← Акыда

Акыда · id 8585

التحفة المدنية في العقيدة السلفية

حمد بن ناصر آل معمر

Полный текст (146 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] . وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع الاحتمالات وغرائب اللغات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة كما قدمناه، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف، وكيف يكون الخلف أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان من أهل العلم والإيمان، الذين هم أعلام الهدى ومصابيح الدجى؟ فنسأل الله ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا ولإخواننا المسلمين من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب. وإنما ذكرنا هذا في أثناء كلام أبي الحسن الأشعري، لأن أهل التأويل اليوم الذين أخذوا بطريقة الخلف ينتسبون إلى عقيدة الأشاعرة، فيظن من لا علم عنده أن هذا التأويل طريقة أبي الحسن الأشعري، وهو ﵁ قد صرح بأنه على طريقة السلف، وأنكر على من تأول النصوص كما هو مذهب الخلف، وذكر أن التأويل مذهب المعتزلة والجهمية. قال الإمام الذهبي في كتاب (العلو) : قال الأستاذ أبو القاسم

стр. 107

القشيري: سمعت أبا علي الدقاق، يقول: سمعت زاهر بن أحمد الفقيه، يقول: مات الأشعري ﵀ ورأسه في حجري، فكان يقول شيئا في حال نزعه: لعن الله المعتزلة موهوا ومخرقوا. وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتاب (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري) : فإذا كان أبو الحسن ﵀ كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد مستصوب المذهب عند أهل المعرفة والانتقاد، موافقة في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في مذهبه غير أهل الجهل والعناد، فلا بد أن يحكى عنه معتقده على وجهه بالأمانة ليعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة، فاسمع ما ذكره في كتابه (الإبانة) فإنه قال: الحمد لله الواحد العزيز، الماجد المتفرد بالتوحيد، المتمجد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، وليس له مثل ولا نديد. وساق خطبة رد فيها على المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، وبين فيها مخالفة المعتزلة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة، إلى أن قال: فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة - فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون؟ قيل له: قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما وري عن الصحابة

стр. 108

والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين. وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله إله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله؛ وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وأن له وجها كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ، وأن له يدين كما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائده: ٦٤] ، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] ، وأن من زعم أن اسم الله غيره

стр. 109

كان ضالا، وأن الله علما كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] ، ونثبت لله قدرة، ونثبت له السمع والبصر، ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والخوارج والجهمية. ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وإنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله، وإن أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة له؛ كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ، وإن الخير والشر بقضاء الله وقدره. ونقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن من قال بخلق القرآن كان كافرا، وندين أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ . ونقول: إن الكافرين؛ إذا رآه المؤمنون - هم عنه محجوبون؛ كما قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] . ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا،

стр. 110

وندين أن الله تعالى مقلب القلوب، وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع كما جاءت الرواية به عن رسول الله ﷺ ، وأن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، ونصدق جميع الروايات التي رواها أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا، وأن الرب يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل، ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله ما لا نعلم. ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، وإن الله يقرب من عباده كيف شاء؛ كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨] . إلى أن قال: ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء، ونحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه بابا وشيئا شيئا. ثم قال ابن عساكر: فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه. انتهي.

стр. 111

قال شمس الدين الذهبي ﵀: فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن ولزموها لأحسنوا، ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل في الأشياء، ومشوا خلف المنطق، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ذكر قول أبي الحسن علي بن مهدي الطبراني المتكلم، تلميذ الأشعري قال في كتاب (مشكل الآيات) له في باب قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] : اعلم أن الله فوق السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء؛ كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعني علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعني علا في الجو، فوجد فوق رأسي. فالقديم ﷻ عال على عرشه. يدلك على أنه في السماء عال على عرشه: قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ، وقوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] . وزعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه،

стр. 112

مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق أى استوى عليها، قال: ويدل على أن الاستواء هاهنا ليس بالاستيلاء أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه، دون سائر خلقه، إذ هو مستول على العرش وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فساد قوله، ثم يقال له أيضا: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان أى استولى، إذا تمكن بعد أن لم يكن متمكنا. فلما كان الباري لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنا لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء. ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] ؟ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] بمعنى على الأرض، وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] . فإن قيل: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] ؟

