← Акыда

Акыда · id 8573

إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

تأويله، وصرفه عن ظاهره بغير دليل. ويرد هذا التأويل الفاسد قوله في حديث حذيفة بن أسيد ﵁: "ولا يسخر له من الدواب إلا الحمار؛ فهو رجس على رجس". فدل على أن الدجال إنما يركب على دابة من الدواب، لا على طائرة مصنوعة، وكذلك قوله: "رجس على رجس" يدل على أنه إنما يركب على حمار نجس لا على طائرة؛ لأنه لا يصح أن يطلق عليها أنها رجس، والله أعلم. وركوب الدجال على الحمار الذي عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا أبلغ في الافتتان به من ركوبه على الطائرات والسيارات وغيرها مما قد عرفه الناس واعتادوا ركوبه. وكذلك سيره على الحمار العظيم الجسم قد يكون أسرع من سير الطائرات بكثير. والذي يظهر من الأحاديث أن مركوب الدجال وما يجريه الله على يديه إنما يكون من خوارق العادات لا من الأمور العادية التي يعرفها الناس ويستعملونها، وذلك أعظم لفتنته، ولهذا كانت فتنته أعظم فتنة تكون في الدنيا من أولها إلى آخرها؛ كما سيأتي بيان ذلك في الأحاديث الصحيحة إن شاء الله تعالى. باب ما جاء في الطريق التي يخرج منها الدجال إلى أرض العرب عن النواس بن سمعان الكلابي ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة ... فذكر الحديث بطوله، وفيه: «إنه خارج خَلَّة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا، يا عباد الله فاثبتوا» ... الحديث.

стр. 842

رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه. وعن جبير بن نفير عن أبيه ﵁: أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال ... الحديث وفيه: «ألا وإني رأيته يخرج من خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وشمالا، يا عباد الله اثبتوا (ثلاثا) » ... الحديث. رواه: الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". باب ما جاء في أول مصر يرده الدجال عن عثمان بن أبي العاص ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه ننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفا عليهم السيجان، وأكثر تبعه اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول نشامه وننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغربي الشام، وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق» ... الحديث. رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وفيه ضعف، وقد وثق، وبقية رجالهما رجال الصحيح". ورواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه، وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى.

стр. 843

باب في أول من يفزعهم الدجال عن أبي صادق؛ قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إني لأعلم أول أهل أبيات يفزعهم الدجال، أنتم أهل الكوفة". رواه: ابن أبي شيبة والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات؛ إلا أن أبا صادق لم يدرك ابن مسعود ". باب في أول ماء من مياه العرب يرده الدجال قال ابن الأثير في "النهاية": "وفي حديث كعب قال لأبي عثمان النهدي: إلى جانبكم جبل مشرف على البصرة يقال له سنام؟ قال: نعم. قال: فهل إلى جانبه ماء كثير السافي؟ قال: نعم. قال: فإنه أول ماء يرده الدجال من مياه العرب ". قال ابن الأثير: " (السافي) : الريح التي تسفي التراب، وقيل للتراب الذي تسفيه الريح أيضا: سافي؛ أي: مسفي؛ كماء دافق. والماء السافي الذي ذكره هو سفوان، وهو على مرحلة من باب المربد بالبصرة". انتهى. قلت: وهو معروف بهذا الاسم إلى الآن. باب ما جاء في الذين ينذرون بالدجال عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ألا كل نبي قد أنذر أمته الدجال.... (فذكر الحديث وفيه) : ألا وإن بين يديه»

стр. 844

«رجلين ينذران أهل القرى، كلما دخلا قرية؛ أنذرا أهلها، فإذا خرجا منها؛ دخلها أول أصحاب الدجال» . رواه: عبد بن حميد، وأبو يعلى، والحاكم في "مستدركه"، وابن عساكر في "تاريخه"، وفيه عطية العوفي وهو ضعيف. وسيأتي هذا الحديث مطولا في ذكر المؤمن الذي يقتله الدجال. وعنه ﵁؛ قال: "مع الدجال امرأة يقال لها: لثيبة، لا يؤم قرية؛ إلا سبقته، فتقول: هذا الرجل داخل عليكم؛ فاحذروه". رواه نعيم بن حماد في "الفتن". باب أن الدجال يطأ البلاد كلها غير مكة والمدينة تقدم حديث فاطمة بنت قيس ﵂ في خبر الجساسة والدجال، وفيه أن الدجال قال للذين دخلوا عليه: «وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما؛ استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها". قالت: قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر: "هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة (يعني: المدينة) ، ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟! ". فقال الناس: نعم» . رواه: مسلم، وأبو داود، والطبراني. وفي رواية لمسلم قال: «أما إنه لو قد أذن لي في الخروج قد وطئت البلاد»

стр. 845

«كلها غير طيبة» . ورواه الإمام أحمد من حديث مجالد عن عامر الشعبي عن فاطمة بنت قيس ﵂، وفيه «أن الدجال حلف: لو خرجت من مكاني هذا ما تركت أرضا من أرض الله إلا وطئتها؛ غير طيبة، ليس لي عليها سلطان. فقال رسول الله ﷺ : " إن هذه طيبة، إن الله حرم حرمي على الدجال أن يدخلها"، ثم حلف رسول الله ﷺ : "والذي لا إله إلا هو ما لها طريق ضيق ولا واسع في سهل ولا جبل إلا عليه ملك شاهر بالسيف إلى يوم القيامة، ما يستطيع الدجال أن يدخلها على أهلها ".» قال عامر: فلقيت المحرر بن أبي هريرة، فحدثته حديث فاطمة بنت قيس، فقال: أشهد على أبي أنه حدثني كما حدثتك فاطمة؛ غير أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنه نحو المشرق» . قال: ثم لقيت القاسم بن محمد، فذكرت له حديث فاطمة، فقال: أشهد على عائشة أنها حدثتني كما حدثتك فاطمة؛ غير أنها قالت: «الحرمان عليه حرام مكة والمدينة» . ورواه: ابن ماجه، وأبو بكر الآجري بنحوه؛ إلا أنهما لم يذكرا رواية المحرر عن أبيه ورواية القاسم عن عائشة. ورواه الإمام أحمد أيضا، وفيه أن الدجال قال: أما إني سأطأ الأرض كلها؛ غير مكة وطيبة. فقال رسول الله ﷺ : «أبشروا معشر المسلمين؛ فإن هذه طيبة لا يدخلها الدجال» . ورواه الترمذي، وقال فيه: «وإنه يدخل الأمصار كلها إلا طيبة، وطيبة المدينة» . قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وتقدم أيضا حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ استوى على المنبر، فقال: حدثني تميم، فرأى تميما في ناحية المسجد، فقال: يا تميم! حدث الناس ما حدثتني ... فذكر الحديث، وفيه أن الدجال قال: لأطأن

стр. 846

الأرض بقدمي هاتين؛ إلا بلدة إبراهيم وطابا، فقال رسول الله ﷺ : «طابا هي المدينة» . رواه أبو يعلى. قال ابن كثير: "وهذا حديث غريب جدا". وتقدم أيضا في (باب ما جاء في شيعة الدجال) حديث أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجيء الدجال، فيطأ الأرض؛ إلا مكة والمدينة» ... الحديث. رواه: الإمام أحمد، ومسلم. ورواه البخاري ومسلم أيضا، ولفظه عند مسلم: قال رسول الله ﷺ : «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال؛ إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين، تحرسها، فينزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج إليه منها كل كافر ومنافق» . وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ في حديثه الطويل في ذكر الدجال، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة، لا يأتيهما من نقب من أنقابهما؛ إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة» .... الحديث. رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي. وعن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يذكر المسيح الدجال: «إني سأقول لكم فيه كلمة ما قالها نبي قبلي: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور، بين عينيه كتاب كافر". قال جابر عن النبى ﷺ : "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يسيح الأرض أربعين يوما، يرد كل بلد؛ غير هاتين المدينتين: المدينة ومكة، حرمهما الله عليه» ..... الحديث.

