← Акыда

Акыда · id 858

شرح منظومة الإيمان

عصام البشير المراكشي

Полный текст (213 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

هذا عن الشروط، أما الموانع فقد ذكرت في النظم أربعة منها -وهي أهمها- وهذا أوان الشروع في الكلام عليها. قلت في النظم: مثل ثبوت خطأ اللسان أو التأول مع البرهان وهو الذي قواعد الكلام تسيغه وشرعه الإسلام كما أتى الأثر عن قدامه في ظنه الشرب بلا ملامه ليس كتأويلات أهل الزندقة كقول إبليس ومن قد وافقه الشرح: (مثل) أي: أن من أمثلة الموانع المعتبرة في باب التكفير ما سيأتي ذكره. فالمانع الأول هو تأكد (ثبوت خطأ اللسان) أي الخطأ المؤدي إلى سبق اللسان، بالنطق بالكفر من غير تعمد. والمانع الثاني ما ذكرته بقولي (أو التأول) وسيأتي تعريفه (مع البرهان) وهو الدليل الشرعي الواضح. (وهو) أي التأول المقبول مانعا من موانع التكفير، (الذي قواعد الكلام) العربي (تسيغه) أي تجيزه (و) كذلك تسيغه (شرعة) أي شريعة (الإسلام) أي أدلة الكتاب والسنة، بفهم سلف هذه الأمة. (كَ) أي مثال التأول المانع من التكفير (ما أتى) به (الأثر) الصحيح (عن قدامه) بن مظعون (في ظنه الشربً) أي جواز شرب الخمر (بلا ملامه) أي بلا مؤاخذة ولا حساب متأولا في ذلك، كما سيأتي. (ليس كتأويلات أهل الزندقة) من الملاحدة والباطنية وغلاة الشيعة والصوفية، (كقول إبليس) ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة على الصحيح، والمقصود قوله "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" (و) مثله في الحكم (من قد وافقه) في مثل هذا التأويل الباطل. -

стр. 107

المانع الأول: الخطأ وعدم القصد إلى الفعل (١) ، كأن يسبق لسانه إلى كلمة كفر لم يقصد النطق بها، ولا كان متعمدا لذلك. وهذا مانع معتبر شرعا لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ، ولما جاء في الحديث: " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٢) ، ولحديث الرجل الذي أضل راحلته وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها بعد أن أيس من الحياة، قال: " اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، قال النبي ﷺ :" أخطأ من شدة الفرح" (٣) . وأمثلة الخطأ في القول والفعل التي يمكن ذكرها في هذا المقام كثيرة جدا. والله أعلم. المانع الثاني: التأول. التأول هو الخطأ في فهم دلالة النص الشرعي، بإنزال بعض النصوص في غير محلها، أو إخراجها عن مدلولاتها الصحيحة التي تشهد لها النصوص الأخرى وقواعد اللغة والشرع. فمن استحل حراما أو حرم حلالا، أو وقع في كفر وهو يحكم عليه بأنه ليس كفرا، وكان في هذا كله متأولا تأولا مستساغا في الجملة، امتنع تكفيره حتى تقام عليه الحجة الشرعية، فإن أصر على ما هو فيه من الباطل. وقع عليه حكم التكفير. وما يقتضيه من الأحكام الشرعية الدنيوية.

стр. 108

والدليل على هذا الأصل العظيم حادثة قدامة بن مظعون المشار إليها في النظم، وحاصلها أن قدامة وطائفة معه شربوا الخمر وتأولوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، فلما بلغ الخبر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ استشار الصحابة في ذلك، ثم وقع إجماعهم على رأي علي بن أبي طالب ﵁ وهو أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا. وأرسل عمر لقدامة يقول له:" اخطأت استك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر" (١) . ووجه الدلالة من هذه القصة أن الصحابة أجمعوا- والإجماع حجة شرعية كما هو معلوم - على عدم إقامة حد الردة- وهو القتل- على قدامة ومن معه، رغم كونهم وقعوا في الكفر، الذي هو استحلال شرب الخمر. والمانع من إلحاق حكم الكفر بهم هو تأولهم الآية القرآنية المذكورة على غير وجهها، وهو تأول سائغ في الجملة، وإن كان باطلا كما لا يخفى من تأمل سبب نزول الآية وما ذكره فيها أئمة التفسير. ثم إن الصحابة أجمعوا أيضا على أن هؤلاء المستحلين، لو أصروا على الاستحلال بعد إقامة الحجة عليهم، لوجب إقامة الحد عليهم. وهذا الإجماع المذكور ليس خاصا بالصحابة، فقد قال شيخ الإسلام ﵀:" وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك" (٢) . ولعل مستند هذا الإجماع النصوص الدالة على رفع المؤاخذة عند الخطأ، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ وغيرها، والله أعلم.

стр. 109

وفي تقرير هذه القاعدة ودليلها يقول ابن تيمية ﵀: " ... أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئد، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل" (١) . ويقول في موضع آخر، يجمع فيه جل موانع التكفير:" والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ﷺ ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بلإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا" (٢) . ولكن هذا التأويل لا يكون مانعا من التكفير إلا إن كان سائغا ومقبولا في الجملة، وذلك بأن تجيزه قواعد اللسان العربي، وبأن يكون له وجه معتبر في قواعد الشرع. يقول الحافظ ابن حجر ﵀: " قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم، إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم" (٣) . فإن عدم أحد هذين الشرطين، لم يمنع التأويل تنزيل حكم الكفر. لذلك أجمع أهل العلم على تكفير الباطنية ومن نحا نحوهم من الروافض وغلاة الصوفية والقرامطة، وأهل الإلحاد والزندقة وأصحاب المقالات الإبليسية، مع أنه لا تخلو طائفة من هذه الطوائف من تأويلات للنصوص الشرعية، ولكنها تأويلات باطلة غير مقبولة.

стр. 110

ومن أمثلة هذه التأويلات ما ينقله أبو حامد الغزالي في " فيصل التفرقة"، إذ يقول: " ولابد من التنبيه على قاعدة وهو أن المخالف قد يخالف نصا متواترا، ويزعم أنه مؤول، مثاله: ما في كلام بعض الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها، وعالم بمعنى أنه يعطي العلم لغيره ويخلقه، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، وأما أن يكون واحدا في نفسه، وموجودا وعالما على معنى اتصافه فلا، وهذا كفر صراح، لأن حمل الوحدة على اعطاء الوحدة ليس من التأويل في شيء، ولا تحتمله لغة العرب أصلا ... فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبر عنها بالتأويلات" (١) . وبالجملة، فإن تأويلات الباطنية وأضرابهم، مما يطول تتبعه، وفيما ذكرت آنفا غنية وكفاية. والله أعلم. ??? قلت في النظم: أو عن بلاد شرعنا قد بعدا وإن أتى الدواهي العظاما إذ كل قادر ملوم، فافهم ومن يكن حديث عهد بالهدى يعذرْ بجهله فلا ملاما وشرطه عجز عن التعلم الشرح: (ومن) اسم شرط جازم، يجزم فعلين (يكن) فعل الشرط مجزوم (حديث عهد بالهدى) أي بالإسلام أي لم يسلم إلا من مدة قريبة (أو) يكن (عن بلاد شرعنا) معاشر المسلمين (قد بعدا) أي: كان يعيش في منطقة بعيدة عن البلاد التي تستفيض فيها المعرفة بشعائر الإسلام (يعذر) جواب الشرط مجزوم (بجهله فلا ملاما) ولا حساب ولا مؤاخذة، وألف "ملاما" لإطلاق القافية. (وإن أتى) أي: قال أو فعل (الدواهي) جمع داهية، وهي الطامة والمصيبة (العظاما) نعت للدواهي. (وشرطه) أي: شرط العذر بالجهل هو (عجز عن التعلم) أي: عدم القدرة على دفع الجهل عن نفسه، ثم ذكرت العلة بقولي: (إذ كل قادر ملوم) ومحاسب، لأن القدرة مناط التكليف، (فافهم) تكملة للبيت. المانع الثالث: الجهل.

