Полный текст (1 255 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
فقد أنكر بعض أهل الأهواء والبدع خروجه، وتبعهم على ذلك كثير من المنتسبين إلى العلم في زماننا، ومنهم أبو عبية في تقديمه لكتاب "النهاية" لابن كثير وفي عدة تعاليق له على "النهاية"؛ فقد زعم في المقدمة أن الدجال رمز لاستشراء الفتنة واستعلاء الضلال فترة من الزمان، وقال نحو ذلك في تعليقه على (ص٧١) ، وفي عنوان له في (ص٧٥) ، وفي تعليقه في (ص١١٨ وص١٤٨ وص١٥٢ وص ١٥٨) .
والأحاديث الصحيحة مما ذكرته تضرب في نحور المنكرين لخروج الدجال، وتنادي على كثافة جهلهم، بل تنادي على عدم تحقيقهم لشهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن من لازم تحقيقها تصديقه ﷺ فيما أخبر به من الغيوب الماضية والآتية.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
ولو لم يكن إلا الأمر بالاستعاذة من فتنة الدجال في آخر كل صلاة؛ لكان ذلك كافيا في إثبات خروجه والرد على من أنكر ذلك.
وقد روى عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن عباس ﵄؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ وهو يقول: "إنه سيخرج بعدكم قوم يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بالحوض، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بقوم يخرجون من النار".
في إسناده علي بن زيد بن جدعان، روى له مسلم مقرونا بآخر، وحسن الترمذي حديثه، وقال يعقوب بن شيبة: "ثقة"، وقال أحمد وأبو زرعة: "ليس بالقوي"، وبقية رجاله ثقات.
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأن فيه إخبارا عن أمر غيبي، وذلك لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
стр. 912
قال النووي في "شرح مسلم": "قال القاضي عياض: هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى؛ من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك؛ فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى ﷺ ، ويثبت الله الذين آمنوا.
هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار؛ خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة، وخلافا للجبائي المعتزلي وموافقيه من الجمهية وغيرهم، في أنه صحيح الوجود، ولكن الذي يدعي مخارق وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنه لو كان حقا؛ لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا غلط من جميعهم؛ لأنه لم يدع النبوة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الإلهية، وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه، ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس؛ لسد الحاجة والفاقة؛ رغبة في سد الرمق، أو تقية وخوفا من أذاه؛ لأن فتنته عظيمة جدا، تدهش العقول، وتحير الألباب، مع سرعة مروره في الأرض؛ فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدقه من صدقه في هذه الحالة.
ولهذا؛ حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته، ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله، وأما أهل التوفيق؛ فلا يغترون به، ولا يخدعون
стр. 913
لما معه؛ لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه: ما ازددت فيك إلا بصيرة" انتهى.
وقال ابن كثير في "النهاية": "قد تقدم في حديث حذيفة بن اليمان ﵄ وغيره أن ماءه نار وناره ماء بارد، وإنما ذلك في نظر العين، وقد تمسك بهذا الحديث طائفة من العلماء؛ كابن حزم والطحاوي وغيرهما، في أن الدجال ممخرق مموه، لا حقيقة لما يبدي للناس من الأمور التي تشاهد في زمانه، بل كلها خيالات عند هؤلاء.
قال الشيخ أبو علي الجبائي شيخ المعتزلة: لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة؛ لئلا يشبه خارق الساحر بخارق النبي.
وقد أجابه القاضي عياض وغيره بأن الدجال إنما يدعي الألوهية، وذلك مناف لبشريته؛ فلا يمتنع إجراء الخارق على يديه والحالة هذه.
وقد أنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه، فلم يصنعوا شيئا، وخرجوا بذلك عن حيز العلماء؛ لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ كما تقدم.
والذي يظهر من الأحاديث المتقدمة أن الدجال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهدة في زمانه، كما تقدم أن من استحباب له؛ يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت لهم زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم وترجع إليهم مواشيهم سمانا لبنا، ومن لا يستجيب له ويرد عليه أمره؛ تصيبهم السنة والجدب والقحط والقلة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وأنه تتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل، ويقتل ذلك الشاب ثم يحييه، وهذا كله ليس بمخرقة، بل حقيقة امتحن الله بها عباده في آخر الزمان، فيضل به كثيرا ويهدي
стр. 914
به كثيرا، يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانا.
وقد حمل القاضي عياض وغيره على هذا المعنى معنى الحديث: "هو أهون على الله من ذلك"؛ أي: هو أقل من أن يكون معه ما يضل به عبادة المؤمنين، وما ذاك إلا لأنه ناقص ظاهر النقص والفجور والظلم، وإن كان معه ما معه من الخوارق، فبين عينيه مكتوب كافر كتابة ظاهرة، وقد حقق ذلك الشارع في خبره بقوله: " ك ف ر"، فقيل ذلك على أنه كتابة حسية لا معنوية كما يقول بعض الناس، وعينه الواحدة عوراء شنيعة المنظر ناتئة، وهو معنى قوله: "كأنها عنبة طافية"، وفي الآخر: "كأنها نخاعة على حائط مجصص"؛ أي: بشعة الشكل". انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.
وقال ابن العربي: "الذي يظهر على يد الدجال من الآيات من إنزال المطر والخصب على من يصدقه والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار ومياه تجري؛ كل ذلك محنة من الله واختبار؛ ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن، وذلك كله أمر مخوف، ولهذا قال ﷺ : «لا فتنة أعظم من فتنة الدجال» ، وكان يستعيذ منها في صلاته؛ تشريعا لأمته، وأما قوله في الحديث الآخر عند مسلم: «غير الدجال أخوف لي عليكم» ؛ فإنما قال ذلك للصحابة؛ لأن الذي خافه عليهم أقرب إليهم من الدجال؛ فالقريب المتيقن وقوعه لمن يخاف عليه أشد خوفا من البعيد، وإن كان أشد". انتهى.
فصل
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على خروج الدجال في آخر الزمان، وذكروا ذلك في العقائد السلفية، وسيأتي ذكر طرف مما ذكروه في عقائدهم في الرد على شلتوت بعد ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه الصلاة والسلام
стр. 915
إن شاء الله تعالى.
وبذلك يعلم أن من أنكر خروجه؛ فقد خالف ما عليه أهل السنة والجماعة، مع مخالفته للأحاديث الصحيحة، وكفى بذلك جهلا وضلالا عن الحق.
