← Акыда

Акыда · id 8573

إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (1 255 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

«عرف ذلك فينا، فقال: "ما شأنكم؟ ". قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداة، فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم؛ فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم؛ إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف؛ إنه يخرج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا: يا عباد الله! فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما: يوم كسنة ويوم كشهر، ويم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة؛ أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأسبغه ضروعا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم، فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك! فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه؛ قطر، وإذا رفعه؛ تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه؛ إلا مات، ونفسه ينتهي حيث طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد؛ فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة؛ فبينما هو كذلك؛ إذا أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث»

стр. 877

«الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض؛ فلا يجدون في الأرض موضع شبر؛ إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك؛ فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، ورواية أبي داود مختصرة، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح". وفي روايته ورواية ابن ماجه: «إنه شاب قطط عينه قائمة» . وزاد الترمذي في روايته ومسلم في رواية له بعد قوله: "لقد كان بهذه مرة ماء": «ثم يسيرون، حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم»

стр. 878

«إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما» . وزاد أحمد بعد قوله: «فتطرحهم حيث شاء الله » : "قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره؛ قال: فتطرحهم بالمهبل. قال ابن جابر: فقلت: يا أبا يزيد! وأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس". وفي رواية الترمذي: «فتحملهم فتطرحهم بالمهبل، ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين» . وروى ابن ماجه هذه الزيادة في حديث مفرد سيأتي في ذكر يأجوج ومأجوج إن شاء الله تعالى. قال ابن الأثير: " (الزلفة) ؛ بالتحريك، وجمعها زلف: مصانع الماء، أراد أن المطر يغدر في الأرض، فتصير كأنها مصنعة من مصانع الماء. وقيل: الزلفة: المرآة، شبهها بها لاستوائها ونظافتها. وقيل: الزلفة: الروضة. ويقال بالقاف أيضا". انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "والمراد أن الماء يعم جميع الأرض، فينظفها، حتى تصير بحيث يرى الرائي وجهه فيها". انتهى. وعن أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال وحذرناه، فكان من قوله أن قال: «إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، وإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم؛ فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي؛ فكل امرئ حجيج نفسه والله خليفتي على كل»

стр. 879

«مسلم، وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يمينا ويعيث شمالا، يا عباد الله! فاثبتوا؛ فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي، إنه يبدأ فيقول: أنا نبي! ولا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم! ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر؛ يقرؤه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب. وإن من فتنته أن معه جنة ونارا؛ فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره؛ فليستغث بالله، وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردا وسلاما كما كانت النار على إبراهيم. وإن فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك؛ أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني! اتبعه؛ فإنه ربك. وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة، فيقتلها، وينشرها بالمنشار، حتى يلقى شقتين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا؛ فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربا غيري، فيبعثه الله، ويقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله؛ ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم» . قال أبو الحسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي: حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية عن أبي سعيد ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة» . قال: قال أبو سعيد: والله؛ ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله. قال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع؛ قال: «وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت. وإن من فتنته أن يمر بالحي، فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت. وإن من فتنته أن يمر بالحي، فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت»

стр. 880

«فتنبت، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعا. وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة، لا يأتيهما من نقب من نقابهما؛ إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة، حتى ينزل عند الضريب الأحمر، عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص". فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص؛ يمشي القهقرى ليتقدم عيسى ليصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف؛ قال عيسى ﵇: افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال؛ ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي؛ إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة؛ إلا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق؛ إلا قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهودي؛ فتعال اقتله". قال رسول الله ﷺ : "وإن أيامه أربعون سنة؛ السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، يصبح أحدكم على باب المدينة؛ فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي. فقيل له: يا رسول الله! كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا". قال رسول الله ﷺ : "فيكون عيسى ابن مريم ﵇ في أمتي حكما عدلا وإماما»

стр. 881

«مقسطا؛ يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في الحية؛ فلا تضره، وتفر الوليدة الأسد؛ فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة؛ فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة؛ تنبت نباتها بعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، وتكون الفرس بالدريهمات ". قالوا: يا رسول الله! وما يرخص الفرس؟ قال: "لا تركب لحرب أبدا". قيل له: فما يغلي الثور؟ قال: "تحرث الأرض كلها. وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في الثانية فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله؛ فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله؛ فلا تنبت خضراء؛ فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت؛ إلا ما شاء الله". قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: "التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام» . رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي في "المختارة"، واللفظ لابن ماجه. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" طرفا من أوله، ورواته ثقات. وساق أبو داود إسناده، وأحال بلفظه على حديث النواس بن سمعان، ورجاله ثقات. وروى الطبراني والحاكم بعضه، وقالا فيه: "وإن أيامه أربعون يوما؛ يوم

стр. 882

كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، يوم كالأيام، وآخر أيامه كالسراب؛ يصبح الرجل عند باب المدينة، فيمسي قبل أن يبلغ بابها الآخر". قالوا: وكيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: "تقدرون فيها كما تقدرون في الأيام الطوال". قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". قال أبو عبد الله - وهو ابن ماجه -: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب. وقد تكلم أبو عبية في حديث أبي أمامة ﵁ كعادته السيئة في التهجم على الأحاديث الثابتة بغير دليل، فقال في حاشية (ص١١٥) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: "كيف يعلم صبيان المسلمين مثل هذا القول الذي لا يمكن تصديقه وهو منسوب زورا إلى الرسول ﵇؟! ". والجواب أن يقال: حديث أبي أمامة ﵁ حديث صحيح كما تقدم بيان ذلك، وعلى هذا؛ فالزور في الحقيقة هو كلام أبي عبية فيه بغير حق، وإذا كان أبو عبية مستهينا بالأحاديث الثابتة لا يعبأ بها ولا يرى باطراحها بأسا؛ فأهل السنة والجماعة على خلاف ما هو عليه؛ يتلقونها بالقبول والتسليم، ويعظمون شأنها، ويؤمنون بما جاء فيها، ويعلمون أنه حق وصدق. وقد تقدم كلام الإمام أحمد وغيره في ذلك في أول الكتاب؛ فليراجع. والإيمان بما جاء في الأحاديث الصحيحة عنوان على تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، كما أن اطراحها وعدم الإيمان بما جاء فيها عنوان على عدم تحقيق الشهادة بالرسالة. قوله: "وتنزع حمة كل ذات حمة": قال أهل اللغة: " (الحمة) ؛

