Полный текст (1 255 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
«الناس من حصونهم". فحدثني أبو سعيد أن مواشيهم جعلها الله لهم حياة يقضمونها ما يجدون غيرها. قال: وحدثنا رسول الله ﷺ : "أن الناس يغرسون بعدهم الغروس ويتخذون الأموال". قال: فقلت: سبحان الله! أبعد يأجوج ومأجوج؟! قال: " نعم» .
عطية العوفي ضعيف، ولكن لحديثه هذا شاهد مما قبله وما بعده.
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس؛ قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا. فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم إلى الناس؛ حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس؛ قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدا إن شاء الله. ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم، فيقتلهم بها". فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده؛ إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" مختصرا، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية الترمذي قال: «فوالذي نفس محمد بيده؛ إن دواب الأرض تسمن وتبطر وتشكر شكرا من لحومهم» . وفي رواية الحاكم قال: «والذي نفس محمد بيده؛ إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكرا وتسكر سكرا من»
стр. 982
«لحومهم» .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" في الكلام على هذا الحديث: فيه أن فيهم أهل صناعة وأهل ولاية وسلاطة ورعية تطيع من فوقها، وأن فيهم من يعرف الله ويقر بقدرته ومشيئته، ويحتمل أن تكون تلك الكلمة تجري على لسان ذلك الوالي من غير أن يعرف معناها، فيحصل المقصود ببركتها.
وقد أخرج عبد بن حميد من طريق كعب الأحبار نحو حديث أبي هريرة ﵁، وقال فيه: "فإذا بلغ الأمر؛ ألقى الله على بعض ألسنتهم: نأتي إن شاء الله غدا، فنفرغ منه".
وأخرج ابن مردويه من حديث حذيفة ﵁ نحو حديث أبي هريرة، وفيه: "فيصبحون وهو أقوى منه بالأمس، حتى يسلم رجل منهم حين يريد الله أن يبلغ أمره، فيقول المؤمن: غدا نفتحه إن شاء الله، فيصبحون، ثم يغدون عليه فيفتح...." الحديث، وسنده ضعيف جدا. انتهى.
وعن أبي الزعراء؛ قال: كنا عند عبد الله بن مسعود ﵁، فذكر عنده الدجال، فقال عبد الله بن مسعود: "تفترقون أيها الناس لخروجه ثلاث فرق: فرقة تتبعه، وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح، وفرقة تأخذ شط الفرات؛ يقاتلهم ويقاتلونه، حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام". قال عبد الله: "ويزعم أهل الكتاب أن المسيح ينزل فيقتله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج، فيمرحون في الأرض، فيفسدون فيها (ثم قرأ عبد الله ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ؛ قال:) ثم يبعث الله عليهم دابة مثل هذا النغف، فتلج في أسماعهم ومناخرهم، فيموتون منها، فتنتن الأرض منهم، فيجأرون إلى الله، فيرسل ماء يطهر الأرض منهم......" الحديث.
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم
стр. 983
يخرجاه"، ووافقه الذهبي في موضع من "تلخيصه"، وقال في موضع آخر: "ما احتجا بأبي الزعراء ".
باب
أن يأجوج ومأجوج من سلالة آدم
عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ : «يقول الله يوم القيامة: يا آدم! يقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار. قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف (أراه قال:) تسعمائة وتسعة وتسعين. فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد". فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي ﷺ : "من يأجوج ومأجوج تسع مائة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد» ..... الحديث.
متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ «قرأ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ؛ قال: "ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثا إلى النار. فقال: من كم يا رب؟ قال: من ألف تسع مائة وتسعة وتسعون وينجو واحد". فشق ذلك على المسلمين، وعرف ذلك رسول الله ﷺ منهم، ثم قال رسول الله ﷺ حين أبصر ذلك في وجوههم: "إن بني آدم كثير، ويأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل حتى يرثه لصلبه ألف رجل؛ ففيهم وفي أشباههم جنة لكم» .
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عثمان بن عطاء الخراساني، وهو متروك، وضعفه الجمهور، واستحسن أبو حاتم حديثه".
стр. 984
قلت: وحديث أبي سعيد يشهد لهذا الحديث ويقويه.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنهم لو أرسلوا على الناس؛ لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد؛ إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، وتاريس، ومنسك» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" من طريقه. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". ورواه أيضا عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في "البعث". قال ابن كثير: "هذا حديث غريب، وقد يكون من كلام عبد الله بن عمرو من الزاملتين".
قلت: وسيأتي بعضه موقوفا على عبد الله بن عمرو ﵄، وذلك يقوي ما قاله ابن كثير رحمه الله تعالى.
ويؤيد رفعه ما رواه ابن حبان في "صحيحه" عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ويأتي فيه أيضا عدة أحاديث تدل على أن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، وفي آخرها أثر عن عبد الله بن عمرو ﵄ صريح في ذلك. والله أعلم.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في ذكر يأجوج ومأجوج: "هم ذرية آدم بلا خلاف نعلمه، ثم استدل على ذلك بحديث أبي سعيد الذي ذكرنا". قال: "ثم هم من ذرية نوح؛ لأن الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾
стр. 985
ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم، فاختلطت بالتراب، فخلقوا من ذلك، وأنهم ليسوا من حواء؛ فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوي في "شرح مسلم " وغيره، وضعفوه، وهو جدير بذلك؛ إذ لا دليل عليه، بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن، وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدا؛ فمنهم من هو كالنخلة السحوق، ومنهم من هو في غاية القصر، ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى؛ فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان".
قلت: وقد ورد في ذلك حديث ضعيف سيأتي في باب كثرة يأجوج ومأجوج إن شاء الله تعالى.
قال ابن كثير: "والصحيح أنهم من بني آدم، وعلى أشكالهم وصفاتهم، وقد قال النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن» ، وهذا فيصل في هذا الباب وغيره". انتهى.
وقد روى الحاكم في "مستدركه" عن سعيد بن المسيب: أنه قال: "ولد نوح ﵊ ثلاثة: سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج".
ورواه البزار في "مسنده" من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ولد لنوح سام وحام ويافث، فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة ولا خير فيهم، وولد لحام القبط والبربر والسودان» .
في إسناده محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عن أبيه، وكلاهما ضعيف.
стр. 986
قال ابن كثير: "والمحفوظ عن سعيد من قوله، وهكذا روي عن وهب بن منبه مثله". انتهى.
باب
ما جاء في كثرة يأجوج ومأجوج
قد تقدم في الباب قبله ثلاثة أحاديث تدل على عظم كثرتهم.