أبواب
ما جاء في المسيح عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام
قال ابن الأثير في "النهاية": "قد تكرر ذكر المسيح ﵇ وذكر المسيح الدجال، أما عيسى؛ فسمي به؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ، وقيل: لأنه كان أمسح الرجل لا أخمص له، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، وقيل: لأنه كان يمسح الأرض - أي: يقطعها -، وقيل: المسيح الصديق، وقيل: هو بالعبرانية مشيحا فعرب. وأما الدجال؛ فسمي به؛ لأن عينه الواحدة ممسوحة، ويقال: رجل ممسوح الوجه ومسيح، وهو أن لا يبقى على أحد شقي وجهه عين ولا حاجب إلا استوى، وقيل: لأنه يمسح الأرض؛ أي: يقطعها. وقال أبو الهيثم: إنه المسيح؛ بوزن سكيت، وإنه الذي مسح خلقه؛ أي: شوه، وليس بشيء" انتهى.
وقال ابن منظور في "لسان العرب": "المسيح: الصديق، وبه سمي عيسى ﵇. قال الأزهري: وروي عن أبي الهيثم أن المسيح الصديق.
قال أبو بكر: واللغويون لا يعرفون هذا. قال: ولعل هذا كان يستعمل في بعض الأزمان، فدرس فيما درس من الكلام. قال: وقال الكسائي: قد درس من كلام العرب كثير. قال ابن سيده: والمسيح: عيسى ابن مريم صلى الله على نبينا وعليهما؛ قيل: سمي بذلك لصدقه، وقيل: سمي به لأنه كان سائحا في الأرض
стр. 916
لا يستقر، وقيل: سمي بذلك لأنه كان يمسح بيده على العليل والأكمه والأبرص فيبرئه بإذن الله. قال الأزهري: أعرب اسم المسيح في القرآن على مسيح، وهو في التوراة مشيحا، فعرب وغير؛ كما قيل: موسى، وأصله: موشى، وأنشد:
إذا المسيح يقتل المسيحا
يعني: عيسى ابن مريم يقتل الدجال بنيزكه. وقال شمر: سمي عيسى المسيح لأنه مسح بالبركة. وقال أبو العباس: سمي مسيحا لأنه كان يمسح الأرض؛ أي: يقطعها. وروي عن ابن عباس أنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ. وقيل: سمي مسيحا لأنه كان أمسح الرجل، ليس لرجله أخمص. وقيل: سمي مسيحا لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، والمسيح الكذاب الدجال، وسمي الدجال مسيحا؛ لأن عينه ممسوحة عن أن يبصر بها، وسمي عيسى مسيحا اسم خصه الله به ولمسح زكريا إياه. وروي عن أبي الهيثم أنه قال: المسيح ابن مريم الصديق، وضد الصديق المسيح الدجال؛ أي: الضليل الكذاب، خلق الله المسيحَيْنِ، أحدهما ضد الآخر، فكان المسيح ابن مريم يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك الدجال يحيي الميت ويميت الحي وينشئ السحاب وينبت النبات بإذن الله؛ فهما مسيحان: مسيح الهدى، ومسيح الضلالة. قال المنذري: فقلت له: بلغني أن عيسى إنما سمي مسيحا؛ لأنه مسح بالبركة، وسمي الدجال مسيحا؛ لأنه ممسوح العين. فأنكره وقال: إنما المسيح ضد المسيح؛ يقال: مسحه الله؛ أي: خلقه خلقا مباركا حسنا، ومسحه الله؛ أي: خلقه خلقا قبيحا ملعونا. وفي الحديث: أما مسيح الضلالة؛ فكذا. فدل هذا الحديث على أن عيسى مسيح الهدى، وأن الدجال مسيح الضلالة. وروى بعض المحدثين المسيح؛ بكسر الميم والتشديد في الدجال؛ بوزن سكيت. قال ابن الأثير: قال أبو الهيثم: إنه الذي مسح خلقه؛ أي: شوه. قال: وليس بشيء". انتهى.
стр. 917
باب
ما جاء في نزول عيسى إلى الأرض
وقد أخبر الله بذلك في آيتين من القرآن، وأشار إليه في آية ثالثة:
أما الآية الأولى؛ فهي قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ أي: قبل موت عيسى ﵊ على القول الصحيح، اختاره ابن جرير وابن كثير رحمهما الله تعالى، وهو قول أبي هريرة، ورواية سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس ﵄، وبه قال أبو مالك والحسين وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم.
وروى ابن جرير بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ قال: "قبل موت عيسى ابن مريم ".
وروى الحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس ﵄: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ قال: "خروج عيسى ابن مريم صلوات الله عليه".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة" عن ابن عباس ﵄ في قول الله : " ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ يعني: أنه سيدركه أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى ابن مريم ﵇ فيؤمنوا به ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ".
وسيأتي حديث أبو هريرة ﵁ مرفوعا: "يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا.... الحديث، وفيه: قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم:
стр. 918
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ : موت عيسى ابن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات.
رواه ابن مردويه.
وروى ابن جرير من طريق أبي رجاء عن الحسن: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ قال: "قبل موت عيسى، والله إنه لحي الآن عند الله، ولكن إذا نزل؛ آمنوا به أجمعون".
وروى أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة" عن أبي مالك في قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ قال: "ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به".
وروى ابن أبي حاتم من طريق جويرية بن بشير؛ قال: "سمعت رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد! قول الله ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ قال: قبل موت عيسى، إن الله رفع إليه عيسى، وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاما يؤمن به البر والفاجر".
وفي معنى هذه الآية ما سيأتي في حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله قال مخبرا عن المسيح: «ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام» ، وقوله في الحديث الآخر: «وحتى تكون السجدة واحدة لله رب العالمين» ، وقوله في حديث أبي أمامة ﵁: «وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله» ، رواه ابن ماجه وغيره، وتقدم في (باب ما جاء في فتنة الدجال) ؛ فهذه الأحاديث تؤيد القول الصحيح أن المراد قبل موت عيسى. والله أعلم.
وأما الآية الثانية؛ فهي قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والأعمش: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة) ؛ بفتح اللام والعين؛
стр. 919
أي: أمارة وعلامة على اقتراب الساعة.
قال مجاهد: "أي: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة".
وروى: الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم في "مستدركه"؛ عن ابن عباس ﵄: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ؛ قال: "هو خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وقد روي مرفوعا كما سأذكر إن شاء الله تعالى.
وروى ابن جرير من طرق عن ابن عباس ﵄: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ؛ قال: "نزول عيسى ".
وروى عبد بن حميد عن أبي هريرة ﵁: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ؛ قال: "خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون كأربع سنين؛ يحج ويعتمر".
وروى عبد بن حميد أيضا وابن جرير عن مجاهد: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ : خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.
وروى عبد بن حميد وابن جرير أيضا عن الحسين: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ؛ قال: "نزول عيسى ".
وروى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ؛ قال: "نزول عيسى علم للساعة".
وهكذا روي عن أبي العالية وأبي مالك وعكرمة والضحاك وغيرهم.
