون قوم".
وقوله: "خولا"؛ قال ابن الأثير: "أي: خدما وعبيدا؛ يعني: أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم".
وقوله: "دغلا"؛ قال ابن الأثير: "أي: يخدعون به الناس".
وعن حلام بن جذل الغفاري؛ قال: سمعت أبا ذر جندب بن جنادة الغفاري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلًا؛ اتخذوا مال الله دولًا، وعباد الله خولًا، ودين الله دغلًا» . قال حلام: فأنكر ذلك على أبي ذر، فشهد علي بن أبي طالب ﵁: أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أضلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر» ، وأشهد أن رسول الله ﷺ قاله.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى في منامه كأن بني الحكم ينزون على منبره وينزلون، فأصبح كالمتغيظ، فقال: «ما لي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة؟» . قال: فما رئي رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا بعد ذلك حتى مات ﷺ .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير مصعب بن عبد الله بن الزبير، وهو ثقة". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط مسلم ".
стр. 234
وعنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليرعفن على منبري جبار من جبابرة بني أمية، فيسيل رعافه» . فحدثني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص رعف على منبر رسول الله ﷺ حتى سال رعافه.
رواه الإمام أحمد، وفيه راو لم يسم.
وعن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: «ولد لأخي أم سلمة زوج النبي ﷺ غلام، فسموه: الوليد، فقال النبي ﷺ : سميتموه بأسماء فراعنتكم؟ ! ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له: الوليد؛ لهو أشر على هذه الأمة من فرعون لقومه» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وإسناده حسن". وقال في موضع آخر: "رجاله ثقات".
وعن سعيد بن المسيب؛ قال: «ولد لأخي أم سلمة ﵂ غلام، فسموه الوليد، فقال رسول الله ﷺ : "قد جعلتم تسمون بأسماء فراعنتكم؟ ! إنه سيكون في هذه الأمة رجل يقال له: الوليد، هو أضر على أمتي من فرعون على قومه» .
رواه يعقوب بن سفيان من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب.
قال أبو عمرو الأوزاعي: "فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد؛ لفتنة الناس به حتى خرجوا عليه فقتلوه وانفتحت على الأمة الفتنة والهرج".
وقد رواه البيهقي من طريق بشر بن بكر عن الأوزاعي، فذكره ولم يذكر قول الأوزاعي، ثم قال: "وهذا مرسل حسن".
стр. 235
ورواه نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم، وعنده: "قال الزهري: إن استخلف الوليد بن يزيد؛ فهو هو، وإلا فهو الوليد بن عبد الملك ".
باب
ما جاء في قتل الحسين بن علي ﵄
عن أنس بن مالك ﵁: «أن ملك القطر استأذن أن يأتي النبي ﷺ ، فأذن له، فقال لأم سلمة ﵂: "املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد". قال: وجاء الحسين بن علي ﵄ ليدخل فمنعته، فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي ﷺ وعلى منكبه وعلى عاتقه. قال: فقال الملك للنبي ﷺ : أتحبه؟ قال: "نعم". قال: إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، فضرب بيده، فجاء بطينة حمراء، فأخذتها أم سلمة، فصرتها في خمارها. قال ثابت: بلغنا أنها كربلاء» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني؛ بأسانيد، وفيها عمارة بن زاذان؛ قال الهيثمي: "وثقه جماعة، وفيه ضعف، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح".
وعن أبي الطفيل ﵁ نحو حديث أنس ﵁.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
«وعن عائشة أو أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ قال لإحداهما: لقد دخل علي البيت ملك لم يدخل علي قبلها؛ قال: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها. قال: "فأخرج تربة حمراء» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
стр. 236
وعن نجي الحضرمي: أنه سار مع علي ﵁، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي: اصبر أبا عبد الله! اصبر أبا عبد الله! بشط الفرات. قلت: وماذا؟ قال: «دخلت على النبي ﷺ ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله! أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ ! قال: "بل قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات ". قال: "فقال: هل لك أن أشمك من ترتبه؟ ". قال: " قلت: نعم. فمد يده فقبض قبضة من تراب، فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، ولم ينفرد نجي بهذا".
وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: «كان رسول الله ﷺ جالسًا ذات يوم في بيتي؛ قال: "لا يدخل علي أحد". فانتظرت، فدخل الحسين، فسمعت نشيج رسول الله ﷺ يبكي، فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبي ﷺ يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل. فقال: "إن جبريل ﵇ كان معنا في البيت؛ قال: أفتحبه؟ قلت: أما في الدنيا فنعم. قال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها: كربلاء"، فتناول جبريل من تربتها، فأراها النبي ﷺ » . فلما أحيط بحسين حين قتل؛ قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء. فقال: صدق الله ورسوله: كرب وبلاء. وفي رواية: صدق رسول الله ﷺ : أرض كرب وبلاء.
رواه الطبراني بأسانيد. قال الهيثمي: "ورجال أحدها ثقات".
وعن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس ﵄؛ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام بنصف النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم يلتقطه أو يتتبع فيها شيئا. قال: قلت: يا رسول الله! ما هذا؟ قال: "دم الحسين
стр. 237
وأصحابه، لم أزل أتبعه منذ اليوم ". قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم، فوجدناه قتل ذلك اليوم. رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وعن سلمى - وهي مولاة بكر بن وائل - قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله ﷺ (تعني: في المنام) وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: "شهدت قتل الحسين آنفا".
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
وعن يزيد بن الأصم؛ قال: "خرجت مع الحسن ﵁ وجارية تحت شيئا من حناء عن أظافره، فجاءت إضبارة من كتب، فقال: يا جارية! هاتي المخضب! فصب فيه ماء، وألقى الكتب في الماء، فلم يفتح منها شيئا، ولم ينظر إليه. فقلت: يا أبا محمد! ممن هذه الكتب. قال: من أهل العراق، من قوم لا يرجعون إلى حق ولا يقصرون عن باطل، أما إني لست أخشاهم على نفسي، ولكني أخشاهم على ذلك، وأشار إلى الحسين ".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير عبد الله بن الحكم بن أبي زياد، وهو ثقة".
(الإضبارة) : الحزمة من الكتب. و (المخضب) : هو الإجانة التي تغسل فيها الثياب.
وعن ابن أبي نعم؛ قال: كنت جالسا عند ابن عمر ﵄، فجاءه رجل يسأل عن دم البعوض، فقال له ابن عمر ﵄: ممن أنت؟ قال: أنا من أهل العراق. قال: انظروا إلى هذا! يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ ، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هما ريحانتاي»
стр. 238
«من الدنيا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث صحيح".
وقد رواه النسائي في "خصائص علي ﵁ " بإسناد جيد، ولفظه: قال: كنت عند ابن عمر ﵄، فأتاه رجل، فسأله عن دم البعوض يكون في ثوبه ويصلي فيه؟ فقال ابن عمر ﵄: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال ابن عمر ﵄: يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ ، وسمعت رسول الله ﷺ يقول فيه وفي أخيه: «هما ريحانتاي من الدنيا» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أورد ابن عمر ﵄ هذا متعجبا من حرص أهل العراق على السؤال عن الشيء اليسير وتفريطهم في الشيء الجليل".
وقال أيضا: "والذي يظهر أن ابن عمر ﵄ لم يقصد ذلك الرجل بعينه، بل أراد التنبيه على جفاء أهل العراق وغلبة الجهل عليهم بالنسبة لأهل الحجاز ". انتهى.
وعن شهر بن حوشب؛ قال: "سمعت أم سلمة ﵂ حين جاء نعي الحسين بن علي ﵄ لعنت أهل العراق، وقالت: قتلوه قتلهم الله ، غروه ودلوه لعنهم الله".
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله موثوقون".
وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة، تركت ذكرها خشية الإطالة، وفيما ذكرته كفاية إن شاء الله تعالى.
стр. 239
باب
ما جاء في وقعة الحرة
عن سعيد بن المسيب؛ قال: "وقعت الفتنة الأولى (يعني: مقتل عثمان) فلم تبق من أصحاب بدر أحدا، ثم وقعت الفتنة الثانية (يعني: الحرة) فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدا، ثم وقعت الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ".
رواه البخاري تعليقا مجزوما به، ووصله أبو نعيم في "مستخرجه".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أخرج ابن أبي خيثمة هذا الأثر، وفيه: "ولو وقعت الثالثة"، وذكر ابن التين أن مالكا روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري؛ قال: "لم تترك الصلاة في مسجد النبي ﷺ إلا يوم قتل عثمان ويوم الحرة" ".
