Полный текст (1 255 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
رواه: ابن مردويه، والحاكم في "مستدركه"، وابن عساكر في "تاريخه".
وعن ابن سيرين؛ قال: "قال ابن الزبير ﵄: ما شيء كان يحدثناه كعب إلا قد أتى على ما قال؛ إلا قوله: إن فتى ثقيف يقتلني، وهذا رأسه بين يدي (يعني: المختار) ". قال ابن سيرين: "ولا يشعر أن أبا محمد قد خبئ له (يعني: الحجاج) ".
رواه عبد الزراق في "مصنفه"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف: "حدثني البريد الذي أتى ابن الزبير برأس المختار، فلما رآه قال ابن الزبير: ما حدثني كعب بحديث إلا وجدت مصداقه؛ إلا أنه حدثني أن رجلا من ثقيف سيقتلني ". قال الأعمش: وما يدري أن أبا محمد خذله الله خبئ له.
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير: أن أباه حدثه: «أنه أتى النبي ﷺ وهو يحتجم، فلما فرغ قال: "يا عبد الله! اذهب بهذا الدم؛ فأهرقه حيث لا يراك أحد"، فلما برزت عن رسول الله ﷺ ؛ عمدت إلى الدم فحسوته، فلما رجعت إلى النبي ﷺ ؛ قال: "ما صنعت يا عبد الله؟ ". قال: جعلته في مكان ظننت أنه خاف على الناس. قال: "فلعلك شربته؟ ". قلت: نعم. قال: "ومن أمرك أن تشرب الدم؟ ! ويل لك من الناس وويل للناس منك!» .
رواه: أبو يعلى، والحاكم، والبيهقي.
وعن أبي عذبة الحمصي؛ قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁، فأخبره أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم، فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة، فسها فيها، حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فلما
стр. 247
سلم أقبل على الناس، فقال: من هاهنا من أهل الشام؛ فقام رجل، ثم قام آخر، ثم قمت أنا ثالثا (أو رابعا) ، فقال: يا أهل الشام! استعدوا لأهل العراق؛ فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، اللهم إنهم قد لبسوا علي فألبس عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم أهل الجاهلية؛ لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم".
رواه البيهقي.
وعن الحسن؛ قال: قال علي ﵁ لأهل الكوفة: "اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني؛ فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال؛ يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيهم بحكم الجاهلية". قال الحسن: وما خلق الله الحجاج يومئذ.
رواه: عبد الرزاق، والبيهقي في "الدلائل"، وهو منقطع، قال البيهقي: "ولا يقول علي ذلك إلا توقيفا".
وعن مالك بن أوس بن الحدثان عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: "الشاب الذيال الميال أمير المصرين؛ يلبس فروتها، ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته".
رواه البيهقي في "الدلائل".
وعن أم حكيم بنت عمرو بن سنان الجدلية؛ قالت: "استأذن الأشعث بن قيس على علي ﵁، فرده قنبر، فأدمى أنفه، فخرج علي ﵁، فقال ما لك وله يا أشعث؟ ! أما والله لو بعبد ثقيف تحرشت لاقشعرت شعيرات استك. قيل له: يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف؟ قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلا. قيل: كم يملك؟ قال: عشرين
стр. 248
إن بلغ".
رواه الطبراني.
وعن هشام بن حسان؛ قال: قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: "لو أن الأمم تخابثت يوم القيامة، فأخرجت كل أمة خبيثها، ثم أخرجنا الحجاج؛ لغلبناهم".
رواه أبو نعيم في "الحلية"، ورواه البيهقي من حديث هشام بن يحيى الغساني عن عمر بن عبد العزيز بنحوه.
وقال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي: حدثنا سليمان بن أبي سنح: حدثنا صالح بن سليمان؛ قال: قال عمر بن عبد العزيز: "لو تخابثت الأمم، فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج؛ لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة، لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخس به إلى أن صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدى إلي عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل؛ رجوت أن يؤدى إلي ما أدي إلى عمر بن الخطاب مائة ألف وعشرة آلاف ألف".
وعن عمرو بن عثمان عن أبيه عن جده؛ قال: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عدي بن أرطاة: "بلغني أنك تستن بسنة الحجاج، فلا تستن بسنته؛ فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع".
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن الزبير بن عدي؛ قال: أتينا أنس بن مالك ﵁ نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: «اصبروا؛ فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده»
стр. 249
«شر منهه، حتى تلقوا ربكم. سمعته من نبيكم ﷺ » .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن هشام بن حسان؛ قال: "أحصوا ما قتل الحجاج صبرا، فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل".
رواه الترمذي.
وقال الأصمعي: "حدثنا أبو عاصم عن عباد بن كثير عن قحدم؛ قال: أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحدا وثمانين ألف أسير كانوا في سجن الحجاج، وقيل: إنه لبث في سجنه ثمانون ألفا، منهم ثلاثون ألف امرأة، وعرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، وكان فيمن حبس أعرابي وجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أطلق، فأنشأ يقول:
إذا نحن جاوزنا مدينة واسط ... خرينا وصلينا بغير حساب
"
ذكره ابن كثير في "تاريخه".
قال: "وقال الرياشي: حدثنا عباس الأزرق عن السري بن يحيى؛ قال: مر الحجاج في يوم الجمعة، فسمع استغاثة، فقال: ما هذا؟ فقيل: أهل السجون يقولون: قتلنا الحر. فقال: قولوا لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون. قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة، حتى قصمه الله قاصم كل جبار".
وعن الشعبي: أنه قال: "يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج ".
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
стр. 250
قلت: وقد ذكر لي عن بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا: أنه كان يثني على الحجاج، ويتمنى أن يكون في زماننا من هو مثله أو كمثله مرتين، فذكر له عمر بن عبد العزيز، فقال كلاما يتضمن الغض منه، وأنه ضعيف، وهذا يدل على سريرة خبيثة عند ذلك الرجل، وأنه يحب الظلم وأهل الظلم، ويكره العدل وأهل العدل.
وقد ثبت عن النبي ﷺ : أنه قال: «المرء مع من أحب» .
متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁.
ولهما أيضا من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
باب
ما جاء في بني العباس
عن العباس ﵁؛ قال: كنت عند النبي ﷺ ذات ليلة، فقال: «"انظر؛ هل ترى في السماء من نجم؟ ". قال: قلت: نعم. قال: "ما ترى؟ ". قال: قلت: أرى الثريا. قال: "أما إنه يلي هذه الأمة بعددها من صلبك اثنين في فتنة» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم في "مستدركه"، والبيهقي من طريق الحاكم. قال الهيثمي: "وفيه أبو ميسرة مولى العباس، ولم أعرفه إلا في ترجمة أبي قبيل، وبقية رجال أحمد ثقات".
