Полный текст (1 553 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
الثقلين، وأفضل خلق الله) .
٥ - وقال إخوان الصفا - من القرامطة الباطنية، الوثنية، القبورية:
стр. 1192
إن الحكماء لما عرفوا أن للعالم صانعاً - طلبوا القربة إليه، والتوسل بصفوة خلقه، وطلبوا الزلفى لديه بتعظيمهم لهم كما يفعل أبناء الدنيا من القربة إلى ملوكهم بالتوسل إليهم بأقاربهم وندمائهم ووزرائهم، وكتابهم، وخواصهم، وقوادهم؛ فهكذا وعلى هذا المثال فعل الحكماء.
اعلم يا أخي، أن أهل المعارف الذين يعرفون الله حق معرفته وهم أولياء الله - فهم لا يتوسلون إليه بأحد غيره، وأما من قصر فهمه ومعرفته - فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه، ورسله، والأئمة، وأوصيائهم، وأولياء الله، فبهم يتقرب إلى الله، وبتعظيمهم، والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء، والصلاة، والصيام عند قبورهم، طلبا للقربة إلى الله والزلفى لديه.
الجواب:
لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة بعدة أجوبة، وجعلوها هباء منثورا.
الجواب الأول:
أن القبورية في تشبثهم بكلمة ((الواسطة)) ملبسون ومدلسون؛ حيث إنهم خلطوا الباطل بالحق؛
стр. 1193
فإن كون الأنبياء ﵈ واسطة بين الله وبين سائر الناس، يحتمل معنى حقاً ومعنى باطلاً؛ فمن أراد أنهم واسطة في تبليغ أوامر الله ونواهيه، وبيان دينه وشرحه وتوضيح ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه - فهذا معنى حق وصواب؛ فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه، وماذا أمر به وماذا نهى عنه إلا بواسطة الرسل ﵈، فإنهم المبلغون عن الله .
وأما من أراد بالواسطة أن الأنبياء والأولياء واسطة بين العباد وبين رب العباد في جلب المنافع، ودفع المضار، والرزق، والنصر، والإغاثة، وكشف الكربات *
والناس يرجعون إلى الأنبياء والأولياء في ذلك، ويسألونهم قضاء الحاجات * وكشف الكربات * ويستغيثون بهم عند نزول النوازل وإلمام الملمات * وينادونهم في غيابهم في الحياة وبعد الممات لجلب الخيرات ودفع الآفات *- (فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين ... فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار:
مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين....
فمن أثبتهم وسائط بين الله وبين خلقه - كالحجاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه -
стр. 1194
وزعم أن الله إنما يرزق العباد بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله - كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك [مباشرة] لكونهم أقرب من الطالب للحوائج - فمن أثبتهم وسائط بين الخلق وبين الله على هذا الوجه - فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل.
وهؤلاء مشبهون لله بالملوك، وشبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أنداداً.
وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا يتسع له هذه الفتوى....
والمقصود أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية، فهو مشرك؛ بل هذا دين المشركين عباد الأوثان) .
قلت:
لقد تبين بهذا أن القبورية يتشبثون بلفظة ((الواسطة)) ، ليتستروا بهذا اللفظ المجمل الذي يحتمل المعنى الحق والباطل، ليخفوا إشراكهم الصريح الذي هو دين المشركين السابقين،
стр. 1195
وهكذا عادة أهل البدع.
فقد صرح علماء الحنفية أيضاً بأن المتكلمين من الماتريدية والأشعرية وغيرهم، تشبثوا بكثير من الألفاظ المجملة التي تحمل حقاً وباطلاً:
كالمكان، والجهة، والحد، والحيز، ونحوها من الألفاظ المجملة الكلامية، وتستروا بها ليخفوا بها تعطيلهم لصفات الله تعالى.
والقاعدة الكلية في ذلك أنه لا يجوز الحكم عليها نفياً أو إثباتاً إلا بعد التفصيل، وتبين المعنى الحق من المعنى الباطل، فيقبل المعنى الحق، ويرد المعنى الباطل، وبذلك ينكشف أمر أهل البدع.
الجواب الثاني:
أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن القبورية في جعلهم الأنبياء والأولياء واسطة بين العباد ورب العباد، كالوزراء والأمراء بالنسبة للملوك لجلب المنافع ودفع المضرات * ليستغيثوا بهم عند الكربات - * مرتكبين للشرك الأكبر الذي كان عليه الوثنية الأولى التي كانت في الأيام الخاليات *
فإن المشركين السابقين كان شركهم هو هذه الواسطة التي هي أصل الوثنيات * وتبعتهم القبورية، فالقبورية والوثنية الأولى في هذه الواسطة من واد واحد.