стр. 883

بالتخفيف: السم ". قال ابن الأثير: "وقد تشدد، وأنكره الأزهري، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة؛ لأن السم منها يخرج". قال: "ومنه حديث الدجال: "وتنزع حمة كل دابة"؛ أي: سمها". انتهى. وقد صحف أبو عبية (الحمة) ، وسيأتي التعقيب عليه في (باب نزول عيسى إلى الأرض) إن شاء الله تعالى. قوله: "وتفر الوليدة الأسد فلا يضرها": قال ابن الأثير: "هو من فررت الدابة أفرها فرا: إذا كشفت شفتها لتعرف سنها". انتهى. قوله: "وتكون الأرض كفاثور الفضة": قال الجوهري: " (الفاثور) : الخوان يتخذ من الرخام ونحوه". وقال ابن الأثير: " (الفاثور) : الخوان، وقيل: هو طست أو جام من فضة أو ذهب، ومنه قيل لقرص الشمس: فاثورها". وقال ابن منظور في "لسان العرب": " (الفاثور) : عند العامة: الطست أو الخوان، يتخذ من رخام أو فضة أو ذهب ". انتهى. والمعنى في الحديث أن الأرض تكون نظيفة مما يصيبها من المطر العظيم الذي لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، وأنها تشبه في نظافتها الطست أو الخوان من الفضة. وقد تقدم في حديث النواس بن سمعان ﵁ أن المطر يغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، وتقدم تفسير الزلفة بأنها مصنعة الماء، وقيل: المرآة، وقيل: الروضة، والمعنى في الحديثين متقارب، والله أعلم. وقد صحف أبو عبية (الفاثور) بـ: (العاثور) ، فقال في حاشية (ص١١٤) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: " (العاثور) : المهلكة من الأرض، ولعل المراد أن الأرض تتشابه وتخفى صواها ومعالمها فلا يهتدي بها السائر فيها". انتهى كلامه، وهو خطأ ظاهر وتصحيف عجيب؛ فلا يغتر به.

стр. 884

وعن جبير بن نفير عن أبيه ﵁: أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال فقال: «إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه، وإن يخرج ولست فيكم؛ فكل امرئ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم، ألا وإنه مطموس العين، كأنها عين عبد العزى بن قطن الخزاعي، ألا وإنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مسلم، فمن لقيه منكم؛ فليقرأ بفاتحة الكهف، يخرج من بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا: يا عباد الله! اثبتوا (ثلاثا) ". فقيل: يا رسول الله! فما مكثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما: يوم كالسنة، يوم كالشهر، ويوم كالجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قالوا: يا رسول الله! فكيف نصنع بالصلاة يومئذ صلاة يوم أو نقدر؟ قال: "بل تقدرون» . رواه: الطبراني، والحاكم، وابن عساكر، وهذا لفظ الحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وزاد الطبراني في روايته: قيل: يا رسول الله! فما سرعته في الأرض؟ قال: "كالسحاب استدبرته الريح". قال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن صالح، وقد وثق، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات". وقد روى البزار طرفا من أوله. قال الهيثمي: "وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد وثق، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح ". وعن الحسن عن سمرة بن جندب ﵁: أن نبي الله ﷺ كان يقول: «إن الدجال خارج، وهو أعور عين الشمال، عليها ظفرة غليظة، وإنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويقول للناس: أنا ربكم! فمن قال: أنت ربي؛ فقد فتن، ومن قال: ربي الله حي لا يموت؛ فقد عصم من فتنته، ولا فتنة بعده عليه ولا عذاب، فيلبث في الأرض ما شاء الله، ثم يجيء عيسى ابن مريم ﵉ من قبل المغرب، مصدقا بمحمد ﷺ ، وعلى ملته، فيقتل»

стр. 885

«الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة» . رواه: الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". وعن ثعلبة بن عباد العبدي من أهل البصرة؛ قال: شهدت يوما خطبة لسمرة بن جندب، فذكر في خطبته حديثا عن رسول الله ﷺ ، فقال: «بينا أنا وغلام من الأنصار نرمي في غرضين لنا على عهد رسول الله ﷺ ، حتى إذا كانت الشمس قيد رمحين أو ثلاثة في عين الناظر؛ اسودت حتى آضت كأنها تنومة. قال: فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد؛ فوالله؛ ليحدثن شأن هذه الشمس لرسول الله ﷺ في أمته حدثا. قال: فدفعنا إلى المسجد؛ فإذا هو بارز. قال: ووافقنا رسول الله ﷺ حين خرج إلى الناس، فاستقدم، فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا، ثم ركع كأطول ما ركع بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك، فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية، فسلم، فحمد الله وأثنى عليه وشهد أنه عبد الله ورسوله، ثم قال: " أيها الناس! أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي لما أخبرتموني ذاك، فبلغت رسالات ربي كما ينبغي لها أن تبلغ، وإن كنتم تعلمون أني بلغت رسالات ربي؛ لما أخبرتموني ذاك". قال: فقام رجال، فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك. ثم سكتوا، ثم قال: "أما بعد؛ فإن رجالا يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مطالعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله ﵎، يعتبر بها عباده، فينظر من يحدث له منهم توبة، وايم الله؛ لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه والله؛ لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، آخرهم الأعور الدجال، ممسوح»

стр. 886

«العين اليسرى، كأنها عين أبي تحي (لشيخ حينئذ من الأنصار بينه وبين حجرة عائشة ﵂ ، وإنه متى يخرج؛ فإنه سوف يزعم أنه الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه؛ لم ينفعه صالح من عمله سلف، ومن كفر به وكذبه؛ لم يعاقب بشيء من عمله (وقال حسن الأشيب: بسيئ من عمله سلف) ، وإنه سيظهر (أو قال: سوف يظهر) على الأرض كلها؛ إلا الحرم وبيت المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالا شديدا، ثم يهلكه الله ﵎ وجنوده، حتى إن جذم الحائط (أو قال: أصل الحائط. وقال حسن الأشيب: وأصل الشجرة) لينادي (أو قال: يقول) : يا مؤمن (أو قال: يا مسلم) ! هذا يهودي (أو قال: هذا كافر) ، تعالى فاقتله". قال: "ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتساءلون بينكم: هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا؟ وحتى تزول جبال عن مراتبها، ثم على إثر ذلك القبض» . قال: ثم شهدت خطبة لسمرة ذكر فيها هذا الحديث، فما قدم كلمة ولا أخرها عن موضعها. رواه: الإمام أحمد واللفظ له، وأبو يعلى، وابن خزيمة، والطبراني في "الكبير"، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ غير ثعلبة بن عباد، وثقه ابن حبان ". قال: "ورواه البزار ببعضه، وقال فيه: "فمن اعتصم بالله، فقال: ربي الله حي لا يموت؛ فلا عذاب عليه، ومن قال: أنت ربي؛ فقد فتن ". وفي رواية ابن حبان: "ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورا عظاما، يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتساءلون بينكم: هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا". وفي رواية الحاكم: "وحتى تزول جبال عن مراسيها". وقد علق أبو عبية في (ص١٢٥) من "النهاية" لابن كثير على قوله في

