Полный текст (146 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر؛ لما قالوا: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف.
وأيضا فقولهم "أمروها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظا دالة على معان، فلو كانت دلالتها منفية لكان الواجب أن يقال أمروا لفظها؛ مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو يقال أمروا لفظها؛ مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت - لغو من القول.
قال الذهبي بعدما ذكر كلام مالك وربيعة الذي قدمناه: وهذا قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر به في كتابه، وأنه كما يليق به، ولا نتعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا، بل نسكت ونقف كما قد وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إليه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وقد تقدم ما رواه الوليد بن مسلم عن مالك بما أغنى عن إعادته.
وقال أبو حاتم الرازي: حدثني ميمون بن يحيى البكري، قال: قال مالك: من قال القرآن مخلوق يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
стр. 72
ذكر قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي
﵁
روى شيخ الإسلام أبو الحسن الهكاري عن أبي شعيب وأبي ثور، وكلاهما عن محمد بن إدريس ﵀، قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت عليها الذين رأيتهم، مثل سفيان ومالك وغيرهما - الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء. وذكر سائر الاعتقاد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي، يقول وقد سئل عن الصفات وما يؤمن به، فقال: لله أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف أحد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، وأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها؛ ونثبت هذه الصفات، وننفي عنها التشبيه؛ كما نفى سبحانه التشبيه عن نفسه، فقال:
стр. 73
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وصح عن الشافعي أنه قال: خلافة أبي بكر الصديق ﵁ حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب عباده، انتهى.
ومعلوم أن المقضي في الأرض والقضاء فعله سبحانه للتضمن لمشيئته وقدرته. وقال في خطبة رسالته: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه.
ذكر قول الإمام أحمد بن حنبل
﵁
قال الخلال في كتاب السنة: حدثنا يوسف بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قلت لأبي: ربنا ﵎ فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، لا يخلو شيء من علمه.
قال الخلال: وأخبرني الميموني، قال: سألت أبا عبد الله عمن قال: إن الله ليس على العرش، فقال: كلامهم كله يدور على الكفر.
وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ما معنى قوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ،
стр. 74
وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] ؟
قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وقال أبو طالب: سألت أحمد عن رجل، قال: إن الله معنا، وتلا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ؟
قال: يأخذون بآخر الآية ويدعون أولها، هلا قرأت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ بالعلم معهم، وقال في سورة (ق) : ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن رجلا يقول: أقول كما قال الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ، أقول هذا، ولا أجاوزه إلى غيره.
فقال أبو عبد الله: هذا كلام الجهمية.
قلت: فكيف تقول: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ؟
قال: علمه في كل مكان، وعلمه معهم، وقال: أول الآية يدل على أنه علمه.
стр. 75
وقال في موضع آخر: وإن الله على عرشه فوق السماء السابعة، يعلم ما تحت الأرض السفلى، وإنه غير مختلط بشيء من خلقه، هو ﵎ بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه.
وقال في كتاب الرد على الجهمية الذي رواه الخلال، وقال: كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله ابن الإمام أحمد، وكتبه عبد الله من خط أبيه، قال فيه: (باب بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش) ، وقد قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ؟
قلنا لهم: ما أنكرتم أن يكون الله على العرش، فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو تحت العرش، وفي السماوات، وفي الأرض.
قال أحمد: فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء؛ أجسامكم وأجوافكم والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها شيء من عظمته، وقد أخبرنا الله أنه في السماء، فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ الآيتين [الملك: ١٦ و ١٧] .
стр. 76
وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] ، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] .
وقال أيضا في الكتاب المذكور: ومما أنكرت الجهمية الضلال أن الله على العرش، وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، وغيرها] .
ثم ساق أدلة القرآن، ثم قال: ومعنى قوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣] ، يقول: هو إله من في السماوات وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، لا يخلو من علمه مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، وذلك لقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] .