стр. 111

اعلم أن العذر بالجهل من المسائل الخطيرة، التي كثر حولها القيل والقال، وتنازع فيها الناس في الآونة الأخيرة ما بين مفْرِط ومفَرِّط، وبين غال ومقصر. وهذا الخلاف ليس نظريا فحسب، بل هو مما يترتب عليه آثار وخيمة، وتفرق عملي في تشخيص أمراض المجتمعات والدول وفي اقتراح الحلول الناجعة، وأمثل الطرق للتغيير والعلاج. والحق، أن قسطا وافرا من الخلاف راجع إلى غياب أو قصور في عملية التأصيل الشرعي (١) ، وهذا عيب عند كثير من المنتسبين إلى العمل الإسلامي، كما لا يخفى على المتأمل. وسوف أكتفي في هذه الورقات بالكلام على هذا الموضوع، من أهم جوانبه وأخطرها، دون التطرق إلى التفاصيل، ولا الإكثار من النقول والاستدلالات، لئلا أخرج عن المقصود. دليل اعتبار العذر بالجهل: دلت على كون الجهل مانعا من موانع التكفير- بل من لحوق الوعيد بالمعين عموما- أدلة كثيرة من النصوص وقواعد الشرع، وسوف أجتزئ هنا بذكر أشهرها وأظهرها: حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن رجلا لم يعمل خيرا قط فقال لأهله إذا مات فأحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، فلما مات الرجل، فعلوا به كما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، فإذا هوقائم بين يديه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله له" (٢) .

стр. 112

قال شيخ الإسلام ﵀: " ... وكنت دائما أذكر هذا الحديث. فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك" (١) . حديث ذات أنواط، وهو عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ :" الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو اسرائيل لموسى ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ، لتركبن سنن من كان قبلكم" (٢) . والحديث واضح في المراد، فالرسول ﷺ لم يكفر هؤلاء الصحابة الذي نطقوا بهذا القول الكفري، وذلك لحداثة عهدهم بالكفر وجهلهم بأصول دين الإسلام.

стр. 113

ج- حديث حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال:" يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويسري على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لاإله إلا الله، فنحن نقولها" فقال صلة بن زفر لحذيفة: فما تغني عنهم لاإله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، فرددها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال:" يا صلة! تنجيهم من النار، تنجيهم من النار" (١) . قال ابن تيمية ﵀: " وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف" ثم ذكر حديث حذيفة السابق (٢) . وهنالك أدلة أخرى كثيرة، لا داعي لبسطها هنا. بعض الحالات التي يعذر فيها بالجهل: ذكر أهل العلم حالات خاصة محدودة يعذر فيها بالجهل، والضابط فيها جميعها هو عدم التمكن من التعلم، ويمكن إضافة حالات أخرى متى توفر الضابط المذكور.

стр. 114

- فمن هذه الحالات حداثة العهد بالكفر، كما جاء في حديث ذات أنواط الذي سبق ذكره. يقول شيخ الإسلام ﵀:" لكن من الناس من يكون جاهلا ببعض هذه الأحكام جهلا يعذر به، فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ، ولهذا لو أسلم رجل، ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أو لم يعلم أن الخمر حرام، لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا، وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية" (١) . ويقول ابن حزم ﵀: " ولا خلاف في أن امرءا لو أسلم- ولم يعلم شرائع الإسلام- فاعتقد أن الخمر حلال، وأن ليس على الإنسان صلاة، وهو لم يبلغه حكم الله تعالى لم يكن كافرا بلا خلاف يعتد به، حتى إذا قامت عليه الحجة فتمادى حينئذ بإجماع الأمة فهو كافر" (٢) . -ومنها أن ينشأ في منطقة نائية، أو بادية بعيدة، لا تشتهر فيها شرائع الإسلام ولا تظهر فيها أصوله، ثم هو مع ذلك لا يستطيع- لمانع شرعي معتبر- أن يرحل إلى البلاد التى يمكنه فيها أن يتعلم دين الإسلام. - ومنها أن يكون مصابا بعاهة بدنية تعوقه عن تعلم أصول الدين وشرائعه. ويستأنس في هذا الباب بحديث الأربعة الذين يحتجون يوم القيامة وهم كما في الحديث:" رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة " الحديث (٣) . - ومنها اندراس العلم وذهابه، فيعذر العبد بما لم يبلغه من الدين، كما في حديث حذيفة الذي سبق ذكره، وفيه مجادلة صلة بن زفر له. فهذه بعض الحالات التي تكلم عليها العلماء، "وليقس ما لم يقل". ٣- شرط اعتبار الجهل مانعا من التكفير:

стр. 115

اعلم أن التكليف عموما منوط بالقدرة كما هو مقرر في علم أصول الفقه. وعليه فإن العاجز عن دفع الجهل عن نفسه عن طريق التعلم، معذور بجهله، بخلاف المتمكن من التعلم، فإن جهله لا يمنع من تكفيره، إذ هو علامة على صده عن دين الله تعالى، وإعراضه عن الحق والهدى. يقول العلامة القرافي المالكي ﵀: " القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه، لا يكون حجة للجاهل، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسائله، وأوجب عليهم كافة أن يعلموها، ثم يعملوا بها، فالعلم والعمل بها واجبان، فمن ترك التعلم والعمل، وبقي جاهلا فقد عصى معصيتين لتركه واجبين" (١) . ويقول ابن حزم ﵀ مبينا وجوب السعي في طلب الواجب العيني من العلم الشرعي: " وأما من بلغه ذكر النبي محمد ﷺ وما جاء به، ثم لم يجد في بلاده من يخبره عنه ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرىء فيها الحقائق ولولا إخباره ﵇ أنه لا نبي بعده، للزمنا ذلك في كل من نسمع عنه أنه ادعى النبوة" (٢) . ويقول شيخ الإسلام ﵀ مقيدا العذر بالجهل بالشرط الذي ذكرت آنفا:" ... إن هذا العذر لا يكون عذرا إلا مع العجز عن إزالته، وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصر فيها لم يكن معذورا" (٣) . ويقول العلامة الأصولي المفسر محمد الأمين الشنقيطي ﵀:" ... وأما القادر على التعلم المفرِّطُ فيه، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور" (٤) . وبالجملة، فإن هذا القيد مما لا ينبغي أن يقع حوله أدنى خلاف، لكثرة القواعد والأدلة التي تشهد له. قلت في النظم: وحجة الله على العباد رسالة التوحيد والرشاد أتى بها الرسْل دعاة الحق أهل الكمال والتقى والصدق فلا تقوم حجة الخلَّاق بفطرة أو عقلِ اَو ميثاق والجهل في مسائل التوحيد معتبر في المذهب الرشيد

стр. 116

الشرح: لما تكلمت على العذر بالجهل فيما سبق، وكان هذا الجهل لا يرفع إلا بعد بلوغ الحجة الرسالية، تكلمت هنا على هذه الحجة، وما يلحق بذلك من مسائل هامة، فقلت: (وحجة الله) تعالى (على العباد) أجمعين هي (رسالة التوحيد والرشاد) التي (أتى بها) من عند الله (الرسْل) الكرام (دعاة الحق) وحملة لوائه و (أهل الكمال) في الجنس البشري، (والتُّقى) مصدر اتقى يتقي (والصدق) وغير ذلك من أنواع الكمالات الإنسانية، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. (فلا تقوم حجة الخلاق) على عباده (بفطرة أو عقل اَو) بتخفيف الهمزة للوزن (ميثاق) وسيأتي تعريفها، وبيان عدم صلاحيتها لأن تكون حججا مستقلة. (والجهل في مسائل التوحيد) بقيود مسطرة في مواضعها، (معتبر في المذهب الرشيد) الصحيح، خلافا لمن أطلق القول بعدم العذر بالجهل في أصل التوحيد. والكلام على هذا المبحث يكون من خلال المسائل التالية: المسالة الأولى: الحجة الرسالية: الحجة في اللغة البرهان، والمقصود به هنا الدليل الذي متى قام على المكلف الواقع في الكفر ارتفع عنه الجهل المانع من تكفيره.

