Полный текст (1 255 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال أمتي بخير؛ ما لم يفش فيهم ولد الزنى، فإذا فشا فيهم ولد الزنى؛ فيوشك أن يعمهم الله بعقاب» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، وقال في روايته: «لا تزال أمتى بخير متماسك أمرها ما لم يظهر فيهم ولد الزنا» . قال الهيثمي: "فيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالسماع؛ فالحديث صحيح أو حسن ".
وعن معاذ بن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال الأمة على الشريعة ما لم تظهر فيهم ثلاث: ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر فيهم ولد الحنث» ........ الحديث، وقد تقدم قريبًا.
قال ابن الأثير وابن منظور: "أولاد الحنث؛ أولاد الزنا، من الحنث: المعصية ". ويروى بالخاء المعجمة والباء الموحدة.
باب
ما جاء في استحلال الزنى والخمر والحرير والمعازف
عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري ﵁؛ قال: حدثني أبو عامر (أو: أبو مالك) الأشعري ﵁ والله ما كذبني -: سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدًا. فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» .
رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به، ووصله الإسماعيلي والطبراني وابن حبان والبيهقي وغيرهم.
стр. 562
(الحر) بالحاء المهملة المكسورة وبالراء الخفيفة، وهو الفرج. قال الجوهري: " (الحر) ؛ مخفف: أصله حرح؛ لأن جمعه أحراح، والمعنى أنهم يستحلون الزنى". قال ابن التين: "يريد ارتكاب الفرج بغير حله". وقال ابن العربي: "يحتمل أن يكون المعنى: يعتقدون ذلك حلالًا، ويحتمل أن يكون ذلك مجازًا على الاسترسال".
قلت: يعني أنهم يسترسلون في ركوب الفرج الحرام ولبس الحرير وشرب الخمر واستماع المعازف كما يسترسلون في الاستمتاع بالشيء الحلال. وكلا الأمرين واقع في زماننا: الاسترسال، واعتقاد الحل، ولا سيما في لبس الحرير وشرب بعض أنواع الخمر واستماع المعازف.
وعن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير» .
رواه: ابن المبارك في "الزهد"، وابن عساكر في "تاريخه".
ورواه البخاري في "التاريخ الكبير"، ولفظه: قال: «يوشك أن يستحلوا الخمر والحرير» . وفي نسخة: «الحر والحرير» .
وعن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنًا خلافة ورحمة، وكائنًا ملكًا عضوضًا، وكائنًا عتوًا وجبرية وفسادًا في الأرض؛ يستحلون الفروج والخمور والحرير، وينصرون على ذلك، ويرزقون أبدًا؛ حتى يلقوا الله» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة، ولكنه مدلس، وبقية رجاله ثقات".
وسيأتي ذكر إعلان الفاحشة في آخر الكتاب عند ذكر الريح التي تقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان إن شاء الله تعالى.
стр. 563
باب
ما جاء في استحلال الخمر بتغيير اسمها
عن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وابن حبان في "صحيحه"، والطبراني، والبيهقي.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب فيها طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» . رواه: ابن ماجه، وأبو نعيم في "الحلية".
وعن عبادة بن الصامت ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يشرب ناس من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه» .
رواه: ابن ماجه في "سننه"، والحافظ الضياء في "المختارة".
ورواه الإمام أحمد، ولفظه: «لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه» .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "وسنده جيد".
وعن عائشة ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"إن أول ما يكفئ (قال زيد بن يحيى أحد رواته: يعني الإسلام) كما يكفأ الإناء (يعني: الخمر) ". فقيل: كيف يا رسول الله وقد بين الله فيها ما بين؟ ! قال رسول الله ﷺ : "يسمونها بغير اسمها؛ فيستحلونها» .
стр. 564
رواه الدارمي.
وعنها ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن ناسًا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها» .
رواه: الحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وعن حذيفة ﵁؛ قال: «خطب رسول الله ﷺ في أربع جمع متواليات، يقول في كل مرة: إذا استحلت الخمر بالنبيذ، والربا بالبيع، والسحت بالهدية، واتجروا بالزكاة؛ فعند ذلك هلاكهم ليزدادوا إثمًا» .
رواه الديلمي.
باب
ما جاء في ظهور المعازف
قال الجوهري: " (المعازف) : الملاهي، والعازف: اللاعب بها والمغني".
وقال مرتضى الحسيني في "تاج العروس": " (المعازف) : الملاهي التي يضرب بها؛ كالعود والطنبور والدف وغيرها". قال: "وكل لعب عزف". انتهى.
وقد ظهرت المعازف في زماننا شر ظهور، وانتشرت في البيوت والأسواق والدكاكين والسيارات.
وسيأتي ذكر الأحاديث في ظهور المعازف، وما يترتب على ظهورها من أنواع العقوبات في (باب ما جاء في الريح العقيم والخسف والمسخ والقذف) ؛ فلتراجع هناك.
стр. 565
باب
ما جاء في التطاول في البنيان
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد" هكذا مختصرًا.
وقد رواه البخاري أيضًا في (كتاب الفتن) من "صحيحه" في حديث طويل في ذكر بعض أشراط الساعة.
وفي رواية لأحمد: أن النبي ﷺ قال: «من أشراط الساعة: أن يرى رعاة الشاء رؤوس الناس، وأن يرى الحفاة العراة الجوع يتبارون في البناء، وأن تلد الأمة ربها (أو: ربتها) » .
وقد رواه أبو نعيم في "الحلية" بنحوه، ولفظه: "من أشراط الساعة: «أن ترى الرعاة رؤوس الناس، وأن ترى الحفاة العراة رعاة الشاء يتبارون في البنيان، وأن تلد الأمة ربها وربتها» .
وعن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة» .... (الحديث، وفيه:) «وأن تتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان» .
رواه: ابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وتقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: «أن جبريل قال للنبي ﷺ : أخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل". قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء»
стр. 566
«يتطاولون في البنيان» .... " الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". قال: "وفي الباب عن طلحة بن عبيد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة ﵃".
