Полный текст (1 255 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
باب
أمر النبي ﷺ بإقراء السلام على المسيح
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك المسيح عيسى ابن مريم أن ينزل حكما مقسطا وإماما عدلا، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، وتكون الدعوة واحدة، فأقرئوه (أو: أقرئه) السلام من رسول الله ﷺ ، وأحدثه فيصدقني"، فلما حضرته الوفاة؛ قال: "أقرئوه مني السلام» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وفيه كثير بن زيد، وثقه أحمد وجماعة، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات".
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى ابن مريم ﵇، فإن عجل بي موت؛ فمن لقيه منكم؛ فليقرئه مني السلام» .
رواه الإمام أحمد مرفوعا وموقوفا، ورجال كل منهما رجال الصحيح.
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا إن عيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبي ولا رسول، ألا إنه خليفتي في أمتي من بعدي، ألا إنه يقتل الدجال ويكسر الصليب ويضع الجزية وتضع الحرب أوزارها، ألا فمن أدركه منكم؛ فليقرأ ﵇» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه محمد بن عقبة السدوسي، وثقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم ".
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك منكم عيسى ابن مريم؛ فليقرئه مني السلام» .
رواه: البخاري في "تاريخه"، والحاكم في "مستدركه".
стр. 947
باب
أن المسيح يحكم بالشريعة المحمدية
قد تقدم حديث سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ ، وفيه: «ثم يجيء عيسى ابن مريم ﵉ من قبل المغرب مصدقا بمحمد ﷺ وعلى ملته» ... ".
رواه: الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني.
قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وتقدم أيضا حديث عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال ... (الحديث، وفيه:) ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدقا بمحمد ﷺ على ملته» .
رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات" وفي بعضهم ضعف لا يضر".
وعن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم إذا نزل عيسى ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «كيف بكم إذا نزل فيكم ابن مريم حكما، فأمكم (أو قال: إمامكم) منكم» .
وفي رواية لمسلم: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمكم» .
وفي أخرى له: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم» .
стр. 948
قال الوليد بن مسلم: فقلت لابن أبي ذئب: إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري عن نافع عن أبي هريرة: "وإمامكم منكم". قال ابن أبي ذئب: تدري ما "أمكم منكم"؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ .
وقال أبو ذر الهروي: حدثنا الجوزقي عن بعض المتقدمين؛ قال: "معنى: "وإمامكم منكم"؛ يعني: أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل".
وقال ابن التين: "معنى قوله: وإمامكم منكم": أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم".
باب
ما جاء في حج المسيح وعمرته
قد تقدم ما رواه عبد بن حميد عن أبي هريرة ﵁: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ؛ قال: "خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون كأربع سنين يحج ويعتمر".
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وعن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده؛ ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «والذي»
стр. 949
«نفسي بيده؛ ليهلن ابن مريم من فج الروحاء بالحج أو بالعمرة أو ليثنينهما» .
وفي رواية لأحمد وابن أبي حاتم: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما» . قال: وتلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ... الآية، فزعم حنظلة أن أبا هريرة ﵁ قال: يؤمن به قبل موت عيسى. فلا أدري هذا كله حديث النبي ﷺ أو شيء قاله أبو هريرة ﵁.
وعن عمرو بن عوف المزني ﵁؛ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بالروحاء؛ نزل بعرق الظبية وصلى، ثم قال: «صلى قبلي في هذا المسجد سبعون نبيا، ولقد قدمها موسى عليه عباءتان قطوانيتان على ناقة ورقاء في سبعين ألفا من بني إسرائيل، ولا تقوم الساعة حتى يمر بها عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله حاجا، أو معتمرا، أو يجمع الله ذلك له» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليهبطن عيسى ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا، وليسلكن فجا حاجا أو معتمرا أو بنيتهما، وليأتين قبري حتى يسلم علي، ولأردن عليه» . قال أبو هريرة ﵁: أي بني أخي! إن رأيتموه؛ فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي الأشعث الصنعاني؛ قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: "يهبط عيسى، فيصلي الصلوات، ويجمع الجمع، ويزيد في الحلال،
стр. 950
كأني به تُجِد به رواحله ببطن الروحاء حاجا أو معتمرا".
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدابة. قلت: يا رسول الله! من أين تخرج؟ قال: تخرج من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون؛ إذ تضطرب الأرض تحتهم، وتنشق الصفا مما يلي المشعر، وتخرج الدابة من الصفا» ... الحديث.
رواه ابن جرير.
باب
ما جاء في مدة لبث المسيح في الأرض
قد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال في عيسى: «فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن جرير، وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه أبو داود الطيالسي والطبراني في "الأوسط" مختصرا، ولفظ أبي داود: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يمكث عيسى في الأرض بعدما ينزل أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه» ، ولفظ الطبراني: قال: "ينزل عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة".
стр. 951
قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وقد تقدم ما رواه عبد بن حميد عن أبي هريرة ﵁: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ؛ قال: "خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون كأربع سنين؛ يحج ويعتمر".
باب
ما جاء في قبر المسيح
وعن عبد الله بن سلام ﵁؛ قال: "يدفن عيسى ابن مريم ﵇ مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فيكون قبره رابعا".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عثمان بن الضحاك، وثقه ابن حبان، وضعفه أبو داود ".
وروى الترمذي في كتاب المناقب من "جامعه" من طريق أبي مودود المدني: حدثنا عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده ﵁؛ قال: "مكتوب في التوراة صفة محمد، وعيسى ابن مريم يدفن معه".
قال أبو مودود: قد بقي في البيت موضع قبر.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب. هكذا قال: عثمان بن الضحاك، والمعروف: الضحاك بن عثمان المديني ". انتهى كلام الترمذي.
وقد رواه أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة" من طريق عبد الله بن نافع الصائغ عن الضحاك بن عثمان عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه ﵁؛ قال: "الأقبر المنارية: قبر النبي ﷺ ، وقبر أبي بكر ﵁، وقبر عمر ﵁، وقبر رابع يدفن فيه عيسى ابن مريم ﷺ ".
стр. 952
فصل
وقد اشتملت الأبواب التي في ذكر نزول عيسى ﵊ على خمسة وخمسين حديثا مرفوعا، أكثرها صحيح، والباقي غالبه من الحسان، وجاء في ذلك آثار كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين، ذكرتها في أول الأبواب وفي أثنائها، ومع هذا؛ فقد أنكر بعض أهل الأهواء والبدع نزوله، وزعموا أنه قد مات، وقد تبعهم على ذلك بعض المشايخ العصريين، والجميع مقلدون لليهود والنصارى الذين يزعمون أن عيسى قد قتل وصلب.