стр. 117

وقد اختلف الناس في هذه الحجة بم تقوم؟ واتفق أهل السنة على أنها لا تقوم إلا ببلوغ الخطاب الشرعي السمعي عن طريق المرسلين. وأدلة ذلك من الكتاب والسنة كثيرة جدا. فمنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقوله: ﴿لئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ وقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ وقوله جل ذكره: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

стр. 118

وإنما أكثرت من نقل الآيات القرآنية الدالة على هذا الأصل السُّنِّي، خلافا للمعهود في هذا الكتاب، دفعا لما يمكن أن يتوهم من أن هذا الأصل لا تشهد له سوى آية سورة الإسراء، فتردَّ دلالتها بنوع من التأول. والحق - كما رأيت - أن الآيات في هذا الباب كثيرة جدا، وواضحة الدلالة على المقصود. ومن الأدلة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار " (١) . قال العراقي في "طرح التثريب": " ومفهومه أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور على ما تقرر في الأصول أن لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح" (٢) . وعلى العموم فهذا أصل مقرر عند أهل السنة والجماعة، كما ينقله اللالكائي. وغيره من أئمة أهل السنة. ويقول شيخ الإسلام ﵀:" وهذا أصل لابد من إثباته، وهو أنه قد دلت النصوص على أن الله لايعذب إلا من أرسل إليه رسولا تقوم به الحجة عليه.- ثم ذكر ﵀ مجموعة من الآيات القرآنية التي ذكرتها آنفا، ثم قال: وإذا كان كذلك فمعلوم أن الحجة إنما تقوم بالقرآن على من بلغه كقوله: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ، فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت الحجة بما بلغه دون ما لم يبلغه" (٣) . ويقول ابن القيم ﵀:" وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل" (٤) . المسألة الثانية: صفة إقامة الحجة الرسالية:

стр. 119

لما كانت الفائدة من إقامة الحجة هي رفع الجهل عن المعين، وإبلاغه الخطاب الشرعي الذي يكفر مخالفه، وجب أن يتوفر فيها من الشروط ما تكون به قاطعة لكل شبهة، ودافعة لكل احتمال وهذا أمر يختلف بحسب الأحوال والأشخاص والأمكنة والأزمنة وغير ذلك، لذلك يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:" إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لايفهم الخطاب، ولم يحضر ترجمان يترجم له" (١) . والضابط في هذا الباب هو بلوغ الحجة للمكلف على وجه يمكنه به فهمها (٢) . وذلك بأن تكون بلغته، اقتضى ذلك ترجمة معاني القرآن والحديث، كما يقول شيخ الإسلام ﵀:" ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ القرآن لفظه ومعناه، وكما أمر بذلك الرسول ولا يكون تبليغ رسالة إلا كذلك، وأن تبليغه إلى العجم قد يحتاج إلى ترجمة لهم، فيترجم لهم بحسب الإمكان. والترجمة قد تحتاج إلى ضرب أمثال لتصوير المعاني، فيكون ذلك من تمام الترجمة" (٣) .

стр. 120

وكذلك ينبغي أن تكون الحجة بينة واضحة قاطعة للشبهة، وهذه صفة ما جاء به المرسلون، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ، وقوله جل ذكره: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ، وغير ذلك من الآيات. يقول ابن تيمية عليه رحمة الله: " وقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ ، قد علم أن المراد أنه يسمعه سمعا يتمكن معه من فهم معناه، إذ المقصود لا يقوم بمجرد سمع لفظ لا يتمكن معه من فهم المعنى، فلو كان غير عربي لوجب أن يترجم له ما تقوم به عليه الحجة، ولو كان عربيا وفي القرآن ألفاظ غريبة ليست من لغته، وجب أن نبين له معناها، ولو سمع اللفظ كما يسمعه كثير من الناس ولم يفقه المعنى وطلب منا أن نفسره له ونبين له معناه، فعلينا ذلك. وإن سألنا عن سؤال يقدح في القرآن أجبناه عنه، كما كان النبي ﷺ إذا أورد عليه بعض المشركين أو أهل الكتاب أو المسلمين سؤالا يوردونه على القرآن، فإنه كان يجيبهم عنه" (١) . فظهر من هذا الكلام النفيس، أن فهم الحجة شرط في صحة قيامها على المكلف. والمقصود بفهمها معرفة المعنى المراد منها، وتمام الإدراك لها ولما يراد منها، أما الفهم بمعنى القبول والانقياد والإذعان، فلا يشترط في إقامة الحجة. وعلى هذا المعنى الثاني لفهم الحجة ينبغي أن يتنزل تفريق كثير من علماء الدعوة النجدية بين بلوغ الحجة وفهمها، وقولهم أن من بلغته الحجة قامت عليه وإن لم يفهمها. أما المعنى الأول للفهم، فلا ينبغي أن ينازع أحد من أهل العلم في كونه شرطا في قيام الحجة. المسألة الثالثة: هل تقوم الحجة بمجرد العقل؟

стр. 121

هذه المسألة هي المشهورة في كتب الأصول والعقائد بمسألة التحسين والتقبيح العقليين، وهي من المباحث العظيمة التي اشتد حولها الخلاف أولا بين المعتزلة والأشاعرة، ثم ظهرت إضافات علمية لفرق أخرى. ومجمل الخلاف فيها يدور حول نقطتين اثنتين: الأولى: هل العقل يصلح أن يكون سبيلا لإدراك الحكم؟ الثانية: هل إدراك العقل للحكم-على فرض إمكانه- مناط للتكليف؟ أما النقطة الأولى فحاصل الخلاف فيها بين مختلف الطوائف يرجع إلى أقوال ثلاثة: المعتزلة ومن نحا نحوهم قالوا إن الفعل إن كانت مصلحته غالبة أو كان مصلحة محضة كان حسنا، وإن غلبت مفسدته أو كان مفسدة محضة كان قبيحا. ويترتب على إدراك الحسن والقبح في الفعل عن طريق العقل، إدراك حكم الله تعالى فيه (١) . الأشاعرة ومن معهم- وهم الذين يسميهم شيخ الإسلام نظار المجبرة- قالوا: ليس في الفعل قبح ذاتي ولا حسن ذاتي، وإنما يأخذ صفة الحسن والقبح بعد حكم الشارع الذي هو السبيل الوحيد لإدراك الحكم. فلو أن الشارع أمر بالزنا أو شرب الخمر لكان ذلك حسنا. الماتريدية قالوا: يوجد في الفعل حسن أوقبح ذاتيان، وقد يدرك العقل هذا الحسن والقبح استقلالا عن الشارع. وهذا المذهب الثالث- الذي هو قول أهل السنة كما نقله عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم في مواضع متفرقة من كتبهما- غير مشهور في كتب أصول الفقه، ويهمله كثير من المؤلفين فيه، وقد عاتبهم على هذا الإهمال الشيخ بخيت مطيعي في "سلم الوصول". أما النقطة الثانية ففيها قولان اثنان: الأول هو قول المعتزلة وعندهم أن الإدراك العقلي مناط التكليف، أي: أن الناس محاسبون بمقتضى عقولهم. والثاني قول أهل السنة ومن معهم وهو أن الحساب والعقاب لايكون إلا بعد بلوغ الحجة الرسالية، للأدلة التي سقتها فيما سبق.

