Полный текст (1 255 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
«حدثني بحديث، ففرحت، فأحببت أن أحدثكم: إن ناسًا من أهل فلسطين ركبوا سفينة في البحر، فجالت بهم، حتى قذفتهم في جزيرة من جزائر البحر، فإذا هم بدابة لباسة ناشرة شعرها، فقالوا: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: فأخبرينا. قالت: لا أخبركم ولا أستخبركم، ولكن ائتوا أقصى القرية؛ فإن ثم من يخبركم ويستخبركم. فأتينا أقصى القرية؛ فإذا رجل موثق بسلسلة، فقال: أخبروني عن عين زغر. قلنا: ملأى تدفق. قال: أخبروني عن البحيرة. قلنا: ملأى تدفق. قال: أخبروني عن نخل بيسان الذي بين الأردن وفلسطين؛ هل أطعم؟ قلنا: نعم. قال: أخبروني عن النبي؛ هل بعث؟ قلنا: نعم. قال: أخبروني كيف الناس إليه؟ قلنا: سراع. قال: فنزى نزوة حتى كاد. قلنا: فما أنت؟ قال: أنا الدجال، وإنه يدخل الأمصار كلها إلا طيبة، وطيبة المدينة» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث قتادة عن الشعبي. وقد رواه غير واحد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ". انتهى.
وقد رواه الطبراني في "الكبير" من حديث قتادة وإبراهيم بن عامر عن الشعبي، وفيه أن الجساسة قالت: «الخبر عند صاحب هذا الدير، فأتوا الدير، فإذا رجل موقر بالحديد، فسألهم: ممن هم؟ فأخبروه. فقال: ما فعل نبي العرب؟ أخرج بعد؟ قالوا: نعم. قال: من يتبعه؛ السفلة أم أشراف الناس؟ قالوا: يتبعه السفهاء. قال: يكثرون أم يقلون؟ قالوا: يكثرون. قال: يرجع أحد ممن أتاه؟ قالوا: لا. قال: ذلك خير لهم. ثم سألهم عن بحيرة طبرية ونخل بيسان وعين زغر فأخبروه. قال: أما إنه لو قد أذن لي؛ لقد وطئت برجلي هذه الأرض كلها غير طيبة". قال رسول الله ﷺ : وهذه طيبة، على كل نقب منها ملك شاهر سيفه، نحو العراق ما هو، نحو العراق ما هو» .
إسناده ضعيف، ولبعضه شواهد مما تقدم قبله من الأحاديث الصحيحة.
стр. 737
ورواه الطبراني أيضًا من طرق كثيرة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس سوى ما تقدم ذكره من الروايات، وفي بعضها زيادات ليست في الروايات التي تقدم ذكرها:
منها في رواية محمد بن أيوب أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن فاطمة: «إن الجساسة قالت لهم: إن كنتم تريدون الخبر؛ فعليكم بهذا الدير. وأشارت إلى دير في الجزيرة غير بعيد، فانطلقنا نمشي حتى دخلنا؛ فإذا رجل موثق بحديد كبير ثقيل، وإذا هو مستند ظهره إلى سفح جبل. قال: من أنتم؟ قلنا: أناس من العرب. قال: ما فعل النبي الأمي الذي ينتظر؟ قلنا: قد خرج ... (ثم سألهم عن نخل بين عمان وبيسان، وعن عين زغر، وعن بحيرة الطبرية، فأخبروه، قال:) ، فضرب بيده بطن قدمه، وقال: إني لو قد خرجت من مجلسي هذا؛ لم أدع في الأرض بقعة إلا وطئتها؛ إلا مكة وطيبة. قال: ثم زفر، فسار في الجبل ثم وقع، ثم سار أخرى أبعد من ذلك ثم وقع، ثم سار الثالثة فذهب في الجبل ثم وقع. قال: قلنا: ما له لا بارك الله فيه؟ وكأنه سر رسول الله ﷺ من ذلك قوله: مكة والمدينة، فقال رسول الله ﷺ : طيبة (مرتين) لا يدخلها الدجال، ليس منها نقب إلا عليه ملك شاهر السيف، ومن نحو اليمن ما هو. ثم قال بيده وكم قميصه قريبا من ثلاثين مرة: من نحو العراق ما هو» .
إسناد هذه الرواية صحيح على شرط مسلم.
ومنها ما في رواية عمران بن سليمان القيسي عن الشعبي؛ قال: حدثتني فاطمة بنت قيس ﵂: «أن رسول الله ﷺ نادى: الصلاة جامعة؛ في ساعة لم يكن ينادي فيها، فخرج الناس إلى المسجد، فجاء النبي ﷺ ، فصعد المنبر، ثم قال: أنذركم الدجال (ثلاثًا) ، إنه لم يكن فيما مضى، وإنه كائن فيكم أيتها الأمة، وإن تميمًا الداري أخبرني أنه ركب بحر الشام في نفر من لخم»
стр. 738
«وجذام، فألقتهم الريح إلى جزيرة من جزائره، فإذا هم بالدهماء تجر شعرها، فقالوا: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: أخبرينا. قالت: ما أنا بمخبرتكم ولا أستخبركم، ولكن ائتوا رجلًا في هذا الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأتوه؛ فإذا رجل ممسوح العين، موثق إلى سارية في الحديد. فقال: ما أنتم؟ قالوا: نحن العرب. قال: ما فعلت العرب؟ قلنا: بعث إليهم نبي أمي يدعوهم إلى الله. قال: فما فعل الناس؟ قالوا: اتبعه قوم وتركه قوم. قال: أما إنهم إن يتبعونه ويصدقونه خير لهم لو كانوا يعلمون. ثم قال: ما فعلت العرب؟ أي شيء لباسهم؟ قلنا: صوف وقطن تغزله نساؤهم. فضرب بيده على فخذه، ثم قال: هيهات. ثم قال: ما فعلت نخل بيسان؟ قلنا: قوي، ونجدها في كل عام. فضرب بيده على فخذه، ثم قال: هيهات. ثم قال: ما فعلت عين زغر؟ قلنا: كثير ماؤها يتدفق يروي من أتاها. فضرب بيده على فخذه، ثم قال: هيهات ثم قال: لو قد أطلقني الله من وثاقي؛ لم يبق منهل إلا دخلته؛ إلا مكة وطيبة؛ فإنه ليس لي دخولهما. قال رسول الله ﷺ : "تلك مكة وهذه طيبة حرمها الله كما حرم إبراهيم مكة، أما إنه ليس نقب ولا سكة إلا وعليها ملك شاهر للسيف يمنعها من الدجال إلى يوم القيامة» .
عمران بن سليمان القيسي: ذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وبقية رجاله كلهم ثقات.
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه.
ومنها ما في رواية أبي الأشهب جعفر بن حيان العطاردي عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂؛ قالت: «سمعت منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاة جامعة.... (فذكر الحديث عن الجساسة والدجال وفيه:) قال: فأتينا الدير؛ فإذا نحن برجل أعظم رجل رأيته قط، وأحسنه جسمًا، فإذا هو ممسوح»
стр. 739
«العين اليمنى، كأن عينه نخامة في جدار مجصص، وإذا يداه مغلولتان إلى عنقه، وإذا رجلاه مشدودتان بالكبول من ركبتيه إلى قدميه، فقلنا له: ما أنت أيها الرجل؟ فقال: أما خبري؛ فقد قدرتم عليه، ولكن أخبروني: ما أوقعكم هذه الجزيرة، وهذه الجزيرة لم يصل إليها آدمي منذ خرجت إليها؟ فأخبرناه، فقال: أخبروني عن بحيرة الطبرية؛ ما فعلت؟ قلنا: عن أي أمرها تسأل؟ قال: هل نضب ماؤها؟ وهل بدا فيها من العجائب؟ قلنا: لا. قال: أما إنه سيكون. ثم سكت مليًا، ثم قال: أخبروني عن عين زغر؛ ما فعلت؟ قلنا: عن أي أمرها تسأل؟ قال: هل يحترث أهلها عليها؟ قلنا: نعم. قال: أما إنه سيغور عنها ماؤها. ثم سكت مليًا، فقال: أخبروني عن نخيل بيسان؛ ما فعل؟. فقلنا له: عن أي أمرها تسأل؟ قال: هل يثمر؟ قلنا: نعم. قال: أما إنه لا يثمر. ثم سكت مليًا، فقال: أخبروني عن النبي الأمي؛ ما فعل. قلنا: عن أي أمره تسأل؟ قال: هل ظهر بعد؟ قلنا: نعم. قال: فما صنعت معه العرب؟ فقلنا له: منهم من قاتله، ومنهم من صدقه. قال: أما إنه من صدقه فهو خير له. فقلنا: أخبرنا خبرك أيها الرجل؟ فقال: أما تعرفونني؟ ! قلنا: لو عرفناك ما سألناك. قال: أنا الدجال، يوشك أن يؤذن لي في الخروج، فإذا خرجت؛ وطئت جزائر العرب كلها؛ غير مكة وطيبة، كلما أردتها؛ استقبلني ملك بيده السيف مصلتًا فردني عنهما".