وعن عمران بن حصين ﵄؛ قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتفاوت بين أصحابه السير، فرفع رسول الله ﷺ صوته بهاتين الآيتين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ، فلما سمع ذلك أصحابه؛ حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فقال: "هل تدرون أي يوم ذلك؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذلك يوم ينادي الله فيه آدم، فيناديه ربه، فيقول: يا آدم! ابعث بعث النار. فيقول: أي رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة". فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة، فلما رأى رسول الله ﷺ الذي بأصحابه؛ قال: "اعملوا وأبشروا؛ فوالذي نفس محمد بيده؛ إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه؛ يأجوج ومأجوج، ومن مات من بني آدم وبني إبليس". قال: فسري عن القوم بعض الذي يجدون. قال: "اعملوا وأَبشروا؛ فوالذي نفس محمد بيده؛ ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والترمذي، والنسائي، والحاكم في "مستدركه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
стр. 987
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «نزلت ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ على النبي ﷺ وهو في مسير له، فرفع بها صوته، حتى ثاب إليه أصحابه، ثم قال: "أتدرون أي يوم هذا؟ يوم يقول الله جل وعلا: يا آدم! قم فابعث بعث النار، من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين". فكبر ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ : "سددوا وقاربوا وأبشروا، فوالذي نفسي بيده؛ ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من كفرة الإنس والجن» .
رواه: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان في "صحيحه".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية وأصحابه عنده: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ... إلى آخر الآية، فقال: "هل تدرون أي يوم ذلك؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: "ذلك يوم يقول الله : يا آدم! قم فابعث بعثا إلى النار. فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة". فشق ذلك على القوم، فقال رسول الله ﷺ : "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة". ثم قال رسول الله ﷺ : "اعملوا وأبشروا؛ فإنكم بين خليقتين لم يكونا مع أحد إلا كثرتاه؛ يأجوج ومأجوج، وإنما أنتم في الأمم كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، أمتي جزء من ألف جزء» .
رواه: ابن أبي حاتم، والبزار. قال الهيثمي: " ورجاله رجال الصحيح؛ غير هلال بن خباب، وهو ثقة".
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: «إن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم لصلبه ألفا من الذرية، وإن من ورائهم أمما ثلاثا: منسك»
стр. 988
«وتاويل وتاريس، لا يعلم عددهم إلا الله» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربع مائة ألف أمة، لا يموت الرجل حتى ينظر إلى ألف ذكر بين يديه من صلبه، كل قد حمل السلاح". قلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: "هم ثلاثة أصناف؛ فصنف منهم أمثال الأرز". قلت: وما الأرز؟ قال: "شجرة بالشام، طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء". قال رسول الله ﷺ : "هؤلاء الذين لا يقوم لهم حيل ولا حديد، وصنف منهم يفترش بأذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم؛ أكلوه، مقدمتهم بالشام، وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه يحيى بن سعيد العطار، وهو ضعيف".
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري": "أخرجه ابن عدي، وابن أبي حاتم، والطبراني في "الأوسط"، وابن مردويه، وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار عن محمد بن إسحاق عن الأعمش، والعطار ضعيف جدا، ومحمد بن إسحاق: قال ابن عدي: ليس هو صاحب المغازي، بل هو العكاشي. قال: والحديث موضوع. وقال ابن أبي حاتم: منكر".
قال الحافظ ابن حجر: "لكن لبعضه شاهد صحيح، أخرجه ابن حبان من حديث ابن مسعود، ثم ذكر حديث ابن مسعود ﵁ الذي تقدم ذكره قبل حديث حذيفة ﵁، وهو شاهد لما ذكر في حديث حذيفة ﵁ من كثرة يأجوج ومأجوج، وأما ما ذكر فيه من اختلاف أشكالهم
стр. 989
وصفاتهم؛ فليس له شاهد صحيح؛ فلا يعول عليه، والصحيح ما قاله ابن كثير رحمه الله تعالى: أنهم من بني آدم، وأنهم على أشكالهم وصفاتهم. والله أعلم".
وسيأتي النص على صفاتهم التي هي من صفات بني آدم في حديث ابن حرملة عن خالته في الباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى.
وعن حذيفة أيضا ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أول الآيات: الدجال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان، والدابة، ويأجوج ومأجوج". قيل: يا رسول الله! وما يأجوج ومأجوج؟ قال: "يأجوج ومأجوج أمم، كل أمة أربع مائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه، وهم من ولد آدم، فيسيرون إلى خراب الدنيا، وتكون مقدمتهم بالشام وساقتهم بالعراق، فيمرون بأنهار الدنيا، فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة الطبرية، حتى يأتوا بيت المقدس، فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا، فقاتلوا من في السماء، فيرمون بالنشاب إلى السماء، فترجع نشابهم مخضبة بالدم، فيقولون: قد قتلنا من في السماء، وعيسى والمسلمون بجبل طور سينين، فيوحي الله إلى عيسى أن أحرز عبادي بالطور وما يلي أيلة، ثم إن عيسى يرفع يديه إلى السماء، ويؤمن المسلمون، فيبعث الله عليهم دابة؛ يقال لها: النغف، تدخل في مناخرهم، فيصبحون موتى من حاق الشام إلى حاق العراق، حتى تنتن الأرض من جيفهم، ويأمر السماء فتمطر كأفواه القرب، فيغسل الأرض من جيفهم ونتنهم، فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها» .
رواه ابن جرير.
وعن أوس بن أوس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن يأجوج»
стр. 990
«ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا» .
رواه النسائي.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: "يأجوج ومأجوج يمر أولهم بنهر مثل دجلة، ويمر آخرهم، فيقول: قد كان في هذا النهر مرة ماء، ولا يموت رجل؛ إلا ترك ألفا من ذريته فصاعدا، ومن بعدهم ثلاث أمم: تاويس، وتاويل، وناسك "أو منسك"".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁ أنه ذكر يأجوج ومأجوج؛ قال: "وما يموت الرجل منهم حتى يولد له من صلبه ألف، وإن من ورائهم لثلاث أمم ما يعلم عدتهم إلا الله : منسك، وتاويل، وتاويس".
رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعنه ﵁: أنه قال: "إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء الملائكة وجزءا سائر الخلق، وجزأ الملائكة عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءا لرسالته، وجزأ الخلق عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء الجن وجزءا بني آدم، وجزأ بني آدم عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يأجوج ومأجوج وجزءا سائر الناس".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
стр. 991
وعن عبد الله بن سلام ﵁ نحو الرواية الأولى عن عبد الله بن عمرو ﵄.
رواه عبد بن حميد. قال الحافظ ابن حجر: "وسنده صحيح".
باب
ما جاء في قتال يأجوج ومأجوج
«عن ابن حرملة عن خالته ﵂؛ قالت: خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب، فقال: " إنكم تقولون: لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا حتى يخرج يأجوج ومأجوج؛ عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجالهما رجال الصحيح".