стр. 77
قال الإمام أحمد: ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلا كان في يده قدح من قوارير، وفيه شيء، كان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله سبحانه وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع ما خلق علما من غير أن يكون في شيء مما خلق.
قال: مما تأولت الجهمية من قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] .
فقالوا: إن الله معنا وفينا، فقلنا لهم: قطعتم الخبر من أوله؛ لأن الله افتتح الخبر بعلمه وختمه بعلمه.
قال أحمد: وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: أليس شيئا؟ فيقول: نعم، فقل له: فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا عن نفسه، فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقاويل: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه؛ كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفسه. وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم؛ كفر أيضا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر. وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم؛ رجع عن قوله أجمع. وهو قول أهل السنة.
قال أحمد: وقلنا للجهمية: حين زعمتم أن الله في كل مكان أخبرونا
стр. 78
عن قول الله ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣] : أكان في الجبل بزعمكم، فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن تجلى له، بل كان سبحانه على العرش، فتجلى لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئا ما رآه قط قبل ذلك.
انتهى كلام الإمام أحمد الذي نقلناه من كتاب الرد على الجهمية.
وروى الخلال عن حنبل، قال: قال أبو عبد الله، يعني أحمد: نؤمن أن الله على العرش بلا كيف بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يجده حاد، وصفات الله له ومنه، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية.
وقال حنبل أيضا: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى: «إن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا» ، و «إن الله يرى في الآخرة» ، و «إن الله يضع قدمه» ، وأشباه هذه الأحاديث، فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد: (ليس كمثله شيء) في ذاته كما وصف نفسه، قد أجمل الله الصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة "ليس
стр. 79
يشبهه شيء"، وصفاته غير محدودة ولا معلومة، إلا بما وصف به نفسه، قال: فهو سميع بصير، بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، ونؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه، ولا نزيل صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضع كنفه عليه، فهذا كله يدل على أن الله سبحانه يرى في الآخرة، والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم فيه بغير صفة ولا حد، إلا بما وصف به نفسه، سميع بصير، لم يزل متكلما، عليم غفور، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣، وغيرها] ، ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦ و١٠٩، وغيرها] .
فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد، وهو على العرش بلا حد؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، وهو: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢ وغيرها] ، وهو سميع
стр. 80
بصير، بلا حد ولا تقدير، ولا نتعدي القرآن والحديث، تعالى الله عما تقول الجهمية والمشبهة.
قلت له: المشهبة ما تقول؟
قال: من قال بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي - فقد شبه الله بخلقه. انتهى.
وكلام الإمام أحمد ﵀ في هذا كثير، فإنه امتحن بالجهمية.
﵁ وعن إخوانه من أئمة الدين.
стр. 81
فصل
قد بينا فيما تقدم عقيدة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أسكنه الله الفردوس يوم المآب، وبينا عقيدته هو وأتباعه عقيدة السلف الماضين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة الدين الذين رفع الله منارهم في العالمين، وجعل لهم لسان صدق الآخرين.
فشيخنا ﵀ وأتباعه- يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ ولا يتجاوزون القرآن والحديث؛ لأنهم متبعون لا مبتدعون، فلا يكيفون ولا يشبهون ولا يعطلون، بل يثبتون جميع ما نطق به الكتاب من الصفات، وما وردت به السنة مما رواه الثقات، يعتقدون أنها صفات حقيقة منزهة عن التشبيه والتعطيل؛ كما أنه سبحانه له ذات حقيقة منزهة عن التشبيه والتعطيل. فالقول عندهم في الصفات كالقول في الذات، فكما أن ذاته ذات حقيقة لا تشبه الذوات، فصفاته صفات حقيقة لا تشبه الصفات، وهذا هو اعتقاد سلف الأمة وأئمة الدين، وهو مخالف لاعتقاد المشبهين واعتقاد المعطلين، فهو كالخارج
стр. 82
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] ، فهو وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين.