وقد رأيت جوابا لشلتوت أنكر فيه حياة المسيح عيسى ابن مريم ﵊، وزعم أنه قد مات موتة عادية، وأنكر أن يكون مرفوعا بجسمه إلى السماء، وأنه فيها حي إلى الآن، وأنكر نزوله إلى الأرض في آخر الزمان حكما عدلا، فخالف ما جاء به القرآن وتواترت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها.
وقد تقدم ذكر الأدلة من القرآن والسنة على نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وسيأتي ذكر الإجماع على ذلك إن شاء الله تعالى.
ثم إن شلتوتا لم يكتف بمخالفة الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، بل ضم إلى ذلك الطعن في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك، فقال: "إنها روايات مضطربة، مختلفة في ألفاظها ومعانيها اختلافا لا مجال معه للجمع بينها"!
كذا قال! وكل من له أدنى علم ومعرفة بالحديث يعلم يقينا أن الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في نزول عيسى ﵊ متفقة متعاضدة لا اضطراب فيها ولا اختلاف بينها بحمد الله تعالى.
стр. 953
ثم إنه أردف ذلك بخطأ آخر، فقال: "وقد نص على ذلك علماء الحديث".
والجواب أن يقال: هذا غير صحيح؛ فإن علماء الحديث قد تلقوا الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵊ بالقبول، ودونوها في كتب الصحاح والسنن والمسانيد، وذكروا مضمونها في كتب العقائد السلفية.
قال إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى في "عقيدة أهل السنة والجماعة" التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: "والإيمان أن المسيح الدجال خارج، مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كله كائن، وأن عيسى ابن مريم ينزل، فيقتله بباب لد ... ".
انتهى.
وقال الإمام أبو محمد البربهاري رحمه الله تعالى في "شرح السنة": "والإيمان بنزول عيسى ابن مريم ﷺ ؛ ينزل، فيقتل الدجال، ويتزوج، ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ ، ويموت، ويدفنه المسلمون" انتهى.
وقال الطحاوي رحمه الله تعالى في "العقيدة" المشهورة: "ونؤمن بأشراط الساعة؛ من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء...." انتهى.
وقال الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رحمه الله تعالى في كتابه "مقالات الإسلاميين": "جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون من ذلك شيئا (إلى أن قال:) ويصدقون بخروج الدجال، وأن عيسى ابن مريم يقتله". انتهى.
وهذا حكاية إجماع من أهل الحديث والسنة على نزول عيسى عليه
стр. 954
الصلاة والسلام. والعبرة بهم، ولا عبرة بمن خالفهم؛ كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "الكافية الشافية".
لا عبرة بمخالف لهم ولو ... كانوا عديد الشاء والبعران
وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي رحمه الله تعالى في رسالته المشهورة: "والإيمان بما ثبت من خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ حكما عدلا يقتل الدجال...." انتهى.
وقال الإمام أبو أحمد بن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد في عقيدة له: "وأن الآيات التي تظهر عند قرب الساعة؛ من الدجال، ونزول عيسى ﵊، والدخان، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وغيرها من الآيات التي وردت بها الأخبار الصحاح حق....". انتهى.
وقال الإمام الموفق أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في عقيدته المشهورة: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه صدق وحق ... (إلى أن قال:) ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة.... وأشباه ذلك مما صح به النقل". انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: "مسألة: عيسى ابن مريم ﷺ حي رفعه الله تعالى إليه بروحه وبدنه، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ؛ أي: قابضك، وكذلك ثبت أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية؛ حكما عدلا مقسطا، ويراد بالتوفي: الاستيفاء، ويراد به الموت ويرتد به النوم، ويدل على كل واحد القرينة التي معه". انتهى.
стр. 955
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى في "شرح مسلم": "نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته، وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، وبقوله: ﷺ : «لا نبي بعدي» ، وبإجماع المسلمين أنه لا نبي بعد نبينا ﷺ ، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة لا تنسخ. وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت هذه الأحاديث هنا وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه ينزل حكما مقسطا؛ يحكم بشرعنا، ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس". انتهى كلامه، وقد نقله النووي في "شرح مسلم" وأقره.
وقال القاضي عياض أيضا في الكلام على أحاديث الدجال: "هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى؛ من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره، ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى ﷺ ، ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار؛ خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة". انتهى المقصود من كلامه، وقد نقله النووي في "شرح مسلم" وأقره.
وقال المناوي في "شرح الجامع الصغير": "أجمعوا على نزول عيسى
стр. 956
عليه الصلاة والسلام نبيا لكنه بشريعة نبينا ﷺ ".
وقال المناوي أيضا في موضع آخر من "شرح الجامع الصغير": "حُكي في المطامح إجماع الأمة على نزوله، ولم يخالف أحد من أهل الشريعة في ذلك، وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة". انتهى.
وقال السفاريني في "شرح عقيدته": "نزول المسيح عيسى ابن مريم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ... (ثم ذكر دليل ذلك من الكتاب والسنة، إلى أن قال:) وأما الإجماع؛ فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية". انتهى.
ولو ذهبت أنقل ما ذكره غير هؤلاء؛ لطال الكلام، وفيما ذكرته كفاية لبيان خطأ شلتوت فيما ذهب إليه وما حاوله من قلب الحقيقة.
ثم إنه أردف ذلك بخطأ ثالث، فقال: "وهي فوق ذلك من روايات وهب بن منبه وكعب الأحبار، وهما من أهل الكتاب الذين اعتنقوا الإسلام، وقد عرفت درجتهم في الحديث عند علماء الجرح والتعديل".
والجواب أن يقال: هذا من نمط ما قبله من القول بغير علم؛ فإن الأحاديث التي ذكرنا في نزول المسيح ليس فيها شيء من روايات كعب الأحبار ووهب بن منبه، وإنما أراد شلتوت أن يوهم الجهال أنه ليس في نزول عيسى إلا أخبار أهل الكتاب؛ ليكون لقوله الباطل موقع وقبول عند الأغبياء، ويروج لديهم قوله الباطل في موت المسيح، ومسلكه الفاسد في تكذيب الأحاديث الصحيحة الدالة على نزوله في آخر الزمان.
وإذا كان قد روي عن كعب الأحبار ووهب بن منبه بعض الآثار في رفع المسيح؛ فلا يكون ذلك قادحا في الأحاديث الصحيحة الدالة على نزوله في
стр. 957
آخر الزمان، ولا موجبا لردها، ولا ينبغي القطع بتكذيب ما روي عنهما في رفع المسيح من غير دليل يدل على ذلك.