(الشعاف) : الشعور.
باب
أن الحرب لا تضع أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج
«عن سلمة بن نفيل الكندي ﵁؛ قال بينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ ؛ إذا جاءه رجل، فقال: يا رسول الله! إن الخيل قد سيبت، ووضع السلاح، وزعم أقوام أن لا قتال، وأن قد وضعت الحرب أوزارها! فقال رسول الله ﷺ : " كذبوا؛ فالآن جاء القتال، ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله؛ لا يضرهم من خالفهم، يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منهم، ويقاتلون»
стр. 992
«حتى تقوم الساعة، ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج» .
رواه: الإمام أحمد، وابن سعد، والبخاري في "تاريخه"، والنسائي، والطبراني، وابن مردويه.
باب
ما جاء في بقاء الحج بعد خروج يأجوج ومأجوج
عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ؛ قال: «ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري. ورواه عبد بن حميد بزيادة، ولفظه: «إن الناس ليحجون ويعتمرون ويغرسون النخل بعد خروج يأجوج ومأجوج» .
فصل
وقد اختلفت أقوال العصريين في يأجوج ومأجوج
:
فبعضهم ينكرون وجودهم بالكلية، وينكرون وجود السد الذي جعله ذو القرنين بينهم وبين الناس!
ومستندهم في ذلك ما يزعمه بعض الدول في هذه الأزمان أن السائحين منهم قد اكتشفوا الأرض كلها، فلم يروا يأجوج ومأجوج، ولم يروا سد ذي القرنين.
وهذا في الحقيقة تكذيب بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ عن السد ويأجوج ومأجوج، والتكذيب بما أخبر الله به في كتابه كفر وظلم، والدليل على ذلك:
стр. 993
قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ .
والتكذيب بما أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة كفر أيضا؛ لأن تكذيبه فيما أخبر به ينافي الشهادة بأنه رسول الله، ويلزم عليه تكذيب قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
قال القاضي عياض في كتابه "الشفاء": "اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه أو سبهما أو جحده أو حرفا منه أو آية أو كذب به أو بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك أو شك في شيء من ذلك؛ فهو كافر عند أهل العلم بإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ". انتهى.
وقال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" ما نصه: "السد حق ثابت، ولا ينفتح ليأجوج ومأجوج إلا قرب الساعة، فمن قال بعدم وجود سد على وجه الأرض، ومستنده في ذلك قول الكشافين من النصارى، وأنهم لم يعثرون عليه؛ يكفر، وقد وقع للشيخ عبد الرحمن قاضي المرج مع متصرف بني غازي؛ فإنه قال في جمع عظيم: إنه لا سد في الأرض موجود؛ لإخبار السائحين في الأرض من النصارى. فقام الشيخ عبد الرحمن إليه أمام الحاضرين، وقال: كفرت؛ تصدق الكشافين وتكذب رب العالمين! ثم تدارك المتصرف نفسه، وقال: إنما قلت ذلك على طريق الحكاية عنهم، ولست معتقدا ذلك".
قال الكافي: "ولا يكون قول الكشافين شبهة تنفي عنه الكفر؛ لأنه لو كان إيمانه ثابتا؛ لما ترك قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ المستحيل عليهما الكذب
стр. 994
وتبع قول من لا دين له". انتهى.
وبعض العصريين يزعمون أن يأجوج ومأجوج هم جميع دول الكفر المتفوقين في الصناعات الحديثة، وقد رأيت هذا القول الباطل في بعض مؤلفات المتكلفين من العصريين، وهذا القول قريب من القول الأول، وقد صرح الشيخ محمد بن يوسف الكافي بتكفير من قال به؛ كما سيأتي في كلامه قريبا إن شاء الله تعالى.
ووجه القول بتكفير من قال به أنه يلزم عليه تكذيب ما أخبر الله به في كتابه عن السد، وأنه قد حال بين يأجوج ومأجوج وبين الخروج على الناس، وأن يأجوج ومأجوج ما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، وأنه إذا جاء وعد الرب ﵎ أي: في آخر الزمان، إذا دنا قيام الساعة -؛ جعله دكاء، فخرجوا على الناس، وذلك بعدما ينزل عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام إلى الأرض، ويقتل الدجال، وقد جاء ذلك صريحا في عدة أحاديث صحيحة تقدم ذكرها.
وقد قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ .
وفي هاتين الآيتين أبلغ رد على زعم أن يأجوج ومأجوج هم دول الإفرنج أو غيرهم من دول المشرق والمغرب الذين لم يزالوا مختلطين بغيرهم من الناس، ولم يجعل بينهم وبين الناس سد منيع يحول بينهم وبين الخروج على الناس.
وقد قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" ما نصه: "المسألة الثانية والثلاثون: يأجوج ومأجوج هم أناس بالغون في الكثرة عددا لا يعلمه إلا الله
стр. 995
تعالى، ولا يستطيع أحد مقاومتهم عند خروجهم من السد لكثرتهم، وهم مفسدون في الأرض كما أخبر الله تعالى عنهم، وهم الآن محازون عن غيرهم بالسد الذي بناه ذو القرنين، وخروجهم علامة على قيام الساعة، فمن قال واعتقد أن يأجوج ومأجوج هم أوربا؛ يكفر؛ لتكذيبه الله تعالى في خبره: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ .
قال حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ : فحينئذ يخرجون، وهم؛ يعني: يأجوج ومأجوج، ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ : من كل أكمة ومكان مرتفع، ينسلون: يخرجون، ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ : دنا قيام الساعة عند خروجهم من السد.
وأخرج ابن جرير عن حذيفة ﵁؛ قال: "لو أن رجلا اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج؛ لم يركبه حتى تقوم الساعة". انتهى.
وقد تقدم حديث الحسن عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ في خروج الدجال، وفيه: «ثم يجيء عيسى ابن مريم ﵉ من قبل المغرب مصدقا بمحمد ﷺ وعلى ملته، فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة» .
رواه: الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وتقدم أيضا حديث حذيفة ﵁، وفيه: «قلت: يا رسول الله! فما بعد الدجال؟ قال: " عيسى ابن مريم ". قلت: فما بعد عيسى ابن مريم؟»
стр. 996
«قال: "لو أن رجلا أنتج فرسا؛ لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة» .
رواه ابن أبي شيبة.
وتقدم أيضا حديث النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ ، وفيه «أن يأجوج ومأجوج يخرجون بعد نزول عيسى ﵊ وقتل الدجال، وأن عيسى وأصحابه يدعون عليهم، فيهلكهم الله تعالى» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
وتقدم أيضا «حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، وفيه أن عيسى ﵊ يدعو على يأجوج ومأجوج، فيهلكهم الله» .
رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن جرير، والحاكم، وصححه هو والذهبي.
وتقدم أيضا حديث حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ ، وفيه «أن عيسى ﵊ يدعو على يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله تعالى» .
رواه: الحاكم، وابن منده، وابن عساكر، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "، وأقره الذهبي.
وفي هذه الأحاديث دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج يكون قريبا من قيام الساعة؛ كما هو منصوص عليه في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ، ومن قال بخلاف هذا؛ فقوله باطل مردود.
ومن أغرب أقوال العصريين ما زعمه طنطاوي جوهري في "تفسيره" أن يأجوج ومأجوج هم التتار الذين خرجوا على المسلمين في أثناء القرن السابع من الهجرة وما بعده، ولو كان الأمر على ما زعمه هذا المتخرص المتأول لكتاب الله
стр. 997
تعالى على غير تأويله؛ لكان الدجال قد خرج في أول القرن السابع من الهجرة قبل خروج التتار على المسلمين، ولكان عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام قد نزل من السماء وقتل الدجال قبل خروج التتار، ولكان سد ذي القرنين قد دك في ذلك الزمان، ولكان أوائل التتار قد شربوا بحيرة طبرية وآخرهم لم يجدوا فيها ماء، ولكانوا قد حصروا نبي الله عيسى وأصحابه حتى دعا عليهم فأرسل الله عليهم النغف في رقابهم فأصبحوا فرسى كموت نفس واحدة، ولكانت الساعة قد قامت منذ سبعة قرون؛ لما تقدم في حديث الحسن عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: «ثم يجيء عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة» ، وتقدم في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ : أنه قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة ... (فذكر الحديث في خروج الدجال وقتله وخروج يأجوج ومأجوج ودعاء عيسى عليهم فيهلكهم الله، ثم ذكر عن عيسى ﵊ أنه قال:) ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارا» ... ، وتقدم في «حديث حذيفة ﵁: أنه قال: قلت: يا رسول الله! فما بعد الدجال؟ قال: " عيسى ابن مريم ". قلت: فما بعد عيسى ابن مريم؟ قال: "لو أن رجلا أنتج فرسا؛ لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة» .
وإذ لم يقع شيء من الأمور العظام التي ذكرنا؛ فمن أبطل الباطل وأقبح الجهل والتخرص واتباع الظن ما جزم به طنطاوي جوهري في قوله: "إن يأجوج ومأجوج هم التتار الذين خرجوا على المسلمين في أثناء القرن السابع وما بعده".
وقد تبعه على باطله وجهله صاحب "دليل المستفيد على كل مستحدث جديد" فزعم أن التتار هم أوائل يأجوج ومأجوج، وزعم في موضع آخر من كتابه أن يأجوج ومأجوج قد تفرقوا في الأرض وصاروا دولا في آسيا وأوربا وأمريكا.
стр. 998
وقد تقدم عن الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي أنه صرح بتكفير من قال بهذا القول.
ومن المعلوم أن دول آسيا وأوربا وأمريكا لم تزل في أماكنها منذ زمان طويل، وأنه ليس بينهم وبين غيرهم سد من حديد يمنعهم من الخروج والاختلاط بغيرهم من الناس! فصفة يأجوج ومأجوج لا تنطبق على شيء من الدول المعروفة الآن.
وقد تقدم في عدة أحاديث صحيحة أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون بعد نزول عيسى ﵊ وقتل الدجال، وأنهم لا يمكثون بعد خروجهم على الناس إلا مدة يسيرة، ثم يدعو عليهم نبي الله عيسى، فيهلكهم الله جميعا كموت نفس واحدة؛ فهم بلا شك أمة عظيمة، قد حيل بينهم وبين الخروج على الناس بالسد الذي بناه ذو القرنين، وهذا السد لا يندك إلا إذا دنا قيام الساعة؛ كما أخبر الله بذلك في كتابه العزيز.
وأما كون السائحين في الأرض لم يروا يأجوج ومأجوج ولا سد ذي القرنين؛ فلا يلزم منه عدم السد ويأجوج ومأجوج؛ فقد يصرف الله السائحين عن رؤيتهم ورؤية السد، وقد يجعل الله بينهم وبين الناس بحرا لا يطاق اجتيازه، أو غير ذلك من الموانع التي تمنع من رؤيتهم ورؤية السد، والله على كل شيء قدير.
والواجب على المسلم الإيمان بما أخبر الله به في كتابه عن السد ويأجوج ومأجوج وما صح عن النبي ﷺ في ذلك، ولا يجوز للمسلم أن يتكلف ما لا علم له به، ولا يقول بشيء من أقوال المتكلفين المتخرصين، بل ينبذها وراء ظهره، ولا يعبأ بشيء منها.
стр. 999
باب
ما جاء في خروج الدابة من الأرض
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ .
وعن ابن عمر ﵄ في قوله : ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ؛ قال: "إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر".
رواه الحاكم في "مستدركه"، ولم يتكلم عليه، وكذلك الذهبي، وفي إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات.
قال ابن كثير في "تفسيره" ما ملخصه: "هذه الدابة تخرج في آخر الزمان؛ عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض؛ قيل: من مكة، وقيل: من غيرها، فتكلم الناس. قال ابن عباس ﵄ والحسن وقتادة ويروى عن علي ﵁: "تكلمهم كلاما"؛ أي: تخاطبهم مخاطبة. وقال ابن عباس ﵄ في رواية: "تجرحهم". وعنه رواية: "كُلا تفعل"؛ يعني: هذا وهذا، وهو قول حسن، ولا منافاة".
وقال ابن كثير أيضا في "النهاية": "قال ابن عباس والحسن وقتادة: تكلمهم؛ أي: تخاطبهم مخاطبة. وعن ابن عباس: تكلمهم: تجرحهم؛ بمعنى: تكتب على جبين الكافر كافر، وعلى جبين المؤمن مؤمن.
وعنه: تخاطبهم وتجرحهم. وهذا القول ينتظم المذهبين، وهو قوي حسن جامع لهما، والله أعلم" انتهى باختصار.
стр. 1000
وقال البغوي في "تفسيره": "اختلفوا في كلامها، فقال السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. وقال بعضهم: كلامها أن تقول لواحد: هذا مؤمن، وتقول لآخر: هذا كافر. وقال مقاتل: تكلمهم بالعربية. وقرأ سعيد بن جبير وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي: تكلم بفتح التاء وتخفيف اللام من الكلم، وهو الجرح. قال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس ﵄ عن هذه الآية: تُكَلِّمهم أو تَكْلِمهم؟ قال: كل ذلك تفعل؛ تُكَلِّم المؤمن، وتَكْلِم الكافر". انتهى باختصار.
وعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا: نذكر الساعة. قال: " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ... (وذكر منها الدابة) » .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) .