فمن اتخذ هذه الواسطة فهو كافر مشرك، حلال الدم، يستتاب وإلا
стр. 1196
قتل.
وقد قال كثير من علماء الحنفية: إن المشركين السابقين زعموا أن الله سبحانه في غاية من الرفعة ونهاية في التعالي.
فلا يمكن وصولنا إليه إلا بواسطة عباده المقربين إليه، وقاسوا ذلك على الملوك ووزرائهم قياساً باطلاً.
فقالوا: كما أن الرعية لا يمكن لهم الوصول إلى الملوك إلا بواسطة الوزراء والأمراء - وهم يشفعون للرعية عند الملوك لا يردون شفاعتهم - كذلك لا يمكن لنا الوصول إلى الله تعالى إلا بواسطة أوليائه المقربين عنده، فنحن نلتجئ إليهم في دفع المضرات وجلب الخيرات وهم يقربوننا إلى الله زلفى، ويشفعون لنا عند الله، فالله يقبل شفاعتهم لنا.
فجاءت القبورية فسلكوا مسلك الوثنية الأولى في الواسطة والتوسل * والشفاعة والتوصل * حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة.
والحاصل: أن هذه الواسطة طريقة الكفار والمشركين عباد الأصنام السابقين *.
فمن اتخذ هذه الواسطة فهو مشرك حلال الدم يستتاب وإلا
стр. 1197
قتل، بفتوى الحنفيين *؛ كما سبق آنفاً.
وإليك بعض نصوص علماء الحنفية في إبطال هذه الواسطة، وأن هذه من دين المشركين:
١ -٤- قال الإمام محمد البركوي (٩٨١هـ) ، والعلامتان: نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) ، وشكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ، وشيخ القرآن الحنفي (١٤٠٧هـ) - في بيان إبطال تلك الواسطة الفلسفية، المنطقية، الكلامية، الشركية، وأنها مأخوذة من المشركين السابقين، وأنها هي أصل عبادة الأصنام، وأن هذه الواسطة الفلسفية قد أخذها عنهم أمثال الفارابي (٣٣٩هـ) ، وابن سينا (٤٢٨هـ) ، وغيرهما من المتفلسفة الملاحدة القبورية، الذين يرون حصول المدد ووصول الفيوض من القبور بهذه الواسطة الفلسفية - واللفظ للأول:
(وأما الزيارة البدعية: فزيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف
стр. 1198
بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق، والعافية، والولد، وقضاء الديون، وتفريج الكربات * وإغاثة اللهفات *
وغير ذلك من الحاجات التي كان عباد الأوثان يسألونها من أوثانهم [المعبودات *] فليس شيء من ذلك مشروعاً باتفاق أئمة المسلمين *؛ إذ لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من الصحابة والتابعين وسائر أئمة الدين * بل أصل هذه الزيارة البدعية الشركية -[التي دان بها القبورية الطغام *] مأخوذة عن عباد الأصنام، [المشركين في غابر الأيام *] ؛ فإنهم قالوا: الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله تعالى لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به وأدناه منه - فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية، والماء الصافي، ونحوهما على الجسم المقابل له.
ثم قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه ويوجه قصده وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره.
وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم - كان أقرب إلى انتفاعه به.
وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا،
стр. 1199
والفارابي، وغيرهما، وصرح به عباد الكواكب،
стр. 1200
وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها نور.
ولهذا السر عبدت الكواكب واتخذ لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات واتخذت لها الأصنام.
وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها * وتعليق الستور عليها * وإيقاد السرج عليها * وإقامة السدنة لها * ودعاء أصحابها * والنذر لهم، وغير ذلك من المنكرات * [التي ترتكبها القبورية عند الملمات] * والله هو الذي بعث رسله * وأنزل كتبه * لإبطاله وتكفير أصحابه * ولعنهم وإباحة دمائهم وأموالهم * وسبي ذراريهم *.
وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه * [وقاتل المشركين عليه] *.
فوقف هؤلاء الضالون المضلون في طريقه، وناقضوه في قصده وقالوا [تأسياً بالمشركين من فلاسفة اليونان وغيرهم] :
إن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله تعالى، وتوجه إليه بهمته وعكف بقلبه عليه - صار بينه وبين ذلك الميت اتصال يفيض به عليه نصيب مما يحصل له من الله تعالى.
стр. 1201
وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وقرب من السلطان، وهو شديد التعلق به، فما يحصل من السلطان من الإنعام والإفضال - ينال ذلك المتعلق به من حصته بحسب تعلقه به.
وبهذا السبب عبدوا القبور وأصحابها واتخذوهم شفعاء، على ظن أن شفاعتهم تنفعهم عند الله تعالى في الدنيا والآخرة؛ والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد عليهم وإبطال رأيهم....
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] ....
وقال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ...... سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] .