وعن أبي هريرة ﵁ نحو حديث عمر ﵁، وفيه «أن النبي ﷺ قال لجبريل ﵇: ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها؛ فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس؛ فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان؛ فذاك من أشراطها؛ في خمس لا يعلمهن إلا الله» .... الحديث.
رواه: الشيخان، وابن ماجه.
وعن أبي هريرة وأبي ذر ﵄ نحو حديث عمر ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال: «ولكن لها علامات تعرف بها: إذا رأيت رعاء البهم يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة العراة ملوك الأرض، ورأيت المرأة تلد ربها؛ في خمس لا يعلمها إلا الله» .... الحديث.
رواه النسائي.
وعن ابن عباس ﵄ نحو حديث عمر ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال: «"ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك". قال: أجل يا رسول الله! فحدثني. قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيت الأمة ولدت ربتها (أو: ربها) ، ورأيت أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس؛ فذلك من معالم الساعة وأشراطها". قال: يا رسول الله! ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: "العرب"» .
رواه الإمام أحمد.
стр. 567
وعن عامر (أو: أبي عامر، أو: أبي مالك) ﵁ نحو حديث عمر ﵁، وفيه: فقال: «"إن شئت حدثتك بعلامتين تكونان قبلها". فقال: حدثني. فقال: "إذا رأيت الأمة تلد ربها، ويطول أهل البنيان بالنبيان، وعاد العالة الحفاة رؤوس الناس". قال: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: "العريب» .
رواه الإمام أحمد.
قوله: «"يتطاولون في البنيان» ؛ يعني: يتبارون ويتباهون في تطويله وزخرفته، وتكثير المجالس والمرافق.
قال النووي: "معناه: أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان". انتهى.
قلت: والتطاول في البنيان يكون بتكثير طبقات البيوت ورفعها إلى فوق، ويكون بتحسين البناء وتقويته وتزويقه، ويكون بتوسيع البيوت وتكثير مجالسها ومرافقها، وكل ذلك واقع في زماننا؛ حين كثرت الأموال، وبسطت الدنيا على الحفاة العراة العالة. فالله المستعان.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة؛ إذا رأيتم الناس أماتوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة، وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدماء، واستعلوا البناء، وباعوا الدين بالدنيا» ... الحديث.
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وقد تقدم بطوله في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن ميمونة ﵂؛ قالت: قال نبي الله ﷺ لنا ذات يوم: «ما أنتم إذا مرج الدين، وسفك الدماء، وظهرت الزينة، وشرف البنيان، واختلف الإخوان، وحرق البيت العتيق؟» .
стр. 568
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". وقد رواه الإمام أحمد وابن وضاح مختصرًا، ورواتهما ثقات.
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى يجعل كتاب الله عارًا، ويكون الإسلام غريبًا» ... (الحديث، وفيه:) «وحتى تبنى الغرف فتطاول» .
رواه ابن أبي الدنيا، وتقدم بطوله في أثناء الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: «أتى رجل، فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول بأعلم من السائل ". قال: فلو علمتنا أشراطها؟ قال: "تقارب الأسواق ... (الحديث، وفيه:) ويظهر البناء» .
رواه ابن مردويه، وقد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن علي ﵁: «أنهم سألوا رسول الله ﷺ : متى الساعة؟ فقال: "لقد سألتموني عن أمر ما يعلمه جبريل ولا ميكائيل، ولكن إن شئتم أنبأتكم بأشياء؛ إذا كانت؛ لم يكن للساعة كثير لبث» ... (فذكر الحديث، وفيه:) «وظهر البناء على وجه الأرض» .
رواه ابن أبي شيبة، وقد تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن سلمان الفارسي ﵁: أنه قال: "إن من اقتراب الساعة: أن يظهر البناء على وجه الأرض، وأن تقطع الأرحام، وأن يؤذي الجار جاره".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن ابن مسعود ﵁: «أنه كان يقول كل عشية خميس لأصحابه: سيأتي على الناس زمان؛ تمات فيه الصلاة، ويشرف فيه البنيان،»
стр. 569
«ويكثر فيه الحلف والتلاعن، ويفشو فيه الرشا والزنى، وتباع الآخرة بالدنيا، فإذا رأيت ذلك؛ فالنجا النجا. قيل: وكيف النجا؟ قال: كن حلسًا من أحلاس بيتك، وكف لسانك ويدك» .
رواه ابن أبي الدنيا، وله حكم الرفع كنظائره.
وعن عبد الله الرومي؛ قال: "دخلت على أم طلق، فقلت: ما أقصر سقف بيتك هذا! قالت: يا بني! إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عماله: أن لا تطيلوا بناءكم؛ فإنه من شر أيامكم".
رواه البخاري في "الأدب المفرد".
باب
ما جاء في نقش البنيان
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتًا يشبهونها بالمراحل» .
رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وإسناده حسن.
وفي رواية: «لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتًا يوشونها وشي المراحيل» . قال إبراهيم: يعني الثياب المخططة. وإبراهيم هذا هو ابن المنذر الحزامي شيخ البخاري.
قوله: "يوشونها"؛ يعني: ينقشونها ويصبغونها بأنواع الألوان المختلفة كما تنقش الثياب والفرش؛ يقال: وشى الثوب ووشاه وشيًا وشية: إذا نقشه وحسنه. قال الراغب الأصفهاني: "وشيت الشيء وشيًا: جعلت فيه أثرًا يخالف معظم لونه، واستعمل الوشي في الكلام تشبيهًا بالمنسوج ". انتهى.
стр. 570
و (المراحل) : جمع مُرَحَّل؛ بتشديد الحاء؛ يقال: ثوب مرحل وثوب فيه ترحيل: إذا كان منقوشًا بنقوش تشبه رحال الإبل. وهذا من باب التنبيه والإشارة إلى أجناس النقوش والأصباغ التي يعملها المتطاولون في البنيان في هذه الأزمان.
وقد ترجم البخاري رحمه الله تعالى على حديث أبي هريرة ﵁ بقوله: "باب نقش البنيان"، وأورد في الباب حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ : «كان ينهى عن: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» ، وأورد أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «لن ينجي أحدًا منكم عمله» ... (الحديث، وفيه:) «سددوا، وقاربوا، والقصد القصد؛ تبلغوا» .