قوله: "اثنين في فتنة": يحتمل أن يكون مرفوعا وأن يكون منصوبا وأن يكون مجرورا: والرفع أقرب؛ لاستغنائه عن التقديرات، وتكون هذه اللفظة باقية على طريقة المتقدمين في الخط؛ فإنهم يسوون بين المرفوع والمنصوب
стр. 251
في الخط ويفرقون بينهما في اللفظ، وأما النصب والجر؛ فيحتاجان إلى تقدير، والجر أقرب، وتقديره: تكون ولاية اثنين في فتنة. وتقدير النصب: توقع الولاية اثنين في فتنة. والله أعلم.
وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة؛ لكونه وقع كما أخبر؛ فإنه ولي أمر هذه الأمة من بني العباس عدد كثير سبعة وثلاثون خليفة، منهم اثنان في فتنة عظيمة، وهما المأمون والمعتصم؛ فإنهما افتتنا بالقول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله ، وفتنا كثيرا من الناس بدعائهم إلى هذه المحنة، حتى أجابوا مكرهين، ومن امتنع من إجابتهم كالإمام أحمد وغيره عذبوه بأنواع العذاب؛ من حبس وضرب وإهانة، ثم سلك الواثق سبيلهما في الدعاء إلى هذه الفتنة الصماء والمحنة الشنعاء، وقتل بسببها أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله تعالى، وروي أن الواثق رجع في آخر عمره عن القول بخلق القرآن، ذكر ذلك الخطيب والآجري وأبو نعيم في حكاية عن المهتدي بالله ابن الواثق، فإن كان ذلك صحيحا فقد انحصرت الفتنة في المأمون والمعتصم، وإن لم يكن صحيحا؛ فليس في الخبر ما ينفي الزيادة عن الاثنين، ويكون الاقتصار عليهما لعظم ضررهما. والله أعلم.
وعن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط؛ قال: "قدم عبد الله بن عباس ﵄ على معاوية ﵁ وأنا حاضر، فأجازه، فأحسن جائزته، ثم قال: يا أبا العباس! هل لكم دولة؟ فقال: أعفني يا أمير المؤمنين! فقال: لتخبرني. قال: نعم. فأخبره. قال: فمن أنصاركم؟ قال: أهل خراسان ولبني أمية من بني هاشم بطحات".
رواه: يعقوب بن سفيان، والبيهقي.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «"مررت بالنبي ﷺ ، وإذا معه»
стр. 252
«جبريل، وأنا أظنه دحية الكلبي، فقال جبريل للنبي ﷺ : إنه لوسخ الثياب وسيلبس ولده من بعده السواد» .
رواه البيهقي، وقال: "تفرد به حجاج بن تميم، وليس بالقوي".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال للعباس: «فيكم النبوة وفيكم الملك» .
رواه البيهقي، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن العامري، قال ابن كثير: "وهو ضعيف".
وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تكون الدنيا للكع بن لكع» . قال معمر: هو أبو مسلم الخراساني؛ يعني: الذي أقام دولة بني العباس.
قلت: هذا الحديث قد روي موصولا من حديث أبي هريرة وحذيفة وأم سلمة ﵃، وسيأتي ذكر ذلك في أشراط الساعة إن شاء الله تعالى، ولعل مراد معمر أن أبا مسلم الخراساني ممن يشمله هذا الحديث، لا أنه المراد به وحده؛ فإن الحديث عام يدخل فيه أبو مسلم وغيره من اللئام الذين نالوا شهواتهم من حظوظ الدنيا وسعدوا بالرياسات والمناصب الزائلة.
وعن عبد الله بن المبارك: "أنه سئل عن أبي مسلم: أهو خير أم الحجاج؟ فقال: لا أقول: إن أبا مسام كان خيرا من أحد، ولكن كان الحجاج شرا منه، قد اتهمه بعضهم على الإسلام، ورموه بالزندقة، ولم أر فيما ذكروه عن أبي مسلم ما يدل على ذلك، بل على أنه كان ممن يخاف الله من ذنوبه، وقد ادعى التوبة فيما كان منه من سفك الدماء في إقامة الدولة العباسية، والله أعلم بأمره".
стр. 253
رواه البيهقي.
وذكر ابن جرير: "أن أبا مسلم قتل في حروبه وما كان يتعاطاه لأجل دولة بني العباس ستمائة ألف صبرا، زيادة عمن قتل بغير ذلك".
قلت: وهذا أكثر مما ذكر عن الحجاج؛ كما تقدم ذكر ذلك قريبا.
باب
انتزاع الملك من قريش بسبب المعصية
عن معاوية ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش؛ لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري.
قال البيهقي: "أي: أقاموا معالمه، وإن قصروا هم في أعمال أنفسهم".
قلت: وفي تقييده ﷺ بقاء ملك قريش بإقامة الدين دليل على أنهم إذا لم يقيموا الدين فإن الأمر يخرج عنهم إلى غيرهم، وهكذا وقع الأمر؛ كما هو معروف عند أهل العلم.
ويستفاد من هذا الحديث أن ملك ملوك المسلمين مرتبط بإقامة دين الإسلام، فمن أقامه ثبت ملكه، ومن ضيعه خرج الأمر من يده ولا بد.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ في قريب من ثمانين رجلًا من قريش ... (فذكر الحديث، وفيه أن رسول الله ﷺ تشهد ثم قال:) «أما بعد! يا معشر قريش! فإنكم أهل هذا الأمر ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم كما يلحى هذا القضيب»
стр. 254
« (لقضيب في يده، ثم لحا قضيبه؛ فإذا هو أبيض يصلد» ) ".
رواه الإمام أحمد، قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". ورواه أبو يعلى والطبراني في "الأوسط"، قال الهيثمي: "ورجال أبي يعلى ثقات ".
قال الجوهري: " (اللحاء) ممدود: قشر الشجر، ولحوت العصا ألحوها لحوا: إذا قشرتها". انتهى.
و (يصلد) : معناه: يبرق ويبص. قاله ابن الأثير وابن منظور في " لسان العرب ".
وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته ما لم تحدثوا أعمالا تنزعه منكم، فإذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم شرار خلقه فالتحوكم كما يلتحى القضيب» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم وهذا لفظه.
قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح؛ خلا القاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث، وهو ثقة ". وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في " تلخيصه ".
وعن عطاء بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال لقريش: «أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم مع الحق، إلا أن تعدلوا عنه، فتلحون كما تلحى هذه الجريدة (يشير إلى جريدة في يده) » .