стр. 847

رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف". وعن سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «وإنه سيظهر (أو قال: سوف يظهر) على الأرض كلها؛ إلا الحرم وبيت المقدس» ..... الحديث. رواه: الإمام أحمد، والبزار، والطبراني في "الكبير"، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". باب ما جاء في حراسة مكة والمدينة من الدجال تقدم في (باب ما جاء في شيعة الدجال) عدة أحاديث في ذلك عن جابر بن عبد الله وابن عمر وأبي هريرة وأنس بن مالك ومحجن بن الأدرع وأبي أمامة الباهلي ﵃؛ فلتراجع. وتقدم أيضا في الباب الذي قبل هذا الباب حديث فاطمة بنت قيس ﵂ في ذلك، وما رواه أبو هريرة وعائشة ﵄ بنحو ما روته فاطمة بنت قيس. وتقدم فيه أيضا عن أبي هريرة وأنس بن مالك وأبي أمامة الباهلي وجابر وسمرة بن جندب ﵃؛ فليراجع الجميع. وعن أبي عبد الله القراظ أنه سمع سعد بن مالك وأبا هريرة ﵄ يقولان: قال رسول الله ﷺ : «إن المدينة مشتبكة بالملائكة، على كل»

стр. 848

«نقب منها ملكان يحرسانها، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، فمن أرادها بسوء؛ أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» . رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن أبي هريرة أيضا ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي المسيح الدجال من قبل المشرق، وهمته المدينة، حتى ينزل دبر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهنالك يهلك» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وفي رواية لأحمد؛ قال: «يأتي المسيح من قبل المشرق، وهمته المدينة، حتى إذا جاء دبر أحد؛ تلقته الملائكة، فضربت وجهه قبل الشام، هنالك يهلك، هنالك يهلك» . إسناده صحيح على شرط مسلم. وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» . رواه: مالك، وأحمد، والشيخان؛ كلهم من طريق مالك. ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: فذكره بمثله. وإسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث عمر بن العلاء الثقفي عن أبيه عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منها ملك، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون» .

стр. 849

قال الهيثمي: "رجاله ثقات". وعنه ﵁؛ قال ركب رسول الله إلى مجمع السيول، فقال: «ألا أنبئكم بمنزل الدجال من المدينة، هذا منزله» . رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه أبو معشر وهو ضعيف". وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبى ﷺ ؛ قال: «المدينة يأتيها الدجال، فيجد الملائكة يحرسونها، فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء تعالى» . رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي وقال: "هذا حديث صحيح"، قال: "وفي الباب عن أبي هريرة وفاطمة بنت قيس ومحجن وأسامة بن زيد وسمرة بن جندب ﵃". وعنه ﵁: أن قائلا من الناس قال: يا نبي الله! أما يرد الدجال المدينة؟ قال: «أما إنه ليعمد إليها، ولكنه يجد الملائكة صافة بنقابها وأبوابها يحرسونها من الدجال» . رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين. وعن جابر بن عبد الله ﵃؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم.... (فذكر الحديث، وفيه:) يرد كل ماء ومنهل؛ إلا المدينة ومكة، حرمهما الله عليه، وقامت الملائكة بأبوابهما» .... " الحديث. رواه: الإمام أحمد، وابن خزيمة في "كتاب التوحيد"، وإسناد كل منهم على شرط الشيخين. ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه". "على شرط مسلم ".

стр. 850

وعنه ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مثل المدينة كالكير، وحرم إبراهيم مكة، وأنا أحرم المدينة وهي كمكة حرام ما بين حرتيها وحماها كلها، لا يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل منها، ولا يقربها إن شاء الله الطاعون ولا الدجال، والملائكة يحرسونها على أنقابها وأبوابها» . رواه الإمام أحمد بإسناد حسن. وعنه ﵁؛ قال: قام رسول الله ﷺ ذات يوم على المنبر، فقال: «يا أيها الناس! إني لم أجمعكم لخبر جاء من السماء (فذكر حديث الجساسة، وزاد فيه:) وهو المسيح، تطوى له الأرض في أربعين يوما؛ إلا ما كان من طيبة ". قال رسول الله ﷺ : "وطيبة المدينة، ما من باب من أبوابها إلا عليه ملك مصلت سيفه يمنعه، وبمكة مثل ذلك» . رواه أبو يعلى بإسنادين. قال الهيثمي: "رجال أحدهما رجال الصحيح". وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يذكر المسيح الدجال: «إني سأقول لكم فيه كلمة ما قالها نبي قبلي: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور، بين عينيه كتاب كافر". قال جابر عن النبى ﷺ : "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يسيح الأرض أربعين يوما، يرد كل بلد؛ غير هاتين المدينتين: المدينة ومكة، حرمهما الله عليه، يوم من أيامه كالسنة، ويوم كالشهر، ويوم كالجمعة، وبقية أيامه كأيامكم هذه، لا يبقى إلا أربعين يوما» . رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف". وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب، على كل باب منها ملكان» .

стр. 851

رواه: الإمام أحمد، والبخاري. وعنه ﵁؛ قال: أكثر الناس في شأن مسيلمة الكذاب قبل أن يقول فيه رسول الله ﷺ شيئا، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله ﵎ بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد؛ ففي شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتم في شأنه؛ فإنه كذاب من ثلاثين كذابا يخرجون قبل الدجال، وإنه ليس بلد إلا يدخله رعب المسيح؛ إلا المدينة، على كل نقب من نقابها يومئذ ملكان يذبان عنها رعب المسيح» . رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وإسناده صحيح على شرط البخاري، ورواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم في "مستدركه". قال الهيثمي: "وأحد أسانيد أحمد والطبراني رجاله رجال الصحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ". وأقره الذهبي في "تلخيصه". وعن عبد الله بن شقيق عن رجاء بن أبي رجاء الباهلي؛ قال: «كان بريدة على باب المسجد، فمر محجن عليه وسَكَبَة يصلي، فقال بريدة - وكان فيه مزاح - لمحجن: ألا تصلي كما يصلي هذا؟! فقال محجن: إن رسول الله ﷺ أخذ بيدي، فصعد على أحد، فأشرف على المدينة، فقال: "ويل أمها! قرية يدعها أهلها خير ما تكون (أو: كأخير ما تكون) ، فيأتيها الدجال، فيجد على كل باب من أبوابها ملكا مصلتا جناحيه، فلا يدخلها ". قال: ثم نزل وهو آخذ بيدي، فدخل المسجد، وإذا هو برجل يصلي، فقال لي: من هذا؟ فأتيت عليه، فأثنيت عليه خيرا، فقال: "اسكت؛ لا تسمعه فتهلكه". قال: ثم أتى حجرة امرأة من نسائه، فنفض يده من يدي، قال: "إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره ".» رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبخاري في "الأدب المفرد"،