стр. 887

هذا الحديث: "وإنه متى يخرج؛ فإنه سوف يزعم أنه الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه؛ لم ينفعه صالح من عمله سلف، ومن كفر به وكذبه؛ لم يعاقب بشيء من عمله". قال أبو عبية: "من مبادئ الإسلام المقررة أن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، ورد دعوة مدعي الألوهية أمر بدهي، لا يقتضي محو كل الذنوب وستر كل العيوب". والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن كلام أبي عبية هذا ظاهر في رد قول النبى ﷺ ومعارضته بالشبهة التي رآها بعقله، ومن سلك هذا المسلك الذميم؛ فهو ممن يشك في تحقيقه لشهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن معناها طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، وقد أخبر النبى ﷺ في هذا الحديث الصحيح أن من آمن بالدجال وصدقه لم ينفعه صالح من عمله سلف، ومن كفر به وكذبه لم يعاقب بشيء من عمله، والنبى ﷺ لا يقول إلا الحق، فوجب الإيمان بقوله، وترك الاعتراض عليه بمجرد الآراء والتخرصات والظنون الكاذبة. الوجه الثاني: أن فتنة الدجال هي أعظم فتنة تكون في الدنيا؛ كما سيأتي ذلك منصوصا عليه في عدة أحاديث صحيحة. وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في "مستدركه"؛ عن عمران بن حصين ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع بالدجال؛ فلينأ عنه، فوالله؛ إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات» .

стр. 888

قال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم "، وأقره الذهبي في "تلخيصه". وإذا كان الدجال بهذه الصفة المخوفة؛ فلا شك أن الكفر به وتكذيبه لا يصدر إلا من مؤمن قوي الإيمان، ومن كان كذلك؛ فغير مستنكر أن تكفر أعماله السيئة كلها، ولا يعاقب بشيء منها. وأما الإيمان به وتصديقه؛ فهو كفر، ومن كفر بعد الإيمان؛ حبط عمله، ولم ينفعه صالح من عمله سلف. قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة. وعن أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂؛ قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي، فذكر الدجال؛ فقال: «إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ضرس ولا ذات ظلف من البهائم إلا هلكت، وإن أشد فتنته أن يأتي الأعرابي، فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك؛ ألست تعلم أني ربك؟ قال: فيقول: بلى. فتمثل الشياطين له نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعا وأعظمه أسنمة". قال: "ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه، فيقول: أرأيت إن أحييت لك أباك وأحييت لك أخاك؛ ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى. فتمثل له الشياطين نحو أبيه ونحو أخيه". قالت: ثم خرج رسول الله ﷺ لحاجة، ثم رجع. قالت: والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم به. قالت: فأخذ بلحمتي الباب، وقال: مهيم أسماء؟ قالت: قلت: يا رسول الله! لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال. قال: "إن يخرج وأنا حي؛ فأنا حجيجه، وإلا؛ فإن ربي خليفتي»

стр. 889

«على كل مؤمن ". قالت أسماء: يا رسول الله! إنا والله لنعجن عجينتنا فما نختبزها حتى نجوع؛ فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: "يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس» . رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والإمام أحمد من طريقه. وإسناده حسن. وفي رواية لأحمد؛ قال: «يكفي المؤمنين عن الطعام والشراب يومئذ التكبير والتسبيح والتحميد» ، وإسناده حسن أيضا. وعنها ﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ وهو بين ظهراني أصحابه يقول: «أحذركم المسيح وأنذركموه، وكل نبي قد حذره قومه، وهو فيكم أيتها الأمة، وسأجلي لكم من نعته ما لم تجلي الأنبياء قبلي لقومهم، يكون قبل خروجه سنون خمس جدب، حتى يهلك كل ذي حافر". فناداه رجل، فقال: يا رسول الله! فبم يعيش المؤمنون؟ قال: "بما تعيش به الملائكة. وهو أعور، وليس الله بأعور، بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، أكثر من يتبعه اليهود والنساء والأعراب، يرون السماء تمطر وهي لا تمطر، والأرض تنبت وهي لا تنبت، ويقول للأعراب: ما تبغون مني؟ ألم أرسل السماء عليكم مدرارا، وأحيي لكم أنعامكم شاخصة ذراها، خارجة خواصرها، دارة ألبانها؟ وتبعث معه الشياطين على صورة من مات من الآباء والإخوان والمعارف، فيأتي أحدهم إلى أبيه وأخيه وذي رحمه، فيقول: ألست فلانا؟ ألست تعرفني؟ هو ربك؛ فاتبعه، يعمر أربعين سنة: السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة في النار، يرد كل منهل؛ إلا المسجدين". ثم قام رسول الله ﷺ يتوضأ، فسمع بكاء الناس وشهيقهم، فرجع، فقام بين أظهرهم، فقال: "أبشروا؛ فإن يخرج وأنا»

стр. 890

«فيكم؛ فالله كافيكم ورسوله، وإن يخرج بعدي؛ فالله خليفتي على كل مسلم» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه شهر بن حوشب، ولا يحتمل مخالفته للأحاديث الصحيحة: أنه يلبث في الأرض أربعين يوما، وفي هذا أربعين سنة، وبقية رجاله ثقات". وقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد في "كتاب السنة" بنحوه مختصرا، وإسناده صحيح. وعن أسماء بنت عميس ﵂: أن النبى ﷺ دخل عليها لبعض حاجته، ثم خرج، فشكت إليه الحاجة، فقال: «كيف بكم إذا ابتليتم بعبد قد سخرت له أنهار الأرض وثمارها، فمن اتبعه؛ أطعمه وأكفره، ومن عصاه؛ حرمه ومنعه". قلت: يا رسول الله! إن الجارية لتجلس عند التنور ساعة لخبزها فأكاد أفتتن في صلاتي؛ فكيف بنا إذا كان ذلك؟ قال: "إن الله يعصم المؤمنين يومئذ بما عصم به الملائكة من التسبيح، إن بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح". وعن عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال، وقد قلت فيه قولا لم يقله أحد قبلي: إنه آدم، جعد، ممسوح عين اليسار، على عينه ظفرة غليظة، وإنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويقول: أنا ربكم، فمن قال: ربي الله؛ فلا فتنة عليه، ومن قال: أنت ربي؛ فقد افتتن، يلبث فيكم ما شاء الله، ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدقا بمحمد ﷺ على ملته، إماما مهديا، وحكما عدلا، فيقتل الدجال» . فكان الحسن يقول: ونرى أن ذلك عند الساعة.