قال الحافظ: "ثم وجدت ما أخرجه الدارقطني في "غرائب مالك " بإسناد صحيح إليه عن يحيى بن سعيد نحو هذا الأثر، وقال في آخره: "وإن وقعت الثالثة لم ترتفع وبالناس طباخ".
وقال الحافظ في قوله: "لم تبق من أصحاب بدر أحدا": "أي أنهم ماتوا منذ قامت الفتنة بمقتل عثمان إلى أن قامت الفتنة الأخرى بوقعة الحرة، وكان آخر من مات من البدريين سعد بن أبي وقاص ﵁، ومات قبل وقعة الحرة ببضع سنين.
وقوله: "طباخ"؛ بفتح المهملة والموحدة الخفيفة وآخره معجمة؛ أي: قوة. قال الخليل: أصل الطباخ: السمن والقوة، ويستعمل في العقل والخير.
قال حسان ﵁:
المال يغشى رجالا لا طباخ لهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي
стр. 240
و (الدندن) ؛ بكسر المهملتين وسكون النون الأولى: ما اسود من النبات". انتهى.
وقال ابن الأثير: "أصل الطباخ: القوة والسمن، ثم استعمل في غيره، فقيل: فلان لا طباخ له؛ أي: لا عقل له ولا خير عنده". انتهى.
وعن نافع؛ قال: "لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر ﵄ حشمه وولده، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة» ، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر؛ إلا كانت الفيصل بيني وبينه".
رواه الإمام أحمد، والبخاري، وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية لأحمد عن نافع: أن ابن عمر ﵄ جمع بنيه حين انتزى أهل المدينة مع ابن الزبير وخلعوا يزيد بن معاوية، فقال: إنا قد بايعنا هذا الرجل ببيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان» ، وإن من أعظم الغدر - إلا أن يكون الإشراك بالله تعالى - أن يبايع الرجل رجلا على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يزيد، ولا يشرفن أحد منكم في هذا الأمر؛ فيكون صيلما فيما بيني وبينكم.
(الانتزاء) و (التنزي) : تسرع الإنسان إلى الشر. و (الفيصل) و (الصيلم) ؛ معناهما واحد.
قال ابن الأثير: "الفيصل: القطيعة التامة". وقال أيضا: "الصيلم: القطيعة المنكرة" انتهى.
стр. 241
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "في هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه، ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق". انتهى.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: "جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ ؛ قال: لأعطوها (يعني: إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة) ".
رواه يعقوب ين سفيان. قال ابن كثير وابن حجر العسقلاني: "إسناده صحيح إلى ابن عباس ﵄ ". قال ابن كثير: "وتفسير الصحابي في حكم المرفوع عند كثير من العلماء".
وعن أيوب بن بشير المعافري: «أن رسول الله ﷺ خرج في سفر من أسفاره، فلما مر بحرة زهرة وقف فاسترجع، فساء ذلك من معه، وظنوا أن ذلك من أمر سفرهم، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله! ما الذي رأيت؟ فقال رسول الله ﷺ : أما إن ذلك ليس من سفركم هذا. قالوا: فما هو يارسول الله؟ قال: يقتل بهذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي» .
رواه يعقوب بن سفيان. قال ابن كثير: "وهو مرسل".
وعن أبي ذر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنت وقتلًا يصيب الناس حتى تغرق حجارة الزيت بالدم؟ ! قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: "الحق بمن أنت منه". قال قلت: يا رسول الله! أفلا آخذ بسيفي فأضرب به من فعل ذلك؟ قال: "شاركت القوم إذًا، ولكن ادخل بيتك ". قلت: يا رسول الله! فإن دخل بيتي؟ قال: "إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف؛ فألق طرف ردائك على وجهك؛ فيبوء بإثمه وإثمك، فيكون من أصحاب النار» .
стр. 242
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وقد تقدم ذكره في (باب الفتن) مطولا.