فبين : أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذ الشفعاء، وإنما تحصل بإذن الله تعالى للشافع ورضاه عن المشفوع له، فمن اتخذ شفيعاً من دون الله - فهو مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع فيه....) .
٥ - وقال الإمام ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في عصره على
стр. 1202
الإطلاق (١١٧٦هـ) في إبطال هذه الواسطة الأمية العامية العادية، مبيناً عقيدة المشركين السابقين * ومحققاً أن القبورية على طريقة إخوانهم الوثنيين * في جعل الصالحين * واسطة بينهم وبين رب العالمين *:
(ومنهم من اعتقد أن الله هو السيد، وهو المدبر، لكنه قد يخلع على بعض عبيده لباس الشرف والتأله، ويجعله متصرفاً في بعض الأمور الخاصة، ويقبل شفاعته في عباده، بمنزلة ملك الملوك يبعث على كل قطر ملكاً ويقلده تدبير تلك المملكة فيما عدا الأمور العظام....
وهذا مرض جمهور اليهود والنصارى والمشركين وبعض الغلاة من منافقي دين محمد ﷺ يومنا هذا) .
٦ - وقد حقق الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) أن هذا النوع من الشفاعة والتوسل هو أصل شرك العرب وغيرهم من مشركي الهند والترك والبربر.
٧ - وقال العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) بعد ذكر عقائد المشركين الأولين، مبطلاً تلك الواسطة الشركية؛ وأنها أصل دين المشركين:
стр. 1203
(فكان جل أحوال المشركين مع آلهتهم - التوكل عليهم والالتجاء بشفاعتهم - ظناً منهم أنها نافعة عنده تعالى لهم، فرد الله تعالى عليهم....) .
٨ - وقال رحمه الله تعالى:
(إذا تبين هذا فالمشركون قد كانت عبادتهم لآلهتهم هذا الالتجاء والرجاء والدعاء لأجل الشفاعة، معتقدين أنها المقربة لهم؛ فبسبب هذا الاعتقاد والالتجاء أريقت دماؤهم واستبيحت أموالهم.... فهذا الالتجاء بطلب الشفاعة ورجائها عبادة لا تصلح إلا له ، وأنها من صرف حقوقه تعالى ومن الشرك) .
٩ - وقال ﵀ أيضاًَ:
(وإذا اعتقد أنهم وسائل لله بذواتهم، فسأل منهم الشفاعة للتقريب إليهم - فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون) .
١٠ - وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) مبيناًَ أن القبورية في جعلهم الصالحين وسائط بين الله وبين الناس لجلب الخيرات ودفع المضرات - على طريقته الوثنية الأولى، راداً على بعض القبورية:
(وسمعت من بعض أغبياء الغلاة وجهلتهم من أهل الثياب المعلمة * والأقفاء المورمة، والألقاب المفخمة *:
стр. 1204
قال:.... فإذا قال القائل مستغيثاً بأحد من الأموات: يا فلان.. افعل كذا وكذا - فالمقصود الطلب من الله أن يقضي حاجته.
[يعني أن الميت واسطة وشفيع وسبب فقط] .
وبعد أن فرغ من هذا الهذيان وسكت - قلت له:..... وينبغي على قولك هذا أن يطلب من المخلوق كل شيء يطلب من الخالق، وينبغي أن لا يعترض على عبدة الأصنام وطلبهم ما يطلب من الله، فإنهم أيضاً كانوا يعتقدون أن أصنامهم وسائط ووسائل وشفعاء، وكانوا: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، ونحو ذلك من الكلام.
وإذا سئلوا: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ [يونس: ٣١] ، و ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] .
وقد سبق في هذا الكتاب في عدة مواضع بيان ذلك، وأن كلام الغلاة هذا، وكلام عبدة الأصنام من واد واحد، وقد تشابهت قلوبهم، وأوردت له عدة آيات ونصوص) .
стр. 1205
١١ - وقال رحمه الله تعالى أيضاً، مبيناً أن هذه الواسطة الشركية، وتلك الشفاعة - هي طريق مشركي العرب: (عبدة الأصنام، وهم الذين أقروا بالخالق، وابتداء الخلق، ونوع الإعادة ... وعبدوا الأصنام وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا، وقربوا القرابين وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب.
وإقرارهم بالخالق - هو الذي يسمى توحيد الربوبية، وهو الذي أقر به الكفار جميعهم، ولم يخالف أحد منهم في هذا الأصل إلا الثنوية وبعض المجوس.... وأما غيرهما من سائر فرق الكفر والشرك - فقد اتفقوا على أن خالق العالم ورازقهم ومدبر أمرهم، ونافعهم وضارهم ومجيرهم واحد؛
стр. 1206
لا رب، ولا خالق، ولا رازق، ولا مدبر، ولا نافع، ولا ضار، ولا مجير غيره.