стр. 891

رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف لا يضر". وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال عدو الله ومعه جنود من اليهود وأصناف الناس، معه جنة ونار ورجال يقتلهم ثم يحييهم، معه جبل من ثريد ونهر من ماء، وإني سأنعت لكم نعته: إنه يخرج ممسوح العين، في جبهته مكتوب كافر، يقرؤه كل من كان يحسن الكتاب ومن لا يحسن، فجنته نار وناره جنة، وهو المسيح الكذاب، ويتبعه من نساء اليهود ثلاثة عشر ألف امرأة، فرحم الله رجلا منع سفيهه أن يتبعه، والقوة عليه يومئذ القرآن؛ فإن شأنه بلاء شديد، يبعث الله الشياطين من مشارق الأرض ومغاربها، فيقولون له: استعن بنا على ما شئت. فيقول: نعم؛ انطلقوا فأخبروا الناس أني ربهم، وأني قد جئتهم بجنتي وناري، فينطلق الشياطين، فيدخل على الرجل أكثر من مائة شيطان، فيتمثلون له بصورة والده وولده، وإخوته ومواليه ورفيقه، فيقولون: يا فلان! أتعرفنا؟ فيقول لهم الرجل: نعم، هذا أبي وهذه أمي وهذه أختي وهذا أخي، فيقول الرجل: ما نبؤكم؟ فيقولون: بل أنت فأخبرنا ما نبؤك؟ فيقول الرجل: إنا قد أخبرنا أن عدو الله الدجال قد خرج. فتقول له الشياطين: مهلا؛ لا تقل هذا؛ فإنه ربكم يريد القضاء فيكم، هذه جنة قد جاء بها ونار، ومعه الأنهار والطعام؛ فلا طعام إلا ما كان قبله إلا ما شاء الله، فيقول الرجل: كذبتم؛ ما أنتم إلا شياطين، وهو الكذاب، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قد حدث حديثكم، وحذرناه وأبناءنا به؛ فلا مرحبا بكم، أنتم الشياطين وهو عدو الله، وليسوقن عيسى ابن مريم حتى يقتله، فيخسؤوا فينقلبوا خاسئين". ثم قال رسول الله ﷺ : "إنما أحدثكم هذا لتعقلوه وتفقهوه وتفهموه وتعوه، فاعملوا عليه وحدثوا به من خلفكم، وليحدث الآخر الآخر؛ فإن فتنته أشد الفتن» .

стр. 892

رواه نعيم بن حماد في "كنز العمال"، وفيه سويد بن عبد العزيز متروك. قلت: لم يتفق على تركه، بل قال دحيم: "ثقة، وكانت له أحاديث يغلط فيها". وقال نعيم بن حماد وعلي بن حجر: " (كان هشيم يحسن أمره ويثني عليه خيرا". وحديثه هذا فيه نكارة، ولبعضه شواهد مما تقدم. باب أن فتنة الدجال أعظم الفتن في الدنيا قد تقدم في الباب قبله ثلاثة أحاديث في ذلك: أولها: حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم ... (الحديث، وفيه:) ومعه فتنة عظيمة» . رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح، وابن خزيمة، والحاكم وصححه، وقال الذهبي: "على شرط مسلم ". ثانيها: حديث أبي أمامة الباهلي ﵁: عن النبى ﷺ : أنه قال: «إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال» ..... الحديث. رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم، والحافظ الضياء المقدسي، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". ثالثا: حديث عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال» ...... الحديث.

стр. 893

رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف لا يضر". وعن هشام بن عامر ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم. وفي رواية لأحمد؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله؛ ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أعظم من الدجال» . وفي رواية له أخرى؛ قال: سمعت النبى ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أكبر من فتنة الدجال» . ورواه الحاكم، ولفظه: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أكبر عند الله من الدجال» . قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في "تلخيصه". وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال: «ما كانت فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة أكبر من فتنة الدجال» ..... الحديث. رواه: الإمام أحمد في "المسند"، وابنه عبد الله في "كتاب السنة" من طريقه، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وعن حذيفة ﵁؛ قال: ذكر الدجال عند رسول الله ﷺ ، فقال: «لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال، ولن ينجو أحد مما قبلها؛ إلا نجا منها، وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال» .

стр. 894

رواه الإمام أحمد، والبزار. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال: كنا عند النبى ﷺ ، فذكر الدجال، فقال: «لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال، إنها ليست من فتنة صغيرة ولا كبيرة إلا تتضع لفتنة الدجال، فمن نجا من فتنة ما قبلها؛ نجا منها، وإنه لا يضر مسلما، مكتوب بين عينيه كافر؛ بهجاوة: ك ف ر» . وعن عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من نجا من ثلاث؛ فقد نجا (ثلاث مرات) : موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق يعطيه» . رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم في "مستدركه". قال الهيثمي: "ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير ربيعة بن لقيط، وهو ثقة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن عقبة بن عامر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من نجا منها؛ فقد نجا: من نجا عند موتي؛ فقد نجا، ومن نجا عند قتل خليفة يقتل مظلوما وهو مصطبر يعطي الحق من نفسه؛ فقد نجا، ومن نجا من فتنة الدجال؛ فقد نجا» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه إبراهيم بن يزيد المصري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات". وعن حسان بن عطية أحد ثقات التابعين: أنه قال: "لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة". رواه أبو نعيم في "الحلية" في ترجمة حسان المذكور. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وسنده حسن صحيح إليه". قال: "وهذا لا يقال من

стр. 895

قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب ". انتهى. باب أن فتنة الدجال آخر الفتن عن حذيفة ﵁: أنه قال: "أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده؛ لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان؛ إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه؛ آمن به في قبره". ذكره ابن كثير في "تاريخه" عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة. ورواه: ابن أبي شيبة مختصرا، وابن عساكر في تاريخه مطولا؛ بنحو ما ذكرنا. باب ما جاء في أيام الدجال قد تقدم في (باب فتنة الدجال) أحاديث في ذلك: منها حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم، وله أربعون ليلة يسيحها في الأرض: اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامكم هذه» . رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح. وروى ابن خزيمة طرفا منه في "كتاب التوحيد "، وإسناده صحيح. ورواه الحاكم مختصرا وصححه، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط مسلم".