رواه الشافعي في " مسنده " وهو مرسل صحيح الإسناد.
وقد وقع الأمر طبق ما في هذه الأحاديث، فبعث الله على بني أمية لما عصوه من لحاهم وانتزع الأمر من أيديهم، وكذلك بنو العباس لما كثرت معاصيهم بعث الله عليهم من لحاهم، وانتزع الأمر من أيديهم، وكذلك وقع
стр. 255
لكثير سواهم من ولاة الأمور الذين عصوا الله ورسوله، فسلط الله عليهم من لحاهم، وانتزع الأمر من أيديهم.
ليعابر ولاة الأمور بمن خلا قبلهم من ولاة الأمور الذين سلبوا ملكهم، وبدلوا بالعز ذلا، وبالكرامة إهانة؛ جزاء على مخالفتهم لأوامر الله وارتكابهم لمحارمه.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الحي من مضر لا يدع عبدًا لله في الأرض صالحًا إلا فتنة وأهلكه، حتى يدركهم الله بعد بجنود من عنده أو من السماء، فيذلها حتى لا تمنع ذنب تلعة» .
رواه أبو داود الطيالسي، وإسناده صحيح على شرط "الشيخين"، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من طريق أبي داود الطيالسي، وإسناده على شرط مسلم.
وقد رواه ابن أبي شيبة، ولفظه: عن حذيفة ﵁: أنه قال: «لا تدع مضر عبدا لله مؤمنا؛ إلا فتنوه أو قتلوه، أو يضربهم الله والملائكة والمؤمنون حتى لا يمنعوا ذنب تلعة ". فقال له رجل: يا أبا عبد الله! تقول هذا وأنت رجل من مضر؟ ! قال: ألا أقول ما قال رسول الله ﷺ » ؟ !.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
رواه الإمام أحمد: قال الهيثمي: "وفيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات".
قلت: والحديث قبله يشهد له ويقويه.
وقد وقع مصداق هذين الحديثين في بني أمية وبني العباس؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
стр. 256
أبواب
ما جاء في فتن الأهواء والبدع
عن أبي هريرة ﵁؛ قال «: قال رسول الله ﷺ في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وليسوا منك، هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة» .
رواه ابن جرير والطبراني وابن مردويه، وفيه عباد بن كثير؛ قال البخاري والنسائي وغيرهما: "متروك الحديث". قال ابن كثير: "ولم يختلق هذا الحديث، ولكنه وهم في رفعه؛ فإنه رواه سفيان الثوري عن ليث - وهو ابن أبي سليم - عن طاوس عن أبي هريرة ﵁ في الآية: أنه قال: "نزلت في هذه الأمة".
وعن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال لعائشة ﵂: «يا عائش! ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمة» .
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم. قال ابن كثير: "وهو غريب، ولا يصح رفعه".
وعن أبي برزة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى» .
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
وعن حذيفة ﵁: "أنه أخذ حجرين، فوضع أحدهما على الآخر، ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله! ما نرى بينهما من النور إلا قليلا. قال: والذي نفسي بيده لتظهرن
стр. 257
البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما ترون ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شيء؛ قالوا: تركت السنة".
رواه ابن وضاح.
وعنه ﵁: أنه قال: "يأتي على الناس زمان يصبح الرجل بصيرا ويمسي وما يبصر شعرة".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
ورواه ابن أبي شيبة، ولفظه: قال: "والله إن الرجل ليصبح بصيرا ثم يمسي وما ينظر بشفر".
وعنه ﵁: أنه قال: "والله ليركبن الباطل على الحق حتى لا تروا من الحق إلا شيئا خفيا".
رواه ابن أبي شيبة.
باب
فيما يعصم من الفتن
عن علي ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنها ستكون فتنة. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار؛ قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره؛ أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم» .
رواه الترمذي، وقال: "غريب".
وقد رواه الإمام أحمد بإسناد ضعيف، ولفظه: قال: سمعت رسول الله
стр. 258
صلى الله عليه وسلم يقول: «"أتاني جبريل ﵇، فقال: يا محمد! إن أمتك مختلفة بعدك". قال: "فقلت: فأين المخرج يا جبريل؟ ". قال: "فقال: كتاب الله تعالى؛ به يقصم الله كل جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك (مرتين) ، قول فصل، وليس بالهزل، لا تختلقه الألسن، ولا تفنى أعاجيبه، فيه نبأ ما قبلكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما هو كائن بعدكم» .
وقد رواه ابن مردويه بنحوه مختصرا.
وعن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ نحو رواية الترمذي.
وإسناده ضعيف.
باب
افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو ثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، ومحمد بن نصر المروزي وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، والآجري في "كتاب الشريعة". وقال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". قال الترمذي: "وفي الباب عن سعد وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك ﵃ ".
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁؛ قال: قال رسول الله: «افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة، ولن تذهب الأيام والليالي حتى تفترق أمتي على مثلها (أو قال: على مثل ذلك) ، فكل فرقة منها في النار؛ إلا واحدة،»
стр. 259
«وهي الجماعة» .
رواه: محمد بن نصر المروزي وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية؛ لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة؛ كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي» .
رواه: الترمذي، ومحمد بن وضاح، ومحمد بن نصر، والحاكم، والآجري. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وعن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة؛ فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة؛ فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة؛ فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: الجماعة» .
رواه ابن ماجه.
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وهذا لفظه. قال في "الزوائد": "إسناده صحيح، رجاله ثقات".
ورواه أبو بكر الآجري من طرق عن أنس ﵁، وفي بعض
стр. 260
طرقه: «كلها في النار إلا السواد الأعظم» .
ورواه الطبراني في "معجمه الصغير"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلهم في النار؛ إلا واحدة. قالوا: وما هي تلك الفرقة؟ قال: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأمتي تزيد عليهم فرقة؛ كلهم في النار إلا السواد الأعظم» .
رواه الطبراني في "الأوسط" و "الكبير". قال الهيثمي: وفيه أبو غالب؛ وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجال "الأوسط" ثقات، وكذلك أحد إسنادي "الكبير".
وعن عمرو بن عوف ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن بني إسرائيل افترقت على موسى ﵇ سبعين فرقة؛ كلها ضالة؛ إلا فرقة واحدة: الإسلام وجماعتهم، ثم إنها افترقت على عيسى ﵇ على إحدى وسبعين فرقة؛ كلها ضالة إلا واحدة: الإسلام وجماعتهم، ثم إنكم تكونون على اثنتين وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة: الإسلام وجماعتهم» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه كثير بن عبد الله، وهو ضعيف، وقد حسن الترمذي له حديثا، وبقية رجاله ثقات".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: (فذكره بنحوه) .