كما قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ...
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] .
وكانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام - عبادة الله تعالى والتقرب إليه، لكن بطرق مختلفة:
فرقة قالت: ليس لنا أهلية لعبادة الله تعالى بلا واسطة، لعظمته، فعبدناها لتقربنا إليه تعالى، كما قال حكاية عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] .
وفرقة قالت: الملائكة ذوو جاه ومنزلة عند الله؛ فاتخذنا أصناماً على هيئة الملائكة؛ ليقربونا إلى الله.
وفرقة قالت: قد جعلنا الأصنام قبلة لنا في عبادة الله تعالى، كما أن الكعبة قبلة في عبادته ... ) .
стр. 1207
الجواب الثالث:
أن علماء الحنفية قد أجابوا عن شبهة الواسطة:
١ - بأن القبورية في جعلهم الصالحين واسطة بين الخلق وبين الحق تعالى لدفع المضرات * وجلب الخيرات * مشبهة مرتين بتشبيهتين من جهتين اثنتين *.
فمرة شبهوا المخلوق بالخالق في صفات الكمال، فصاروا مشبهة * وأخرى شبهوا الخالق بالمخلوق في صفات النقص فصاروا مشبهة *.
٢ - ٤- أما كون القبورية مشبهة شبهوا المخلوق بالخالق في صفات الكمال - فقد صرح علماء الحنفية بأنهم قد غلوا في الصالحين ورفعوهم فوق منزلتهم ووصفوهم بصفات الله تعالى من العلم والقدرة والسمع والإغاثة ونحوها، فعبدوهم من دون الله تعالى.
٥ - وقال العلامة شكري الآلوسي في تحقيق كون القبورية مشبهة، شبهوا الصالحين بالله تعالى في صفات الكمال * يستغيثون بهم عند الشدائد والأهوال *:
(إن المشبهة هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة، والتعظيم، والخضوع، والحلف به، والنذر له، والسجود له، والعكوف عند بيته، وحلق الرأس له، والاستغاثة به، والتشريك بينه وبين الله تعالى في قولهم:
стр. 1208
ليس لي إلا الله وأنت، وأتكل على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما شاء الله وشئت، وهذا لله ولك، وأمثال ذلك.
فهؤلاء هم المشبهة حقاً ... ) .
٦ - وقال قولاً عاماً، وكلاماً كلياً، وقانوناً مطرداً:
(كل مشرك فهو مشبه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه....) .
٧ - وأما كون القبورية مشبهة شبهوا الخالق بالمخلوق في صفات النقص - فقد صرح كثير من علماء الحنفية بأن القبورية - قد قاسوا رب العالمين * بالملوك والسلاطين * وشبهوا خالق الأرض والسماء * بالملوك الذين لا يتوصل إليهم إلا بالأمراء والوزراء *.
٨ - وقال الإمام ولي الله الدهلوي، إمام الحنفية على الإطلاق في عصره (١١٧٦هـ) ، مبطلاً شبهة الواسطة، ومزيفاً قياس رب الأرباب على الملوك في هذا الباب، ومحققاً أن المشركين بسبب هذه الواسطة وهذا القياس مشبهون:
(فمن تلك الأصول [المسلمة عندهم] : القول بأنه لا شريك لله تعالي في خلق السماوات والأرض وما فيها من الجواهر،
стр. 1209
ولا شريك له في تدبير الأمور العظام، وأنه لا راد لحكمه، ولا مانع لقضائه إذا أبرم وجزم.
وهو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] .
وقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] .
وقوله تعالى: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] .
لكن كان من زندقتهم قولهم:
إن هنالك أشخاصاً من الملائكة والأرواح تدبر أهل الأرض فيما دون الأمور العظام، من إصلاح حال العابد فيما يرجع إلى خويصة نفسه وأولاده وأمواله، وشبهوهم بحال الملوك بالنسبة إلى ملك الملوك، وبحال الشفعاء والندماء بالنسبة إلى السلطان المتصرف بالجبروت ... قياساً للغائب على الشاهد، وهو الفساد) .
وللعلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) تحقيق منهم في كون القبورية مشبهة بقياسهم ملك الملوك على هؤلاء الملوك، وابتغاء الوسيلة إليه بواسطة الأولياء - ابتغاء الناس الوسائل إلى الملوك بواسطة الوزراء والأمراء *.
الجواب الرابع:
أن علماء الحنفية قد حققوا أن المسلمين، بل الكافرين، يدعون
стр. 1210
الله تعالى مباشرة بلا واسطة، والله تعالى يجيبهم، فزالت شبهة الواسطة من أصلها:
قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) :
(وبالجملة فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل في الرغبة والرهبة - مثل دعائهم عند الكسوف، والاعتداد لدفع البلاء، وأمثال ذلك - إنما يدعون في مثل ذلك الله وحده لا يشركون به شيئاً، لم يكن للمسلمين أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله؛ بل كان المشركون في جاهليتهم يدعونه بلا واسطة فيجيبهم الله، أفتراه بعد التوحيد والإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ .....) .