стр. 122

فالحاصل أن المذهب الحق الذي "يخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين" (١) ، هو أن العقل يمكنه أن يستقل بإدراك الحسن والقبح الذاتيين في الأفعال، ولكن لاعقاب ولاحساب قبل ورود الشرع. ويترتب على الخلاف السابق، الخلاف في أهل الفترات ومن في حكمهم، أو في حال غياب المجتهدين (٢) ، فعند المعتزلة يكلف الناس في هذه الحالات بمقتضى العقل، ويتفرع على ذلك آثار كثيرة جدا. المسألة الرابعة: هل تقوم الحجة بالفطرة أوالميثاق؟ المقصود بالفطرة ما يولد عليه الإنسان، كما في قوله ﵊: " ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة- راوي الحديث- اقرؤوا: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ " (٣) .

стр. 123

والذي عليه عامة السلف - كما ينقله ابن القيم ﵀ – أن الفطرة التي يولد عليها الإنسان هي دين الإسلام. والدليل على ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث السابق:" ما من مولود إلا وهو على الملة" (١) ، قال ابن القيم:" فهذا صريح في أنه يولد على ملة الإسلام، كما فسره ابن شهاب راوى الحديث، واستشهاد أبي هريرة بالآية يدل على ذلك " (٢) . ويدل أيضا على أن الفطرة هي الإسلام حديث عياض بن حمار المجاشعي عن النبي ﷺ ، فيما يروي عن ربه ﵎:" إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" (٣) . فهذا صريح في أن العباد كلهم مخلوقون على الحنيفية، وهذا يدل على أن الفطرة هي دين الإسلام.

стр. 124

وأما الميثاق فهو ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ، وجاء في الصحيحين من حديث أنس مرفوعا: " يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لوكان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به، قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لاتشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي" (١) . وقد جاء في السنة تفسير الاية السابقة، وبيان كيفية أخذ الميثاق على بنى آدم، وذلك في الحديث الصحيح: " أخذ الله ﵎ الميثاق من ظهر آدم بنَعمان يعني عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا، قال: ألست بربكم.. (٢) ونظم ذلك الشيخ حافظ حكمي ﵀ بقوله: أخرج فيما قد مضى من ظهر ... ... ... آدم ذريته كالذر وأخذ العهد عليهم أنه ... ... ... لارب معبود بحق غيره. وقد سوى كثير من أهل العلم بين الميثاق والفطرة وعدوهما أمرا واحدا، وقال البعض بالفرق بينهما، وهذا هو الأظهر من سياق الأحاديث المفسرة للميثاق، والله أعلم. إذا علم هذا، فإن الفطرة والميثاق لا يصلح أي منهما لأن يكون حجة مستقلة على العباد، والدليل على ذلك (٣) :

стр. 125

١- قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ قال الإمام محمد بن نصر المروزي منكرا على من زعم أن الميثاق حجة:" زعم أن الفطرة التي أخبر النبي ﷺ بأن كل مولود يولد عليها هي خلقه في كل مولود معرفة بربه وزعم أنه على معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الآية، قال محمد بن نصر: " قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ فزعم هذا أنهم يعرفون أعظم الأشياء وهو الله تعالى، فمن أعظم جرما وأشد مخالفة للكتاب ممن سمع الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ فزعم أنهم يعلمون أعظم الأشياء؟ وهذا هو المعاند لرب العالمين والجاهل بالكتاب" (١) . ٢- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ ، ووجه الدلالة منها ظاهر. ٣-الآيات التي سبق نقلها في المسألة الأولى، للاستدلال على الحجة الرسالية. قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀:" والآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأن الله تعالى لا يعذب أحدا حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فإنه قال فيها: حتى نبعث رسولا، ولم يقل حتى نخلق عقولا، وننصب أدلة، ونركز فطرة" (٢) .

стр. 126

فتبين إذن أن الفطرة والميثاق ليست حجة مستقلة، وأنه لابد من الحجة الرسالية التي جاء بها الرسل مذكرين بتلك الفطرة وذلك الميثاق، كما في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ . قال حافظ حكمي ﵀: وبعد هذا رسله قد أرسلا ... ... ... لهم وبالحق الكتاب أنزلا لكي بذا العهد يذكروهم ... ... ... وينذروهم ويبشروهم قال ابن تيمية ﵀:" ولهذا كانت الرسل إنما تأتي بتذكير الفطرة ما هو معلوم لها، وتقويته وإمداده ونفي المغيِّر للفطرة، فالرسل بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها، لابتغيير الفطرة وتحويلها" (١) . فتقرير الفطرة هو التذكير بها، وتكميلها هو تفصيل الشرائع وحقوق الله على عباده. المسألة الخامسة: هل يعتبر العذر بالجهل في أصل التوحيد؟ قدمت في الفقرات السابقة أدلة عديدة على اعتبار الجهل مانعا من موانع التكفير. وهي أدلة واضحة في العذر بالجهل ولو في أصل التوحيد، وذلك مثل حديث ذات أنواط، فقد طلب فيه هؤلاء الصحابة حدثاء العهد بالكفر، أمرا هو ناقض لأصل التوحيد وداخل في باب الشرك الأكبر، ولم يكفرهم النبي ﷺ لأجل جهلهم. ومثله حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الرياح، شكا في قدرة الله جل ذكره على بعثه وإحيائه، وهذا كفر بين وناقض لأصل التوحيد وفيه إنكار للبعث بعد الموت ولعموم قدرة الله التي هي إحدى أبرز وأجلى صفات الله ، ومع ذلك فإن الله تعالى عذره بجهله ودل حديث حذيفة على أن الذين يتركون الصلاة والصيام والصدق في زمان اندراس العلم وذهاب أهله، يعذرون بجهلهم، وينجون من النار بمجرد كلمة لاإله إلا الله، مع أن ترك الصلاة والصيام والصدقة كفر مخرج من الملة كما سبق في مسألة ترك جنس العمل في الفصل الأول من هذا الكتاب.

стр. 127

كما ذكرت في المسائل الأربعة الأولى من هذا المبحث، أن حجة الله البالغة على عباده لا تقوم إلا بالرسالات وأن العقل لا يصلح حجة سواء في أصل التوحيد أو في فروعه، وأن الميثاق والفطرة حجتان ناقصتان محتاجتان إلى التذكير بهما عن طريق الحجة الرسالية. فنخلص من هذا كله إلى أن إطلاق القول بعدم العذر بالجهل في أصل التوحيد، وإن كان يقول به بعض أهل العلم المتأخرين (١) ويتبعهم على ذلك بعض المعاصرين، مذهب غير صحيح وليس عليه من البراهين والحجج ما يقوى على مناطحة الأدلة والنصوص المتظافرة التي قدمت بعضها فيما سبق. نعم، يمكن حمل كلام هؤلاء العلماء على أنهم لايعذرون بالجهل في مسائل التوحيد المعلومة من الدين بالضرورة أو التي استفاضت تفاصيلها واشتهرت، وبالنسبة للذين من شأنهم أن يكونوا عالمين بهذه المسائل، بأن يتوفر فيهم ضابط التمكن من العلم الذي ذكرته آنفا. فمثلا، من كان يعيش في بلاد الإسلام، ولم يكن حديث عهد بالكفر، وكان كامل الحواس متمكنا من سماع العلم وفهمه، فإنه لايعذر بالجهل إذا وقع في عبادة الكواكب والأصنام، أو سب الله غز وجل، أو استهزأ بالنبي ﷺ أو غير ذلك مما لايتصور فيه حدوث الجهل به. وهذا في حقيقة الأمر، يؤول إلى الضوابط التي ذكرتها آنفا لصحة العذر بالجهل، وعلى الخصوص ضابط التمكن من العلم.