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات..... (وذكر منها الدابة) » .
رواه: الطبراني، وابن ماجه، وابن مردويه، والحاكم، وصححه هو والذهبي. وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) .
وعن أبي زرعة ابن عمرو بن جرير؛ قال: جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة، فسمعوه وهو يحدث في الآيات: أن أولها خروج الدجال. قال: فانصرف النفر إلى عبد الله بن عمرو، فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات، فقال عبد الله: لم يقل مروان شيئا، قد حفظت من رسول الله ﷺ في مثل ذلك حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات»
стр. 1001
«خروجا: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحى، فأيتهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبا» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه، والبزار، والطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ قال: " «تخرج الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون على خوانهم، فيقول هذا: يا مؤمن! ويقول هذا: يا كافر!» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن جرير، والبغوي، والحاكم في "مستدركه"، ولم يتكلم عليه الحاكم ولا الذهبي، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه في دابة الأرض، وفي الباب عن أبي أمامة ". انتهى كلام الترمذي.
وفي رواية لأحمد: «وتختم أنف الكافر بالخاتم» .
وقد رواه ابن ماجه، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان بن داود وعصا موسى بن عمران ﵉، فتجلوا وجه المؤمن بالعصا، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الحِوَاء ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن! ويقول هذا: يا كافر!» .
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده"، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «تخرج دابة الأرض معها عصا موسى وخاتم سليمان، تخطم أنف الكافر بالعصا، وتجلي وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع الناس على الخوان، يعرف»
стр. 1002
«المؤمن من الكافر» .
وعن أبي أمامة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ ؛ قال: «تخرج الدابة، فتسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم، حتى يشتري الرجل البعير، فيقول: ممن اشتريته؟ فيقول: اشتريته من أحد المخطمين» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير عمر بن عبد الرحمن بن عطية، وهو ثقة".
«وعن ابن عمر ﵄: أنه قال: ألا أريكم المكان الذي قال رسول الله ﷺ : "أرى أن الدابة تخرج منه"؟ فضرب بعصاه الشق الذي في الصفا، وقال: "إنها ذات ريش وزغب، وإنه يخرج ثلثها حضر الفرس الجواد ثلاثة أيام وثلاث ليال، وإنها لتمر عليهم أيام ليفرون منها إلى المساجد، فتقول لهم: أترون المساجد تنجيكم مني؟! فتخطمهم، يساقون في الأسواق، ويقول: يا كافر! يا مؤمن! ".»
رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات".
وعن عطية؛ قال: قال عبد الله: "تخرج الدابة من صدع من الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام، لا يخرج ثلثها".
رواه ابن أبي حاتم.
وعن حذيفة بن أسيد أراه رفعه؛ قال: «تخرج الدابة من أعظم المساجد، فبينما هم كذلك؛ إذ تصدعت» .
قال ابن عيينة: "تخرج حين يسير الإمام إلى جمع".
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
стр. 1003
وعن أبي الطفيل؛ قال: كنا جلوسا عند حذيفة، فذكرت الدابة، فقال حذيفة ﵁: "إنها تخرج ثلاث خرجات في بعض البوادي، ثم تكمن، ثم تخرج في بعض القرى حتى يذعروا، حتى تهريق فيها الأمراء الدماء، ثم تكمن". قال: "فبينما الناس عند أعظم المساجد وأفضلها وأشرفها - حتى قلنا: المسجد الحرام، وما سماه -؛ إذ ارتفعت الأرض، ويهرب الناس، ويبقى عامة من المسلمين؛ يقولون: إنه لن ينجينا من أمر الله شيء، فتخرج، فتجلو وجوههم حتى تجعلها كالكواكب الدرية، وتتبع الناس".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن طلحة بن عمرو وجرير بن حازم: فأما طلحة؛ فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي أن أبا الطفيل حدثه عن حذيفة بن أسيد الغفاري أبي سَرِيحة. وأما جرير؛ فقال: عن عبد الله بن عبيد عن رجل من آل عبد الله بن مسعود.
وحديث طلحة أتمهما وأحسن؛ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدابة، فقال: لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية (يعني: مكة) ، ثم تكمن زمانا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية (يعني: مكة) . قال رسول الله ﷺ : "ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة؛ خيرها وأكرمها المسجد الحرام؛ لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب، فارفض الناس عنها شتى ومعا، وثبتت عصابة المؤمنين، وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فبدأت بهم، فجلت وجوههم، حتى تجعلها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها»
стр. 1004
«بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان! الآن تصلي؟ فيقبل عليها، فتسمه في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار؛ يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن يقول: يا كافر! اقضني حقي، وحتى إن الكافر يقول: يا مؤمن! اقضني حقي» .
قال ابن كثير في كتاب "النهاية" بعدما ساق هذا الحديث: "هكذا رواه مرفوعا من هذا الوجه بهذا السياق، وفيه غرابة. ورواه ابن جرير من طريقين عن حذيفة بن أسيد موقوفا". انتهى.
ورواه الطبراني مرفوعا. قال الهيثمي: "وفيه طلحة بن عمرو، وهو متروك". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد، وهو أبين حديث في ذكر دابة الأرض، ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي، فقال " طلحة - يعني: ابن عمرو الحضرمي - ضعفوه، وتركه أحمد ".
وعن سلمان ﵁ مرفوعا: «مثل أمتي ومثل الدابة حين تخرج كمثل حيز بني، ورفعت حيطانه، وسدت أبوابه، وطرح فيه من الوحش كلها، ثم جيء بالأسد، فطرح وسطها، فارتعدت وأقبلت إلى النفق يلحسنه من كل جانب، كذلك أمتي عند خروج الدابة؛ لا يفر منها أحد؛ إلا مثلث بين عينيه، ولها سلطان من ربنا عظيم» .
ذكره صاحب "كنز العمال"، وقال: "رواه: أبو نعيم، والديلمي ".
وعن ابن عمر ﵄؛ قال "يبيت الناس يسيرون إلى جمع، وتبيت دابة الأرض تسري إليهم، فيصبحون وقد جعلتهم بين رأسها وذنبها؛ فما مؤمن؛ إلا تمسحه، ولا منافق ولا كافر؛ إلا تخطمه، وإن التوبة لمفتوحة، ثم يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالشيء الحنيذ، وإن التوبة لمفتوحة، ثم تطلع الشمس
стр. 1005
من مغربها".
رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق الوليد بن جميع عن عبد الملك بن المغيرة عن عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي فقال: " ابن البيلماني ضعيف، وكذا الوليد ".
وعن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " «إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال» .
رواه: ابن جرير، والطبراني. قال ابن كثير في "تفسيره": "وإسناده جيد".