وعن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك ﵃؛ قالوا: «خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن نتمارى في شيء من الدين،»
стр. 261
«فغضب غضبًا شديدًا لم يغضب مثله ... (الحديث، وفيه) : "ذروا المراء؛ فإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها على الضلالة؛ إلا السواد الأعظم ". قالوا: يا رسول الله! ما السواد الأعظم؟ قال ﷺ : "من كان على ما أنا عليه وأصحابي» .
رواه: الطبراني، والآجري. وفي إسناده ضعف.
وتفسير السواد الأعظم في هذا الحديث بأنهم من كان على ما عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، يدفع ما قد يتوهمه من قل نصيبه من العلم من أن السواد الأعظم المذكور في حديث أنس وحديث أبي أمامة ﵄ يراد به معظم المنتسبين إلى الإسلام وجمهورهم؛ نظرا منهم إلى ظاهر اللفظ.
فإن قيل: إن هذا الحديث ضعيف. قيل: قد تقدم ما يشهد له من حديث عبد الله بن عمرو وأنس ﵃.
وروي أيضا عن علي وابن مسعود ﵄ ما يؤيد ذلك، فروى العسكري عن سليم بن قيس العامري؛ قال: سأل ابن الكواء عليا ﵁ عن السنة والبدعة وعن الجماعة والفرقة؟ فقال: " يابن الكواء! حفظت المسألة؛ فافهم الجواب: السنة والله سنة محمد ﷺ ، والبدعة ما فارقها، والجماعة والله مجامعة أهل الحق وإن قلوا، والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا".
وقال عمرو بن ميمون الأودي: "صحبت معاذا باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس: عبد الله بن مسعود ﵁، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة. ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن
стр. 262
مواقيتها؛ فصلوا الصلاة لميقاتها؛ فهي الفريضة، وصلوا معهم؛ فإنها لكم نافلة. قال: قلت: يا أصحاب محمد! ما أدري ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول: صل الصلاة وحدك وهي فريضة، وصل مع الجماعة وهي نافلة! قال: يا عمرو بن ميمون! قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية؛ تدري ما الجماعة؟ قلت: لا. قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك".
وفي رواية: فقال ابن مسعود ﵁ وضرب على فخذي: "ويحك! إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى ".
قال نعيم بن حماد: "يعني: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك؛ فإنك أنت الجماعة حينئذ".
رواه البيهقي في كتاب "المدخل "، ونقله أبو شامة في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، وابن القيم في كتاب "الإغاثة".
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وكان محمد بن أسلم الطوسي الإمام المتفق على إمامته مع رتبته أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال: ما بلغني سنة عن رسول الله ﷺ ؛ إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مكنت من ذلك، فسئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: «إذا اختلف الناس؛ فعليكم بالسواد الأعظم» . فقال: محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم".
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وصدق والله؛ فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة داع إليها؛ فهو الحجة وهو الإجماع وهو السواد الأعظم، وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم
стр. 263
وساءت مصيرا". انتهى.
وقد قال أبو نعيم في "الحلية": "حدثنا أبي: حدثنا خالي أحمد بن محمد ابن يوسف: حدثنا أبي؛ قال: قرأت على أبي عبد الله محمد بن القاسم الطوسي خادم ابن أسلم؛ قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول..... (وذكر في حديث رفعه إلى النبي ﷺ قال:) «إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف؛ فعليكم بالسواد الأعظم» . فقال رجل: يا أبا يعقوب! من السواد الأعظم؟ فقال: محمد بن أسلم وأصحابه ومن اتبعه. ثم قال: سأل رجل ابن المبارك، فقال: يا أبا عبد الرحمن! من السواد الأعظم؟ قال: أبو حمزة السكري. ثم قال إسحاق: في ذلك الزمان (يعني: أبا حمزة) ، وفي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه. ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال: من السواد الأعظم؟ قالوا: جماعة الناس، ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي ﷺ وطريقه، فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة، ومن خالفه فقد ترك الجماعة. ثم قال إسحاق: لم أسمع عالما منذ خمسين سنة أعلم من محمد بن أسلم ". انتهى ما ذكره أبو نعيم.
وجزم البخاري في (كتاب الاعتصام) من "صحيحه" أن الجماعة التي أمر النبي ﷺ بلزومها هم أهل العلم.
وقال أبو شامة في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث": "حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة؛ فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلا والمخالف له كثيرا؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم". انتهى.
وقد نقل ابن القيم رحمه الله تعالى كلام أبي شامة في كتاب " الإغاثة"
стр. 264
واستحسنه.
وقد وصفت الفرقة الناجية في الأحاديث التي تقدم ذكرها بثلاث صفات:
إحداها: أنهم الجماعة.
الثانية: أنهم السواد الأعظم.
الثالثة: أنهم من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وهذه الصفة تبين المراد من الصفتين قبلها وتدل على أن أهل الحق هم الجماعة والسواد الأعظم من كانوا وأين كانوا، ولو كانوا من أقل الناس. والله أعلم.
وقد روى اللالكائي عن أبي الطفيل؛ قال: "كان علي ﵁ يقول: إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به، ثم يتلو هذه الآية: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ ؛ يعني: محمدا والذين اتبعوه؛ فلا تغتروا؛ فإنما ولي محمد من أطاع الله، وعدو محمد من عصى الله وإن قربت قرابته".
وعن معاوية بن أبي سفيان ﵄: أنه لما قدم مكة حاجا؛ قام حين صلى صلاة الظهر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة (يعني: الأهواء) ؛ كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه؛ لا يبقى عرق ولا مفصل إلا دخله» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، ومحمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة"، والحاكم في "مستدركه".
стр. 265
وزاد أحمد ومحمد بن نصر والحاكم: «والله يا معشر العرب! لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ ؛ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به» .
صححه الحاكم، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال الخطابي رحمه الله تعالى: " (الكلب) : داء يعرض للإنسان من عضة الكلب الكلب، وهو داء يصيب الكلب؛ كالجنون، وعلامة ذلك فيه: أن تحمر عيناه، وأن لا يزال يدخل ذنبه بين رجليه، وإذا رأى إنسانا ساوره، فإذا عقر هذا الكلب إنسانا عرض له من ذلك أعراض رديئة، منها: أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشا، ولا يزال يستسقي، حتى إذا سقي الماء لم يشربه. ويقال: إن هذه العلة إذا استحكمت بصاحبها فقعد للبول؛ خرج منه هنات مثل صور الكلاب؛ فالكلب داء عظيم؛ إذا تجارى بالإنسان تمادى وهلك ". انتهى.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في أمتي نيفًا وسبعين داعيًا؛ كلهم داع إلى النار، لو أشاء لأنبأتكم بآبائهم وأمهاتهم وقبائلهم» .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".