стр. 852

وأسانيدهم كلها صحيحة، رجالها رجال الصحيح؛ سوى رجاء بن أبي رجاء، وهو ثقة، وثقة العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات". وعن محجن بن الأدرع أيضا ﵁؛ قال: «بعثني نبي الله ﷺ في حاجة، ثم عرض لي وأنا خارج من طريق من طرق المدينة. قال: فانطلقت معه، حتى صعدنا أحدا، فأقبل على المدينة، فقال: "ويل أمها! قرية يوم يدعها أهلها كأينع ما تكون". قال: قلت: يا نبي الله! من يأكل ثمرتها؟ قال: "عافية الطير والسباع ". قال: "ولا يدخلها الدجال، كلما أراد أن يدخلها؛ تلقاه بكل نقب منها ملك مصلتا". قال: ثم أقبلنا، حتى إذا كنا بباب المسجد؛ إذا رجل يصلي؛ قال: أتقوله صادقا؟ قال: قلت: يا نبي الله! هذا فلان، وهذا من أحسن أهل المدينة (أو قال: أكثر أهل المدينة صلاة) . قال: "لا تسمعه فتهلكه (مرتين أو ثلاثا) ، إنكم أمة أريد بكم اليسر» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والطبراني في "الأوسط"، والحاكم في "مستدركه" مختصرا، ورجال أحمد رجال الصحيح. قال الهيثمي: "ورجال الطبراني رجال الصحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن عبد الله بن شقيق؛ قال: إني لأمشي مع عمران بن حصين، فانتهينا إلى مسجد البصرة؛ فإذا بريدة جالس وسَكَبَة - رجل من أصحاب محمد ﷺ من أسلم - قائم يصلي الضحى، فقال بريدة: يا عمران! ما تستطيع أن تصلي كما يصلي سكبة، وإنما يقول ذلك كأنه يعنيه به. قال: فسكت عمران ومضيا، فقال عمران: «إني لأمشي مع رسول الله ﷺ ؛ إذ استقبلنا أحد، فصعدنا عليه، فأشرف على المدينة، فقال: "ويل أمها! قرية يتركها أهلها أحسن ما كانت، يأتيها الدجال فلا يستطيع أن يدخلها، يجد على كل فج منها ملكا مصلتا»

стр. 853

«بالسيف ". ثم نزلنا، فأتينا المسجد؛ فإذا رجل يصلي، فقال: من هذا؟ قلت: فلان، ومن أمره (فجعلت أثني عليه) . فقال: "لا تسمعه فتقطع ظهره". ثم رفع يدي، فقال: "خير دينكم أيسره» . رواه الطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". قلت: قد تقدم في رواية الإمام أحمد عن عبد الله بن شقيق عن رجاء بن أبي رجاء أن الذي ذهب مع النبى ﷺ إلى أحد ورجع معه وأثنى على الرجل الذي رآه يصلي في المسجد هو محجن بن الأدرع ﵁، فلعلهما واقعتان، أو أن ما في هذه الرواية غلط. والله أعلم. وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «إن يخرج الدجال وأنا حي؛ كفيتكموه، وإن يخرج الدجال بعدي؛ فإن ربكم ليس بأعور، إنه يخرج في يهودية أصبهان، حتى يأتي المدينة، فينزل ناحيتها، ولها يومئذ سبعة أبواب، على كل نقب منها ملكان، فيخرج إليه شرار أهلها» ....". الحديث. رواه الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير الحضرمي بن لاحق، وهو ثقة. وعنها ﵁: أن النبى ﷺ قال: «لا يدخل الدجال مكة ولا المدينة» . رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم. وعن تميم الداري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن طيبة المدينة، وما من نقب من نقابها؛ إلا عليه ملك شاهر سيفه، لا يدخلها الدجال أبدا» .

стр. 854

رواه: الطبراني في "الكبير" من رواية عمر بن يزيد عن جده. قال الهيثمي: "ولم أعرفهما". وعن أبي الطفيل؛ قال: كنت بالكوفة، فقيل: خرج الدجال. قال: فأتينا على حذيفة بن أسيد وهو يحدث، فقلت: هذا الدجال قد خرج. فقال: اجلس. فجلست، فأتى علي العريف، فقال: هذا الدجال قد خرج، وأهل الكوفة يطاعنونه. قال: اجلس، فنودي: إنها كذبة صباغ. قال: فقلنا: يا أبا سريحة! ما أجلستنا إلا لأمر؛ فحدثنا. قال: إن الدجال لو خرج في زمانكم؛ لرمته الصبيان بالخذف، ولكن الدجال يخرج في بغض من الناس، وخفة من الدين، وسوء ذات بين، فيرد كل منهل، فتطوى له الأرض طي فروة الكبش، حتى يأتي المدينة، فيغلب على خارجها، ويمنع داخلها.... الحديث. رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ". وسيأتي بأطول من هذا في (باب قتال الدجال) إن شاء الله تعالى. وعن سفينة مولى رسول الله ﷺ ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «ألا إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد حذر الدجال أمته (فذكر الحديث، وفيه:) ، ثم يسير حتى يأتي المدينة، فلا يؤذن له فيها، فيقول: هذه قرية ذلك الرجل، ثم يسير حتى يأتي الشام، فيهلكه الله عند عقبة أفيق» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر". وستأتي جملة من الأحاديث في حراسة المدينة من الدجال في قصة المؤمن مع الدجال وفي ذكر فتنة الدجال إن شاء الله تعالى.

стр. 855

باب الترغيب في سكنى المدينة إذا خرج الدجال عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: أشرف رسول الله ﷺ على فلق من أفلاق الحرة ونحن معه، فقال: «نعمت الأرض المدينة إذا خرج الدجال» .... الحديث. رواه: الإمام أحمد في "المسند"، وابنه عبد الله في كتاب "السنة" من طريقه، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. باب في دعاوى الدجال عن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فكان أكثر خطبته ما يحذرنا الدجال؛ قال: «إنه يبدأ فيقول: أنا نبي ولا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم، ولن تروا ربكم حتى تموتوا» ... الحديث. رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، والحاكم في "المستدرك"، والحافظ الضياء المقدسي، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". باب أن الدجال آخر الكذابين وأعظمهم فتنة عن سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «وإنه والله؛ لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، آخرهم الأعور الدجال» .