стр. 896

ومنها حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة..... الحديث، وفيه: قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره» . رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح". ومنها حديث جبير بن نفير عن أبيه ﵁؛ «أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال.... الحديث، وفيه: فقيل: يا رسول الله! فما مكثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما؛ يوم كالسنة، ويوم كالشهر، ويوم كالجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قالوا: يا رسول الله! فكيف نصنع بالصلاة يومئذ صلاة يوم أو نقدر؟ قال: "بل تقدروا» . رواه: الطبراني، والحاكم، وابن عساكر، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي على ذلك. ومنها حديث أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوما، فكان أكثر خطبته ذكر الدجال؛ يحدثنا عنه.... الحديث، وفيه: «وإن أيامه أربعون يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، ويوم كالأيام وآخر أيامه كالسراب، يصبح الرجل عند باب المدينة فيمسي قبل أن يبلغ بابها الآخر ". قالوا: وكيف نصلي يا رسول الله في تلك الأيام القصار؟ قال: "تقدرون فيها كما تقدرون في الأيام الطوال» . رواه: الطبراني، والحاكم؛ بهذا اللفظ. وقال الحاكم: "صحيح على

стр. 897

شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". ورواه ابن ماجه، وقال فيه: «وإن أيامه أربعون: السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة؛ يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي". فقيل له: يا رسول الله! كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: "تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا» . وقد تقدم في (باب قصة المؤمن مع الدجال) حديث جنادة بن أبي أمية عن رجل من أصحاب النبى ﷺ ؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنذرتكم فتنة الدجال ... (الحديث، وفيه:) وإنه يلبث فيكم أربعين صباحا» . وفي رواية: «وإنه يمكث في الأرض أربعين صباحا، يبلغ فيها كل منهل، ولا يقرب أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، ومسجد الأقصى» . رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة على شرط الشيخين. وتقدم فيه أيضا حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ : أنه قال في الدجال: «يخرج، فيكون في الأرض أربعين صباحا: الشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم» . رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم". وتقدم في (باب حراسة مكة والمدينة من الدجال) حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قام رسول الله ﷺ ذات يوم على المنبر.... فذكر حديث الجساسة، وزاد فيه: "هو المسيح، تطوى له الأرض في أربعين يوما". رواه أبو يعلى بإسنادين. قال الهيثمي: "رجال أحدهما رجال الصحيح".

стр. 898

وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يذكر المسيح الدجال: «إني سأقول لكم فيه كلمة.... (الحديث، وفيه:) يسيح الأرض أربعين يوما، يرد كل بلد؛ غير هاتين المدينتين، المدينة ومكة، حرمهما الله عليه، يوم من أيامه كالسنة، ويوم كالشهر، ويوم كالجمعة، وبقية أيامه كأيامكم هذه، لا يبقى إلا أربعين يوما» . رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف". وتقدم بتمامه في (باب حراسة مكة والمدينة من الدجال) . وتقدم في (باب من أين يخرج الدجال) حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق ﷺ يقول: «يخرج أعور الدجال مسيح الضلالة قبل المشرق في زمن اختلاف من الناس وفرقة، فيبلغ ما شاء الله أن يبلغ من الأرض في أربعين يوما، الله أعلم ما مقدارها، الله أعلم ما مقدارها (مرتين) ، فيلقى المؤمنون منه شدة شديدة» ..... الحديث. رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والبزار. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير علي بن المنذر، وهو ثقة". وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أخرجه البزار بسند جيد". وسيأتي هذا الحديث بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى. وعن أسماء بنت يزيد ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة: السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام السعفة في النار» .

стр. 899

رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والإمام أحمد من طريقه هكذا مختصرا، ورواه الطبراني في حديث طويل تقدم في (باب فتنة الدجال) . قال الهيثمي: "وفيه شهر بن حوشب، ولا يحتمل مخالفته للأحاديث الصحيحة أنه يلبث في الأرض أربعين يوما وفي هذا أربعين سنة، وبقية رجاله ثقات ". وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين، لا أدري: أربعين يوما، أو أربعين شهرا، أو أربعين عاما» .... الحديث. رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي. وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى. وقد اختلفت أحاديث هذا الباب في مدة مكث الدجال في الأرض؛ ففي أكثرها والصحيح منها أنه يمكث في الأرض أربعين يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا هذه. وفي حديث أسماء بنت يزيد ﵂: أنه يمكث في الأرض أربعين سنة: السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام السعفة في النار. ونحوه ما في رواية ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي ﵁. وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عدم الجزم في الأربعين بأنها أيام أو أشهر أو أعوام، ولعل هذا قبل أن يتبين له ﷺ أنها أربعون يوما. والعمدة في هذا على ما في حديث النواس بن سمعان وما وافقه من الأحاديث الصحيحة: أنها أربعون يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كسائر الأيام قبله وبعده. والله أعلم.

стр. 900

باب ما جاء في قتال الدجال قدم تقدم في (باب ما جاء في الملحمة الكبرى) حديثان في ذلك: أولهما: حديث بن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في قتال المسلمين للروم، وفي آخره: قال: "وبقيتهم يقاتل الدجال". رواه عبد الرزاق في "مصنفه". ثانيهما: حديث ابن مسعود ﵁ في قتال المسلمين للروم، وفيه: «فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة". قال رسول الله ﷺ : " إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ (زاد عبد الرزاق في روايته:) فيقاتلهم الدجال، فيستشهدون» . وتقدم في (باب أشد الناس على الدجال) أربعة أحاديث في ذلك. أولها: حديث أبي هريرة: أنه قال: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ : سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هم أشد أمتي على الدجال» ..... الحديث. رواه: الإمام أحمد، والشيخان. ثانيها: حديث عكرمة بن خالد؛ قال: حدثني فلان من أصحاب النبى ﷺ ؛ قال: «نال رجل من بني تميم عند رسول الله ﷺ يوما، فقال: " لا تقل لبني تميم إلا خيرا؛ فإنهم أطول الناس رماحا على الدجال» .