وظاهر صنيع البخاري رحمه الله تعالى في إيراد هذين الحديثين في (باب نقش البنيان) : أنه أراد الاستدلال بهما على أن نقش البنيان لا يجوز لأمرين:
أحدهما: أن فيه إضاعة للمال، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال.
الثاني: أنه إسراف وبذخ مخالف لما أمر به رسول الله ﷺ من الاقتصاد في جميع الأمور ولزوم العدل.
والله أعلم.
باب
ما جاء في زخرفة المساجد والتباهي فيها
عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» .
стр. 571
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه".
ورواه: أبو يعلى، وابن خزيمة في "صحيحه"؛ بلفظ: «يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا» . وفي رواية لابن حبان: «نهى رسول الله ﷺ أن يتباهى الناس في المساجد» .
(المباهاة) في اللغة: المفاخرة، والمراد هاهنا المفاخرة بتشييد المساجد وزخرفتها وتنقيشها، وقد وقع ذلك وكثر في هذه الأزمان الأخيرة.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها، وكما شرفت النصارى بيعها» .
رواه ابن ماجه.
وعنه ﵁: أنه قال: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» .
رواه: أبو داود، وابن حبان في "صحيحه"، وذكره البخاري في "صحيحه" تعليقًا بصيغة الجزم.
قال ابن الأثير: " (الزخرف) : في الأصل الذهب، وكمال حسن الشيء". وقال الراغب الأصفهاني: " (الزخرف) : الزينة المزوقة، ومنه قيل للذهب: زخرف". انتهى.
وقد افتتن كثير من المسلمين في زماننا بتزويق المساجد وتحسين بنائها وتضخيمه؛ فالله المستعان.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «للساعة أشراط".
»
стр. 572
«قيل: وما أشراطها؟ قال: "غلو أهل الفسق في المساجد» ... الحديث.
رواه أبو نعيم في "الحلية"، وقد تقدم في باب ارتفاع الأسافل، والمراد به الغلو في التشييد والزخرفة والنقش.
وعن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يا ابن مسعود! إن من أعلام الساعة وأشراطها أن تزخرف المحاريب وأن تخرب القلوب» .
رواه الطبراني في حديث طويل تقدم ذكره في الباب الثاني من أشراط الساعة.
وعن أبي الدرداء ﵁: أنه قال: «إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم؛ فعليكم الدمار» .
رواه ابن أبي الدنيا في "المصاحف".
باب
ما جاء في تعلية المنابر
تقدم في الباب الثاني من أشراط الساعة عدة أحاديث في ذلك.
منها حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر بعض أشراط الساعة، وفيه: «ورفعت المنابر» .
رواه الطبراني.
ومنها حديث حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة» .... (فذكر الخصال، ومنها:) «وطولت المنابر» .
стр. 573
رواه أبو نعيم في "الحلية".
ومنها حديث مكحول عن علي ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «من اقتراب الساعة» .... (فذكر الحديث، وفيه:) «وطولت المنابر» .
رواه: أبو الشيخ، والديلمي.
ومنها حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، وفيه: «إن من أعلام الساعة وأشراطها: أن تكنف المساجد، وأن تعلو المنابر» .
رواه الطبراني.
ومنها حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في ذكر بعض أشراط الساعة، وفيه: «وتطول المنابر» .
رواه ابن مردويه.
باب
ما جاء في ترك الأذان على الضعفاء
عن عمر بن الخطاب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم» .
رواه ابن أبي حاتم.
باب
ما جاء في قلة من يصلح للإمامة
عن سلامة بنت الحر أخت خرشة بن الحر الفزاري ﵂؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل»
стр. 574
«المسجد لا يجدون إمامًا يصلي بهم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وهذا لفظه.
ولفظ أحمد: «إن من أشراط الساعة (أو: في شرار الخلق) : أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إمامًا يصلي بهم» .
وفي رواية لأحمد وابن ماجه؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي على الناس زمان يقومون ساعة لا يجدون إمامًا يصلي بهم» .
وهذا حديث حسن.
باب
ما جاء في تطويل الخطبة وتقصير الصلاة
فيه حديث ابن مسعود ﵁: أنه قال: «إنكم في زمان: الصلاة فيه طويلة، والخطبة فيه قصيرة، وعلماؤه كثير، وخطباؤه قليل، وسيأتي على الناس زمان: الصلاة فيه قصيرة، والخطبة فيه طويلة، خطباؤه كثير، وعلماؤه قليل» ..... الحديث.
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وقد رواه الإمام مالك في "موطئه" بنحوه، وفي روايته: «وسيأتي على الناس زمان: قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم» .
وقد تقدم هذا الحديث في (باب ما جاء في كثرة الخطباء وقلة الفقهاء) .
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «إن قصر الخطبة وطول»
стр. 575
«الصلاة مئنة من فقه الرجل؛ فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة؛ فإن من البيان سحرًا، وإنه سيأتي بعدكم قوم يطيلون الخطب ويقصرون الصلاة» .
رواه البزار. وروى الطبراني بعضه موقوفًا في "الكبير". قال الهيثمي: "ورجال الموقوف ثقات، وفي رجال البزار قيس بن الربيع؛ وثقه شعبة والثوري وضعفه البخاري ".
قلت: وقد وثقه أيضًا: أبو الوليد الطيالسي، وعفان، وقال ابن عدي: "عامة رواياته مستقيمة، والقول ما قال شعبة، وأنه لا بأس به".
قوله: «مئنة من فقه الرجل» : قال ابن الأثير: "أي: إن ذلك مما يعرف به فقه الرجل، وكل شيء دل على شيء فهو مئنة له؛ كالمخلقة، والمجدرة". قال أبو عبيد: "معناه: أن هذا مما يستدل به على فقه الرجل". انتهى.
وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا، فصار كثير من الأئمة يطيلون الخطب يوم الجمعة والعيدين بثرثرة لا طائل تحتها ولا فائدة في كثير منها، وربما مكث بعضهم في خطبته نصف ساعة أو أكثر من ذلك، فإذا قام يصلي؛ لم يمكث في الصلاة إلا خمس دقائق أو نحوها! وهذا خلاف أمر النبي ﷺ بإطالة الصلاة وتقصير الخطبة، وخلاف فعله ﷺ أيضًا.