стр. 856

رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بين يدي الساعة كذابون، منهم صاحب اليمامة، ومنهم صاحب صنعاء العنسي، ومنهم صاحب حِمْيَر، ومنهم الدجال، وهو أعظمهم فتنة» . رواه: الإمام أحمد، والبزار، وابن حبان في "صحيحه". قال الهيثمي: "وفي إسناد البزار عبد الرحمن بن مغراء، وثقه جماعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي إسناد أحمد ابن لهيعة، وهو لين". وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر» . رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى. وفي رواية: «ليكونن قبل المسيح الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر» . ورواه الطبراني ولفظه: قال: «بين يدي الساعة الدجال، وبين يدي الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر ". قلنا: ما آيتهم؟ قال: "أن يأتوكم بسنة لم تكونوا عليها يغيرون بها سنتكم ودينكم، فإذا رأيتموهم؛ فاجتنبوهم وعادوهم» . باب الأمر بالتفل في وجه الدجال عن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فكان أكثر خطبته ما يحذرنا الدجال؛ قال: «إنه يبدأ فيقول: أنا نبي، ثم يثني فيقول:»

стр. 857

«أنا ربكم، ولن تروا ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، من لقيه؛ فليتفل في وجهه» . رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"، ورواته ثقات، ورواه الطبراني والحاكم في "مستدركه"، وقالا فيه: «فمن لقيه منكم؛ فليتفل في وجهه، وليقرأ فواتح سورة أصحاب الكهف» ... الحديث. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". باب في قصة المؤمن مع الدجال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن أبا سعيد الخدري ﵁؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ يوما حديثا طويلا عن الدجال، فكان فيما حدثنا: قال: «يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس (أو: من خير الناس) ، فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته؛ أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا. قال: فيقتله، ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله؛ ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن. قال: فيريد الدجال أن يقتله؛ فلا يسلط عليه» . رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والإمام أحمد، والشيخان. زاد عبد الرزاق: "قال معمر: وبلغني أنه يجعل على حلقه صفيحة من نحاس، وبلغني أنه الخضر الذي يقتله الدجال ثم يحييه".

стр. 858

ورواه مسلم أيضا من حديث أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال، فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فتلقاه المسالح؛ مسالح الدجال، فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج". قال: "فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء. فيقولون: اقتلوه. فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدا دونه". قال: "فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن؛ قال: يا أيها الناس! هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ ". قال: "فيأمر الدجال به، فيشبح، فيقول: خذوه وشجوه. فيوسع ظهره وبطنه ضربا". قال: "فيقول: أوما تؤمن بي؟ ". قال: "فيقول: أنت المسيح الكذاب ". قال: "فيؤمر به، فيؤشر بالمئشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه". قال: "ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم؛ فيستوي قائما". قال: "ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة ". قال: "ثم يقول: يا أيها الناس! إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس". قال: "فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى تَرْقُوَتِه نحاسا، فلا يستطيع إليه سبيلا". قال: "فيأخذ بيديه ورجليه، فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة". فقال رسول الله ﷺ : "هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين» . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة "فتح الباري": "حديث أبي سعيد في قصة الدجال: "فيخرج إليه رجل هو خير الناس يومئذ ": ذكر إبراهيم ابن سفيان الراوي عن مسلم أنه يقال: إنه الخضر، وكذا حكاه معمر وجماعة، وهذا إنما يتم على رأي من يدعي بقاء الخضر، والذي جزم به البخاري وإبراهيم الحربي وآخرون من محققي الحديث خلاف ذلك ". انتهى.

стр. 859

ورواه: عبد بن حميد، وأبو يعلى، والبزار؛ من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنه لم يكن نبي إلا قد أنذر الدجال قومه، وإني أنذركموه: إنه أعور، ذو حدقة جاحظة لا تخفى، كأنها نخاعة في جنب جدار، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، ومعه مثل الجنة ومثل النار، فجنته غبراء ذات دخان، وناره روضة خضراء، وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى، كلما خرجا من قرية؛ دخل أوائلهم، ويسلط على رجل لا يسلط على غيره، فيذبحه، ثم يضربه بعصاه، ثم يقول: قم. فيقوم، فيقول لأصحابه: كيف ترون؟ ألست بربكم؟ فيشهدون له بالشرك، فيقول الرجل المذبوح: يا أيها الناس! إن هذا المسيح الدجال الذي أنذرناه رسول الله ﷺ ، والله؛ ما زادني هذا فيك إلا بصيرة. فيعود أيضا، فيذبحه، ثم يضربه بعصاه، فيقول له: قم. فيقوم، فيقول لأصحابه: كيف ترون؟ ألست بربكم؟ فيشهدون له بالشرك. فيقول المذبوح: يا أيها الناس! إن هذا المسيح الدجال الذي أنذرناه رسول الله ﷺ ، والله؛ ما زادني قتله هذا إلا بصيرة. فيعود فيذبحه الثالثة، فيضربه بعصا معه، فيقول: قم. فيقوم، فيقول لأصحابه: كيف ترون؟ ألست بربكم؟ فيشهدون له بالشرك، فيقول المذبوح: يا أيها الناس! إن هذا المسيح الدجال الذي أنذرناه رسول الله ﷺ ، ما زادني هذا فيك إلا بصيرة. فيعود ليذبحه الرابعة، فيضرب الله على حلقه بصفيحة نحاس؛ فلا يستطيع ذبحه» . قال أبو سعيد: كنا نرى ذلك الرجل عمر بن الخطاب؛ لما نعلم من قوته وجلده. قال الهيثمي: "فيه الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وعطية ضعيف وقد وثق". وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث عطية، وفيه زيادات كثيرة، ومغايرة في بعض الألفاظ، ولفظه: عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ألا كل نبي قد أنذر أمته الدجال، وإنه يومه هذا قد»

стр. 860

«أكل الطعام، وإني عاهد عهدا لم يعهده نبي لأمته قبلي، ألا إن عينه اليمنى ممسوحة الحدقة جاحظة فلا تخفى، كأنها نخاعة في جنب حائط، ألا وإن عينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه مثل الجنة ومثل النار، فالنار روضة خضراء، والجنة غبراء ذات دخان، ألا وإن بين يديه رجلين ينذران أهل القرى، كلما دخلا قرية؛ أنذرا أهلها، فإذا خرجا منها؛ دخلها أول أصحاب الدجال، ويدخل القرى كلها؛ غير مكة والمدينة حرما عليه، والمؤمنون متفرقون في الأرض، فيجمعهم الله له، فيقول رجل من المؤمنين لأصحابه: لأنطلقن إلى هذا الرجل؛ فلأنظرن أهو الذي أنذرنا رسول الله ﷺ أم لا؟ ثم ولى، فقال له أصحابه: والله؛ لا ندعك تأتيه، ولو أنا نعلم أنه يقتلك إذا أتيته؛ خلينا سبيلك، ولكنا نخاف أن يفتنك. فأبى عليهم الرجل المؤمن إلا أن يأتيه، فانطلق يمشي، حتى أتى مسلحة من مسالحه، فأخذوه، فسألوه: ما شأنك وما تريد؟ قال لهم: أريد الدجال الكذاب. قالوا: إنك تقول ذلك؟ قال: نعم. فأرسلوا إلى الدجال: إنا قد أخذنا من يقول كذا وكذا فنقتله أو نرسله إليك؟ قال: أرسلوه إلي. فانطلق به، حتى أتي به الدجال، فلما رآه؛ عرفه لنعت رسول الله ﷺ ، فقال له الدجال: ما شأنك؟ فقال العبد المؤمن: أنت الدجال الكذاب الذي أنذرناك رسول الله ﷺ . قال له الدجال: أنت تقول هذا؟ قال: نعم. قال له الدجال: لتطيعني فيما أمرتك وإلا شققتك شقتين. فنادى العبد المؤمن، فقال: أيها الناس! هذا المسيح الكذاب، فمن عصاه؛ فهو في الجنة، ومن أطاعه؛ فهو في النار. فقال له الدجال: والذي أحلف به؛ لتطيعني أو لأشقنك شقتين. فنادى العبد المؤمن، فقال: أيها الناس! هذا المسيح الكذاب، فمن عصاه؛ فهو في الجنة، ومن أطاعه؛ فهو في النار. قال: فمد برجله، فوضع حديدته على عجب ذنبه، فشقه شقتين. فلما فعل به ذلك؛ قال الدجال لأوليائه: أرأيتم إن أحييت هذا لكم؛ ألستم تعلمون أني ربكم؟ قالوا: بلى". قال عطية:»