وأما قدحه في كعب الأحبار ووهب بن منبه بمجرد الهوى؛ فالجواب عنه أن يقال: ليس شلتوت ممن يعرف الرجال حتى يقبل قوله في الجرح والتعديل.
فأما كعب الأحبار؛ فقد روى عنه: ابن عمر، وأبو هريرة، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية؛ ﵃، وجماعة من كبار التابعين، وأخرج له البخاري ومسلم في "صحيحيهما" وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من الأئمة، ولو كان الأمر فيه كما يقول المبطلون؛ لبين هؤلاء الأئمة حاله، ولم يخرجوا عنه.
ويكفي في تعديله ما رواه مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد: أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁، فسأله عن جرادات قتلها وهو محرم، فقال عمر ﵁ لكعب: "تعالى حتى نحكم ... " وذكر تمام الحديث، فلولا أنه عدل عند عمر ﵁؛ لما أمره أن يحكم معه في جزاء الصيد، وقد قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ .
وقال محمد بن سعد في "الطبقات": "أخبرت عن معاوية بن صالح الحضرمي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير؛ قال: قال معاوية ﵁: ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده لعلم كالثمار، وإن كنا فيه لمفرطين".
وقد ذكره الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب"، وقال: "ثقة من الثانية".
وأما وهب بن منبه؛ فقد اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه، وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من الأئمة، وهذا كاف في تعديله ورد ما
стр. 958
يبهته به جهلة العصريين.
وقد ذكره الذهبي في "الميزان"، وقال: "كان ثقة صادقا. قال العجلي: ثقة تابعي كان على قضاء صنعاء. وقال مثنى بن الصباح: لبث وهب عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءا".
وذكره الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب"، وقال: "ثقة من الثالثة".
وذكره الخزرجي في "الخلاصة"، وقال: "وثقة النسائي. قال مسلم بن خالد: لبث وهب أربعين سنة لم يرقد على فراشه".
وهذا كاف في الثناء عليه ورد ما زعمه شلتوت فيه.
ثم إن شلتوتا أتى بخطأ رابع، فقال عن المفسرين: "إنهم يعتمدون على حديث فردي عن أبي هريرة اقتصر فيه على الإخبار بنزول عيسى، وإذا صح الحديث؛ فهو حديث آحاد".
والجواب أن يقال: قد ذكرنا من الأحاديث الكثيرة المتواترة ما يشهد بخطئه في هذه الدعوى.
وقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير سورة الزخرف: "تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا". انتهى.
وساق جملة منها في تفسير سورة النساء، ثم قال: "فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص وأبي أمامة والنواس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومجمع بن جارية وأبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵃". انتهى.
وقد ذكرت فيما تقدم من الأحاديث الصحيحة والحسنة في نزول عيسى
стр. 959
عليه الصلاة والسلام أضعاف أضعاف ما ذكره ابن كثير هاهنا؛ فلتراجع؛ ففيها أبلغ رد على ما زعمه شلتوت عن المفسرين أنهم كانوا يعتمدون في نزول عيسى على حديث فردي عن أبي هريرة ﵁.
وقد تقدم في ذكر المهدي قول الشوكاني: "إن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم متواترة". انتهى.
ثم إن ظاهر كلام شلتوت يدل على أنه لا يرى صحة حديث أبي هريرة ﵁ الذي فيه الإخبار بنزول عيسى ﵊، ولذلك أتى بـ (إذا) الشرطية المقتضية لتعليق ما دخلت عليه بجملة قبلها محذوفة معناها إنكار صحة الحديث أو التوقف في ثبوت صحته، وصنيعه هذا يدل على أحد شيئين:
إما إرادة التمويه والتلبيس على الجهلة الأغبياء بأنه لم يصح في نزول عيسى شيء من الأحاديث المروية في نزوله. وهذا هو الأظهر.
وإما كثافة الجهل؛ بحيث لا يفرق بين ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في "صحيحيهما" وبين ما يرويه المتساهلون بنقل الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومن بلغ به الجهل إلى التوقف في صحة حديث اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في "صحيحيهما"؛ فليس من أهل العلم، ولا ينبغي أن يعتمد عليه في شيء من أمور الدين.
ثم إن شلتوتا أتى بخطأ خامس، فقال: "وقد أجمع العلماء على أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة ولا يصح عليها في شأن المغيبات".
والجواب أن يقال: من هؤلاء العلماء الذي أجمعوا على هذا القول الباطل؟! أهم علماء السنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؟! أم هم
стр. 960
أئمة الضلال ورؤوس أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم؟!
فإن كان مراده هذا الفريق الأخير؛ فنعم، هو من أقوالهم التي ابتدعوها، ما أنزل الله بها من سلطان، وكفى بالرجل جهلا أن يجعل أقوال أهل البدع ميزانا للسنة المطهرة، وأن يحكيها إجماعا يعتمد عليه!!
وإن كان مراده الفريق الأول؛ فحاشا وكلا؛ فإنه لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم من التابعين وتابعيهم بإحسان أنهم قالوا بهذا القول المبتدع، بل المعروف عنهم أنهم كانوا يتلقون أخبار الثقات بالقبول والتسليم؛ عملا بها، وتصديقا لها، سواء تواترت أو كانت أخبار آحاد، ولا يعرف بينهم نزاع في ذلك، والروايات عنهم بقبول أخبار الآحاد كثيرة، وليس هذا موضع ذكرها، وقد ذكرت جملة منها مع الأدلة من الكتاب والسنة على قبول أخبار الآحاد في أول الكتاب، وذكرت أيضا ما ذكره ابن القيم ﵀ عن إسحاق بن راهويه وجماعة من أصحاب أحمد وغيرهم: أنهم ذهبوا إلى تكفير من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل؛ فليراجع ذلك في أول الكتاب.
فصل
وقد خبط أبو عبية في تعاليقه على "النهاية" لابن كثير في نزول عيسى ﵊ كما خبط قبل ذلك في خروج الدجال وفي غيره مما أخبر النبي ﷺ أنه سيكون في آخر الزمان، وقد نبهت على بعض أباطيله فيما تقدم، ونبهت على ما قاله في خروج الدجال في (باب قتل الدجال) وما بعده؛ فليراجع.
وقد قال في (ص٧١) معلقا على حديث حذيفة بن أسيد ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «إن الساعة لن تقوم حتى تروا عشر آيات ... (فذكرها،»
стр. 961
«ومنها:) نزول عيسى ابن مريم» .