стр. 113

قيل له: إن بعض القراء يجعل الوقف في "السماوات"، ثم يبتدئ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ ، وكيفما كان، فلو أن قائلا قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما. ذكر قول الإمام الزاهد أبي عبد الله ابن بطة قال في كتاب (الإبانة) وهو ثلاثة مجلدات: باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه. أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين على أن الله على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه، فأما قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] فهو كما قالت العلماء. واحتج الجهمي بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ، فقال: معنا وفينا، وقد فسر العلماء أن ذلك علمه، ثم قال تعالى في آخرها: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . ثم إن ابن بطة سرد بأسانيده أقوال من قال إنه علمه، فذكره عن

стр. 114

الضحاك، والثوري، ونعيم بن حماد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وكان ابن بطة من كبار الأئمة ﵁؛ سمع من البغوي وطبقته، وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ذكر قول الإمام أبي محمد بن أبي زيد القيرواني ، شيخ المالكية في وقته قال في أول رسالته المشهورة في مذهب الإمام مالك: وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه. قال الإمام أبو بكر محمد بن وهب المالكي شارح رسالة ابن أبي زيد لما ذكر قوله "وأنه تعالى فوق عرشه المجيد": معنى "فوق" و"على" واحد عند جميع العرب، ثم ساق الآيات والأحاديث، إلى أن قال: وقد تأتي لفظة "في" في لغة العرب بمعنى "فوق"؛ كقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] ، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] . قال أهل التأويل: يريد فوقها. وهو قول مالك مما فهمه عن التابعين، مما فهموه عن الصحابة، مما فهموه عن النبي ﷺ : أن الله في السماء، يعني فوقها، فكذلك قال الشيخ أبو محمد أنه

стр. 115

فوق عرشه، ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته بائن عن جميع خلقه، بلا كيف، وهو بكل مكان بعلمه لا بذاته، فلا تحويه الأماكن؛ لأنه أعظم منها. انتهى كلام الشارح. وذكر ابن أبي زيد في كتاب الفرد في السنة - تقرير العلو، واستواء الرب على العرش بذاته، وقرره أتم تقرير. وقال في مختصر المدونة: وأنه تعالى فوق عرشه بذاته، فوق سماواته دون أرضه. قال الحافظ الذهبي لما ذكر قول ابن أبي زيد: (وأنه تعالى فوق عرشه المجيد) : قد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي. وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته، والحافظ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له، فإنه قال: وأئمتنا كالثوري ومالك والحمادين، وابن عيينة وابن المبارك والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان. وكذلك أطلقها ابن عبد البر، وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري، فإنه قال في أخبار شتى: إن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه. وكذا قال أبو الحسن الكرخي الشافعي تلك القصيدة:

стр. 116

عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح: هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث. وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ والشيخ عبد القادر الجيلي والفتى عبد العزيز القحيطي وطائفة. والله تعالى خالق كل شيء بذاته ومدبر الخلائق بذاته بلا معين ولا مؤازر، وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه معنا وبين كونه فوق العرش، فهو معنا بالعلم وهو على العرش كما أعلمنا حيث يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء كما قدمنا، وبلا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام. وكان ابن أبي زيد من العلماء العاملين بالمغرب، وكان يلقب بمالك الصغير، وكان غاية في معرفة الأصول، وقد نقموا عليه في قوله بذاته، فليته تركه.

стр. 117

انتهى كلام الذهبي. ذكر قول القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني الأشعري قال في كتابه (التمهيد في أصول الدين) وهو من أشهر كتبه: فإن قال قائل: فهل تقولون: إن الله في كل مكان؟ قلنا: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] . ولو كان في كل مكان لكان في جوف الإنسان، وفي فمه، وفي الحشوش، والمواضع القذرة التي يرغب عن ذكرها، تعالى الله عن ذلك. ثم قال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] : المراد أنه إله عند أهل السماء، وإله عند أهل الأرض؛ كما تقول العرب: فلان نبيل مطاع في المصرين، أي عند أهلهما، وليس يعنون أن ذات المذكور بالحجاز والعراق موجودة.