стр. 920
وأما الآية الثالثة؛ فهي قول الله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ .
قال مجاهد: "حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵊".
ذكره ابن كثير في "تفسيره"؛ قال: "وكأنه أخذه من قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال» .
قلت: هذا الحديث رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم؛ عن عمران بن حصين ﵄، وتقدم ذكره في (باب فتنة الدجال) .
وقال البغوي: "معنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر، حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام، ويكون الدين كله لله، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵉".
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : «الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال» .
قلت: هذا الحديث رواه أبو داود من حديث أنس ﵁، وتقدم ذكره في (باب قتال الدجال) .
وروى الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في "سننه" عن مجاهد في قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ؛ قال: "حتى يخرج عيسى ابن مريم ﵇، فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب، ولا تقرض فأرة جرابا، وتذهب العداوة من الناس كلها، ذلك ظهور الإسلام على الدين كله، وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دما إذا وضعها".
стр. 921
وروى عبد بن حميد أيضا عن سعيد بن جبير: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ؛ قال: "خروج عيسى ابن مريم ﵇".
وروى: الإمام أحمد بإسناد صحيح، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه؛ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماما مهديا وحكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها» .
وقد تقدم حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ في خروج الدجال ونزول عيسى ﵊، وفيه: "وتضع الحرب أوزارها".
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي.
فصل
وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وقد تقدم في (باب ما جاء في الآيات الكبار) حديثان في ذلك:
أحدهما: حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: (فذكر) الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل
стр. 922
السنن. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
الثاني: حديث وائلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكر نحو حديث حذيفة بن أسيد ﵁.
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي على ذلك.
وتقدم في ذكر ابن صياد حديث جابر بن عبد الله ﵄، وفيه «أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ائذن لي فأقتله يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "إن يكن هو؛ فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم ﵊» .... الحديث.
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
وتقدم في (باب قصة المؤمن مع الدجال) حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: "وينزل عيسى ابن مريم، فإذا رآه - يعنى الدجال - ووجد ريحه؛ ذاب كما يذوب الرصاص".
رواه مسدد موقوفا. قال البوصيري: "ورواته ثقات".
وتقدم في (باب ما جاء في فتنة الدجال) خمسة أحاديث في ذلك:
أولها: حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم (فذكر الحديث، وفيه:) ثم ينزل عيسى ابن مريم، فينادي من السحر، فيقول: يا أيها الناس! ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجل جني. فينطلقون؛ فإذا هم بعيسى ابن مريم ﷺ ، فتقام الصلاة، فيقال له: تقدم يا روح الله. فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم. فإذا صلى صلاة الصبح؛ خرجوا»
стр. 923
«إليه". قال: "فحين يراه الكذاب؛ ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه، فيقتله، حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهودي. فلا يترك ممن كان يتبعه أحدا إلا قتله» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وروى ابن خزيمة طرفا منه في "كتاب التوحيد"، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه الحاكم مختصرا وصححه، وقال الذهبي: "على شرط مسلم ".
ثانيها: حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة.... فذكر الحديث بطوله، وفيه: "فبينما هو كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه؛ قطر، وإذا رفعه؛ تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه؛ إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة (ثم ذكر خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم بسبب دعاء عيسى وأصحابه عليهم ... إلى أن قال:) ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض، حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس» ... الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
стр. 924
ثالثها: حديث أبي أمامة الباهلي ﵁؛ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ ، فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال وحذرناه.... فذكر الحديث بطوله، وفيه: فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت. فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف؛ قال عيسى ﵇: افتحوا الباب. فيفتح، ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال؛ ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي؛ إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق؛ إلا قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهودي فتعال اقتله". قال رسول الله ﷺ : "فيكون عيسى ابن مريم ﵇ في أمتي حكما عجلا وإماما مقسطا؛ يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتفر الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة؛ فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة، تنبت نباتها بعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، وتكون الفرس»
стр. 925
«بالدريهمات". قالوا: يا رسول الله! وما يرخص الفرس؟ قال: "لا تركب لحرب أبدا". قيل له: فما يغلي الثور؟ قال: "تحرث الأرض كلها» ..... الحديث.
رواه: ابن ماجه، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي.
رابعها: حديث سمرة بن جندب ﵁: أن نبي الله ﷺ كان يقول: «إن الدجال خارج.... (الحديث، وفيه:) فيلبث في الأرض ما شاء الله، ثم يجيء عيسى ابن مريم ﵉ من قبل المغرب مصدقا بمحمد ﷺ وعلى ملته، فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني. قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
قوله: "من قبل المغرب"؛ أي: مغرب أهل المدينة، وهو الشام، والله أعلم.
خامسها: حديث عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال ... (الحديث، وفيه:) ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدقا بمحمد ﷺ على ملته إماما مهديا وحكما عدلا، فيقتل الدجال» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف لا يضر".
وتقدم في (باب قتال الدجال) حديثان في ذلك:
أحدهما: حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: «سيدرك رجل من أمتي عيسى ابن مريم ويشهدون قتال الدجال» .
رواه: الترمذي في كتاب "العلل"، وابن خزيمة، والحاكم، والطبراني.
стр. 926
الثاني: حديث حذيفة بن أسيد ﵁: أنه قال: «الدجال يخرج في بغض من الناس وخفة من الدين وسوء ذات بين، فيرد كل منهل، فتطوى له الأرض طي فروة الكبش، حتى يأتي المدينة، فيغلب على خارجها، ويمنع داخلها، ثم جبل إيلياء، فيحاصر عصابة من المسلمين، فيقول لهم الذي عليهم: ما تنتظرون بهذا الطاغية أن تقاتلوه حتى تلحقوا بالله أو يفتح لكم، فيأتمرون أن يقاتلوه إذا أصبحوا، فيصبحون ومعهم عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، ويهزم أصحابه، حتى إن الشجر والحجر والمدر يقول: يا مؤمن! هذا يهودي عندي؛ فاقتله» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه": "على شرط البخاري ومسلم ".
قلت: وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وتقدم في (باب قتال الدجال) حديثان في ذلك:
أحدهما: حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يسلط على قتل الدجال إلا عيسى ابن مريم ﵇» .
رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده".
الثاني: حديث مجمع بن جارية الأنصاري ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقتل ابن مريم الدجال بباب لد» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه". وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح". قال: "وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عتبة وأبي برزة وحذيفة بن أسيد وأبي هريرة وكيسان
стр. 927
وعثمان بن أبي العاص وجابر وأبي أمامة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب والنواس بن سمعان وعمرو بن عوف وحذيفة بن اليمان ﵃".
وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» . ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ .
رواه الشيخان. وقد رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والترمذي، وابن ماجه مختصرا. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه ابن مردويه ولفظه: «"يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا؛ يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين".» قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ موت عيسى ابن مريم. ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات.
وعن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال؛ فلا يقبله أحد» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة".
وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال:
стр. 928
«يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماما مهديا وحكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه.
وعن عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن نبي بيني وبينه، وإنه نازل؛ فإذا رأيتموه؛ فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمانة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» .
رواه: الإمام أحمد وهذا لفظه، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن جرير، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية أبي داود السجستاني وابن جرير والآجري: "ويقاتل الناس على الإسلام". وعند الآجري: "ويهلك الله في إمارته"؛ بدل: "زمانه"؛ في الموضعين كليهما. وعند الحاكم في أوله: "إن روح الله عيسى ابن مريم نازل فيكم، فإذا رأيتموه؛ فاعرفوه". وعند أحمد في رواية أخرى وأبي داود الطيالسي: "ثم يتوفى، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه".
стр. 929
وعن زياد بن سعد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ينزل عيسى ابن مريم إماما عادلا وحكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويرجع السلم، وتتخذ السيوف مناجل، وتذهب حمة كل ذات حمة، وتنزل السماء رزقها، وتخرج الأرض بركتها، حتى يلعب الصبي بالثعبان فلا يضره، ويراعي الغنم الذئب فلا يضرها، ويراعي الأسد البقر فلا يضرها» .
رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
(المناجل) : جمع منجل، وهو الآلة التي يقطع بها الحشيش ويحصد بها الزرع. قال ابن الأثير: "ومنه الحديث: "وتتخذ السيوف مناجل": أراد أن الناس يتركون الجهاد ويشتغلون بالحرث والزراعة". وكذا قال ابن منظور في "لسان العرب"؛ قال: "ومنه قيل للحديدة ذات الأسنان: منجل، والمنجل ما يحصد به". انتهى.
وقوله: "وتذهب حمة كل ذات حمة": (الحمة) ؛ بالتخفيف: السم؛ أي: ينزع سم كل دابة ذات سم، وقد تقدم تفسيره في حديث أبي أمامة الطويل في ذكر خروج الدجال.
وقد صحف أبو عبية هذا الحرف تصحيفا عجيبا، فقال في تعليقه على "النهاية" لابن كثير في (ص ١٦٩) ما نصه: " (الجمة) : الشعر المجموع في مقدم الرأس، ولعل المراد بإذهاب جمة كل ذات جمة: هو تخليص المجتمع من تصفيفات الشعر المختلفة التي تربط بالفتيات العيون الرغيبة والنفوس الشهوانية ... (إلى أن قال:) وشمل الحديث رؤوس أولئك الفتيان المتأنثين المتخنثين المتخنفسين...." إلى آخر كلامه في هذا المعنى البعيد كل البعد عما ذكر في هذا الحديث.
وغفل أبو عبية عن قوله في هذا الحديث: "حتى يلعب الصبي بالثعبان
стр. 930
فلا يضره"، وغفل أيضا عما في حديث أبي أمامة الطويل، وهو في النسخة التي علق عليها من (ص ١١١) إلى (ص ١١٥) ، وفيه: "وتنزع حمة كل ذات حمة، حت يدخل الوليد يده في في الحية؛ فلا تضره".
وعن أبي هريرة أيضا ﵁ مرفوعا: «"طوبى لعيش بعد المسيح، يؤذن للسماء في القطر، ويؤذن للأرض في النبات، حتى لو بذرت حبك في الصفا؛ لنبت، وحتى يمر الرجل على الأسد؛ فلا يضره، ويطأ على الحية؛ فلا تضره، ولا تشاح، ولا تحاسد، ولا تباغض".»
رواه: أبو نعيم، وأبو سعيد النقاش في "فوائد العراقيين".
«وعن عائشة ﵂؛ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال لي: "ما يبكيك؟ ". قلت: يا رسول الله! ذكرت الدجال فبكيت. فقال رسول الله ﷺ : " إن يخرج الدجال وأنا حي؛ كفيتكموه، وإن يخرج الدجال بعدي؛ فإن ربكم ليس بأعور، إنه يخرج في يهودية أصبهان، حتى يأتي المدينة، فينزل ناحيتها، ولها يؤمئذ سبعة أبواب، على كل نقب منها ملكان، فيخرج إليه شرار أهلها، حتى يأتي فلسطين باب لد، فينزل عيسى ﵇، فيقتله، ثم يمكث عيسى ﵇ في الأرض أربعين سنة إماما عدلا وحكما مقسطا ".
» رواه: الإمام أحمد بإسناد جيد، وابن حبان في "صحيحه".
وعن عاصم بن كليب عن أبيه؛ قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: أحدثكم ما سمعت من رسول الله ﷺ الصادق المصدوق: «إن الأعور الدجال مسيح الضلالة يخرج من قبل المشرق في زمان اختلاف من الناس وفرقة، فيبلغ ما شاء الله أن يبلغ من الأرض في أربعين يوما، الله أعلم ما مقدارها، الله أعلم ما مقدارها (مرتين) ، وينزل عيسى ابن مريم، فيؤمهم، فإذا»
стр. 931
«رفع رأسه من الركعة؛ قال: سمع الله لمن حمده؛ قتل الله الدجال، وأظهر المؤمنين» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
ورواه البزار بنحوه، وزاد بعد قوله: "الله أعلم ما مقدارها": "فيلقى المؤمنون شدة شديدة، ثم ينزل عيسى ابن مريم ﷺ من السماء، فيؤم الناس، فإذا رفع رأسه من ركعته؛ قال: سمع الله لمن حمده؛ قتل الله المسيح الدجال، وظهر المؤمنون"، فأحلف أن رسول الله ﷺ أبا القاسم الصادق المصدوق ﷺ قال: (إنه لحق، وأما أنه قريب، فكل ما هو آت قريب".
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح غير علي بن المنذر وهو ثقة". وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أخرجه البزار بسند جيد".
وعن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا؛ قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله؛ لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون؛ إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم! فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام؛ خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف؛ إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم ﷺ ، فأمهم، فإذا رآه عدو الله؛ ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه؛ لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته» .
стр. 932
رواه مسلم.
