← Акыда

Акыда · id 8573

إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فروي عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن عن النبي ﷺ ". قال: "فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد - وهو مجهول - عن أبان بن أبي عياش - وهو متروك - عن الحسن - وهو منقطع - والأحاديث الدالة على خروج المهدي أصح إسنادًا".انتهى. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على الرافضي: " الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره؛ كقوله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن مسعود: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم؛ لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه رجل مني (أو: من أهل بيتي) ، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا» . ورواه الترمذي وأبو داود من رواية أم سلمة، وأيضًا فيه: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» . ورواه أبو داود من طريق أبي سعيد، وفيه: «يملك الأرض سبع سنين» . ورواه عن علي ﵁: أنه نظر إلى الحسن، وقال: "إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله ﷺ ، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض قسطًا". وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف: طائفة أنكروها واحتجوا بحديث ابن ماجه: أن النبي ﷺ ؛ قال: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» ، وهذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه، وليس مما يعتمد عليه، ورواه ابن ماجه عن يونس

стр. 702

عن الشافعي، والشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له: محمد بن خالد الجندي، وهو ممن لا يحتج به، وليس هذا في "مسند الشافعي "، وقد قيل: إن الشافعي لم يسمعه من الجندي، وإن يونس لم يسمعه من الشافعي. الثاني: أن الاثني عشرية الذين ادعوا أن هذا هو مهديهم، مهديهم اسمه محمد بن الحسن، والمهدي الذي وصفه النبي ﷺ اسمه محمد بن عبد الله، ولهذا حذفت طائفة لفظ الأب حتى لا يناقض ما كذبت، وطائفة حرفته، فقالت: جده الحسين، وكنيته أبو عبد الله؛ فمعناه محمد بن أبي عبد الله، وجعلت الكنية اسمًا، ومن له أدنى نظر؛ يعرف أن هذا تحريف وكذب على رسول الله ﷺ ؛ فهل يفهم أحد من قوله: «يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي» إلا أن اسم أبيه عبد الله؟ ! وأيضًا؛ فإن المهدي المنعوت من ولد الحسن بن علي لا من ولد الحسين؛ كما تقدم لفظ حديث علي. الثالث: أن طوائف ادعى كل منهم أنه المهدي المبشر به. مثل مهدي القرامطة الباطنية الذي أقام دعوتهم بالمغرب، وهم من ولد ميمون القداح، وادعوا أن ميمونًا هذا من ولد محمد بن إسماعيل، وإلى ذلك انتسب الإسماعيلية، وهم ملاحدة في الباطن، خارجون عن جميع الملل، وأكفر من الغالية كالنصيرية، ومذهبهم مركب من مذهب المجوس والصابئة والفلاسفة، مع إظهار التشيع، وجدهم رجل يهودي كان ربيبًا لرجل مجوسي، وقد كانت لهم دولة وأتباع، وقد صنف العلماء كتبًا في كشف أسرارهم وهتك أستارهم؛ مثل كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الجبار الهمذاني، وكتاب الغزالي، ونحوهم. وممن ادعى أنه المهدي ابن التومرت الذي خرج أيضا بالمغرب، وسمى أصحابه الموحدين، وكان يقال له في خطبهم: الإمام المعصوم والمهدي

стр. 703

المعلوم الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، وهذا ادعى أنه من ولد الحسن دون الحسين؛ فإنه لم يكن رافضيًا، وكان له من الخبرة بالحديث ما ادعى به دعوى تطابق الحديث، وقد علم بالاضطرار أنه ليس هو الذي ذكره النبي ﷺ . ومثل عدة آخرين ادعوا ذلك منهم من قبل، ومنهم من ادعى ذلك فيه أصحابه، وهؤلاء كثيرون لا يحصي عددهم إلا الله، وربما حصل بأحدهم نفع لقوم، وإن حصل به ضرر لآخرين كما حصل بمهدي المغرب؛ انتفع به طوائف، وانضر به طوائف، وكان فيه ما يحمد، وكان فيه ما يذم، وبكل حال؛ فهو وأمثاله خير من مهدي الرافضة الذي ليس له عين ولا أثر ولا يعرف له حس ولا خبر، لم ينتفع به أحد لا في الدنيا ولا في الدين، بل حصل باعتقاد وجوده من الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد". انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "المنار المنيف" ما نصه: "وسئلت عن حديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» فكيف يأتلف هذا مع أحاديث المهدي وخروجه؟ ! وما وجه الجمع بينهما؟ ! وهل في المهدي حديث أم لا؟ . فأما حديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» ؛ فرواه ابن ماجه في "سننه" عن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي عن محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ ، وهو مما تفرد به محمد بن خالد. قال أبو الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب "مناقب الشافعي ": محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد

стр. 704

تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلًا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه. وقال البيهقي: تفرد به محمد بن خالد هذا، وقد قال الحاكم أبو عبد الله: هو مجهول. وقد اختلف عليه في إسناده، فروي عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن مرسلًا عن النبي ﷺ . قال: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد - وهو مجهول - عن أبان بن أبي عياش - وهو متروك - عن الحسن عن النبي ﷺ وهو منقطع - والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا. قلت: كحديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم؛ لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث رجلًا مني (أو: من أهل بيتي) ، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا» . رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. قال: وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة. ثم روى حديث أبي هريرة، وقال: حسن صحيح. انتهى. وفي الباب عن حذيفة بن اليمان وأبي أمامة الباهلي وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص وثوبان وأنس بن مالك وجابر وابن عباس وغيرهم. وفي "سنن أبي داود " عن علي ﵁: أنه نظر إلى ابنه الحسن، فقال: "إن ابني هذا سيد كما سماه النبي ﷺ ، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض عدلًا". وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 705

«المهدي مني: أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين» . رواه أبو داود بإسناد جيد من حديث عمران بن داور العمي القطان، وقال: "حسن الحديث عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عنه"، وروى الترمذي نحوه من وجه آخر. وروى أبو داود من حديث صالح بن أبي مريم أبي الخليل الضبعي عن صاحب له عن أم سلمة عن النبي ﷺ ؛ قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة، فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه جيش من الشام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك؛ أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق، فيبايعونه، ثم ينشئ رجل من قريش، أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثًا، فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسنة نبيهم، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» . وفي رواية: «فيلبث تسع سنين» . ورواه الإمام أحمد باللفظين. ورواه أبو داود من وجه آخر عن قتادة عن أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن أم سلمة نحوه. ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" من حديث قتادة عن صالح أبي الخليل عن صاحب له، وربما قال: " صالح عن مجاهد عن أم سلمة "، والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه: صحيح. وقال ابن ماجه في "سننه": حدثنا عثمان بن أبي شيبة: حدثنا أبو داود الحفري: حدثنا ياسين عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية عن أبيه عن علي رضي

стр. 706

الله عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج ناس من أهل المشرق، فيوطئون للمهدي سلطانه» . وذكر أبو نعيم في "كتاب المهدي " من حديث حذيفة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد؛ لبعث الله فيه رجلًا، اسمه اسمي، وخلقه خلقي، يكنى أبا عبد الله» . ولكن في إسناده العباس بن بكار لا يحتج بحديثه، وقد تقدم هذا المتن من حديث ابن مسعود وأبي هريرة، وهما صحيحان. وقد قالت أم سلمة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» . رواه: أبو داود، وابن ماجه، وفي إسناده زياد بن بيان: وثقه ابن حبان، وقال ابن معين: "ليس به بأس "، وقال البخاري: "في إسناد حديثه نظر". وقال أبو نعيم: حدثنا خلف بن أحمد بن العباس الرامهرمزي في كتابه: حدثنا همام بن أحمد بن أيوب: حدثنا طالوت بن عباد: حدثنا سويد بن إبراهيم عن محمود بن عمر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليبعثن الله من عترتي رجلًا أفرق الثنايا، أجلى الجبهة، يملأ الأرض عدلًا، يفيض المال في زمنه» . ولكن طالوت وشيخه ضعيفان، والحديث ذكرناه للشواهد. وقال يحيى بن عبد الحميد الحماني في "مسنده": حدثنا قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي، يفتح القسطنطينية وجبل الديلم، ولو لم يبق إلا يوم؛ طول الله ذلك اليوم حتى يفتحها» .