باب
ما جاء في اتباع هذه الأمة لسنن أعداء الله
عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ !» .
стр. 266
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها؛ شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع. فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: "ومن الناس إلا أولئك؟ !» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، وهذا لفظه.
ورواه ابن ماجه، ولفظه: «لتتبعن سنن من كان قبلكم؛ باعًا بباع، وذراعًا بذراع، وشبرًا بشبر، حتى لو دخلوا جحر ضب؛ لدخلتم فيه. قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن إذًا؟ !» .
ورواه: الإمام أحمد أيضا، والحاكم في "مستدركه"؛ بنحو رواية ابن ماجه، ثم قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم؛ شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب؛ لدخلتموه. قالوا: من يا رسول الله؟ اليهود النصارى؟ قال: "فمن إلا هم؟ !» .
رواه محمد بن نصر المروزي في "كتاب السنة"، وإسناده جيد.
وعن سهل بن سعد الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «والذي نفسي بيده؛ لتركبن سنن من كان قبلكم مثلًا بمثل، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن إلا اليهود والنصارى؟ !» .
رواه: الإمام أحمد مختصرا، والطبراني بتمامه.
стр. 267
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : أنه قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم؛ شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق؛ لفعلتموه» .
رواه محمد بن نصر المروزي والبزار بأسانيد جيدة، والحاكم في "مستدركه"، وصححه، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية؛ لكان في أمتي من يصنع ذلك» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وقد رواه محمد نصر المروزي في كتاب "السنة" بنحوه مختصرا، وإسناده حسن.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل، لتركبن طريقهم حذو القذة بالقذة، حتى لا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله، حتى إن القوم لتمر عليهم المرأة فيقوم إليها بعضهم فيجامعها، ثم يرجع إلى أصحابه يضحك إليهم ويضحكون إليه» .
رواه الطبراني.
وعن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ ؛ قال: «لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل، ولتأخذن مثل مأخذهم؛ إن شبرًا فشبر، وإن ذراعًا فذراع، وإن باعًا فباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه» .
رواه: محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة"، والآجري في كتاب
стр. 268
"الشريعة".
وعن شداد بن أوس ﵄ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القذة بالقذة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومحمد بن نصر المروزي والطبراني، والآجري.
وعن أبي واقد الليثي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده؛ لتركبن سنة من كان قبلكم» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده"، وابن حبان في "صحيحه"، ولفظهما: «إنكم ستركبون سنن من كان قبلكم» .
ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة" بنحوه، وأسانيده كلها جيدة.
وعن المستورد بن شداد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تترك هذه الأمة شيئًا من سنن الأولين حتى تأتيه» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم".
رواه الآجري في كتاب "الشريعة".
ورواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: "لتسلكن طريق من كان قبلكم؛ حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم، ولا تخطئكم".
стр. 269
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه محمد بن وضاح بزيادة كثيرة ولفظه: "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، حتى لا يقول عبد: مه، مه؟ ولتركبن سنن الأمم قبلكم حذو النعل بالنعل؛ لا تخطئون طريقهم، ولا تخطئكم، حتى لو أنه كان فيمن كان قبلكم من الأمم أمة يأكلون العذرة رطبة أو يابسة؛ لأكلتموها، وستفضلونهم بثلاث خصال لم تكن فيمن كان قبلكم من الأمم: نبش القبور، وسمنة النساء؛ تسمن الجارية حتى تموت شحما، وحتى يكتفي الرجال بالرجال دون النساء، والنساء بالنساء دون الرجال، ايم الله إنها لكائنة، ولو قد كانت؛ خسف بهم ورجموا كما فعل بقوم لوط، والله ما هو بالرأي، ولكنه الحق اليقين".
وعنه ﵁: أنه قال: "لا يكون في بني إسرائيل شيء؛ إلا كان فيكم مثله". فقال رجل: يكون فينا مثل قوم لوط؟ قال: "نعم".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: "أنتم أشبه الناس ببني إسرائيل، والله لا تدعون شيئا عملوه إلا عملتموه، ولا كان فيهم شيء إلا سيكون فيكم مثله ". فقال رجل: أيكون فينا مثل قوم لوط؟ فقال: "نعم، ممن أسلم وعرف نسبه".
رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعنه ﵁: أنه قال: "أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة؛ غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ ".
ذكره البغوي في "تفسيره".
стр. 270
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "لتركبن سنة بني إسرائيل حذو النعل بالنعل (أو القذة بالقذة) ؛ غير أني لا أدري تعبدون العجل أم لا؟ ! ".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "أنتم أشبه الناس سمتا وهديا ببني إسرائيل، لتسلكن طريقهم؛ حذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل ".
رواه ابن أبي شيبة.
وعنه ﵁: أنه قال: "إن أشبه الناس سمتا وهيئة ببني إسرائيل أنتم، تتبعون آثارهم حذو القذة بالقذة، لا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله". رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعن ابن عباس ﵄: أنه قال: "لم يكن في بني إسرائيل شيء إلا وهو كائن فيكم".
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، ومحمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعن عبادة بن الصامت ﵁: أنه قال: "والله ما من شيء كان ممن قبلكم إلا سيكون فيكم".
رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعن عبد الله بن عمر ﵄: أنه قال: "لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرها".
رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعن همام بن الحارث؛ قال: كنا عند حذيفة ﵁، فذكروا:
стр. 271
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، فقال رجل من القوم: إنما هذا في بني إسرائيل. فقال حذيفة ﵁: "نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم الحلو ولهم المر، كلا والذي نفسي بيده؛ حتى تحذى السنة بالسنة حذو القذة بالقذة".
رواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة".
وعن بكر بن سوادة: أن موسى بن الأشعث حدثه أن الوليد حدثه: "أنه انطلق هو وأبيض - رجل من أصحاب النبي ﷺ إلى رجل يعودانه. قال: فدخلنا المسجد فرأينا الناس يصلون، فقلت: الحمد لله الذي جمع بالإسلام الأحمر والأسود. فقال أبيض: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى لا تبقى ملة إلا ولها منكم نصيب. قلت: يبادرون يخرجون من الإسلام؟ قال: يصلون بصلاتكم، ويجلسون مجالسكم، وهم معكم في سوادكم، ولكل ملة منهم نصيب".
رواه عبدان في كتاب "الصحابة".