стр. 118

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] : يعني بالحفظ والنصر والتأييد، ولم يرد أن ذاته معهم تعالى. وقوله ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] محمول على هذا التأويل. وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] يعني أنه عالم بهم وبما خفي من سرهم ونجواهم، وهذا إنما يستعمل كما ورد به القرآن، فلذلك لا يجوز أن يقال قياسا على هذا: إن الله بالقيروان ومدينة السلام ودمشق، وإنه مع الثور والحمار، وإنه مع الفساق ومع المصعدين إلى حلوان؛ قياسا على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل: ١٢٨] ، فوجب التأويل على ما وصفنا أولا. ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه، كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق؛ لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر، والله تعالى لم يزل قادرا قاهرا. وقوله:

стр. 119

﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ [الأعراف: ٥٤] يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، فبطل ما قالوه. ثم قال: باب، فإن قال قائل: ففصلوا لنا صفات ذاته من صفات أفعاله لنعرف ذلك. قيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها، وهي: الحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والبقاء، والوجه، واليدان، والعينان، والغضب، والرضاء. وصفات فعله هي: الخلق، والرزق، والعدل، والإحسان، والتفضل، والإنعام، والثواب، والعقاب، والحشر، والنشر، وكل صفة كان موجودا قبل فعله لها. ثم ساق الكلام في الصفات. وقال في كتاب (الذب عن أبي الحسن الأشعري) : كذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله ﷺ في صفات الله؛ إذ صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إن الله يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل إلى السماء الدنيا؛ كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه. إلى أن قال: وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير؛ كما روي عن

стр. 120

الزهري، وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل. انتهى. قال الحافظ شمس الدين الذهبي لما ذكر كلامه هذا: فهذا نص هذا الإمام، وأين مثله في تبحره وذكائه وتبصره بالملل والنحل، فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب ونفي الصفات وردها، صم بكم، غتم عجم، يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ذكر قول الإمام أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الأندلسي الطلمنكي المالكي قال في كتاب (الأصول) ، وهو مجلدان: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته. وقال في هذا الكتاب أيضا: أجمع أهل السنة على أن الله على العرش على الحقيقة لا على

стр. 121

المجاز. ثم ساق بسنده عن مالك قوله: الله في السماء وعلمه في كل مكان. ثم قال في هذا الكتاب: وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، فإن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء. هذا لفظه في كتابه، فانظر إلى حكاية إجماع المسلمين من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته، وأطلق هذه اللفظة غير واحد من أئمة السنة، وحكاها كثير من العلماء عن الأئمة الكبار؛ كما تقدم عن الحافظ أبي نصر السجزي وغيره، فكيف نقموها على ابن أبي زيد وحده؛ لما ذكرها في رسالته كما ذكره الذهبي. وكان الطلمنكي هذا من كبار الحفاظ وأئمة القراء بالأندلس، عاش بضعا وثمانين سنة، وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة.

стр. 122

ذكر قول شيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الصابوني قال في رسالته في السنة: ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون - أن الله فوق سبع سماواته على عرشه كما نطق به كتابه، وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته، وإمامنا الشافعي احتج في (المبسوط) في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة بخبر معاوية بن الحكم، «فسأل رسول الله ﷺ الأمة السوداء ليعرف أهي مؤمنة أم لا، فقال لها: "أين ربك؟ " فأرشات إلى السماء إذ كانت أعجمية، فقال: "أعتقها، فإنها مؤمنة» ". حكم بإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية. كان الصابوني هذا فقيها محدثا، وصوفيا واعظا، كان شيخ نيسابور في زمانه، له تصانيف حسنة، سمع من أصحاب ابن خزيمة والسراج، وتوفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة.

стр. 123

ذكر قول الإمام العالم العلامة حافظ المغرب إمام السنة في زمانه أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري الأندلسي صاحب (التمهيد، والاستذكار) والتصانيف النفيسة قال في كتاب (التمهيد) في شرح الحديث الثامن لابن شهاب: حديث النزول هذا صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان وليس على العرش. والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] . ومعنى ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني على العرش. وقد تكون "في" بمعنى "على". ألا ترى إلى قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]

стр. 124

أي على الأرض، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] . وهذا يعضده قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] ، وما كان مثله في الآيات، وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة. وأما دعواهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل "استوى" استولى فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغلبه أحد، ومن حق الكلام أن يحمل على الحقيقة حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله أن يخاطب الأمة إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، قال: علا، وتقول العرب استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي استقر، واحتج بقوله:

стр. 125

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] ، أي: انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في شبابه مزيد. قال ابن عبد البر: والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله في كتابه، فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ الآية [الزخرف: ١٣] ، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] . وأما من نزع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الصمد، عن عبد الله بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] : "استولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان".