فلما قررنا عقيدتنا في أول الجواب، وأوردنا على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة - أتبعنا ذلك بفصل ذكرنا فيه بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، يؤيد ما ذكرناه، ويحقق ما قلناه؛ لأنهم مصابيح الدين وقدوة العالمين، وهم أهل اللغة الفصحاء واللسان العربي، فإن الصحابة ﵃ قد شاهدوا نزول القرآن ونقلوه إلينا وفسروه، فهم قد تلقوا ذلك عن نبيهم ﷺ وتلقاه عنهم التابعون؛ فتعلموا من الصحابه ألفاظ القرآن ومعانيه، فنقلوا عنهم تأويله كما نقلوا تنزيله، ونقلوا الأحاديث الواردة في الصفات، ولم يتأولوها كما تأولها النفاه، بل أثبتوها صفات حقيقة لرب العالمين، منزهة عن تعطيل المعطلين وتشبيه المشبهين. فإن الصحابة ﵃ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، وهم سادات الأمة وكاشفو الغمة، فالمسلمون بهديهم يهتدون، وعلى منهاجهم يسلكون، ثم إنا لما نقلنا كلام الصحابة والتابعين وتابعيهم أتبعناه بفصل ذكرنا فيه كلام الأئمة الأربعة، أئمة المذاهب المتبعة؛ ليتبين صحة ما قلناه وما إليهم نسبناه، ويعلم من كان قصده الحق أن الأئمة على عقيدة واحدة مجمعون، وللسلف الصالح متبعون، فلما تبين ما قلناه، واتضح ما قررناه أحببت أن أختم هذا الجواب بفصل أذكر فيه بعض ما قاله العلماء بعدهم؛ ليعلم الواقف على هذا الجواب أن هذا الاعتقاد الذي ذكرناه هو اعتقاد أهل
стр. 83
السنة والجماعة قاطبة متقدميهم ومتأخريهم؛ لأن إجماعهم حجة قاطعة لا تجوز مخالفته، فكيف وقد شهدت له النصوص القرآنية والسنة النبوية، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .
стр. 84
فصل
قال الإمام حافظ الشرق وشيخ الإسلام، عثمان بن سعيد الدارمي، في كتاب النقض على بشر المريسي -قال الذهبي: وهو مجلد سمعناه من أبي حفص بن القواس - قال فيه:
وقد اتفقت الكلمة من المسلمين على أن الله فوق عرشه فوق سماواته، لا ينزل قبل يوم القيامة إلى الأرض.....، ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم وتشقق السماوات لنزوله.....، فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو أمره وعذابه، فقوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] ، وإنما هو أمره وعذابه.
стр. 85
وقال في موضع آخر من هذا الكتاب وقد ذكر الحلول:
ويحك، هذا المذهب - أنزه لله من السوء عن مذهب من يقول: هو بكماله وجماله وعظمته وبهائه فوق عرشه فوق سماواته، فوق جميع الخلائق، في أعلى مكان، وأظهر مكان؛ حيث لا خلق هناك ولا إنس ولا جان، أي الحزبين أعلم بالله وبمكانه، وأشد تعظيما وإجلالا له.
وقال في هذا الكتاب: علمه بهم من فوق عرشه محيط، وبصره فيهم نافذ، وهو بكماله فوق عرشه ... ومع بعد المسافة بينه وبين الأرض يعلم ما في الأرض.
وقال في موضع آخر: والقرآن كلام الله، وصفة من صفاته، خرج منه كما شاء أن يخرج، والله بكلامه وعلمه وقدرته وسلطانه وجميع صفاته غير مخلوق، وهو بكماله على عرشه.
وقال في موضع آخر، وقد ذكر حديث البراء بن عازب الطويل في شأن الروح وقبضها، وفيه: فتصعد روحه حتى تنتهي إلى السماء السابعة،
стр. 86
وذكر الحديث، ثم قال: وفي قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] دلالة ظاهرة أن الله فوق السماء؛ لأنه لو لم يكن فوق السماء لما عرج بالأرواح والأعمال، ولما أغلقت أبواب السماء عن قوم، وفتحت لآخرين.