стр. 707

يحيى بن عبد الحميد: وثقه ابن معين وغيره، وتكلم فيه أحمد. وقال أبو نعيم: حدثنا أبو الفرج الأصبهاني: حدثنا أحمد بن الحسين: حدثنا أبو جعفر بن طارق عن الجيد بن نظيف عن أبي نضرة عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «منا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه، فيقول: ألا إن بعضهم على بعض أمراء؛ تكرمة الله لهذه الأمة» . وهذا الإسناد لا تقوم به حجة، لكن في "صحيح ابن حبان " من حديث عطية بن عامر نحوه. وقال الحارث بن أبي أسامة في "مسنده": حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم: حدثنا إبراهيم بن عقيل عن أبيه عن وهب بن منبه عن جابر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا. فيقول: لا؛ إن بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الأمة» . وهذا إسناد جيد. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الهلالي: حدثنا العباس بن بكار، حدثنا عبد الله بن زياد عن الأعمش عن زر بن حبيش عن حذيفة؛ قال: خطبنا النبي ﷺ ، فذكر ما هو كائن، ثم قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد؛ لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث رجلًا من ولدي، اسمه اسمي» . ولكن هذا إسناد ضعيف. وهذه الأحاديث أربعة أقسام: صحاح، وحسان، وغرائب، وموضوعة. وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال: أحدها: أنه المسيح ابن مريم، وهو المهدي على الحقيقة، واحتج أصحاب هذا بحديث محمد بن خالد الجندي المتقدم، وقد بينا حاله، وأنه لا

стр. 708

يصح، ولو صح؛ لم يكن فيه حجة؛ لأن عيسى أعظم مهدي بين رسول الله ﷺ وبين الساعة. وقد دلت السنة الصحيحة عن النبي ﷺ على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وحكمه بكتاب الله، وقتله اليهود والنصارى، ووضعه الجزية، وإهلاك أهل الملل في زمانه، فيصح أن يقال: لا مهدي في الحقيقة سواه، وإن كان غيره مهديًا؛ كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا ما وقى وجه صاحبه، وكما يصح أن يقال: إنما المهدي عيسى ابن مريم؛ يعني: المهدي الكامل المعصوم". القول الثاني: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس، وقد انتهى زمانه. واحتج أصحاب هذا القول بما رواه أحمد في "مسنده": حدثنا وكيع عن شريك عن علي بن زيد عن أبي قلابة عن ثوبان؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان؛ فأتوها ولو حبوًا على الثلج؛ فإن فيها خليفة الله المهدي» . وعلي بن زيد قد روى له مسلم متابعة، ولكن هو ضعيف، وله مناكير تفرد بها، فلا يحتج بما ينفرد به. وروى ابن ماجه من حديث الثوري عن خالد عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي ﷺ نحوه، وتابعه عبد العزيز بن المختار عن خالد. وفي "سنن ابن ماجه " عن عبد الله بن مسعود؛ قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ ؛ إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي ﷺ ؛ اغرورقت عيناه، وتغير لونه، فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئًا نكرهه. قال: "إنا أهل بيت، اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بلاء وتشريدًا وتطريدًا، حتى يأتي قوم من أهل المشرق، ومعهم رايات سود، يسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون، فينصرون، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من»

стр. 709

«أهل بيتي، فيملؤها قسطًا كما ملئت جورًا، فمن أدرك ذلك منكم؛ فليأتهم ولو حبوًا على الثلج» . وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو سيئ الحفظ، اختلط في آخر عمره، وكان يقلد الفلوس. وهذا والذي قبله لو صح لم يكن فيه دليل على أن المهدي الذي تولى من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين، وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، بل هو أولى باسم المهدي منه، وقد قال رسول الله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» ، وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وغيره إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشدًا مهديا، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان؛ فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال، وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين؛ فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون. القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ ، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان، وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلًا. وأكثر الأحاديث على هذا تدل، وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف، وهو أن الحسن ﵁ ترك الخلافة لله، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في عباده: أنه من ترك لأجله شيئًا؛ أعطاه الله (أو أعطى ذريته) أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين ﵁؛ فإنه حرص عليها، وقاتل عليها، فلم يظفر بها. والله أعلم. وقد روى أبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال:

стр. 710

قال رسول الله ﷺ : «يخرج رجل من أهل بيتي، يعمل بسنتي، وينزل الله له البركة من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت ظلمًا، ويعمل على هذا الأمر سبع سنين، وينزل بيت المقدس» . وروى أيضًا من حديث أبي أمامة ﵁؛ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ ، وذكر الدجال؛ قال: "فتنفي المدينة الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص". فقالت أم شريك: فأين العرب يا رسول الله؟ ! فقال: "هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي، رجل صالح» . وروى أيضًا من حديث عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها» . وهذه الأحاديث وإن كان في أسانيدها بعض الضعف والغرابة؛ فهي مما يقوي بعضها بعضًا، ويشد بعضها ببعض. فهذه أقوال أهل السنة. وأما الرافضة الإمامية؛ فلهم قول رابع، وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا، ويختم الفضا، دخل سرداب سامرا طفلًا صغيرًا من أكثر من خمسمائة سنة، فلم تره بعد ذلك عين، ولم يحس فيه بخبر ولا أمر، وهم ينتظرونه كل يوم، يقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا! اخرج يا مولانا! ثم يرجعون بالخيبة والحرمان؛ فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن من قال: ما آن للسرداب أن يلد الذي ... كلمتموه بجهلكم ما آنا

стр. 711

فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل. أما مهدي المغاربة محمد بن تومرت؛ فإنه رجل كذاب ظالم متغلب بالباطل، ملك بالظلم والتغلب والتحيل، فقتل النفوس، وأباح حريم المسلمين، وسبى ذراريهم، وأخذ أموالهم، وكان شرًا على الأمة من الحجاج بن يوسف بكثير، وكان يودع بطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياء، يأمرهم أن يقولوا للناس: إنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ ، ثم يردم عليهم ليلًا؛ لئلا يكذبوه بعد ذلك، وسمى أصحابه الجهمية الموحدين نفاة صفات الرب وكلامه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه، ورؤية المؤمنين له بالأبصار يوم القيامة، واستباح قتل من خالفهم من أهل العلم والإيمان، وتسمى بالمهدي المعصوم. ثم خرج المهدي الملحد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان جده يهوديا، من بيت مجوسي، فانتسب بالكذب والزور إلى أهل البيت، وادعى أنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ ، وملك وتغلب، واستفحل أمره، إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ولرسوله على بلاد المغرب ومصر والحجاز والشام، واشتدت غربة الإسلام ومحنته ومصيبته بهم، وكانوا يدعون الإلهية، ويدعون أن للشريعة باطنا يخالف ظاهرها، وهم ملوك القرامطة الباطنية أعداء الدين، فتستروا بالرفض والانتساب كذبا إلى أهل البيت، ودانوا بدين أهل الإلحاد وروجوه، ولم يزل أمرهم ظاهرًا، إلى أن أنقذ الله الأمة منهم ونصر الإسلام بصلاح الدين يوسف بن أيوب، فاستنقذ الملة الإسلامية منهم، وأبادهم وعادت مصر دار إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد في زمنهم.