باب
الأمر بالمبادرة بالأعمال قبل خروج الدابة
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم. وزاد أحمد في رواية له: "وكان قتادة يقول: إذا قال: وأمر العامة؛ قال: أي: أمر الساعة".
وعن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامة» .
стр. 1006
رواه ابن ماجه. قال في "الزوائد": "إسناده حسن".
قال النووي: "قال هشام: خاصة أحدكم: الموت، وخويصة: تصغير خاصة. وقال قتادة: أمر العامة: القيامة. كذا ذكره عنهما عبد بن حميد ". انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» .
رواه: مسلم، والترمذي، وابن جرير، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقد رواه الإمام أحمد، وقال فيه: "والدخان"؛ بدل: " الدجال ".
فصل
وقد أنكر أبو عبية ما ثبت عن النبي ﷺ من خروج الدابة في آخر الزمان، وتأول الدابة بتأويل باطل كعادته فيما لا يحتمله عقله مما أخبر به رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ﵊، وخروج النار التي تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ... وغير ذلك مما تقدم التنبيه عليه في مواضعه.
قال في حاشية (ص١٩٠) من "النهاية" لابن كثير تعليقا على قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ... الآية؛ ما نصه:
"لماذا لا يكون تكليم الدابة للإنسان بلسان الحال لا بلسان المقال؟! وإن من معاني التكليم التجريح؛ يقال: كلمه كلما إذا جرحه، وكلمه تكليما إذا أكثر الجراحات فيه؛ فلماذا لا تفهم الآية على هذا الوجه؟! ليس ما يمنع من
стр. 1007
هذا ولا ذلك.
ولعل المراد بالدابة هي تلك الجراثيم الخطيرة التي تفتك بالإنسان وجسمه وصحته وبأمواله زروعا وثمارا ومواشي؛ جزاء له على بعض ما تجني يداه من إثم ونكر، وقصاصا على بعض تعديه لحدود الله وما شرع لعباده، والجراثيم الضارة الشديدة الخطورة منتشرة في كل مكان، تكاد تغطي مساحة الأرض وتملأ طبقات الجو، وهي تجرح وتقتل، ومن تجريحها وأذاها كلمات واعظة للناس لو كانت لهم قلوب ترجع بهم إلى الله ودينه، وتلزمهم المحجة التي ضلوا عنها وتركوها وراءهم ظهريا، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال، وحمل صحاح الأحاديث النبوية وتفسير الآيات القرآنية الكريمة بما يناسب الواقع ويواكب المنطق ويتسق وفطرة الحياة أولى من السبح في أجواء من الخيال".
والجواب أن يقال: قد تقدم عن ابن عباس ﵄ والحسن وقتادة: أنهم قالوا في الدابة: إنها تكلم الناس كلاما؛ أي: تخاطبهم مخاطبة.
وقال مقاتل: تكلمهم بالعربية. وهذا يرد قول أبي عبية أن تكليم الدابة للإنسان يكون بلسان الحال لا بلسان المقال.
وعن ابن عباس ﵄ في رواية: "تكلمهم: تجرحهم؛ بمعنى: تكتب على جبين الكافر كافر، وعلى جبين المؤمن مؤمن". وعنه: "تخاطبهم وتجرحهم". قال ابن كثير: "وهذا القول ينتظم المذهبين، وهو قوي حسن جامع لهما". انتهى.
وأما قوله: "ولعل المراد بالدابة تلك الجراثيم الخطيرة التي تفتك بالإنسان وجسمه وصحته وأمواله ... إلى آخره".
فالجواب عنه من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن تأويل الدابة التي تخرج من الأرض في آخر الزمان
стр. 1008
بالجراثيم التي تفتك بالإنسان وجسمه وأمواله تأويل باطل مردود، وهو من جنس تأويلات القرامطة والباطنية، ويلزم على هذا التأويل الباطل تكذيب ما أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث التي تقدم ذكرها، وتكذيب النبي ﷺ ينافي الإسلام.
الوجه الثاني: أن الجراثيم التي تفتك بالإنسان وصحته وأمواله قد كانت موجودة من أول الدنيا ومنتشرة في جميع أرجاء الأرض، وأما دابة الأرض؛ فإنما تخرج في آخر الزمان عند اقتراب الساعة. وعلى هذا؛ فتأويل الدابة بالجراثيم من أبطل التأويل وأبعده من المنقول والمعقول.
الوجه الثالث: أن الجراثيم أنواع لا تحصى، وأما دابة الأرض؛ فإنما هي دابة واحدة؛ كما يدل على ذلك ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة. وعلى هذا؛ فتأويل الدابة بالجراثيم يخالف القرآن والأحاديث الصحيحة، وما خالف القرآن والأحاديث الصحيحة؛ فإنه يجب اطراحه ورده على قائله.
الوجه الرابع: أن دابة الأرض التي أخبر الله بخروجها ليست من الدواب التي يعرفها الناس، ولا من الجراثيم، وإنما هي خلق عظيم هائل، من خوارق العادات؛ كما جاء بيان ذلك في بعض الأحاديث، ولهذا تزعج الناس وتفزعهم، وقد تقدم في بعض الأحاديث أنه يكون معها عصا موسى وخاتم سليمان، فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، وقد أخبر الله عنها أنها تكلم الناس، وورد الإنذار بها في حديث أبي مالك الأشعري الذي تقدم ذكره.
وإذا كانت بهذه الصفة العظيمة؛ فمن أقبح الجهل قول أبي عبية: إنها هي الجراثيم التي تفتك بالإنسان وصحته وأمواله..... لأن الجراثيم لا ترى إلا بالمكبرات، فضلا عن أن تكون مما يكلم الناس ويخاطبهم، ويحمل عصا موسى وخاتم سليمان، ويجلو وجه المؤمن ويخطم أنف الكافر.
стр. 1009
وعلى هذا؛ فتأويل دابة الأرض بالجراثيم في غاية البعد والبطلان، بل هو نوع من الهذيان.
وأما قوله: "وحمل صحاح الأحاديث النبوية وتفسير الآيات القرآنية الكريمة بما يناسب الواقع ويواكب المنطق ويتسق وفطرة الحياة أولى من السبح في أجواء من الخيال".
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن الواجب على المسلم أن يؤمن بما جاء في كتاب الله تعالى، وبما ثبت عن رسول الله ﷺ من أخبار الغيوب الماضية والآتية، ولا يجوز لأحد أن يرد ما خفي عليه منها، وما لا يحتمله عقله، ولا أن يحمل الآيات والأحاديث على غير ظاهرها من غير دليل من الكتاب أو السنة يدل على ذلك.