стр. 126

فالجواب: أن هذا حديث منكر، ونقلته مجهولون ضعفاء. فأما عبد الله بن داود الواسطي، وابن مجاهد، فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا؟! أما سمعوا قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] . فدل على أن موسى ﵇ كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبا. فإن احتج بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ، وبقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] ، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ، زعموا أن الله في كل مكان بنفسه وبذاته تبارك اسمه وتعالى جده. قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في

стр. 127

الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود أهل السماء، وفي الأرض إله معبود أهل الأرض، وكذا قال أهل العلم بالتفسير، وظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش، فالاختلاف في ذلك ساقط، وأسعد الناس به من ساعد الظاهر. وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فالإجماع والاتفاق قد بين أن المراد بأنه معبود أهل الأرض. فتدبر هذا فإنه قاطع. ومن الحجة أيضا في أنه على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر ونزلت بهم شدة، رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين لها مشيرين بها إلى السماء يستغيثون الله ربهم ﵎. هذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، وقد «قال ﷺ للأمة السوداء: "أين الله؟ " فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: "من أنا؟ " قالت: رسول الله قال: "فاعتقها فإنها مؤمنة» ". فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفعها رأسها إلى السماء. قال: وأما احتجاجهم بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]

стр. 128

فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية. قال: هو على العرش وعلمه في كل مكان، وذكر سنيد عن الضحاك في هذه الآية، قال: (هو على العرش، وعلمه معهم أين ما كانوا) . قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله. وقال عبد الله بن مسعود: ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء أخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله ﵎ على العرش يعلم أعمالكم. وقد ذكر هذا الكلام أو قريبا منه في كتاب الاستذكار. وقال أبو عمر أيضا: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] : هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله.

стр. 129

وقال أيضا: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقه لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئا من ذلك. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل منها شيئا على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود. قال الحافظ الذهبي: صدق والله، فإن من تأول سائر الصفات وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب وأن يشابه المعدوم. ولقد كان أبو عمر بن عبد البر من بحور العلم ومن أئمة الأثر، قل أن ترى العيون مثله، واشتهر فضله في الأقطار. مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة عن ست وتسعين سنة.

стр. 130

ذكر قول الإمام أبي القاسم عبد الله بن خلف المقرئ الأندلسي قال في (شرح الملخص) لما ذكر حديث النزول: وفي هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش فوق سبع سماوات من غير مماسة ولا تكييف، كما قال أهل العلم، ودليل قولهم: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٢، ٣] ، والعروج هو الصعود. قال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان. يريد بقوله "في السماء"، أي: على السماء. إلى أن قال: وكل

стр. 131

ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء، وأن الاستواء بمعنى الاستيلاء، لأن الاستيلاء في اللغة بعد المغالبة، والله لا يغالبه أحد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة على أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة، وهو العلو والارتفاع والتمكن في الشيء، فإن احتج أحد علينا، وقال: لو كان كذلك لأشبه المخلوقات؛ لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق. قيل: لا يلزم ذلك، لأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ولأنه لا يقاس بخلقه كان قبل الأمكنة، وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان وليس بمعدوم، فكيف يقاس على