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة". قال: "فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن عثمان بن أبي العاص ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه ننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم، ومع الدجال سبعون ألفا عليهم السيجان، وأكثر تبعه اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقول: نشامه وننظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغربي الشام، وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق، فيبعثون سرحا لهم، فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم، وتصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد، حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله، فبينما هم كذلك؛ إذ نادى مناد من السحر: يا أيها الناس! أتاكم الغوث؛ ثلاثا، فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم ﵇ عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: يا روح الله! تقدم صل. فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض، فيتقدم أميرهم فيصلي، فإذا قضى صلاته؛ أخذ عيسى حربته، فيذهب نحو الدجال؛ فإذا رآه الدجال؛ ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوته، فيقتله،»
стр. 933
«وينهزم أصحابه؛ فليس يومئذ شيء يواري منهم أحدا، حتى إن الشجرة لتقول: يا مؤمن! هذا كافر، ويقول الحجر: يا مؤمن! هذا كافر» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "وفيه علي بن زيد، وفيه ضعف، وقد وثق، وبقية رجالهما رجال الصحيح". وقد رواه الحاكم في "مستدركه" بنحوه.
وعن أبي حازم الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران: أحدهما نار تأجج في عين من رآه، والآخر ماء أبيض، فإن أدركه منكم أحد؛ فليغمض وليشرب من الذي يراه نارا؛ فإنه ماء بارد، وإياكم والآخر؛ فإنه فتنة، واعلموا أنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من يكتب ومن لا يكتب، وأن إحدى عينيه ممسوحة عليها ظفرة، وأنه يطلع من آخر أمره على بطن الأردن على ثنية أفيق، وكل واحد يؤمن بالله واليوم الآخر ببطن الأردن، وأنه يقتل من المسلمين ثلثا، ويهزم ثلثا، ويبقى ثلث، فيحجز بينهم الليل، فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربكم؟! من كان عنده فضل طعام؛ فليعد به على أخيه، وصلوا حين ينفجر الفجر، وعجلوا الصلاة، ثم أقبلوا على عدوكم، فلما قاموا يصلون؛ نزل عيسى ابن مريم صلوات الله عليه وإمامهم يصلي بهم، فلما انصرف؛ قال: هكذا أفرجوا بيني وبين عدو الله (قال أبو حازم: قال أبو هريرة ﵁: فيذوب كما تذوب الإهالة في الشمس. وقال عبد الله بن عمرو: كما يذوب الملح في الماء) ، وسلط الله عليهم المسلمين، فيقتلونهم، حتى إن الشجر والحجر لينادي: يا عبد الله! يا عبد الرحمن! يا مسلم! هذا يهودي فاقتله، فيفنيهم الله، ويظهر المسلمون، فيكسرون الصليب، ويقتلون الخنزير، ويضعون الجزية، فبينما»
стр. 934
«هم كذلك؛ إذ أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة ويجيء آخرهم وقد أنشفوها فما يدعون فيها قطرة، فيقولون: ظهرنا على أعدائنا، قد كان هاهنا أثر ماء، فيجيء نبي الله ﷺ وأصحابه وراءه حتى يدخلوا مدينة من مدائن فلسطين يقال لها: لد، فيقولون: ظهرنا على من في الأرض، فتعالوا نقاتل من في السماء. فيدعو الله نبيه ﷺ عند ذلك، فيبعث الله عليهم قرحة في حلوقهم، فلا يبقى منهم بشر، فيؤذي ريحهم المسلمين، فيدعو عيسى صلوات الله عليه عليهم، فيرسل الله عليهم ريحا، فتقذفهم في البحر أجمعين» .
رواه: الحاكم، وابن منده في "كتاب الإيمان"، وابن عساكر، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "، وأقره الذهبي.
وقال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في إسناد ابن منده: هذا إسناد صالح". قال ابن كثير: "وفيه سياق غريب وأشياء منكرة".
وقد زعم أبو عبية أن هذا حديث خرافة؛ قال: "ولو صح الإسناد عند الذهبي؛ فإن المتن غير صالح بمبناه ولا بمعناه، ورضي الله عن الإمام ابن كثير حيث رفضه".
والجواب أن يقال: قد صحح هذا الحديث الحاكم، وأقره الذهبي، وهو من حفاظ الحديث ونقاده، ولبعضه شواهد مما تقدم من الأحاديث الصحيحة. وعلى هذا؛ فقدح أبي عبية فيه مردود؛ لأنه قدح بغير حجة.
وقد أخطأ أيضا في زعمه أن ابن كثير رحمه الله تعالى قد رفض هذا الحديث؛ لأن ابن كثير لم يقل ما يدل على رفضه، وإنما قال: فيه سياق غريب وأشياء منكرة، وهذا لا يدل على أنه مرفوض عنده، ولا على أنه قد استنكر كل ما جاء فيه.
стр. 935
وعن سمرة بن جندب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال، ممسوح العين اليسرى، كأنها عين أبي تحي - لشيخ من الأنصار -، وإنه متى خرج؛ فإنه يزعم أنه الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه؛ فليس ينفعه صالح من عمل سلف، ومن كفر به وكذبه؛ فليس يعاقب بشيء من عمله سلف، وإنه سيظهر على الأرض كلها؛ إلا الحرم المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالا شديدا، فيصبح فيهم عيسى ابن مريم، فيهزمه الله وجنوده، حتى إن جذم الحائط وأصل الشجرة لينادي: يا مؤمن! هذا كافر يستتر بي؛ فتعال اقتله". قال: "ولن يكون ذلك حتى تروا أمورا يتفاقم شأنها في أنفسكم وتساءلون بينكم: هل كان نبيكم ﷺ ذكر لكم منها ذكرا، وحتى تزول جبال عن مراسيها، ثم على إثر ذلك القبض» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن خزيمة، وابن حبان، والطبراني، والحاكم وهذا لفظه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها؛ فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني؛ ذاب كما يذوب الرصاص. قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم! إن تحتي كافرا؛ فتعال فاقتله. قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم؛ فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، هم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، فلا يأتون على شيء؛ إلا أهلكوه،»
стр. 936
«ولا يمرون على ماء؛ إلا شربوه. قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذقهم في البحر؛ ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك: أن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارا» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن جرير، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقال معمر في "جامعه" عن الزهري: أخبرني عمرو بن أبي سفيان الثقفي: أخبرني رجل من الأنصار عن بعض أصحاب محمد ﷺ ؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال، فقال: " يأتي سباخ المدينة، وهو محرم عليه أن يدخل نقابها، فتنتفض المدينة بأهلها نفضة أو نفضتين، وهي الزلزلة، فيخرج إليه منها كل منافق ومنافقة، ثم يولي الدجال قبل الشام، حتى يأتي بعض جبال الشام، فيحاصرهم، وبقية المسلمين يومئذ معتصمون بذروة جبل من جبال الشام، فيحاصرهم الدجال، نازلا بأصله، حتى إذا طال عليهم البلاء؛ قال رجل من المسلمين: يا معشر المسلمين! حتى متى أنتم هكذا وعدو الله نازل بأصل جبلكم؟! هل أنتم إلا بين إحدى الحسنيين: بين أن يستشهدكم الله، أو يظهركم، فيتبايعون على الموت بيعة يعلم الله أنها الصدق من أنفسهم، ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر امرؤ فيها كفه. قال: فينزل ابن مريم، فيحسر عن أبصارهم وبين أظهرهم رجل عليه لأمته، فيقولون: من أنت يا عبد الله؟ فيقول: أنا عبد الله ورسوله وروحه وكلمته عيسى ابن مريم، اختاروا بين إحدى ثلاث: بين أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذابا من السماء، أو يخسف بهم الأرض، أو يسلط عليهم سلاحكم ويكف سلاحهم عنكم. فيقولون: هذه يا رسول الله أشفى لصدورنا ولأنفسنا؛ فيومئذ ترى اليهودي العظيم الطويل»
стр. 937
«الأكول الشروب لا تقل يده سيفه من الرعدة، فينزلون إليهم، فيسلطون عليهم: ويذوب الدجال حين يرى ابن مريم كما يذوب الرصاص، حتى يأتيه (أو: يدركه) عيسى فيقتله» .