стр. 712

والمقصود أن هؤلاء لهم مهدي، وأتباع ابن تومرت لهم مهدي، والرافضة الاثني عشرية لهم مهدي؛ فكل هذه الفرق تدعي في مهديها الظلوم الغشوم والمستحيل المعدوم أنه الإمام المعصوم، والمهدي المعلوم الذي بشر به النبي ﷺ وأخبر بخروجه، وهي تنتظره كما تنتظر اليهود القائم الذي يخرج في آخر الزمان، فتعلو به كلمتهم، ويقوم به دينهم، وينصرون به على جميع الأمم، والنصارى تنتظر المسيح يأتي يوم القيامة، فيقيم دين النصرانية، ويبطل سائر الأديان، وفي عقيدتهم نزع المسيح الذي هو إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي نزل طامينا ... إلى أن قالوا: وهو مستعد للمجيء قبل يوم القيامة. فالملل الثلاث تنتظر إماما قائما يقوم في آخر الزمان. ومنتظر اليهود الذي يتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفًا، وفي "المسند" مرفوعًا عن النبي ﷺ : «أكثر أتباع الدجال اليهود والنساء» . والنصارى تنتظر المسيح عيسى ابن مريم، ولا ريب في نزوله، ولكن إذا نزل؛ كسر الصليب، وقتل الخنزير، وأباد الملل كلها؛ سوى ملة الإسلام، وهذا معنى الحديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» . انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقال ابن كثير في "النهاية": "فأما الحديث الذي رواه ابن ماجه في "سننه"؛ حيث قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى: حدثنا محمد بن إدريس الشافعي: حدثني محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارًا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا المهدي إلا عيسى ابن مريم» ؛ فإنه حديث مشهور بمحمد بن خالد الجندي الصنعاني المؤذن شيخ الشافعي، وروى عنه غير واحد أيضًا، وليس هو بمجهول

стр. 713

كما زعمه الحاكم، بل قد روي عن ابن معين أنه وثقه، ولكن من الرواة من حدث به عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن البصري مرسلًا، وذكر ذلك شيخنا في "التهذيب" عن بعضهم أنه رأى الشافعي في المنام وهو يقول: كذب علي يونس بن عبد الأعلى، ليس هذا من حديثي". قال ابن كثير: "قلت: يونس بن عبد الأعلى الصدفي من الثقات، لا يطعن فيه بمجرد منام، وهذا الحديث فيما يظهر ببادي الرأي مخالف الأحاديث التي أوردناها في إثبات مهدي غير عيسى ابن مريم، إما قبل نزوله كما هو الأظهر، وإما بعده، وعند التأمل لا ينافيها، بل يكون المراد من ذلك أن المهدي حق المهدي هو عيسى ابن مريم، ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديًا أيضًا. والله أعلم ". انتهى كلامه. وقال السفاريني في كتابه "لوائح الأنوار البهية": "قد كثرت الأقوال في المهدي، حتى قيل: لا مهدي إلا عيسى، والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عد من معتقداتهم ... ". إلى أن قال: "وقد روي عن بعض الصحابة بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعه العلم القطعي؛ فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة ". انتهى. وقال الشوكاني في كتابه "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح ": "وأما حديث أنس الذي أخرجه ابن ماجه والحاكم في "المستدرك" بلفظ: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارًا، ولا الناس إلا»

стр. 714

«شحًا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم» ؛ فيمكن أن يقال في تأويله: لا مهدي كامل، ولا شك أن عيسى أكمل من المهدي؛ لأنه نبي الله وهذا التأويل متحتم؛ لمخالفة ظاهره للأحاديث المتواترة ". انتهى. فصل قد تقدم في حديث أبي سعيد ﵁ وصف المهدي بأنه أشم الأنف، أقنى، أجلى. قال الجوهري: " (الشمم) : ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، فإن كان فيها احديداب؛ فهو القنى". وقال ابن منظور في "لسان العرب": " (الشمم في الأنف) : ارتفاع القصبة وحسنها واستواء أعلاها وانتصاب الأرنبة، وقيل: إن الشمم أن يطول الأنف ويدق وتسيل روثته، وإذا وصف الشاعر، فقال: أشم؛ فإنما يعني سيدًا ذا أنفة، ومنه قول كعب بن زهير: شم العرانين أبطال لبوسهم، جمع أشم، والعرانين الأنوف، وهو كناية عن الرفعة والعلو وشرف النفس ". انتهى. وأما الأقنى؛ فهو المحدودب الأنف. قال الجوهري: " (القنى) : احديداب في الأنف". وقال ابن الأثير: " (القنى في الأنف) : طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه". وقال ابن منظور في "لسان العرب": " (القنى) : مصدر الأقنى من الأنوف وهو ارتفاع في أعلاه بين القصبة والمارن من غير قبح".

стр. 715

قال ابن سيده: " (والقنى) : ارتفاع في أعلى الأنف، واحديداب في وسطه، وسبوغ في طرفه. وقيل: هو نتوء وسط القصبة وإشرافه وضيق المنخرين". وأما الأجلى؛ فهو الذي انحسر الشعر عن مقدم رأسه. قال الجوهري: " (الجلاء) : انحسار الشعر عن مقدم الرأس ". وقال ابن الأثير وابن منظور في "لسان العرب": "وفي صفة المهدي أنه أجلى الجبهة، الأجلى: الخفيف شعر ما بين النزعتين من الصدغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته". زاد ابن منظور: "وقيل: الأجلى: الحسن الوجه الأنزع". وقال أبو عبيدة: "إذا انحسر الشعر عن نصف الرأس ونحوه؛ فهو أجلى ". وقال الفراء: "اشتقاقه من الجلاء، وهو ابتداء الصلع، إذا ذهب شعر الرأس إلى نصفه". وقال أبو علي القالي: "الأنزع الذي قد انحسر الشعر عن جانبي جبهته، فإذا زاد قليلًا؛ فهو أجلح، فإذا بلغ النصف؛ فهو أجلى، ثم هو أجله". باب ما جاء في الخليفة الذي يحثي المال حثيًا ولا يعده عن الجريري - واسمه: سعيد بن إياس - عن أبي نضرة - واسمه: المنذر بن مالك بن قطعة - قال: كنا عند جابر بن عبد الله ﵄، فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم؛ يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم

стр. 716

دينار ولا مد. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم، يمنعون ذاك. قال: ثم أمسك هنيهة، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثوًا لا يعده عدًا» . قال الجريري: فقلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا. رواه: الإمام أحمد، ومسلم. وعن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁؛ قال: رسول الله ﷺ : «يكون في آخر الزمان خليفة يعطي المال ولا يعده عدًا» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد. وفي رواية له: أن رسول الله ﷺ قال: «ليبعثن الله في هذه الأمة خليفة يحثي المال حثيًا ولا يعده عدًا» . وعن أبي نضرة عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله ﵃؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم. وعن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له: السفاح، فيكون إعطاؤه المال حثيا» . رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "فيه عطية العوفي، وهو ضعيف، ووثقه ابن معين، وبقية رجاله ثقات". وعن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قلت: والله ما يأتي علينا أمر إلا وهو شر من الماضي، ولا عام إلا وهو شر من

стр. 717

الماضي. قال: لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؛ لقلت مثل ما يقول، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أمرائكم أميرًا يحثي المال حثيًا ولا يعده عدًا، يأتيه الرجل، فيسأله، فيقول: خذ! فيبسط الرجل ثوبه، فيحثي فيه"، وبسط رسول الله ﷺ ملحفة غليظة كانت عليه؛ يحكي صنيع الرجل، ثم جمع إليه أكنافها؛ قال: "فيأخذه ثم ينطلق» . رواه الإمام أحمد. وعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يكون على الناس إمام يحثي المال حثيًا» . رواه ابن النجار. وفي هذه الأحاديث إشارة إلى المهدي بدليل ما تقدم في بعض الروايات عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في ذكر المهدي: «"ويكون المال كدوسًا". قال: "يجيء الرجل إليه، فيقول: يا مهدي! أعطني، أعطني". قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل» . رواه: الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم بنحوه. وفي رواية لأحمد: «أن المهدي يأمر مناديًا، فينادي، فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السدان (يعني: الخازن) ، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالًا، فيقول له: احث» ... . الحديث. وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «يقوم الرجل يقول: يا مهدي! أعطني. فيقول: خذ» . رواه الطبراني ورجاله ثقات.

стр. 718

باب ما جاء في القحطاني قد تقدم حديث قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ثم يؤمر القحطاني، فوالذي بعثني بالحق؛ ما هو دونه» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه جماعة لم أعرفهم". وتقدم أيضًا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وفيه: «ثم يكون أمراء العصب، ستة منهم من ولد كعب بن لؤي، ورجل من قحطان، كلهم صالح لا يرى مثله» . وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه» . رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وإسناد أحمد إسناد مسلم. وعن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «ليسوقن رجل من قحطان الناس بعصا» . رواه الطبراني. باب ما جاء في الجهجاه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه» .

стр. 719

رواه: الإمام أحمد، ومسلم واللفظ له، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب "، وإسناد أحمد والترمذي إسناد مسلم. ولفظ أحمد والترمذي: «لا يذهب الليل والنهار حتى يملك رجل من الموالي، يقال له: جهجاه» . وعن علباء السلمي ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى يملك الناس رجل من الموالي، يقال له: جهجاه» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفه". قلت: وحديث أبي هريرة يشهد له ويقويه. باب ما جاء في عود الأمر إلى حمير عن ذي مخمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كان هذا الأمر في حمير، فنزعه الله منهم، فجعله في قريش، وسيعود إليهم» . رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". باب ما جاء في الآيات الكبار عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ... (فذكر) الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة»

стр. 720

«خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وفي رواية ابن ماجه: «ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا» . ولأحمد نحوه. وفي رواية للترمذي: «والعاشرة: إما ريح تطرحهم في البحر، وإما نزول عيسى ابن مريم» . ولأحمد ومسلم نحوه. ورواه الطبراني، ولفظه: قال: «عشر بين يدي الساعة: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، والدخان، ونزول عيسى ابن مريم، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وريح تسفيهم وتطرحهم بالبحر، وطلوع الشمس من مغربها» . وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدجال، والدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تحشر الذر والنمل» . رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد قدمت ذكر الخسوف الثلاثة والنار التي تخرج من اليمن مع نظائرها، ويأتي ذكر البقية مفصلًا إن شاء الله تعالى.

стр. 721

باب ما جاء في تتابع الآيات عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك؛ يتبع بعضها بعضًا» . رواه الإمام أحمد، قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وهو حسن الحدث". وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولم يتكلم عليه، وكذلك الذهبي. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خروج الآيات بعضها على إثر بعض، يتتابعن كما يتتابع الخرز في النظام» . رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وداود الزهراني، وكلاهما ثقة". وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «الأمارات خرزات منظومات بسلك، فإذا انقطع السلك؛ تبع بعضه بعضًا» . رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن أبي سريحة - وهو حذيفة بن أسيد ﵁: أن رسول الله ﷺ ؛ قال: «بين يدي الساعة عشر آيات، كالنظم في الخيط، إذا سقط منها واحدة؛ توالت: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وفتح يأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها» .

стр. 722

رواه ابن عساكر في "تاريخه". وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "إذا رأيتم أول الآيات؛ تتابعت". رواه ابن أبي شيبة. وعنه ﵁: أنه قال: "لو أن رجلًا ارتبط فرسًا في سبيل الله، فأنتجت مهرًا عند أول الآيات؛ ما ركب المهر حتى يرى آخرها". رواه ابن أبي شيبة. باب في مدة الآيات عن ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ ؛ قال: «كل ما توعدون في مائة سنة» . رواه البزار. وقد رواه الحاكم في "مستدركه" في أثناء حديث طويل، ولفظه: «كل ما يوجد في مائة سنة» ، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وظاهر هذا الحديث يخالف ما تقدم في الأثر الأخير عن حذيفة ﵁، ويمكن الجمع بينهما بأن يحمل ما في حديث ثوبان ﵁ على مدة ظهور الآيات العشر كلها، ويحمل ما روي عن حذيفة ﵁ على ظهور الآيات العظام التي ليست بمألوفة؛ مثل طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والدخان الذي يغشى الناس، وظهور النار التي تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. والله أعلم.

стр. 723

باب ما جاء في أول الآيات خروجًا عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير؛ قال: جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة، فسمعوه وهو يحدث في الآيات: أن أولها خروج الدجال. قال: فانصرف النفر إلى عبد الله بن عمرو، فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات، فقال عبد الله: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظت من رسول الله ﷺ في ذلك حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجًا: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحى، فأيتهما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها". ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتب -: "وأظن أولاها خروجًا طلوع الشمس من مغربها» ... الحديث. رواه: الإمام أحمد وهذا لفظه، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه مختصرًا، والبزار، والطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". وسيأتي الحديث مطولًا في (باب ما جاء في طلوع الشمس من مغربها) إن شاء الله تعالى. وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول الآيات: طلوع الشمس من مغربها» . رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه فضالة بن جبير، وهو ضعيف، وأنكر هذا الحديث". قال الحافظ ابن كثير في كتاب "النهاية" في الكلام على حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: «إن أول الآيات خروجًا:»