وقال في موضع آخر: ولكنا نقول: رب عظيم وملك كبير، نور السماوات والأرض، وإله السماوات والأرض، على عرش مخلوق عظيم فوق السماء السابعة، دون ما سواها من الأماكن، من لم يعرفه بذلك كان كافرا به وبعرشه.
قال: وقد اتفقت كلمة المسلمين والكافرين على أن الله في السماء، وعرفوه بذلك، إلا المريسي وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث.
وساق حديث حصين: (كم تعبد؟) قال: ستة في الأرض وواحدا في السماء، فقال النبي ﷺ : (من الذي تعده لرغبتك ورهبتك؟) قال: الذي في السماء.
وقال أيضا في قول رسول الله ﷺ للجارية [أين الله؟] : فيه تكذيب لمن يقول هو في كل مكان، وأن الله لا يوصف بأين، بل يستحيل أن يقال "أين هو؟ "، والله فوق سماواته بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبده.
стр. 87
هذا كله كلام عثمان بن سعيد في كتابه المذكور، وهو قال فيه أبو الفضل القراب: ما رأيت مثل عثمان بن سعيد، ولا رأى عثمان مثل نفسه، أخذ الأدب عن ابن الأعرابي، والفقه عن البويطي، والحديث عن يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأثنى عليه أهل العلم.
وقال الإمام الحافظ أبو عيسى الترمذي
في جامعه
لما روى حديث أبي هريرة -وهو حديث منكر، قاله الذهبي - (( «لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله» )) ، قال: معناه لهبط على علم الله، قال: وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه.
وقال في حديث أبي هريرة ( «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه» ) : قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات ونزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا، قالوا: ثبتت الروايات في هذا ونؤمن به ولا نتوهم ولا نقول كيف، هكذا روي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك، قالوا في هذه الأحاديث: "أمروها بلا كيف".
وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وفسروها على غير ما فسرها أهل
стр. 88
العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وأن معنى اليد هاهنا النعمة.
وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيدي أو مثل يدي أو سمع كسمعي، فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع وكسمع، فهذا لا يكون تشبيها، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . هذا كله كلام الترمذي.
وقال الإمام
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري
في كتاب (صريح السنة) : وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر.
وقال في تفسيره الكبير في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، قال: علا وارتفع.
وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] ،
стр. 89
عن الربيع بن أنس: إنه يعني ارتفع. وقال في قوله : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] ، يقول: وإني لأظن موسى كاذبا فيما يقول ويدعي أن له ربا في السماء أرسله إلينا.
وتفسيره هذا مشحون بأقوال السلف على الإثبات.
وقال في كتاب (التبصير في معالم الدين) : القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرا، وذلك نحو إخباره أنه سميع بصير، وأن له يدين بقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ، وأن له وجها بقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ، وأن له قدما بقول النبي ﷺ : «حتى يضع رب العزة فيها قدمه» ، وأنه يضحك بقوله: «لقي الله وهو يضحك إليه» ،
стр. 90
وأنه " «يهبط إلى سماء الدنيا» "، يخبر النبي ﷺ بذلك، وأن له إصبعا بقوله ﷺ : «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن» ؛ فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله به نفسه ورسوله مما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية - لا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهائها.
ذكر هذا الكلام عنه أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويل) .
ومن أراد معرفة أقوال السلف التي حكاها عنهم في تفسيره فليطالع كلامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥] .
стр. 91
وقال إمام الأئمة
أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة
:
من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سماواته، بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة.
ذكر قول إمام الشافعية في وقته
أبي العباس بن سريج
﵁
ذكر أبو القاسم سعد بن علي بن محمد الزنجاني في جوابات المسائل التي سئل عنها بمكة، فقال:
الحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وعلى كل حال، وصلى الله على محمد المصطفى وعلى الأخيار الطيبين من الأصحاب والآل.