وهذه الموقوفات لها حكم الرفع؛ لأن فيها إخبارا عن أمر غيبي، وذلك لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف. والله أعلم.
باب
ما جاء في الخوارج
وهم أول من كفر المسلمين بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله.
قال البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه": "وكان ابن عمر رضي الله
стр. 272
عنهما يراهم شر خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين". انتهى.
وحكي عنهم أنهم لا يتبعون النبي ﷺ إلا فيما بلغه عن الله تعالى من القرآن والسنة المفسرة له، وأما ظاهر القرآن إذا خالفه الرسول فلا يعملون إلا بظاهره. ذكر ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ولهذا كانوا مارقين، مرقوا من الإسلام مروق السهم من الرمية؛ كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ عنهم.
وقد تواترت الأحاديث في ذكر الخوارج، وصحت من نحو من أربعين وجها، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
وبدعة الخوارج هي أول بدعة حدثت في الإسلام، وأول قرن طلع منهم على عهد رسول الله ﷺ هو «ذو الخويصرة التميمي، الذي اعترض على النبي ﷺ ، وطعن عليه في قسمته العادلة بالاتفاق، وقال له في وجهه: اتق الله واعدل؛ فإنك لم تعدل! فقال النبي ﷺ : ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل» ؟ ! ، وسيأتي هذا الحديث قريبا إن شاء الله تعالى.
وعن أبي بكرة ﵁: «أن نبي الله ﷺ مر برجل ساجد وهو ينطلق إلى الصلاة، فقضى الصلاة ورجع عليه وهو ساجد، فقام النبي ﷺ فقال: "من يقتل هذا؟ " فقام رجل فحسر عن يديه، فاخترط سيفه وهزه وقال: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي! كيف أقتل رجلًا ساجدًا يشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدًا عبده ورسوله؟ ! ثم قال: "من يقتل هذا؟ ". فقام رجل، فقال: أنا، فحسر عن ذراعيه، واخترط سيفه فهزه حتى أرعدت يده، فقال: يا نبي الله! كيف أقتل رجلًا ساجدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟ ! فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لو قتلتموه لكان أول فتنة وآخرها» .
стр. 273
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. وإسناد أحمد صحيح على شرط مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن أبا بكر الصديق ﵁ جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني مررت بوداي كذا وكذا؛ فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي. فقال له النبي ﷺ : "اذهب إليه فاقتله". قال: فذهب إليه أبو بكر ﵁، فلما رآه على تلك الحال؛ كره أن يقتله، فرجع إلى رسول الله ﷺ . قال: فقال النبي ﷺ لعمر: "اذهب فاقتله". فذهب عمر ﵁، فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر. قال: فكره أن يقتله. قال: فرجع فقال: يا رسول الله! إني رأيته يصلي متخشعًا، فكرهت أن أقتله. قال: "يا علي! اذهب فاقتله". فذهب علي ﵁، فلم يره، فرجع علي ﵁، فقال: يا رسول الله! لم أره. قال: فقال النبي ﷺ : "إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه؛ فاقتلوهم؛ هم شر البرية» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «ذكر رجل لرسول الله ﷺ ، له نكاية في العدو واجتهاد، فقال رسول الله ﷺ : "لا أعرف هذا". فبينما هم كذلك إذ طلع رجل، فقالوا: هو هذا يا رسول الله. فقال ﵊: "ما كنت أعرف هذا، هذا أول قرن رأيته في أمتي؛ إن به لسفعة من الشيطان". فلما دنا الرجل سلم، فرد عليه القوم السلام، فقال له رسول الله ﷺ : "أنشدك بالله؛ هل حدثت نفسك حين طلعت علينا أن ليس في القوم أحد أفضل منك؟ ". قال: اللهم نعم. فدخل المسجد يصلي، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر ﵁: "قم فاقتله". فدخل أبو بكر المسجد، فوجده قائمًا يصلي، فقال أبو بكر في نفسه: إن للصلاة حرمة وحقًا، ولو أني استأمرت رسول»
стр. 274
«الله ﷺ . فجاء إليه، فقال له النبي ﷺ : "أقتلته؟ ". قال: لا؛ رأيته قائمًا يصلي ورأيت للصلاة حرمة وحقًا، وإن شئت أن أقتله قتلته. قال: "لست بصاحبه، اذهب أنت يا عمر فاقتله". فدخل عمر ﵁ المسجد فإذا هو ساجد، فانتظره طويلًا، ثم قال عمر في نفسه: إن للسجود حقًا، ولو أني استأمرت رسول الله ﷺ ؛ فقد استأمره من هو خير مني. فجاء إلى النبي ﷺ ، فقال: "أقتلته؟ ". قال: لا؛ رأيته ساجدًا، ورأيت للسجود حقًا، وإن شئت أن أقتله قتلته. فقال رسول الله ﷺ : "لست بصاحبه، قم يا علي فاقتله، أنت صاحبه إن وجدته". فدخل علي ﵁ المسجد، فلم يجده، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : "لو قتل اليوم ما اختلف من أمتي رجلان حتى يخرج الدجال» .
رواه أبو يعلى، والآجري؛ من طرق عن أنس ﵁، وكلها ضعيفة، وأحسنها ما رواه أبو يعلى من طريق يزيد الرقاشي عن أنس ﵁، قال الهيثمي: " يزيد الرقاشي ضعفه الجمهور، وفيه توثيق لين، وبقية رجاله رجال الصحيح". قال: "وقد صح قبله حديث أبي بكرة وأبي سعيد ﵄". قال: "رواه البزار باختصار، ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم".
وعن جابر ﵁؛ قال: «مر على رسول الله ﷺ رجل، فقالوا فيه وأثنوا عليه، فقال: "من يقتله؟ ". فقال أبو بكر ﵁: أنا. فذهب، فوجده قد خط على نفسه خطة وهو يصلي فيها، فلما رآه على تلك الحال رجع ولم يقتله. فقال النبي ﷺ : "من يقتله؟ ". فقال عمر ﵁: أنا. فذهب، فرآه في خطة قائمًا يصلي، فرجع ولم يقتله. فقال رسول الله ﷺ : "من له (أو: من يقتله؟) ". فقال علي ﵁: أنا. فقال رسول الله ﷺ : "أنت، ولا أراك تدركه". فانطلق، فرآه قد ذهب» .
стр. 275
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «بعث علي ﵁ وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ ، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان. قال: فغضبت قريش والأنصار، فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم". فجاء رجل كث اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد! قال: فقال رسول الله ﷺ : "فمن يطع الله إن عصيته؟ ! أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ ! ". قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله (يرون أنه خالد بن الوليد) فقال رسول الله ﷺ : "إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، وأبو داود، والنسائي.