قالت فاطمة: فرأيت رسول الله ﷺ رافعًا يديه حتى رأينا بياض إبطيه، ثم قال: "ألا أخبركم أن هذه طيبة (ثلاثًا) ؟ "، ثم قال: "ألا أخبركم أنه في بحر الشام (ثلاثًا) ؟ "، ثم أغمي عليه ساعة، ثم سري عنه، فقال: "بل هو في بحر العراق» .
في إسناده سيف بن مسكين، وهو ضعيف جدًا، ولبعضه شواهد مما تقدم قبله من الأحاديث الصحيحة.
стр. 740
وعن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس ﵂: «أن رسول الله ﷺ أخر العشاء الآخرة ذات ليلة، ثم خرج، فقال: "إنه حبسني حديث كان يحدثنيه تميم الداري عن رجل كان في جزيرة من جزائر البحر، فإذا بامرأة تجر شعرها. قال: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة، اذهب إلى ذلك القصر. فأتيته، فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض، فقلت: من أنت؟ قال: أنا الدجال، خرج نبي الأميين بعد؟ قلت: نعم. قال: أطاعوه أم عصوه؟ قلت: بل أطاعوه. قال: ذلك خير لهم» .
رواه أبو داود: قال المنذري: "في إسناده عثمان بن عبد الرحمن القرشي مولاهم الحراني المعروف بالطرائقي (ثم ذكر كلام العلماء فيه، فمنهم من تكلم فيه، ومنهم من وثقه) ".
قلت: وقد رواه الطبراني في "الكبير" بإسنادين: أحدهما قال: حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف المصري: حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن أبي فديك: حدثني ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس ﵂ (فذكر الحديث بنحو ما تقدم في رواية أبي داود، وزاد في آخره أن الدجال قال: "وهل غارت المياه؟ ") .
رجاله رجال الصحيح، سوى إسماعيل بن الحسن الخفاف؛ فإني لم أجد له ترجمة، وقد ذكره المزي في "تهذيب الكمال" فيمن روى عن أحمد بن صالح المصري.
ولهذا الحديث شواهد مما تقدم في الروايات عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂.
وقد زعم أبو عبية في تعليقه على "النهاية" لابن كثير في (ص٩٦) منها أن حديث فاطمة بنت قيس ﵂ عليه طابع الخيال وسمة الوضع، ثم
стр. 741
نفى صدوره عن النبي ﷺ ؛ قال: "ولو صح صدوره عن الرسول ﷺ ، وعلى المنبر، وفي حشد من الصحابة؛ لتواتر نقله".
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: من عجيب أمر أبي عبية قدحه في حديث قد رواه مسلم في "صحيحه" الذي قد أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول، وهذا في الحقيقة من الاستهانة بالأحاديث الصحيحة والغض من شأنها ومخالفة أهل العلم والشذوذ عنهم، ومن سلك هذا المسلك الذميم؛ فهو على شفا هلكة، ولو أن حديث الجساسة جاء في بعض الأقاصيص التي يذكرها كتاب الإفرنج؛ لبادر الأغبياء من العصريين إلى تصديقه، وأنكروا على من شك في صحته.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث قد رواه الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂، والشعبي إمام من أئمة التابعين، لا سبيل لأحد إلى الكلام فيه، وقد تابعه عليه أبو سلمة بن عبد الرحمن، فرواه عن فاطمة بنت قيس كما تقدم ذكره. ورواه عن الشعبي جماعة من الثقات الأثبات؛ منهم: عبد الله بن بريدة، وسيار أبو الحكم، وغيلان بن جرير، وأبو الزناد، وداود بن أبي هند، وقتادة، ومحمد بن أيوب الثقفي، وعمران بن سليمان القيسي، وغيرهم من الثقات.
وإذًا؛ فمن هو المتهم عند أبي عبية بوضعه؟ ! هل يتهم بذلك فاطمة بنت قيس ﵂؟ أو يتهم الشعبي؟ أو يتهم من دونه من الحفاظ الأثبات؟ أما يستحي أبو عبية من التهجم على الأحاديث الصحيحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه؟ .
الوجه الثالث: أن فاطمة بنت قيس ﵂ لم تنفرد برواية حديث الجساسة، بل قد رواه بمثل روايتها أبو هريرة وعائشة ﵄ كما تقدم ذكره، ورواه أيضًا أبو داود من حديث جابر بن عبد الله ﵄،
стр. 742
وإسناده حسن؛ كما سيأتي. وفي هذا رد على من قدح في الحديث وزعم أنه موضوع.
الوجه الرابع: أن يقال: ليس التواتر شرطًا في صحة الأحاديث ولا في وجوب الإيمان بها؛ كما قد توهم ذلك أبو عبية تقليدًا لبعض أهل البدع من المتقدمين والعصريين، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بكل ما صح سنده إلى النبي ﷺ ، سواء كان متواترًا أو آحادًا، وقد تقدم إيضاح ذلك في أول الكتاب؛ فليراجع.
الوجه الخامس: أن صدور الحديث عن النبي ﷺ على المنبر وفي حشد من الصحابة ﵃ لا يلزم منه التواتر في النقل، وكم من خطبة خطبها النبي ﷺ على المنبر وفي حشد عظيم من الصحابة ومع ذلك لم يروها أو يرو البعض منها إلا الواحد أو الاثنان أو أكثر من ذلك ممن لا يبلغ عددهم شرط التواتر؟ ! وقد خطب النبي ﷺ في حجة الوداع عدة خطب في أعظم حشد كان في حياة النبي ﷺ ، ومع ذلك لم ينقل خطبة إلا العدد القليل من الصحابة ﵃.
وقد روى الإمام أحمد ومسلم عن أبي زيد وعمرو بن أخطب الأنصاري ﵁؛ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا» . وقد كانت هذه الخطبة العظيمة الطويلة جدًا على المنبر، وفي حشد من الصحابة ﵃، ومع ذلك لم ينقل شيء منها بالتواتر.
وإذا علم هذا؛ فما زعمه أبو عبية من شرط التواتر لصحة حديث الجساسة
стр. 743
لا أصل له؛ فلا يعول عليه.
وعن الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر (وهو ابن عبد الله ﵄ ؛ قال: «قال رسول الله ﷺ ذات يوم على المنبر: " إنه بينما أناس يسيرون في البحر، فنفد طعامهم، فرفعت لهم جزيرة، فخرجوا يريدون الخبز، فلقيتهم الجساسة ". قلت لأبي سلمة: وما الجساسة؟ قال: امرأة تجر شعر جلدها ورأسها. "قالت: في هذا القصر (فذكر الحديث، وسأل عن نخل بيسان وعن عين زغر قال: هو المسيح) » . فقال لي ابن أبي سلمة: إن في هذا الحديث شيئًا ما حفظته. قال: شهد جابر أنه هو ابن صائد.
قلت: فإنه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنه قد أسلم. قال: وإن أسلم. قلت: فإنه قد دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة.
رواه أبو داود. قال ابن كثير: "وهو غريب جدًا". وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "سنده حسن".
وقد رواه الفاكهي في "أخبار مكة" مختصرًا، ولفظه: قال: إن النبي ﷺ قام على المنبر، فذكر حديث الجساسة والدجال، فقال: «ما يأتي بابًا من أبوابها (يعني المدينة) ؛ إلا عليه ملك صالت سيفه يمنعه منها، وبمكة مثلها» .
وقد قال أبو عبية في تعليقه على هذا الحديث في كتاب " النهاية " لابن كثير ما نصه: "الغرابة بكل غيومها تحيط بهذا الحديث الذي يرفض القلب والعقل معًا التصديق بصدوره عن الرسول العظيم ﷺ " انتهى.
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن يقال: هذا الحديث وإن قال فيه ابن كثير: "إنه غريب جدًا"؛ فقد قال الحافظ ابن حجر: "إسناده حسن". والحسن مقبول عند أهل
стр. 744
العلم بالحديث، لا يرده أحد منهم.