стр. 724

«طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى» ؛ قال: "أي: أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى ﵊ من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، فكل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر يشاهدهم الناس، وأمثالهم مألوفة، فأما خروج الدابة على شكل غير مألوف، ومخاطبتها الناس، ووسمها إياهم بالإيمان والكفر؛ فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية؛ كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية". وقال ابن كثير أيضًا في موضع آخر من "النهاية": "وقد ذكرنا أن المراد بالآيات هاهنا التي ليست مألوفة، وهي مخالفة للعادة المستقرة؛ فالدابة التي تكلم الناس وتعين المؤمن من الكافر وطلوع الشمس من مغربها أمر باهر جدًا؛ فهذه أول الآيات الأرضية، وهذه أول الآيات السماوية، وقد ظن عبد الله بن عمرو ﵄ أن طلوع الشمس من مغربها متقدم على الدابة، وذلك محتمل ومناسب". قلت: وقد جاء ذلك صريحًا في حديث أبي أمامة ﵁ الذي تقدم ذكره في هذا الباب، ولكنه حديث ضعيف؛ فلا يعتمد عليه. قال ابن كثير: "وقد حكى البيهقي عن الحاكم: أنه قال: أول الآيات ظهورًا خروج الدجال، ثم نزول عيسى ابن مريم، ثم فتح يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها". ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن الحاكم: أنه قال: "الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه". قال الحافظ: "والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يغلق

стр. 725

باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر، تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس من المشرق إلى المغرب؛ كما في حديث أنس في "مسائل عبد الله بن سلام " ". انتهى. وقد تقدم حديث أنس ﵁ في (باب ما جاء في خروج النار) . ونقل الحافظ أيضًا عن الطيبي أنه قال: "الآيات أمارات للساعة: إما على قربها، وإما على حصولها؛ فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى، يأجوج ومأجوج، والخسف. ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس". قال ابن حجر: "والذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة". ثم ذكر الحافظ حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي تقدم في أول الباب، وإنكاره لقول مروان بن الحكم، ثم قال: "ولكلام مروان محمل يعرف مما ذكرته". انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في ذكر خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث إذا خرجن؛ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» . رواه: مسلم، والترمذي، وابن جرير، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وقد رواه الإمام أحمد، وقال فيه: "والدخان "؛ بدل: " الدجال ".

стр. 726

وظاهر هذا الحديث الصحيح يدل على أن التوبة لا تزال مقبولة حتى تخرج الثلاث كلها. وقد تواترت الأحاديث الدالة على أن التوبة لا تزال مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها، وسيأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى، فيستفاد من حديث أبي هريرة ﵁ مع الأحاديث الواردة في قبول التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها، أن خروج الدابة والدخان متقدم على طلوع الشمس من مغربها. والله أعلم. أبواب ما جاء في الدجال قال ابن الأثير: "أصل الدجل: الخلط، يقال: دجل إذا لبس وموه، ومنه الحديث: «يكون في آخر الزمان دجالون» ؛ أي: كذابون مموهون، وقد تكرر ذكر الدجال في الحديث، وهو الذي يظهر في آخر الزمان يدعي الألوهية، وفعال من أبنية المبالغة؛ أي يكثر منه الكذب والتلبيس". وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": " الدجال - بفتح أوله والتشديد - من الدجل، وهو التغطية، وسمي الكذاب دجالًا؛ لأنه يغطي الحق بباطله". انتهى. ويسمى الدجال: المسيح الكذاب، وسيأتي ذكر السبب في تسميته بالمسيح، وذكر الفرق بينه وبين المسيح عيسى ابن مريم عند ذكر عيسى إن شاء الله تعالى. قال ابن كثير في "النهاية": "وهو رجل من بني آدم، خلقه الله تعالى ليكون محنة للناس في آخر الزمان، فيضل به كثيرًا، ويهدي به كثيرًا، وما يضل

стр. 727

به إلا الفاسقين". وقد روى الحافظ أحمد بن علي الأبار في "تاريخه" من طريق مجالد عن الشعبي: أنه قال: "كنية الدجال أبو يوسف". انتهى. وقد تقدم في (باب ما جاء في الآيات الكبار) حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات.... (فذكر الدخان والدجال) » الحديث. رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح ". وعن واثلة بن الأسقع ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على ذلك، وقد تقدم في الباب المذكور. باب ما جاء أن الدجال كان موجودًا في زمن النبي ﷺ عن عمران بن حصين ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد أكل الطعام ومشى في الأسواق (يعني: الدجال) » . رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والآجري في كتاب "الشريعة". قال الهيثمي: "وفي إسناد أحمد علي بن زيد، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني محمد بن منصور النحوي الأهوازي، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح ".

стр. 728

وعن معقل بن يسار ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لقد أكل الطعام، ومشى في الأسواق (يعني: الدجال) » . رواه الطبراني في "الأوسط) . قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير علي بن زيد بن جدعان، وهو لين، وثقة العجلي وغيره، وضعفه جماعة ". انتهى. وقد رواه الآجري في كتاب "الشريعة"، ولكنه قال عن ابن مغفل: "ولعل ذلك غلط من بعض الكتاب". وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ألا إن كل نبي قد أنذر أمته الدجال، وإنه يومه هذا قد أكل الطعام» ... . الحديث. رواه الحاكم في "مستدركه"، وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف. وسيأتي بتمامه في ذكر الرجل المؤمن الذي يقتله الدجال إن شاء الله تعالى. ويشهد لهذه الأحاديث ما يأتي من حديث فاطمة بنت قيس وحديث جابر بن عبد الله ﵃ في ذكر الجساسة والدجال. باب في خبر الجساسة عن ابن بريدة - وهو عبد الله - قال: حدثني عامر بن شراحيل الشعبي - شعب همدان - أنه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الأول، فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله ﷺ لا تسنديه إلى أحد غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلن. فقلت لها: أجل؛ حدثيني (فذكر

стр. 729

الحديث في تأيمها من زوجها، واعتدادها عند ابن أم مكتوم) . قالت: «فلما انقضت عدتي؛ سمعت نداء المنادي (منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله ﷺ ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته؛ جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: "ليلزم كل إنسان مصلاه"، ثم قال: "أتدرون لم جمعتكم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلًا؛ فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا؛ فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. قلنا: ويلك! ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهرًا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. فقال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟»

стр. 730

«قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا يثمر، أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم؛ هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة؛ غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة (أو: واحدًا) منهما؛ استقبلني ملك بيده السيف صلتًا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها". قالت: قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر: "هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة (يعني: المدينة) ، ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ ". فقال: الناس: نعم. "فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا؛ بل من قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق) ". قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ » . رواه: مسلم، وأبو داود، وهذا لفظ مسلم. ورواه الطبراني في "الكبير" بنحو رواية مسلم. وفي إسناده حفص بن عمر بن الصباح الرقي، ذكره ابن حبان في "الثقات " وقال: "ربما أخطأ، وبقية رجاله رجال الصحيح".