стр. 901

رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم. ثالثها: حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: «ذكرت القبائل عند رسول الله ﷺ ، فسألوه عن بني تميم، فقال: "ثبت الأقدام، رجح الأحلام، عظماء الهام، أشد الناس على الدجال في آخر الزمان» . رواه الطبراني وغيره. رابعها: حديث أبي هريرة أيضا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ «وذكر بني تميم، فقال: "هم ضخام الهام، ثبت الأقدام، نصار الحق في آخر الزمان، أشد قوما على الدجال» . رواه البزار. وتقدم في (باب فتنة الدجال) حديثان في ذلك: أولهما: حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم ... (الحديث، وفيه قال:) فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم، فيحاصرهم، فيشتد حصارهم، ويجهدهم جهدا شديدا» ... الحديث. رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح، والحاكم وصححه، وقال الذهبي: "على شرط مسلم ". ثانيهما: حديث سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالا شديدا، ثم يهلكه الله ﵎ وجنوده» ..... الحديث. رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن خزيمة، والطبراني في "الكبير"، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط

стр. 902

الشيخين"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن نهيك بن صريم السكوني ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن: أنتم شرقيه وهو غربيه» . قال: وما أدري يومئذ أين الأردن من الأرض. رواه: الطبراني، والبزار. قال الهيثمي: "ورجاله البزار ثقات". وعن عمران بن حصين ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل» . رواه أبو داود. وعنه ﵁: أن النبى ﷺ قال: «سيدرك رجال من أمتي عيسى ابن مريم، ويشهدون قتال الدجال» . رواه: الترمذي في "كتاب العلل"، وابن خزيمة، والحاكم في "مستدركه"، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه معاوية بن واهب، ولم أعرفه". وعن جابر بن سمرة ﵄ عن نافع بن عتبة بن أبي وقاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون»

стр. 903

«فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال؛ فيفتحه الله» . قال: فقال نافع: يا جابر! لا نرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم. رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والبخاري في "تاريخه". وقد رواه: ابن جرير، وابن عبد البر من طريقه، والحاكم في "مستدركه"؛ من حديث جابر بن سمرة ﵄ عن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يظهر المسلمون على جزيرة العرب، ويظهر المسلمون على فارس، ويظهر المسلمون على الروم، ويظهر المسلمون على الأعور الدجال» . قال البغوي: "الصواب عن نافع بن عتبة ". وقال ابن السكن: "الحديث لنافع بن عتبة؛ إلا أن يكون نافع وهاشم سمعاه جميعا". وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " «إنكم ستفتحون مدينة هرقل (أو قيصر) ، وتقتسمون أموالها بالأترسة، ويسمعهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في أهاليهم، فيلقون ما معهم ويخرجون فيقاتلونه» . رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". وقد رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن"؛ بنحوه. وعن عثمان بن أبي العاص ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه ننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفا عليهم السيجان، وأكثر تبعه»

стр. 904

«اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه وننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغربي الشام، وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق، فيبعثون سرحا لهم، فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم، وتصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد» ......." الحديث. رواه: الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى. وعن حذيفة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «إنه يطلع من آخر أمره على بطن الأردن، على ثنية أفيق، وكل واحد يؤمن بالله واليوم الآخر ببطن الأردن، وإنه يقتل من المسلمين ثلثا، ويهزم ثلثا، ويبقى ثلث، فيحجز بينهم الليل، فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربكم» ....." الحديث. رواه: الحاكم، وابن منده في كتاب "الإيمان"، وابن عساكر. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "، وأقره الذهبي. وقال ابن كثير: "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في إسناد ابن منده: هذا إسناد صالح". وسيأتي بتمامه في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى. وعن أبي الزعراء؛ قال: كنا عند عبد الله بن مسعود ﵁، فذكر عنده الدجال، فقال عبد الله بن مسعود: "تفترقون" أيها الناس لخروجه على ثلاث فرق: فرقة تتبعه، وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح، وفرقة تأخذ شط الفرات؛ يقاتلهم ويقاتلونه، حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام، فيبعثون إليهم طليعة فيهم فارس على فرس أشقر وأبلق ". قال: "فيقتتلون فلا يرجع منهم

стр. 905

بشر". قال عبد الله: "ويزعم أهل الكتاب أن المسيح ﵇ ينزل فيقتله ". رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في موضع من "تلخيصه"، وقال في موضع آخر: "ما احتجا بأبي الزعراء". وعن حذيفة بن أسيد ﵁: أنه قال: "الدجال يخرج في بغض من الناس وخفة من الدين وسوء ذات بين، فيرد كل منهل، فتطوى له الأرض طي فروة الكبش، حتى يأتي المدينة، فيغلب على خارجها ويمنع داخلها، ثم جبل إيلياء، فيحاصر عصابة من المسلمين، فيقول لهم الذي عليهم: ما تنتظرون بهذا الطاغية أن تقاتلوه حتى تلحقوا بالله أو يفتح لكم، فيأتمرون أن يقاتلوه إذا أصبحوا، فيصبحون ومعهم عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، ويهزم أصحابه، حتى إن الشجر والحجر والمدر يقول: يا مؤمن! هذا يهودي عندي؛ فاقتله". رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ". قلت: وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف. باب ما جاء في قتل الدجال وأتباعه في حديث حذيفة بن أسيد ﵁ المذكور آنفا: أن عيسى ﵊ يقتل الدجال.

стр. 906

وقد تقدم في (باب فتنة الدجال) عدة أحاديث في ذلك: منها حديث جابر بن عبد الله ﵄ الذي رواه الإمام أحمد وابن خزيمة والحاكم، وفيه أن عيسى ﵊ يمشي إلى الدجال فيقتله، حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهودي؛ فلا يترك ممن كان يتبعه أحدا إلا قتله. ومنها حديث النواس بن سمعان ﵁، وفيه أن المسيح ابن مريم يطلب الدجال، حتى يدركه بباب لد، فيقتله. ومنها حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، وفيه أن الدجال إذا نظر إلى عيسى ﵇؛ ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة؛ إلا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق؛ إلا قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهودي؛ فتعال اقتله. ومنها حديث سمرة بن جندب ﵁، وفيه أن عيسى ﵇ يقتل الدجال. ومنها حديث عبد الله بن مغفل ﵁، وفيه أن عيسى ﵇ يقتل الدجال. ومنها حديث حذيفة بن اليمان ﵄، وفيه أن عيسى ﵇ يقتل الدجال. وتقدم في ذكر ابن صياد حديث جابر بن عبد الله ﵄، وفيه