الوجه الثاني: أن الغرابة في الحديث لا تقتضي اطراحه بالكلية، وعدم التصديق بصدوره عن النبي ﷺ ، وإنما تطرح الأحاديث التي يكون في رواتها أحد ممن أجمع العلماء على أنه وضاع أو كذاب أو ساقط الرواية أو متروك، وليس في رواة حديث جابر ﵁ أحد من هؤلاء، ولا أحد ممن أجمع العلماء على ضعفهم، وقد تقدم له شاهد صحيح عن فاطمة بنت قيس ﵂، وعلى هذا؛ فلا يجوز لأحد رفضه وعدم التصديق بصدوره عن النبي ﷺ ، ولا يرفضه إلا أصحاب القلوب السقيمة والعقول التي ليست بمستقيمة.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ استوى على المنبر، فقال: «حدثني تميم "، فرأى تميمًا في ناحية المسجد، فقال: "يا تميم! حدث الناس ما حدثتني ". قال: كنا في جزيرة؛ فإذا نحن بدابة لا يدرى قبلها من دبرها، فقالت: تعجبون من خلقي؟ وفي الدير من يشتهي كلامكم. فدخلنا الدير؛ فإذا نحن برجل موثق في الحديد من كعبه إلى أذنه؛ فإذا أحد منخريه مسدود وإحدى عينيه مطموسة؛ قال: من أنتم؟ فأخبرناه، فقال: ما فعلت بحيرة طبرية؟ قلنا: بعهدها. قال: فما فعل نخل بيسان. قلنا: بعهده. قال: لأطأن الأرض بقدمي هاتين؛ إلا هاتين؛ إلا بلدة إبراهيم وطابا. فقال رسول الله ﷺ : "طابا هي المدينة» .
رواه أبو يعلى من طريق أبي عاصم سعد بن زياد. قال ابن كثير: "وهذا حديث غريب، وقد قال أبو حاتم: عاصم هذا ليس بالمتين".
قلت: ولهذا الحديث شواهد كثيرة مما تقدم في هذا الباب وما سيأتي إن شاء الله تعالى في حراسة مكة والمدينة من الدجال.
стр. 745
باب
ما جاء في ابن صياد
وهو من يهود المدينة، وقيل: إنه من الأنصار، والأول أصح، وسيأتي التصريح بذلك في حديثي أبي بكرة وجابر ﵄، وكذلك في بعض الروايات عن أبي سعيد ﵁.
وفي حديث جابر أيضًا النص على أنه من أهل العهد.
واسمه صاف، وقيل: عبد الله، وقد جاء هذا وهذا؛ كما سيأتي في حديثي جابر وعبد الله بن عمر ﵃.
قال ابن كثير: "وقد يكون أصل اسمه صاف ثم تسمى لما أسلم بعبد الله ".
قلت: وقد ثبت أنه كان يسمى بعبد الله وبصاف قبل أن يسلم، فأما تسميته بعبد الله؛ ففي حديث جابر ﵁، وأما تسميته بصاف؛ ففي حديث ابن عمر ﵄، وسيأتي ذكر الحديثين إن شاء الله تعالى.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": " صاف؛ بمهملة وفاء وزن باغ. وفي حديث جابر: "فقالت (أي: أمه) : يا عبد الله! هذا أبو القاسم قد جاء. وكأن الراوي عبر باسمه الذي تسمى به في الإسلام، وأما اسمه الأول؛ فهو صاف ". انتهى.
ولابن صياد ابنان من رواة الحديث، وهما عمارة والوليد، وقد روى عنهما مالك في "الموطأ".
وروى الترمذي وابن ماجه من طريق عمارة حديثًا في "الأضحية".
стр. 746
ولعمارة ترجمة في: "التاريخ الكبير" للبخاري، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، و "الثقات" لابن حبان، وفي "تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، و "تقريب التهذيب"، و "الكاشف"، و "الخلاصة".
وأما الوليد؛ فقد ذكره: ابن حبان في "الثقات"، وابن حجر في "تعجيل المنفعة".
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عامًا، لا يولد لهما ولد، ثم يولد لهما غلام أعور، أضر شيء وأقله منفعة، تنام عيناه ولا ينام قلبه"، ثم نعت لنا رسول الله ﷺ أبويه، فقال: "أبوه طوال ضرب اللحم كأن أنفه منقار، وأمه امرأة فرضاخية طويلة الثديين".
قال أبو بكر: فسمعت بمولود في اليهود بالمدينة، فذهبت أنا والزبير بن العوام، حتى دخلنا على أبويه؛ فإذا نعت رسول الله ﷺ فيهما. قلنا: هل لكما ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عامًا لا يولد لنا ولد، ثم ولد لنا غلام أعور أضر شيء وأقله منفعة، تنام عيناه ولا ينام قلبه. قال: فخرجنا من عندهما؛ فإذا هو منجدل في الشمس في قطيفة، وله همهمة، فكشف عن رأسه، فقال: ما قلتما؟ قلنا: وهل سمعت ما قلنا؟ قال: نعم؛ تنام عيناي ولا ينام قلبي» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والترمذي؛ من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة "، زاد أحمد في روايته: "قال حماد: وهو ابن صياد ".
وفي رواية لأحمد: ثم نعت أبويه، فقال: «أبوه رجل طوال، مضطرب اللحم، طويل الأنف، كأن أنفه منقار، وأمه امرأة فرضاخية، عظيمة الثديين» .
وقال في آخره: "فإذا هو ابن صياد ".
стр. 747
وفي رواية له أخرى؛ قال: «وصف رسول الله ﷺ ذات يوم صفة الدجال وصفة أبويه؛ قال: يمكث أبوا الدجال ثلاثين سنة لا يولد لهما، ثم يولد لهما ابن مسرور مختون، أقل شيء نفعًا وأضره، تنام عيناه ولا ينام قلبه» ، فذكره؛ إلا أنه قال: «ثم ولد لنا هذا: أعور، مسرورًا، مختونًا، أقل شيء نفعًا وأضره» .
قوله في صفة أبي الدجال أنه «ضرب اللحم» ؛ أي: خفيف اللحم، وقوله في صفة أم الدجال أنها "فرضاخية"؛ أي: ضخمة.
وقد أنكر أبو عبية ما جاء في هذا الحديث من صفة أبوي الدجال، فقال في (ص١٥٦) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: "هذا الوصف لا يرد مثله على لسان الرسول ﵇".
والجواب أن يقال: لو أن أبا عبية قال كما قال ابن كثير في هذا الحديث: "إنه حديث منكر"؛ لكان أهون، فأما الجزم بأن هذا الوصف لا يرد مثله على لسان النبي ﷺ ؛ ففيه نظر ظاهر؛ لأن هذا الحديث ليس في إسناده وضاع ولا كذاب ولا أحد ممن أجمع العلماء على ضعفهم، وإذا كان إسناد الحديث خاليًا من هؤلاء وأشباههم؛ فليس من الموضوعات، ولا ينبغي الجزم بنفيه عن النبي ﷺ ، وقد تقدم أن الترمذي حسن هذا الحديث، والحسن مقبول عند أهل العلم، ولا عبرة بمن خالفهم وشذ عنهم.
وعن أم سلمة ﵂: «أن ابن صياد ولدته أمه مسرورًا مختونًا» .
رواه ابن أبي شيبة.
وعن هشام بن عروة عن أبيه؛ قال: «ولد ابن صياد أعور مختتنًا» .
رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن هشام بن عروة.
وعن زيد بن وهب؛ قال: «قال أبو ذر ﵁: لأن أحلف عشر مرار»
стр. 748
«أن ابن صائد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به. قال: وكان رسول الله ﷺ بعثني إلى أمه؛ قال: "سلها: كم حملت به؟ ". قال: فأتيتها، فسألتها، فقالت: حملت به اثني عشر شهرًا. قال: ثم أرسلني إليها، فقال: "سلها عن صيحته حين وقع". قال: فرجعت إليها فسألتها، فقالت: صاح صيحة الصبي ابن شهر. ثم قال رسول الله ﷺ : "إني قد خبأت لك خبئًا". قال: خبأت لي خطم شاة عفراء والدخان. قال: فأراد أن يقول: الدخان، فلم يستطع، فقال: الدخ، الدخ. فقال رسول الله ﷺ : "اخسأ؛ فإنك لن تعدو قدرك» .
رواه: الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار، والطبراني في "الأوسط" قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح، غير الحارث بن حصيرة، وهو ثقة". وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "سنده صحيح". وفي رواية ابن أبي شيبة، قالت: «صاح صاح صبي شهرين» .