стр. 128

فإن حُمل كلام هؤلاء الأئمة على هذا المعنى كان صحيحا ولاغبار عليه، وأما إن بقي على إطلاقه فهو زلة خطيرة تفتح الباب على مصراعيه أمام فكر الخوارج ومناهج غلاة التكفيريين، وحسبك بهذه النتيجة خطورة وتهديدا لكيان الأمة. وبالمقابل، فإن فتح باب العذر بالجهل، بقطع النظر عن الضوابط المسطرة فيما سبق، يؤدي إلى تمييع شنيع لباب التكفير. والحق دائما وسط بين أهل الغلو وأهل التقصير. والله أعلم. قلت في النظم: هذا ومن موانع التكفير أن يُكره العبد على المحذور الشرح: المانع الرابع: الإكراه. الإكراه هو إلزام الغير بما يريده (١) . وقد نقل الأصوليون الخلاف في تكليف المكره على مذهبين كبيرين: -مذهب المعتزلة وهو عدم التكليف مطلقا، -ومذهب الأشاعرة وهو تكليفه. والحق أن الأصل في المكره التكليف، ولكن مع تفصيلات: فإذا خالف داعيةُ الإكراه داعيةَ الشرع مثل الإكراه على القتل، فلا خلاف في جواز التكليف به. قال أبو إسحاق الشيرازي ﵀:" انعقد الإجماع على أن المكرَه على القتل مأمور باجتناب القتل والدفع عن نفسه وأنه يأثم إن قتل من أكره على قتله" (٢) . وأما إن وافق داعيةُ الإكراه داعيةَ الشرع كمن أكره بالسيف على قتل حية همَّت بقتل مسلم، أو الإكراه على قتل الكافرالحربي، فهذا هو الذي وقع فيه الخلاف. فالمعتزلة قالوا بامتناع التكليف لأنه لايصح منه إلا فعلُ ما أكره عليه، فلا يبقى له خيرة. وقال الآخرون بجوازه لقدرته على الإمتثال بأن يأتي بالمكرَه عليه لأجل داعي الشرع، كمن أكره على أداء الزكاة فنواها عند أخذها منه. قال الغزالي:" وهذا ظاهر، ولكن فيه غور " (٣) . التفصيل بين أن يكون الفعل المكرَه عليه متعلقا: ا- بحقوق العباد، فالأصل أنه مكلف لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة. وهذا مثل الإكراه على القتل.

стр. 129

ب-بحقوق الله ، فالأصل أنه غير مكلف لأن حقوق الله مبنية على المسامحة. وهذا مثل الإكراه على النطق بكلمة الكفر. والدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . وكذلك قوله : ﴿لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ . قال ابن عباس: التقاة: التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان (١) . وجاء في الحديث: " إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٢) . وقصة عمار بن ياسر، عندما أكره تحت طائلة العذاب على النطق بكلمة الكفر، مشهورة في السيرة. وعليه فمن أظهر الكفر مكرها بلسانه أو جوارحه، وقلبُه مطمئن بالإيمان، فليس عليه من حرج، وهو معذور بسبب الإكراه. هذا وقد ذكر العلماء شروطا للعذر بالإكراه. قال الحافظ في الفتح: " وشروط الإكراه أربعة: - أن يكون فاعله قادرا على إيقاع ما يهدد به والمأمور عاجزا عن الدفع ولو بالفرار. - أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك. - أن يكون ما هدده به فوريا، فلو قال إن لم تفعل كذا ضربتك غدا لايعد مكرها، ويستثنى ما إذا ذكر زمنا قريبا جدا أو جرت العادة بأنه لا يخلف. - أن لايظهر من المأمور ما يدل على اختياره كمن أكره على الزنا فأولج وأمكنه أن ينزع ويقول أنزلت، فيتمادى حتى ينزل " (٣) . كما أن حد الإكراه يختلف الحكم فيه باختلاف النظر في ثلاثة أمور هي (٤) : ١- حال المكرَه (بفتح الراء) .

стр. 130

٢- حال المكرِه (من وقع منه الإكراه) . ٣- الأمر الذي وقع عليه الإكراه. فأما حال المكرَه فلأن الناس يختلفون في قدرات تحملهم، وفي مكانتهم في المجتمع، وما يترتب على إجابتهم من نتائج على الأمة. لذلك لما سئل الإمام أحمد عن العالم وهل له أن يأخذ بالتقية في فتواه أجاب:" إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟ ". فتأمل مقدار فهم هذا الإمام العظيم للأمانة الجسيمة الملقاة على عاتق العلماء، وقارن هذا الموقف الرباني بما يقع فيه كثير من العلماء المعاصرين من تهافت على موائد السلطان، وتكالب على فتات الدنيا، وتطويع للنصوص والقواعد الشرعية الراسخة للأهواء والأمزجة. وصدق عبد الله بن المبارك ﵀ حين قال: وهل أفسد الدين إلا الملوك ... ... وأحبار سوء ورهبانها وأما حال من وقع منه الإكراه فلأن هنالك فرقا بين من يستطيع تنفيذ الوعيد بأن كان ذا سلطان أو من في حكمه وبين من يُعلم عن طريق العادة أنه يكتفي بالتهديد دون تنفيذ.

стр. 131

وأما الأمر الذي وقع عليه الإكراه فلأن الردة تختلف عن المحرَّم المجمع على تحريمه مما هو دون الشرك، وهذا بدوره يختلف عن المحرم المختلف في حرمته, وهكذا. فوجب أن يختلف حد الإكراه في هذه الأمور كذلك. قال شيخ الإسلام ﵀:" تأملت المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكرَه عليه. فليس المعتبر في كلمات الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها. فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب أو قيد. ولايكون الكلام إكراها، وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها أو مسكنها فلها أن ترجع على أنها لاتهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء عشرتها. فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها. (...) ومثل هذا لايكون إكراها على الكفر، فإن الأسير إذا خشي الكفار أن لا يزوجوه أو أن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر" (١) . هذا ومما ينبغي الإشارة إليه، أن الأخذ بالعزيمة والصبر على التعذيب أو القتل أولى من الترخص وإجابة داعية الإكراه، ويدل على هذا قول النبي ﷺ : " سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" (٢) . ويدل عليه أيضا صبر كثير من الصحابة والدعاة والعلماء على مر تاريخ هذا الأمة، وعدم قبولهم بالرخصة، ومازال الناس يثنون عليهم وعلى صبرهم وجهادهم. ولولا فضل الله على هذه الأمة بأن قيض لها أمثال هؤلاء المجاهدين الصابرين المحتسبين، لما استطاع الحق أن يستمر لمدة قرون طويلة غضا طريا، يشق طريقه في عباب الباطل، وبين أمواج الضلال. فهل آن للمسلمين أن يسترجعوا هذا الفهم السلفي الراقي لدين الإسلام، وأن يسستخلصوا ما تبقى لديهم من عز ونخوة من مستنقع التخاذل وحمأة الترخص؟ قلت في النظم:

стр. 132

من يقصدُ الكفر يُكفرُ به حتى وإن لم يقصدِ الكفر به الشرح: (من) اسم موصول بمعنى الذي، في محل رفع على الابتداء (يقصد الكفر) أي يتعمد الوقوع فيه، والجملة الفعلية لامحل لها من الإعراب، صلة الموصول (يكفر به) الجملة في محل رفع خبر المبتدأ، (حتى وإن لم يقصد الكفر به) بأن قصد الفعل وعمد إليه وهو لايقصد الكفر. ذكرت عند الكلام على بعض موانع التكفير، مسألة القصد إلى الفعل وتعمده. وآن الأوان لكي نفرق بين نوعين من القصد أحدهما شرط في الحكم بالتكفير والآخر ليس شرطا. فأما الأول فهو أن يقصد الإنسان إلى الفعل ويتعمده ولايكون مخطئا فيه، فهذا القصد لاشك في اشتراطه لتكفير صاحبه. ومثال انتفاء هذا القصد ما جاء في حديث الرجل الذي أضل راحلته كما سبق بيانه.

стр. 133

وأما الثاني فهو أن يقصد الإنسان الكفرَ بفعله الذي تعمده، فهذا القصد ليس شرطا لتكفير صاحبه، ولايمنع انتفاؤه أو ادعاء انتفائه من المؤاخذة بالفعل المكفر. إذ لو اشترطنا وجود هذا القصد في إلحاق حكم الكفر، لم يعجز أحد من الواقعين في الأقوال والأفعال الشركية أن يعتذر بعدم قصده الكفر بفعله، ولكان ذلك سببا في إغلاق باب التكفير مطلقا. والحق أن كثير من الكفار يعتقدون أنهم على حق فيما يقولونه ويفعلونه، وأنهم لايقصدون الوقوع في الكفر أو الشرك، كما في قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ . قال ابن جرير الطبري ﵀:" وهذا من أدل الدلائل على خطإ قول من زعم أنه لايكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى ذكرُه أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالا، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم، ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لايكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه مثابين مأجورين عليه، ولكن القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة" (١) .

стр. 134

ومن أدلة هذا التفريق قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . قال شيخ الإسلام ﵀:" ... فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرَّم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفرا، وكان كفرا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه" (١) . وقال أيضا في بيان التفريق بين هذين النوعين من القصد:" ... وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كُفر كَفرَ بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرا، إذ لايقصد الكفرَ أحد إلا ما شاء الله" (٢) . ويقول الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح حديث المارقة (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) :" وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام" (٣) . الفصل الثالث: قواعد إجمالية في التكفير: قلت في النظم: تنزيل حكم الكفر في الأعيان أمر عظيم الشأن في الميزان فاحذر وبالغ في احتياط وحذر فمن يكفر مسلما فقد كفر الشرح: (تنزيل حكم الكفر في) أي على (الأعيان أمر عظيم الشأن) والمنزلة (في الميزان) عند الله ، إلى جانب ما يترتب عليه من آثار ونتائج في الدنيا. (فاحذر) يا أخا السنة (وبالغ في احتياط وحذر) عند حكمك بالكفر على المعينين المنتسبين إلى القبلة (فـ) إنه (من يكفرْ مسلما) ثبت إسلامه بيقين ولم ينقضه بكفر صريح (فقد كفر) إلا أن يكون صاحب تأول أو اجتهاد سائغين في الجملة.

стр. 135

اعلم أن الإنسان محاسب أشد ما يكون الحساب على ما ينطقه بلسانه، كما دلت على ذلك آيات وأحاديث كثيرة (١) . فمن ذلك حديث معاذ، وفيه قول النبي ﷺ : " ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم - أو قال مناخيرهم - في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم" (٢) . ومنها ما جاء في الحديث الصحيح:" إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها بأسا فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفا" (٣) . وأخطر ما ينطقه اللسان، ويُخشى على صاحبه من غضب الله ومقته، التكلم في الأعراض، والطعن في المؤمنين، ووصفهم بما ليس فيهم. وقد قال : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ . وقال رسول الله ﷺ :" من قال في مؤمن ما ليس فيه، حبس في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج مما قال" (٤) . وقال أيضا:" إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق" (٥) .

стр. 136

وإن أشنع ما يمكن أن يوصم به الإنسان المسلم، هو اتهامه بالكفر والزندقة، وإخراجه من ملة الإسلام، وقطع أواصر الموالاة بينه وبين بقية المسلمين، وما يترتب على ذلك من أحكام شرعية خطيرة في التوارث والتناكح والدفن والشهادات وعصمة الدم والمال وغير ذلك. ولاشك أن مثل هذا الاتهام إن لم يكن ناشئا عن اجتهاد معتبر أو تأويل سائغ - زلة قدم عظيمة، لايستهين بها إلا من انعدم من قلبه خشية الله ، وافتقد أسباب التقوى والورع. وقد جاء في الحديث الصحيح:" أيُّما رجل قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما" (١) . قال الغزالي في "فيصل التفرقة": " ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف ككافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد" (٢) . وهذا الذي قاله صحيح في الجملة، إلا في حالات خاصة يكون فيها عدم تكفير الكافر سببا في حدوث فتنة عظيمة تعم البلاد والعباد، كما هو مشاهد ومشهور في هذا العصر، فعند ذلك قد ينقلب التفضيل المذكور في كلام الغزالي، مع أن سفك دم المسلم هو- في جميع الحالات- أمر شديد الخطورة والشناعة.

стр. 137

وقد دلت أدلة كثيرة على هذا الأصل العظيم الذي ذكرته. فمنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ . ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ . والآيتان ظاهرتان في وجوب التبين والتثبت، وعدم التسرع في إصدار الحكم على الناس. وبالجملة، فالأدلة على هذا المعنى كثيرة جدا. أما القاعدة التي ذكرتها في النظم وهي أن" من كفر مسلما فقد كفر"، فهي قاعدة صحيحة إجمالا إذا روعي في تنزيلها على الأعيان مجموعة من القيود والتخصيصات. وأصل هذه القاعدة، قوله ﷺ :" إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما" (١) ، وقوله كذلك:" أيما امرىء قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت" (٢) ، وقوله: " من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه" (٣) . وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :" أيما رجل مسلم أكفر رجل مسلما فإن كان كافرا، وإلا كان هو الكافر" (٤) .