قال الحافظ ابن كثير بعد إيراده في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ الذهبي: هذا حديث قوي الإسناد". انتهى.
قلت: وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر، وهذا لفظ عبد الرزاق.
وعن النعمان بن سالم؛ قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي؛ قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵄ وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به؛ تقول إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله (أو: لا إله إلا الله، أو كلمة نحوها) ! لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيا أبدا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما يحرق البيت ويكون ويكون، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما، فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل؛ لدخلته عليه حتى تقبضه". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ ، قال: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌّ رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا". قال: "وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله". قال: "فيصعق ويصعق الناس، ثم»
стр. 938
«يرسل الله (أو قال: ينزل الله) مطرا كأنه الطل (أو الظل؛ نعمان الشاك) ، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى؛ فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس! هلم إلى ربكم، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ . قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار. فيقال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين. قال: فذاك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
وعن عبد الله بن عمرو أيضا ﵁: "أن رجلا قال له: أنت الذي تزعم أن الساعة تقوم إلى مائة سنة؟ قال: سبحان الله! وأنا أقول ذلك؟! ومن يعلم قيام الساعة إلا الله؟! إنما قلت: ما كانت رأس مائة للخلق منذ خلقت الدنيا؛ إلا كان عند رأس المائة أمر. ثم قال: يوشك أن يخرج ابن حمل الضأن. قيل: وما ابن حمل الضأن؟ قال: رومي أحد أبويه شيطان، يسير إلى المسلمين في خمس مائة ألف برا، وخمس مائة ألف بحرا، حتى ينزل بين عكا وصور، ثم يقول: يا أهل السفن! اخرجوا منها. ثم أمر بها فأحرقت، ثم يقول لهم: لا قسطنطينية لكم ولا رومية حتى يفصل بيننا وبين العرب. قال: فيستمد أهل الإسلام بعضهم بعضا، حتى تمدهم عدن أبين على قلصاتهم، فيجتمعون، فيقتتلون، فتكاتبهم النصارى الذين بالشام، ويخبرونهم بعورات المسلمين، فيقول المسلمون: الحقوا؛ فكلكم لنا عدو حتى يقضي الله بيننا وبينكم. فيقتتلون شهرا، لا يكل لهم سلاح ولا لكم، ويقذف الصبر عليكم وعليهم.
قال: وبلغنا أنه إذا كان رأس الشهر؛ قال ربكم: اليوم أسل سيفي فأنتقم من أعدائي وأنصر أوليائي. فيقتتلون مقتلة ما رئي مثلها قط، حتى ما تسير الخيل إلا على الخيل، وما يسير الرجل إلا على الرجل، وما يجدون خلقا يحول بينهم وبين القسطنطينية ولا رومية، فيقول أميرهم: لا غلول اليوم، من أخذ اليوم
стр. 939
شيئا؛ فهو له. قال: فيأخذون ما يخف عليهم، ويدعون ما ثقل عليهم، فبينما هم كذلك؛ إذ جاءهم أن الدجال قد خلفكم في ذراريكم، فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون، ويصيب الناس مجاعة شديدة، حتى إن الرجل ليحرق وتر قوسه فيأكله، وحتى إن الرجل ليحرق جحفته فيأكلها، حتى إن الرجل ليكلم أخاه، فما يسمعه الصوت من الجهد، فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا صوتا من السماء: أبشروا؛ فقد أتاكم الغوث. فيقولون: نزل عيسى ابن مريم. فيستبشرون، ويستبشر بهم، ويقولون: صل يا روح الله! فيقول: إن الله أكرم هذه الأمة؛ فلا ينبغي لأحد أن يؤمهم إلا منهم، فيصلي أمير المؤمنين بالناس.
قيل: وأمير الناس يومئذ معاوية بن أبي سفيان؟ قال: لا. ويصلي عيسى خلفه؛ فإذا انصرف عيسى؛ دعا بحربته، فأتى الدجال، فقال: رويدك يا دجال يا كذاب! فإذا رأى عيسى وعرف صوته؛ ذاب كما يذوب الرصاص إذا أصابته النار، وكما تذوب الألية إذا أصابتها الشمس، ولولا أنه يقول رويدا؛ لذاب حتى لا يبقى منه شيء، فيحمل عليه عيسى، فيطعن بحربته بين ثدييه، فيقتله، ويتفرق جنده تحت الحجارة والشجر، وعامة جنده اليهود والمنافقون، فينادي الحجر: يا روح الله! هذا تحتي كافر؛ فاقتله. فيأمر عيسى بالصليب فيكسر، والخنزير فيقتل، وتضع الحرب أوزارها، حتى إن الذئب ليربض إلى جنب الغنم ما يغمزها، وحتى إن الصبيان ليلعبون بالحيات ما تنهشهم، وتملأ الأرض عدلا، فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا صوتا قال: فتحت يأجوج ومأجوج، وهو كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ، فيفسدون الأرض كلها، حتى إن أوائلهم ليأتي النهر العجاج، فيشربونه كله، وإن آخرهم ليقول: قد كان هاهنا نهر. ويحاصرون عيسى ومن معه ببيت المقدس، ويقولون: ما نعلم في الأرض أحدا إلا ذبحناه، هلموا نرمي من في السماء، فيرمون، حتى ترجع إليهم سهامهم في نصولها الدم قليلا، فيقولون: ما بقي في الأرض ولا في السماء.