стр. 907

«أن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: ائذن لي فأقتله يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "إن يكن هو؛ فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم ﵊» ... الحديث. رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين. وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يسلط على قتل الدجال إلا عيسى ابن مريم ﵇» . رواه أبو داود الطيالسي بإسناد ضعيف. ويشهد له ما تقدم وما يأتي من الأحاديث الصحيحة. وعن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ينزل الدجال في هذه السبخة بمر قناة، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته فيوثقها رباطا مخافة أن تخرج إليه، ثم يسلط الله المسلمين، فيقتلونه ويقتلون شيعته، حتى إن اليهودي ليختبئ تحت الشجرة والحجر، فيقول الحجر أو الشجرة للمسلم: هذا يهودي تحتي؛ فاقتله» . رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه ابن إسحاق وهو مدلس". قلت: وحديثه حسن. وعن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقتل ابن مريم الدجال بباب لد» . رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح". وفي رواية

стр. 908

لأحمد: «ليقتلن ابن مريم الدجال بباب لد (أو: إلى جانب لد) » . ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" بمثله. ورواه ابن عساكر، ولفظه: "يقتل ابن مريم الدجال دون باب لد سبع عشرة ذراعا". قال الترمذي: "وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عتبة وأبي برزة وحذيفة بن أسيد وأبي هريرة وكيسان وعثمان بن أبي العاص وجابر وأبي أمامة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب والنواس بن سمعان وعمرو بن عوف وحذيفة بن اليمان ﵃". قلت: وقد تقدم ذكر بعض هذه الأحاديث في هذا الباب والباب قبله، ويأتي ذكر باقيها في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى. وعن سالم عن أبيه: "أن عمر ﵁ سأل يهوديا عن الدجال، فقال: وإله يهود؛ ليقتلنه ابن مريم بفناء لد". رواه ابن أبي شيبة، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه: "أن عمر ﵁ سأل رجلا من اليهود عن شيء، فحدثه، فصدقه عمر، فقال له عمر: قد بلوت صدقك؛ فأخبرني عن الدجال. قال: وإله اليهود؛ ليقتلنه ابن مريم بفناء لد". إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد علق أبو عبية على قوله ﷺ في حديث مجمع بن جارية الأنصاري ﵁: "يقتل ابن مريم الدجال بباب لد" تعليقا ضل فيه عن الحق والصواب، فقال في (ص١٥٨) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: "على الرأي الذي تطمئن إليه النفس تكون إشارة الحديث إلى ما سيكون

стр. 909

بإذن الله من محق الباطل الذي يمثله الدجالون الكذابون بصولة الحق الذي يمثله عيسى ﵇، ولعل في تحديد مكان انتصار الحق على الباطل بباب لد في فلسطين ما يبشر القلوب المؤمنة بالله الواثقة من عدالة قضيتها - قضية الإسلام والعروبة - بإذن الله ناصر العرب والمسلمين، وخاذل اليهود المعتدين الذين يمثلون الدجال بمعناه الأوسع في تزوير الحقائق ونشر البهتان والعدوان على الناس، ويجسدون الرغبة المجنونة في سلب مقدراتهم وبلبلة أفكارهم وعقائدهم" انتهى كلامه. والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يقال: قد تواترت الأحاديث عن النبى ﷺ بخروج الدجال ونزول عيسى ﵊، ولا دخل للرأي فيما جاءت به الأحاديث الصحيحة، ومن عارض ما جاءت به الأحاديث الصحيحة برأيه أو برأي غيره؛ فهو على شفا هلكة. الوجه الثاني: أن كلام أبي عبية كلام باطل، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة، والحامل لأبي عبية على هذا التحريف إنكاره لما تواترت به الأحاديث من خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وقد تلقى رأيه هذا عن الذين أنكروا خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة؛ كما تقدم ذكر ذلك قريبا، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى بعد ذكر الأحاديث المتعلقة بنزول عيسى ﵊، وتلقاه أيضا عن بعض المشايخ المنحرفين عن الحق في زماننا وقبله بقليل، وهو رأي مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة؛ كما تقدم بيان ذلك، وكما سيأتي أيضا إن شاء الله تعالى، فيجب اطراح هذا الرأي ورده على قائله.

стр. 910

باب في تعيين الموضع الذي يقتل فيه الدجال قد تقدم النص على ذلك في ثلاثة أحاديث عن النبى ﷺ : منها حديث النواس بن سمعان ﵁، وفيه أن المسيح ابن مريم يطلب الدجال حتى يدركه بباب لد فيقتله. ومنها حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، وفيه أن عيسى ﵇ يدرك الدجال عند باب اللد الشرقي فيقتله. ومنها حديث مجمع بن جارية الأنصاري ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقتل ابن مريم الدجال بباب لد» ، وفي رواية: «دون باب لد سبع عشرة ذراعا» . وتقدم أيضا حديث عمر ﵁: "أنه سأل يهوديا عن الدجال، فقال: وإله يهود؛ ليقتلنه ابن مريم بفناء لد". فصل وقد اشتملت الأبواب التي في ذكر الدجال على أكثر من مائة وتسعين حديثا من الصحاح والحسان، سوى ما فيها من الأحاديث الضعيفة، وسيأتي مزيد لها في ذكر نزول عيسى ﵊ إن شاء الله تعالى. وقد تواترت هذه الأحاديث من وجوه متعددة، فتواترت في التحذير من الدجال وبيان صفته، وتواترت في ذكر فتنته والاستعاذة منه، وتواترت في حراسة المدينة منه، وتواترت في ذكر نزول عيسى وقتله الدجال. ومع ما ذكرته فيه من الأحاديث الكثيرة التي لم تجتمع في شيء سواه؛

стр. 911

فقد أنكر بعض أهل الأهواء والبدع خروجه، وتبعهم على ذلك كثير من المنتسبين إلى العلم في زماننا، ومنهم أبو عبية في تقديمه لكتاب "النهاية" لابن كثير وفي عدة تعاليق له على "النهاية"؛ فقد زعم في المقدمة أن الدجال رمز لاستشراء الفتنة واستعلاء الضلال فترة من الزمان، وقال نحو ذلك في تعليقه على (ص٧١) ، وفي عنوان له في (ص٧٥) ، وفي تعليقه في (ص١١٨ وص١٤٨ وص١٥٢ وص ١٥٨) . والأحاديث الصحيحة مما ذكرته تضرب في نحور المنكرين لخروج الدجال، وتنادي على كثافة جهلهم، بل تنادي على عدم تحقيقهم لشهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن من لازم تحقيقها تصديقه ﷺ فيما أخبر به من الغيوب الماضية والآتية. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . ولو لم يكن إلا الأمر بالاستعاذة من فتنة الدجال في آخر كل صلاة؛ لكان ذلك كافيا في إثبات خروجه والرد على من أنكر ذلك. وقد روى عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن عباس ﵄؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ وهو يقول: "إنه سيخرج بعدكم قوم يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بالحوض، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بقوم يخرجون من النار". في إسناده علي بن زيد بن جدعان، روى له مسلم مقرونا بآخر، وحسن الترمذي حديثه، وقال يعقوب بن شيبة: "ثقة"، وقال أحمد وأبو زرعة: "ليس بالقوي"، وبقية رجاله ثقات. وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأن فيه إخبارا عن أمر غيبي، وذلك لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.