стр. 132

شيء من خلقه، أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فإن قال قائل: وصفنا ربنا بأنه كان في الأزل لا في مكان، ثم خلق الله الأماكن فصار في مكان، وفي ذلك إقرار منا بالتغيير والانتقال، إذا زال عن صفته في الأزل وصار في مكان دون مكان. قيل له: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان، ثم صار في كل مكان، فقد تغير عندك معبودك، وانتقل من لا مكان إلى كل مكان. فإن قال: إنه كان في الأزل في كل مكان كما هو الآن، فقد أوجد الأشياء والأماكن معه في أزليته، وهذا فاسد. فإن قال: فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان؟! قيل له: أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه؛ لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانا، وكذلك نقلته لا توجب مكانا، وليس هو في ذلك كالخلق، ولكنا نقول: استوى من لامكان، ولا نقول: انتقل، وإن كان المعنى في ذلك واحدا؛ كما نقول: له عرش، ولا نقول: له سرير، ونقول: هو الحكيم، ولا نقول: هو العاقل، ونقول: خليل إبراهيم، ولا نقول: صديق إبراهيم؛ لأنا لا نسميه ولا نصفه ولا نطلق عليه إلا ما سمى به نفسه، ولا ندفع ما وصف به نفسه؛ لأنه دفع للقرآن.

стр. 133

ذكر قول الحافظ أبي بكر الخطيب رحمه الله تعالى قال: أما الكلام في الصفات فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، والكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان إثبات رب العالمين معلوما فإنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح وأدوات للفعل، ولا تشبه بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح، ونقول: إنما وجب إثباتها؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] . انتهى. قال الحافظ الذهبي: المراد بظاهرها أي لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له؛ كما قال مالك وغيره: الاستواء معلوم. وكذلك القول في السمع والبصر والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك، هذه الأشياء

стр. 134

معلومة، فلا يحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا. قال: والمتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة، ما علمت أحدا سبقهم إليها، قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تئول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران: أحدهما: أنه لا تأويل غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة معروفة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف. وهذا هو مذهب السلف مع اتفاقهم أنها لا تشبه صفات البشر بوجه؛ إذ الباري لا مثل له في ذاته، ولا في صفاته. الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة؛ كما يتشكل في الذهن من وصف البشر، فهذا غير مراد، فإن الله فرد صمد ليس له نظير، وإن تعددت صفاته؛ فإنها حق، ولكنها ما لها مثل ولا نظير، فمن ذا الذي عاينه ونعته لنا. والله إنا لعاجزون، كالون، حائرون، باهتون في حد الروح التي فينا، وكيف نعرج كل ليلة إذا توفاها باريها؟ وكيف يرسلها؟ وكيف

стр. 135

تنتقل بعد الموت؟ وكيف حياة الشهيد المرزوق عند ربه بعد قتله؟ وكيف حياة النبيين الآن؟ وكيف شاهد النبي ﷺ أخاه موسى يصلي في قبره؟ ثم رآه في السماء السادسة وحاوره وأشار عليه بمراجعة رب العالمين وطلب التخفيف منه على أمته، وكيف ناظر موسى أباه آدم؟ وحجة آدم بالقدر السابق، وبأن اللوم بعد التوبة وقبولها لا فائدة فيه؟ وكذلك نعجز عن وصف هيئاتنا في الجنة، ووصف الحور العين، فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم؟ وكيفيتها؟ وأن بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة، مع رونقهم وحسنهم وصفاء جوهرهم النوراني؟ فالله أعلى وأعظم، وله المثل الأعلى، والكمال المطلق، ولا مثل له أصلا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . انتهى كلام الذهبي. توفي الخطيب سنة ثلاث وستين وأربعمائة. ولم يكن ببغداد مثله في معرفة هذا الشأن.

стр. 136

ذكر قول الإمام عالم المشرق أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الشافعي قال في كتاب (الرسالة النظامية) : اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر: فرأى بعضهم تأويلها والتزام ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن. وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب . والذي نرتضيه دينا، وندين الله به - عقيدة اتباع سلف الأمة، والدليل القاطع السمعي في ذلك، وأن إجماع الأمة حجة متبعة. فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة. وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل - كان ذلك هو الوجه المتبع. فلتجر آية الاستواء وآية المجيء وقوله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] على ذلك. قال الإمام أبو الفتح محمد بن علي: دخلنا على الإمام أبي المعالي الجويني نعوده في مرض موته،

стр. 137

فقال لنا: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح، وأني أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور. توفي إمام الحرمين سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وله ستون سنة، وكان من بحور العلم في الأصول والفروع، يتوقد ذكاء. ذكر قول الإمام الحافظ أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني مصنف كتاب (الترغيب والترهيب) قال في كتاب (الحجة) : قال علماء السنة: إن الله على عرشه بائن من خلقه، وقالت المعتزلة: هو بذاته في كل مكان. قال: وروي عن ابن عباس في تفسير قوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ، قال: هو على عرشه وعلمه في كل مكان. ثم ساق الآثار. قال: وزعم هؤلاء أن معنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أي: ملكه، وأنه لا اختصاص له بالعرش أكثر مما له بالأمكنة، وهذا إلغاء لتخصيص العرش وتشريفه.