الجواب الخامس:
أن علماء الحنفية قد حققوا أن هذه الواسطة التي تشبثت القبورية بها باطلة من أصلها، إذ هي متضمنة لعدة مفاسد كفرية؛ كما حققوا أن قياس القبورية لله على الملوك قياس من أفسد الأقيسة، إذ هو قياس مع الفارق الذي استلزم عدة من أنواع الكفر:
الأول: أن الملوك لأجل جهلهم بحقائق الأمور وعدم علمهم بأحوال الرعية - يحتاجون إلى الوسائط من الأمراء والوزراء والندماء والوجهاء والعرفاء ليبلغوهم أحوال الرعية، ويرفعوا إليهم حوائجهم، بخلاف عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية، فمن ظن أن الله تعالى مثل الملوك
стр. 1211
فهو كافر.
الثاني: أن الملوك عاجزون عن تدبير أمورهم والقيام على حقوق رعاياهم ودفع أعدائهم، فهم في حاجة إلى أعوان وأنصار من الوزراء ليعينوهم في تدبير مملكتهم وسياسة رعاياهم وحفظ بلدانهم وأوطانهم، بخلاف رب الكائنات، الخالق، الحي، القيوم، القادر، المالك، الغني، القاهر، القوي، العزيز، فمن ظن أن الله تعالى مثل الملوك فهو كافر.
الثالث: أن الملوك ليسوا مريدين لنفع الرعية والإحسان إليهم ورحمتهم - إلا بمحرك يحركهم من خارج، فاحتاجوا في ذلك إلى الشفعاء والنصحاء ينصحوهم ويشفعوا عندهم للمضطرين والمكروبين من رعاياهم، ليقوموا بقضاء حوائجهم بهذا الترغيب والنصيحة والشفاعة.
بخلاف الله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الرءوف، الذي هو أرحم الراحمين، وأرحم بخلقه من أية والدة بولدها، ومن ظن أن الله تعالى مثل الملوك فقد كفر كفراً مبيناً.
الرابع: أن الملوك مضطرون إلى قبول شفاعة أمرائهم ووزرائهم لحاجتهم إليهم في حفظ البلاد وسياسة العباد؛ فالملوك يقبلون شفاعتهم بإذنهم وبدون إذنهم، لمن يرضون عنه ولمن يسخطون عليه، بخلاف رب الأرباب، فإنه غني حي قيوم، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وهو مالك الأكوان، ليس له لأحد فيها من شريك، ولا له من خلقه من ظهير، فهو لا يقبل الشفاعة إلا لمن أذن له، ورضي له قولاً، ومن
стр. 1212
ظن أن الله تعالى مثل الملوك فقد كفر كفراً صراحاً.
فتبين من هذا أن هذه الواسطة الكفرية الشركية باطلة فاسدة من عدة وجوه، متضمنة عدة من المفاسد؛ وأن قياس خالق الملوك على الملوك قياس فاسد أشد الفساد؛ إذ هو قياس مع الفارق الذي يستلزم عدة من أنواع الكفر البواح.
وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، وهذا أصل شرك الخلق، فهم أجهل الناس بالله وبحقه وما يجب له، وما يمتنع عليه، حيث قاسوا الخالق المالك الرب المعبود الغني، على المخلوق المملوك المربوب العابد الفقير المحتاج.
الجواب السادس:
أن شبهة الواسطة باطلة من أصلها، مجتثة من جذورها، بل تصور وجود الواسطة ههنا غير وارد أصلاً، وذلك لوجوه:
الأول: أن الأموات لا يعلمون بحال المضطرين المكروبين المستغيثين المستشفعين بهم، كما سبق في باب علم الغيب. فكيف يشفعون لهم؟ وكيف يكونون واسطة بينهم وبين الله؟ .
الثاني: أن الأموات لا تصرف لهم في الكون، كما سبق في باب
стр. 1213
التصرف، فكيف يتصرفون تصرف الشفعاء والوزراء؟ .
الثالث: أن الأموات لا يسمعون دعاء المستغيثين بهم، كما صرح بذلك علماء الحنفية، فكيف يمكن لهم الشفاعة والتوسط بدون أن يسمعوا نداءهم؟ .
الرابع: أنه لم يثبت في الشرع أن الميت يشفع لمن يستغيث به، كما حققه علماء الحنفية.
الشبهة الثانية عشرة:
شبهة الشفاعة:
وهي أن الصالحين أحياء وأمواتاً يشفعون للمستغيثين بهم عند الله ، والله يقبل شفاعتهم فيهم فتقضى حوائجهم.