стр. 861

«فحدثني أبو سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: "فضرب أحد شقيه أو الصعيد عنده، فاستوى قائما، فلما رآه أولياؤه؛ صدقوه وأيقنوا أنه ربهم، وأجابوه، واتبعوه. قال الدجال للعبد المؤمن: ألا تؤمن بي؟ قال له المؤمن: لأنا الآن أشد فيك بصيرة من قبل. ثم نادى في الناس: ألا إن هذا المسيح الكذاب، فمن أطاعه؛ فهو في النار، ومن عصاه؛ فهو في الجنة. فقال الدجال: والذي أحلف به؛ لتطيعني، أو لأذبحنك، أو لألقينك في النار. فقال له المؤمن: والله؛ لا أطيعك أبدا. فأمر به، فأضجع". قال: فقال لي أبو سعيد: إن نبي الله ﷺ قال: "ثم جعل صفيحتين من نحاس بين تراقيه ورقبته". قال: وقال أبو سعيد: ما كنت أدري ما النحاس قبل يومئذ. "فذهب ليذبحه، فلم يستطع، ولم يسلط عليه بعد قتله إياه". قال: فإن نبي الله ﷺ قال: "فأخذ بيديه ورجليه، فألقاه في الجنة، وهي غبراء ذات دخان، يحسبها النار؛ فذلك الرجل أقرب أمتي مني درجة". قال: فقال أبو سعيد: ما كان أصحاب محمد ﷺ يحسبون ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب ﵁، حتى سلك عمر سبيله. قال: ثم قلت له: فكيف يهلك؟ قال: الله أعلم. قال: فقلت: أخبرت أن عيسى ابن مريم ﵊ هو يهلكه. فقال: الله أعلم؛ غير أنه يهلكه الله ومن اتبعه. قال: قلت: فماذا يكون بعده؟ قال: حدثني نبي الله ﷺ أنهم يغرسون بعده الغروس، ويتخذون من بعده الأموال. قال: قلت: سبحان الله! أبعد الدجال يغرسون الغروس ويتخذون من بعده الأموال؟! قال: نعم، حدثني بذلك رسول الله ﷺ » . قال الحاكم: "هذا أعجب حديث في ذكر الدجال، تفرد به عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري ﵁، ولم يحتج الشيخان بعطية". قال الذهبي في "تلخيصه": "عطية ضعيف".

стр. 862

وقد زعم أبو عبية في عنوان وضعه في (ص١١٦) من "النهاية" لابن كثير مترجما به على حديث أبي سعيد المتفق على صحته - وهو المذكور في أول الباب -: أنه يجب صرفه عن ظاهره إلى التأويل. وهذا ظاهر في تكذيبه لقصة المؤمن مع الدجال، مع ثبوتها في "الصحيحين"، بل إنه ينكر خروج الدجال بالكلية؛ كما سيأتي ذكر ذلك عنه بعد الأحاديث الواردة في قتل الدجال إن شاء الله تعالى. ثم تكلم أبو عبية على حديث أبي الوداك عن أبي سعيد ﵁ في حاشية (ص١١٨) ، وتكلم أيضا في (ص١٣٤) على حديث عبد الله بن عمرو ﵄ المذكور بعد روايات حديث أبي سعيد وبعد حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ بما يقتضي إنكار ما جاء في الحديثين من قتل الدجال للرجل المؤمن ثم إحيائه. ومن بلغ به الأمر إلى إنكار ما أخبر به رسول الله ﷺ أو الشك فيه؛ فهو بلا شك لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن من لازم تحقيقها تصديقه ﷺ فيما أخبر به من الغيوب الماضية والآتية. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال وحذرناه.... فذكر الحديث، وفيه: «وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة، فيقتلها، وينشرها بالمنشار، حتى يلقى شقتين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا؛ فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربا غيري، فيبعثه الله، ويقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله، ما كنت قط أشد بصيرة بك مني اليوم» . رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي.

стр. 863

زاد ابن ماجه: قال أبو الحسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي: حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية عن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة» . قال: قال أبو سعيد: ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله. وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال فيه: "وإنه يسلط على نفس من بني آدم، فيقتلها ثم يحييها، وإنه لا يعدو ذلك، ولا يسلط على نفس غيرها". قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ : أنه قال في الدجال: «ما شبه عليكم منه؛ فإن الله ليس بأعور، يخرج، فيكون في الأرض أربعين صباحا، يرد منها كل منهل؛ إلا الكعبة وبيت المقدس والمدينة، الشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ومعه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار، معه جبل من خبز ونهر من ماء، يدعو رجلا، فلا يسلطه الله إلا عليه، فيقول: ما تقول في؟ فيقول: أنت عدو الله، وأنت الدجال الكذاب. فيدعو بمنشار، فيضعه حذو رأسه، فيشقه حتى يقع على الأرض، ثم يحييه، فيقول: ما تقول؟ فيقول: والله؛ ما كنت أشد بصيرة مني فيك الآن، أنت عدو الله الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله ﷺ . قال: فيهوي إليه بسيفه، فلا يستطيعه، فيقول: أخروه عني» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم". وعن سلمة بن الأكوع ﵁؛ قال: «أقبلت مع رسول الله ﷺ من العقيق، حتى إذا كنا على الثنية التي يقال لها: ثنية الحوض، التي بالعقيق؛ أومأ بيده قبل المشرق، فقال: "إني لأنظر إلى مواقع عدو الله المسيح، إنه يقبل»

стр. 864

«حتى ينزل من كذا، حتى يخرج إليه غوغاء الناس، ما من نقب من أنقاب المدينة؛ إلا عليه ملك أو ملكان يحرسانه، معه صورتان: صورة الجنة وصورة النار، معه شياطين يشبهون بالأموات، يقولون للحي: تعرفني؟ أنا أخوك أو أبوك أو ذو قرابة منه، ألست قد مت؟ هذا ربنا فاتبعه، فيقضي الله ما يشاء منه، ويبعث الله رجلا من المسلمين، فيسكته، ويبكته، ويقول: أيها الناس! لا يغرنكم؛ فإنه كذاب، ويقول باطلا، وليس ربكم بأعور. فيقول: هل أنت متبعي؟ فيأبى، فيشقه شقتين، ويعطى ذلك، ويقول: أعيده لكم. فيبعثه الله أشد ما كان له تكذيبا وأشده شتما، فيقول: أيها الناس! إن ما رأيتم بلاء ابتليتم به وفتنة افتتنتم بها، إن كان صادقا؛ فليعدني مرة أخرى، وإلا؛ هو كذاب. فيأمر به إلى هذه النار، وهي صورة الجنة، فيخرج قبل الشام» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدا". وعن النواس بن سمعان الكلابي ﵁؛ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة..... فذكر الحديث، وفيه: «ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك» ..... الحديث. رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح". وعن جنادة بن أبي أمية؛ قال: أتيت رجلا من أصحاب النبى ﷺ ، فقلت له: حدثني حديثا سمعته من رسول الله ﷺ في الدجال، ولا تحدثني عن غيرك، وإن كان عندك مصدقا. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنذرتكم فتنة الدجال، فليس من نبي إلا أنذره قومه أو أمته، وإنه آدم، جعد، أعور عينه»