وعن محمد بن سعيد (يعني: ابن رمانة) : "أن معاوية ﵁ لما حضره الموت؛ قال ليزيد بن معاوية: قد وطأت لك البلاد، وفرشت لك الناس، ولست أخاف عليكم إلا أهل الحجاز، فإن رابك منهم ريب؛ فوجه إليهم مسلم بن عقبة المري؛ فإني قد جربته غير مرة، فلم أجد له مثلا لطاعته ونصيحته. فلما جاء يزيد خلاف ابن الزبير ودعاؤه إلى نفسه؛ دعا مسلم بن عقبة المري وقد أصابه الفالج، وقال: إن أمير المؤمنين عهد إلي في مرضه إن رابني من أهل الحجاز رائب أن أوجهك إليهم، وقد رابني. فقال: إني كما ظن أمير المؤمنين؛ اعقد لي، وعب الجيوش. قال: فورد المدينة، فأباحها ثلاثا، ثم دعاهم إلى بيعة يزيد أنهم أعبد له قن في طاعة الله ومعصيته، فأجابوه إلى ذلك؛ إلا رجلا واحدا من قريش، أمه أم ولد، فقال له: بايع ليزيد على أنك عبد في طاعة الله ومعصيته. قال: لا؛ بل في طاعة الله. فأبى أن يقبل ذلك منه، وقتله. فأقسمت أمه قسما؛ لئن أمكنها الله من مسلم حيا أو ميتا أن تحرقه بالنار. فلما خرج مسلم بن عقبة من المدينة؛ اشتدت علته فمات، فخرجت أم القرشي بأعبد لها إلى قبر مسلم، فأمرت به أن ينبش من عند رأسه، فلما وصلوا إليه؛ إذا ثعبان قد التوى على عنقه قابضا بأرنبة أنفه يمصها. قال: فكاع القوم عنه، وقالوا: يا مولاتنا! انصرفي؛ فقد كفاك الله شره، وأخبروها. قالت: لا؛ أو أوفي لله بما وعدته. ثم قالت: انبشوا من عند الرجلين. فنبشوا، فإذا الثعبان لاو ذنبه برجليه. قال: فتنحت، فصلت ركعتين، ثم قالت: اللهم! إن كنت تعلم أنما غضبت على مسلم بن عقبة اليوم لك؛ فخل بيني وبينه. ثم تناولت عودا، فمضت إلى ذنب الثعبان، فانسل من مؤخر رأسه، فخرج من القبر،
стр. 243
ثم أمرت به، فأخرج من القبر، فأحرق بالنار".
رواه الطبراني.
قوله: "فكاع القوم عنه"؛ أي: جبنوا وأحجموا عنه.
باب
ما جاء في فتنة الحجاج وقتل ابن الزبير ﵄
عن ابن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وأبو يعلى. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". قال: "وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ ".
قال: "ويقال: الكذاب: المختار بن أبي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف ".
وقال النووي: "اتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا المختار بن أبي عبيد، وبالمبير الحجاج بن يوسف ". انتهى.
وقال ابن الأثير: " (مبير) ؛ أي: مهلك يسرف في إهلاك الناس". انتهى.
وعن أبي نوفل؛ قال: "رأيت عبد الله بن الزبير ﵄ على عقبة المدينة. قال: فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مر عليه عبد الله بن عمر ﵄، فوقف عليه، فقال: السلام عليك أبا خبيب! السلام عليك أبا خبيب! السلام عليك أبا خبيب! أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله؛ إن كنت ما علمت صواما قواما وصولا للرحم، أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير. ثم نفذ عبد الله بن عمر ﵄، فبلغ الحجاج موقف عبد الله
стр. 244
وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر ﵄، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك. قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني. قال: فقال: أروني سبتي. فأخذ نعليه، ثم انطلق يتوذف حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك. بلغني أنك تقول له: يابن ذات النطاقين! أنا والله ذات النطاقين: أما أحدهما؛ فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر؛ فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه. أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال: فقام عنها ولم يراجعها".
رواه مسلم. وقد رواه: الطبراني والحاكم؛ من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب العرنجي بنحوه. قال الهيثمي: "ورجال الطبراني رجال الصحيح". ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" مختصرا، وإسناده صحيح.
وعن أبي الصديق الناجي؛ قال: "لما ظفر الحجاج بابن الزبير فقتله ومثل به، ثم دخل على أم عبد الله، وهي أسماء بنت أبي بكر ﵄، فقالت: كيف تستأذن علي وقد قتلت ابني؟ ! فقال: إن ابنك ألحد في حرم الله فقتلته ملحدا عاصيا، حتى أذاقه الله عذابا أليما، وفعل به وفعل. فقالت: كذبت يا عدو الله وعدو المسلمين! والله لقد قتلته صواما قواما برا بوالديه حافظا لهذا الدين؛ ولئن أفسدت عليه دنياه لقد أفسد عليك آخرتك، «ولقد حدثنا رسول الله ﷺ : أنه يخرج من ثقيف كذابان، الآخر منهما أشر من الأول، وهو المبير» ، وما هو إلا أنت يا حجاج ".