هذا حاصل تقرير القبورية لشبهة الشفاعة، وهي في الحقيقة شبهة الواسطة.
الجواب:
جواب شبهة الشفاعة هو بعينه جواب شبهة الواسطة، فراجعه.
стр. 1214
الشبهة الثالثة عشرة:
شبهة التوسل:
وتقرير هذه الشبهة عند القبورية: أن نداء الأموات عند الكربات * والاستغاثة بهم عند الملمات * نوع من أنواع التوسل بالصالحين * الأحياء منهم والمقبورين *
فإذا جاز التوسل بالصالحين أحياء وأمواتاً - جاز طلب المدد منهم والاستغاثة بهم.
هكذا يشركون بالله، ويستغيثون بالأموات عند البليات * تحت ستار التوسلات *.
والجواب:
سيأتي إن شاء الله تعالى في باب التوسل.
الشبهة الرابعة عشرة:
شبهة الكسب والسبب:
تزعم القبورية أنه يجوز الاستغاثة بالصالحين ونداؤهم عند الكربات، وطلب الغوث منهم، على أن الغوث منهم كسباً وتسبباً، ومن الله تعالى خلقاً وإيجاداً.
стр. 1215
والجواب عنها قد سبق بعون الله .
الشبهة الخامسة عشرة:
شبهة المجاز العقلي:
لقد تسترت القبورية المستغيثين بالأموات عند الكربات، تحت ستار لفظ ((المجاز)) ليخفوا شركهم البواح، فاعتذروا بعذر باطل كذب فاسد عاطل *.
فزعموا أن كل ما نطلبه من الأولياء فإنما نطلبه على سبيل المجاز، وإنما الطلب في الحقيقة من الله تعالى.
وقالوا: إن قول القائل في الاستغاثة بغير الله: أغثني يا رسول الله، فهو من الإسناد المجازي.
وقول القائل للولي: افعل كذا وكذا.
وقول القائل: يا محمد، يا علي، يا عبد القادر، يا أولياء الله، اقض حاجتي، أو اشف مريضي، أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك، مجاز في الإسناد.
وقول القائل: نفعني النبي، أو الولي، أو أخذ بيدي، أو أغاثني. وقول القائل: رد علي بصري. ونحو ذلك، إسناد مجازي.
стр. 1216
أما الجواب عنها فقد تقدم بحول الله تعالى وتوفيقه.
الشبهة السادسة عشرة:
شبهة الاستقلال:
تزعم القبورية المستغيثون بالأموات عند الكربات لإخفاء شركهم: أننا لا نعتقد استقلال الأولياء بالنصر والإغاثة وكشف الكربات، وإنما المستقل بذلك هو الله تعالى وحده.
قلت:
الحقيقة أن شبهة الاستقلال وشبهة المجاز، وشبهة الكسب والسبب، وشبهة التوسل، وشبهة الشفاعة، وشبهة الواسطة، ونحوها من الشبهات - كلها شبهة واحدة:
وهي أن القبورية يقولون: إننا لا نعتقد في الأولياء الاستقلال بالتأثير، ولا الخلق والإيجاد، بل نعتقد أن الاستقلال بالتأثير وإيجاد النفع لله تعالى، وإنما نعتقد فيهم أنهم أسباب ووسائل ووسائط، وأنهم شفعاء لنا عند الله تعالى لما لهم من المنزلة الرفيعة عند الله .
وقد سبق الجواب عن شبهة الاستقلال.
стр. 1217
وجميع الأجوبة عن هذه الشبهات جواب عن كل شبهة من هذه الشبهات.
الشبهة السابعة عشرة:
شبهة الأحجار والأشجار والأصنام:
تزعم القبورية - معتذرين بعذر باطل * ليخفوا شركهم - بستر عاطل *:
أن مشركي العرب كانوا يعبدون الأحجار، والأشجار، والأصنام، التي لا احترام لها عند الله تعالى، ولم يكونوا يستغيثون بالصالحين، ولم يتشفعوا بهم إلى الله، وأما نحن فنستغيث بالأنبياء، والأولياء، ونتوسل بهم، أحياء وأمواتاً، لما لهم من المكانة العظيمة، والمنزلة الرفيعة عند الله تعالى.
قلت: وهذه من أعظم شبهاتهم، وعامتهم يتشبثون بها.
وقد سبق الجواب عنها، فصارت كأمس الدابر بتوفيق الله تعالى.
الشبهة الثامنة عشرة:
شبهة كفرية، زندقية، إلحادية * حلولية، اتحادية وجودية *.