قال أبو عبية ما نصه: "هل بقي عيسى ﵇ حتى الآن حيا وسينزل إلى الأرض ليجدد الدعوة إلى دين الله بنفسه، أم أن المراد بنزول عيسى هو انتصار دين الحق وانتشاره من جديد على أيد مخلصة تتجه إلى الله وتعمل على تخليص المجتمع الإنساني من الشرور والآثام؟ رأيان، ذهب إلى كل منهما فريق من العلماء.
وهذا هو ما يقال بالنسبة إلى الدجال: هل هو شخص من لحم ودم ينشر الفساد ويهدد العباد ويملك وسائل الترغيب والترهيب والإفساد دون رادع من دين أو وازع من خلق حتى يقيض له عيسى فيقتله، أم أنه رمز لانتشار الشر وشيوع الفتنة وضعف نوازع الفضيلة، تهب عليه ريح الخير المرموز إليها بعيسى ﵇، فتذهبه، وتقضى عليه، وتأخذ بيد الناس إلى محجة الخير ومنهج العدل والتدين؟!
وما دمنا بصدد بيان الرأي في الدجال وظهوره وعيسى ﵇ ونزوله؛ فإنه من المناسب أن نشير إلى أن النار المشار إليها في حديث الرسول ﵊ أنها تسوق الناس إلى محشرهم؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل من يتخلف منهم؛ فإن من المناسب أن نشير إلى أن هذه النار يمكن حملها على نار الفتنة التي يمتحن بها الدين وتتعرض لها العقيدة، والتي تترصد الناس لتصدهم عن الله، وتردهم عن الحق والخير، وأن من هرب منها؛ نجا، أما من تلكأ عن أخذ الحيطة وآثر الكسل أو عدم المبالاة؛ فإنها تحرقه حين تحرق دينه، وتأكله إذ تأكل يقينه، وتقذف به إلى عذاب أليم من الحيرة والقلق ثم غضب الله ونقمته".
وقال أبو عبية أيضا في (ص١٦٦) من "النهاية" لابن كثير تعليقا على قول
стр. 962
ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ قال: "قبل موت عيسى ابن مريم "، رواه ابن جرير بإسناد صحيح.
قال أبو عبية ما نصه: " ... امتداد حياة عيسى ﵇ حتى الآن ليس موضع اتفاق بين علماء المسلمين، ولم يرد نص قاطع في هذا الأمر، ولهذا؛ فالقول بموت عيسى أو بحياته ليس داخلا في نطاق ما يكلف المسلم الإيمان به، فللمسلم أن يختار ما تطمئن إليه نفسه، وليس للمسلمين أن يجعلوا من موت عيسى أو حياته موضوع خلاف أو موضع جدل، إنما الذي يجب الإيمان به بقطع ويقين أنه ﵇ لم يقتل ولم يصلب: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ، وعلينا أن نلاحظ حقيقة قرآنية واضحة، وهي أن القرآن الكريم لم يستعمل مادة (رفع) في غير الرفع المعنوي، رفع القدر والقيمة والمنزلة، اللهم إلا في موضع واحد لا غيره، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ ، ولهذا فنحن نؤثر أن يكون عيسى ﵇ قد رفع مكانة لا مكانا؛ لما في هذا الفهم من زيادة التكريم والتعظيم لذلك النبي الكريم، حتى لا يكون هو وحده بدعا بين أنبياء الله ورسله؛ إذ تحدث كتاب الله عن رفعهم معنويا لا حسيا، وشتان بين الرفعين".
والجواب أن يقال: إن كلام أبي عبية في هذه المواضع التي ذكرنا كله باطل وتحريف للكلم عن مواضعه وتشكيك للمسلمين فيما تواتر عن النبي ﷺ من خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وفيما ثبت عن النبي ﷺ من خروج النار التي تسوق الناس إلى المحشر في آخر الزمان.
стр. 963
ويلزم على قول أبي عبية أن يكون النبي ﷺ قد أخبر الناس بأشياء لا حقيقة لها في نفس الأمر، ولا يخفى أن القول بهذا يقتضي القدح في النبي ﷺ ورميه بالكذب، وقد نقل القاضي عياض في كتاب "الشفاء" وابن حجر الهيتمي في كتاب "الزواجر" الإجماع على تكفير من نسب إلى النبي ﷺ ما لا يليق بمنصبه.
فليتق الله أبو عبية، ولا يأمن أن يكون من الذين أجمع العلماء على تكفيرهم.
فأما قوله: "هل بقي عيسى ﵇ حتى الآن حيا، وسينزل إلى الأرض؛ ليجدد الدعوة إلى دين الله بنفسه؟! ".
فجوابه أن يقال: قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان حكما عدلا، وهي أدلة قاطعة على بقاء حياته إلى آخر الزمان.
وقد تقدم عن الحسن البصري أنه قال: "والله؛ إنه لحي الآن عند الله".
رواه بن جرير.
وتقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال مخبرا عن عيسى ﵊: «أنه يدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه (وفي رواية: في إمارته) الملل كلها؛ إلا الإسلام» وفي رواية: ويقاتل الناس على الإسلام"".
فهذا واضح في أن عيسى ﵊ يجدد الدعوة إلى دين الله بنفسه.
وأما قوله: "أم أن المراد بنزول عيسى هو انتصار دين الحق وانتشاره من
стр. 964
جديد على أيد مخلصة تتجه إلى الله وتعمل على تخليص المجتمع الإنساني من الشرور والآثام؟! ".
فجوابه أن يقال: تأويل نزول عيسى ﵊ بانتصار الحق وانتشاره من جديد على أيد مخلصة تأويل باطل وتحريف للكلم عن مواضعه، وهو من جنس تأويلات القرامطة والباطنية، ويلزم على هذا التأويل الباطل تكذيب ما تواتر عن النبي ﷺ من الإخبار بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان حكما عدلا، ومن كذب بشيء مما ثبت عن النبي ﷺ ؛ فهو ممن يشك في إسلامه؛ لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسول الله.
وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد؛ أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه؛ رددنا على الله أمره، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ".
وأما قوله: "رأيان ذهب إلى كل منهما فريق من العلماء".
فجوابه أن يقال: أما علماء أهل السنة والجماعة، وهم العلماء في الحقيقة؛ فهم متفقون على الإيمان بنزول عيسى ﵊، وقد تقدم ذكر طرف من أقوالهم في ذلك قريبا، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ومن تبعهم من أهل البدع، ولا عبرة بخلافهم.
وإذا علم هذا؛ فليعلم أيضا أن أهل السنة والجماعة لم يعتمدوا في نزول عيسى ﵊ على الرأي كما زعم ذلك أبو عبية، وإنما اعتمدوا على الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، وأما الفلاسفة والملاحدة ومن تبعهم من أهل البدع؛ فهم الذين يعتمدون على آرائهم الباطلة، وهي آراء مردودة؛ لمخالفتها للحق الثابت عن النبي ﷺ .