стр. 138

قال أهل السنة: استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض على ما ورد به النص، وليس معناه المماسة، بل هو مستو على عرشه بلا كيف، كما أخبر عن نفسه. قال: وزعم هؤلاء أنه لا يجوز الإشارة إلى الله بالرءوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد، وأجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن، فزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى علو الغلبة، لا علو الذات. وعند المسلمين أن لله علو الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح، فثبت أن لله تعالى علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة. وفي منعهم الإشارة إلى الله تعالى من جهة الفوق خلاف لسائر الملل؛ لأن جماهير المسلمين وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة. وقد أخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] ، فكان فرعون قد فهم عن

стр. 139

موسى أنه يثبت إلها فوق السماء، حتى رام بصرحه أن يطلع إليه، واتهم موسى بالكذب في ذلك. والجهمية لا تعلم أن الله فوقها بوجود ذاته، فهم أعجز فهما من فرعون، بل وأضل. وقد «صح عن النبي ﷺ أنه حكم بإيمان الجارية حين قالت: إن الله في السماء،» وحكم الجهمي بكفر من يقول ذلك!! انتهى كلام أبي القاسم ﵀. توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. ذكر كلام الإمام العالم العلامة أبي عبد الله القرطبي صاحب التفسير الكبير قال في التفسير: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] : هذه مسألة قد بينا فيها كلام العلماء في كتاب (الأسنى في شرح الأسماء الحسنى) ، وذكرنا فيها أربعة عشر قولا. إلى أن قال: وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة، وخص عرشه بذلك؛ لأنه أعظم المخلوقات، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته؛ كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم -يعني في اللغة- والكيف مجهول، والسؤال عن ذلك بدعة.

стр. 140

قال الحافظ الذهبي: وقال القرطبي أيضا في الاستواء: الأكثر من المتقدمين والمتأخرين المتكلمين، يقولون: إذا وجب تنزيه الباري ﷻ عن الجهة والتحيز، فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للتحيز والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين. ثم قال الذهبي: قلت: نعم، هذا ما اعتمده نفاة الرب ، أعرضوا عن الكتاب والسنة وأقوال السلف وفطر الخلائق، وإنما يلزم ما ذكروه في حق الأجسام، والله تعالى لا مثل له، ولازم صرائح النصوص حق، ولكنا لا نطلق عبارة إلا بأثر، ثم نقول: لا نسلم أن كون الباري على عرشه فوق السماوات يلزم منه أنه في حيز وجهة، إذ ما دون العرش يقال فيه حيز وجهات، وما فوقه فليس هو كذلك، والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر الأول، ونقله عنه الأئمة، وقالوا ذلك رادين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان؛ محتجين بقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] . فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم. فأما القول الثالث للتولد بآخره بأنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجا عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق، ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متميزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات، ولا خارجا عن الجهات، ولا، ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفات

стр. 141

الآيات والأخبار. ففر بدينك، وإياك وآراء المتكلمين، وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وفوض أمرك إلى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهى كلام الذهبي. ذكر قول الإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي صاحب معالم التنزيل قال عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] : قال الكلبي ومقاتل: استقر. وقال أبو عبيدة: صعد. وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء. وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب الإيمان به. وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] : قال ابن عباس وأكثر المفسرين من السلف: ارتفع إلى السماء. وقال في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] : الأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل علمها إلى الله، ويعتقد أن الله منزه عن سمات الحدوث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة. وقال في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] : بالعلم.