وإذا علم هذا؛ فحمل الأحاديث الواردة في الدابة على الجراثيم، وتفسير الآية الكريمة بذلك، وزعم أبي عبية أن ذلك يناسب الواقع ويواكب المنطق ويتسق وفطرة الحياة؛ لا شك أنه من تحريف الكلم عن مواضعه، وتحريف الكلم عن مواضعه لا يصدر من مؤمن.
الوجه الثاني: أن يقال: ما أخبر الله به عن الدابة أنها تكلم الناس، وما جاء في بعض الأحاديث من عظم خلقها، وأنه يكون معها عصا موسى وخاتم سليمان، وأنها تجلو وجه المؤمن وتخطم أنف الكافر؛ فكل ذلك حق على حقيقته، وليس من الخيال؛ كما قد توهم ذلك أبو عبية، ومن زعم أن ذلك من الخيال؛ فقد أخطأ خطأ كبيرا، وضل ضلالا بعيدا.
ولأبي عبية أيضا عدة تعاليق في (ص ١٩٣ و١٩٤ و١٩٥) من "النهاية" لابن كثير، تصدى فيها لإنكار بعض الآثار الواردة في صفة الدابة، وكل كلامه
стр. 1010
في هذه المواضع باطل؛ فلا يغتر به.
وقال في حاشية (ص١٩٩) ما ملخصه: "سبق أن أشرنا إلى مفهوم الدابة بما يتفق والعقل والمنطق وسنة الدين الإسلامي، كما سبق أن أشرنا إلى أنها ظهرت وكثرت وانتشرت؛ فالدابة اسم جنس لكل ما يدب، وليست حيوانا مشخصا معينا يحوي العجائب والغرائب ويمثل على الحقيقة ما يعجز الخيال".
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: ما أشار إليه أبو عبية من مفهوم الدابة عنده بما يتفق مع عقله ومنطقه ودينه؛ فإنه مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة؛ فلا يتفق مع عقولهم ولا مع منطقهم ودينهم؛ لأنهم يؤمنون بما جاء في كتاب الله تعالى وما ثبت عن رسول الله ﷺ من أخبار الغيوب الماضية والآتية، ولا يحكمون عقولهم في شيء منها كما يفعله بعض أهل البدع، ولا يتأولون الآيات والأحاديث على غير تأويلها كما فعل ذلك أبو عبية ومن على شاكلته في كثير من أشراط الساعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ ... الآية.
الوجه الثاني: أن خروج الدابة من أشراط الساعة؛ كما دل على ذلك القرآن والأحاديث الصحيحة، وإذا خرجت الدابة؛ لم ينفع أحدا إيمانه إذا لم يكن مؤمنا قبل ذلك؛ كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن جرير عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» ؛ فلو كانت الدابة قد ظهرت كما زعم ذلك أبو عبية؛ لما كان الإيمان نافعا لمن آمن بعد خروجها، ويلزم على قول أبي عبية نفي الإيمان عن كل المؤمنين على وجه الأرض،
стр. 1011
وهذا معلوم البطلان بالضرورة.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الدابة التي تخرج من الأرض في آخر الزمان ليست بأنواع متعددة، وليست اسم جنس لكل ما يدب على الأرض؛ كما زعم ذلك أبو عبية، وإنما هي حيوان واحد؛ كما يدل على ذلك ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة، ولا عبرة بما يخالف ذلك من آراء الناس وتخرصاتهم.
الوجه الرابع: أن دابة الأرض من خوارق العادات؛ كما يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ، وكما تدل على ذلك الأحاديث التي تقدم ذكرها، وما كان كذلك؛ فهو مما يعجز عنه الخيال، وأنى للخيال أن يتصور ما لم يشاهد الناس له نظيرا من الدواب؟!
فصل
وقد سلك بعض العصريين في إنكار خروج الدابة في آخر الزمان مسلكا غير مسلك أبي عبية، ورد عليه الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي، فأجاد وأفاد.
قال في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" ما نصه:
"المسألة الثالثة والمائة: قال (أي: المردود عليه) : الدابة: كل حيوان يدب؛ أي: يمشي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ، والمعنى: إذا قامت القيامة؛ بعث الله نوعا مخصوصا من دواب هذه الأرض كما يبعث غيره من الدواب الأخرى، وينطقه، فيوبخ الإنسان على كفره؛ كما ينطق أعضاءه في ذلك اليوم أيضا؛ فليس المراد من
стр. 1012
قوله: دابة الفرد، بل النوع".
قال الشيخ محمد بن يوسف: "أقول: قوله فيه صدق وكذب، بل كفر صريح؛ فالصدق قوله: الدابة كل حيوان يدب. والآية صدق. والاستدلال بها على ما ذكره من أن المراد بالدابة النوع لا الفرد كذب وكفر صريح؛ لأن النبي ﷺ أخبر بذلك. وكون المراد: أخرجنا لهم ... إلى آخره؛ أي: بعثنا بعد الموت؛ افتراء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ ، المخبر بخلاف ما أخبر به هذا الدجال الضال، بل الإخراج قبل يوم القيامة؛ لكون الدابة المخرجة من الأمارات التي تدل على قرب يوم القيامة، وهي فرد لا نوع كما يدعيه هذا الدجال.
أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بين يدي الساعة: الدجال، والدابة، ويأجوج ومأجوج، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها» .
وهذا معلوم من الدين عند المسلمين بالضرورة". انتهى كلام الكافي.
وذكره أيضا في كتابه "الأجوبة الكافية عن الأسئلة الشامية" باختصار يسير، وقد صرح فيه بتكفير من قال: إن المراد بالدابة النوع لا الفرد.
باب
ما جاء في الدخان
قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
قال ابن كثير في "النهاية": "وقد نقل البخاري عن ابن مسعود رضي الله
стр. 1013
عنه: أنه فسر ذلك بما كان يحصل لقريش من شدة الجوع بسبب القحط الذي دعا عليهم به رسول الله ﷺ ، فكان أحدهم يرى فيما بينه وبين السماء دخانا من شدة الجوع، وهذا تفسير غريب جدا، لم ينقل مثله عن أحد من الصحابة غيره، وقد حاول بعض العلماء المتأخرين رد ذلك ومعارضته؛ لما ثبت في حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵁: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات (فذكر فيهن الدجال والدخان والدابة) » ، وكذلك في حديث أبي هريرة: «بادروا بالأعمال ستا» (فذكر منهن هذه الثلاث") ، والحديثان في "صحيح مسلم " مرفوعان، والمرفوع مقدم على كل موقوف.
وفي ظاهر القرآن ما يدل على وجود دخان من السماء يغشى الناس، وهذا أمر محقق عام، وليس كما روي عن ابن مسعود: أنه خيال في أعين قريش من شدة الجوع.