تعتقد غلاة القبورية جهاراً دون إسرار، ولا حياء من العباد ولا من رب العباد * أن الولي قد يصل إلى درجة، يصل إلى الله، تعالى [عن الأنداد] * بحيث أن الله تعالى إنما يحل فيه فيكون الولي مظهراً من مظاهر الله
стр. 1218
تعالى، أو يكون الولي عين الله تعالى؛ فيكون يد الولي وسمعه وبصره - يد الله وسمعه وبصره؛ فحينئذ طلب المدد من الولي والاستغاثة به - في الحقيقة طلب من الله تعالى واستغاثة به.
وتشبثوا لإثبات هذا الإلحاد والزندقة وجواز الاستغاثة بالأموات، وطلب الغوث والمدد منهم بناء على أن الولي عين الله، أو أن الله حل في الولي - بحديث قدسي:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(إن الله قال: (( «من عادى لي ولياًَ فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته - كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش»
стр. 1219
«بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» )) ... ) .
ويجدر بي أن أسوق بعض أقوال القبورية في تقرير هذه الشبهة الكفرية الإلحادية، وتشبثهم بهذا الحديث الصحيح بعد تحريفهم له تحريفاً معنوياً، باطنياً، قرمطياً، زندقياً، ليثبتوا الحلول والاتحاد أولاً، ثم يبنوا عليه دعاء الأموات عند الكربات:
١ - قال ابن جرجيس، أحد أئمة القبورية العراقية (١٢٩٩هـ) :
(إن الحديث القدسي الوارد في أولياء الله تعالى كما في البخاري:
(( «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» ... )) - مما يدل على أن الطلب من أولياء الله طلب من الله تعالى.) .
٢ - وقال أيضاً: ((والاستعانة بأنبياء الله وأوليائه استعانة بالله في الحقيقة) .
٣ - وقد نقل العلامة شكري الآلوسي عن صوفية عصره كلاماً أصرح من هذا في التشبث بهذا الحديث لجواز الاستعانة بغير الله.
٤ - والصوفية القبورية الملاحدة يستدلون بهذا الحديث ويقولون:
(إن العبد في القرب الأول [أي القرب بالفرائض] يصير جارحة لله
стр. 1220
جل مجده، والله سبحانه نفسه يكون جارحة لعبده في القرب الثاني [أي القرب بالنوافل] ....) .
٥ - ويقول ابن الفارض (٦٣٢هـ) أحد كبار أئمة الملاحدة الزنادقة الوثنية الاتحادية:
فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادى أجابت من دعاني ولبت)
يعني هذا الغاوي الغوي: إن دعوت الله فقد دعوت الولي، وإن دعوت الولي فقد دعوت الله، لأن الله والولي شيء واحد، ومن خبثه أنه عبر عن الله بالأنثى! .
٦ - وقال ابن عربي (٦٣٨هـ) تشبثاً بهذا الحديث بعد تحريفه
стр. 1221
تحريفاً قرمطياً * كفرياً اتحادياً وثنياً *:
أخبر محمد ﷺ عن الحق تعالى:
(بأنه عين السمع، والبصر، واليد، والرجل، واللسان، أي هو عين الحواس) .
стр. 1222
٧ - وقال عبد الكريم الجيلي (٨٣٢هـ) أحد ملاحدة الصوفية الاتحادية
стр. 1223
مستدلاًَ بهذا الحديث على كفره الاتحادي، محرفاً له تحريفاً قرمطياً إلحادياً:
(وها هو سمع بل لسان أجل بدا ... لنا هكذا بالنقل أخبر شارع
فعم قوانا والجوارح كونه ... لساناً وسمعاً ثم رجلاً تسارع)
٨ - وهكذا نرى الحلاج إمام هؤلاء الملاحدة الإلحادية * والزنادقة الاتحادية * (٣٠٩هـ) ينفخ في بوق إلحاده وكير اتحاده قائلاًَ:
(يا عين عين وجودي يا مدى هممي ... يا منطقي وعباراتي وإيمائي
يا كل كلي ويا سمعي ويا بصري ... يا جملتي وتباعيضي وأجزائي)
٩ - ونقل العلامتان: محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) ، وحفيده شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) عن الصوفية قولهم:
(إن الاستغاثة بالأولياء محظورة إلا من عارف يميز بين الحدوث والقدم، فيستغيث بالولي لا من حيث نفسه؛ بل من حيث ظهور الحق فيه، فإن ذلك غير محظور؛ لأنه استغاث بالحق حينئذ) .
стр. 1224
١٠ - وقال هؤلاء الملاحدة الحلولية الاتحادية الوثنية - في تحريف قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات:٥] ، تحريفاً قرمطياً كفرياً حلولياً وثنياً:
(إن المراد بها قلوب الكاملين، فإنهم إذا وصلوا إلى الحق - يتصفوا بصفات الله تعالى، فيرجعوا من تدبير دعوة الحق إلى الخلق) .