وعن جابر بن عبد الله ﵄: أنه قال: «إن امرأة من اليهود بالمدينة ولدت غلامًا ممسوحة عينه، طالعة ناتئة، فأشفق رسول الله ﷺ أن يكون الدجال، فوجده تحت قطيفة يهمهم، فآذنته أمه، فقالت: يا عبد الله! هذا أبو القاسم قد جاء؛ فاخرج إليه، فخرج من القطيفة، فقال رسول الله ﷺ : "ما لها قاتلها الله، لو تركته لبين"، ثم قال: "يا ابن صائد! ما ترى؟ ". قال: أرى حقًا وأرى باطلًا وأرى عرشًا على الماء. قال: فلبس عليه. فقال: "أتشهد أني رسول الله؟ ". فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "آمنت بالله ورسله". ثم خرج وتركه، ثم أتاه مرة أخرى، فوجده في نخل له يهمهم، فآذنته أمه، فقالت: يا عبد الله! هذا أبو القاسم قد جاء. فقال رسول الله ﷺ : "ما لها قاتلها الله، لو تركته لبين". قال: فكان رسول الله ﷺ يطمع أن يسمع»
стр. 749
«من كلامه شيئًا فيعلم هو هو أم لا. قال: "يا ابن صائد! ما ترى". قال: أرى حقًا وأرى باطلًا وأرى عرشًا على الماء. قال: "أتشهد أني رسول الله؟ ". قال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "آمنت بالله ورسوله". فلبس عليه، ثم خرج فتركه، ثم جاء في الثالثة أو الرابعة ومعه أبو بكر وعمر بن الخطاب في نفر من المهاجرين والأنصار، وأنا معه. قال: فبادر رسول الله ﷺ بين أيدينا، ورجا أن يسمع من كلامه شيئًا، فسبقته أمه إليه، فقالت: يا عبد الله! هذا أبو القاسم قد جاء. فقال رسول الله ﷺ : "ما لها قاتلها الله، لو تركته لبين". فقال: يا ابن صائد! ما ترى؟ قال: أرى حقًا وأرى باطلًا وأرى عرشًا على الماء. قال: "أتشهد أني رسول الله؟ ". قال: أتشهد أنت أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "آمنت بالله ورسوله"، فلبس عليه، فقال له رسول الله ﷺ : "يا ابن صائد! إنا قد خبأنا لك خبيئًا؛ فما هو؟ ". قال: الدخ، الدخ. فقال له رسول الله ﷺ : "اخسأ، اخسأ". فقال عمر بن الخطاب ﵁: ائذن لي فأقتله يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "إن يكن هو؛ فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم ﵊، وإن لا يكن هو؛ فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد". قال: فلم يزل رسول الله ﷺ مشفقًا أنه الدجال» .
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وعن ابن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله: «أنه أخبره أن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره: أن عمر بن الخطاب ﵁ انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط قبل ابن صياد، حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: "أتشهد أني رسول الله؟ ". فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد لرسول الله ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله ﷺ ، وقال: "آمنت بالله»
стр. 750
«وبرسله". ثم قال له رسول الله ﷺ : "ماذا ترى؟ ". قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال له رسول الله ﷺ : "خلط عليك الأمر". ثم قال له رسول الله ﷺ : "إني قد خبأت لك خبيئًا". فقال ابن صياد: هو الدخ؟ فقال له رسول الله ﷺ : "اخسأ؛ فلن تعدو قدرك". فقال عمر بن الخطاب ﵁: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال له رسول الله ﷺ : "إن يكنه؛ فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه؛ فلا خير لك في قتله» .
وقال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: «انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب الأنصاري إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله ﷺ النخل؛ طفق يتقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراش في قطيفة له فيها زمزمة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف (وهو اسم ابن صياد) ! هذا محمد. فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ : "لو تركته بين» .
قال سالم: قال عبد الله بن عمر ﵄: «فقام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: "إني لأنذركموه، ما من نبي إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: تعلموا أنه أعور، وأن الله ﵎ ليس بأعور» .
رواه: الإمام أحمد، وعبد الرزاق في "مصنفه" مفرقًا، والشيخان، وهذا لفظ مسلم. وروى أبو داود والترمذي بعضه. وزاد عبد الرزاق ومسلم في روايتهما: قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري: أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ : «أن رسول الله ﷺ قال يوم حذر الناس الدجال: إنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه من كره عمله (أو: يقرؤه كل مؤمن) ، وقال:»
стр. 751
«تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت» .
هذا لفظ مسلم.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري": "قال العلماء: استكشف النبي ﷺ أمره ليبين لأصحابه تمويهه؛ لئلا يلتبس حاله على ضعيف لم يتمكن في الإسلام ". انتهى.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «كنا مع رسول الله ﷺ ، فمررنا بصبيان فيهم ابن صياد، ففر الصبيان وجلس ابن صياد، فكأن رسول الله ﷺ كره ذلك، فقال له النبي ﷺ : "تربت يداك، أتشهد أني رسول الله؟ ". فقال: لا، بل تشهد أني رسول الله؟ فقال عمر بن الخطاب ﵁: ذرني يا رسول الله حتى أقتله. فقال رسول الله ﷺ : "إن يكن الذي ترى؛ فلن تستطيع قتله» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظه.
وعنه ﵁؛ قال: «كنا نمشي مع النبي ﷺ ، فمر بابن صياد، فقال له رسول الله ﷺ : "قد خبأت لك خبئًا". فقال: دخ؟ فقال رسول الله ﷺ : "اخسأ؛ فلن تعدو قدرك". فقال عمر: يا رسول الله! دعني فأضرب عنقه. فقال رسول الله ﷺ : "دعه، فإن يكن الذي تخاف؛ لن تستطيع قتله» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «قال رسول الله ﷺ لابن صائد: "قد خبأت لك خبيئًا؛ فما هو؟ ". قال: الدخ. قال: "اخسأ» .
رواه البخاري.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: «أتى رسول الله ﷺ ابن»
стр. 752
«فإذا قطيفة في وسط البيت، فقال: "ارفعوا هذه القطيفة ". فرفعوا القطيفة؛ فإذا غلام أعور تحت القطيفة، فقال: "قم يا غلام! ". فقام الغلام، فقال: "يا غلام! أتشهد أني رسول الله؟ ". قال الغلام: أتشهد أني رسول الله؟ قال: "أتشهد أني رسول الله؟ ". قال الغلام: أتشهد أني رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : "تعوذوا بالله من شر هذا (مرتين) » .
رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن مهدي بن عمران، وهو من ثلاثيات أحمد، وقد رواه الطبراني بنحوه. قال الهيثمي: "وفيه مهدي بن عمران؛ قال البخاري: لا يتابع على حديثه".
قلت: وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: "عداده في أهل البصرة"، ولبعض حديثه شواهد مما تقدم من حديث جابر وابن عمر وابن مسعود وأبي سعيد ﵃.
وعن زيد بن حارثة ﵁؛ قال: «قال النبي ﷺ لبعض أصحابه: "انطلق". فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه معه، حتى دخلوا بين حائطين في زقاق طويل، فلما انتهوا إلى الدار؛ إذا امرأة قاعدة، وإذا قربة صغيرة ملأى ماء، فقال النبي ﷺ : "أرى قربة ولا أرى حاملها". فأشارت المرأة إلى قطيفة في ناحية الدار، فقاموا إلى القطيفة، فكشفوها؛ فإذا تحتها إنسان، فرفع رأسه، فقال النبي ﷺ : "شاهت الوجوه". فقال: يا محمد! لا تفحش علي. فقال النبي ﷺ : "إني قد خبأت لك خبئًا؛ فأخبرني ما هو؟ ". وكان النبي ﷺ قد خبأ له سورة الدخان. فقال: الدخ. فقال: "اخسأ، ما شاء الله كان". ثم انصرف» .
رواه: البزار، والطبراني في "الكبير" و "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه زياد بن الحسن بن فرات، ضعفه أبو حاتم، ووثقه ابن حبان ".
وعن الحسين بن علي ﵄: «أن النبي ﷺ خبأ لابن صياد»
стр. 753
«دخانًا، فسأله عما خبأ له؟ فقال: دخ. فقال: "اخسأ؛ فلن تعدو قدرك". فلما ولى؛ قال النبي ﷺ : "ما قال؟ ". قال بعضهم: وخ، وقال بعضهم: بل قال: دخ، فقال النبي ﷺ : "قد اختلفتم وأنا بين أظهركم، فأنتم بعدي أشد اختلافًا» .
رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الطبراني بإسنادين، قال الهيثمي: "ورجال أحدهما رجال الصحيح". وقد أشار إليه الترمذي في "جامعه"، وتقدم ذكره.
وعن المغيرة بن شعبة ﵁؛ قال: «ما سئل النبي ﷺ عن الدجال أكثر مما سألته، فقال: "ما تصنع به؟ ليس بضارك". قلت: ألا أقتل ابن صياد؟ قال: "ما تصنع بقتله؟ إن كان هو الدجال؛ فلن تخلص إلى قتله، وإن لم يكن الدجال؛ فما تصنع به» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير جهور بن منصور، وهو ثقة".
«وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ "قال: صحبت ابن صائد إلى مكة، فقال لي: أما قد لقيت من الناس، يزعمون أني الدجال، ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه لا يولد له. قال: قلت: بلى. قال: فقد ولد لي. أوليس سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل المدينة ولا مكة؟ قلت: بلى. قال: فقد ولدت بالمدينة، وهذا أنا أريد مكة. قال: ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو. قال: فلبسني"» .
رواه مسلم من حديث داود (وهو ابن أبي هند) عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁.
ورواه أيضًا من حديث معتمر عن أبيه عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ (قال: «قال لي ابن صائد - وأخذتني منه ذمامة -: هذا»
стр. 754
«عذرت الناس، ما لي ولكم يا أصحاب محمد؟ ألم يقل نبي الله ﷺ : إنه يهودي، وقد أسلمت. قال: ولا يولد له، وقد ولد لي. وقال: إن الله قد حرم عليه مكة، وقد حججت. قال: فما زال حتى كاد أن يأخذ في قوله. قال: فقال له: أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه. قال: وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ قال: فقال: لو عرض علي ما كرهت» .
ورواه أيضًا من حديث الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ "قال: «خرجنا حجاجًا أو عمارًا ومعنا ابن صائد. قال: فنزلنا منزلًا، فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه. قال: وجاء بمتاعه، فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل. قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق، فجاء بعس، فقال: اشرب أبا سعيد! فقلت: إن الحر شديد، واللبن حار، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده (أو قال: آخذ عن يده) . فقال: أبا سعيد! لقد هممت أن آخذ حبلًا، فأعلقه بشجرة، ثم أختنق مما يقول لي الناس يا أبا سعيد! من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ؛ ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ : هو كافر، وأنا مسلم؟ أوليس قد قال رسول الله ﷺ : هو عقيم لا يولد له، وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أوليس قد قال رسول الله ﷺ : لا يدخل المدينة ولا مكة، وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟. قال أبو سعيد الخدري ﵁: حتى كدت أن أعذره. ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن. قال: قلت له: تبًا لك سائر اليوم» .
وقد رواه الترمذي من حديث الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁، فذكره بنحوه، وقال في آخره: "فوالله ما زال يجيء بهذا حتى قلت: فلعله مكذوب عليه. ثم قال: يا أبا سعيد! والله لأخبرتك خبرًا حقًا، والله إني
стр. 755
لأعرفه وأعرف والده وأين هو الساعة من الأرض. فقلت: تبًا لك سائر اليوم".
ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
ورواه الإمام أحمد من حديث التيمي عن أبي نضرة «عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ "قال: لقيني ابن صائد، فقال: عد الناس يقولون (أو: أحسب الناس يقولون) وأنتم يا أصحاب محمد! أليس سمعت رسول الله ﷺ يقول (أو قال: قال رسول الله ﷺ : هو يهودي، وأنا مسلم، وإنه أعور، وأنا صحيح، ولا يأتي مكة ولا المدينة، وقد حججت، وأنا معك الآن بالمدينة، ولا يولد له، وقد ولد لي، ثم قال: مع ذلك إني لأعلم أين ولد ومتى يخرج وأين هو. قال: فلبس علي» .
إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أيضًا من حديث عوف الأعرابي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ "قال: «أقبلنا في جيش من المدينة قبل هذا المشرق. قال: فكان في الجيش عبد الله بن صياد، وكان لا يسايره أحد، ولا يرافقه، ولا يؤاكله، ولا يشاربه، ويسمونه الدجال، فبينا أنا ذات يوم نازل في منزل لي، إذ رآني عبد الله بن صياد جالسًا، فجاء حتى جلس إلي، فقال: يا أبا سعيد! ألا ترى إلى ما يصنع الناس، لا يسايرني أحد، ولا يرافقني أحد، ولا يشاربني أحد، ولا يؤاكلني أحد، ويدعوني الدجال، وقد علمت أنت يا أبا سعيد أن رسول الله ﷺ قال: إن الدجال لا يدخل المدينة، وإني ولدت بالمدينة، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الدجال لا يولد له، وقد ولد لي، فوالله؛ لقد هممت مما يصنع بي هؤلاء الناس أن آخذ حبلًا، فأخلو، فأجعله في عنقي، فأختنق، فأستريح من هؤلاء الناس، والله؛ ما أنا بالدجال، ولكن والله لو شئت؛»
стр. 756
«لأخبرتك باسمه واسم أبيه واسم أمه واسم القرية التي يخرج منها» .
إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أيضًا من حديث الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ "قال: «حججنا، فنزلنا تحت شجرة، وجاء ابن صائد، فنزل في ناحيتها، فقلت: إنا لله؛ ما صب هذا علي؟ قال: فقال: يا أبا سعيد! ما ألقى من الناس وما يقولون لي؛ يقولون: إني الدجال. أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: الدجال لا يولد له، ولا يدخل المدينة ولا مكة؟ قال: قلت: بلى. قال: قد ولد لي، وقد خرجت من المدينة، وأنا أريد مكة. قال أبو سعيد: فكأني رققت له، فقال: والله إن أعلم الناس بمكانه لأنا. قال: قلت: تبًا لك سائر اليوم» .
وعن أيوب عن نافع؛ قال: «لقي ابن عمر ﵄ ابن صائد في بعض طرق المدينة، فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر ﵄ على حفصة ﵂ وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله! ما أردت من ابن صائد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: "إنما يخرج من غضبة يغضبها» ؟.
رواه مسلم.
وقد رواه الإمام أحمد من حديث أيوب وعبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄: «أنه رأى ابن صائد في سكة من سكك المدينة، فسبه ابن عمر ووقع فيه، فانتفخ حتى سد الطريق، فضربه ابن عمر ﵄ بعصا كانت معه حتى كسرها عليه، فقالت له حفصة: ما شأنك وشأنه؟ ما يولعك به؟ أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما يخرج الدجال من غضبة يغضبها» ؟ .
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم أيضًا؛ من حديث ابن عون عن نافع عن
стр. 757
ابن عمر ﵄؛ قال: «لقيت ابن صائد مرتين، فأما مرة؛ فلقيته ومعه بعض أصحابه، فقلت لبعضهم: نشدتكم بالله، إن سألتكم عن شيء؛ لتصدقني؟ قالوا: نعم. قال: قلت: أتحدثوني أنه هو؟ قالوا: لا. قلت: كذبتم والله؛ لقد حدثني بعضكم وهو يومئذ أقلكم مالًا وولدًا: أنه لا يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا، وهو اليوم كذلك. قال: فحدثنا، ثم فارقته، ثم لقيته مرة أخرى وقد تغيرت عينه، فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلت: ما تدري وهي في رأسك؟ ! فقال: ما تريد مني يا ابن عمر؟ إن شاء الله تعالى أن يخلقه من عصاك هذه خلقه، ونخر كأشد نخير حمار سمعته قط، فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا؛ فوالله ما شعرت. قال: فدخل على أخته حفصة، فأخبرها، فقالت: ما تريد منه؟ أما علمت أنه قال (تعني النبي ﷺ : "إن أول خروجه على الناس من غضبة يغضبها» ؟ .
هذا لفظ أحمد.
وفي رواية مسلم: "قال: «فلقيته لقية أخرى وقد نفرت عينه. قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قال: قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ ! قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه» ..... (وذكر بقيته بنحوه".
وذكر رزين رواية «عن ابن عمر ﵄؛ قال فيها: "لقيت ابن صياد يومًا ومعه رجل من اليهود، فإذا عينه قد طفئت، وكانت عينه خارجة كعين الحمار، فقلت: يا ابن صياد! أنشدك الله؛ متى فقدت عينك؟ فمسها بيده، فقال: لا أدري والرحمن. فقلت: كذبت، لا تدري وهي في رأسك! فنخر ثلاثًا، ففجأني ما لم أكن أحببت، وزعم اليهودي أني ضربت رأسه بالعصا حتى تكسرت، ولا أعلمني فعلت ذلك. فقلت له: اخسأ؛ فلن تعدو قدرك. قال:»
стр. 758
«أجل لعمري ولا أعدو قدري. وكأنما كان في سقاء فنش، فذكرت ذلك لحفصة، فقالت لي: اجتنب هذا الرجل؛ فإنا كنا نتحدث أنما للدجال غضبة يغضبها» .
وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄؛ قال: "لقيت ابن صياد يومًا ومعه رجل من اليهود، فإذا عينه قد كفيت وهي خارجة مثل عين الجمل، فلما رأيتها؛ قلت: يا ابن صياد! أنشدك الله؛ متى طفيت عينك؟ قال: لا أدري والرحمن. فقلت: كذبت، لا تدري وهي في رأسك! قال: فمسحها، ونخر ثلاثًا، فزعم اليهودي أني ضربت بيدي على صدره. قال: ولا أعلمني فعلت ذلك. وقلت له: اخسأ؛ فلن تعدو قدرك. قال: أجل لعمري ولا أعدو قدري. قال: فذكرت ذلك لحفصة، فقالت لي: اجتنب هذا الرجل؛ فإنا نتحدث أن الدجال يخرج عند غضبة يغضبها".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: "لقيت ابن صياد في طريق من طرق المدينة، فانتفخ حتى ملأ الطريق، فقلت: اخسأ؛ فإنك لن تعدو قدرك، فانضم بعضه إلى بعض ومررت".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن رسول الله ﷺ سأل ابن صائد عن تربة الجنة، فقال: درمكة بيضاء، مسك خالص. قال: فقال رسول الله ﷺ : "صدق» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد.
وفي رواية لمسلم عن أبي سعيد ﵁: «أن ابن صياد سأل النبي»
стр. 759
« ﷺ عن تربة الجنة، فقال: " درمكة بيضاء، مسك خالص» .
وعنه ﵁؛ قال: «"ذكر ابن صياد عند النبي ﷺ ، فقال عمر ﵁: إنه يزعم أنه لا يمر بشيء إلا كلمه» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وفيه مجالد بن سعيد، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله ثقات".
وعن محمد بن المنكدر؛ قال: «رأيت جابر بن عبد الله ﵄ يحلف بالله إن ابن صائد الدجال، فقلت: أتحلف بالله؟ ! قال إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلا ينكره النبي ﷺ » .
رواه: الشيخان، وأبو داود.
وقد تقدم ما رواه أبو داود من طريق الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر ﵁ في ذكر الجساسة والدجال، وفيه: "فقال لي ابن أبي سلمة: إن في هذا الحديث شيئًا ما حفظته. قال: شهد جابر أنه ابن صياد. قلت: فإنه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنه أسلم. قال: وإن أسلم. قلت: فإنه دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة".
وتقدم أيضًا ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار والطبراني عن زيد بن وهب؛ قال: قال أبو ذر ﵁: "لأن أحلف عشر مرار أن ابن صائد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به".
إسناد أحمد صحيح. وقد تقدم التنبيه على ذلك.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: "لأن أحلف بالله تسعًا أن ابن صياد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه ليس به".
رواه: الطبراني وأبو يعلى بنحوه. قال الهيثمي: "ورجال أبي يعلى رجال
стр. 760
الصحيح".
وعن نافع؛ قال: كان ابن عمر ﵄ يقول: "والله؛ ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد ".
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وعن سالم (وهو ابن أبي الجعد) عن جابر (وهو ابن عبد الله ﵄ ؛ قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة.
رواه أبو داود بإسناد صحيح، ورواه ابن أبي شيبة بمثله.
فصل
قال النووي في "شرح مسلم " في ذكر ابن صياد: "قال العلماء: قصته مشكلة، وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره؟ ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة؛ فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر ﵁: «إن يكن هو؛ فلن تستطيع قتله» .
وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وأنه لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن الصياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة؛ فلا دلالة له فيه؛ لأن النبي ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.
ومن اشتباه قصته وكون أحد الدجاجلة الكذابين قوله للنبي ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء، وأنه
стр. 761
لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، وانتفاخه حتى ملأ السكة، وأما إظهاره الإسلام وحجه وجهاده وإقلاعه عما كان عليه؛ فليس بصريح في أنه غير الدجال.
قال الخطابي: واختلف السلف في أمره بعد كبره، فروي عنه أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه؛ كشفوا عن وجهه، حتى رآه الناس، وقيل لهم: اشهدوا. قال: كان ابن عمر وجابر فيما روي عنهما يحلفان أن ابن صياد هو الدجال؛ لا يشكان فيه، فقيل لجابر: إنه أسلم. فقال: وإن أسلم! فقيل: إنه دخل مكة وكان في المدينة. فقال: وإن دخل.
وروى أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح عن جابر؛ قال: "فقدنا ابن صياد يوم الحرة".
وهذا يعطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلي عليه.
وقد روى مسلم في هذه الأحاديث أن جابر بن عبد الله حلف بالله تعالى إن ابن صياد هو الدجال، وإنه سمع عمر ﵁ يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ .
وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر: أنه كان يقول: "والله؛ ما أشك أن ابن صياد هو المسيح الدجال ".
قال البيهقي في كتاب "البعث والنشور": اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا كثيرًا؛ هل هو الدجال؟ قال: ومن ذهب إلى أنه غيره؛ احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة الذي ذكره مسلم.
قال: ويجوز أن توافق صفة ابن صياد صفة الدجال؛ كما ثبت في الصحيح أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن. وكان أمر ابن صياد فتنة
стр. 762
ابتلى الله تعالى بها عباده، فعصم الله تعالى منها المسلمين، ووقاهم شرها.
قال: وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ لقول عمر، فيحتمل أنه ﷺ كان كالمتوقف في أمره، ثم جاءه البيان أنه غيره؛ كما صرح به في حديث تميم.
هذا كلام البيهقي، وقد اختار أنه غيره.
وقد قدمنا أنه صح عن عمر وعن ابن عمر وجابر ﵃ أنه الدجال، والله أعلم". انتهى كلام النووي.
وما اختاره البيهقي هو الأرجح المختار، وقد جزم به ابن كثير، وذكره عن بعض العلماء.
قال في كتاب "النهاية": "قال بعض العلماء إن ابن صياد كان بعض الصحابة يظنه الدجال الأكبر، وليس به، إنما كان دجالًا صغيرًا ... ".
إلى أن قال: "والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعًا؛ لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية؛ فإنه فيصل في هذا المقام ".
وقال ابن كثير أيضًا: "والأحاديث الواردة في ابن صياد كثيرة، وفي بعضها توقف في أمره؛ هل هو الدجال؟ ويحتمل أن يكون هذا قبل أن يوحى إلى النبي ﷺ في أمر الدجال وتعيينه، وقد تقدم حديث تميم الداري في ذلك، وهو فاصل في هذا المقام".
وقال ابن كثير أيضًا: "وقد قدمنا أن الصحيح أن الدجال غير ابن صياد، وأن ابن صياد كان دجالًا من الدجاجلة، ثم تيب عليه بعد ذلك، فأظهر الإسلام، والله أعلم بضميره وسريرته، وأما الدجال الأكبر؛ فهو المذكور في حديث فاطمة بنت قيس الذي روته عن رسول الله ﷺ عن تميم الداري، وفيه
стр. 763
قصة الجساسة، ثم يؤذن له في الخروج في آخر الزمان ". انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.
وقد ذكر نعيم بن حماد في كتاب "الفتن" أحاديث تتعلق بالدجال وخروجه:
منها ما أخرجه من طريق جبير بن نفير وشريح بن عبيد وعمرو بن الأسود وكثير بن مرة؛ قالوا جميعًا: «الدجال ليس هو إنسانًا، وإنما هو شيطان، موثق بسبعين حلقة، في بعض جزائر اليمن، لا يعلم من أوثقه سليمان النبي أو غيره، فإذا آن ظهوره؛ فك الله عنه كل عام حلقة، فإذا برز؛ أتته أتان عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعًا، فيضع على ظهرها منبرًا من نحاس، ويقعد عليه، ويتبعه قبائل الجن؛ يخرجون له خزائن الأرض» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بعد إيراده لهذا الأثر: "وهذا لا يمكن معه كون ابن صياد هو الدجال، ولعل هؤلاء مع كونهم ثقات تلقوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب".
قلت: قد صح عن النبي ﷺ «أن الدجال له حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعًا» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم بإسناد صحيح على شرط مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وروى الحاكم أيضًا بإسناد صحيح عن حذيفة بن أسيد ﵁: أنه قال في الدجال: «ولا يسخر له من المطايا إلا الحمار، فهو رجس على رجس» .
ففي هذين الحديثين شاهد لما في الأثر الذي رواه نعيم بن حماد من كون
стр. 764
الدجال يركب على أتان عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعًا.
وأما قولهم: "إن الدجال ليس هو إنسانًا وإنما هو شيطان "؛ فهو مردود بما في حديث تميم الداري ﵁: أنه قال: «فانطلقنا سراعًا، حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا» ... " الحديث.