وأما قوله: "وهذا هو ما يقال بالنسبة إلى الدجال؛ هل هو شخص من
стр. 965
لحم ودم ينشر الفساد ... " إلى آخره.
فجوابه أن يقال: قد تقدمت الأحاديث في صفة الدجال، وفيها أنه رجل قصير، أفحج، جعد، أعور، مطموس العين، ليست بناتئة ولا جحراء، وأنه مكتوب بين عينيه كافر، وأنه هجان، أزهر، كأن رأسه أصلة. وفي رواية أنه «هجان، ضخم، فيلماني، كأن شعره أغصان شجرة، كأن عينيه كوكب الصبح» .
وفي رواية: «إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري» . و (الهجان) : الأبيض، و (الأزهر) : الأبيض المستنير. وفي رواية: «أنه رجل أحمر، جسيم، جعد الرأس، أعور العين اليمنى، أقرب شبها بابن قطن، وابن قطن رجل من خزاعة» .... إلى غير ذلك مما تقدم في أحاديث الدجال، وفيها أوضح دليل على أنه شخص من لحم ودم.
وفي حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «ينزل عيسى عند صلاة الفجر، فإذا قضى صلاته؛ أخذ عيسى حربته، فيذهب نحو الدجال، فإذا رآه الدجال؛ ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوته، فيقتله» .
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم في "صحيحه" أن رسول الله ﷺ قال: " «ولكن يقتله الله بيده - أي: يد عيسى ﵊، فيريهم دمه في حربته» .
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على أبي عبية فيما حاوله من إنكار خروج الدجال.
وأما قوله: "أم أنه رمز لانتشار الشر وشيوع الفتنة وضعف نوازع الفضيلة، تهب عليه ريح الخير المرموز إليها بعيسى ﵇، فتذهبه، وتقضي عليه، وتأخذ بيد الناس إلى محجة الخير ومنهج العدل والتدين".
стр. 966
فجوابه أن يقال: هذا تأويل باطل مردود، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، وهو موافق لقول الذين ينكرون خروج الدجال ونزول عيسى ﵇ من الفلاسفة والمعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم من أهل البدع، ويلزم على هذا التأويل الباطل تكذيب ما تواتر عن النبي ﷺ من الإخبار بخروج الدجال، والتكذيب بما ثبت عن النبي ﷺ لا يصدر إلا من جاهل أو من رجل ينتسب إلى الإسلام وهو عنه بمعزل.
وأما قوله: "إنه من المناسب أن نشير إلى أن النار المشار إليها في حديث الرسول ﷺ : «أنها» «تسوق الناس إلى محشرهم؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل من يتخلف منهم؛» فإن من المناسب أن نشير إلى أن هذه النار يمكن حملها على نار الفتنة التي يمتحن بها الدين وتتعرض لها العقيدة ... " إلى آخر كلامه.
فجوابه أن يقال: هذا تأويل باطل مردود، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، والحق أن النار التي أخبر النبي ﷺ بخروجها في آخر الزمان في عدة أحاديث صحيحة؛ أنها نار على الحقيقة، وهي من أشراط الساعة، ومن أنكر خروجها أو شك في ذلك؛ فهو ممن لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسول الله.
وأما قوله: "إن امتداد حياة عيسى ﵇ حتى الآن ليس موضع اتفاق بين علماء المسلمين".
فجوابه أن يقال: بل هو موضع اتفاق بين علماء أهل السنة والجماعة، وقد ذكرت بعض أقوالهم في ذلك وما حكاه بعضهم من إجماع أهل السنة والجماعة على ذلك قريبا؛ فليراجع. وقد خالفهم الفلاسفة وبعض الخوارج والمعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم من أهل البدع، ومنهم أبو عبية وأشباهه من العصريين، ولا عبرة بخلافهم.
стр. 967
وأما قوله: "ولم يرد نص قاطع في هذا الأمر".
فجوابه أن يقال: بل قد تواترت النصوص الدالة على نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان حكما عدلا، وهي أدلة قاطعة على امتداد حياته حتى الآن.
وأما قوله: "ولهذا؛ فالقول بموت عيسى أو بحياته ليس داخلا في نطاق ما يكلف المسلم الإيمان به، فللمسلم أن يختار ما تطمئن إليه نفسه".
فجوابه أن يقال: بل المسلم مكلف بالإيمان بكل ما جاء به رسول الله ﷺ من الأوامر والنواهي وأخبار الغيوب الماضية والآتية، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم؛ إلا بحقها، وحسابهم على الله» .
رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وفيها دليل قاطع على بقاء حياته إلى آخر الزمان، وهذا مما يجب الإيمان به، وليس للمسلم أن يختار لنفسه ما يخالف الإيمان بما ثبت عن النبي ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ، وإذا لم تطمئن نفس المرء للإيمان بما ثبت عن النبي ﷺ ؛ فليس بمسلم في الحقيقة.
وأما قوله: "وليس للمسلمين أن يجعلوا من موت عيسى أو حياته موضوع خلاف أو موضع جدل".
стр. 968
فجوابه أن يقال: قد اتفق أهل السنة والجماعة على القول ببقاء حياة عيسى ﵊ ونزوله في آخر الزمان حكما عدلا، وليس بينهم خلاف ولا جدل في ذلك، وقد تقدم ذكر أقوالهم في ذلك قريبا، والذين جعلوا من حياة عيسى موضوع خلاف وجدل هم الفلاسفة وبعض أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والجهمية ومن اقتفى آثارهم من أهل البدع، وهم كثيرون في زماننا، ولا عبرة بخلافهم.
وأما قوله: "إنما الذي يجب الإيمان به بقطع ويقين أنه ﵇ لم يقتل ولم يصلب ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
فجوابه أن يقال: ويجب أيضا الإيمان بقطع ويقين أن عيسى ﵊ ينزل في آخر الزمان حكما عدلا يحكم بالشريعة المحمدية، وأنه يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويقتل الدجال، ويقاتل الناس على الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، وأنه يحج ويعتمر، وأنه يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون، ويدفنونه؛ فهذا كله مما يجب الإيمان به بقطع ويقين؛ لثبوته عن النبي ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب مثله ومثله معه» . وعلى هذا؛ فمن أنكر شيئا مما ثبت عن النبي ﷺ في شأن عيسى ﵊ أو شك فيه؛ فهو لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسول الله.
وأما قوله: "وعلينا أن نلاحظ حقيقة قرآنية واضحة، وهي أن القرآن الكريم لم يستعمل مادة (رفع) في غير الرفع المعنوي؛ رفع القدر والقيمة والمنزلة،
стр. 969
اللهم إلا في موضع واحد لا غيره، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ .
فجوابه أن يقال: قد جاء ذكر الرفع الحسي في القرآن في عدة مواضع:
أحدها: رفع السماء على الأرض.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ .
الموضع الثاني: رفع الطور على بني إسرائيل:
قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ .
الموضع الثالث: رفع إدريس ﵊ إلى السماء.
قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ .
الموضع الرابع: رفع عيسى ﵊ إلى السماء.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ .
وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ .
وفي قوله: إليه: أوضح دليل على أنه قد رفع إلى السماء؛ كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ .
الموضع الخامس: رفع إبراهيم وإسماعيل لقواعد البيت.
стр. 970
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ .
الموضع السادس: بناء المساجد.
قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ .
الموضع السابع: قوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ .
ففي هذه المواضع كلها استعمال مادة (رفع) في الرفع الحسي لا المعنوي، وفيها أبلغ رد على أبي عبية.
وأما قوله: "ولهذا فنحن نؤثر أن يكون عيسى ﵇ قد رفع مكانة لا مكانا؛ لما في هذا الفهم من زيادة التكريم والتعظيم لذلك النبي الكريم، حتى لا يكون هو وحده بدعا بين أنبياء الله ورسله؛ إذ تحدث كتاب الله عن رفعهم معنويا لا حسيا، وشتان بين الرفعين".
فجوابه أن يقال: إن الله تعالى قد رفع عيسى ﵊ مكانة كسائر المسلمين، ورفعه مكانا؛ كما دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ، وما تواترت به الأحاديث عن النبي ﷺ وأجمع عليه أهل السنة والجماعة من نزوله في آخر الزمان.
وقد جاء في الحديث الصحيح عن النواس بن سمعان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «فبينما هو كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعا كفيه على أجنحة ملكين» .
وهذا ظاهر في نزوله من السماء.
وقد جاء النص على نزوله من السماء فيما رواه البزار بإسناد جيد من
стр. 971
حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، وقد تقدم في (باب نزول عيسى إلى الأرض) ؛ فليراجع.
وفي رفع عيسى ﵊ إلى السماء زيادة تكريم وتعظيم ورفع لمكانه ومكانته.
وأما قوله: "حتى لا يكون هو وحده بدعا بين أنبياء الله ورسله".
فجوابه أن يقال: إن الله تعالى قد خص بعض الأنبياء بخصائص ليست لغيرهم، فخص إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما وسلم بالخلة، وخص آدم وموسى ومحمدا عليهم الصلاة والسلام بالتكليم، وخص موسى ﵊ بالمناجاة، وخص داود ﵊ بالصوت الحسن، وخص سليمان ﵊ بتسخير الريح والشياطين، وخص عيسى ﵊ بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وخص إدريس وعيسى عليهما الصلاة والسلام بالرفع إلى السماء، وخص عيسى أيضا ببقائه حيا إلى الزمان؛ حيث ينزل إلى الأرض، فيقتل الدجال، ويجدد الشريعة المحمدية، ويبقى في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون، ويدفنونه، وخص محمدا ﷺ بخصائص كثيرة لم تكن لغيره من الأنبياء، ومنها: العروج به إلى ما فوق السماوات السبع، وفرض الصلوات الخمس عليه وعلى أمته مباشرة بدون واسطة، وهذا من أعظم التكريم والتعظيم ورفع المكانة والمكان.
وأما قوله: "إذ تحدث كتاب الله عن رفعهم معنويا لا حسيا".
فجوابه أن يقال:
قد جاء في القرآن ذكر رفع بعضهم معنويا؛ كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ .
стр. 972
وجاء فيه أيضا ذكر رفع بعضهم حسيا؛ كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ .
وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ .
وفي هذه الآيات أبلغ رد على أبي عبية.
وأما قوله: "وشتان بين الرفعين".
فجوابه أن يقال: إن الرفع الحسي - وهو رفع المكان - يستلزم الرفع المعنوي - وهو رفع المكانة -، فمن رفعه الله إليه؛ فقد زاد في مكانته وتكريمه؛ فلا منافاة بين الرفعين. والله أعلم.
أبواب
ما جاء في يأجوج ومأجوج
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾
стр. 973
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ .
باب
ما جاء في خروج يأجوج ومأجوج
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ .... الآية.
قال السدي في قول الله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ؛ قال: "ذاك حين يخرجون على الناس".
قال ابن كثير: "وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال ". انتهى.
وقد جاء ذكر خروج يأجوج ومأجوج في عدة أحاديث تقدم ذكرها.
منها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات (فذكر) : الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل السنن. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ومنها حديث واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله
стр. 974
صلى الله عليه وسلم يقول: " «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدجال، والدخان، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تحشر الذر والنمل» .
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ومنها حديث النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر خروج الدجال ونزول عيسى ﵊، وفيه: «فبينما هو كذلك؛ إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله» ..... الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح".
وزاد الترمذي في روايته ومسلم في رواية له بعد قوله: «لقد كان بهذا مرة ماء» : «ثم يسيرون، حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس،»
стр. 975
«فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما» .
وزاد أحمد بعد قوله: «فتطرحهم حيث شاء الله » : "قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره؛ قال: فتطرحهم بالمهبل. قال ابن جابر: فقلت: يا أبا يزيد! أين المهبل؟ قال: مطلع الشمس".
وفي رواية الترمذي: " «فتحملهم، فتطرحهم بالمهبل، ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين» .
وقد روى ابن ماجه هذه الزيادة مفردة، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين» .
وقد روى ابن عساكر في "تاريخه" حديث النواس مختصرا، وقال فيه بعد ذكر نزول عيسى وقتل الدجال: «فبينما هم فرحون لما هم فيه؛ خرجت يأجوج ومأجوج، فيوحى إلى المسيح: إني قد أخرجت عبادا لي لا يستطيع قتلهم إلا أنا، فأحرز عبادي إلى الطور. فيمر صدر يأجوج ومأجوج على بحيرة الطبرية، فيشربونها، ثم يقبل آخرهم، فيركزون رماحهم، فيقولون: لقد كان هاهنا مرة ماء، حتى إذا كانوا حيال بيت المقدس؛ قالوا: قد قتلنا من في الأرض، فهلموا نقتل من في السماء، فيرمون نبلهم إلى السماء، فيردها الله مخضوبة بالدم، فيقولون: قد قتلنا من في السماء، ويتحصن ابن مريم وأصحابه، حتى يكون رأس الثور خيرا من مائة دينار اليوم» .