١١ - وبعض غلاة القبورية الصوفية الملاحدة الحلولية الاتحادية يزعمون، مستدلين بهذا الحديث بعد تحريفهم له تحريفاً قرمطياً إلحادياً قبورياً وثنياً: أن الولي إذا وصل إلى هذا الحد الذي ذكر في هذا الحديث - يكون مسلوب الاختيار عن نفسه، ويكون في قبضته تعالى، وأن الله تعالى يتصرف بجميع أموره، فحينئذ تضمحل ذاته في ذاته، وصفاته في صفاته، ويغيب عنه كل ما سواه، فلا يرى في الوجود إلا هو، وهذا ما يسمونه الفناء في الله، أي الانسلاخ عن دواعي نفسه.
قلت:
قصدهم بهذه القرمطة الإلحادية أن الولي إذا صار سمع الله وبصره
стр. 1225
ويده -تسلب عنه قواه البشرية، ويعطى القوة الربوبية والألوهية، فيستحق العبادة، ولا سيما الاستغاثة به، فإنه هو الله * أو حل فيه الله *! .
١٢ - وإلى هذه يهدف حجة إسلام الجهمية والقبورية والصوفية في آن واحد: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (٥٠٥هـ) بقوله:
وهل أنا إلا أنت ذاتاً ووحدة ... وهل أنت إلا نفس عين هويتي
فصرت إذا وجهت وجهي مصلياً ... فرائض أوقاتي فنفسي كعبتي
فصار صيامي لي ونسكي وطاعتي ... ونحري وتعريفي وحجي وعمرتي
وحولي طوافي واجب وخلاله است ... تلامي لركني من مناسك حجتي
وذكري وتسبيحي وحمدي وقربتي ... لنفسي وتقديسي وصفو سريرتي
ولو لم أؤد الفرض مني إلي لم ... يصح بوجه لي ولم تبر ذمتي
الجواب:
لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة الإلحادية الزندقية بعدة أجوبة، أذكر منها:
стр. 1226
الجواب الأول:
أن القبورية قد برهنوا بهذه الشبهة كتابة ببنانهم * وشهدوا على أنفسهم إقراراً بلسانهم * بأنهم أهل الحلول والاتحاد * اللذين هما من أقبح أنواع الزندقة، وأشنع أصناف الإلحاد * لأن هذه الشبهة مبنية على الحلول والاتحاد * وهما من أعظم أنواع الكفر، وأقبح الإلحاد * ولكن زندقة الاتحاد أعظم من إلحاد الحلول.
стр. 1227
فالقبورية في التشبث بهذه الشبهة بناء على تحريفهم هذا الحديث الصحيح تحريفاً باطنياً * قرمطياً حلولياً اتحادياً إلحادياً كفرياً وثنياً * لجواز الاستغاثة بالأموات عند الكربات * وعبادتهم أنواعاً من العبادات * - مسايرون للملاحدة الزنادقة الإلحادية * الاتحادية الصوفية الوثنية *:
أمثال: الحلاج (٣٠٩هـ) .
وابن الفارض (٦٣٢هـ) .
وابن عربي (٦٣٨هـ) .
стр. 1228
وابن سبعين (٦٦٩هـ) .
والقونوي (٦٧٣هـ) .
والتلمساني (٦٩٠هـ) .
стр. 1229
وأمثالهم من الذين نعقوا بالزندقة، ونهقوا بالإلحاد * ونقوا بالاتحاد * محرفين لنصوص الكتاب والسنة تحريفاً باطنياً، قرمطياً، لإثبات إلحادهم الاتحادي، ومن تلك النصوص التي حرفوها تحريفاً باطنياً * قرمطياً، إلحادياً، اتحادياً * - هو هذا الحديث الصحيح، ليتذرعوا بذلك إلى عبادة الأموات * والاستغاثة بهم عند الكربات *.
وبعد هذا التمهيد أذكر نصوص علماء الحنفية في عدة مطالب لتحقيق هذا الجواب * وبيان أن القبورية على طريقة الحلولية والاتحادية في هذا الباب *.
****
стр. 1230
المطلب الأول
في ذكر زندقة رءوس هؤلاء الملاحدة على سبيل الإجمال
قال الإمام تاج الدين أبو محمد أحمد بن عبد القادر القيسي، المعروف بابن مكتوم، أحد كبار الحنفية (٧٤٩هـ) ، والعلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) - نقلاً عن أبي حيان الأندلسي (٧٥٤هـ) في بيان زندقة هؤلاء الصوفية الاتحادية الحلولية الإلحادية - واللفظ للثاني:
(إن من النصارى من قال: إن المسيح هو الله، ومنهم من قال: هو ابن الله، ومنهم من قال: هو ثالث ثلاثة،
وتقدم أنهم ثلاث طوائف: ملكانية، ويعقوبية، ونسطورية،
следующие страницы →