وقال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ ؛ أي: ظاهر واضح جلي، ليس خيالا من شدة الجوع، ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي: ينادي أهل ذلك الزمان ربهم بهذا الدعاء، يسألون كشف هذه الشدة عنهم؛ فإنهم قد آمنوا وأيقنوا ما وعدوا به من الأمور الغيبية الكائنة بعد ذلك يوم القيامة، وهذا دليل على أنه يكون قبل يوم القيامة، حيث يمكن رفعه، ويمكن استدراك التوبة والإنابة، والله أعلم". انتهى.
وعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات.... (فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها) » الحديث.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن. وقال
стр. 1014
الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء الآيات الكبار) .
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات (وذكر منها الدخان) » .
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه هو والذهبي، وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) .
وعن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان؛ يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال» .
رواه: ابن جرير، والطبراني. قال ابن كثير في "تفسيره": "وإسناده جيد".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن؛ فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر؛ فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه» .
رواه ابن أبي حاتم.
وعن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول الآيات الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر؛ تقيل معهم إذا قالوا، والدخان". قال حذيفة: يا رسول الله! وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن؛ فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر؛»
стр. 1015
«فيكون بمنزلة السكران؛ يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» .
رواه: ابن جرير، والبغوي؛ بإسناد ضعيف، وله شاهد مما تقدم عن أبي مالك الأشعري ﵁.
وعن علي ﵁؛ قال: "لم تمض آية الدخان بعد؛ يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفذ".
رواه ابن أبي حاتم.
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: "يبيت الناس يسيرون إلى جمع، وتبيت دابة الأرض؛ تسري إليهم، فيصبحون وقد جعلتهم بين رأسها وذنبها؛ فما مؤمن إلا تمسحه، ولا منافق ولا كافر إلا تخطمه، وإن التوبة لمفتوحة، ثم يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالشيء الحنيذ، وإن التوبة لمفتوحة، ثم تطلع الشمس من مغربها".
رواه الحاكم في "مستدركه" وصححه، وإسناده ضعيف، وقد تقدم في ذكر الدابة.
وقد رواه ابن جرير مختصرا، ولفظه: قال: "يخرج الدخان، فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام؛ ويدخل مسامع الكافر والمنافق، حتى يكون كالرأس الحنيذ".
وعن عبد الله بن أبي مليكة؛ قال: "غدوت على ابن عباس ﵄ ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب؛ فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت".
стр. 1016
رواه: ابن جرير، وابن أبي خاتم. قال ابن كثير في "تفسيره": "إسناده صحيح إلى ابن عباس ﵄".
باب
الأمر بالمبادرة بالأعمال قبل ظهور الدخان
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستا (فذكرها، ومنها الدخان) » .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وتقدم بتمامه في ذكر الدجال والدابة.
وعن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «بادروا بالأعمال ستا (فذكرها، ومنها الدخان) » .
رواه ابن ماجه بإسناد حسن، وتقدم بتمامه في ذكر الدجال والدابة.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث إذا خرجن؛ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض» .
رواه الإمام أحمد.
باب
ما جاء في طلوع الشمس من مغربها
عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات (وذكر منها طلوع الشمس من مغربها) » .
стр. 1017
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وأهل السنن. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) .
وعن واثلة بن الأسقع ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات (وذكر منها: طلوع الشمس من مغربها) » .
رواه: الطبراني، وابن مردويه، والحاكم، وصححه الذهبي. وقد تقدم بتمامه في (باب ما جاء في الآيات الكبار) .
وعن أبي أمامة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أول الآيات طلوع الشمس من مغربها» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه فضالة بن جبير، وهو ضعيف، وأنكر هذا الحديث".
باب
الأمر بالمبادرة بالأعمال قبل طلوع الشمس من مغربها
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم. وزاد أحمد في رواية له: "وكان قتادة يقول إذا قال: وأمر العامة: قال: أي: أمر الساعة".
وعن أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: «بادروا»
стр. 1018
«بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامة» .
رواه ابن ماجه. قال في الزوائد: "إسناده حسن".
قال النووي: "قال هشام: خاصة أحدكم: الموت، وخويصة: تصغير خاصة. وقال قتادة: أمر العامة: القيامة. كذا ذكره عنهما عبد بن حميد ".
انتهى.
باب
أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها
قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ .
قال البغوي في قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ : "يعني: طلوع الشمس من مغربها، وعليه أكثر المفسرين. ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ؛ أي: لا ينفعهم الإيمان عند ظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان. ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ؛ يريد: لا يقبل إيمان كافر ولا توبة فاسق". انتهى.
وقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ : "أي: إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ؛ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحا؛ فأحدث توبة حينئذ؛ لم يقبل منه توبته؛ كما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ؛ أي: ولا يقبل منها كسب
стр. 1019
عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك". انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في «قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ ؛ قال: "طلوع الشمس من مغربها» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب". قال: "ورواه بعضهم ولم يرفعه".
وعن أبي سريرة عن النبي ﷺ في «قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ ؛ قال: "طلوع الشمس من مغربها» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
هكذا في "مجمع الزوائد": " أبو سريرة "! والظاهر أنه تصحيف، وأن صوابه أبو سعيد ﵁؛ لأنه قد روي من حديثه كما تقدم، ويحتمل أن يكون عن أبي هريرة ﵁، ويحتمل أن يكون عن أبي سريحة - وهو حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ فأما أبو سريرة؛ فلم أر في تراجم الصحابة ﵃ من يكنى بذلك. والله أعلم.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ؛ قال: "طلوع الشمس من مغربها" (ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ ".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، ورآها الناس؛ آمن من عليها؛»
стр. 1020
«فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن؛ إلا الترمذي.
وهذا لفظ إحدى روايات أحمد والبخاري، ولفظ مسلم. قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها؛ آمن الناس كلهم أجمعون؛ فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» .
ورواه: الإمام أحمد. والبخاري أيضا؛ بهذا اللفظ.
وعن أبي هريرة أيضا ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث إذا خرجن؛ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» .
رواه: مسلم، والترمذي، وابن جرير، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقد رواه الإمام أحمد، وقال فيه: "والدخان"؛ بدل: " الدجال ".
وعن أبي زرعة بن عمرو بن جرير؛ قال: «جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة، فسمعوه وهو يحدث في الآيات أن أولها خروج الدجال. قال: فانصرف النفر إلى عبد الله بن عمرو، فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات، فقال عبد الله: لم يقل مروان شيئا، قد حفظت من رسول الله ﷺ في مثل ذلك حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول الآيات خروجا: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحى، فأيتهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها ". ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتب -: وأظن أولاها خروجا طلوع الشمس من مغربها، وذلك أنها كلما غربت؛ أتت تحت العرش، فسجدت، واستأذنت في الرجوع، فأذن لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها؛ فعلت كما كانت تفعل؛ أتت تحت العرش،»
следующие страницы →