стр. 865

«اليسرى، وإنه يمطر المطر، ولا ينبت الشجر، وإنه يسلط على نفس فيقتلها ثم يحييها، ولا يسلط على غيرها، وإنه معه جنة ونار، ونهر ماء وجبل خبز، وإن جنته نار وناره جنة، وإنه يلبث فيكم أربعين صباحا، يرد فيها كل منهل؛ إلا أربع مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والطور، ومسجد الأقصى، وإن شكل عليكم أوش به؛ فإن الله ليس بأعور» . رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين. وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "يسلط الدجال على رجل من المسلمين، فيقتله، ثم يحييه، ثم يقول: ألست بربكم؟ ألا ترون أني أحيي وأميت؟ والرجل ينادي: يا أهل الإسلام! بل هو عدو الله الكافر الخبيث، إنه والله لا يسلط على أحد بعدي". رواه ابن أبي شيبة. وعنه ﵁: أنه قال: "إن الدجال إذا خرج؛ يخرج من نحو المشرق، فيكثر جنوده ومسالحه، فلا يخلص إليه إلا من قال: أنا وافد، فيجيء رجل، فيقول: أنا وافد، فإذا رآه الدجال؛ قال: ابن آدم! ألست تعلم أني ربك؟ قال: لا؛ أنت عدو الله الدجال. قال: فإني قاتلك. قال: وإن قتلتني. قال: فيأخذ المنشار، فيضعه بين ثنته، فيشقه شقتين، ثم يقول لمن حوله: كيف إذا أنا أحييته؟ قالوا: فذاك حين نتيقن أنك ربنا". قال: "فيحييه". قال: "فيقول له: ابن آدم! زعمت أني لست ربك؟ قال: ما كنت قط أشد بصيرة مني فيك الآن. قال: إني ذابحك. قال: وإن ذبحتني ". قال: "فيريد ذبحه، فلا يستطيع ذبحه، فيقول من يحييه: إن كنت صادقا؛ فلتذبحني. فعند ذلك يرتاب فيه

стр. 866

جنوده، وينزل عيسى ابن مريم، فإذا رآه، ووجد ريحه؛ ذاب كما يذوب الرصاص ". رواه مسدد موقوفا. قال البوصيري: "ورواته ثقات". وعن ابن عباس ﵄: أنه قال في الدجال: "هو أعور ممسوح العين اليمنى، يسلطه الله على رجل من هذه الأمة، فيقتله، ثم يضربه فيحييه، ثم لا يصل إلى قتله، ولا يسلط على غيره". رواه: إسحاق بن بشر، وابن عساكر في "تاريخه". باب ما جاء في فتنة الدجال تقدم في (باب صفة الدجال) عدة أحاديث في ذلك: منها: حديث أبي قلابة عن هشام بن عامر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن رأس الدجال من ورائه حُبُك حُبُك، فمن قال: أنت ربي؛ افتتن، ومن قال: كذبت؛ ربي الله، عليه توكلت؛ فلا يضره (أو قال: فلا فتنة عليه) » . رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". ومنها حديث أبي قلابة أيضا عن رجل من أصحاب النبى ﷺ بنحو حديث هشام بن عامر ﵁. رواه الإمام بإسنادين، كل منهما صحيح على شرط الشيخين. ومنها حديث حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدجال»

стр. 867

«أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه. ومنها حديث معاذ بن جبل ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال، وأنا أحذركم الدجال: إنه أعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه الكاتب وغير الكاتب، معه جنة ونار؛ فناره جنة وجنته نار» . رواه: البزار، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه خنيس بن عامر ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا". وقد رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في "مسنده" عن يحيى بن بكير عن خنيس بن عامر عن أبي قبيل عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبى ﷺ : فذكره بنحوه. قال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ الذهبي: تفرد به خنيس، وما علمنا به جرحا، وإسناده صحيح ". قلت: قد ذكر البخاري وابن أبي حاتم خنيس بن عامر، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقالوا جميعا: "هو المعافري "، زاد ابن حبان: "من أهل مصر"، وذكروا جميعا أنه يروي عن أبي قبيل، وروى عنه يحيى بن بكير، وعلى هذا؛ فإسناده حسن إن شاء الله، وقد يقال: إنه صحيح؛ كما قاله الذهبي ﵀. ومنها حديث أبي الوداك؛ قال: قال لي أبو سعيد: هل يقر الخوارج بالدجال؟ فقلت: لا. فقال: قال رسول الله ﷺ : «إني خاتم ألف نبي وأكثر، ما بعث نبي يتبع؛ إلا قد حذر أمته الدجال، وإني قد بين لي من أمره ما لم يبين لأحد، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة ولا تخفى، كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه»

стр. 868

«من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن» . رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "فيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي في رواية، وقال في أخرى: ليس بالقوي، وضعفه جماعة". وقد علق أبو عبية على هذا الحديث في (ص١٢١) من "النهاية" لابن كثير، فزعم أنه ليس مع الدجال جنة ولا نار على الحقيقة، وإنما ذلك إشارة إلى ما يتوفر للدجاجلة دعاة الباطل ونصراء الهوى من القوى المادية التي تفتن ضعاف النفوس. والجواب أن يقال: قد تضافرت الأحاديث الدالة على أن الدجال يكون معه جنة ونار. وفي "الصحيحين" وغيرهما أن معه ماء ونارا؛ فناره ماء وماؤه نار. وفي "الصحيحين" أيضا أنه يجيء معه بمثال الجنة والنار. وفي "صحيح مسلم" وغيره أنه يكون معه جنة ونار؛ فناره جنة وجنته نار. وهذا مما يثبته أهل السنة والجماعة، ويرده أهل البدع والضلالة وأتباعهم. وأما قول أبي عبية: إن ذلك إشارة إلى ما يتوفر لدعاة الباطل من القوى المادية التي تفتن ضعاف النفوس؛ فهو من التأويل الباطل وتحريف الكلم عن مواضعه. وتقدم أيضا حديث فاطمة بنت قيس ﵂ عن النبى ﷺ : أنه قال في الدجال: «يخرج حين يخرج من بلدة يقال لها: أصبهان، من قرية من قراها يقال لها: رستقاباد، يخرج حين يخرج على مقدمته سبعون ألفا عليهم السيجان، معه نهران: نهر من ماء ونهر من نار، فمن أدرك منكم ذلك، فقيل»

стр. 869

«له: ادخل الماء؛ فلا يدخل؛ فإنه نار، وإذا قيل له: ادخل النار فليدخلها؛ فإنها ماء» . رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" في حديثها الطويل. قال الهيثمي: "وفيه سيف بن مسكين، وهو ضعيف جدا". وتقدم أيضا في (باب قصة المؤمن مع الدجال) حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «ومعه مثل الجنة ومثل النار، فجنته غبراء ذات دخان، وناره روضة خضراء» .... الحديث. رواه: عبد حميد، وأبو يعلى، والبزار، والحاكم. وتقدم فيه أيضا حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ : أنه قال في الدجال: «ومعه جنة ونار؛ فناره جنة، وجنته نار، معه جبل من خبز ونهر من ماء» ......". رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم ". وتقدم فيه أيضا حديث سلمة بن الأكوع ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «معه صورتان: صورة الجنة وصورة النار، معه شياطين يشبهون بالأموات، يقولون للحي: تعرفني؟ أنا أخوك أو أبوك أو ذو قرابة منه، ألست قد مت؟ هذا ربنا فاتبعه، فيقضي الله ما شاء» .... " الحديث. رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدا". وتقدم أيضا حديث جنادة بن أبي أمية عن رجل من أصحاب النبى ﷺ ؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنذرتكم فتنة الدجال، فليس من نبي إلا أنذره قومه أو أمته، وإنه آدم، جعد، أعور عينه اليسرى، وإنه يمطر المطر»