стр. 940
فيقول المؤمنون: يا روح الله! ادع عليهم بالفناء. فيدعو الله عليهم، فيبعث النغف في آذانهم، فيقتلهم في ليلة واحدة، فتنتن الأرض كلها من جيفهم، فيقولون: يا روح الله! نموت من النتن. فيدعو الله، فيبعث وابلا من المطر، فجعله سيلا، فيقذفهم كلهم في البحر، ثم يسمعون صوتا، فيقال: مه! قيل: غزي البيت الحصين. فيبعثون جيشا، فيجدون أوائل ذلك الجيش، ويقبض عيسى ابن مريم، ووليه المسلمون وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلوا عليه وحفروا له ودفنوه، فيرجع أوائل الجيش والمسلمون ينفضون أيديهم من تراب قبره، فلا يلبثون بعد ذلك إلا يسيرا حتى يبعث الله الريح اليمانية. قيل: وما الريح اليمانية؟ قال: ريح من قبل اليمن، ليس على الأرض مؤمن يجد نسيمها إلا قبضت روحه. قال: ويسرى على القرآن في ليلة واحدة، ولا يترك في صدور بني آدم ولا في بيوتهم منه شيء إلا رفعه الله، فيبقى الناس ليس فيهم نبي وليس فيهم قرآن وليس فيهم مؤمن. قال عبد الله بن عمرو ﵄: فعند ذلك أخفي علينا قيام الساعة، فلا ندري كم يتركون، كذلك تكون الصيحة. وقال: لم تكن صيحة قط إلا بغضب من الله على أهل الأرض. قال: وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ . قال: فلا أدري كم يتركون كذلك؟ "
رواه ابن عساكر، ونقله عنه صاحب "كنز العمال"، ولبعضه شواهد كثيرة من وجوه متعددة.
وعن عمران بن حصين ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يأتي أمر الله ﵎، وينزل عيسى ابن مريم ﵇» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
стр. 941
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون، على الحق ظاهرين، حتى ينزل عيسى ابن مريم» .
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينزل الدجال المدينة، ولكنه بين الخندق، وعلى كل نقب منها ملائكة يحرسونها، فأول من يتبعه النساء، فيؤذونه، فيرجع غضبان حتى ينزل الخندق؛ فعند ذلك ينزل عيسى ابن مريم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير عقبة بن مكرم بن عقبة الضبي، وهو ثقة".
وعن أوس بن أوس الثقفي ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وقال البخاري في "التاريخ الكبير": قال هشام بن خالد: أخبرنا الوليد بن مسلم؛ قال: حدثني ربيعة بن ربيعة؛ قال: حدثني نافع بن كيسان عن أبيه؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ينزل عيسى ابن مريم بشرقي دمشق عند المنارة البيضاء» .
وذكر الحافظ ابن حجر في "الإصابة" أن ابن السكن والطبراني وابن منده أخرجوه من طريق ربيعة بن ربيعة عن نافع بن كيسان عن أبيه: سمعت النبي ﷺ يقول: «ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق» ، وكذا أخرجه الربعي في "فضائل الشام"، وتمام في "فوائده"؛ من طريق هشام بن خالد عن الوليد بن مسلم عن ربيعة، ورجاله ثقات. انتهى.
стр. 942
قلت: وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر هذا الحديث في "الاستيعاب"، وذكر أن إسناده صالح.
وروى تمام وابن عساكر عن عبد الرحمن بن أيوب بن نافع بن كيسان عن أبيه عن جده ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل عيسى ابن مريم عند باب دمشق عند المنارة البيضاء لست ساعات من النهار في ثوبين ممشقين كأنما ينحدر من رأسه اللؤلؤ» .
(الثوب الممشق) : هو الثوب المصبوغ بالمغرة.
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في «قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ . قال: "نزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة» .
رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقد روي موقوفا وتقدم ذكره.
وعن حذيفة ﵁؛ قال: «إن أصحاب النبي ﷺ كانوا يسألون عن الخير وكنت أسأل عن الشر مخافة أن أدركه.... فذكر الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله! فما بعد دعاة الضلالة؟ قال: "خروج الدجال". قلت: يا رسول الله! وما يجيء الدجال؟ قال: "يجيء بنار ونهر، فمن وقع في ناره؛ وجب أجره وحط وزره". قلت: يا رسول الله! فما بعد الدجال؟ قال: " عيسى ابن مريم ". قلت: فما بعد عيسى ابن مريم؟ قال: "لو أن رجلا أنتج فرسا؛ لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة» .
رواه: ابن أبي شيبة، وابن عساكر في "تاريخه".
وعنه ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله! الدجال قبل أو عيسى ابن
стр. 943
مريم؟ قال: «الدجال، ثم عيسى ابن مريم، ثم لو أن رجلا أنتج فرسا؛ لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة» .
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ ، وذكر الهند: «يغزو الهند منكم جيش، يفتح الله عليهم حتى يأتوا بملوكهم مغللين بالسلاسل، يغفر الله ذنوبهم، فينصرفون حين ينصرفون، فيجدون ابن مريم بالشام» .
رواه نعيم بن حماد.
وعن ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم ﵇» .
رواه: الإمام أحمد، والنسائي، والطبراني، والحافظ الضياء المقدسي.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «لن تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى ابن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها» .
رواه النسائي وغيره.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف تهلك أمة أنا أولها، والمهدي وسطها، وعيسى ابن مريم آخرها؟ ولكن بين ذلك نهج أعوج ليسوا مني ولا أنا منهم» .
رواه رزين وهو مرسل.
وعن جبير بن نفير مرسلا: أن النبي ﷺ قال: «ليدركن الدجال قوما مثلكم»
стр. 944
«أو خيرا منكم، ولن يخزي الله أمة أنا أولها وعيسى ابن مريم آخرها» .
رواه: ابن أبي شيبة، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
وعن أبي الدرداء ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «خير أمتي أولها وآخرها، وفي وسطها الكدر، ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها» .
رواه الحكيم الترمذي.
وعن عروة بن رويم مرسلا: أن رسول الله ﷺ قال: «خير هذه الأمة أولها وآخرها: أولها فيهم رسول الله ﷺ ، وآخرها فيهم عيسى ابن مريم، وبين ذلك ثبج أعوج، ليس منك ولست منهم» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "الكافية الشافية".
ولقد أتى أثر بأن الفضل في ال ... طرفين أعني أولا والثاني
والوسط ذو ثبج فأعوج هكذا ... جاء الحديث وليس ذا نكران
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: "ينزل عيسى ابن مريم؛ فإذا رآه الدجال؛ ذاب كما تذوب الشحمة، فيقتل الدجال، ويتفرق اليهود، فيقتلون، حتى إن الحجر يقول: يا عبد الله المسلم! هذا يهودي؛ فتعال فاقتله".
رواه ابن أبي شيبة.
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن أيوب أو غيره عن ابن سيرين؛ قال: "ينزل ابن مريم عليه لأمته وممصرتان بين الأذان والإقامة، فيقولون له: تقدم. فيقول: بل يصلي بكم إمامكم، أنتم أمراء بعضكم على
стр. 945
بعض".