стр. 142

كان محيي السنة من كبار أئمة مذهب الشافعي، زاهدا ورعا. توفي سنة عشر وخمسمائة، وقد قارب الثمانين. قال الحافظ الذهبي لما ذكر قول الكلبي ومقاتل المتقدم: لا يعجبني قوله "استقر"، بل أقول كما قال الإمام مالك "الاستواء معلوم". انتهى كلامه ﵀. وهذا الذي حكاه البغوي عن الكلبي ومقاتل ذكره ابن جرير في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، قال: ارتفع وعلا. وقال الشيخ أبو العباس ابن تيمية ﵀: وقد علم أن بين مسمى الاستواء والاستقرار والقعود فروقا معروفة. ذكر قول الإمام العالم العلامة الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير قال في تفسيره في سورة الأعراف: وأما قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]- فللناس في ذلك المقام مقالات كثيرة جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، والظاهر للتبادر إلى

стр. 143

أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه؛ و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . بل الأمر كما قال الأئمة، منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه. فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله النقائص، فقد سلك سبيل الهدى. انتهى كلام الحافظ ابن كثير. وفيما نقلناه من كلام الأئمة خير كثير، ولو تتبعنا كلام العلماء في هذا الباب لحصل منه مجلد كبير. وقد أضربنا عن كلام الحنابلة صفحا، فلم ننقل منه إلا اليسير؛ لأنه قد اشتهر عنهم إثبات الصفات، ونفي التكييفات. فمذهبهم بين الناس مشهور، وفي كتبهم مسطور، وكلامهم في هذا الباب أشهر من أن يذكر، وأكثر من أن يسطر. ولهذا كان أهل البدع يسمونهم الحشوية؛ لأنهم قد أبطلوا التأويل، واتبعوا ظاهر التنزيل، وخالفوا أهل البدع والتأويل. [حال المتأخرين] وأما غيرهم من أهل المذاهب فكثير منهم قد خالفوا طريقة السلف، وسلكوا مسلك الخلف، فلهذا نقلنا كلام أئمة الحنفية والمالكية

стр. 144

والشافعية، وأئمة أهل الكلام كابن كلاب والأشعري وأبي الحسن بن مهدي والباقلاني، ليعلم الواقف على ذلك أن هؤلاء الأئمة متبعون للسلف يثبتون لله الصفات، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، ويعرف أن هذا الاعتقاد الذي حكيناه عن شيخنا محمد بن عبد الوهاب وأتباعه هو الاعتقاد الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وكلام الصحابة وسائر الأمة. فنحن لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا نتجاوز القرآن والحديث، وما تأوله السابقون الأولون تأولناه، وما أمسكوا عنه أمسكنا عنه، ونعلم أن الله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وليس كمثله شيء، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع الحدوث لامتناع العدم عليه، فلا نمثل صفات الله بصفات الخلق، كما أنا لا نمثل ذاته بذات الخلق، ولا ننفي عنه ما وصف به نفسه، ولا نعطل أسماءه الحسنى وصفاته العلا، بخلاف ما عليه أهل التعطيل والتمثيل. فالمعطلون لم يفهموا من صفات الله إلا ما هو اللائق بالمخلوق، فشرعوا في نفي تلك المفهومات بأنواع التأويل، فعطلوا حقائق الأسماء والصفات، وشبهوا الرب ﵎ بالجمادات العارية عن صفات الكمال، ونعوت الجلال، فجمعوا بين التعطيل والتمثيل، عطلوا أولا ومثلوا آخرا.

стр. 145

والممثلون عطلوا حقيقة ما وصف الله به نفسه من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وشبهوا صفاته بصفات خلقه، فمثلوا أولا وعطلوا آخرا. فمن فهم من نصوص الكتاب والسنة في صفات الرب جل وعلا ما يفهمه من صفات المخلوقين، فقد ضل عقله ودينه، وشبه الله بخلقه، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . ومن نفى ظاهر النصوص، وزعم أنه ليس لها في الباطن مدلول هو صفة لله، وأن الله لا صفة له ثبوتية، أو يثبت بعض الصفات كالصفات السبع ويؤول ما عداها؛ كقوله: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو المكانة والقدر، وكقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي: نعمتاه نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، ونحو ذلك مما قد عرف من مذهب المتكلمين. فهؤلاء نفاة الصفات، ومذهبهم مأخوذ عن جهم بن صفوان، فإن أول من حفظ عنه إنكار الصفات هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه، والجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي، الساحر الذي سحر النبي ﷺ . وكان انتشار مقالة الجهمية في المائة الثانية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته. وكلام
следующие страницы →