стр. 870

«ولا ينبت الشجر، وإنه يسلط على نفس فيقتلها ثم يحييها، ولا يسلط على غيرها، وإن معه جنة ونار ونهر ماء وجبل خبز، وإن جنته نار وناره جنة» . الحديث رواه الإمام بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين، وفي رواية: «تسير معه جبال الخبز وأنهار الماء» . وتقدم فيه أيضا حديث أبي هريرة ﵁: أنه قال: «يسلط الدجال على رجل من المسلمين، فيقتله، ثم يحييه، ثم يقول: ألست بربكم؟ ألا ترون أني أحيي وأميت» .... الحديث. رواه ابن أبي شيبة. وعن ربعي بن حِراش عن حذيفة ﵁ عن النبى ﷺ : أنه قال في الدجال: «إن معه ماء ونارا؛ فناره ماء بارد، وماؤه نار؛ فلا تهلكوا» . قال أبو مسعود: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ . رواه: الإمام أحمد، والشيخان. وفي رواية لهم عن ربعي بن حراش عن عقبة بن عمرو أبي مسعود الأنصاري؛ قال: انطلقت معه إلى حذيفة بن اليمان، فقال له عقبة: حدثني ما سمعت من رسول الله ﷺ في الدجال. قال: «إن الدجال يخرج، وإن معه ماء ونارا، فأما الذي يراه الناس ماء؛ فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارا؛ فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم؛ فليقع في الذي يراه نارا؛ فإنه ماء عذب طيب» . فقال عقبة: وأنا قد سمعته؛ تصديقا لحذيفة. وفي رواية لأحمد ومسلم عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لأنا أعلم بما مع الدجال من الدجال: معه نهران يجريان: أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج،»

стр. 871

«فإما أدركن أحدا منكم؛ فليأت النهر الذي يراه نارا، وليغمض، ثم ليطأطئ رأسه؛ فليشرب؛ فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين اليسرى، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» . وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بزيادة، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «أنا أعلم بما مع الدجال منه، نهران: أحدهما نار تأجج في عين من رآه، والآخر ماء أبيض، فإن أدركه منكم أحد؛ فليغمض، وليشرب من الذي يراه نارا؛ فإنه ماء بارد، وإياكم والآخر؛ فإنه الفتنة، واعلموا أنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من يكتب ومن لا يكتب، وأن إحدى عينيه ممسوحة عليها ظفرة» ..... الحديث، وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه". ورواه: ابن عساكر في "تاريخه"، وابن منده في "كتاب الإيمان"؛ بنحوه. قال ابن كثير بعد إيراده في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: هذا إسناد صالح" انتهى. وفي رواية لأحمد: قال رسول الله ﷺ : «لأنا أعلم بما مع الدجال منه: إن معه نارا تحرق، ونهر ماء بارد، فمن أدركه منكم؛ فلا يهلكن به، ليغمض عينيه وليقع في التي يراها نارا؛ فإنها ماء بارد» . وفي رواية لمسلم وأبي داود عن ربعي بن حراش؛ قال: "اجتمع حذيفة وأبو مسعود ﵄، فقال حذيفة: «لأنا بما مع الدجال أعلم منه: إن معه نهرا من ماء ونهرا من نار، فأما الذي ترون أنه نار؛ ماء، وأما الذي ترون أنه ماء؛ نار، فمن أدرك ذلك منكم، فأراد الماء؛ فليشرب من الذي يراه أنه نار؛ فإنه سيجده ماء» . قال أبو مسعود: هكذا سمعت النبى ﷺ يقول. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" في الكلام على قوله: "فناره ماء

стр. 872

بارد وماؤه نار": "هذا كله يرجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرائي، فإما أن يكون الدجال ساحرا، فيخيل الشيء بصورة عكسه، وإما أن يجعل الله باطن الجنة التي يسخرها الدجال نارا، وباطن النار جنة، وهذا الراجح، وإما أن يكون ذلك كناية عن النعمة والرحمة بالجنة وعن المحنة والنقمة بالنار، فمن أطاعه، فأنعم عليه بجنته؛ يؤول أمره إلى دخول نار الآخرة، وبالعكس، ويحتمل أن يكون ذلك من جملة المحنة والفتنة، فيرى الناظر إلى ذلك من دهشته النار، فيظنها جنة، وبالعكس". انتهى. وأرجح هذه الاحتمالات ما رجحه الحافظ، والله أعلم. وعن سبيع - وهو ابن خالد - عن حذيفة ﵁؛ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وأسأله عن الشر (فذكر الحديث، وفيه:) قال: «ثم يخرج الدجال ". قال: قلت: فبم يجيء به معه؟ قال: "بنهر (أو قال: ماء ونار) ، فمن دخل نهره؛ حط أجره ووجب وزره، ومن دخل ناره؛ وجب أجره وحط وزره". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "لو أنتجت فرسا؛ لم تركب فلوها حتى تقوم الساعة» . رواه الإمام أحمد، وإسناده جيد. وقد رواه أبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والحاكم بنحوه، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه؛ إنه أعور، وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار؛ فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذركم به كما أنذر به نوح قومه» . متفق عليه. وعن المغيرة بن شعبة ﵁؛ قال: «ما سأل أحد النبى ﷺ عن»

стр. 873

«الدجال أكثر مما سألته. قال: وما سؤالك؟ قال: قلت: إنهم يقولون: معه جبال من خبز ولحم ونهر من ماء. قال: "هو أهون على الله من ذلك» . رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه، واللفظ لمسلم. قال القاضي عياض: "معناه: هو أهون من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلا للمؤمنين ومشككا لقلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانا، ويرتاب الذين في قلوبهم مرض؛ فهو مثل قول الذي يقتله: "ما كنت أشد بصيرة مني فيك"، لا أن قوله: " هو أهون على الله من ذلك ": أنه ليس شيء من ذلك معه، بل المراد: أهون من أن يجعل شيئا من ذلك آية على صدقه، ولا سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره، يقرؤها من قرأ ومن لا يقرأ، زائدة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه". انتهى. وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: كنت في الحطيم مع حذيفة ﵁، فذكر حديثا، ثم قال: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليكونن أئمة مضلون، وليخرجن على إثر ذلك الدجالون الثلاثة» . قلت: يا أبا عبد الله! قد سمعت هذا الذي تقول من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم؛ سمعته، وسمعته يقول: «يخرج الدجال من يهودية أصبهان، عينه اليمنى ممسوحة، والأخرى كأنها زهرة تشق الشمس شقا، ويتناول الطير من الجو، له ثلاث صيحات يسمعهن أهل المشرق وأهل المغرب، ومعه جبلان: جبل من دخان ونار، وجبل من شجر وأنهار، ويقول: هذه الجنة، وهذه النار» . رواه الحاكم وصححه، وتعقبه الذهبي، فقال: "منكر"، وذكر من تكلم فيه من رجاله. وعن سفينة مولى رسول الله ﷺ ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «ألا إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد حذر الدجال أمته، هو أعور عينه»