стр. 138

وإلى جانب هذه الأحاديث الصريحة الصحيحة، فإن تكفير المسلم فيه تكذيب بخبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ ، ورد على الله تعالى أمره، وكفى بذلك كفرا مستبينا، وضلالا وبيلا. على أن هذا الوعيد لايلحق من اجتهد عن علم وروية، فأخطأ في تكفير أحد المسلمين، ولم يكن مكذبا بحكم الله ورسوله، ولا هازلا خائضا لاعبا. إذ مثل هذا المجتهد المخطىء داخل في عموم قوله ﷺ :" إذا حكم الحاكم فأخطأ فله أجر" (١) ، فالتكفير لايعدو أن يكون حكما من الأحكام الشرعية. وقد حدث في زمن النبي ﷺ وقائع كثيرة تفيد أن المجتهد المخطىء في التكفير لايحور عليه الكفر بل ولا يحاسب على خطئه. ومن الأمثلة قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة في مجلس رسول الله ﷺ : " إنك منافق تجادل عن المنافقين"، وذلك لما ورد في كلام سعد ما يفيد مجادلته عن عبد الله بن أبي بن سلول (٢) . ومنها نبز عمر بن الخطاب حاطبَ بن بلتعة بالنفاق واستئذانه رسول الله صلى الله عيه وسلم في ضرب عنقه في القصة المشهورة قبيل فتح مكة (٣) ، وغير ذلك من الوقائع. والله أعلم. قلت في النظم: ويحرم التكفير بالمآل كذا الذي بلازم الأقوال كذاك تكفير بفعل محتمل غيرِ صريح في المراد لا يحل الشرح:

стр. 139

(ويحرم) على المسلمين (التكفير بالمآل) وسيأتي تعريفه، و (كذا) يحرم التكفير (الذي) هو (بلازم الأقوال) وسيأتي بيانه أيضا، و (كذاك ذكرت في هذين البيتين ثلاث مسائل متعلقة بموضوع التكفير وهي: التكفير بالمآل، والتكفير بلازم القول، والتكفير بالفعل المحتمل. المسألة الأولى: التكفير بالمآل. المقصود بالتكفير بالمآل هو التكفير بما يؤول إليه اللفظ، وما يرجع إليه القول، ومعنى ذلك أن يقول قولا يؤدي - عن طريق مجموعة من الوسائط الاستدلالية - إلى ما هو كفر صريح. فهذا القائل لايجوز تكفيره، إذا كان لايقول بما يؤديه إليه قوله، وهذا حال كثير من أهل البدع والأهواء، كما لايخفى على المتتبع. يقول ابن حزم ﵀:" وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ، لأنه كذب على الخصم، وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غيرالتناقض فقط، والتناقض ليس كفرا بل قد أحسن إذ قد فر من الكفر" (١) . ويقول الشاطبي في الاعتصام:" والذي كنا نسمعه من الشيوخ أن مذهب المحققين من أهل الأصول:" أن الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال"، كيف والكافر؟ ينكر ذلك المآل أشد الإنكار، ويرمي مخالفه به" (٢) . وعلى العموم، فعدم جواز التكفير بالمآل مما لاينبغي أن يقع حوله أدنى خلاف، وكل ظواهر الشرع صريحة في أن المؤاخذة لاتكون إلا بما يقع به التصريح قولا أو فعلا. ويجدر التنبيه إلى أن هذه المسألة هي غير المسألة الأخرى التي يذكرها العلماء بقولهم:" من نوى الكفر في المآل كفر في الحال"، فإن هذه الأخيرة قاعدة صحيحة، أكْثرَ أهل العلم من استعمالها والإشارة إليها فيما دونوه حول الردة وأحكام المرتد، من كتب الفقه. المسألة الثانية: التكفير بلازم القول.

стр. 140

معنى اللازم هو ما يمتنع انفكاكه عن الشيء، واللازم البين هو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما، وأما غير البين فهو الذي يفتقر جزم الذهن باللزوم بينهما إلى وسط. والحق أن الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها دقيق جدا، ويعسر إيجاد الأمثلة المبينة لهذا الفرق. لذلك لم يفرق بينهما كثير من أهل العلم، فعبروا باللازم عن المآل وبالعكس. ولكن التأمل في التعريفين اللذين ذكرت آنفا، يجعلنا نجزم بالفرق مع إقرارنا بدقته وغموضه. ولاشك أن التكفير بلازم القول نوع من الافتراء والبهتان الذي ينبغي التنزه عنه لمصادمته لبدهيات العقول، ولرواسخ القواعد الشرعية، وإن كان بعض الأصوليين يرجح أن لازم المذهب مذهب، على عادتهم في التأصيل النظري المستند على الأدلة العقلية المجردة بعيدا عن تطبيقها الفقهي الواقعي. والحق خلاف هذا القول، كما يقول الشاطبي ﵀:" ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول، والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأي المحققين أيضا أن لازم المذهب ليس بمذهب، فلذلك إذا قرر عليه، أنكره غاية الإنكار" (١) . ويقول الشيخ عبد الرحمان بن ناصر السعدي ﵀:" والتحقيق الذي يدل عليه الدليل أن لازم المذهب الذي لم يصرح به صاحبه ولم يشر إليه، ولم يلتزمه ليس مذهبا، لأن القائل غير معصوم، وعلم المخلوق مهما بلغ فإنه قاصر، فبأي برهان نلزم القائل بما لم يلتزمه، ونقوله ما لم يقله، ولكننا نستدل بفساد اللازم على فساد الملزوم، فإن لوازم الأقوال من جملة الأدلة على صحتها وضعفها وعلى فسادها، فإن الحق لازمه حق، والباطل يكون له لوازم تناسبه " (٢) .

стр. 141

ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تفصيل طيب في هذه المسألة، وحاصله أنه ينبغي التفصيل بين الحالات التالية (١) : الحالة الأولى: أن يكون اللازم حقا، فهذا يجب عليه التزامه، ولا مانع من إضافته إليه إذا علم من حاله أنه لايمتنع من التزامه. الحالة الثانية: أن يكون اللازم باطلا ويلتزمه فهو يعد قولا له. الحالة الثالثة: أن يكون باطلا، فإذا ذكر له منع التلازم بينه وبين قوله، فهذا لاتجوز إضافته إليه لأن ذلك يكون كذبا عليه. الحالة الرابعة: أن يكون اللازم الباطل مسكوتا عنه، فحكمه أن لاينسب إلى القائل، لتطرق الاحتمال إلى إمكانية التزامه هذا القول. والله أعلم. المسألة الثالثة: التكفير بالفعل المحتمل الأفعال المحتملة هي الأفعال التي ليست صريحة في دلالتها على الكفر، ودخول الاحتمال فيها يسقطط الاستدلال بها على كفر صاحبها. ومن هذه الأفعال ما ذكره البخاري في صحيحه، وترجم له بقوله:" باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله" (٢) . فمن صلى إلى القبلة وأمامه شيء مما يعبد ويشرك به كالنار والصنم والقبر، لايكفر يمجرد ذلك، حتى ينظر في قصده، هل يقصد الصلاة لله جل ذكره، أم لذلك المخلوق؟ ولما كانت هذه الأفعال المحتملة غير ظاهرة في الكفر أو عدمه، احتيج إلى ترجيح أحد الطرفين بمرجح معتبر في الشرع، كأن يُسأل الفاعل عن قصده ونيته، وهذا أظهر المرجحات وأحوطها في هذه المسائل الخطيرة التي يترتب عليها آثار وخيمة في الواقع.