سألت -أيدك الله بتوفيقه- بيان ما صح لدي من مذهب السلف وصالحي الخلف في الصفات الواردة في الكتاب والسنة، فاستخرت الله وأجبت عنه بجواب بعض الأئمة الفقهاء، وهو أبو العباس بن سريج ﵀، وقد سئل عن مثل هذا السؤال، فقال:
стр. 92
أقول وبالله التوفيق:
حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الأفكار أن تحيط، وعلى الألباب أن تصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ .
وقد صح وتقرر واتضح عند جميع أهل الديانة؛ والسنة والجماعة، من السلف الماضين والصحابة والتابعين، من الأئمة المهديين الراشدين المشهورين إلى زماننا هذا: أن جميع الآي الواردة عن الله في ذاته وصفاته، والأخبار الصادقة الصادرة عن رسول الله ﷺ في الله وفي صفاته التي صححها أهل النقل - يجب على المرء المسلم الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وتسليم أمره إلى الله كما أمر، وذلك مثل: قوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] ، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ،
стр. 93
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] .
ونظائرها مما نطق به القرآن: كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، والكلام، والعين، والنظر، والإرادة، والرضا، والغضب، والمحبة، والكراهة، والعناية، والقرب، والبعد، والسخط، والاستجابة، والدنو كقاب قوسين أو أدنى، وصعود الكلام الطيب إليه، وعروج الملائكة والروح إليه، ونزول القرآن منه، وندائه الأنبياء، وقوله للملائكة، وقبضه وبسطه، وعلمه، ووحدانيته، وقدرته، ومشيئته، وصمدانيته، وفردانيته، وأوليته، وآخريته، وظاهريته، وباطنيته، وحياته، وبقائه، وأزليته، ونوره، وتجليه، والوجه، وخلق آدم بيده، ونحو قوله ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦ و ١٧] .
وسماعه من غيره، وسماع غيره منه، وغير ذلك من صفاته المذكورة في كتابه المنزل، وجميع ما لفظ به المصطفى من صفاته: كغرس جنة الفردوس بيده وشجره طوبى بيده، وخط التوراة بيده،
стр. 94
والضحك والتعجب، ووضعه القدم، وذكر الأصابع، والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، وكغيرته، وفرحه بتوبة العبد، وأنه ليس بأعور، وأنه يعرض عما يكره ولا ينظر إليه، وأن كلتا يديه يمين، وحديث القبضتين، وله كل يوم كذا وكذا نظرة في اللوح المحفوظ، وأنه يوم القيامة يحثو ثلاث حثيات من حثياته فيدخلهم الجنة، وحديث القبضة التي يخرج بها من النار قوما لم يعملوا خيرا قط، وحديث ( «إن الله خلق آدم على صورته» ) ، وفي لفظ: ( «على صورة الرحمن» ) ، وإثبات الكلام بالحرف والصوت، وكلامه للملائكة ولآدم ولموسى ومحمد وللشهداء، وللمؤمنين عند الحساب، وفي الجنة، ونزول القرآن إلى سماء الدنيا، وكون القرآن في المصاحف، وما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغني بالقرآن، وصعود الأقوال والأعمال والأرواح إليه، وحديث معراج الرسول ﷺ ببدنه ونفسه.
وغير هذا مما صح عنه ﷺ من الأخبار المتشابهة الواردة في صفات الله سبحانه ما بلغنا وما لم يبلغنا، مما صح عنه اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن - أن نقبلها، ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نزيد عليها، ولا ننقص منها، ولا نفسرها، ولا نكيفها، ولا نشير إليها بخواطر القلوب، بل نطلق ما أطلقه الله،
стр. 95
ونفسر ما فسره النبي ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة المرضيون من السلف المعروفين بالدين والأمانة، ونجمع على ما أجمعوا عليه، ونمسك عما أمسكوا عنه، ونسلم الخبر لظاهره، والآية لظاهرها، لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية، والملحدة، والمجسمة، والمشبهة والكرامية والمكيفة، بل نقبلها بلا تأويل، ونؤمن بها بلا تمثيل، ونقول: الإيمان بها واجب، والقول سنة، وابتغاء تأويله بدعة.