رواه: مسلم، وأبو داود، وتقدم ذكره.
قال الحافظ ابن حجر: "وذكر ابن وصيف المؤرخ أن الدجال من ولد شق الكاهن المشهور. قال: وقيل: بل هو شق نفسه، أنظره الله، وكانت أمه جنية، عشقت أباه، فأولدها، وكان الشيطان يعمل له العجائب، فأخذه سليمان، فحبسه في جزيرة من جزائر البحر".
قال الحافظ: "وهذا في غاية الوهي".
قلت: لم يقم دليل يدل على أن الدجال هو شق الكاهن، ولا أنه من ولده؛ فلا ينبغي الالتفات إلى هذا الخبر الواهي.
ومما يدل على بطلانه ما ذكره المؤرخون عن ربيعة بن نصر - أحد ملوك التبابعة - أنه رأى رؤيا هالته، فسأل سطيحًا وشقًا عنها، فأخبراه عن تأويلها بأن الحبشة يملكون اليمن بعد حين أكثر من ستين أو سبعين سنة وأن سلطانهم ينقطع عن اليمن لبضع وسبعين سنة، وذلك حين يخرجهم سيف بن ذي يزن الحميري، وكان ظهور سيف بن ذي يزن على الحبشة بعد مولد النبي ﷺ بسنتين، فيؤخذ من هذا أن شقًا كان في الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وذلك بعد زمان سليمان ﵊ بمدة طويلة.
قال الحافظ ابن حجر: "وقد أخرج أبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" ما يؤيد كون ابن صياد هو الدجال، فساق من طريق شبيل - بمعجمة
стр. 765
وموحدة مصغرًا آخره لام - ابن عزرة - بمهملة بوزن ضربة - عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه؛ قال: لما افتتحنا أصبهان؛ كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها فنمتار منها، فأتيتها يومًا؛ فإذا اليهود يزفنون ويضربون، فسألت صديقًا لي منهم، فقال: ملكنا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبت عنده على سطح، فصليت الغداة فلما طلعت الشمس؛ إذا الرهج من قبل العسكر، فنظرت؛ فإذا رجل عليه قبة من ريحان واليهود يزفنون ويضربون، فنظرت؛ فإذا هو ابن صياد، فدخل المدينة، فلم يعد حتى الساعة".
قال الحافظ ابن حجر: " وحسان بن عبد الرحمن ما عرفته والباقون ثقات. وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر ﵁؛ قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة".
قال الحافظ: "وهذا يضعف ما تقدم أنه مات بالمدينة، وأنهم صلوا عليه وكشفوا عن وجهه، ولا يلتئم خبر جابر هذا مع خبر حسان بن عبد الرحمن؛ لأن فتح أصبهان كان في خلافة عمر ﵁؛ كما أخرجه أبو نعيم في "تاريخها"، وبين قتل عمر ووقعة الحرة نحو أربعين سنة، ويمكن الحمل على أن القصة إنما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة، ويكون جواب (لما) في قوله: "لما افتتحنا أصبهان" محذوفًا، تقديره: صرت أتعاهدها وأتردد إليها فجرت قصة ابن صياد، فلا يتحد زمان فتحها وزمان دخولها ابن صياد ".
قلت: في هذا الحمل والتوجيه نظر لا يخفى، والأولى أن يقال: إن الخبر الذي رواه أبو نعيم في "تاريخه" لا يعتمد عليه؛ لأن في إسناده من لا يعرف.
ثم قال الحافظ: "وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال: أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان،
стр. 766
فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها".
قلت: وفي هذا الجمع نظر لا يخفى؛ فإن ابن صياد قد ولد في المدينة وكان أبوه وأمه من اليهود، وكان في زمن النبي ﷺ ، وقد قارب الحلم، ثم أسلم بعد ذلك، وولد له ابنان من خيار التابعين، ومن كانت هذه حاله؛ فليس بشيطان تبدى في صورة الدجال، وإنما هو آدمي قطعًا.
والأحسن في هذا أن يقال: إن ابن صياد دجال من الدجاجلة، وليس بالدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان؛ كما قرر ذلك الحافظ ابن كثير وغيره من المحققين. والله أعلم.
فصل
وقد قدح أبو عبية في حديث جابر الذي تقدم ذكره في أول الباب، وقرر عدم صحته بغير حجة يستند إليها، بل بمجرد رأيه وما تميل نفسه إليه من القدح في الأحاديث الصحيحة والغض من شأنها، ثم زعم في عنوان وضعه في (ص١٠٤) أن الأحاديث الواردة في ابن صياد مرويات مرفوضة لا تصدق عقلًا، وليس بمعقول صدورها عن الرسول ﵇، وقال في حاشية (ص١٠٤) : "إن ابن صياد خرافة على بعض العقول فعاشت قصتها في بعض الكتب منسوبة إلى الرسول ... " إلى آخر كلامه.
والجواب أن يقال: قد ورد في شأن ابن صياد أحاديث كثيرة، منها ما هو في "الصحيحين"، ومنها ما هو في أحدهما، ومنها ما رواه الإمام أحمد وغيره من الأئمة بأسانيد جيدة، وقد ذكرت من ذلك ما فيه كفاية في رد ما توهمه أبو عبية ومن على شاكلته من المخرفين الذين لا يعبؤون بالأحاديث الصحيحة ولا يقيمون لها وزنًا، ولا يرفض الأحاديث الواردة في ابن صياد وينفي صدورها عن
стр. 767
النبي ﷺ إلا أصحاب القلوب السقيمة والعقول التي ليست بمستقيمة، فأما أصحاب القلوب السليمة والعقول المستقيمة؛ فإنهم يصدقون بها وبكل ما صحت أسانيده إلى النبي ﷺ ، ولا يعترضون على شيء منها بمجرد الآراء والتخرصات.
باب
لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره
عن راشد بن سعد؛ قال: لما فتحت إصطخر؛ نادى مناد: ألا إن الدجال قد خرج. قال: فلقيهم الصعب بن جثامة ﵁، فقال: لولا ما تقولون لأخبرتكم أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يخرج الدجال حتى يذهل النسا عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر» .
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد من رواية بقية عن صفوان بن عمرو. قال الهيثمي: "وهي صحيحة كما قال ابن معين، وبقية رجاله ثقات". وقد رواه ابن السكن وقال: "إسناده صالح"، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في "الإصابة" في ترجمة الصعب بن جثامة، وقال في "تهذيب التهذيب": "إنما أشار بقوله: "صالح الإسناد": إلى ثقة رجاله، لكن راشدًا لم يدرك زمن الصعب". انتهى.
باب
ما جاء في تمني الدجال
عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان يتمنون فيه الدجال ". قلت: يا رسول الله! بأبي وأمي مم ذاك؟ قال: "مما يلقون من العناء» .
стр. 768
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه البزار بنحوه. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه نعيم بن حماد في "الفتن" بنحوه، وقال في آخره: «مما يلقون في الدنيا من الزلازل والفتن» .
وعن صلة بن زفر: أنه سمع حذيفة بن اليمان ﵄، وقال له رجل: خرج الدجال، فقال حذيفة ﵁: "أما ما كان فيكم أصحاب محمد ﷺ ؛ فلا والله، لا يخرج حتى يتمنى قوم خروجه، ولا يخرج حتى يكون خروجه أحب إلى أقوام من شرب الماء البارد في اليوم الحار".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «لا يخرج الدجال حتى لا يكون شيء أحب إلى المؤمن من خروج نفسه» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
باب
في علامات خروج الدجال
قد تقدم في ذلك عدة أحاديث:
منها حديث عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: «كنا قعودًا عند رسول الله ﷺ ، فذكر الفتن، فأكثر في ذكرها..... الحديث، وفيه: "ثم فتنة الدهيماء، لا تدع أحدًا من هذه الأمة؛ إلا لطمته لطمة، فإذا قيل: انقضت؛ تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذلكم؛ فانتظروا الدجال من يومه أو غده» .
стр. 769
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في "مستدركه"، وأبو نعيم في "الحلية". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد تقدم بتمامه في أول الكتاب في (باب ما جاء في الفتن الكبار) .
ومنها حديث معاذ بن جبل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «"عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال (ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه أو منكبه، ثم قال:) إن هذا الحق كما أنك هاهنا (أو: كما أنك قاعد) (يعني: معاذًا) » .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وقد تقدم في (باب علامة فتح القسطنطينية) .
ومنها حديث معاذ أيضًا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «الملحمة الكبرى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجال في سبعة أشهر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". وقد تقدم هذا الحديث في (باب تواتر الملاحم في آخر الزمان) .