стр. 142

لهذا لما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عمن سب شريفا من أهل البيت، فقال:" لعنه الله، ولعن من شرفه"،أجاب ﵀:" وليس هذا الكلام بمجرده من باب السب الذي يقتل صاحبه، بل يستفسر عن قوله: من شرفه، فإن ثبت بتفسيره أو بقرائن حالية أو لفظية أنه أراد لعن النبي ﷺ وجب قتله، وإن لم يثبت ذلك ... لم يكن ذلك موجبا للقتل باتفاق العلماء" (١) . وقد تبين من هذا النقل عن شيخ الإسلام ﵀، أن من المرجحات التي تعين المراد من العمل المحتمل - إلى جانب تبين القصد - النظر في القرائن الحالية أو اللفظية. فإن دلت القرائن مثلا على أن مرتكب الفعل مغموص عليه في النفاق، أو متهم بالابتداع والإلحاد، أو مشار إليه بالزندقة، كان هذا مرجحا قويا لكونه أراد بفعله الكفر، وبالمقابل من كان من أهل الصلاح والتقوى، وكان مشهورا عنه مجالسة الأخيار، والمحافظة على الشرائع، وتعظيم الرب والدين، ترجح عدم إرادته الكفر بفعله المحتمل. وهذا باب طويل الذيل، عظيم النفع، مَن ضبط فروعه وتطبيقاته لم يخش على نفسه من الخطل والزلل. والله الموفق. ??? قلت في النظم: ورغم ما قلت من التحذير لاينبغي الوقوف في التكفير إذا بدا الكفر جليا وظهر من لم يكفر كافرا فقد كفر الشرح: (ورغم ما) أي الذي (قلت) آنفا (من التحذير) الشديد من التسرع في تكفير المعين، قبل التأكد من توفر الشروط وانتفاء الموانع، فإنه (لا ينبغي) أي لايجوز (الوقوف في التكفير) في حالة ما (إذا بدا الكفر جليا وظهر) معطوف على 'بدا'، وتعليل ذلك أنه (من لم يكفر كافرا فقد كفر) وهي إحدى قواعد التكفير المشهورة التي لا ينبغي استخدامها على إطلاقها، بل مع اعتبار مجموعة من القيود والتخصيصات. وقبل ذكر هذه القيود، أشير أولا إلى أن هذه القاعدة قد وردت كثيرا في كلام أهل العلم، واستعملوها في ظروف مختلفة، بل نقلوا الإجماع على صحتها.

стр. 143

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:" ووسم تعالى أهل الشرك بالكفر فيما لا يحصى من الآيات فلابد من تكفيرهم أيضا، هذا هو مقتضى "لاإله إلا الله"، كلمة الإخلاص، فلا يتم معناها إلا بتكفير من جعل لله شريكا في عبادته، كما في الحديث الصحيح:" من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله" (١) . فقوله وكفر بما يعبد من دون الله تأكيد للنفي، فلا يكون معصوم الدم والمال إلا بذلك، فلوشك أو تردد لم يعصم دمه وماله ... " (٢) . ويقول حفيده الشيخ سليمان بن عبد الله صاحب كتاب "تيسير العزيز الحميد" ﵀: " إن كان شاكا في كفرهم أو جاهلا بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على كفرهم، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه كافر بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر ... " (٣) . وقد وردت هذه القاعدة في كلام أهل العلم القدماء، بألفاظ متقاربة، عند بيانهم خطورة بعض الأقوال والأعمال المكفرة، فتجدهم يقولون مثلا: من قال كذا أو فعل كذا فهو كافر، ومن شك في كفره أو لم يكفره فهو كافر. فمن ذلك مثلا قول محمد بن سحنون المالكي ﵀:" أجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ المنتقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر" (٤) . ومنه أيضا قول ابن تيمية ﵀:" أما من اقترن بسبه- أي للصحابة- دعوى أن عليا إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبريل ﵇ في الرسالة، فهذا لاشك في كفره، بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره" (٥) .

стр. 144

ومستند هذه القاعدة، أن من لم يكفر كافرا وهو يعلم أن الله تعالى كفره أو أن رسوله محمدا ﷺ كفره بما لايحتمل تأويلا ولا إجمالا، فإنه يكون رادا لخبر الله ورسوله، وجاحدا لحكم الله وحكم رسوله، وهذا كفر بواح لاخلاف فيه بين أهل العلم كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ . ولكن هذه القاعدة لا تنطبق في حالات معينة، من بينها: أن يكون الشخص جاهلا بحال الكافر، بأن لايعرف شيئا من حاله مطلقا، أو بأن يعرفه ولكن لا يعرف عنه وقوعه في أحد نواقض الإيمان. وهذا الفرض يتصور في الكافر المنعزل عن الناس، وغير المعلن بكفره، أما الكافر الذي يتعدى ضرر كفره إلى غيره، وتعم فتنته البلاد والعباد، فلا يتصور خفاء حاله على أحد. أن يتوقف المجتهد عن تكفير شخص معين لاعتقاده انتفاء شرط في حقه أو قيام مانع من الموانع المعتبرة. فهذا يكون توقفه داخلا في حكم الخطأ في الإجتهاد، ويكون صاحبَ أجر واحد لأجل اجتهاده. ولايخفى أن هذا لايكون إلا لمن يستفرغ جهده في طلب الحق، ولايكون متبعا لهوى أو متعصبا لمذهب. ويدخل في هذا الباب العامي الذي ليست له أهلية الإجتهاد، إذا كان مقلدا لغيره من المجتهدين المخطئين. أن يكون الفعل أو القول مختلفا فيه بين علماء الأمة. ومثاله الخلاف في حكم تارك الصلاة. فمن كان يرى كفره - وهو الصحيح كما سيأتي إن شاء الله- لايجوز له أن يكفر المخالف (١) بزعم أنه لم يكفر الكافر أو توقف في تكفيره. وبالعكس، فمن كان يرى عدم كفر تارك الصلاة- لأدلة شرعية معتبرة- لم يجز له تكفير المخالف بزعم أنه قد كفر مسلما. فهاتان القاعدتان لم يصح تطبيقهما هنا، لعدم تحقق مناطهما وهو تكذيب الله ورسوله، وجحد حكمهما.

стр. 145

وكذلك فإن هذه القاعدة- أقصد قاعدة:" من لم يكفر الكافر أو شك في كفره فهو كافر"- يمكن أن تؤدي عند -أصحاب البضاعة الضحلة في العلم- إلى الوقوع في تسلسل تكفيري خطير، بأن يكفروا من لم يكفر من كفروه، ثم يكفروا من لم يكفر من لم يكفر من كفروه، وهكذا إلى ما لا نهاية!! وهذا التسلسل شبيه بما نقله أبو الحسين الملطي عن المعتزلة، قال:" فأما الذي يكفر فيه معتزلةُ بغداد معتزلةَ البصرة فالقول في الشاك، والشاك في الشاك، ومعنى ذلك أن معتزلة بغداد والبصرة وجميع أهل القبلة لااختلاف بينهم أن من شك في كافر فهو كافر (١) ، لأن الشاك في الكفر لا إيمان له، لأنه لايعرف كفرا من إيمان، فليس بين الأمة كلها - المعتزلة ومن دونهم - خلاف أن الشاك في الكافر كافر، ثم زاد معتزلة بغداد على معتزلة البصرة أن الشاك في الشاك، والشاك في الشاك إلى الأبد إلى مالا نهاية له كلهم كفار وسبيلهم سبيل الشاك الأول " (٢) . وهذا آخر ما أذكره في قواعد التكفير وضوابطه، ثم أنتقل إلى الكلام على بعض أشهر نواقض الإيمان، ومن الله التوفيق. الباب الرابع: نواقض الإيمان قلت في النظم نواقض الإيمان ليست تحصر فلتحفظن منها الذي سأذكر إذ علمنا بهذه النواقض على الجميع أعظم الفرائض الشرح: (نواقض الإيمان) وهي الأمور المكفرة المخرجة لصاحبها من ملة الاسلام (ليست تحصر) بِعَد ولا إحصاء، ولا بجمع ولا استقصاء، ولما كان الأمر كذلك (فلتحفظن منها) يا أخا السنة (الذي سأذكر) هـ، لشدة أهميته وعموم الابتلاء به، (إذ علمنا) نحن معاشر المسلمين (بهذه النواقض) على سبيل الإجمال لجميعها، والتفصيل لبعضها، هو (على الجميع أعظم) خبر المبتدأ (الفرائض) والواجبات العينية، وذلك لأن العلم بهذه النواقض يعصم المسلم من الوقوع في خطرين شرعيين عظيمين:
следующие страницы →