فأما الأمر بإطالة الصلاة وتقصير الخطبة:
ففيه حديث ابن مسعود ﵁، وتقدم ذكره.
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، والدارمي؛ عن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه؛ فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرًا» .
وأما فعله ﷺ :
стр. 576
فقد روى النسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁؛ قال: «كان رسول الله ﷺ يطيل الصلاة ويقصر الخطبة» .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، والدارمي، وأهل السنن إلا أبا داود عن جابر بن سمرة ﵄؛ قال: «كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدًا وخطبته قصدًا» .
وروى: الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود؛ عن الحكم بن حزن الكلفي ﵁؛ قال: «قدمت إلى النبي ﷺ سابع سبعة (أو: تاسع تسعة) ، فلبثنا عنده أيامًا شهدنا فيها الجمعة، فقام رسول الله ﷺ متوكئًا على قوس (أو قال: على عصا) ، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات» .
وإذا علم هذا؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
باب
ما جاء في عمارة مكة والخروج منها
عن جابر ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ أخبره: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «سيخرج أهل مكة منها ثم لا يعمرونها (أو: لا تعمر إلا قليلًا) ، ثم تعمر وتمتلئ وتبنى، ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبدًا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح". وعن يوسف بن ماهك؛ قال: "كنت جالسًا مع عبد الله بن عمرو بن
стр. 577
العاص ﵄ في ناحية المسجد الحرام؛ إذ نظر إلى بيت مشرف على أبي قبيس، فقال: أبيت ذاك؟ فقلت: نعم. فقال: إذا رأيت بيوتها (يعني: مكة) قد علت أخشبيها، وفجرت بطونها أنهارًا؛ فقد أزف الأمر".
رواه أبو الوليد الأزرقي في "أخبار مكة"، وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي: وثقه ابن معين، وضعفه أبو داود، وقال ابن عدي: "حسن الحديث"، وقال أبو حاتم: "إمام في الفقه؛ تعرف وتنكر، ليس بذاك القوي، يكتب حديثه ولا يحتج به"، وقال النسائي: "ليس بالقوي". وبقية رجاله رجال الصحيح.
ويشهد لهذا الأثر ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن يعلى بن عطاء عن أبيه؛ قال: "كنت آخذًا بلجام دابة عبد الله بن عمرو، فقال: إذا رأيت مكة قد بعجت كظائم، ورأيت البناء يعلو رؤوس الجبال؛ فاعلم أن الأمر قد أظلك".
وقد ظهر مصداق هذا الأثر والحديث قبله في زماننا، فعمرت مكة، وبنيت، واتسعت اتساعًا عظيمًا، وامتلأت بالسكان، وعلت بيوتها على أخشبيها، وأجريت مياه العيون في جميع نواحيها؛ فعلم من هذا أن الأمر قد أزف؛ أي: دنا قيام الساعة وقرب.
وقوله: "بعجت كظائم"؛ أي: حفرت قنوات. ذكره ابن الأثير وابن منظور وغيرهما من أهل اللغة.
باب
ما جاء في عمارة المدينة
«عن سفيان بن أبي زهير ﵁: أن النبي ﷺ خرج معه، حتى إذا بلغ بئر الإهاب؛ زعم أن النبي ﷺ قال: يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان» .
стр. 578
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم. وعن زهير (وهو ابن معاوية) عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «تبلغ المساكن إهاب أو يهاب» . قال زهير: قلت لسهيل: فكم ذلك من المدينة؟ قال: كذا وكذا ميلًا.
رواه مسلم.
وقد بنيت المدينة في زماننا، واتسعت اتساعًا عظيمًا لم يعهد مثله ولا قريب منه فيما مضى، وظهر بذلك مصداق هذين الحديثين الصحيحين، وسيخرج الناس منها، ويدعونها للطير والسباع كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، وذلك إنما يكون بعد خروج الدجال.
والله أعلم.
باب
ما جاء في الخروج من المدينة إلى الشام ابتغاء الصحة
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يخرج الناس من المدينة إلى الشام يبتغون فيها الصحة» .
رواه الديلمي.
باب
ما جاء أن المدينة تنفي شرارها في آخر الزمان
عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها» .
стр. 579
رواه الديلمي.
وعن أنس ﵁ مرفوعًا: «ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج منها كل منافق وكافر» .
رواه الطبراني.
وسيأتي شاهد لهذين الحديثين من حديث أبي أمامة الطويل في (باب ما جاء في فتنة الدجال) إن شاء الله تعالى.
باب
ما جاء في خراب المدينة
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي (يريد: عوافي السباع والطير) ، ثم يخرج راعيان من مزينة؛ يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع؛ خرا على وجوههما» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية لأحمد ومسلم عن سعيد بن المسيب: أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: «قال رسول الله ﷺ للمدينة: ليتركنها أهلها على خير ما كانت مذللة للعوافي (يعني: السباع والطير) » .
ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث أبي المهزم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «"ليدعن أهل المدينة المدينة وهي خير ما يكون مرطبة مونعة". فقيل: من يأكلها؟ قال: "الطير والسباع» .
أبو المهزم ضعيف، ولكن لحديثه شاهد مما قبله وما بعده.
стр. 580
وقد رواه مالك في "الموطأ" عن ابن خماس عن عمه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"لتتركن المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الكلب أو الذئب، فيغذي على بعض سواري المسجد أو على المنبر ". فقالوا: يا رسول الله! فلمن تكون الثمار ذلك الزمان؟ قال: "للعوافي: الطير والسباع» .
ورواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"؛ من طريق مالك مختصرًا، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قوله: "فيغذي": قال الزرقاني: "بضم التحتية وفتح الغين وكسر الذال الثقيلة المعجمتين؛ أي: يبول دفعة بعد دفعة". قال النووي: "المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة. وقال المهلب في هذا الحديث: إن المدينة تسكن إلى يوم القيامة، وإن خلت في بعض الأوقات؛ لقصد الراعيين بغنمهما إلى المدينة". انتهى.