ومنها حديث حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ في ذكر الدجال ونزول عيسى ﵊، وفيه: «فبينما هم كذلك؛ إذ أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة، ويجيء آخرهم وقد أنشفوه، فما»
стр. 976
«يدعون فيه قطرة، فيقولون: ظهرنا على أعدائنا، قد كان هاهنا أثر ماء. فيجيء نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه وراءه، حتى يدخلوا مدينة من مدائن فلسطين يقال لها: لد، فيقولون: ظهرنا على من في الأرض، فتعالوا نقاتل من في السماء.
فيدعو الله نبيه ﷺ عند ذلك، فيبعث الله عليهم قرحة في حلوقهم، فلا يبقى منهم بشر، فيؤذي ريحهم المسلمين، فيدعو عيسى صلوات الله عليه وعليهم، فيرسل الله عليهم ريحا، فتقذفهم في البحر أجمعين» .
رواه: الحاكم، وابن منده في "كتاب الإيمان"، وابن عساكر. وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم "، وأقره الذهبي. وقال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في إسناد ابن منده: هذا إسناد صالح". قال ابن كثير: "وفيه سياق غريب وأشياء منكرة".
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁: عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني؛ ذاب كما يذوب الرصاص. قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم! إن تحتي كافرا؛ فتعال فاقتله.
قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم؛ فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه.
قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم، حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك: أن الساعة كالحامل المتم، لا»
стр. 977
«يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارا» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن جرير، والحاكم وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وزاد ابن ماجه والحاكم فيه: "قال العوام - وهو ابن حوشب أحد رواته -: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله ، ثم قرأ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ .
ومنها حديث عبد الله بن عمرو ﵄ موقوفا في ذكر الملحمة الكبرى بين المسلمين والروم وخروج الدجال على إثر ذلك ونزول عيسى ﵊، وفيه: "فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا صوتا قال: فتحت يأجوج ومأجوج، وهو كما قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ، فيفسدون الأرض كلها، حتى إن أوائلهم ليأتي النهر العجاج، فيشربونه كله، وإن آخرهم ليقول: قد كان هاهنا نهر، ويحاصرون عيسى ومن معه ببيت المقدس، ويقولون: ما نعلم في الأرض أحدا إلا ذبحناه، هلموا نرمي من في السماء. فيرمون، حتى ترجع إليهم سهامهم في نصولها الدم قليلا، فيقولون: ما بقي في الأرض ولا في السماء. فيقول المؤمنون: يا روح الله! ادع عليهم بالفناء، فيدعو الله عليهم، فيبعث النغف في آذانهم فيقتلهم في ليلة واحدة، فتنتن الأرض كلها من جيفهم، فيقولون: يا روح الله! نموت من النتن. فيدعو الله، فيبعث وابلا من المطر، فجعله سيلا، فيقذفهم كلهم في البحر....." الحديث.
رواه ابن عساكر في "تاريخه".
وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ عن زينب بنت جحش ﵂؛ قالت: «خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج»
стр. 978
«ومأجوج مثل هذه -وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها-". قالت: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كثر الخبث» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه. وفي رواية لأحمد: قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ وهو عاقد بأصبعيه السبابة بالإبهام، وهو يقول: " ويل للعرب من شر قد اقترب؛ فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل موضع الدرهم". قالت: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال ﷺ : "نعم؛ إذا كثر الخبث» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": " (الخبث) ؛ بفتح المعجمة والموحدة ثم مثلثة: فسروه بالزنى وبأولاد الزنى، وبالفسوق والفجور، وهو أولى؛ لأنه قابله بالصلاح.
قال ابن العربي: فيه البيان بأن الخير يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه، وكذلك إذا غير عليه، لكن حيث لا يجدي ذلك، ويصر الشرير على عمله السيئ، ويفشو ذلك ويكثر، حتى يعم الفساد، فيهلك حينئذ القليل والكثير، ثم يحشر كل أحد على نيته، وكأنها فهمت من فتح القدر المذكور من الردم أن الأمر إن تمادى على ذلك؛ اتسع الخرق؛ بحيث يخرجون، وكان عندها علم أن في خروجهم على الناس إهلاكا عاما لهم". انتهى.
وعن أم حبيبة ﵂؛ قالت: «استيقظ رسول الله ﷺ وهو يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح من ردم يأجوج ومأجوج -وحلق بيده عشرا-". قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كثر الخبث» .
رواه ابن حبان في "صحيحه". وقد رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه؛ من حديث أم حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله
стр. 979
عنها؛ كما تقدم ذكره، فلعل ذكر زينب سقط من طريق ابن حبان. والله أعلم.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه "وعقد وهيب بيده تسعين"» .
متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
ووهيب المذكور هو وهيب بن خالد الباهلي، أحد رواة هذا الحديث.
وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب؛ فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه "وعقد عشرة"". قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كثر الخبث» .
رواه الطبراني.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس؛ كما قال الله : ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ، فيعيثون في الأرض، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر، فيشربون ما فيه، حتى يتركوه يابسا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر، فيقول: لقد كان هاهنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة؛ قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، بقي أهل السماء". قال: "ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع مختضبة دما للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك؛ إذ بعث الله دودا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقهم، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ ". قال: "فيتجرد رجل منهم لذلك محتسبا بنفسه قد وطنها على أنه مقتول، فينزل، فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر»
стр. 980
«المسلمين! ألا أبشروا؛ فإن الله قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لها رعي إلا لحومهم، فتشكر عنه كأحسن ما شكرت عن شيء من النبات أصابته قط» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال ابن الأثير: " (تشكر) ؛ أي: تسمن وتمتلئ شحما، يقال: شكرت الشاة؛ بالكسر، تشكر شكرا؛ بالتحريك: إذا سمنت وامتلأ ضرعها لبنا". انتهى.
وعن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ألا كل نبي قد أنذر أمته الدجال» ... الحديث، وقد تقدم إيراده بطوله من رواية الحاكم في (باب قصة المؤمن مع الدجال) ، وقد رواه أحمد بن منيع بنحو رواية الحاكم، وزاد بعد هلاك الدجال: قال: «فيمكثون في الأرض ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يفتح يأجوج ومأجوج، فيهلكون من في الأرض؛ إلا من تعلق بحصن، فلما فرغوا من أهل الأرض؛ أقبل بعضهم على بعض، فقالوا: إنما بقي من في الحصون ومن في السماء، فيرمون بسهامهم، فخرت منغمرة دما، فقالوا: قد استرحتم ممن في السماء وبقي من في الحصون، فحاصروهم حتى اشتد عليهم الحصر والبلاء، فبينما هم كذلك؛ إذ أرسل الله عليهم نغفا في أعناقهم، فقصمت أعناقهم، فمال بعضهم على بعض موتى، فقال رجل منهم: قتلهم الله رب الكعبة. قالوا: إنما يفعلون هذا مخادعة، فنخرج إليهم، فيهلكونا كما أهلكوا إخواننا. فقال: افتحوا لي الباب. فقال أصحابه: لا نفتح. فقال: دلوني بحبل. فلما نزل؛ وجدهم موتى، فخرج»
стр. 981
«الناس من حصونهم". فحدثني أبو سعيد أن مواشيهم جعلها الله لهم حياة يقضمونها ما يجدون غيرها. قال: وحدثنا رسول الله ﷺ : "أن الناس يغرسون بعدهم الغروس ويتخذون الأموال". قال: فقلت: سبحان الله! أبعد يأجوج ومأجوج؟! قال: " نعم» .