стр. 731

ورواه: مسلم أيضًا، وأبو داود الطيالسي؛ والطبراني في "الكبير" من حديث قرة بن خالد: حدثنا سيار أبو الحكم: حدثنا الشعبي؛ قال: «دخلنا على فاطمة بنت قيس ﵂، فأتحفتنا برطب يقال له: رطب ابن طاب، وأسقتنا سويق سلت، فسألتها عن المطلقة ثلاثًا أين تعتد؟ قالت: طلقني بعلي ثلاثًا، فأذن لي رسول الله ﷺ أن أعتد في أهلي. قالت: فنودي في الناس: إن الصلاة جامعة. قالت: فانطلقت فيمن انطلق من الناس. قالت: فكنت في الصف المتقدم من النساء، وهو يلي المؤخر من الرجال. قالت: فسمعت النبي ﷺ وهو على المنبر يخطب، فقال: "إن بني عم لتميم الداري ركبوا في البحر (وساق الحديث) "، وزاد فيه: فكأنما أنظر إلى النبي ﷺ ، وأهوى بمخصرته إلى الأرض، وقال: "هذه طيبة"؛ يعني: المدينة.» هذا لفظ مسلم، وقد ساقه أبو داود الطيالسي والطبراني بنحو ما تقدم في رواية ابن بريدة؛ إلا أن روايتهما أخصر من روايته. ورواه مسلم والطبراني أيضًا من حديث غيلان بن جرير عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂؛ قالت: «قدم على رسول الله ﷺ تميم الداري، فأخبر رسول الله ﷺ أنه ركب البحر، فتاهت به سفينته، فسقط إلى جزيرة، فخرج إليها يلتمس الماء، فلقي إنسانًا يجر شعره واقتص الحديث وقال فيه، ثم قال: أما إنه لو قد أذن لي في الخروج قد وطئت البلاد كلها غير طيبة، فأخرجه رسول الله ﷺ إلى الناس فحدثهم؛ قال: "هذه طيبة وذاك الدجال» . هذه رواية مسلم، وقد أحال الطبراني بلفظه على الحديث الطويل قبله. ورواه مسلم والطبراني أيضًا من حديث أبي الزناد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂: «أن رسول الله ﷺ قعد على المنبر، فقال: "أيها الناس! حدثني تميم الداري أن أناسًا من قومه كانوا في البحر في سفينة لهم،»

стр. 732

«فانكسرت بهم، فركب بعضهم على لوح من ألواح السفينة، فخرجوا إلى جزيرة في البحر» .... (وساق الحديث) ". هذه رواية مسلم، ورواية الطبراني أطول منها بكثير. ورواه الإمام أحمد من حديث مجالد عن عامر - وهو الشعبي - قال: قدمت المدينة، فأتيت فاطمة بنت قيس، فحدثتني (فذكر الحديث في طلاقها وعدتها وإنكاحها أسامة بن زيد) ؛ قال: فلما أردت أن أخرج؛ قالت: اجلس حتى أحدثك حديثًا عن رسول الله ﷺ . قالت: «خرج رسول الله ﷺ يومًا من الأيام، فصلى صلاة الهاجرة، ثم قعد، ففزع الناس، فقال: "اجلسوا أيها الناس؛ فإني لم أقم مقامي هذا لفزع، ولكن تميمًا الداري أتاني فأخبرني خبرًا منعني القيلولة من الفرح وقرة العين، فأحببت أن أنشر عليكم فرح نبيكم ﷺ : أخبرني أن رهطًا من بني عمه ركبوا البحر، فأصابتهم ريح عاصف، فألجأتهم الريح إلى جزيرة لا يعرفونها، فقعدوا في قويرب بالسفينة، حتى خرجوا إلى الجزيرة، فإذا هم بشيء أهلب، كثير الشعر، لا يدرون أرجل هو أو امرأة، فسلموا عليه، فرد ﵈. قالوا: ألا تخبرنا؟ قال: ما أنا بمخبركم ولا بمستخبركم، ولكن هذا الدير قد رهقتموه؛ ففيه من هو إلى خبركم بالأشواق أن يخبركم ويستخبركم. قال: قلنا: فما أنت؟ قال: أنا الجساسة. فانطلقوا حتى أتوا الدير، فإذا هم برجل موثق شديد الوثاق، مظهر الحزن، كثير التشكي، فسلموا عليه، فرد عليهم، فقال: ممن أنتم؟ قالوا: من العرب. قال: ما فعلت العرب؟ أخرج نبيهم بعد؟ قالوا: نعم. قال: فما فعلوا؟ قالوا: خيرًا، آمنوا به وصدقوه. قال: ذلك خير لهم. وكان له عدو، فأظهره الله عليهم. قال: فالعرب اليوم إلههم واحد، ودينهم واحد، وكلمتهم واحدة؟ قالوا: نعم. قال: فما فعلت عين زغر؟ قالوا: صالحة؛ يشرب منها أهلها لشفتهم، ويسقون منها زرعهم. قال: فما فعل نخل بين عمان وبيسان؟ قالوا: صالح؛ يطعم جناه كل عام. قال: فما»

стр. 733

«فعلت بحيرة الطبرية؟ قالوا: ملأى. قال: فزفر، ثم زفر، ثم زفر، ثم حلف؛ لو خرجت من مكاني هذا ما تركت أرضًا من أرض الله إلا وطئتها غير طيبة ليس لي عليها سلطان " قال: فقال رسول الله ﷺ : "إلى هذا انتهى فرحى (ثلاث مرار) ، إن طيبة المدينة، إن الله حرم حرمي على الدجال أن يدخلها (ثم حلف رسول الله ﷺ :) والذي لا إله إلا هو؛ ما لها طريق ضيق ولا واسع في سهل ولا جبل إلا عليه ملك شاهر بالسيف إلى يوم القيامة، ما يستطيع الدجال أن يدخلها على أهلها» . قال عامر: فلقيت المحرر بن أبي هريرة، فحدثته حديث فاطمة بنت قيس، فقال: أشهد على أبي أنه حدثني كما حدثتك فاطمة؛ غير أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنه نحو المشرق» . قال: ثم لقيت القاسم بن محمد، فذكرت له حديث فاطمة، فقال: أشهد على عائشة أنها حدثتني كما حدثتك فاطمة؛ غير أنها قالت: «الحرمان عليه حرام؛ مكة والمدينة» . فيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي في موضع، وقال في آخر: "ليس بالقوي"، وضعفه كثير من الأئمة، وقال الذهبي في كتابه "المغني في الضعفاء": "مشهور، صالح الحديث"، واخرج له مسلم في "صحيحه" مقرونًا بغيره. وفيه أيضًا المحرر بن أبي هريرة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبي في "الكاشف ": "وثق"، وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب": "مقبول، وبقية رجاله رجال الصحيح". وما تقدم من الروايات الصحيحة يشهد له ويقويه. وقد رواه الطبراني في "الكبير" بنحو رواية أحمد، ورواه أبو داود مختصرًا،