стр. 912

قال النووي في "شرح مسلم": "قال القاضي عياض: هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى؛ من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك؛ فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى ﷺ ، ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار؛ خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة، وخلافا للجبائي المعتزلي وموافقيه من الجمهية وغيرهم، في أنه صحيح الوجود، ولكن الذي يدعي مخارق وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنه لو كان حقا؛ لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا غلط من جميعهم؛ لأنه لم يدع النبوة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الإلهية، وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه، ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس؛ لسد الحاجة والفاقة؛ رغبة في سد الرمق، أو تقية وخوفا من أذاه؛ لأن فتنته عظيمة جدا، تدهش العقول، وتحير الألباب، مع سرعة مروره في الأرض؛ فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدقه من صدقه في هذه الحالة. ولهذا؛ حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته، ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله، وأما أهل التوفيق؛ فلا يغترون به، ولا يخدعون

стр. 913

لما معه؛ لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه: ما ازددت فيك إلا بصيرة" انتهى. وقال ابن كثير في "النهاية": "قد تقدم في حديث حذيفة بن اليمان ﵄ وغيره أن ماءه نار وناره ماء بارد، وإنما ذلك في نظر العين، وقد تمسك بهذا الحديث طائفة من العلماء؛ كابن حزم والطحاوي وغيرهما، في أن الدجال ممخرق مموه، لا حقيقة لما يبدي للناس من الأمور التي تشاهد في زمانه، بل كلها خيالات عند هؤلاء. قال الشيخ أبو علي الجبائي شيخ المعتزلة: لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة؛ لئلا يشبه خارق الساحر بخارق النبي. وقد أجابه القاضي عياض وغيره بأن الدجال إنما يدعي الألوهية، وذلك مناف لبشريته؛ فلا يمتنع إجراء الخارق على يديه والحالة هذه. وقد أنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه، فلم يصنعوا شيئا، وخرجوا بذلك عن حيز العلماء؛ لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ كما تقدم. والذي يظهر من الأحاديث المتقدمة أن الدجال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهدة في زمانه، كما تقدم أن من استحباب له؛ يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت لهم زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم وترجع إليهم مواشيهم سمانا لبنا، ومن لا يستجيب له ويرد عليه أمره؛ تصيبهم السنة والجدب والقحط والقلة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وأنه تتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل، ويقتل ذلك الشاب ثم يحييه، وهذا كله ليس بمخرقة، بل حقيقة امتحن الله بها عباده في آخر الزمان، فيضل به كثيرا ويهدي

стр. 914

به كثيرا، يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانا. وقد حمل القاضي عياض وغيره على هذا المعنى معنى الحديث: "هو أهون على الله من ذلك"؛ أي: هو أقل من أن يكون معه ما يضل به عبادة المؤمنين، وما ذاك إلا لأنه ناقص ظاهر النقص والفجور والظلم، وإن كان معه ما معه من الخوارق، فبين عينيه مكتوب كافر كتابة ظاهرة، وقد حقق ذلك الشارع في خبره بقوله: " ك ف ر"، فقيل ذلك على أنه كتابة حسية لا معنوية كما يقول بعض الناس، وعينه الواحدة عوراء شنيعة المنظر ناتئة، وهو معنى قوله: "كأنها عنبة طافية"، وفي الآخر: "كأنها نخاعة على حائط مجصص"؛ أي: بشعة الشكل". انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى. وقال ابن العربي: "الذي يظهر على يد الدجال من الآيات من إنزال المطر والخصب على من يصدقه والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار ومياه تجري؛ كل ذلك محنة من الله واختبار؛ ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن، وذلك كله أمر مخوف، ولهذا قال ﷺ : «لا فتنة أعظم من فتنة الدجال» ، وكان يستعيذ منها في صلاته؛ تشريعا لأمته، وأما قوله في الحديث الآخر عند مسلم: «غير الدجال أخوف لي عليكم» ؛ فإنما قال ذلك للصحابة؛ لأن الذي خافه عليهم أقرب إليهم من الدجال؛ فالقريب المتيقن وقوعه لمن يخاف عليه أشد خوفا من البعيد، وإن كان أشد". انتهى. فصل وقد أجمع أهل السنة والجماعة على خروج الدجال في آخر الزمان، وذكروا ذلك في العقائد السلفية، وسيأتي ذكر طرف مما ذكروه في عقائدهم في الرد على شلتوت بعد ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه الصلاة والسلام

стр. 915

إن شاء الله تعالى. وبذلك يعلم أن من أنكر خروجه؛ فقد خالف ما عليه أهل السنة والجماعة، مع مخالفته للأحاديث الصحيحة، وكفى بذلك جهلا وضلالا عن الحق. أبواب ما جاء في المسيح عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام قال ابن الأثير في "النهاية": "قد تكرر ذكر المسيح ﵇ وذكر المسيح الدجال، أما عيسى؛ فسمي به؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ، وقيل: لأنه كان أمسح الرجل لا أخمص له، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، وقيل: لأنه كان يمسح الأرض - أي: يقطعها -، وقيل: المسيح الصديق، وقيل: هو بالعبرانية مشيحا فعرب. وأما الدجال؛ فسمي به؛ لأن عينه الواحدة ممسوحة، ويقال: رجل ممسوح الوجه ومسيح، وهو أن لا يبقى على أحد شقي وجهه عين ولا حاجب إلا استوى، وقيل: لأنه يمسح الأرض؛ أي: يقطعها. وقال أبو الهيثم: إنه المسيح؛ بوزن سكيت، وإنه الذي مسح خلقه؛ أي: شوه، وليس بشيء" انتهى. وقال ابن منظور في "لسان العرب": "المسيح: الصديق، وبه سمي عيسى ﵇. قال الأزهري: وروي عن أبي الهيثم أن المسيح الصديق. قال أبو بكر: واللغويون لا يعرفون هذا. قال: ولعل هذا كان يستعمل في بعض الأزمان، فدرس فيما درس من الكلام. قال: وقال الكسائي: قد درس من كلام العرب كثير. قال ابن سيده: والمسيح: عيسى ابن مريم صلى الله على نبينا وعليهما؛ قيل: سمي بذلك لصدقه، وقيل: سمي به لأنه كان سائحا في الأرض
следующие страницы →