стр. 245
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والحاكم، وهذا لفظه، وزاد في رواية له: "فقال الحجاج: صدق رسول الله ﷺ وصدقت، أنا المبير، أبير المنافقين". قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي المحياة عن أمه؛ قالت: لما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير ﵄؛ دخل على أسماء بنت أبي بكر ﵄ فقال: يا أمه! إن أمير المؤمنين أوصاني بك؛ فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة، ولكن انتظر حتى أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: «يخرج من ثقيف كذاب ومبير» ، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت. فقال الحجاج: مبير المنافقين.
رواه البيهقي.
وعن سلامة بنت الحر ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : «في ثقيف كذاب ومبير» .
رواه أبو يعلى، وإسناده حسن.
وعن مجاهد؛ قال: قال لي عبد الله بن عمر ﵄: انظر إلى المكان الذي به ابن الزبير؛ فلا تمر بي عليه. قال: فسها الغلام؛ فإذا ابن عمر ينظر إلى ابن الزبير مصلوبا. فقال: يغفر الله لك (ثلاثا) ، والله ما علمتك إلا كنت صواما قواما وصولا للرحم، أما والله إني لأرجو مع مساوي ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها أبدا. ثم التفت إلي فقال: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا» .
стр. 246
رواه: ابن مردويه، والحاكم في "مستدركه"، وابن عساكر في "تاريخه".
وعن ابن سيرين؛ قال: "قال ابن الزبير ﵄: ما شيء كان يحدثناه كعب إلا قد أتى على ما قال؛ إلا قوله: إن فتى ثقيف يقتلني، وهذا رأسه بين يدي (يعني: المختار) ". قال ابن سيرين: "ولا يشعر أن أبا محمد قد خبئ له (يعني: الحجاج) ".
رواه عبد الزراق في "مصنفه"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف: "حدثني البريد الذي أتى ابن الزبير برأس المختار، فلما رآه قال ابن الزبير: ما حدثني كعب بحديث إلا وجدت مصداقه؛ إلا أنه حدثني أن رجلا من ثقيف سيقتلني ". قال الأعمش: وما يدري أن أبا محمد خذله الله خبئ له.
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير: أن أباه حدثه: «أنه أتى النبي ﷺ وهو يحتجم، فلما فرغ قال: "يا عبد الله! اذهب بهذا الدم؛ فأهرقه حيث لا يراك أحد"، فلما برزت عن رسول الله ﷺ ؛ عمدت إلى الدم فحسوته، فلما رجعت إلى النبي ﷺ ؛ قال: "ما صنعت يا عبد الله؟ ". قال: جعلته في مكان ظننت أنه خاف على الناس. قال: "فلعلك شربته؟ ". قلت: نعم. قال: "ومن أمرك أن تشرب الدم؟ ! ويل لك من الناس وويل للناس منك!» .
رواه: أبو يعلى، والحاكم، والبيهقي.
وعن أبي عذبة الحمصي؛ قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁، فأخبره أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم، فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة، فسها فيها، حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فلما
стр. 247
سلم أقبل على الناس، فقال: من هاهنا من أهل الشام؛ فقام رجل، ثم قام آخر، ثم قمت أنا ثالثا (أو رابعا) ، فقال: يا أهل الشام! استعدوا لأهل العراق؛ فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، اللهم إنهم قد لبسوا علي فألبس عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم أهل الجاهلية؛ لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم".
رواه البيهقي.
وعن الحسن؛ قال: قال علي ﵁ لأهل الكوفة: "اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني؛ فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال؛ يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيهم بحكم الجاهلية". قال الحسن: وما خلق الله الحجاج يومئذ.
رواه: عبد الرزاق، والبيهقي في "الدلائل"، وهو منقطع، قال البيهقي: "ولا يقول علي ذلك إلا توقيفا".
وعن مالك بن أوس بن الحدثان عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: "الشاب الذيال الميال أمير المصرين؛ يلبس فروتها، ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته".
رواه البيهقي في "الدلائل".