стр. 734

وأحال بلفظه على ما تقدم قبله من رواية عبد الله بن بريدة عن الشعبي، ورواه ابن ماجه والآجري بنحو رواية أحمد؛ إلا أنهما لم يذكرا الشاهدين لحديث فاطمة بنت قيس، وهما ما رواه الشعبي عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه وعن القاسم بن محمد عن عائشة. وقد جاء في رواية ابن ماجه والآجري: «فإذا هم بشيخ موثق» ، وهذا مخالف لما في "صحيح مسلم " وغيره عن النواس بن سمعان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «إنه شاب قطط» ، والعمدة على ما في الصحيح، والله أعلم. ورواه الطبراني من حديث الشيباني - وهو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان - عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂ (فذكر الحديث مطولًا بنحو رواية مجالد عن الشعبي) ، وفيه أن الدجال قال لهم: «من أنتم؟ قالوا: من أهل فلسطين من جزيرة العرب» . وفيه أيضًا ذكر الشاهدين لحديث فاطمة بنت قيس، وهما ما رواه الشعبي عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه وعن عبد الله بن أبي بكر عن عائشة. هكذا جاء في هذه الرواية: "عن عبد الله بن أبي بكر "، ولعله عبد الله بن محمد بن أبي بكر، وهو أخو القاسم بن محمد الذي روى عنه الشعبي كما تقدم في رواية مجالد عنه، ولعل كلا من القاسم بن محمد وأخيه عبد الله رويا عن عائشة ﵂ ما روته في قصة الجساسة والدجال، والله أعلم. في إسناد هذه الرواية الحسين بن إسحاق التستري شيخ الطبراني. قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "كان من الحفاظ الرحالة"، وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه الإمام أحمد والطبراني أيضًا من حديث داود بن أبي هند عن عامر

стр. 735

- وهو الشعبي - عن فاطمة بنت قيس ﵂: «أن النبي ﷺ جاء ذات يوم مسرعًا، فصعد المنبر، فنودي في الناس: الصلاة جامعة، واجتمع الناس، فقال: "يا أيها الناس! إني لم أدعكم لرغبة نزلت ولا لرهبة، ولكن تميمًا الداري أخبرني أن ناسًا من أهل فلسطين ركبوا البحر فقذفتهم الريح إلى جزيرة من جزائر البحر، فإذا هم بدابة أشعر لا يدرى أذكر أم أنثى من كثرة شعره، فقالوا: من أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: فأخبرينا. قالت: ما أنا بمخبرتكم ولا بمستخبركم ولكن في هذا الدير رجل فقير إلى أن يخبركم ويستخبركم. فدخلوا الدير؛ فإذا رجل ضرير ومصفد في الحديد، فقال: من أنتم؟ قلنا: نحن العرب. قال: هل بعث فيكم النبي؟ قلنا: نعم. قال: فهل اتبعه العرب؟ قالوا: نعم. قال: ذاك خير لهم. قال: ما فعلت فارس؟ هل ظهر عليها؟ قالوا: لم يظهر عليها بعد. قال: أما إنه سيظهر عليها. ثم قال: ما فعلت عين زغر؟ قالوا: هي تدفق ملأى. قال: فما فعلت بحيرة طبرية؟ قالوا: هي تدفق ملأى. قال: فما فعل نخل بيسان؟ هل أطعم بعد؟ قالوا: قد أطعم أوائله. قال: فوثب وثبة ظننا أنه سيفلت، فقلنا: من أنت؟ قال: أنا الدجال، أما إني سأطأ الأرض كلها غير مكة وطيبة". فقال رسول الله ﷺ : "أبشروا معشر المسلمين؛ فإن هذه طيبة لا يدخلها الدجال» . هذا لفظ أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه أيضًا بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقال فيه: «فدخلوا الدير؛ فإذا رجل أعور مصفد في الحديد» ... ، وذكر بقية الحديث بنحو ما تقدم، وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه. ورواه الترمذي من حديث قتادة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂: «أن نبي الله ﷺ صعد المنبر، فضحك، فقال: "إن تميمًا الداري»

стр. 736

«حدثني بحديث، ففرحت، فأحببت أن أحدثكم: إن ناسًا من أهل فلسطين ركبوا سفينة في البحر، فجالت بهم، حتى قذفتهم في جزيرة من جزائر البحر، فإذا هم بدابة لباسة ناشرة شعرها، فقالوا: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: فأخبرينا. قالت: لا أخبركم ولا أستخبركم، ولكن ائتوا أقصى القرية؛ فإن ثم من يخبركم ويستخبركم. فأتينا أقصى القرية؛ فإذا رجل موثق بسلسلة، فقال: أخبروني عن عين زغر. قلنا: ملأى تدفق. قال: أخبروني عن البحيرة. قلنا: ملأى تدفق. قال: أخبروني عن نخل بيسان الذي بين الأردن وفلسطين؛ هل أطعم؟ قلنا: نعم. قال: أخبروني عن النبي؛ هل بعث؟ قلنا: نعم. قال: أخبروني كيف الناس إليه؟ قلنا: سراع. قال: فنزى نزوة حتى كاد. قلنا: فما أنت؟ قال: أنا الدجال، وإنه يدخل الأمصار كلها إلا طيبة، وطيبة المدينة» . قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث قتادة عن الشعبي. وقد رواه غير واحد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ". انتهى. وقد رواه الطبراني في "الكبير" من حديث قتادة وإبراهيم بن عامر عن الشعبي، وفيه أن الجساسة قالت: «الخبر عند صاحب هذا الدير، فأتوا الدير، فإذا رجل موقر بالحديد، فسألهم: ممن هم؟ فأخبروه. فقال: ما فعل نبي العرب؟ أخرج بعد؟ قالوا: نعم. قال: من يتبعه؛ السفلة أم أشراف الناس؟ قالوا: يتبعه السفهاء. قال: يكثرون أم يقلون؟ قالوا: يكثرون. قال: يرجع أحد ممن أتاه؟ قالوا: لا. قال: ذلك خير لهم. ثم سألهم عن بحيرة طبرية ونخل بيسان وعين زغر فأخبروه. قال: أما إنه لو قد أذن لي؛ لقد وطئت برجلي هذه الأرض كلها غير طيبة". قال رسول الله ﷺ : وهذه طيبة، على كل نقب منها ملك شاهر سيفه، نحو العراق ما هو، نحو العراق ما هو» . إسناده ضعيف، ولبعضه شواهد مما تقدم قبله من الأحاديث الصحيحة.

стр. 737

ورواه الطبراني أيضًا من طرق كثيرة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس سوى ما تقدم ذكره من الروايات، وفي بعضها زيادات ليست في الروايات التي تقدم ذكرها: منها في رواية محمد بن أيوب أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن فاطمة: «إن الجساسة قالت لهم: إن كنتم تريدون الخبر؛ فعليكم بهذا الدير. وأشارت إلى دير في الجزيرة غير بعيد، فانطلقنا نمشي حتى دخلنا؛ فإذا رجل موثق بحديد كبير ثقيل، وإذا هو مستند ظهره إلى سفح جبل. قال: من أنتم؟ قلنا: أناس من العرب. قال: ما فعل النبي الأمي الذي ينتظر؟ قلنا: قد خرج ... (ثم سألهم عن نخل بين عمان وبيسان، وعن عين زغر، وعن بحيرة الطبرية، فأخبروه، قال:) ، فضرب بيده بطن قدمه، وقال: إني لو قد خرجت من مجلسي هذا؛ لم أدع في الأرض بقعة إلا وطئتها؛ إلا مكة وطيبة. قال: ثم زفر، فسار في الجبل ثم وقع، ثم سار أخرى أبعد من ذلك ثم وقع، ثم سار الثالثة فذهب في الجبل ثم وقع. قال: قلنا: ما له لا بارك الله فيه؟ وكأنه سر رسول الله ﷺ من ذلك قوله: مكة والمدينة، فقال رسول الله ﷺ : طيبة (مرتين) لا يدخلها الدجال، ليس منها نقب إلا عليه ملك شاهر السيف، ومن نحو اليمن ما هو. ثم قال بيده وكم قميصه قريبا من ثلاثين مرة: من نحو العراق ما هو» . إسناد هذه الرواية صحيح على شرط مسلم. ومنها ما في رواية عمران بن سليمان القيسي عن الشعبي؛ قال: حدثتني فاطمة بنت قيس ﵂: «أن رسول الله ﷺ نادى: الصلاة جامعة؛ في ساعة لم يكن ينادي فيها، فخرج الناس إلى المسجد، فجاء النبي ﷺ ، فصعد المنبر، ثم قال: أنذركم الدجال (ثلاثًا) ، إنه لم يكن فيما مضى، وإنه كائن فيكم أيتها الأمة، وإن تميمًا الداري أخبرني أنه ركب بحر الشام في نفر من لخم»