وعن أبي ذر ﵁؛ قال: «أقبلنا مع رسول الله ﷺ ، فنزلنا ذا الحليفة، فتعجل رجال إلى المدينة، وبات رسول الله ﷺ وبتنا معه، فلما أصبح؛ سأل عنهم؟ فقيل: تعجلوا إلى المدينة، فقال: "تعجلوا إلى المدينة والنساء! أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت"» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «"المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة". قالوا: فمن يأكلها يا رسول الله؟ قال:»
стр. 581
«"السباع والعائف» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". وفي رواية قال: «"ليتركنها أهلها مرطبة". قالوا: فمن يأكلها يا رسول الله؟ قال: "عافية الطير والسباع» .
وعن محجن بن الأدرع ﵁؛ قال: «بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، ثم عارضني في بعض طرق المدينة، ثم صعد على أحد وصعدت معه، فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال لها قولًا، ثم قال: "ويل أمك (أو: ويح أمها) ! قرية يدعها أهلها أينع ما يكون، يأكلها عافية الطير والسباع"» .
رواه: الإمام أحمد وإسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه أبو داود الطيالسي، والطبراني بنحوه، والحاكم وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقال الهيثمي: "رجال الطبراني رجال الصحيح".
وعن عوف بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"أما والله يا أهل المدينة! لتدعنها مذللة أربعين عامًا للعوافي ". قلنا: الله ورسوله أعلم. ثم قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما العوافي؟ ". قالوا: لا. قال: "الطير والسباع» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم. وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه عمر بن شبة بإسناد صحيح، ولفظه: قال: «دخل رسول الله ﷺ المسجد، ثم نظر إلينا، فقال: "أما والله؛ ليدعنها أهلها مذللة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع» .
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تخرب المدينة قبل يوم»
стр. 582
«القيامة بأربعين سنة» .
رواه الديلمي.
وعن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليسيرن الراكب في جنبات المدينة، ثم ليقولن: لقد كان في هذا حاضر من المؤمنين كثير» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
وعن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليسيرن راكب في جنب وادي المدينة، فليقولن: لقد كان في هذه مرة حاضرة من المؤمنين كثير» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وإسناده حسن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة» .
رواه: الترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
«وعن حذيفة ﵁؛ قال: "أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء؛ إلا قد سألته؛ إلا أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟» .
رواه الإمام أحمد. وأبو داود الطيالسي، ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "لا يأتي عليكم إلا قليل، حتى يقضي الثعلب وسنته بين ساريتين من سواري المسجد (يعني: مسجد المدينة، يقول: من الخراب) ".
стр. 583
رواه ابن أبي شيبة.
قال ابن الأثير: "أي: يقضي نومته؛ يريد خلو المسجد من الناس بحيث ينام فيه الوحش".
باب
ما جاء في عمارة بيت المقدس ورجوع الخلافة إليه
عن معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال (ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه أو منكبه، ثم قال:) إن هذا الحق كما أنك هاهنا (أو: كما أنك قاعد) (يعني: معاذًا) » .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود. وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: وثقه دحيم. وقال يعقوب بن شيبة: "كان رجل صدق ". وقال المنذري: "كان رجلًا صالحًا، وثقه بعضهم وتكلم فيه غير واحد ". وبقية رجالهما ثقات. وقد رواه الحاكم في "مستدركه" موقوفًا على معاذ ﵁، وقال: "إسناده صحيح "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁؛ قال: «وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي (أو: على هامتي) ، ثم قال: "يا ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة؛ فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك"» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والبخاري في "تاريخه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في
стр. 584
"تلخيصه".
وعن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني ﵁ مرفوعًا: «تكون في بيت المقدس بيعة هدى» .
رواه ابن سعد.
باب
اجتماع المؤمنين في الشام في آخر الزمان
عن أبي أمامة ﵁؛ قال: "لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق".
رواه الإمام أحمد، وإسناده حسن.
وقد رواه ابن أبي شيبة وابن عساكر في "تاريخه" بنحوه، زاد ابن عساكر: وقال رسول الله ﷺ : «عليكم بالشام» .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أنه قال: "يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام".
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: "يوشك أن تطلبوا في قراكم هذه طستًا من ماء؛ فلا تجدونه، ينزوي كل ماء إلى عنصره، فيكون في الشام بقية المؤمنين والماء".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
стр. 585
وقد رواه ابن أبي شيبة، ولفظه: قال: "أيها الناس! لا تكرهوا مد الفرات؛ فإنه يوشك أن يلتمس فيه طست من ماء فلا يوجد، وذلك حين يرجع كل ماء إلى عنصره، فيكون الماء وبقية المؤمنين يومئذ بالشام".
ورواه الطبراني من حديث القاسم؛ قال: "شكي إلى ابن مسعود الفرات فقالوا: إنا نخاف أن ينبثق علينا، فلو أرسلت إليه من يسكره. قال: لا أسكره، فوالله؛ ليأتين على الناس زمان لو التمستم فيه ملء طست من ماء؛ ما وجدتموه، وليرجعن كل ماء إلى عنصره، ويكون بقية الماء والمسلمين بالشام".
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ إلا أن القاسم لم يدرك ابن مسعود ". وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" من حديث القاسم بن عبد الرحمن: (فذكره بمثله) .
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "ليأتين على الناس زمان يكون للرجل أحمرة يحمل عليها إلى الشام أحب إليه من عرض الدنيا".
رواه ابن أبي شيبة.
باب
ما جاء في خزائن الأرض
«عن عقبة بن عامر ﵁: أن رسول الله ﷺ خرج يومًا، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: إني فرط لكم، أنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض (أو: مفاتيح الأرض) ، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
стр. 586
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم؛ أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي» . قال أبو هريرة ﵁: فذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتثلونها.
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي.
وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «بينا أنا نائم؛ إذ أوتيت خزائن الأرض، فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبرا علي وأهماني، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما، فطارا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وقد ظهر مصداق هذه الأحاديث في زماننا، حيث ظهرت آبار البترول، والماء البعيد في أعماق الأرض، وما ظهر أيضًا من معادن الذهب وغير ذلك من خزائن الأرض التي لم يتمكن الناس من الوصول إليها إلا في هذه الأزمان.