هذا آخر كلام أبي العباس بن سريج الذي حكاه أبو القاسم الزنجاني في أجوبته.
ذكر قول الإمام الطحاوي إمام الحنفية في وقته في
الحديث والفقه ومعرفة أقوال السلف، قال في
عقيدته المعروفة عند الحنفية:
ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنفية، وأبي يوسف، ومحمد ﵃.
نقول في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، وأن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على نبيه وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة، ليس بمخلوق، فمن سمعه وزعم أنه كلام البشر فقد كفر؛ والرؤية لأهل الجنة حق، بغير إحاطة ولا كيفية،
стр. 96
وكل ما جاء في ذلك من الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام. فمن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه - حجبه مرامه خالص التوحيد وصحيح الإيمان. ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل، ولم يصب التنزيه.
إلى أن قال: والعرش والكرسي حق، كما بين في كتابه، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه.
وذكر سائر الاعتقاد.
ذكر قول الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب
إمام الطائفة الكلابية
وكان من أعظم الناس إثباتا للصفات والفوقية وعلو الله على عرشه، منكرا لقول الجهمية، وهو أول من عرف عنه إنكار قيام الأفعال الاختيارية بذات الرب، وأن القرآن معنى قائم بالذات، وهو أربع معان، وَنَصَرَ
стр. 97
طريقته: أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري، وخالفه في بعض الأشياء، ولكنه على طريقته في إثبات الصفات والفوقية وعلو الله على عرشه، كما سيأتي حكاية كلامه بألفاظه، إن شاء الله تعالى.
حكى ابن فورك في كتابه المجرد فيما جمعه من كلام ابن كلاب أنه قال: وأخرج من النظر والخبر قول من قال: لا هو في العالم ولا خارجا منه، فنفاه نفيا مستويا؛ لأنه لو قيل له: صفه بالعدم؛ لما قدر أن يقول أكثر من هذا، ورد أخبار الله أيضا، وقال في ذلك ما لا يجوز في نص ولا معقول.
ثم قال: ورسول الله ﷺ وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته أعلمهم (بالأين) ، واستصوب قول القائل: إنه في السماء، وشهد له بالإيمان عند ذلك. وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون (الأين) ويحيلون القول به.
قال: ولو كان خطأ لكان رسول الله ﷺ أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولي ذلك فتوهمي أنه محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي إنه في كل مكان لأنه هو الصواب، دون ما قلت. كلا، فلقد أجازه رسول الله ﷺ مع علمه بما فيه، وأنه من الإيمان، بل الأمر الذي يجب به الإيمان لقائله؛ ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته.
وكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق بذلك وشاهد له، وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين
стр. 98
منه ولا أوكد؛ لأنك لا تسأل أحدا من الناس عنه عربيا ولا عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا، فنقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء. أفصح أو أومى بيده أو أشار بطرفه، إن كان لا يفصح ولا يشير إلى غير ذلك، ولا رأينا أحدا إذا عن له دعاء إلا رافعا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدا غير الجهمية، يسأل عن ربه، فيقول: في كل مكان، كما يقولون. وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى جهم وخمسون رجلا معه! نعوذ بالله من مضلات الفتن.
انتهى كلامه.
ذكر قول الإمام أبي الحسن الأشعري صاحب
التصانيف إمام الطائفة الأشعرية
قال في كتابه الذي سماه (اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين) ، فذكر فرق الخوارج والروافض والجهمية وغيرهم، إلى أن قال:
ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث:
جملة قولهم الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله
стр. 99
وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون من ذلك شيئا، وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] .
وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقروا أن لله علما، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق.
ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ : «إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر» كما جاء الحديث.
ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء.
стр. 100
إلى أن قال: فهذا جملة ما يأمرون به ويستعملون ويروونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله.