عطية العوفي ضعيف، ولكن لحديثه هذا شاهد مما قبله وما بعده.
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس؛ قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا. فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم إلى الناس؛ حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس؛ قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدا إن شاء الله. ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم، فيقتلهم بها". فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده؛ إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" مختصرا، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية الترمذي قال: «فوالذي نفس محمد بيده؛ إن دواب الأرض تسمن وتبطر وتشكر شكرا من لحومهم» . وفي رواية الحاكم قال: «والذي نفس محمد بيده؛ إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكرا وتسكر سكرا من»
стр. 982
«لحومهم» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" في الكلام على هذا الحديث: فيه أن فيهم أهل صناعة وأهل ولاية وسلاطة ورعية تطيع من فوقها، وأن فيهم من يعرف الله ويقر بقدرته ومشيئته، ويحتمل أن تكون تلك الكلمة تجري على لسان ذلك الوالي من غير أن يعرف معناها، فيحصل المقصود ببركتها.
وقد أخرج عبد بن حميد من طريق كعب الأحبار نحو حديث أبي هريرة ﵁، وقال فيه: "فإذا بلغ الأمر؛ ألقى الله على بعض ألسنتهم: نأتي إن شاء الله غدا، فنفرغ منه".
وأخرج ابن مردويه من حديث حذيفة ﵁ نحو حديث أبي هريرة، وفيه: "فيصبحون وهو أقوى منه بالأمس، حتى يسلم رجل منهم حين يريد الله أن يبلغ أمره، فيقول المؤمن: غدا نفتحه إن شاء الله، فيصبحون، ثم يغدون عليه فيفتح...." الحديث، وسنده ضعيف جدا. انتهى.
وعن أبي الزعراء؛ قال: كنا عند عبد الله بن مسعود ﵁، فذكر عنده الدجال، فقال عبد الله بن مسعود: "تفترقون أيها الناس لخروجه ثلاث فرق: فرقة تتبعه، وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح، وفرقة تأخذ شط الفرات؛ يقاتلهم ويقاتلونه، حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام". قال عبد الله: "ويزعم أهل الكتاب أن المسيح ينزل فيقتله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج، فيمرحون في الأرض، فيفسدون فيها (ثم قرأ عبد الله ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ؛ قال:) ثم يبعث الله عليهم دابة مثل هذا النغف، فتلج في أسماعهم ومناخرهم، فيموتون منها، فتنتن الأرض منهم، فيجأرون إلى الله، فيرسل ماء يطهر الأرض منهم......" الحديث.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم
стр. 983
يخرجاه"، ووافقه الذهبي في موضع من "تلخيصه"، وقال في موضع آخر: "ما احتجا بأبي الزعراء ".
باب
أن يأجوج ومأجوج من سلالة آدم
عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ : «يقول الله يوم القيامة: يا آدم! يقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار. قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف (أراه قال:) تسعمائة وتسعة وتسعين. فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد". فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي ﷺ : "من يأجوج ومأجوج تسع مائة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد» ..... الحديث.
متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ «قرأ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ؛ قال: "ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثا إلى النار. فقال: من كم يا رب؟ قال: من ألف تسع مائة وتسعة وتسعون وينجو واحد". فشق ذلك على المسلمين، وعرف ذلك رسول الله ﷺ منهم، ثم قال رسول الله ﷺ حين أبصر ذلك في وجوههم: "إن بني آدم كثير، ويأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل حتى يرثه لصلبه ألف رجل؛ ففيهم وفي أشباههم جنة لكم» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عثمان بن عطاء الخراساني، وهو متروك، وضعفه الجمهور، واستحسن أبو حاتم حديثه".
стр. 984
قلت: وحديث أبي سعيد يشهد لهذا الحديث ويقويه.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنهم لو أرسلوا على الناس؛ لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد؛ إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، وتاريس، ومنسك» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" من طريقه. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه أيضا عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في "البعث". قال ابن كثير: "هذا حديث غريب، وقد يكون من كلام عبد الله بن عمرو من الزاملتين".
قلت: وسيأتي بعضه موقوفا على عبد الله بن عمرو ﵄، وذلك يقوي ما قاله ابن كثير رحمه الله تعالى.
ويؤيد رفعه ما رواه ابن حبان في "صحيحه" عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ويأتي فيه أيضا عدة أحاديث تدل على أن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، وفي آخرها أثر عن عبد الله بن عمرو ﵄ صريح في ذلك. والله أعلم.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في ذكر يأجوج ومأجوج: "هم ذرية آدم بلا خلاف نعلمه، ثم استدل على ذلك بحديث أبي سعيد الذي ذكرنا". قال: "ثم هم من ذرية نوح؛ لأن الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾
стр. 985
ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم، فاختلطت بالتراب، فخلقوا من ذلك، وأنهم ليسوا من حواء؛ فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوي في "شرح مسلم " وغيره، وضعفوه، وهو جدير بذلك؛ إذ لا دليل عليه، بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن، وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدا؛ فمنهم من هو كالنخلة السحوق، ومنهم من هو في غاية القصر، ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى؛ فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان".
قلت: وقد ورد في ذلك حديث ضعيف سيأتي في باب كثرة يأجوج ومأجوج إن شاء الله تعالى.
قال ابن كثير: "والصحيح أنهم من بني آدم، وعلى أشكالهم وصفاتهم، وقد قال النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن» ، وهذا فيصل في هذا الباب وغيره". انتهى.
وقد روى الحاكم في "مستدركه" عن سعيد بن المسيب: أنه قال: "ولد نوح ﵊ ثلاثة: سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج".
ورواه البزار في "مسنده" من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ولد لنوح سام وحام ويافث، فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة ولا خير فيهم، وولد لحام القبط والبربر والسودان» .
في إسناده محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عن أبيه، وكلاهما ضعيف.
следующие страницы →