وقد تأول كثير من العلماء قوله ﷺ : «أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» : على ما فتح على أوائل هذه الأمة من كنوز كسرى وقيصر وغيرهما من الملوك، وفي هذا التأويل نظر؛ لأن النبي ﷺ إنما نص في هذه الأحاديث على خزائن الأرض لا على خزائن الملوك، وخزائن الأرض هي ما أودعه الله فيها من الماء والمعادن السائلة والجامدة، وأما خزائن الملوك؛ فقد جاء ذكرها في الأحاديث الصحيحة باسم الكنوز، وأضيفت إلى أهلها لا إلى الأرض؛ كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ؛ قال: «إذا هلك كسرى؛ فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر؛ فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده؛ لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان؛ من حديث أبي هريرة ومن حديث جابر
стр. 587
ابن سمرة ﵄.
وفي حديث ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن.
وفي حديث عدي بن حاتم ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ولئن طالت بك حياة؛ لتفتحن كنوز كسرى» .
رواه البخاري.
وعن جابر بن سمرة ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لتفتحن عصابة من المسلمين (أو: من المؤمنين) كنز آل كسرى الذي في الأبيض» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وقد تقدمت هذه الأحاديث في أول كتاب الملاحم، ومن جمع بينها وبين أحاديث هذا الباب؛ تبين له أن خزائن الأرض شيء غير كنوز الملوك. والله أعلم.
وقد حصل للعرب وغيرهم من الذين ظهرت عندهم خزائن الأرض في زماننا من الثروة العظيمة ما لم يحصل مثله للذين فتحت عليهم كنوز الملوك في أول الإسلام، والله المسؤول أن يديم نعمته على المسلمين، وأن لا يغير عليهم بسبب الذنوب والمعاصي.
باب
ما جاء في المعادن
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة»
стр. 588
«حتى تظهر معادن كثيرة لا يسكنها إلا أراذل الناس» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفه".
وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن رجل عن أبي هريرة ﵁: أنه قال: " لتظهرن معادن في آخر الزمان، يخرج إليه شرار الناس".
وعن زيد بن أسلم «عن رجل من بني سليم عن جده ﵁: أنه أتى النبي ﷺ بفضة، فقال: هذه من معدن لنا. فقال النبي ﷺ : ستكون معادن يحضرها شرار الناس» .
رواه الإمام أحمد، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: «أتي النبي ﷺ بقطعة من ذهب كانت أول صدقة جاءته من معدن لنا، فقال: إنها ستكون معادن، وسيكون فيها شر الخلق» .
رواه الطبراني في "الصغير" و "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يظهر معدن في أرض بني سليم، يقال له: فرعون وفرعان (وذلك بلسان أبي جهم قريب من السوء) ، يخرج إليه شرار الناس (أو: يحشر إليه شرار الناس) » .
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن أبي غطفان؛ قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: «تخرج معادن مختلفة، معدن منها قريب من الحجاز، يأتيه من شرار الناس، يقال له: فرعون، فبينما هم يعملون فيه؛ إذ حسر عن الذهب، فأعجبهم معتمله؛ إذا خسف به وبهم» .
стр. 589
رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
ما جاء في حسر الفرات عن الذهب
عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضره؛ فلا يأخذ منه شيئًا» .
رواه: الشيخان، وأبو داود.
وفي رواية لهم عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب؛ فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا» .
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم أيضًا؛ من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو» .
هذا لفظ مسلم، وزاد في رواية: فقال أبي: " «إن رأيته؛ فلا تقربنه» . وفي رواية أحمد: «يا بني! إن أدركته؛ فلا تكونن ممن يقاتل عليه» .
ورواه: الإمام أحمد أيضًا، وابن ماجه؛ من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل عشرة تسعة» .
زاد أحمد: «ويبقى واحد» .
стр. 590
«وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل؛ قال: كنت واقفًا مع أبي بن كعب ﵁، فقال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا. قلت: أجل. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس؛ ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه؛ ليذهبن به كله". قال: "فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظه.
وعن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «تدوم الفتنة الرابعة اثني عشر عامًا، ثم تنجلي حين تنجلي وقد انحسر الفرات عن جبل من ذهب تكب عليه الأمة، فيقتل عليه من كل تسعة سبعة» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، وزاد في رواية: «فإن أدركتموه؛ فلا تقربوه» .
وقد زعم أبو عبية في تعليق له على حديث سهيل بن أبي صالح الذي تقدم ذكره أن الفرات قد حسر عن الذهب البترولي الأسود.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن النبي ﷺ نص على جبل الذهب نصًا لا يحتمل التأويل، ومن حمل ذلك على البترول الأسود؛ فقد حمل الحديث على غير ما أريد به، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه.
يوضح ذلك الوجه الثاني: أن البترول ليس بذهب حقيقة ولا مجازًا، وأما تسمية بعض الناس له بالذهب الأسود؛ فليس مرادهم أنه نوع من أنواع الذهب، وإنما يقصدون بذلك أنه يحصل من ثمنه الذهب الكثير؛ فلذلك يطلقون عليه
стр. 591
اسم الذهب الأسود؛ اعتبارًا بما يستثمر منه.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ أخبر أن الفرات يحسر عن جبل من ذهب؛ أي: ينكشف عنه لذهاب مائه، فيظهر الجبل بارزًا على وجه الأرض؛ وهذا لم يكن إلى الآن، وسيكون فيما بعد بلا ريب، وبحور البترول الأسود لم ينحسر الفرات عنها، وليست في مجرى النهر، وإنما هي في باطن الأرض، واستخراجها إنما يكون بالتنقيب عنها بالآلات من مسافة بعيدة في بطن الأرض.
الوجه الرابع: أن الذي جاء في الحديث الصحيح هو «حسر الفرات عن كنز من ذهب،» وفي الرواية الأخرى: «عن جبل من ذهب» ، وتخصيص الفرات بالنص ينفي أن يكون ذلك في غيره، ومن المعلوم أن بحور البترول ليست في نهر الفرات، وإنما هي في مواضع كثيرة في مشارق الأرض ومغاربها، وهي في البلاد العربية المجاورة للعراق أكثر منها في العراق.