وذكر الاستواء في هذا الكتاب المذكور في باب هل الباري تعالى في مكان دون مكان فقال: اختلفوا في ذلك على سبع عشرة مقالة منها قال أهل السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم ولا يشبه الأشياء؛ وإنه على العرش استوى كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، ولا نتقدم بين يدي الله بالقول، بل نقول: استوى بلا كيف، وأن له يدين؛ كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث.
ثم قال: وقالت المعتزلة: "استوى على عرشه" بمعنى استولى، وتأولوا اليد بمعنى النعمة، وقوله ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] أي: بعلمنا. وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب جمل المقالات:
стр. 101
هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة:
جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من الله وما تلقاه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون شيئا من ذلك، وأن الله واحد أحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأنه على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٥] ، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] ، وأن له وجها كما قال:
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ. من قال بالوقف أو باللفظ فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق، ويقولون: إن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون؛ لأنهم عن الله محجوبون.
ثم ساق بقية قولهم. وقال في هذا الكتاب: وقالت المعتزلة: إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى. هذا نص كلامه.
стр. 102
وقال في الكتاب أيضا: وقالت المعتزلة في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] : يعني استولى. قال: وتأولت اليد بمعنى النعمة، وقوله ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] أي: بعلمنا.
فالأشعري ﵀ إنما حكى تأويل الاستواء بالاستيلاء عن المعتزلة والجهمية، وصرح بخلافه، وأنه خلاف قول أهل السنة.
وقال الأشعري أيضا في كتابه (الإبانة في أصول الديانة) في باب الاستواء: فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] .
وقال حكاية عن فرعون: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] ،
стр. 103
كذب موسى في قوله إن الله فوق السماوات.
وقال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] ، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات، قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] ؛ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكان كل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني جميع السماوات؛ وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات.
قال: ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى "استوى" استولى وملك وقهر، وأنه تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون على عرشه، وذهبوا في الاستواء إلى
стр. 104
القدرة، فلو كان كما قالوا؛ كان لا فرق بين العرش وبين الأرض السابعة، لأنه قادر على كل شيء، وكذا لو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء لجاز أن يقال هو مستو على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول أن الله مستو على الأخلية والحشوش، فبطل أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء.
وذكر أدلة من الكتاب والسنة والعقل سوى ذلك.
وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن، شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه، ونسخه بخطه الإمام محيي الدين النواوي.
فانظر رحمك الله إلى هذا الإمام الذي ينتسب إليه الأشاعرة اليوم؛ لأنه إمام الطائفة المذكورة - كيف صرح بأن عقيدته في آيات الصفات وأحاديثها اعتقاد أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين وأئمة الدين. ولم يحك تأويل الاستواء بالاستيلاء، واليد بمعنى النعمة، والعين بمعنى العلم إلا عن المعتزلة والجهمية. وصرح أنه خلاف قوله؛ لأنه خلاف قول أهل السنة والجماعة، ثم تجد المنتسبين إلى عقيدة الأشعري قد صرحوا في عقائدهم، ومصنفاتهم من التفاسير وشروح الحديث بالتأويل الذي أنكره إمامهم، وبين أنه قول المعتزلة والجهمية، وينسبون هذا الاعتقاد إلى الأشعري وهو قد أنكره ورده، وأخبر أنه على عقيدة السلف من الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم، وأنه على عقيدة الإمام أحمد كما سيأتي لفظه بحروفه إن شاء الله.
стр. 105
وأعجب من هذا - أنهم يذكرون في مصنفاتهم: أن عقيدة السلف أسلم وعقيدة الخلف أعلم وأحكم! فسبحان مقلب القلوب كيف يشاء، كيف يجتمع في قلب من له عقل ومعرفة أن الصحابة أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأنهم الذين شاهدوا التنزيل، وعلموا التأويل، وأنهم أهل اللغة الفصحاء واللسان العربي، الذين نزل القرآن بلغتهم، وأنهم الراسخون في العلم حقا، وأنهم متفقون على عقيدة واحدة، لم يختلف في ذلك اثنان، ثم التابعون بعدهم سلكوا سبيلهم، واتبعوا طريقهم، ثم الأئمة الأربعة، وغيرهم مثل الأوزاعي والسفيانين وابن المبارك وإسحاق، وغيرهم من أئمة الدين الذين رفع الله قدرهم بين العالمين، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين، كل هؤلاء على عقيدة واحدة مجمعون، ولكتاب ربهم وسنة نبيهم متبعون، ثم بعد معرفته لهذا وإقراره يقوم في قلبه أن عقيدة الخلف أعلم وأحكم من طريقة السلف؟! فسبحان من يحول بين المرء وقلبه، فيهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .
وكيف يكون الخالفون أعلم من السابقين؟! بل من زعم هذا فهو لم يعرف قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين حقيقة المعرفة المطلوبة، فإن هؤلاء الذين يفضلون طريقة الخلف إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم:
стр. 106
﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] .
وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع الاحتمالات وغرائب اللغات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة كما قدمناه، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف، وكيف يكون الخلف أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان من أهل العلم والإيمان، الذين هم أعلام الهدى ومصابيح الدجى؟ فنسأل الله ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا ولإخواننا المسلمين من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب.
وإنما ذكرنا هذا في أثناء كلام أبي الحسن الأشعري، لأن أهل التأويل اليوم الذين أخذوا بطريقة الخلف ينتسبون إلى عقيدة الأشاعرة، فيظن من لا علم عنده أن هذا التأويل طريقة أبي الحسن الأشعري، وهو ﵁ قد صرح بأنه على طريقة السلف، وأنكر على من تأول النصوص كما هو مذهب الخلف، وذكر أن التأويل مذهب المعتزلة والجهمية.
قال الإمام الذهبي في كتاب (العلو) : قال الأستاذ أبو القاسم
стр. 107
القشيري: سمعت أبا علي الدقاق، يقول: سمعت زاهر بن أحمد الفقيه، يقول: مات الأشعري ﵀ ورأسه في حجري، فكان يقول شيئا في حال نزعه: لعن الله المعتزلة موهوا ومخرقوا.
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتاب (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري) :
فإذا كان أبو الحسن ﵀ كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد مستصوب المذهب عند أهل المعرفة والانتقاد، موافقة في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في مذهبه غير أهل الجهل والعناد، فلا بد أن يحكى عنه معتقده على وجهه بالأمانة ليعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة، فاسمع ما ذكره في كتابه (الإبانة) فإنه قال:
الحمد لله الواحد العزيز، الماجد المتفرد بالتوحيد، المتمجد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، وليس له مثل ولا نديد.
وساق خطبة رد فيها على المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، وبين فيها مخالفة المعتزلة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة، إلى أن قال:
فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة - فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون؟
قيل له: قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما وري عن الصحابة
стр. 108
والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين.
وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله إله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله؛ وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وأن له وجها كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ، وأن له يدين كما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائده: ٦٤] ، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] ، وأن من زعم أن اسم الله غيره
стр. 109
كان ضالا، وأن الله علما كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] ، ونثبت لله قدرة، ونثبت له السمع والبصر، ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والخوارج والجهمية.
ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وإنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله، وإن أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة له؛ كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ، وإن الخير والشر بقضاء الله وقدره.
ونقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن من قال بخلق القرآن كان كافرا، وندين أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ .
ونقول: إن الكافرين؛ إذا رآه المؤمنون - هم عنه محجوبون؛ كما قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] .
ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا،
стр. 110
وندين أن الله تعالى مقلب القلوب، وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع كما جاءت الرواية به عن رسول الله ﷺ ، وأن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، ونصدق جميع الروايات التي رواها أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا، وأن الرب يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل، ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله ما لا نعلم.
ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، وإن الله يقرب من عباده كيف شاء؛ كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨] .
إلى أن قال: ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء، ونحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه بابا وشيئا شيئا.
ثم قال ابن عساكر: فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه. انتهي.
следующие страницы →