стр. 738

«وجذام، فألقتهم الريح إلى جزيرة من جزائره، فإذا هم بالدهماء تجر شعرها، فقالوا: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: أخبرينا. قالت: ما أنا بمخبرتكم ولا أستخبركم، ولكن ائتوا رجلًا في هذا الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأتوه؛ فإذا رجل ممسوح العين، موثق إلى سارية في الحديد. فقال: ما أنتم؟ قالوا: نحن العرب. قال: ما فعلت العرب؟ قلنا: بعث إليهم نبي أمي يدعوهم إلى الله. قال: فما فعل الناس؟ قالوا: اتبعه قوم وتركه قوم. قال: أما إنهم إن يتبعونه ويصدقونه خير لهم لو كانوا يعلمون. ثم قال: ما فعلت العرب؟ أي شيء لباسهم؟ قلنا: صوف وقطن تغزله نساؤهم. فضرب بيده على فخذه، ثم قال: هيهات. ثم قال: ما فعلت نخل بيسان؟ قلنا: قوي، ونجدها في كل عام. فضرب بيده على فخذه، ثم قال: هيهات. ثم قال: ما فعلت عين زغر؟ قلنا: كثير ماؤها يتدفق يروي من أتاها. فضرب بيده على فخذه، ثم قال: هيهات ثم قال: لو قد أطلقني الله من وثاقي؛ لم يبق منهل إلا دخلته؛ إلا مكة وطيبة؛ فإنه ليس لي دخولهما. قال رسول الله ﷺ : "تلك مكة وهذه طيبة حرمها الله كما حرم إبراهيم مكة، أما إنه ليس نقب ولا سكة إلا وعليها ملك شاهر للسيف يمنعها من الدجال إلى يوم القيامة» . عمران بن سليمان القيسي: ذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وبقية رجاله كلهم ثقات. وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه. ومنها ما في رواية أبي الأشهب جعفر بن حيان العطاردي عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂؛ قالت: «سمعت منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاة جامعة.... (فذكر الحديث عن الجساسة والدجال وفيه:) قال: فأتينا الدير؛ فإذا نحن برجل أعظم رجل رأيته قط، وأحسنه جسمًا، فإذا هو ممسوح»

стр. 739

«العين اليمنى، كأن عينه نخامة في جدار مجصص، وإذا يداه مغلولتان إلى عنقه، وإذا رجلاه مشدودتان بالكبول من ركبتيه إلى قدميه، فقلنا له: ما أنت أيها الرجل؟ فقال: أما خبري؛ فقد قدرتم عليه، ولكن أخبروني: ما أوقعكم هذه الجزيرة، وهذه الجزيرة لم يصل إليها آدمي منذ خرجت إليها؟ فأخبرناه، فقال: أخبروني عن بحيرة الطبرية؛ ما فعلت؟ قلنا: عن أي أمرها تسأل؟ قال: هل نضب ماؤها؟ وهل بدا فيها من العجائب؟ قلنا: لا. قال: أما إنه سيكون. ثم سكت مليًا، ثم قال: أخبروني عن عين زغر؛ ما فعلت؟ قلنا: عن أي أمرها تسأل؟ قال: هل يحترث أهلها عليها؟ قلنا: نعم. قال: أما إنه سيغور عنها ماؤها. ثم سكت مليًا، فقال: أخبروني عن نخيل بيسان؛ ما فعل؟. فقلنا له: عن أي أمرها تسأل؟ قال: هل يثمر؟ قلنا: نعم. قال: أما إنه لا يثمر. ثم سكت مليًا، فقال: أخبروني عن النبي الأمي؛ ما فعل. قلنا: عن أي أمره تسأل؟ قال: هل ظهر بعد؟ قلنا: نعم. قال: فما صنعت معه العرب؟ فقلنا له: منهم من قاتله، ومنهم من صدقه. قال: أما إنه من صدقه فهو خير له. فقلنا: أخبرنا خبرك أيها الرجل؟ فقال: أما تعرفونني؟ ! قلنا: لو عرفناك ما سألناك. قال: أنا الدجال، يوشك أن يؤذن لي في الخروج، فإذا خرجت؛ وطئت جزائر العرب كلها؛ غير مكة وطيبة، كلما أردتها؛ استقبلني ملك بيده السيف مصلتًا فردني عنهما". قالت فاطمة: فرأيت رسول الله ﷺ رافعًا يديه حتى رأينا بياض إبطيه، ثم قال: "ألا أخبركم أن هذه طيبة (ثلاثًا) ؟ "، ثم قال: "ألا أخبركم أنه في بحر الشام (ثلاثًا) ؟ "، ثم أغمي عليه ساعة، ثم سري عنه، فقال: "بل هو في بحر العراق» . في إسناده سيف بن مسكين، وهو ضعيف جدًا، ولبعضه شواهد مما تقدم قبله من الأحاديث الصحيحة.

стр. 740

وعن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس ﵂: «أن رسول الله ﷺ أخر العشاء الآخرة ذات ليلة، ثم خرج، فقال: "إنه حبسني حديث كان يحدثنيه تميم الداري عن رجل كان في جزيرة من جزائر البحر، فإذا بامرأة تجر شعرها. قال: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة، اذهب إلى ذلك القصر. فأتيته، فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض، فقلت: من أنت؟ قال: أنا الدجال، خرج نبي الأميين بعد؟ قلت: نعم. قال: أطاعوه أم عصوه؟ قلت: بل أطاعوه. قال: ذلك خير لهم» . رواه أبو داود: قال المنذري: "في إسناده عثمان بن عبد الرحمن القرشي مولاهم الحراني المعروف بالطرائقي (ثم ذكر كلام العلماء فيه، فمنهم من تكلم فيه، ومنهم من وثقه) ". قلت: وقد رواه الطبراني في "الكبير" بإسنادين: أحدهما قال: حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف المصري: حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن أبي فديك: حدثني ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس ﵂ (فذكر الحديث بنحو ما تقدم في رواية أبي داود، وزاد في آخره أن الدجال قال: "وهل غارت المياه؟ ") . رجاله رجال الصحيح، سوى إسماعيل بن الحسن الخفاف؛ فإني لم أجد له ترجمة، وقد ذكره المزي في "تهذيب الكمال" فيمن روى عن أحمد بن صالح المصري. ولهذا الحديث شواهد مما تقدم في الروايات عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂. وقد زعم أبو عبية في تعليقه على "النهاية" لابن كثير في (ص٩٦) منها أن حديث فاطمة بنت قيس ﵂ عليه طابع الخيال وسمة الوضع، ثم
следующие страницы →