الوجه الخامس: أن البترول من المعادن السائلة، والذي أخبر النبي ﷺ بانحسار الفرات عنه هو الذهب المعروف عند الناس، وهو من المعادن الجامدة، ومن جعل المعدنين سواء؛ فقد ساوى بين شيئين مختلفين.
الوجه السادس: أن النبي ﷺ أخبر أن الناس إذا سمعوا بانحسار الفرات عن جبل الذهب؛ ساروا إليه، فيكون عنده مقتلة عظيمة، يقتل فيها من كل مائة تسعة وتسعون، وهذا لم يكن إلى الآن، ومن المعلوم أن البترول الأسود قد وجد في العراق منذ زمان طويل، ولم يسر الناس إليه عند ظهوره، ولم يكن بسبب خروجه قتال ألبتة.
الوجه السابع: أن النبي ﷺ نهى من حضر جبل الذهب أن يأخذ منه شيئًا، ومن حمله على البترول الأسود؛ فلازم قوله أن يكون الناس منهيين عن الأخذ منه، وهذا معلوم البطلان بالضرورة.
стр. 592
باب
ما جاء في الكنز الذي يقتتل عنده أبناء الخلفاء
عن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقتتل عند كنزهم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم» ....." الحديث.
رواه: ابن ماجه بإسناد صحيح، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وسيأتي بتمامه في ذكر المهدي.
قال ابن كثير في "النهاية": "المراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة".
قلت: وفقي هذا نظر؛ لما تقدم في باب النهي عن تهييج الترك والحبشة.
عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» .
رواه: أبو داود، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف؛ قال: سمعت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (فذكره) .
وإسناده جيد.
والأقرب في الكنز المذكور في حديث ثوبان ﵁: أنه الكنز الذي يحسر عنه الفرات، وقد يكون غيره. والله أعلم.
стр. 593
باب
ما جاء في قيء الأرض للذهب والفضة
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة". قال: "فيجيء السارق، فيقول: في هذا قطعت يدي! ويجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت! ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي! ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا» .
رواه: مسلم، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب".
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى تبعث ريح حمراء من قبل اليمن.... (فذكر الحديث وفيه:) وتقيء الأرض أفلاذ كبدها من الذهب والفضة، ولا ينتفع بها بعد ذلك اليوم، يمر بها الرجل، فيضربها برجله ويقول: في هذه كان يقتتل من كان قبلنا، وأصبحت اليوم لا ينتفع بها» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: "الزموا هذه الطاعة والجماعة؛ فإنه حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة، وإن الله تعالى لم يخلق شيئًا قط؛ إلا جعل له منتهى، وإن هذا الدين قد تم، وإنه صائر إلى نقصان، وإن أمارة ذلك: أن تقطع الأرحام، ويؤخذ المال بغير حقه، ويسفك الدماء، ويشتكي ذو القرابة قرابته، ولا يعود عليه بشيء، ويطوف السائل بين الجمعتين لا يوضع في يده شيء، فبينما هم كذلك؛ إذ خارت خوار البقر، يحسب كل الناس أنما خارت من قبلهم، فبينما الناس كذلك؛ إذ قذفت الأرض بأفلاذ كبدها من الذهب والفضة، لا ينفع بعد ذلك شيء من الذهب والفضة".
стр. 594
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه الطبراني، وعنده: قال: "ثم تتقاحم الأرض، تقيء أفلاذ كبدها. قيل يا أبا عبد الرحمن! ما أفلاذ كبدها؟ قال: أساطين ذهب وفضة. فمن يومئذ لا ينتفع بذهب ولا فضة إلى يوم القيامة".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني بأسانيد، وفيه مجالد، وقد وثق، وفيه خلاف، وبقية رجال إحدى الطرق ثقات".
باب
ما جاء في ذهاب ماء الفرات
عن قيس بن أبي حازم؛ قال: "خرج حذيفة بظهر الكوفة، ومعه رجل، فالتفت إلى جانب الفرات، فقال لصاحبه: كيف أنتم يوم تراهم يخرجون أو يخرجون منها؛ لا يذوقون منها قطرة؟ ! قال رجل: وتظن ذاك يا أبا عبد الله؟ قال: ما أظنه، ولكن أعلمه".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه ابن أبي شيبة بنحوه، وقال فيه: " ما أظنه، ولكن أستيقنه".
وتقدم قريبًا حديث ابن مسعود ﵁: "يوشك أن تطلبوا في قراكم هذه طستًا من ماء؛ فلا تجدونه، ينزوي كل ماء إلى عنصره، فيكون في الشام بقية المؤمنين والماء".
رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
стр. 595
وهذا الأثر والذي قبله لهما حكم المرفوع؛ لأن الأمور الغيبية لا مجال للرأي فيها، وإنما تقال عن توقيف.
باب
ما جاء أن أرض العرب تعود مروجًا وأنهارًا
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله؛ فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وفي رواية لأحمد: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا، وحتى يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق، وحتى يكثر الهرج. قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: "القتل» .
قال النووي في قوله: "حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا": "معناه: أنهم يتركونها ويعرضون عنها، فتبقى مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياهها، وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به".
قلت: وفي هذا التأويل نظر؛ لأن أرض العرب أرض قاحلة لا أنهار فيها، وإنما تسقى نخيلها وزروعها من مياه الآبار، ولو تركت وأعرض عنها وبقيت مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياه الآبار؛ لبقيت قاحلة يابسة.
والصحيح أن هذه إشارة إلى ما ابتدئ فيه الآن من حفر الآبار الارتوازية التي ينبع الماء منها بكثرة، وإلى عمل السدود التي تحبس مياه السيول، فتكون أنهارًا تجري إلى الأراضي الطيبة، فتكون مزارع ومروجًا للدواب.
стр. 596
و (المروج) : جمع مرج. قال ابن الأثير: " (المرج) : الأرض الواسعة ذات نبات كثير، تمرج فيه الدواب؛ أي: تخلى تسرح مختلطة كيف شاءت". انتهى.