وعن أم حكيم بنت عمرو بن سنان الجدلية؛ قالت: "استأذن الأشعث بن قيس على علي ﵁، فرده قنبر، فأدمى أنفه، فخرج علي ﵁، فقال ما لك وله يا أشعث؟ ! أما والله لو بعبد ثقيف تحرشت لاقشعرت شعيرات استك. قيل له: يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف؟ قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلا. قيل: كم يملك؟ قال: عشرين
стр. 248
إن بلغ".
رواه الطبراني.
وعن هشام بن حسان؛ قال: قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: "لو أن الأمم تخابثت يوم القيامة، فأخرجت كل أمة خبيثها، ثم أخرجنا الحجاج؛ لغلبناهم".
رواه أبو نعيم في "الحلية"، ورواه البيهقي من حديث هشام بن يحيى الغساني عن عمر بن عبد العزيز بنحوه.
وقال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي: حدثنا سليمان بن أبي سنح: حدثنا صالح بن سليمان؛ قال: قال عمر بن عبد العزيز: "لو تخابثت الأمم، فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج؛ لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة، لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخس به إلى أن صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدى إلي عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل؛ رجوت أن يؤدى إلي ما أدي إلى عمر بن الخطاب مائة ألف وعشرة آلاف ألف".
وعن عمرو بن عثمان عن أبيه عن جده؛ قال: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عدي بن أرطاة: "بلغني أنك تستن بسنة الحجاج، فلا تستن بسنته؛ فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن الزبير بن عدي؛ قال: أتينا أنس بن مالك ﵁ نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: «اصبروا؛ فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده»
стр. 249
«شر منهه، حتى تلقوا ربكم. سمعته من نبيكم ﷺ » .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن هشام بن حسان؛ قال: "أحصوا ما قتل الحجاج صبرا، فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل".
رواه الترمذي.
وقال الأصمعي: "حدثنا أبو عاصم عن عباد بن كثير عن قحدم؛ قال: أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحدا وثمانين ألف أسير كانوا في سجن الحجاج، وقيل: إنه لبث في سجنه ثمانون ألفا، منهم ثلاثون ألف امرأة، وعرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، وكان فيمن حبس أعرابي وجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أطلق، فأنشأ يقول:
إذا نحن جاوزنا مدينة واسط ... خرينا وصلينا بغير حساب
"
ذكره ابن كثير في "تاريخه".
قال: "وقال الرياشي: حدثنا عباس الأزرق عن السري بن يحيى؛ قال: مر الحجاج في يوم الجمعة، فسمع استغاثة، فقال: ما هذا؟ فقيل: أهل السجون يقولون: قتلنا الحر. فقال: قولوا لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون. قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة، حتى قصمه الله قاصم كل جبار".
وعن الشعبي: أنه قال: "يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج ".
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
стр. 250
قلت: وقد ذكر لي عن بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا: أنه كان يثني على الحجاج، ويتمنى أن يكون في زماننا من هو مثله أو كمثله مرتين، فذكر له عمر بن عبد العزيز، فقال كلاما يتضمن الغض منه، وأنه ضعيف، وهذا يدل على سريرة خبيثة عند ذلك الرجل، وأنه يحب الظلم وأهل الظلم، ويكره العدل وأهل العدل.
وقد ثبت عن النبي ﷺ : أنه قال: «المرء مع من أحب» .
متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁.
ولهما أيضا من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
باب
ما جاء في بني العباس
عن العباس ﵁؛ قال: كنت عند النبي ﷺ ذات ليلة، فقال: «"انظر؛ هل ترى في السماء من نجم؟ ". قال: قلت: نعم. قال: "ما ترى؟ ". قال: قلت: أرى الثريا. قال: "أما إنه يلي هذه الأمة بعددها من صلبك اثنين في فتنة» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم في "مستدركه"، والبيهقي من طريق الحاكم. قال الهيثمي: "وفيه أبو ميسرة مولى العباس، ولم أعرفه إلا في ترجمة أبي قبيل، وبقية رجال أحمد ثقات".
قوله: "اثنين في فتنة": يحتمل أن يكون مرفوعا وأن يكون منصوبا وأن يكون مجرورا: والرفع أقرب؛ لاستغنائه عن التقديرات، وتكون هذه اللفظة باقية على طريقة المتقدمين في الخط؛ فإنهم يسوون بين المرفوع والمنصوب
следующие страницы →