стр. 874

«اليسرى، بعينه اليمنى ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: كافر، يخرج معه واديان: أحدهما جنة، والآخر نار؛ فناره جنة، وجنته نار، معه ملكان من الملائكة يشبهان نبيين من الأنبياء، لو شئت سميتهما بأسمائهما وأسماء آبائهما، واحد منهما عن يمينه والآخر عن شماله، وذلك فتنة، فيقول الدجال: ألست بربكم؟ ألست أحيي وأميت؟ فيقول له أحد الملكين: كذبت. ما يسمعه أحد من الناس إلا صاحبه، فيقول له: صدقت. فيسمعه الناس، فيظنون أنما يصدق الدجال، وذلك فتنة، ثم يسير حتى يأتي المدينة، فلا يؤذن له فيها، فيقول: هذه قرية ذلك الرجل، ثم يسير حتى يأتي الشام، فيهلكه الله عند عقبة أفيق» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر". قال ياقوت الحموي في "معجم البلدان": (أفيق) ؛ بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة وقاف: قرية من حوران في طريق الغور في أول العقبة المعروفة بعقبة أفيق، والعامة تقول: فيق، ينزل في هذه العقبة إلى الغور، وهو الأردن، وهي عقبة طويلة ميلين". قال: "ومنها يشرف على طبرية وبحيرتها". انتهى. وسيأتي في عدة أحاديث صحيحة أن عيسى ابن مريم ﵊ يقتل الدجال عند باب اللد، والعمدة على ما جاء في الأحاديث الصحيحة لا على ما جاء في هذا الحديث. والله أعلم. وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم، وله أربعون ليلة يسيحها في الأرض؛ اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامكم، وله حمار يركبه، عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا،»

стр. 875

«فيقول للناس: أنا ربكم، وهو أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر، ك ف ر مهجاة، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يرد كل ماء ومنهل؛ إلا المدينة ومكة حرمهما الله عليه وقامت الملائكة بأبوابهما، ومعه جبال من خبز، والناس في جهد إلا من تبعه، ومعه نهران، أنا أعلم بهما منه، نهر يقول الجنة، ونهر يقول النار، فمن أدخل الذي يسميه الجنة؛ فهو في النار، ومن أدخل الذي يسميه النار؛ فهو في الجنة، ويبعث الله معه شياطين تكلم الناس، ومعه فتنة عظيمة؛ يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس، ويقتل نفسا ثم يحييها فيما يرى الناس، لا يسلط على غيرها من الناس، ويقول: أيها الناس! هل يفعل مثل هذا إلا الرب ؟ قال: فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم، فيحاصرهم، فيشتد حصارهم، ويجهدهم جهدا شديدا، ثم ينزل عيسى ابن مريم، فينادي من السحر، فيقول: يا أيها الناس! ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجل جني! فينطلقون؛ فإذا هم بعيسى ابن مريم ﷺ ، فتقام الصلاة، فيقال له: تقدم يا روح الله! فيقول: ليتقدم إمامكم فيصل بكم؛ فإذا صلى صلاة الصبح؛ خرجوا إليه. قال: فحين يراه الكذاب؛ ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه، فيقتله، حتى إن الشجرة والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهودي؛ فلا يترك ممن كان يتبعه أحدا إلا قتله» . رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وروى ابن خزيمة في "كتاب التوحيد" طرفا منه، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه الحاكم في "مستدركه" مختصرا، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط مسلم ". وعن النواس بن سمعان ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة؛ فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه؛»

стр. 876

«عرف ذلك فينا، فقال: "ما شأنكم؟ ". قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداة، فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم؛ فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم؛ إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف؛ إنه يخرج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا: يا عباد الله! فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما: يوم كسنة ويوم كشهر، ويم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة؛ أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم، فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك! فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه؛ قطر، وإذا رفعه؛ تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه؛ إلا مات، ونفسه ينتهي حيث طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد؛ فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة؛ فبينما هو كذلك؛ إذا أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث»

стр. 877

«الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض؛ فلا يجدون في الأرض موضع شبر؛ إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك؛ فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، ورواية أبي داود مختصرة، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح". وفي روايته ورواية ابن ماجه: «إنه شاب قطط عينه قائمة» . وزاد الترمذي في روايته ومسلم في رواية له بعد قوله: "لقد كان بهذه مرة ماء": «ثم يسيرون، حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم»

стр. 878

«إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما» . وزاد أحمد بعد قوله: «فتطرحهم حيث شاء الله » : "قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره؛ قال: فتطرحهم بالمهبل. قال ابن جابر: فقلت: يا أبا يزيد! وأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس". وفي رواية الترمذي: «فتحملهم فتطرحهم بالمهبل، ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين» . وروى ابن ماجه هذه الزيادة في حديث مفرد سيأتي في ذكر يأجوج ومأجوج إن شاء الله تعالى. قال ابن الأثير: " (الزلفة) ؛ بالتحريك، وجمعها زلف: مصانع الماء، أراد أن المطر يغدر في الأرض، فتصير كأنها مصنعة من مصانع الماء. وقيل: الزلفة: المرآة، شبهها بها لاستوائها ونظافتها. وقيل: الزلفة: الروضة. ويقال بالقاف أيضا". انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "والمراد أن الماء يعم جميع الأرض، فينظفها، حتى تصير بحيث يرى الرائي وجهه فيها". انتهى. وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال وحذرناه، فكان من قوله أن قال: «إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، وإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم؛ فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي؛ فكل امرئ حجيج نفسه والله خليفتي على كل»

стр. 879

«مسلم، وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يمينا ويعيث شمالا، يا عباد الله! فاثبتوا؛ فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي، إنه يبدأ فيقول: أنا نبي! ولا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم! ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر؛ يقرؤه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب. وإن من فتنته أن معه جنة ونارا؛ فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره؛ فليستغث بالله، وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردا وسلاما كما كانت النار على إبراهيم. وإن فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك؛ أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني! اتبعه؛ فإنه ربك. وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة، فيقتلها، وينشرها بالمنشار، حتى يلقى شقتين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا؛ فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربا غيري، فيبعثه الله، ويقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله؛ ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم» . قال أبو الحسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي: حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية عن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة» . قال: قال أبو سعيد: والله؛ ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله. قال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع؛ قال: «وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت. وإن من فتنته أن يمر بالحي، فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت. وإن من فتنته أن يمر بالحي، فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت»

стр. 880

«فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعا. وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة، لا يأتيهما من نقب من نقابهما؛ إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة، حتى ينزل عند الضريب الأحمر، عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص". فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص؛ يمشي القهقرى ليتقدم عيسى ليصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف؛ قال عيسى ﵇: افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال؛ ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي؛ إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة؛ إلا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق؛ إلا قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهودي؛ فتعال اقتله". قال رسول الله ﷺ : "وإن أيامه أربعون سنة؛ السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، يصبح أحدكم على باب المدينة؛ فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي. فقيل له: يا رسول الله! كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا". قال رسول الله ﷺ : "فيكون عيسى ابن مريم ﵇ في أمتي حكما عدلا وإماما»
следующие страницы →