وقد ظهر مصداق ما أخبر به رسول الله ﷺ في أرض العرب بما ظهر فيها الآن من الآبار الارتوازية، وسيتم ذلك فيما بعد، فتكون مروجًا وأنهارًا؛ كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.
باب
ما جاء في الإقبال على الحرث
عن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى ترجعوا حراثين» ..... الحديث.
رواه الطبراني. وقد تقدم في باب ما جاء في تزوج النبطيات على المعيشة.
وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلًا لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» .
رواه أبو داود بهذا اللفظ، وتقدم في (باب ما جاء في ترك الجهاد) .
باب
ما جاء في فيضان المال والاستغناء عن الصدقة
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «"يتقارب الزمان، ويفيض المال، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج". قالوا: وما الهرج يا رسول»
стр. 597
«الله؟ قال: "القتل، القتل» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي فيه» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
وعن حارثة بن وهب ﵁؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «تصدقوا؛ فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته؛ فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل: لو جئت بها بالأمس؛ لقبلتها، فأما اليوم؛ فلا حاجة لي بها» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والنسائي.
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به؛ من قلة الرجال وكثرة النساء» .
رواه الشيخان.
وعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: «كنت عند رسول الله ﷺ ، فجاءه رجلان: أحدهما يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله ﷺ : "أما قطع السبيل؛ فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة؛ فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه» .
رواه البخاري.
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: «"هل تعلم مكان»
стр. 598
«الحيرة؟ ". قال: قد سمعت بها ولم آتها. قال: "لتوشكن الظعينة أن تخرج منها بغير جوار، حتى تطوف بالكعبة، ولتوشكن كنوز كسرى بن هرمز أن تفتح". قال: قلت: كسرى بن هرمز؟ ! قال: " كسرى بن هرمز ". قال: قلت: كسرى بن هرمز؟ ! قال: " كسرى بن هرمز "؛ ثلاث مرات، "وليوشكن أن يبتغي من يقبل ماله منه صدقة؛ فلا يجد» . قال: فلقد رأيت ثنتين: قد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالكعبة، وكنت في الخيل التي أغارت على المدائن، وايم الله؛ لتكونن الثالثة؛ إنه لحديث رسول الله ﷺ حدثنيه.
رواه الإمام أحمد. ورواه أيضًا بنحوه وفيه: «وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد» . ورواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁: أنه قال: "يوشك الرجل يشق عليه أن يؤدي زكاة ماله".
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن يسير بن جابر: أن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: "إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة".
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم؛ في حديث طويل تقدم ذكره في (باب ما جاء في الملحمة الكبرى) .
باب
ما جاء في تقارب الزمان والأسواق
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «"يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج". قيل: يا»
стр. 599
«رسول الله! أيما هو؟ قال: "القتل، القتل» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، وابن ماجه.
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «"لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، ويكثر الكذب، وتتقارب الأسواق، ويتقارب الزمان، ويكثر الهرج". قيل: وما الهرج؟ قال: "القتل» .
رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات. وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، وزاد فيه: "ويقبض العلم".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة» .
رواه الإمام أحمد وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، وعنده في آخره: «كاحتراق السعفة أو الخوصة» .
وعن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، وتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار» .
رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث غريب".
وقد اختلف العلماء في معنى قوله: "يتقارب الزمان"، وفي ذلك أقوال كثيرة، ذكر الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" جملة منها.
وزعم أبو عبية في تعليقه على "النهاية" في (صفحة ٢١٣) : أن ذلك كناية عن نزع البركة من الوقت، حتى يبقى الانتفاع به وثمرة العمل فيه أقل مما يحصل في الأيام العادية التي لم تنزع بركتها. انتهى.
стр. 600
والظاهر - والله أعلم بمراد رسوله ﷺ أن ذلك إشارة إلى ما حدث في زماننا من المراكب الأرضية والجوية والآلات الكهربائية التي قربت كل بعيد، والمعنى على هذا: يتقارب أهل الزمان؛ كقوله تعالى إخبارًا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لأبيهم: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ؛ يعني: واسأل أهل القرية وأصحاب العير. وكقوله ﷺ : «أيما قرية عصت الله ورسوله؛ فإن خمسها لله ولرسوله» .... ونظائر ذلك كثيرة جدًا في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ولغة العرب، ولولا خشية الإطالة؛ لذكرت من ذلك أمثلة كثيرة.
وحديث أنس والحديث قبله ينطبقان على سير المراكب الأرضية في هذه الأزمان؛ فإنها تقطع مسافة السنة في شهر فأقل، ومسافة الشهر في جمعة فأقل، ومسافة الجمعة في يوم فأقل، ومسافة اليوم في ساعة فأقل، ومسافة الساعة في مثل احتراق السعفة، وبعضها أسرع من ذلك بكثير، وأعظم من ذلك المراكب الجوية؛ فإنها هي التي قربت البعيد غاية التقريب؛ بحيث صارت مسافة السنة تقطع في يوم وليلة أو أقل من ذلك، وأعظم من ذلك الآلات الكهربائية التي تنقل الأصوات؛ كالإذاعات، والتلفونات الهوائية؛ فإنها قد بهرت العقول في تقريب الأبعاد؛ بحيث كان الذي في أقصى المشرق يخاطب من في أقصى المغرب كما يخاطب الرجل جليسه، وبحيث كان الجالس عند الراديو يسمع كلام من في أقصى المشرق ومن في أقصى المغرب ومن في أقصى الجنوب ومن في أقصى الشمال وغير ذلك من أرجاء الأرض في دقيقة واحدة؛ كأن الجميع حاضرون عنده في مجلسه. فالمراكب الأرضية والجوية قربت الأبعاد من ناحية السير، والآلات الكهربائية قربت الأبعاد من ناحية التخاطب وسماع الأصوات، فسبحان من علم الإنسان ما لم يعلم.
وأما تقارب الأسواق؛ فقد جاء تفسيره في حديث ضعيف بأنه كسادها وقلة أرباحها.
следующие страницы →