وفي رواية للشيخين عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبية في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها. قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل. فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. قال: فبلغ ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً؟ ! ". قال: فقام رجل؛ غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز»
стр. 276
«الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله. قال: "ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ ". قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا؛ لعله أن يكون يصلي". فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال رسول الله ﷺ : "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم". قال: ثم نظر إليه وهو مقف، فقال: "إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (وأظنه قال:) لئن أدركتهم؛ لأقتلنهم قتل ثمود» .
وفي رواية لمسلم: «فقام إليه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا ". قال: ثم أدبر، فقام إليه خالد سيف الله، فقال: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا". فقال: "إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله لينًا رطبًا» .
وفي رواية لأحمد والشيخين والنسائي في "خصائص علي ﵁" عن أبي سعيد ﵁؛ قال: «بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله! اعدل. قال رسول الله ﷺ : "ويلك! ومن يعدل إن لم أعدل؟ ! قد خبت وخسرت إن لم أعدل". فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله! ائذن لي فيه أضرب عنقه. قال رسول الله ﷺ : "دعه؛ فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه؛ فلا يوجد فيه شيء - وهو القدح - ثم ينظر إلى قذذه؛ فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة (أو مثل البضعة) تدردر،»
стр. 277
«يخرجون على حين فرقة من الناس» . قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي بن أبي طالب ﵁ قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس، فوجد، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت.
هذا لفظ مسلم، وزاد أحمد والبخاري: قال: فنزلت فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ .
قوله: «يخرج من ضئضئ هذا» .
قال الخطابي وابن الأثير وغيرهما: "الضئضئ الأصل". قال الخطابي: "يريد أنه يخرج من نسله الذين هو أصلهم، أو يخرج من أصحابه وأتباعه الذين يقتدون به ويبنون رأيهم ومذهبهم على أصل قوله".
قلت: وهذا الأخير أرجح، ويؤيده قوله ﷺ : «إن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم» ، وقوله في الحديث الآخر: «إن له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه» .
وهذا هو اختيار ابن كثير؛ قال: "لأن الخوارج لم يكونوا من سلالته، ولا أعلم أحدا منهم من نسله، وإنما أراد: "من ضئضئ هذا"؛ أي: من شكله وعلى صفته". انتهى.
وقد اختلف في معنى قوله: "قد خبت وخسرت"؛ بناء على اختلاف الرواية في ضبط هذين الحرفين، فروي بضم المثناة.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح البارى": "بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهر ولا محذور فيه، والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يعدل حتى يحصل له الشقاء، بل هو عادل فلا يشقى، وحكى عياض فتحها، ورجحه
стр. 278
النووي، وحكاه الإسماعيلي عن رواية شيخه المنيعي من طريق عثمان بن عمر عن قرة، والمعنى: لقد شقيت؛ أي: ضللت أنت أيها التابع حيث تقتدي بمن لا يعدل أو حيث تعتقد في نبيك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمن". انتهى.
واختار هذا القول الأخير أبو العباس ابن تيمية وابن القيم رحمة الله عليهما:
قال شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله تعالى: " إذا جوز أن الرسول يجوز أن يخون ويظلم فيما ائتمنه الله عليه من الأموال وهو معتقد أنه أمين الله على وحيه؛ فقد اتبع ظالما كاذبا، وجوز أن يخون ويظلم فيما ائتمنه من المال من هو صادق أمين فيما ائتمنه الله عليه من خبر السماء، ولهذا قال النبي ﷺ : «أيأمنني من في السماء ولا تأمنوني؟ !» ، أو كما قال؛ يقول ﷺ : إن أداء الأمانة في الوحي أعظم، والوحي الذي أوجب الله طاعته هو الوحي بحكمه وقسمته". انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في "تهذيب السنن": "الصواب فتح التاء من "خبت وخسرت"، والمعنى: إنك إذا خائب خاسر إن كنت تقتدي في دينك بمن لا يعدل، وتجعله بينك وبين الله، ثم تزعم أنه ظالم غير عادل، ومن رواه بضم التاء لم يفهم معناه هذا". انتهى.
قلت: وضم التاء أرجح من نصبها لوجوه:
أحدها: أنه رواية الأكثر.
الثاني: ما جاء في "صحيح ابن حبان " في هذا الحديث: أن «الرجل لما قال للنبي ﷺ : اعدل؛ فإنك لم تعدل. قال النبي ﷺ : يا ويلي! لقد شقيت إن لم أعدل» . فظاهر هذا السياق يدل على أن النبي ﷺ عنى بذلك نفسه.
стр. 279
الثالث: أن في توجيه المعنى على النصب تكلفا، وأما الرفع؛ فليس فيه تكلف.
الرابع: أن الرفع يتأيد بأدلة كثيرة من القرآن:
كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
والمعنى في هذه الآيات وفي الحديث أيضا: أنه لو فرض وجود الشرط؛ لكان المشروط، ولكن هذا كله محال وممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله ﷺ ، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا؛ فإن الله أحد
стр. 280
صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له كفوا أحد، تعالى وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وقد عصم الله ﵎ رسوله محمدا ﷺ من الشرك والظلم والجور والغي والضلال ومتابعة أهواء اليهود والنصارى والمشركين، وبرأه من كل نقص وعيب، وكذلك سائر الأنبياء والمرسلين؛ فكلهم معصومون مبرؤون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
والمقصود هنا أن توجيه المعنى على الرفع صحيح ولا محذور فيه. والله أعلم.
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: «أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد! اعدل. قال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ ! لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي! إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية» .
رواه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
وعن أبي سلمة وعطاء بن يسار: أنهما أتيا أبا سعيد الخدري ﵁، فسألاه عن الحرورية: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكرها؟ قال: لا أدري من الحرورية، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج في هذه الأمة (ولم يقل منها) قوم تحتقرون صلاتكم مع صلاتهم، فيقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم (أو حناجرهم) ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء» .
стр. 281
متفق عليه.
وقد رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه؛ من حديث أبي سلمة عن أبي سعيد ﵁ بنحوه.
وفي رواية لأحمد والبخاري عن أبي سلمة عن أبي سعيد ﵁: أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج فيكم قوم؛ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم؛ يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية؛ ينظر في النصل فلا يرى شيئًا، ثم ينظر في القدح فلا يرى شيئًا، ثم ينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق» .