وروى عبد الرزاق أيضا عن معمر؛ قال "كان ابن سيرين يرى أنه المهدي الذي يصلي وراءه عيسى ".
وروى عبد الرزاق أيضا عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه يرويه؛ قال: "ينزل عيسى ابن مريم إماما هاديا ومقسطا عادلا، فإذا نزل؛ كسر الصليب، وقتل الخنزير، ووضع الجزية، وتكون الملة واحدة، ويوضع الأمن في الأرض، حتى إن الأسد ليكون مع البقر تحسبه ثورها، ويكون الذئب مع الغنم تحسبه كلبها، وترفع حمة كل ذات حمة، حتى يضع الرجل يده على رأس الحنش فلا يضره، وحتى تفر الجارية الأسد كما يفر ولد الكلب الصغير، ويقوم الفرس العربي بعشرين درهما، ويقوم الثور بكذا وكذا، وتعود الأرض كهيئتها على عهد آدم، ويكون القطف (يعني: العنقاد) يأكل منه النفر ذو العدد، وتكون الرمانة يأكل منها النفر ذو العدد".
وروى عبد الرزاق أيضا عن معمر عن زيد بن أسلم عن رجل عن أبي هريرة ﵁؛ قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم إماما مقسطا، وتسلب قريش الإمارة، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، وتوضع الجزية، وتكون السجدة واحدة لرب العالمين، وتضع الحرب أوزارها، وتملأ الأرض من الإسلام كما تملأ الآبار من الماء، وتكون الأرض كفاثور الورق - يعني: المائدة -، وترفع الشحناء والعداوة، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، ويكون الأسد في الإبل كأنه فحلها".
وهذه الآثار لها حكم الرفع؛ لأنها لا تقال من قبل الرأي، وإنما تقال عن توقيف، ولها شواهد كثيرة مما تقدم من الأحاديث الصحيحة وما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 946
باب
أمر النبي ﷺ بإقراء السلام على المسيح
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك المسيح عيسى ابن مريم أن ينزل حكما مقسطا وإماما عدلا، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، وتكون الدعوة واحدة، فأقرئوه (أو: أقرئه) السلام من رسول الله ﷺ ، وأحدثه فيصدقني"، فلما حضرته الوفاة؛ قال: "أقرئوه مني السلام» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وفيه كثير بن زيد، وثقه أحمد وجماعة، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات".
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى ابن مريم ﵇، فإن عجل بي موت؛ فمن لقيه منكم؛ فليقرئه مني السلام» .
رواه الإمام أحمد مرفوعا وموقوفا، ورجال كل منهما رجال الصحيح.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا إن عيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبي ولا رسول، ألا إنه خليفتي في أمتي من بعدي، ألا إنه يقتل الدجال ويكسر الصليب ويضع الجزية وتضع الحرب أوزارها، ألا فمن أدركه منكم؛ فليقرأ ﵇» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه محمد بن عقبة السدوسي، وثقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم ".
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك منكم عيسى ابن مريم؛ فليقرئه مني السلام» .
رواه: البخاري في "تاريخه"، والحاكم في "مستدركه".
стр. 947
باب
أن المسيح يحكم بالشريعة المحمدية
قد تقدم حديث سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ ، وفيه: «ثم يجيء عيسى ابن مريم ﵉ من قبل المغرب مصدقا بمحمد ﷺ وعلى ملته» ... ".
رواه: الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني.
قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وتقدم أيضا حديث عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال ... (الحديث، وفيه:) ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدقا بمحمد ﷺ على ملته» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات" وفي بعضهم ضعف لا يضر".
وعن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم إذا نزل عيسى ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «كيف بكم إذا نزل فيكم ابن مريم حكما، فأمكم (أو قال: إمامكم) منكم» .
وفي رواية لمسلم: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمكم» .
وفي أخرى له: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم» .
стр. 948
قال الوليد بن مسلم: فقلت لابن أبي ذئب: إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري عن نافع عن أبي هريرة: "وإمامكم منكم". قال ابن أبي ذئب: تدري ما "أمكم منكم"؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ .
وقال أبو ذر الهروي: حدثنا الجوزقي عن بعض المتقدمين؛ قال: "معنى: "وإمامكم منكم"؛ يعني: أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل".
وقال ابن التين: "معنى قوله: وإمامكم منكم": أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم".
باب
ما جاء في حج المسيح وعمرته
قد تقدم ما رواه عبد بن حميد عن أبي هريرة ﵁: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ؛ قال: "خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون كأربع سنين يحج ويعتمر".
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وعن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده؛ ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «والذي»
стр. 949
«نفسي بيده؛ ليهلن ابن مريم من فج الروحاء بالحج أو بالعمرة أو ليثنينهما» .
وفي رواية لأحمد وابن أبي حاتم: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما» . قال: وتلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ... الآية، فزعم حنظلة أن أبا هريرة ﵁ قال: يؤمن به قبل موت عيسى. فلا أدري هذا كله حديث النبي ﷺ أو شيء قاله أبو هريرة ﵁.
وعن عمرو بن عوف المزني ﵁؛ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بالروحاء؛ نزل بعرق الظبية وصلى، ثم قال: «صلى قبلي في هذا المسجد سبعون نبيا، ولقد قدمها موسى عليه عباءتان قطوانيتان على ناقة ورقاء في سبعين ألفا من بني إسرائيل، ولا تقوم الساعة حتى يمر بها عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله حاجا، أو معتمرا، أو يجمع الله ذلك له» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليهبطن عيسى ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا، وليسلكن فجا حاجا أو معتمرا أو بنيتهما، وليأتين قبري حتى يسلم علي، ولأردن عليه» . قال أبو هريرة ﵁: أي بني أخي! إن رأيتموه؛ فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي الأشعث الصنعاني؛ قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: "يهبط عيسى، فيصلي الصلوات، ويجمع الجمع، ويزيد في الحلال،
стр. 950
كأني به تُجِد به رواحله ببطن الروحاء حاجا أو معتمرا".
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدابة. قلت: يا رسول الله! من أين تخرج؟ قال: تخرج من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون؛ إذ تضطرب الأرض تحتهم، وتنشق الصفا مما يلي المشعر، وتخرج الدابة من الصفا» ... الحديث.
رواه ابن جرير.
باب
ما جاء في مدة لبث المسيح في الأرض
قد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال في عيسى: «فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن جرير، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه أبو داود الطيالسي والطبراني في "الأوسط" مختصرا، ولفظ أبي داود: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يمكث عيسى في الأرض بعدما ينزل أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه» ، ولفظ الطبراني: قال: "ينزل عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة".
следующие страницы →