ومنها حديث عبد الله بن بسر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج المسيح الدجال في السابعة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وقد تقدم في (باب تواتر الملاحم في آخر الزمان) .
ومنها حديثه أيضًا: أنه قال: «"يا ابن أخي! لعلك تدرك فتح القسطنطينية؛ فإياك إن أدركت فتحها أن تترك غنيمتك منها؛ فإن بين فتحها وبين خروج الدجال»
стр. 770
«سبع سنين» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، وقد تقدم في (باب تواتر الملاحم في آخر الزمان) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: "للدجال آيات معلومات: إذا غارت العيون، ونزفت الأنهار، واصفر الريحان، وانتقلت مذحج وهمدان من العراق فنزلت قنسرين؛ فانتظروا الدجال غاديًا أو رائحًا".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي ظبيان؛ قال: "ذكرنا الدجال، فسألنا عليًا ﵁: متى خروجه؟ قال: لا يخفى على مؤمن، عينه اليمنى مطموسة، مكتوب بين عينيه كافر؛ يتهجاها لنا علي ﵁. قلنا: ومتى يكون ذلك؟ قال: حين يفخر الجار على جاره، ويأكل الشديد الضعيف، وتقطع الأرحام، ويختلفوا اختلاف أصابعي هؤلاء (وشبكها ورفعها) ، فقال له رجل من القوم: كيف تأمر عند ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إنك لن تدرك ذلك. فطابت أنفسنا".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن علي أيضًا ﵁: "أنه خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم قال: معاشر الناس! سلوني قبل أن تفقدوني (يقولها ثلاث مرات) . فقام إليه صعصعة بن صوحان العبدي، فقال: يا أمير المؤمنين! متى يخرج الدجال؟ فقال: مه يا صعصعة! قد علم الله مقامك وسمع كلامك، ما المسؤول بأعلم بذلك من السائل، ولكن لخروجه علامات وأسباب وهنات يتلو بعضهن بعضًا حذو النعل بالنعل، ثم إن شئت أنبأتك بعلامته. فقال: عن ذلك
стр. 771
سألتك يا أمير المؤمنين. قال: فاعقد بيدك واحفظ ما أقول لك: إذا أمات الناس الصلوات، وأضاعوا الأمانات، وكان الحكم ضعفًا، والظلم فخرًا، وأمراؤهم فجرة، ووزراؤهم خونة، وأعوانهم ظلمة، وقراؤهم فسقة، وظهر الجور، وفشا الزنى، وظهر الربا، وقطعت الأرحام، واتخذت القينات، وشربت الخمور، ونقضت العهود، وضيعت العتمات، وتوانى الناس في صلاة الجماعات، وزخرفوا المساجد، وطولوا المنابر، وحلوا المصاحف، وأخذوا الرشى، وأكلوا الربا، واستعملوا السفهاء، واستخفوا بالدماء، وباعوا الدين بالدنيا، واتجرت المرأة مع زوجها حرصًا على الدنيا، وركب النساء على المياثر وتشبهن بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء، وكان السلام بينهم على المعرفة، وشهد شاهدهم من غير أن يستشهد، وحلف من قبل أن يستحلف، ولبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب، وكانت قلوبهم أمر من الصبر، وألسنتهم أحلى من العسل، وسرائرهم أنتن من الجيف، والتمس الفقه لغير الدين، وأنكر المعروف، وعرف المنكر، فالنجا النجا، والوحا الوحا ... " الحديث.
رواه ابن المنادي. قال في "كنز العمال": "وفيه حماد بن عمرو: متروك، عن السري بن خالد: قال في "الميزان": لا يعرف. وقال الأزدي: لا يحتج به ".
قلت: وله شواهد كثيرة مما تقدم في أول أشراط الساعة.
وعن ابن عباس ﵄: أنه قال في الدجال: "تكون آية خروجه تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتهاون بالدماء، وضيعوا الحكم، وأكلوا الربا، وشيدوا البناء، وشربوا الخمور، واتخذوا القيان، ولبسوا الحرير، وأظهروا بزة آل فرعون، ونقضوا العهد، وتفقهوا لغير الدين، وزينوا المساجد، وخربوا القلوب، وقطعوا الأرحام، وكثرت القراء، وقلت الفقهاء، وعطلت
стр. 772
الحدود، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وتكافأت الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، بعث الله عليهم الدجال، فسلط عليهم حتى ينتقم منه، وينحاز المؤمنون إلى بيت المقدس ... " الحديث.
رواه: إسحاق بن بشر، وابن عساكر.
باب
ما جاء في السنوات التي بين يدي الدجال
عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «"إن أمام الدجال سنين خداعة؛ يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة". قيل: وما الرويبضة؟ قال: "الفويسق يتكلم في أمر العامة» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات.
وعن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «"يكون أمام الدجال سنون خوادع؛ يكثر فيها المطر، ويقل فيها النبت، ويكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويؤتمن فيهال الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة ". قيل: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: "من لا يؤبه له» .
رواه الطبراني بأسانيد. قال الهيثمي: "وفي أحسنها ابن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".
ورواه: أبو يعلى، والبزار، وعنده: «قيل: يا رسول الله! وما الرويبضة؟»
стр. 773
«قال: "المرء التافه يتكلم في أمر العامة» . قال البوصيري: "رواه أبو يعلى والبزار بسند واحد رواته ثقات".
قال الجوهري: " (الرويبضة) : التافه الحقير". وقال ابن الأثير: "التافه الحقير الخسيس".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ ؛ قال: «"تكون قبل خروج المسيح الدجال سنوات خداعة؛ يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، ويتكلم الرويبضة". قيل: وما الرويبضة؟ قال: "الوضيع من الناس» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
ما جاء في حبس المطر والنبات عند خروج الدجال
«عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂؛ قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي، فذكر الدجال، فقال: "إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف من البهائم إلا هلكت ... " الحديث.
وفيه: قالت أسماء: يا رسول الله! إنا والله لنعجن عجينتنا فما نختبزها حتى نجوع؛ فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال رسول الله ﷺ : "يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس» .
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي،
стр. 774
والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه شهر بن حوشب وفيه ضعف وقد وثق".
قلت: قد روى له مسلم في "صحيحه"، ووثقه أحمد وابن معين ويعقوب بن سفيان، وقال أبو زرعة: "لا بأس به"، وعلى هذا؛ فأقل الأحوال في حديثه أن يكون من قبيل الحسن.
وقد قال ابن كثير في "النهاية" بعدما أورد حديثه هذا من رواية الإمام أحمد: "إسناده لا بأس به".
وفي رواية لأحمد: «يكفي المؤمنين عن الطعام والشراب يومئذ التكبير والتسبيح والتحميد» .
وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" من حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد ﵂؛ قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يحذر أصحابه الدجال، فقال: "أحذركم المسيح الدجال، وإن كل نبي قد أنذر قومه، وإنه فيكم أيتها الأمة، وسأجلي لكم من نعته ما لم تجلي الأنبياء قبلي لقومهم: يكون قبل خروجه سنون جدب، حتى يهلك كل ذي حافر". فناداه رجل، فقال: يا رسول الله! بم يعيش المؤمنون؟ فقال: "بما يعيش به الملائكة.....» الحديث.
وسيأتي بتمامه في (باب اتباع الدجال) إن شاء الله تعالى.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال وحذرناه.... فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: «"وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله»
стр. 775
«فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت، إلا ما شاء الله ". فقيل: ما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: "التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام» .
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والضياء المقدسي.
باب
ما جاء في الجوع الذي يكون عند خروج الدجال وفي أيامه وما يكون طعام المؤمنين يومئذ
فيه حديث أسماء بنت يزيد وحديث أبي أمامة ﵄، وقد تقدم ذكرهما في الباب قبله.
«وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ ذكر جهدًا شديدًا يكون بين يدي الدجال، فقلت: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "يا عائشة! العرب يومئذ قليل ". فقلت: ما يجزئ المؤمنين يومئذ من الطعام؟ قال: "ما يجزئ الملائكة: التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل". قلت: فأي المال يومئذ خير؟ قال: "غلام شديد يسقي أهله من الماء، وأما الطعام؛ فلا طعام» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". وقال ابن كثير: "تفرد به أحمد، وإسناده صحيح، وفيه غرابة".
«وعن أسماء بنت عميس ﵂: أن النبي ﷺ دخل عليها لبعض حاجته، ثم خرج، فشكت إليه الحاجة، فقال: "كيف بكم إذا ابتليتم بعبد قد سخرت له أنهار الأرض وثمارها، فمن اتبعه؛ أطعمه وأكفره، ومن عصاه؛ حرمه»
следующие страницы →