وعن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁: «أن رسول الله ﷺ ذكر قوما يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحليق؛ قال: هم شر الخلق (أو من شر الخلق) ، يقتلهم أولى الطائفتين بالحق. قال: فضرب النبي ﷺ لهم مثلًا (أو قال: قولًا) : "الرجل يرمي الرمية (أو قال: الغرض) ، فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في النضي فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة". فقال أبو سعيد ﵁: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق» !
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي في "خصائص علي ﵁ ".
وفي رواية لهم عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق» .
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده"، ولفظه: قال: «تكون فرقة بين»
стр. 282
«طائفتين من أمتي، تمرق بينهما مارقة، تقتلها أولى الطائفتين بالحق» . وفي رواية لمسلم: «تكون في أمتي فرقتان، فتخرج من بينهما مارقة، يلي قتلهم أولاهم بالحق» .
ورواه الإمام أحمد، ولفظه: قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، دعواهما واحدة، تمرق بينهما مارقة، يقتلها أولاهما بالحق» .
ورواه الحاكم في "مستدركه" من حديث عبد الملك بن أبي نضرة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن رسول الله ﷺ أتاه مال، فجعل يضرب بيده فيه، فيعطي يمينًا وشمالًا، وفيهم رجل مقلص الثياب، ذو سيماء، بين عينيه أثر السجود، فجعل رسول الله ﷺ يضرب بيده يمينًا وشمالًا، حتى نفد المال، فلما نفد المال؛ ولى مدبرًا، وقال: والله ما عدلت منذ اليوم. قال: فجعل رسول الله ﷺ يقلب كفيه ويقول: "إذا لم أعدل؛ فمن ذا يعدل بعدي؟ ! أما إنه ستمرق مارقة، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يعودون إليه حتى يرجع السهم على فوقه، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحسنون القول ويسيئون الفعل، فمن لقيهم فليقاتلهم، فمن قتلهم فله أفضل الأجر، ومن قتلوه فله أفضل الشهادة، هم شر البرية، برئ الله منهم، يقتلهم أولى الطائفتين بالحق» .
قال الحاكم: "صحيح، ولم يخرجاه بهذه السياقة"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في حديث ذكر فيه قومًا يخرجون على فرقة من الناس مختلفة؛ يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
стр. 283
وعن معبد بن سيرين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه. قيل: ما سيماهم؟ قال: "سيماهم التحليق (أو قال: التسبيد) » .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
(التسبيد) : بمعنى التحليق: قال أبو داود: " (التسبيد) : استئصال الشعر". وقال الجوهري: " (تسبيد الرأس) : استئصال شعره. و (التسبيد) أيضا: ترك الادهان ". وكذا قال ابن الأثير وغيره من أهل اللغة.
وعن يزيد الفقير؛ قال: قلت لأبي سعيد: إن منا رجالا هم أقرؤنا للقرآن، وأكثرنا صلاة، وأوصلنا للرحم، وأكثرنا صوما، خرجوا علينا بأسيافهم. فقال أبو سعيد ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: «يخرج قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» .
رواه الإمام أحمد، قال ابن كثير: "وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم ثقات".
وعن عاصم بن شميخ عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا حلف واجتهد في اليمين؛ قال: «والذي نفس أبي القاسم بيده؛ ليخرجن قوم من أمتي؛ تحقرون أعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. قالوا: فهل من علامة يعرفون بها؟ قال: "فيهم رجل ذو يدية (أو ثدية) ، محلقي رؤوسهم» . قال أبو سعيد: فحدثني عشرون أو بضع وعشرون من أصحاب
стр. 284
النبي ﷺ : أن عليا ﵁ ولي قتلهم. قال: فرأيت أبا سعيد بعدما كبر ويداه ترتعش يقول: قتالهم أحل عندي من قتال عدتهم من الترك.
رواه الإمام أحمد، وإسناده حسن.
وظاهر هذا الحديث يدل على أن أبا سعيد ﵁ لم يشهد قتال الخوارج، والصحيح أنه قد شهد قتالهم؛ لما رواه الإمام أحمد والشيخان عن أبي سعيد ﵁: أنه قال: "أشهد أن علي بن أبي طالب ﵁ قاتلهم وأنا معه......" الحديث، وقد تقدم ذكره، وهو مقدم على ما في هذه الرواية، ويحتمل أن يكون المراد بتحديث العشرين أو البضع والعشرين أنهم شهدوا عند أبي سعيد ﵁ بمثل ما شهد به هو من قتال علي ﵁ للخوارج، وحينئذ فلا منافاة بين الروايتين. والله أعلم.
وعن قتادة عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك ﵄ أن النبي ﷺ قال: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة؛ قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم. قالوا: يا رسول الله! ما سيماهم؟ قال: "التحليق» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في "مستدركه"، وهذا لفظ أحمد. وصححه الحاكم عن أنس ﵁، وقال: "على شرط الشيخين".
قال المنذري: "قتادة لم يسمع من أبي سعيد وسمع من أنس بن مالك. وقال الحاكم: لم يسمع هذا الحديث قتادة من أبي سعيد الخدري، إنما سمعه
стр. 285
من أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد. ثم ساق بإسناده عن قتادة عن على الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «مثلهم مثل رجل يرمي رمية، فيتوخى السهم حيث وقع، فأخذه، فنظر إلى فوقه فلم ير به دسمًا ولا دمًا، ثم نظر إلى ريشه فلم ير به دسمًا ولا دمًا، ثم نظر إلى نصله فلم ير به دسمًا ولا دمًا» ؛ كما لم يتعلق به شيء من الدسم والدم كذلك لم يتعلق هؤلاء بشيء من الإسلام".
ورواه الحاكم أيضا من حديث أنس وحده بنحو ما تقدم عنه وعن أبي سعيد، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، وأقره الذهبي في "تلخيصه".
ورواه أبو داود في "سننه" عن الحسن بن علي (يعني: الحلواني) عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ نحوه (أي: نحو ما تقدم عن أبي سعيد وأنس ﵄ ، وقال: «سيماهم التحليق والتسبيد، فإذا رأيتموهم فأنيموهم» .
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه ابن ماجه عن بكر بن خلف أبي بشر عن عبد الرزاق بنحوه مختصرا ولفظه: قال: «يخرج قوم في آخر الزمان (أو: في هذه الأمة) ؛ يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم (أو: حلوقهم) ، سيماهم التحليق، إذا رأيتموهم (أو: إذا لقيتموهم) ؛ فاقتلوهم» .
إسناده صحيح.
ورواه الحاكم من طريق هشام بن يوسف الصنعاني عن معمر عن قتادة عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، وسيجيء قوم يعجبونكم وتعجبهم أنفسهم، الذين يقتلونهم أولى بالله منهم،»
следующие страницы →